رسائل الشريف المرتضى - ج3

- السيد المرتضى المزيد...
334 /
83

(30) أجوبة المسائل القرآنية

84

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

85

[وجه استغفار إبراهيم (عليه السلام) لأبيه]

مسألة:

قال اللّٰه تعالى مخبرا عن إبراهيم (عليه السلام) أنه قال رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوٰالِدَيَّ (1) و الذي أخبرنا اللّٰه تعالى أنه وعد أباه بالاستغفار دون أمه، فقال إِلّٰا قَوْلَ إِبْرٰاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ (2) و قال سَلٰامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي (3) و قال مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ (4).

فما وجه استغفاره لوالديه؟ و لأحد أن يقرأ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوٰالِدَيَّ بياء ساكنة غير مشدودة؟ فيكون ذلك موافقا لقوله وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كٰانَ مِنَ الضّٰالِّينَ (5) و محققا لما وعده به من الاستغفار؟.

الجواب:

اعلم أنا قد بينا في كتابنا الموسوم ب«تنزيه الأنبياء و الأئمة»

____________

(1) سورة إبراهيم: 41.

(2) سورة الممتحنة: 4.

(3) سورة مريم: 47.

(4) سورة التوبة: 113.

(5) سورة الشعراء: 86.

86

القول في استغفار إبراهيم (عليه السلام) لأبيه، بسطناه و شرحناه و فرعناه، فمن أراد النهاية وقف عليه من هناك. (1) و في قوله رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوٰالِدَيَّ وجهان:

أحدهما: أن عند الشيعة الإمامية أن الأب الكافر الذي وعده إبراهيم (عليه السلام) بالاستغفار لما وعده ذلك بالإيمان، انما كان جده لامه، و لم يكن والده على الحقيقة، و أن والده كان مؤمنا. و يجوز أن يكون الإمام أيضا مؤمنة كوالده، و يجعل دعاء إبراهيم (عليه السلام) لها بالمغفرة دليلا على إيمانها.

و الوجه الأحسن: انا لا نجعل ذلك إبراهيم (2) دعاء لنفسه، بل تعليما لنا كيف ندعو لنفوسنا و للوالدين المؤمنين منا، كما تعبد اللّٰه نبينا (صلى اللّٰه عليه و آله) بأن يقول رَبَّنٰا لٰا تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا (3) و هو (عليه السلام) لا يخطئ للعصمة و انما قال ذلك تعليما لنا.

فأما القراءة بتسكين الياء، فان كانت مروية و قد روي بها جازت (4)، و الا فالإبداع غير جائز.

مسألة [في تفسير آية و السابقون الأولون من المهاجرين إلخ]

سأل الإمامية مخالفونا، فقالوا: أخبرونا أ ليس اللّٰه تعالى يقول وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا

____________

(1) تنزيه الأنبياء ص 33.

(2) الظاهر زيادة كلمة «إبراهيم».

(3) سورة البقرة: 286.

(4) في هامش النسخة: و قد قرئ بها جازت القراءة بالتخفيف.

87

عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا (1) مع نظائرها أو ليس هذا اخبار صدق يقطع العذر وضوحه و ينفي الشك بيانه و يسقط ان دل عليه و يقوم تبصرة نفسه.

فان قلتم: بلى.

قلنا: عرفونا من هؤلاء؟ و ميزوهم لنا من غير توالي و تعادي على بصيرة و تثبت و يكون على يقين. و ان افترضتم في هذه المدعوة الجميلة بأمر، لزمكم مثله فيمن تزعمون أنه وعد بأعداد الجنة و حسن المنقلب في هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ (2) و نظائرها قتلو لله (3) و ينسبون معناه الى من أردتم فما الفصل؟.

و قالوا: قبض النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من كذا و كذا الصحابي، أ فترى هؤلاء كلهم ضلوا، و هذه الوعود الحسنة و الأقوال الجميلة لهم و فيهم، فان كانوا ضلوا فمن بعدهم ممن تابعهم أضل و أضل من بعد أولئك أيضا الى اليوم بالظلم الان و البغي و الربا و شرب الخمور و المناكرات و الفواحش و الجنة المنعوتة الى الأمم سكانها، و من هذه الأمة؟ مع هذه الصفات القبيحة المظنة أهلها، فان لم يكن الصدر الأول و الا ما عدهم.

الجواب:

قال الشريف الأجل المرتضى علم الهدى: قد بينا في كتابنا المعروف ب«الشافي» الذي نقضنا به على صاحب الكتاب المعروف ب«المغني» كلامه

____________

(1) سورة التوبة: 100.

(2) سورة الإنسان: 1.

(3) كذا في النسخة.

88

في الإمامة و تعلقه بهذه الآية، لانه أوردها من جملة ما احتج به، و حكاه عن أبي على الجبائي و استقصينا الكلام فيها، و نورد هاهنا جملة كافية مقنعة.

و أول ما نقوله: ان ظاهر هذه الآية لا تقتضي أن السبق المذكور فيها انما هو السبق إلى إظهار الايمان و الإسلام و اتباع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، لان لفظ «السابقين» مشتركة غير مختصة بالسبق إلى شيء بعينه.

و قد يجوز أن يكون المراد بها السبق الى الطاعات، فقد يقال لمن تقدم في الفضل و الخير: سابق و متقدم. قال اللّٰه تعالى وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (1) فإنما أراد المعنى الذي ذكرناه، و قال تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ (2) و يكون معنى قوله تعالى «الْأَوَّلُونَ» التأكيد للسبق و التقدم و التدبير فيه، كما يقال: سابق بالخيرات أول سابق.

و إذا لم يكن هاهنا دلالة تدل على أن المراد بالسبق في الآية إلى الإسلام فقد بطل غرض المخالفين. و إذا دعوا فيمن يذهبون الى فضله و تقدمه أنه داخل في هذه الآية إذا حملنا على السبق في الخير و الدين احتاجوا الى دليل غير ظاهر الآية، و أنى لهم بذلك.

ثم إذا سلمنا أن المراد بالسبق في الآية السبق إلى الإسلام و الايمان بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فلا بد من أن يكون الآية مشروطة بالإخلاص و أن يكون الظاهر كالباطن، فان اللّٰه لا يعد بالجنة و الرضوان من أظهر الإسلام و أبطن خلافه.

و لا خلاف بيننا و بين مخالفينا في أن هذا الشرط الذي ذكرناه مراعى في

____________

(1) سورة الواقعة: 10.

(2) سورة فاطر: 32.

89

الآية، و إذا كان لا بد من مراعاته فمن أين للمخالف أن القوم الذين يذهبون الى تعظيمهم و تفضيلهم ممن أظهر السبق إلى الإسلام كان باطنهم كظاهرهم، حتى يستحق الدخول تحت الوعد بالجنة و الرضا من اللّٰه تعالى.

و يختص مخالفونا بشرط آخر يذكرونه على مذاهبهم، و هو أنهم يشترطون في هذه الآية و في أمثالها من آيات الوعد بالثواب على الطاعات، أن لا يأتي هذا المطيع بما يسقط به ثواب طاعته من الأفعال القبيحة. و نحن لا نشترط ذلك لان مذاهبنا أن المؤمن على الحقيقة (1) سرا و علانية لا يجوز أن يكفر، و لا يحتاج الى هذا الشرط، و ان شرطنا نحن و هم جميعا في آيات الوعيد بالعقاب، الا أن يتوب (2) هذا العاصي فان التوبة يسقط عندنا العقاب تفضلا و عند مخالفينا وجوبا، فلا بد من اشتراطها في الوعيد بالعقاب.

فمن أين لمخالفينا إذا ثبت لهم دخول من يريدون دخوله في الآية، مضافا الى ايمانه باطنا و ظاهرا أنه ما أتى طول عمره بما يسقط ثواب سبقه إلى الإسلام.

فإن قالوا: فمن أين تعلمون أنتم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو معني بهذه الآية عندكم قد حصل فيه الشرط الذي ذكرتم أنه لا بد من اشتراطه.

قلنا: نحن لا نعتمد في الدلالة على فضل أمير المؤمنين عليه لسلام و تقدمه على الخلق في الثواب بعد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) بهذه الآية، فيلزمنا أن نذكر حصول شرطها فيه، بل نعتمد في ذلك على ما هو معروف مسطور في الكتب

____________

(1) في الهامش: كذا.

(2) ظ: ألا يتوب.

90

مما ليس للمخالف مثله، و انما يجب على المخالف إذا كان معتمدا في فضل من يذهب الى تفضيله على هذه الأمة (1) أن يدل على أن الشرط المعتبر في هذه الآية حاصلة فيه بعد، و قد ثبت عصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) عندنا و طهارته من القبائح كلها، و أنه لا يجوز أن يظهر من الطاعات و الخيرات خلاف ما يبطن.

و آكد ما دل على ذلك أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) نص عليه بالإمامة و الاستخلاف بعده على أمته بالأدلة التي ذكرناها في كتبنا و بسطناها، لا سيما في الكتاب «الشافي».

و إذا ثبت أنه الإمام المستخلف على الأمة، ثبت أنه معصوم، لان العقول قد دلت على أن الامام لا بد من أن يكون معصوما لا يجوز تخطيه من الخط ما جاز على رعيته، فبهذه الدلالة و نظائرها نعلم أن باطن أمير المؤمنين (عليه السلام) كظاهره، و أنه لا يجوز أن يظهر من الخيرات و الطاعات ما يجوز أن يبطن خلافه فنعلم بذلك دخوله قطعا تحت الآية.

و هذا هو الجواب عن الاعتراض بحصول التوابع فيمن عني بسورة «هل أتى». فإن ادعى مخالفونا دخول غيره فيه، فيجب أن يدلوا على مثل ما دللنا عليه، و الا كانوا حاصلين على الدعوى العارية من برهان.

على أنا نقول: ليس يخلو المراد بالسابقين المذكورين في الآية، هو السابق الذي لم يتقدمه غيره، أو يراد به من سبق سواه، و ان كان مسبوقا في نفسه بغيره، و ان كان المراد هو الأول، فالذين هم بهذه الصفة في السبق إلى الإسلام أمير المؤمنين (عليه السلام) و حمزة و جعفر و خباب بن الأرت و زيد بن حارثة و عمار بن ياسر (رحمة اللّٰه عليهم)، و من الأنصار سعد بن معاذ و أبو الهيثم بن

____________

(1) خ ل: الآية.

91

التيهان و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين.

فأما أبو بكر ففي تقدم إسلامه خلاف معروف، و قد ذكر أهل النقل أن إسلام أمير المؤمنين (عليه السلام) و عمر (1) و جعفر و خباب و زيد كان مقدما لإسلامه، و الاخبار بذلك في نقل أصحاب الحديث و أصحاب السير من العامة مشهورة معروفة.

فعلى من ادعى تقدم إسلام أبي بكر و أنه سابق لا متقدم له أن يدل على ذلك، و هيهات أن يتمكن من ذلك. ثم إذا دل عليه، وجب أن يدل على نظائره في أن ظاهره كباطنه، و أن لم يأت في باقي عمرة ما يزول معه الثواب الذي استحقه بإيمانه و إسلامه، دون ذلك خرط القتاد.

و ان كان الأمر على الوجه الثاني الذي قسمناه في كلامنا، فهو مؤد الى أن يكون جميع المسلمين الذين اتبعوا النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) سابقين في الإسلام إلا الواحد الذي لم يكن بعده إسلام من واحد، و معلوم خلاف ذلك.

فقد بان بهذه الجملة مذهبنا في المعني بهذه الآية، لأنه ان كان المراد بها السبق الى الخيرات و الطاعات، و كل سابق في ذلك ممن ظاهره كباطنه، داخل تحته. و ان كان المراد السبق إلى الإسلام، و كل سابق إلى الإسلام ممن باطنه فيه كظاهره و علانيته كسره داخل في الآية. فمن ادعى في بعض ما اختلف في إسلامه أن إسلامه يتقدم له الدليل على ذلك.

ثم عليه بعد ذلك إذا ثبت له تقدم إظهار الإسلام أن يدل على أن الباطن كالظاهر، ثم على سلامة ثوابه، و معلوم تعذر ذلك و تعسره على من يروم من

____________

(1) ظ: حمزة.

92

مخالفينا، و الا فليتعاطوه ليعلموا أعجزهم (1) عن ذلك.

فأما ختم به هذه المسألة من أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قبض عن كذا و كذا الصحابي أ فترى هؤلاء كلهم ضلوا؟

فالجواب عنه: معاذ اللّٰه أن يفضل عن الحق جميع أصحاب النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، أو يعدل الى القول بالباطل على جميع الأئمة في وقت من الأوقات بل لا بدّ للحق في كل زمان من قائل به و ذاهب اليه و مقيم عليه، و ان ضل عنه غيره.

و الذين ضلوا الضلال الشديد بعد وفاة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من بعد مخالفته فيمن نصبه للإمامة و ارتضاه للخلافة، و عدل بالأمر عنه و صيره في غيره، افتتاناً على الرسول، و تقدماً بين يديه، و خلاف (2) ظاهراً عليه، ثم اتبع هؤلاء الجم و العدد الكثير تقليداً لهم و حسن الظن بهم، و عجزاً عن الاختبار و الاعتبار فضلا أيضاً دون ذلك الضلال.

و نفى أهل الحق الذين علموا أن الإمامة في أمير المؤمنين (عليه السلام) بالنص و التوقيت، و أنه أوان (3) أغلب على مقامه، و حيل بينه و بين حقه، فهو المستحق للإمامة.

و هؤلاء جماعة بني هاشم، و من المهاجرين و الأنصار جماعة كثيرة معروفون و هم الذين تأخروا عن بيعة أبي بكر، و اجتمعوا الى أمير المؤمنين (ع) متحاورين

____________

(1) ظ: عجزهم.

(2) ظ: خلافاً.

(3) ظ: و ان.

93

اليه و تعمدن (1) ما يصرفهم عليه و يزيدهم به، فلما رأوا حاله على الاستمرار على المنازعة و المجاذبة.

و هذا الأمر بعد أن قربت الشبهة فيه و كثرت الأعوان عليه. و إذا عدد النصار لما تم من الاختيار علماً منه بما يعقب المخارجة، و تورث المجاهرة من الفساد العظيم في الدين، و تفرق الشمل و تشعب الحيل اقتداءً به في الإمساك و المشاركة، الى أن يقضي اللّٰه أمراً كان مفعولًا.

مسألة [المراد من الصاعقة و الرجفة في الآيتين]

ان سأل سائل فقال: أ ليس قد أخبر اللّٰه تعالى أنه أهلك عاداً بالريح، ثم قال في سورة حم السجدة فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صٰاعِقَةً مِثْلَ صٰاعِقَةِ عٰادٍ وَ ثَمُودَ» (2).

و قال عز و جل في قصة ثمود فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ (3) فسمى الصاعقة المذكورة في سورة حم رجفة، و معلوم أن الريح غير الصاعقة، و الصاعقة غير الرجفة.

الجواب:

انه غير ممتنع أن ينضم الى الريح صاعقة في إهلاك قوم عاد، فيسوغ أن يخبر في موضع أنه أهلكهم بالريح، و في آخر أنه أهلكهم بالصاعقة.

____________

(1) في الهامش: تعمدت.

(2) سور فصلت: 13.

(3) سورة الأعراف: 78 و 91.

94

و قد يجوز أن يكون الريح نفسها هي الصاعقة، لأن كل شيء صعق (1) الناس منه فهو صاعقة.

و كذلك القول في الصاعقة و الرجفة أنه غير ممتنع أن يقترن بالصاعقة الرجفة، فيخبر في موضع بأنهم أهلكوا بالصاعقة و في آخر بالرجفة.

و قد يمكن أن تكون الرجفة هي الصاعقة، لأنهم صعقوا عندها.

مسألة [كيفية نجاة هود عليه من الريح المهلك]

ان سأل سائل فقال: ان الماء في عهد نوح لما يم جميع الأرض لم ينج من الغرق لا أصحاب السفينة، فالريح المسخرة بم أعظم (2) منها هود (عليه السلام) و من اتبعه من المؤمنين، مع علمنا أن كل ريح تهب من شمال أو جنوب أو صبا أو دبور فإنها تعم الأرض و أكثرنا.

و هذا السؤال و ان لم يكن داخلا في علم الكلام، فإن كثرة العلم و جودة الطبع يوسع للمسئول إذا كانت هذه حالة المقال و يضرب له المثال.

الجواب:

عن الريح المهلكة لعاد المدمرة عليهم ما الوجه في كيفية نجاة هود (عليه السلام) منها و من نجاة من نجى بنجاته من أهله و أصحابه مع عموم الريح الأماكن كلها.

____________

(1) كذا و الظاهر: يصعق.

(2) ظ: نجى.

95

فالجواب عندي أنه غير ممتنع أن يكون هود (ع) و من كان في صحبته بحيث لم تهب فيه هذه الريح المهلكة، و اللّٰه تعالى قادر على أن يخص بالريح أرضاً دون أرض، و يكف عن هود (عليه السلام) و من معه عند هبوبها و تأثير اعتمادها، فلا يلحقهم من الضرر بها و ان هبت بينهم كما لحق من هلك، كما أنه تعالى كف إحراق النار عن إبراهيم (عليه السلام) و بردها في جسمه و ان كان حاصلا فيها، و كل ذلك جائز واضح.

مسألة [الإشكال الوارد في آية «وَ لَقَدْ خَلَقْنٰاكُمْ إلخ»]

أجمع أهل العربية على أن «ثم» توجب في العطف الترتيب دالة على التعقيب، و إذا كان هذا كما وصفوا فما معنى قوله تعالى وَ لَقَدْ خَلَقْنٰاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنٰاكُمْ ثُمَّ قُلْنٰا لِلْمَلٰائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ (1).

فيجيء من هذا على قول النحويين أنه تعالى أمر الملائكة اسجدوا لادم بعد خلقه و تصويره قوماً خوطبوا بذلك، فان كان هؤلاء المخاطبون من ذرية آدم فهنا (2) من الأمر المستحيل، و ان كان من غير ذرية آدم، فيحتاج الى دليل.

الجواب:

أما قوله تعالى وَ لَقَدْ خَلَقْنٰاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنٰاكُمْ ثُمَّ قُلْنٰا لِلْمَلٰائِكَةِ اسْجُدُوا

____________

(1) سورة الأعراف: 11.

(2) ظ: فهذا.

96

لقسوم ليسوا من نسل آدم (عليه السلام) بل للجن و غيرهم من خلق اللّٰه تعالى، و على هذا الجواب تسقط الشبهة و لا يبقى سؤال.

الجواب الأخر:

أن يكون قوله تعالى خَلَقْنٰاكُمْ لم يرد به الإيجاد و الإحدات و ان كان الخطاب به لبني آدم، و انما أراد تعالى التقدير.

و على هذا المعنى حمل قوم من العلماء قوله تعالى وَ اللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ (1) بمعنى أنه تعالى قدرها و علم كيفيتها و أحوالها و سوء (2) الخلق الإيجاد و الاحداث و قد يسمى أحدنا بأنه خالق للأديم و ان لم يكن محدثاً و لا موجوداً، فالشبهة أيضاً ساقطة عن هذا الجواب.

و قد أجاب قوم عن هذا السؤال، بأن لفظة «ثُمَّ» في قوله تعالى قُلْنٰا لِلْمَلٰائِكَةِ لم يأت لترتيب الجواب الأمر بالسجود على الخلق و التصوير، لا الأمر هو المرتب عليها.

و هذا الجواب و ان كان مسقطاً للشبهة، فإنه مخالف للظاهر، لان ظاهر الكلام يقتضي أن الأمر بالسجود هو المرتب لا للاعلام. أ لا ترى أن القائل إذا قال: ضربت زيداً ثم عمراً، فان الظاهر من كلامه يقتضي أن ضرب عمرو هو المرتب على ضرب زيد.

و على هذا الجواب الذي حكيناه يجوز أن يكون ضرب عمرو متقدماً على ضرب زيد، و انما أدخل لفظة «ثم» لإعلام ترتب الضرب على الضرب و معلوم خلاف ذلك.

فان قيل: فالجواب الذي ذكرتموه المبني على أن قوله تعالى خَلَقْنٰاكُمْ

____________

(1) سورة الصافات: 96.

(2) كذا في النسخة.

97

لم يعن به البشر و انما عنى به غيرهم مخالف أيضاً للظاهر.

فان قلتم: خالفنا الظاهر بدليل.

قلنا: و نخالفه أيضاً بدليل.

و الجواب عن السؤال:

أنه ليس الظاهر من قوله تعالى خَلَقْنٰاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنٰاكُمْ ينبغي أن يكون متوجهاً الى بنى آدم دون غيرهم من العقلاء.

و الظاهر من قوله تعالى «ثُمَّ قُلْنٰا لِلْمَلٰائِكَةِ» يقتضي ترتب القول على الخلق و التصوير.

مسألة [قوله تعالى «قُلْ تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» إلخ]

ان سأل سائل عن قوله تعالى قُلْ تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلّٰا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (1) و كيف يجوز أن يكون من جملة ما حرم علينا أن لا نشرك شيئاً، و الأمر بالعكس في ذلك.

الجواب:

قيل له: هذا سؤال من لا تأمل عنده لموضوع الآية و ترتيب خطابه، لان التحريم المذكور فيه لا يجوز البتة على مذهب أهل العربية أن يكون متعلقاً بقوله «أَلّٰا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» و انما هو من صلة الجملة الاولى.

و لو تعلق التحريم المذكور بقوله «أَلّٰا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» لم يخل أن يكون

____________

(1) سورة الانعام: 151.

98

تعلقه به تعلق الفاعل و المفعول، فكأنه قال: حرم أن لا تشركوا، أو المبتدأ و الخبر، فكأنه قال: الذي حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا.

و التعلق الأول يمنع منه لفظة «حرم» من صلة لفظة «ما» التي بمعنى الذي، فلا يعمل فيما بعدها. أ لا ترى أنك إذا قلت «حرمت كذا» فالتحريم عامل فيما بعده على الفعل من المفعول، فإذا قلت: الذي حرمت كذا، فبطل هذا المعنى.

و لم يجز أن يكون التحريم متعلقاً بما بعده على معنى الفعلية، بل على سبيل المبتدأ و الخبر. و لا يجوز أن يكون في الآية التعلق على هذا الوجه، لان صدر الكلام يمنع من ذلك.

ألا ترى أنه تعالى قال «تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» ف«ما» منصوب لانه مفعول أتل، و إذا كان كذلك لم يجز أن يكون «ما حرم» مبتدأ حتى يكون «ألا تشركوا» خبراً له.

و إذا بطل التعلق بين الكلام من كلا الوجهين، نظرنا في قوله تعالى «أَلّٰا تُشْرِكُوا بِهِ»، لان ذلك واجب غير محرم، فوجب أن يضمر اما أوصاكم أن لا تشركوا به (1).

و الإضمار الأول يشهد له آخر الآية في قوله تعالى ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) و الإضمار الثاني يشهد له أول الآية في قوله تعالى قُلْ تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا أوصانا به فقد أمرنا به و بنينا إليه.

فإن قيل: فما موضع «ان» من الاعراب؟.

____________

(1) في الهامش: أوصيكم أن لا تشركوا أو أتل عليكم.

(2) سورة الانعام: 151.

99

قلنا: في ذلك وجوه ثلاثة:

أحدها: الرفع، و يكون التقدير: ذلك أن لا تشركوا به شيئاً، فكأنه مبتدأ أو خبر.

و الثاني: النصب، اما على أوصى أن لا تشركوا، أو على أتل أن لا تشركوا.

و الثالث: أن لا يكون لها موضع، يكون المعنى: ألا تشركوا به شيئا.

فإما موضع «تشركوا» فيمكن فيه وجهان: النصب ب«أن» و الجزم ب«لا» على وجه النهي.

فان قيل: كيف يعطف النهي في قوله تعالى وَ لٰا تَقْتُلُوا أَوْلٰادَكُمْ* (1) على الخبر و هو أوصى أن لا تشركوا.

قلنا: ذلك جائز مثل قوله تعالى عز و جل قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لٰا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (2) و مثل قول الشاعر:

حج و أوصى لسلمى الا عبدا * * * أ لا ترى و لا تكلم أحدا

و لم يزل شرابها مبرداً

فعطف «لا تكلم» و هي نهي على الخبر.

و يمكن في الآية وجه آخر غير مذكور فيها و الكلام يحتمله، و هو أن يكون الكلام انقطع عند قوله تعالى قُلْ تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّكُمْ و الوقف هاهنا، ثم ابتدأ فقال «عليكم ألا تشركوا به شيئاً» و إذا كان على هذا الوجه، احتمل «عليكم ألا تشركوا» وجهين:

أحدهما: أن يراد يلزمكم و واجب عليكم، كما يقال: عليك درهم و عليك

____________

(1) سورة الإسراء: 31.

(2) سورة الانعام: 14.

100

أن تفعل كذا، ثم قال «وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً»* أي أوصى بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً.

و الوجه الأخر: أن يريد الإغراء، كما تقول: عليك زيداً و عليك كذا إذا أمرت بأخذه و البدار اليه.

و لم يبق بعد هذا السؤال (1) واحد، و هو أن يقال: كيف يجوز أن يقول تعالى أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ثم يأتي بذكر أشياء غير محرمات، حتى يقدروا لها الوصية و الأمر. و صدر الكلام يقتضي أن الذي يأتي من بعد لا يكون الا محرماً أ لا ترى أن القائل إذا قال: أتل عليك ما وهبته لك كذا و كذا، لا بد أن يكون ما بعده و يذكره من الموهوبات، و الا خرج الكلام من الصحة.

و الجواب عن ذلك: أن التحريم لما كان إيجاباً و إلزاماً أتى ما بعده من المذكورات على المعنى دون اللفظ بذكر الأمور الواجبات و المأمورات، للاشتراك في المعنى. و أيضاً فان في الإيجاب و الإلزام تجري (2). أ لا ترى ان الواجب محرم الترك، و كل شيء ذكر لفظ التحريم على بعض الوجوه تحريم.

فان قيل: أ لا حملتم الآية على ما حملها قوم من أن لفظة «لا» زائدة في قوله تعالى أَلّٰا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً و استشهدوا على زيادة «لا» بقوله تعالى مٰا مَنَعَكَ أَلّٰا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ أي أن تسجد، قال الشاعر:

ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي * * * و يزعمن أن أؤدي بحقي باطل

و يلجئني في اللهو أن لا أحبه * * * و للهو داع دائب غير غافل

قلنا قد أنكر كثير من أهل العربية زيادة «لا» في مثل هذا الموضع و ضعفوه و حملوا قوله تعالى مٰا مَنَعَكَ أَلّٰا تَسْجُدَ (3) على أنه خارج على المعنى، و المراد

____________

(1) ظ: إلا سؤال.

(2) ظ: تحريم.

(3) سورة الأعراف: 12.

101

ما دعاك الى أن لا تسجد؟ و ما أمران لا تسجد؟ لان من منع من شيء فقد دعا الى أن يفعل.

و متى حملنا قوله تعالى أَلّٰا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً على أن لفظة «لا» زائدة على تضعيف قوم لذلك، فلا بد فيما اتصل به هذا الكلام من تقدير فعل آخر، و هو قوله تعالى وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً* لأن ذلك لا يجوز أن يكون معطوفاً على المحرم، فلا بد من إضمار و أوصينا (1) بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً.

و إذا احتجنا الى هذا الإضمار و لم يغننا عنه ما ارتكبناه من زيادة لفظة «لا» فالأولى أن نكتفي بهذا الإضمار في صدر الكتاب، و يبقى الكلام على حاله من غير إلقاء شيء منه و نقدر ما تقدم بيانه، فكأنه قال: وصى أن لا تشركوا به شيئاً وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً، و يشهد لذلك و بقوله آخر الآية.

مسألة [قوله تعالى كَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّٰالِمِينَ بَعْضاً]

و سئل (قدس اللّٰه روحه) عن تأويل قوله تعالى وَ كَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّٰالِمِينَ بَعْضاً (2) فقال فقد قيل فيها أقوال:

منها أن يحشر الظالمون مع أوليائهم فيدخلون النار الى بيتهم في العقاب. و قيل: يخلي الفراعنة و يوليهم على الظالمين و يمكنهم منه.

و قيل وجه آخر و هو أحسن: و هو ما بينه تعالى في موضع آخر بقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ

____________

(1) خ ل: و أوحينا.

(2) سورة الانعام: 129.

102

(1) فحكم أن الكفار بعضهم يتولى بعضاً و ينصره و منع المؤمنين من ذلك فكان حاكماً عادلا من حيث حكم بما ذكرناه، و اللّٰه تعالى أعلم.

[قوله تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا إلخ]

و قال (رحمة اللّٰه عليه) في تفسير قول اللّٰه تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ (2) فقيل: كيف أورثهم الكتاب و قد وصفهم بالظلم.

و قال أبو علي الجبائي: ظالم لنفسه أي أنه يحمل عليها في العبادة و يضربها كما يقول القائل: فلان ظالم لنفسه، لفرط صومه و كثرة صلاته، و هذه صفة مدح.

و قال آخرون: ظالم لنفسه بفعل الصغائر.

قال (رضي اللّٰه عنه): و الذي اعتمده و أعول عليه، أن يكون «فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ» من صفة «عبادنا» أي أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، و من عبادنا ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات، أي فليس كل عبادنا ظالماً لنفسه، و لا كلهم مقتصداً و لا كلهم سابقاً بالخيرات، فكان الذين أورثوا الكتاب السابقون بالخيرات دونهما.

و قال (رضي اللّٰه عنه): علمت (3) به لما كانت في معنى أحطت، و أحطت أعم و آكد.

و مثله قوله تعالى وَ جَحَدُوا بِهٰا (4) لما كانت في معنى كفروا. لان جحودهم بآيات اللّٰه كفر فقال «جَحَدُوا بِهٰا» فعداه بالباء.

____________

(1) سورة المائدة: 51.

(2) سورة فاطر: 32.

(3) لعل هنا وقع سقط.

(4) سورة النمل: 14.

103

و قوله تعالى الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ (1) لما كانت الرفث بمعنى الإفضاء.

و قال في قوله تعالى وَ لٰا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (2) يجوز لا يؤذن لهم و لا يعتذرون، ليكون معطوفاً على «يؤذن لهم» و لا يكون جواباً، و يجوز لا يؤذن لا يؤذن لهم فكيف يعتذرون.

[قوله تعالى أَنّٰى يَكُونُ لِي غُلٰامٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ]

و سأله (قدس اللّٰه روحه) أبو القاسم بن علي بن عبد اللّٰه بن شيبة العلوي الحسني عن قول اللّٰه تبارك و تعالى في قصة زكريا (عليه السلام) أَنّٰى يَكُونُ لِي غُلٰامٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَ امْرَأَتِي عٰاقِرٌ (3).

فكأنه سأل أمراً يستحيل كونه، و قد علمنا لا محالة أن زكريا (عليه السلام) لا محالة يعلم أن اللّٰه تعالى لا يعجزه بما يريد، فما وجه الكلام فيه.

فأجاب عن ذلك و قال: انه غير ممتنع أن يكون زكريا لم يمثل الذرية في حال كبره و هرمة، بل قبل هذا الحال، فلما رزقه اللّٰه ولداً على الكبر و مع كون امرأته عاقراً قال أَنّٰى يَكُونُ لِي غُلٰامٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَ امْرَأَتِي عٰاقِرٌ من غير إنكار منه لقدرته تعالى على ذلك، بل ليرد من الجواب ما يزداد به بصيرة و يقيناً.

و يجوز أن يكون سأل الولد مع الكبر و عقم امرأته، ليفعل اللّٰه تعالى ذلك على سبيل الآية و خرقاً للعادة من أجله، فلما رزقه اللّٰه الولد عجب من ذلك و أنكره بعض من ضعفت بصيرته من أمته فقال (عليه السلام) «أَنّٰى يَكُونُ لِي وَلَدٌ» ليرد من الجواب ما يزول به شك غيره، فكأنه سأل في الحقيقة لغيره لا لنفسه

____________

(1) سورة البقرة: 187.

(2) سورة المرسلات: 36.

(3) سورة آل عمران: 40.

104

و يجري ذلك مجرى موسى (عليه السلام) أن يريه اللّٰه تعالى نفسه لما شك قومه في ذلك، فسأل لهم لا لنفسه.

[قوله تعالى وَ إِذْ أَنْجَيْنٰاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذٰابِ إلخ]

و سأل أيضاً عن قول اللّٰه عز و جل وَ إِذْ نَجَّيْنٰاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذٰابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسٰاءَكُمْ (1) فقال: أي شيء استحياء النساء من سوء العذاب، و انما العذاب في ذبح الأبناء.

فقال (رضوان اللّٰه عليه): أما قتل الذكور و استحياء الإناث فهو ضرب من العذاب و الإضرار، لأن الرجال هم الذين يزعمون الناس عما .. به من الشر، و هو واقع منهن في الأكثر مع الردع، فإذا انفردن وقع الشر بلا راع و لا مانع، و هذه مضرة عظيمة.

و وجه آخر: و هو أن الراجع الى قوله تعالى يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذٰابِ* هو قتل الأبناء دون استحياء النساء، و انما ذكر استحياء النساء لشرح كيفية الحال لا لان ذلك من جملة العذاب، كما يقول أحدنا: فلان عذبني بأن أدخلني داره و عليه ثياب فلانية و ضربني بالمقارع و فلان حاضر. و ليس كل ما ذكره من جملة العذاب، و انما ذكر العذاب هو الضرب دون غيره، و ذكر الباقي على سبيل الشرح.

و وجه آخر: و هو أنه روي أنهم كانوا يقتلون الأبناء و يدخلون أيديهم في فروج النساء لاستخراج الأجنة من بطون الحوامل، فقيل: يستحيون من لفظ الحياء و هو الفرج و هو عذاب، ففي مثله ضرر شديد لا محالة.

____________

(1) سورة البقرة: 49.

105

[قوله تعالى وَ مٰا أَدْرِي مٰا يُفْعَلُ بِي وَ لٰا بِكُمْ]

و سأله أيضاً فقال: أ ليس قد وعد اللّٰه تعالى المؤمنين في عدة مواضع من كتابه المجيد بالجنة و الخلود في النعيم، فما معنى قوله لنبيه وَ مٰا أَدْرِي مٰا يُفْعَلُ بِي وَ لٰا بِكُمْ (1) الثواب أو العقاب، أ دخول الجنة أو النار، لانه (عليه السلام) عالم بأن الجنة مأواه و أن الموات (2) عاقبته. و لا يجوز أن يشك في أنه ليس من أهل النار، و ان شك في ذاك من حال غيره.

و المراد بالاية: أنني لا أدري ما يفعل بي و لا بكم من المنافع و المضار الدنيوية كالصحة و المرض و الغنى و الفقر و الخصب و الجدب، و هذا وجه صحيح واضح لا شبهه فيه.

و يجوز أيضا أن يريد أنني لا أدري ما يحدثه اللّٰه من العبادات و يأمرني به و إياكم من الشرعيات و ما ينسخ من الشرعيات و ما يقر منه و يستدام، لان ذلك كله مغيب عنه، و هذا يليق بقوله تعالى في أول الآية قُلْ مٰا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ و في آخرها إِنْ أَتَّبِعُ إِلّٰا مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ.

[قوله تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ إلخ]

و سأل أيضاً عن قوله تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جٰاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلٰا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (3).

كيف يكون النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في شك مما أوحى إليه؟ كيف يسأل

____________

(1) سورة الأحقاف: 9.

(2) ظ: الثواب.

(3) سورة يونس: 94.

106

صحة ما أنزل إليه الذين يقرءون الكتاب من قبله و هم اليهود و النصارى المكذبون؟.

فقال: ان قوله تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ ظاهر الخطاب له و المعنى لغيره، كما قال تعالى يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ (1) فكأنه تعالى قال: فان كنت أيها السامع للقرآن في شك مما أنزلنا على نبينا فاسأل الذين يقرءون الكتاب.

و ليس يمتنع عند من أمعن النظر أن يكون الخطاب متوجهاً الى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على الحقيقة، و ليس إذا كانت الشك لا يجوز عليه لم يحسن أن يقال له: ان شككت فافعل كذا، كما قال اللّٰه تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (2) و معلوم أن الشرك لا يجوز عليه، و لا خلاف بين العلماء أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) داخل في ظاهر آيات الوعيد و الوعد و ان كان مما لا يشك.

و وجدت بعض المفسرين يجعل «ان» هاهنا بمعنى «ما» التي للجحد، و يكون تقدير الكلام: ما كنت في شك مما أنزلنا إليك. و استشهد على قوله (3) تعالى قٰالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلّٰا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (4) أي ما نحن، و قوله تعالى إِنْ أَنْتَ إِلّٰا نَذِيرٌ أي ما أنت إلا نذير.

و لا شك في أن لفظة «ان» قد يكون بمعنى «ما» في بعض المواضع، الا أنه لا يليق بهذا الموضع أن يكون «ان» بمعنى «ما» لانه لا يجوز أن يقول تعالى: ما أنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب، لان العالم لا حاجة به الى المسألة، و انما يحتاج أن يسأل الشاك.

____________

(1) سورة الإطلاق: 1.

(2) سورة الزمر: 65.

(3) ظ: عليه بقوله.

(4) سورة إبراهيم: 11.

107

غير أنه يمكن نصرة هذا الجواب، لانه تعالى لو أمره بسؤال أهل الكتاب من غير أن يبقى شكه و لا وهم (1) أمره بالسؤال أنه يشك في صدقه و صحة ما أنزل عليه، فقدم كلاماً يقتضي نفي الشك عنه فيما أنزل عليه ليعلم أن أمره بالسؤال يزول الشك من غيره لا عنه.

فأما الذين أمره بمساءلتهم، فقد قيل: إنهم المؤمنون من أهل الكتاب الراجعون إلى الحق، ككعب الأحبار و من جرى مجراه ممن أسلم بعد اليهودية لأن هؤلاء يصدقون عما شاهدوه في كتبهم من صفات النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و البشارة به، و ان كان غيرهم على الكفر و الباطل لا يصدق على ذلك.

و قال قوم آخرون: ان المراد ب «الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتٰابَ» جماعة اليهود ممن آمن و ممن لا يؤمن، فإنهم يصدقون مما وجدوه في كتابهم من البشارة بنبي موصوف يدعون أنه غيرك، فإنك إذا قابلت بتلك الصفات صفاتك علمت أنت و كل من أنصف أن المبشر بنبوته أنت.

و قال آخرون: و ما أمره بأن يسألهم عن البشارة، لأنهم يصدقون عن ذلك بل أمره (عليه السلام) بأن يسألهم عما تقدم ذكره بغير فصل من قوله تعالى وَ لَقَدْ بَوَّأْنٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَ رَزَقْنٰاهُمْ مِنَ الطَّيِّبٰاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتّٰى جٰاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ فِيمٰا كٰانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (2).

ثم قال اللّٰه تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكَ (3) أي في شك مما تضمنه هذه الآية من النعمة على بني إسرائيل و ما كانت اليهود تجحد ذلك بل تقربه و تفخر بمكانه، و هذا الوجه يروى

____________

(1) ظ: ينفى شكه لا وهم.

(2) سورة يونس: 93.

(3) سورة يونس: 94.

108

عن الحسن البصري، و كل ذلك واضح لمن تأمله.

مسألة [قوله تعالى قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرٰابِ سَتُدْعَوْنَ إِلىٰ قَوْمٍ

إلخ] و قالوا: الدليل على صحة اختيارنا و توقيفنا في فعلنا و وقوعه أحمد موقع عند اللّٰه قوله تعالى قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرٰابِ سَتُدْعَوْنَ إِلىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقٰاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (1).

و هذا اخبار عن أمر سيكون، فيخبرهم الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) بما سيتجدد من هذه الحال، كما أخبرهم بما يكون من سواها في الحوادث بعده، و هذه كلها من دلائله (عليه السلام).

و وجدنا صاحبنا المتولي لغزاة الروم، كما تولى قتال أهل الردة خالد بن الوليد العزيز، أو ليس هذه الأمور منتظمة على المأثور، جارية على المحجوب، مثمرة للخيرات، مؤكدة لأسباب الإسلام، قامعة للمخالفة، عرفونا ما عندكم في هذا؟

الجواب و باللّٰه التوفيق:

قال الأجل المرتضى علم الهدى ذو المجدين (قدس اللّٰه روحه) اعلم أن هذه المسألة قد بناها هذا السائل على أن الداعي لهؤلاء الإعراب هو غير النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، و هذا منازع فيه غير مسلم، و الدعوى بغير برهان لا يقتصر عليها منصف.

____________

(1) سورة الفتح: 16.

109

ثم لو سلمنا تطوعاً و تبرعاً أن الداعي هو غير النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يجب أن يكون هو من عنده، بل جاز أن يكون غيره.

و نحن نبين كلا الوجهين و ان كنا قد ذكرنا في الكتاب «الشافي» ما هو الغاية القصوى:

أما ظاهر قوله تعالى سَتُدْعَوْنَ إِلىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ» فغير دال على تعيين الداعي، بل هو فيهم مشترك، فعلى من ادعى أنه داع بعينه الدلالة.

و لا خلاف بين أهل النقل و الرواية في قوله تعالى سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرٰابِ شَغَلَتْنٰا أَمْوٰالُنٰا وَ أَهْلُونٰا فَاسْتَغْفِرْ لَنٰا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مٰا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّٰهِ شَيْئاً إِنْ أَرٰادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرٰادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كٰانَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيراً. بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَ زُيِّنَ ذٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (1) انما أراد به الذين تخلفوا عن الحديبية.

ثم قال تعالى سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلىٰ مَغٰانِمَ لِتَأْخُذُوهٰا ذَرُونٰا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلٰامَ اللّٰهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونٰا كَذٰلِكُمْ قٰالَ اللّٰهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنٰا بَلْ كٰانُوا لٰا يَفْقَهُونَ إِلّٰا قَلِيلًا (2).

و انما طلب هؤلاء المخلفون أن يخرجوا إلى غنيمة خيبر، فمنعهم اللّٰه من ذلك و أمر نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) بأن يقول لهم «قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونٰا» يريد الى هذه الغزاة، لأنه تعالى حكم من قبل بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، و أنه لا حظ فيها لمن لم يشهدها.

و هذا هو تأويل قوله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلٰامَ اللّٰهِ ثم قال جل اسمه

____________

(1) سورة الفتح: 11 12.

(2) سورة الفتح: 15.

110

قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرٰابِ سَتُدْعَوْنَ إِلىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقٰاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ و انما أراد تبارك اسمه أن الرسول سيدعون فيما بعد الى قتال قوم أولى بأس شديد، كموتة و حنين و تبوك، فمن أين و للمخالفين أن الداعي لهؤلاء الإعراب هو غير النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مع ما بيناه من الحروب التي كانت بعد خيبر.

و ليس لأحد أن يدعي أن المعني بقوله «ستدعون الى قوم أولي بأس شديد» هو أبو بكر لما دعا المسلمين الى قتال بني حنيفة، أو قتال فارس و الروم، و يحتج بإطباق المفسرين على ذلك، لان المفسرين ما أطبقوا على ما ادعوه، لان ابن المسيب روى عن أبي روق عن الضحاك في قوله سَتُدْعَوْنَ إِلىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ» قال: هم ثقيف.

و روي عن سعيد بن جبير قال: هم هوازن.

و روى الواقدي عن قتادة قال: هم هوازن و ثقيف.

فلا أطباق لأهل التأويل على ما ادعى، و لو أطبقوا لم يكن في إطباقهم حجة. و كم استخرج أهل العدل في متشابه القرآن من الوجوه الصحيحة ما خالف ما ذكره المفسرون.

و أما الوجه الأخر الذي يسلم فيه أن الداعي لهؤلاء الإعراب هو غير النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فواضح أيضا، لأنه لا يمتنع أن يعنى بهذا الداعي أمير المؤمنين (عليه السلام) لانه قد قاتل بعده أهل الجمل و أهل صفين و أهل النهروان، و بشره النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بأنه يقاتلهم بقوله

علي تقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و السارقين

و قد كانوا أولى بأس شديد بغير شبهة.

فان قيل: الآية تدل على أن القوم الذين قوتلوا ما كانوا مسلمين، لقوله تعالى تُقٰاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ و محاربو أمير المؤمنين (عليه السلام) في المواطن

111

الثلاثة التي ذكرتموها كانوا مسلمين.

قلنا: عندنا أنهم كانوا كفاراً، و الكافر لا يكون مسلماً عند مخالفينا من المعتزلة و الخوارج و من وافقهم، أن الكبائر تخرج عن الإسلام، كما تخرج عن الايمان و عندهم أن قتال أمير المؤمنين (عليه السلام) كان كبيرة و مخرجاً عن الايمان و الإسلام.

و قد دللنا في كتبنا الشافي و غيره من كتبنا على كفر محاربيه (عليه السلام) بما ليس هاهنا موضع ذكره.

فان قيل: من أين نعلم بقاء هؤلاء المخالفين من الاعراب الى أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) كما علمنا بقاءهم الى أيام أبي بكر؟.

فان قلت: أعلم ذلك، لان حكم الآية يقتضي بقاءهم حتى يتم كونهم مدعوين الى قتال أولي البأس الشديد.

قلنا: لك مثل ما قلته في بقائهم الى أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) فظاهر الآية لا يقتضي وجوب بقاء جميعهم، و انما يقتضي بقاء أكثرهم أو بعضهم.

مسألة [قوله تعالى أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلٰاءِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ إلخ]

ما معنى قوله تعالى للملائكة أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلٰاءِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ (1) و قوله يٰا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ فَلَمّٰا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ (2) أن هذه الهاءات راجعة

____________

(1) سورة البقرة: 31.

(2) سورة البقرة: 23.

112

الى من؟ و من الذين رجعت الهاءات إليهم؟ و هذا قبل خلق اللّٰه تعالى الخلق؟

و ما معنى قوله تعالى ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلٰائِكَةِ فقد دل على أنه كان هناك قوم معرضون مشار إليهم، و هم غير الملائكة، فمن هؤلاء المبعوثون (1).

الجواب:

أما قوله تعالى أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلٰاءِ فعند أكثر أهل العلم و أصحاب التفسير أن الإشارة بهذه الأسماء الى جميع الأجناس من العقلاء و غيرهم.

و قال قوم: أراد أسماء الملائكة خاصة.

و قال آخرون: أراد أسماء ذريته.

و الصواب القول الأول الذي عليه إجماع أهل التفسير، و الظاهر يشهد به، لقوله تعالى وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا.

فأما قوله تعالى ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلٰائِكَةِ فلا يليق الا بالمسميات دون الأسماء، لأن هذه الكنايات لا تليق بالأسماء، و انما تليق بالعقلاء من أصحاب الأسماء أو العقلاء إذا انضم إليهم غيرهم مما لا يعقل على سبيل التغليب لما يعقل كما يغلب المذكر على المؤنث إذا اجتمعوا في الكناية، كما يقول القائل: أصحابك و اماؤك جاءوني. و لا يقال: جئتني.

و مما يشهد للتغليب قوله تعالى وَ اللّٰهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مٰاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ (2).

____________

(1) ظ: المعنيون.

(2) سورة النور: 45.

113

و قد روي في قراءة أبي «ثم عرضها» و في قراءة عبد اللّٰه «ثم عرضهن» فهاتان القراءتان يليقان بالكناية عن الأسماء دون المسميات، و ليس هذا العرض و الخطاب قبل خلقه تعالى جميع الخلق على ما تضمنه السؤال، لأن الملائكة بلا شك قد كانت مخلوقة، و الخطاب معها كان في عرض هذه الأسماء، و غير منكر أن يكون تعالى خلق أصول جميع الأجناس في تلك الحال، حتى يليق ذلك بقوله تعالى ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلٰائِكَةِ.

و الذي يشتبه من هذه الآيات و يجب الكلام عليه و التنقير عنه و الإشارة إلى الصحيح منه موضعان:

أحدهما: أن يقال: كيف يأمر الملائكة و يكلفهم أن يخبروا بما لا يعلمون، و هذا عندكم من تكليف ما لا يطاق بعينه، أو جار مجراه في القبح.

و الموضع الأخر: أن يقال: من أين علمت الملائكة لما أخبرها آدم (عليه السلام) بتلك الأسماء صحة قوله؟ و مطابقة الأسماء المسميات؟ و لم تكن عالمة من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء و لم تعترف بفقد العلم.

و الجواب عن الأول: أن قوله تعالى أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلٰاءِ ان كان أمراً فهو متعلق بشرط، و هو كونهم صادقين و عالمين بأنهم إذا أخبروا عن ذلك صدقوا، و كأنه تعالى قال لهم: خبروا بذلك ان علمتموه. و التكليف على هذا الوجه بهذا الشرط صحيح حسن.

و يمكن أيضاً أن يكون قوله تعالى أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلٰاءِ لا يأمر على الحقيقة و ان كان له صورة الأمر، و يكون المعنى فيه التقرير و التنبيه على الحجة.

و يكون تلخيص هذا الكلام: ان اللّٰه تعالى لما قال للملائكة إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قٰالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ الدِّمٰاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قٰالَ إِنِّي أَعْلَمُ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ أي مطلع على ما لا تطلعون عليه.

114

ثم أراد التنبيه على أنه لا يمتنع أن يكون غير الملائكة مع أنها تسبح و تقدس و تطيع و لا تعصي أولى بالاستخلاف في الأرض، و ان كان في ذريته من يفسد و يسفك الدماء، فعلم تعالى آدم أسماء الأجناس أو أكثرها.

ثم قال للملائكة أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلٰاءِ مقرراً لهم فيها على ما ذكرناه، و دالا على اختصاص بما لم يختصوا به، فلما أجابوا بالاعتراف و تسليم علم الغيب اليه، قال أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مٰا تُبْدُونَ وَ مٰا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ موقظاً على أنه تعالى المنفرد بعلم المصالح في الدين، ان الواجب على كل مكلف أنه يسلم لأمره و يعلم أنه لا يختار لعباده الا ما هو أصلح لهم في دينهم، علموا وجه ذلك أم جهلوه.

و أما الجواب عن الشبهة الثانية التي ذكرناها، فهو أنه غير ممتنع أن يكون اللّٰه تعالى فعل في الملائكة في الحال العلم الضروري بمطابقة الأسماء للمسميات فعلموا بذلك صحته بعد أن كانوا غير عالمين به.

و هذا لا يؤدي الى أن يكون الملائكة عالمة بنبوة آدم ضرورة، بل لا بد بعد ذلك من مراتب في الاستدلال يفضي الى العلم بالنبوة، و يجري ذلك مجرى أن يخبر بأحدنا بما فعله مستسراً به عي سبيل التفصيل على وجه يخرق العادة، فهو و ان كان عالماً بصدق خبره ضرورة، فليس بعالم أنه نبي، و لا يستغني عن الاستدلال ليعد (1) ذلك بعد ذلك على نبوته.

و وجه آخر: و هو أنه غير ممتنع أن يكون للملائكة لغات مختلفة، و كل قبيل منها يعرف أسماء الأجناس في جميع لغاتهم خارقة للعادة، فلما أراد اللّٰه تعالى نبأهم على نبوة آدم، علمه جميع تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها علم كل

____________

(1) ظ: ليدل.

115

فريق مطابقة ما خبر له من الأسماء اللغوية.

و هذا لا يحتاج فيه الى الرجوع الى غيره، و علم مطابقة ذلك الباقي اللغات بخبر كل قبيل بأن كل قبيل إذا كان كثرة علم بخبرهم صحة ما يجيبون به.

و هذا الجواب يقتضي أن يكون معنى قوله تعالى أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلٰاءِ ليخبرني كل قبيل منكم بمعاني جميع الأسماء، لأن ذلك هو الذي أفرد اللّٰه تعالى به آدم و ميزه به، و هذا بين أنعم تأمله. و السلام.

مسألة [قوله تعالى فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ فَتٰابَ عَلَيْهِ

إلخ] ما معنى قوله تعالى فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ فَتٰابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ (1)؟

الجواب:

أما قوله تعالى فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ فالتلقي هاهنا هو القبول و التناول على سبيل الطاعة، و ليس كل ما سمعه واحد من غيره يكون له متلقياً حتى يكون متقبلا، فيوصف بهذه السمة.

و أغنى قوله تعالى فَتَلَقّٰى عن أن يقول: فرغت الى اللّٰه لهن أو سألته عقبهن (2)، لان معنى التلقي يفيد ذلك و ينبئ عما حذف من الكلام اختصاراً،

____________

(1) سورة البقرة: 37.

(2) ظ: فزع الى اللّٰه بهن أو سأله عقبهن.

116

و لهذا قال تعالى فَتٰابَ عَلَيْهِ و لا يتوب عليه الإبان سأل و رغب و يفزع بتلك الكلمات.

و قد قرأ ابن كثير و أهل مكة و ابن عباس و مجاهد «فتلقى آدم من ربه كلمات» بالنصب [ «من ربه» (1)] و برفع «كلمات»، و على هذه القراءة لا يكون معنى التلقي القبول، بل يكون المعنى ان الكلمات تداركته بالنجاة و الرحمة.

فأما الكلمات فقد قيل انها: «ربنا ظلمنا أنفسنا و ان لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين».

و قيل: بل هي «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر».

و قيل: بل الكلمات ان آدم (عليه السلام) قال: يا رب أ رأيت ان تبت و أصلحت قال اللّٰه تعالى: اذن أرجعك إلى الجنة.

و قيل و هذه رواية تختص أهل البيت: ان آدم رأى مكنوناً على العرش أسماء معظمة مكرمة، فسأل عنها؟ فقيل له هذه أسماء أجل الخلق منزلة عند اللّٰه تعالى، و أمكنهم مكانة ذلك بأعظم الثناء و التفخيم و التعظيم، أسماء محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين (صلوات اللّٰه عليهم)، فحينئذ سأل آدم (عليه السلام) ربه تعالى و جعلهم الوسيلة في قبول توبته و رفع منزلته.

فان قيل: على هذا الوجه الأخير كيف يطابق هذا الوجه قوله تعالى فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ و ما الذي تلقاه؟ و كيف يسمى من ذكرتهم كلمات؟ و هذه انما يتم في الوجوه الأول، لأنها متضمنة ذكر كلمات و ألفاظ على كل حال.

قلنا: قد يسمى الكتابة كلمات على ضرب من التوسع و التجوز، و إذا كنا

____________

(1) الظاهر زيادة الجملة، لأن المراد نصب آدم.

117

قد ذكرنا أن آدم (عليه السلام) رأى كتاباً يتضمن أسماء قوم، فجائز أن يقال: انها كلمات تلقاها و رغب الى اللّٰه بها.

و يجوز أيضاً أن يكون آدم لما رأى تلك الكتابة سأل عنها، قال اللّٰه تعالى: هذه أسماء من أكرمته و عظمته. و أجللته و رفعت منزلته، و من لا أسأل به الا أعطيت و كانت هذه الكلمات التي تلقاها و انتفع بها.

فأما التوبة من آدم (عليه السلام) و قبول اللّٰه تعالى توبته، و هو على مذهبنا الصحيح لم يوقع ذنباً و لا قارف قبيحاً و لا عصى بأن خالف واجباً، بل بأن ترك مندوباً، فقد بينا معناها مستقصى مستوفى في كتاب «تنزيه الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام)» و أزلنا الشبهة المعترضة عن هذا المعنى، فمن أراد ذلك أخذ من موضعه.

و من اللّٰه نستمد المعونة و التوفيق، و إياه نستهدي سبيل الرشاد، و الحمد للّٰه رب العالمين.

مسألة [قوله تعالى وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ الْبَيْتِ أَنْ لٰا تُشْرِكْ بِي

إلخ] سأل الشريف أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن القاسم العلوي المحمدي النقيب السيد الأجل المرتضى.

فقال: ان رأى (دام علوه) أن يشرح لنا معنى قوله تعالى وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ الْبَيْتِ أَنْ لٰا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْقٰائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالًا وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (1).

____________

(1) سورة الحج: 26.

118

هل خص بالنداء أمة دون أمة، أم عم الأمم كلها؟ و هل بلغهم نداوة و دخلت فيه أمة محمد (صلى اللّٰه عليه و آله). ان رأى أجاب بشرح و بيان منعماً إن شاء اللّٰه.

الجواب:

أما قوله تعالى وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ الْبَيْتِ» فمعناه جعلناه منزلا و وطئناه و مهدناه، و المباءة المنزل.

و قال قوم: ان أصل اشتقاق هذه الكلمة من الرجوع، و منه قوله تعالى وَ بٰاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ* أي رجعوا منه و قول الحارث بن جواد بوأ ... فعل كليب أي ارجع بذلك. فلما جعل اللّٰه تعالى البيت منزلا و مزيلا و ملاذاً و مرجعاً لإبراهيم، جاز أن يقول: «بوأه».

فأما قوله تعالى لٰا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً قال قوم: معناه و قلنا له لا تشرك بي شيئاً، و أجرى مجرى قوله تعالى وَ الْمَلٰائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بٰابٍ. سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ بِمٰا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّٰارِ (1) و المعنى: قائلين سلام عليكم.

و الكلام مفتقر بلا شك الى محذوف، و هذا الذي ذكرناه من حذف لفظة «و قلنا» يضعف [من يضعف (2)] من جهة أن ظاهر الآية تدل على تعلق الكلام بعضه ببعض، و ان الغرض في تبوئة إبراهيم البيت ألا تشرك و أن تطهر البيت للطائفين و القائمين.

و إذا كان هذا المعنى هو لم يطابقه أن يقدر لفظة «و قلنا» ثم يحذفها، لان هذا التقدير يقع (3) الكلام الثاني عن حكم الأول و يجعله أجنبياً منه. و الظاهر أنه

____________

(1) سورة الرعد: 23.

(2) الظاهر الزيادة.

(3) ظ: يرفع.

119

متعلق به.

فالأولى أن يكون تقدير الكلام: و إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، لان نقول له لا يشرك بي شيئاً، فيصح معنى البيت و مطابقة البيت فيه، و هو تبوئة البيت.

فأما قوله تعالى «وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ» فقيل انه أراد من عبادة الأوثان. و قيل: من ذبائح المشركين و سائر الأدناس، و الكلام يحتمل لكل ذلك.

فأما قوله تعالى وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ فمعناه أعلمهم و أشعرهم بوجوبه و أعلمت و أذنت هاهنا بمعنى واحد، و الأذان بالصلاة هو الاعلام بدخول وقتها.

و قال قوم: ان أذان إبراهيم هو إذ وقف في المقام، فنادى: أيها الناس أجيبوا داعي اللّٰه يا عباد اللّٰه أطيعوا اللّٰه. فاستمع من بين السماء و الأرض، فأجابه من في الأصلاب، فمن كتب له الحج و كل من حج، فهو من أجاب إبراهيم (عليه السلام).

و قال قوم آخرون: ان المخاطب و المأمور به بقوله تعالى وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ هو محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و لم يلزمهم شريعة فكيف يدعوهم الى الحج و هو غير مرسل إليهم؟

و أخبار الآحاد في هذا الباب غير معتمد، فلا يجوز على هذا أن يحمل قوله تعالى فِي النّٰاسِ على كل من يأتي إلى يوم القيامة، لأنه (عليه السلام) كان مبعوثاً الى جميع الأمم المستقبلة، فجعلناه متوجهاً الى أمته و من تلزمهم شريعته.

فأما الوجه الثاني الذي حكيناه من توجه تكليف الأذان بالحج الى نبينا (صلى اللّٰه عليه و آله) فجائز غير ممتنع، و لا يضعفه أنه معطوف على الأوامر المتوجهة إلى إبراهيم (عليه السلام) من قوله

ألا تشرك بي شيئاً و طهر بيتي

لأنه غير ممتنع

120

أن ينفصل هذا التكليف من الأول و ان كان له مجاوراً و مقارناً، و يتوجه الى غير من توجه التكليف الأول اليه.

فأما قوله تعالى يَأْتُوكَ رِجٰالًا فمعناه على أرجلهم، و هو في مقابلة من يأتي راكباً على كل ضامر.

و معنى «كُلِّ ضٰامِرٍ» أي على كل جمل ضامر أو ناقة ضامرة، و لهذا قال تعالى «يَأْتِينَ» و لم يقل يأتون، كناية عن الركاب دون الركب. و قد قرئت: «و يأتون» على أنه كناية عن الركبان.

و هذا القدر كاف في الجواب عن المسألة.

تمت المسائل و الحمد للّٰه رب العالمين.

121

(31) أجوبة مسائل متفرفة من الحديث و غيره

122

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

123

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

معنى نقصان الدين و العقل في النساء

مسألة: ما معنى ما روي عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو مشير الى النساء لما أرادوا (1) إلى نقص عقل و دين أصلب اللب الحكيم منهن.

الجواب: قد قيل: ان معنى نسب (2) النساء الى نقصان الدين: أنهن يقعدن من الصلاة و الصيام أيام حيضهن الذي هو على الأكثر كل شهر، فيحرمن ثواب هاتين العبادتين الجليلتين، و هذا لا يوجد في الرجال.

و أما نقصان العقل، فمعلوم أن النساء أندر عقولا من الرجال، و أن النجابة و الليانة (3) انما يوجدان فيهن في النادر الشاذ، و عقلاء النساء و ذوات الحزم

____________

(1) كذا في النسخة.

(2) ظ: نسبة.

(3) ظ: اللياقة.

124

و الفطنة منهن معدودات، و من بهذه الصفة من الرجال لا تحصى كثرة.

و قد يمكن أيضا أن يقال في نقصان الدين مثل هذا الوجه، فإنه لما كان الأغلب عليهن ضعف الدين و قلة البصيرة فيه، نسب إليهن ذلك على الأكثر الأغلب.

و لا يطعن على هذا الوجه من علمناه على غاية العقل في الدين و الكمال فيما يعود اليه، مثل فاطمة بنت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و عليها، و خديجة بنت خويلد، و مريم بنت عمران. لان كلامنا على الأغلب الأكثر، و من عرفناه بالفضل في الدين من النساء قليل العدد عسر الوجود.

و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال بعد فراغه من حرب الجمل في ذم النساء: معاشر النساء (1)، النساء نواقص الايمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول، فأما نقصان ايمانهن فقعودهن عن الصلاة و الصيام في أيام حيضهن، و أما نقصان عقولهن فشهادة الامرأتين كشهادة الرجل الواحد، و أما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال. فاتقوا شرار النساء، و كونوا من خيارهن على حذر، و لا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر (2).

تفسير قوله (عليه السلام): الولد للفراش و للعاهر الحجر

مسألة: ما معنى قوله (عليه السلام) «الولد للفراش و للعاهر الحجر» (3)؟

____________

(1) في النهج: الناس.

(2) نهج البلاغة ص 105، الرقم: 80.

(3) وسائل الشيعة 15- 604، ح 3، ب 9 من أبواب اللعان، و رواه أحمد في مسنده 6- 129، و سنن أبى داود 2- كتاب الطلاق ح 2273.

125

الجواب: معنى ذلك أن الولد تابع للفراش الذي اختلف الفقهاء في معناه:

فقال أبو حنيفة و أصحابه: هو الوطء.

و قال الشافعي: الفراش هو العقد مع التمكن من الوطء. و هو مذهبنا.

و العاهر: الزانية التي تأتي بولد من غير عقد.

و معنى لها الحجر: أن ترجم بالحجارة و يقام عليها حد الزناء، فكنى عن اقامة الحد بما به يقام الحد من الحجر، و هذه بلاغة عظيمة.

وجه نهى النبي (ص) عن أكل الثوم

مسألة: سأله أبو القاسم علي بن عبد اللّٰه بن العلوي الحسيني، روي عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أنه لما افتتح خيبر وقعوا في الثوم فأكلوه، فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): من أكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها (1).

و قد قال اللّٰه عز و جل أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنٰا فِيهٰا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (2) و ما سماه اللّٰه تعالى كريما كيف يصح أن يسمى خبيثا.

و روي عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) أنه قال لجابر بن سليمان: يا جابر لا تسبن شيئا، فكان جابر لا يسب شيئا. و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) للثوم «البقلة الخبيثة» ضرب من السب.

الجواب: اعلم أن أخبار الآحاد غير معلوم و لا مقطوع على صحتها، و الصدق فيها أقل كثيرا من الكذب. و انما يجب أن نتأول من الاخبار ما علمناه

____________

(1) عوالي اللئالى 1- 146.

(2) سورة الشعراء: 7.

126

و قطعنا على صحته، و جائز كونه كذبا.

غير أنا نخرج له وجها تطوعا، و هو أن يريد (عليه السلام) بالخبيثة المنتنة الريح، و معلوم أن المجاور لمن أكل الثوم يتأذى برائحته شديدا، فنهى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) آكلها من دخول المساجد، لئلا يؤذي أهله و المصلين فيه.

و ليس ينافي وصف هذا النبات بأنه كريم وصفه بأنه منتن الرائحة، لأن معنى كريم انه دال على اللّٰه تعالى، و أنه لطف في مصالح كثيرة دينية، و هذا المعنى لا ينافي نتن الريح.

ألا ترى أن اللّٰه قد وصف كل ما خلقه بالحسن و التمام و الاحكام، و مما خلق القرد و الخنزير و كثير من الخلق الذي يستقذر، و ذلك لا ينافي الحسن و الحكمة و ان نفرت (1) كثير من الطباع عنها.

و يمكن وجه آخر: و هو أن يريد بقوله تعالى كَمْ أَنْبَتْنٰا فِيهٰا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (2) الخصوص دون العموم. و الوجه الأول أقوى.

حول كلام ابن جنى في حذف علامة التأنيث

مسألة: قال ابن جني في مختصره الملقب ب«اللمع» و إذا فصلت بين الفاعل المؤنث و بين فعله بكلام، فالأحسن إسقاط علامة التأنيث من الفعل مع كون المؤنث مؤنثا حقيقيا. و ان كانت غير مؤنث، ازداد ترك العلامة حسنا.

اعترض سائل فقال: كيف يكون إسقاط علامة التأنيث [أحسن] (3) و قد

____________

(1) ظ: نفر.

(2) سورة الشعراء: 7.

(3) الزيادة منا.

127

قال اللّٰه تعالى كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (1) و حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ (2) و أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ (3) و القرآن لا ينزل بلغة غيرها أفصح منه.

و مثل ابن جني لا يذهب عليه مثل هذا، فما تفسير كلامه؟ و ما له؟

الجواب: انه لا يجوز تقليد ابن جني فيما قاله و غيره لمخالفته فيه، لا سيما و لم يورد فيه حجة و لا شبهة، فيقع النظر فيها و الكلام عليها.

و معلوم أن فعل المذكر يجب تذكيره و فعل المؤنث يجب تأنيثه، و اعتراض الكلام لا يخرجه من أن يكون فعل المؤنث. ألا ترى أن اعتراض الكلام في فعل المذكر لا يغير ما يجب من تذكيره. و لو لم يكن النافي ذلك حجة إلا القرآن لكفى و أغنى، لان فصاحة القرآن و بلوغها الغاية فيها لا مطعن عليها.

و يمكن وجه آخر إذا صححنا ما قاله ابن جني و حققناه، و هو أن يكون الغرض في الآيات الواردة بخلاف ذلك الاعلام، بجواز تأنيث الفعل مع اعتراض الكلام، فإنه لا يجري مجرى ما هو لحن و خطأ لا يسوغ استعماله، و الأول أقوى.

مسألة: ما روي من أن ولد قابيل كانوا غير محياء (4)، و ان زوجته ما أعك (5)، فمن أي جنس كانوا؟

الجواب: اعلم أن الإيجاب قد يكون في جهة دون جهة و لسبب دون سبب، و ان كان الجنس واحدا و النسب متفقا.

____________

(1) سورة ص: 12.

(2) سورة المائدة: 3.

(3) سورة المائدة: 1.

(4) في الهامش: كذا.

(5) في الهامش: كذا.

128

و قد يكون من الأنساب المتفقة صالحون و طالحون و مرجون و كافرون، فغير واجب إذا لم يبحث ولد قابيل أن يكون من جنس غير جنس التحيات، و هذا ما لا شبهة فيه.

تفسير قوله تعالى وَ لَوْ لٰا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إلخ

مسألة: ما معنى قوله تعالى وَ لَوْ لٰا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكٰانَ لِزٰاماً (1)؟

الجواب: معنى هذه الآية أنه لو لا ما أخبر اللّٰه تعالى به و خبر به من الآجال التي تبقي عباده إليها، لكان الهلاك الذي قد تقدم ذكره، و أن اللّٰه تعالى أوقعه بالأمم السالفة.

يشهد لذلك قوله تعالى قبل هذه الآية أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنٰا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسٰاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِأُولِي النُّهىٰ (2).

و يكون تقدير الآية: لو لا الآجال المضروبة للتبقية و استمرار التكلف لكان الهلاك مستقرا لازما.

حكم أموال السلطان

مسألة: هل يحل ما يحصل من جهة السلطان و خدمته إذا دعت ذلك ضرورة، الجواب: ان أموال السلطان على ضروب:

فضرب الظاهر أنه حرام، كالمغصوب و الجنايات من غير وجوهها.

____________

(1) سورة طه: 129.

(2) سورة طه: 128.

129

و الضرب الثاني: ما ظاهره أنه مباح، كالمال الذي يهدى اليه من طيب نفسه يجد (1) به أو يبر به أقاربه.

و الضرب الثالث: ما يختلط فيه الحرام بالحلال، و لا يتميز أحدهما من صاحبه.

فأما الضرب الأول، فمحظور أن يؤخذ منه.

و أما الضرب الثاني، فمباح أخذه و التصرف فيه بغير خلاف.

و الضرب الثالث: و هو المختلط قد أباحه أكثر الفقهاء، مع اختلاط التصرف فيه، و الأخذ عنه.

و الأولى عندي أن يكون محظورا و التنزه منه أولى.

حكم التصدق بالمال الحرام

مسألة: ما القول في رجل تصدق من مال محظور؟

الجواب: ان الحرام غير مملوك لمن هو في يده، فتصدقه بر غير مقبول و لا مبرور. و قد روي: أنه لا صدقة من غلول.

و أما من قال من الجهال: ان من تصدق من مال في يده و المالك له غيره، فان الثواب لمالك المال. فقال (2) باطل، لان هذه الصدقة لا أجر عليها للمتصدق، لانه لا يملك المال و لا لمالك المال، لانه لم يرض أن يكون هذا المال صدقة، و لا أراد إخراجه فيها، لكنها صدقة لا أجر لأحد عليها.

____________

(1) ظ: يجديه.

(2) ظ: فقول.

130

جواز التزكية من المال الأخر

مسألة: هل يجوز أن يزكي الرجل مالا له من مال آخر؟

الجواب: ان ذلك جائز إذا كان مالكا لكل واحد من المالين، و ليس بمنع من إخراج زكاة كل مال من جملته و لا بعض من أبعاضه، و هذا واضح.

صحة حمل رأس الحسين (عليه السلام) الى الشام

مسألة: هل ما روي من حمل رأس مولانا الشهيد أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الى الشام صحيح؟ و ما الوجه فيه؟.

الجواب: هذا أمر قد رواه جميع الرواة و المصنفين في يوم الطف و أطبقوا عليه.

و قد رووا أيضا أن الرأس أعيد بعد حمله الى هناك و دفن مع الجسد بالطف.

فان تعجب متعجب من تمكين اللّٰه تعالى من ذلك من فحشه و عظم قبحه، فليس حمل الرأس إلى الشام أفحش و لا أقبح من القتل نفسه، و قد مكن اللّٰه تعالى منه و من قتل أمير المؤمنين (عليه السلام).

و من شرط التكليف التمكين من القبيح في دار التكليف، و لا يحول اللّٰه تعالى بين المكلف و بينه، و انما تمكن من ذلك كما تمكن في دار التكليف من كل قبيح مما يكثر تعداده.

علم الوصي بساعة وفاته و عدمه

مسألة: هل يجب علم الوصي ساعة وفاته أو قتله على التعيين؟ أم ذلك

131

مطوي عنه.

الجواب: قد بينا في مسألة أمليناها منفردة ما يجب أن يعلمه الامام و ما يجب أن لا يعمله.

و قلنا: ان الامام لا يجب أن يعلم الغيوب و ما كان و ما يكون، لان ذلك يؤدي الى أنه مشارك للقديم تعالى في جميع معلوماته، و أن معلوماته لا يتناهى، و أنه يوجب أن يكون عالما بنفسه، و قد ثبت أنه عالم بعلم محدث، و العلم لا يتعلق على التفصيل الا بمعلوم واحد، و لو علم ما لا يتناهى لوجب وجود ما لا يتناهى من المعلومات، و ذلك محال. و بينا أن الذي يجب أن يعلمه علوم الدين و الشريعة.

فأما الغائبات، أو الكائنات الماضيات و المستقبلات، فان علم باعلام اللّٰه تعالى شيئا فجائز، و الا فذلك غير واجب.

و على هذا الأصل ليس من الواجب علم الامام بوقت وفاته، أو قتله على التعيين.

و قد روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أخبار كثيرة (1) كان يعلم أنه مقتول، و أن ابن ملجم (لعنه اللّٰه) قاتله.

و لا يجوز أن يكون عالما بالوقت الذي يقتله فيه على التحديد و التعيين، لانه لو علم ذلك لوجب أن يدفعه عن نفسه و لا يلقى بيده الى التهلكة، و أن هذا في علم الجملة غير واجب.

حكم عبادة ولد الزنا

مسألة: ما يظهر من ولد الزنا من صلاة و صيام و قيام لعبادة كيف القول فيه،

____________

(1) رواه جمع من أعلام القوم، راجع إحقاق الحق 8- 109.

132

مع الرواية الظاهرة أن ولد الزنا في النار. و أنه لا يكون قط من أهل الجنة (1).

الجواب: هذه الرواية موجودة في كتب (2) أصحابنا، الا أنه غير مقطوع بها.

و وجهها ان صحت: أن كل ولد زنية لا بد أن يكون في علم اللّٰه تعالى أنه يختار الكفر و يموت عليه، و أنه لا يختار الايمان. و ليس كونه من ولد الزنية ذنبا يؤاخذ به، فان ذلك ليس ذنبا في نفسه و انما الذنب لأبويه، و لكنه انما يعاقب بأفعاله الذميمة القبيحة التي علم اللّٰه أنه يختارها و يصير كذا، و كونه ولد زنا علامة على وقوع ما يستحق من العقاب، و أنه من أهل النار بتلك الاعمال، لا لانه مولود من زنا.

و لم يبق الا أن يقال: كيف يصح تكليف ولد الزنا مع علمه و قطعه على أنه من أهل النار، و أنه لا ينتفع تكليفه و لا يختار الا ما يستحق به العقاب.

قلنا: ليس نقطع ولد الزنا أنه كذلك لا محالة، و ان كان هناك ظن على ظاهر الأمر، و إذا لم يكن قاطعا على ذلك لم يقبح التكليف.

فان قيل: فنحن نرى كثيرا من أولاد الزنا يصلون و يقومون بالعبادات أحسن قيام، فكيف لا يستحقون الثواب.

قلنا: ليس الاعتبار في هذا الباب في ذلك بظواهر الأمور، فربما كانت تلك الافعال منه رياء و سمعة، و واقعا على وجه لا يقتضي استحقاق الثواب.

و ربما كان الذي يظن أنه الظاهر ولد الزنا مولدا عن عقد صحيح، و ان كان الظاهر بخلافه، فيجوز أن يكون هذا الظاهر منه من الطاعات موافقا للباطن.

____________

(1) رواه أحمد في مسنده 2- 203.

(2) راجع عوالي اللئالى 3- 534.