الاجتهاد و التقليد (معارج الأصول)

- المحقق الحلي المزيد...
47 /
177

الباب التاسع في الاجتهاد

و فيه فصول

178

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

179

الفصل الأول و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في حقيقة الاجتهاد.

الاجتهاد: افتعال من الجهد، و هو في الوضع: بذل المجهود في طلب المراد مع المشقة، لأنه يقال: «اجتهد» في حمل الثقيل، و لا يقال ذلك في حمل الحقير.

و هو في عرف الفقهاء: بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية، و بهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهاداً، لأنها (تبتنى) (1) على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر، و سواء كان ذلك الدليل قياساً أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.

فان قيل: يلزم على هذا أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد.

قلنا: الأمر كذلك، لكن فيه (إيهام) (2) من حيث أن القياس من جملة

____________

(1) في نسخة: تبنى

(2) كذا الظاهر و في النسخ: إبهام.

180

الاجتهاد، فإذا استثنى القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس.

المسألة الثانية: لا يجوز أن يكون النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) متعبداً بالقياس في الأحكام الشرعية،

لأنا نستدل [على] أن العبادة لم ترد بالعمل به.

و هل يجوز أن يكون متعبداً باستخراج الأحكام الشرعية بالطرق النظرية الشرعية عدا القياس؟ لا نمنع من جوازه، و ان كنا (لا نعلم) (1) وقوعه.

و على هذا التقدير، فهل يجوز أن يخطئ في اجتهاده؟ الحق أنّه لا يجوز، لوجوه:

الأول: أنه معصوم من الخطأ، عمداً و نسياناً، بما ثبت في الكلام، و مع ذلك يستحيل عليه الغلط.

الثاني: انا مأمورون باتّباعه، فلو وقع منه الخطأ في الأحكام، لزم الأمر بالعمل بالخطإ، و هو باطل.

الثالث: لو جاز ذلك لم يبق وثوق بأوامره و نواهيه، فيؤدي ذلك إلى التنفير عن قبول قوله.

احتج المجيز لذلك بوجهين:

الأول: قوله تعالى «قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحىٰ إِلَيَّ»* (2) و يلزم من المماثلة جواز الغلط عليه.

الثاني: قوله (عليه السلام): «فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنّه انّ ما أقطع له (3) قطعة من النار» و هذا يدل [على] أنه يجوز منه الغلط في الحكم و الجواب عن الأول: انه لا يلزم من المماثلة في البشرية المساواة في

____________

(1) في نسخة: نعلم، و هو خطأ.

(2) الكهف- 110.

(3) زاد في نسخة: به

181

الغلط، لوجود الدلالة المانعة من ذلك في حقه.

و الجواب عن الثاني: ان حكمه للإنسان بشيء من حق أخيه ليس بغلط، لأنه هو الحكم المأمور به شرعاً، سواء كان مطابقاً للباطن أو لم يكن، و الإصابة ليس إلا [في] العمل بالأوامر الشرعية على الوجه الذي عيّن له و هو موجود فيما يحكم به.

المسألة الثالثة: الأحكام اما أن تكون مستفادة من ظواهر النصوص المعلومة على القطع،

و المصيب فيها واحد، و المخطئ لا يعذر، و ذلك ما يكون المعتقد فيه لا [يتغير] بتغيّر المصالح.

و اما أن تفتقر إلى اجتهاد و نظر، و يجوز اختلافه باختلاف المصالح، فإنّه يجب على المجتهد استفراغ الوسع فيه، فان أخطأ لم يكن مأثوماً، و يدل على وضع الإثم عنه وجوه:

أحدها: انه مع استفراغ الوسع يتحقق العذر، فلا يتحقق الإثم.

الثاني: أنّا نجد الفرقة المحقة مختلفة في الأحكام الشرعية اختلافاً شديداً حتى يفتي الواحد منهم بالشيء و يرجع عنه إلى غيره، فلو لم يرتفع الإثم لعمّهم الفسق و شملهم الإثم، لأن القائل منهم بالقول اما أن يكون استفرغ وسعه [في تحصيل ذلك الحكم أو لم يكن، فان لم يكن، تحقق الإثم، و ان استفرغ وسعه] ثم لم يظفر، و لم يعذر، تحقق الإثم أيضاً.

الثالث: الأحكام الشرعية تابعة للمصالح، فجاز أن تختلف بالنسبة إلى المجتهدين، كاستقبال القبلة، فإنه يلزم كل من غلب على ظنّه أن القبلة في جهة أن يستقبل تلك الجهة- إذا لم يكن له طريق إلى العلم- ثم تكون الصلوات مجزية لكل واحد منهم، و ان اختلفت الجهات.

فان قيل: لا نسلم أن مع استفراغ الوسع يمكن الغلط في الحكم، و

182

ذلك لأن الواقعة لا بدّ فيها من حكم شرعي، و لا بدّ من نصب دلالة على ذلك الحكم، فلو لم يكن للمكلف طريق إلى العلم بها، (لكان) (1) نصبها عبثاً (و) (2) لما كان لذلك المخطئ طريق إلى العلم بالحكم مع تقدير استفراغ الوسع، و ذلك تكليف بما لا يطاق.

و الجواب: قوله: [و] لا بد من نصب دلالة. قلنا: [مسلم، لكن ما المانع أن يكون فرض المكلف مع الظفر بتلك الدلالة العمل بمقتضاها، و مع عدم الظفر بها يكون الحكم في الواقعة لا ذلك الحكم، و مثاله: جهة القبلة فإن مع العلم بها يجب التوجه، و مع عدم العلم [يكون] فرضه التوجه إلى الجهة التي يغلب على ظنّه أنها جهة القبلة، و كذلك العمل بالبينة عند ظهور العدالة و (خفاء) (3) الفسق، [و لو ظهر] فسقها لوجب اطراحها، فما المانع أن يكون الأدلّة التي وقع فيها النزاع كذلك؟ ألا ترى أن العموم يخص مع وجود المخصص، و يعمل بعمومه مع عدم المخصص؟

الفصل الثاني في القياس،

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: القياس في الوضع: هو المماثلة.

و في الاصطلاح: عبارة عن الحكم على معلوم بمثل الحكم الثابت لمعلوم

____________

(1) في نسخة: كان.

(2) في نسخة: أو.

(3) في نسخة: إخفاء.

183

آخر، لتساويهما في علّة الحكم.

فموضع الحكم المتفق عليه يسمى: أصلا.

و موضع الحكم المختلف فيه يسمى: فرعاً.

و العلّة: هي الجامع الموجب لإثبات مثل حكم الأصل في الفرع، فان كانت العلّة معلومة، و لزوم الحكم لها معلوماً من حيث هي، كانت النتيجة علمية، و لا نزاع في كون مثل ذلك دليلا، و ان كانت العلّة مظنونة، أو كانت معلومة، لكن لزوم الحكم لها (1)- خارجاً عن موضع الوفاق- مظنوناً، كانت النتيجة ظنيّة، و هل هو دليل في الشرعيات؟ فيه خلاف.

المسألة الثانية: النص على علّة الحكم و تعليقه عليها مطلقاً، يوجب ثبوت الحكم ان ثبتت العلّة،

كقوله: الزنا يوجب الحدّ، و السرقة توجب القطع. أما إذا حكم في شيء بحكم ثم نصّ على علته فيه: فان نصّ مع ذلك على تعديته وجب، و ان لم ينص، لم يجب تعدية الحكم الا مع القول بكون القياس حجة، مثاله: إذا قال: الخمر حرام لأنها مسكرة، فإنّه يحتمل أن يكون [التحريم] معلّلا [بالإسكار مطلقاً، و يحتمل أن يكون معلّلا] بإسكار الخمر، و مع الاحتمال لا يعلم وجوب التعدية.

المسألة الثالثة: من الناس من منع من التعبد بالقياس عقلا، و أكثرهم قالوا بجوازه.

احتج المانع بوجوه:

أحدها: ان العمل [بالقياس] أقدام على ما لا يؤمن كونه مفسدة، فيكون قبيحاً، كالإقدام على ما يعلم كونه مفسدة.

الثاني: ان القياس موجب للظن مع إمكان العمل بالعلم، فيكون باطلا.

____________

(1) زاد في نسخة: كان.

184

الثالث: ان عمومات القرآن و السنّة المتواترة كافلة بتحصيل الأحكام الشرعية، و القياس: ان طابقها فلا حاجة إليه، و ان نافاها لم يجز العمل به.

[و] احتج شيخنا المفيد (رحمه الله) لذلك [أيضا] بأنه لا سبيل إلى علّة الحكم في الأصل، فلا سبيل إلى القياس، أما الأولى: فلان العلة اما أن تعلم بطريق علمي أو ظني، و القسمان باطلان أما العلم فظاهر، و أما الظن فلأنه لا حكم له الا عن أمارة، و الأمارة مفقودة، و مع عدم الوقوف على علة الحكم تستحيل تعديته.

و الجواب عن الأول: ان الأمن [من] المفسدة يحصل بتقدير وجود الدلالة الشرعية، كما في غيره من الأمور المظنونة.

و الجواب عن الثاني: انا لا نستعمل القياس في موضع يكون العلم بالحكم ممكناً، بل في موضع يفقد العلم [بالحكم].

و [الجواب] عن الثالث: لا نسلم أن عمومات القرآن كافلة بالأحكام، فان في مسائل الدّيات و المواريث و البيوعات و غيرها، ما يعلم خروجه عن مدلولات العموم.

و الجواب عن احتجاج المفيد أن نقول: لا نسلم أنه لا سبيل إلى تحصيل علة الحكم.

قوله: اما أن يعلم بطريق علمي أو ظني. قلنا: لم لا يجوز أن يكون علمياً؟ كما إذا نصّ الشارع على العلة، سلمنا أنها لا تكون علمية، فلم لا تكون ظنية؟.

قوله: الظن لا حكم له الا عن أمارة. قلنا: سلمنا ذلك، و الأمارة قد تحصل بالطرق التي أشار إليها مثبتو القياس، كالدوران و السبر، فإنه مهما ثبت الحكم عند شيء، و انتفى عند انتفائه، كان ذلك أمارة دالة على التعليل،

185

و كذلك إذا (عددت) (1) أوصاف محل الوفاق، و أبطلت إلا قسماً واحداً، غلب على الظن أنه علة الحكم، و ذلك كاف في حصول الظن أن الحكم معلل بتلك العلة.

المسألة الرابعة: الجمع بين الأصل و الفرع قد يكون بعدم الفارق،

و يسمى: تنقيح المناط. فان علمت المساواة من كل وجه، جاز تعدية الحكم إلى المساوي، و ان علم الامتياز أو جوز، لم تجز التعدية إلا مع النص على ذلك، لجواز اختصاص الحكم بتلك المزية، و عدم ما يدل على التعدية.

و قد يكون الجمع بعلة موجودة في الأصل و الفرع، فيغلب على الظن ثبوت الحكم في الفرع، و لا يجوز تعدية الحكم- و الحال هذه- بما (سندل) (2) عليه.

فان نصّ الشارع على العلة، و كان هناك شاهد حال يدل على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلة في ثبوت الحكم، جاز تعدية الحكم، و كان ذلك برهاناً.

و لنفرض أمثلة توقف (منها) (3) على التحقيق:

الأول: قوله (عليه السلام)- و قد سئل عن بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل-:

«أ ينقص إذا جف؟ فقيل: نعم، (فقال) (4): لا، اذن» فقد علل التحريم بنقصانه عند الجفاف، و شاهد الحال (يقضي) (5) أنه لا اعتبار بما عدا تلك العلة من

____________

(1) في بعض النسخ: عدت.

(2) في نسخة: يستدل.

(3) في نسخة: بها.

(4) في نسخة: قال.

(5) في نسخة: يقتضي.

186

أوصاف الأصل، فكأنه نصّ على أن كل ما نقص بعد الجفاف من الربويات، لا يجوز بيعه مثلا بمثل.

و يمكن التوقف هنا، فان من المحتمل أن يكون النقصان موجباً للمنع من البيع في الرطب بالتمر خاصة، لجواز اشتماله على ما يوجب اختصاص النهي. غاية ما في الباب أن ذلك لا يعلم، لكن عدم العلم بالشيء لا يدل على انتفائه في نفس الأمر.

الثاني: انه إذا قال: وطئت عامداً في شهر رمضان، فقال: عليك الكفارة أو قال: ملكت عشرين ديناراً و حال عليها الحول، فقال: عليك الزكاة، علم أن الحكم متعلق بذلك، و لا اعتبار بأوصاف السائل، بل يحكم بأن كل من اتفق له ذلك، ثبت له ذلك الحكم.

الثالث: إذا حكم في واقعة و علم بشاهد الحال أن الحكم فيها باعتبارها لا باعتبار محلها، عدي الحكم (لما روي) (1) أن علياً (عليه السلام) قضى في دابة تنازعها اثنان، و أقاما البينة: أنها لمن شهد له بالنتاج، فلا يقصر الحكم على الدّابّة، بل يعدي إلى كل ما حصل فيه هذا المعنى.

المسألة الخامسة: ذهب ذاهب إلى أن الخبرين إذا تعارضا،

و كان القياس موافقاً لما تضمنه أحدهما، كان ذلك وجهاً يقتضي ترجيح ذلك الخبر على معارضه.

و يمكن أن يحتج لذلك: بأن الحق في أحد الخبرين، فلا يمكن العمل بهما و لا طرحهما، فتعين أن يعمل بأحدهما، و إذا كان التقدير تقدير التعارض،

____________

(1) في نسخة: كما روى.

187

فلا بدّ (في) (1) العمل بأحدهما من مرجح، (و القياس مما يصلح) (2) أن يكون مرجحاً، لحصول الظن به، فتعين العمل بما طابقه.

لا يقال: أجمعنا على أن القياس مطرح في الشرع.

لأنّا نقول: بمعنى أنه ليس بدليل على الحكم، لا بمعنى أنه لا يكون مرجحاً لأحد الخبرين على الأخر، و هذا لأن فائدة كونه مرجحاً كونه (دافعاً) (3) للعمل بالخبر المرجوح، فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض، و يكون العمل به، لا بذلك القياس، و في ذلك نظر.

المسألة السادسة: قال شيخنا المفيد ره: «خبر الواحد القاطع للعذر هو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالنظر فيه (4) إلى العلم،

و ربما يكون ذلك إجماعاً أو شاهداً من عقل، أو حاكماً من قياس».

فإن عنى بالقياس البرهان، فلا إشكال، و ان عنى القياس الفقهي، فموضع النّظر، لأن الخبر بتقدير أن لا يكون حجة، فمع انضياف ذلك القياس الفقهي [ان] صار حجة: فاما لكونه خبراً، و ذلك نقض لما يذهب إليه من طرح العمل بالخبر، و ان كان بالقياس، لزم منه إثبات حكم شرعي بالقياس الفقهي، و هو باطل، إذا لا فرق بين أن يثبت به الحكم أو الدلالة الدالّة على الحكم.

المسألة السابعة: القائلون بجواز التعبد بالقياس عقلا، منهم من يقول: ورد التعبد به، و هم الأكثر،

و أطبق أصحابنا على المنع من ذلك الا شاذاً [منهم].

____________

(1) في نسخة: من

(2) في نسخة: فالقياس ما يصلح

(3) في نسخة: رافعاً

(4) أضاف في نسخة: دليل

188

لنا وجوه:

الأول: ان العمل بالقياس عمل بالظن، و العمل بالظن غير جائز، أما الأولى فظاهرة. و [أما] الثانية: فبقوله تعالى «وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (1) و بقوله «إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً»* (2) و بقوله «وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ»* (3).

لا يقال: مع وجود الدلالة عليه، لا يكون عملا بالمظنون، بل بالمقطوع به، كالعمل بالشاهدين و الحكم (بالأرش) (4) و استقبال القبلة.

لأنا نقول: وجد المنع فوجب طرده فإذا خرج ما أشرتم إليه وجب تناوله لما بقي، عملا بمقتضي الدليل، و سنبطل ما يزعمون أنه دليل على العمل به، فيبقى ما ذكرناه من الدليل سليماً عن المعارض.

الثاني: أجمعت الإمامية على ترك العمل به، و نقل عن أهل البيت (عليهم السلام) المنع منه متواتراً نقلا ينقطع به العذر.

الثالث: لو تعبدنا بالعمل به لوجدت الدلالة عليه، لكن الدلالة مفقودة، فالعمل به غير جائز.

أما الملازمة: فلان التكليف يستدعي وجود دلالة، و الا لكان التكليف به- من دون دلالة [عليه]- تكليفاً بما لا سبيل إلى العلم به، و هو تكليف بالمحال.

و أما بطلان [اللازم]: فبالاستقراء.

الرابع: لو ورد التعبد به، لاشتهر ذلك بين أهل الشرع، لكن ذلك

____________

(1) الإسراء- 36

(2) يونس- 36

(3) البقرة- 169

(4) في نسخة: بالأروش.

189

باطل.

أما الملازمة: فلان الاستدلال به مما يعم، و الوقائع التي تستدرك بالقياس كثيرة عندهم، و العادة قاضية بأن مثل ذلك مما يشتهر العلم به، فلما لم يشتهر دل على بطلانه.

لا يقال: قد اشتهر ذلك بين الصحابة حتى أن خصومكم (تدعي) (1) الإجماع عليه.

لأنا نقول: لو كان كذلك لما اختص الخصم بعلمه دوننا، لما ذكرناه من عموم البلوى به، و زوال الأغراض الباعثة على إخفائه.

[و] احتج بعض أصحابنا [أيضا]: بأن القول بورود التعبد به مع بطلان الحجج التي ذكرها الخصم مما لا يجتمعان، و الثابت بطلانها، فلا يكون التعبد به ثابتاً.

بيان أنهما لا يجتمعان: أن القائل بكونه حجة يتمسك في ذلك بالوجوه التي يذكرونها، فهو يقول: انها حق و المنكر له يبطلها و يمنع من كونه حجة فالقول بكونه حجة مع أن تلك الحجج باطلة، قول ليس لأحد، فيكون منفياً.

لا يقال: نحن نجوز أن يكون غير ما ذكر دليلا على كون القياس حجة، فلا يلزم من القول ببطلان هذه الحجج بطلان القياس.

لأنا نقول: مع القول بكونه حجة و تجويز وجود حجة لم يذهب ذاهب إلى القول ببطلان هذه الحجج المذكورة.

و احتج الجمهور على وقوع التعبد به بوجوه معقولة و منقولة.

أما المعقول: فقالوا: القياس يفيد الظن، و العمل بالظن واجب. أما إفادة الظن فظاهرة، و أما [أن] العمل بالظن واجب، فلما ثبت من أن التحرز

____________

(1) في نسخة: يدعون.

190

من الضرر المظنون واجب كالمعلوم.

و أما المنقول: (فوجوه) (1):

الأول: قالوا: أجمعت الصحابة على العمل بالقياس، فيكون حجة.

أما أن الصحابة عملت به، فلان بعض الصحابة عمل به، و لم يظهر من الباقين إنكار [ه]، و قد بينا أن مثل ذلك حجة، فيما سلف.

أما أن بعض الصحابة عمل به فمن وجهين:

أحدهما: أن الصحابة اختلفوا في مسائل كثيرة، و ليس تمسكهم فيها بالنص، فتعين أنهم عولوا على الاجتهاد.

الثاني: انهم استدلوا في كثير من المسائل بالقياس و أشاروا إلى التشبيه بين المسائل، كما قال ابن عباس: «ألا يتق اللّٰه زيد يجعل ابن الابن ابناً، و لا يجعل أب الأب أباً». و ما روي من قول عمر لأبي موسى: «و قس الأمور برأيك». و ما روي عنه أنه قضى في زوج، و أم، و إخوة لام، و إخوة لأب و أم، أن للأم: السدس، و للزوج: النصف، و للأخوة من الأم: الثلث، فقال الباقون: «هب أن أبانا كان حماراً، أ لسنا من أم واحدة؟» فشرك بينهم، و غير ذلك من المسائل.

و أما أن الباقين لم ينكروا، فلأنه لو حصل ذلك لظهر، لأن القياس من الأصول التي لو وقعت فيها المناكرة لظهرت.

و أما أن مثل ذلك إجماع، فلان سكوتهم لا يحتمل الا الرضا به، لما عرف من تحرج الصحابة في إنكار الباطل و المنع من العمل به.

الوجه الثاني: قوله (عليه السلام) لمعاذ و أبي موسى: «بم تقضيان؟ قالا: إذا لم

____________

(1) في نسخة: فلوجوه.

191

نجد الحكم (في) (1) الكتاب و السنة، نقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به. فقال: أصبتما». و قوله (عليه السلام) لابن مسعود: «اجتهد برأيك».

الوجه الثالث: نبّه النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على القياس، و ذلك اذن في العمل به، أما تنبيهه فبقوله لعمر- و قد سأله عن القبلة-: «لو تمضمضت بماء ثم مججته أ كنت شاربه؟» و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) للخثعمية: «أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أ كان يجزي؟ فقالت: نعم، فقال (صلى اللّٰه عليه و آله): فدين اللّٰه أحق أن يقضى».

الوجه الرابع: قوله تعالى «فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰارِ» (2) و الاستدلال بهذه الآية ضعيف.

و الجواب عن الأول: قوله: العمل بالظن واجب. قلنا: متى؟ إذا أمكن العلم، أو [إذا] لم يمكن، و نحن قادرون على تحصيل الأحكام من ظواهر النصوص المعلومة، سلمنا أنه لا طريق إليها إلا بالقياس، لكن لا نسلم وجوب العمل بالظن، إذ لو وجب ذلك، لوجب العمل بقول الشاهد الواحد، لا بل كان يجب العمل بقول المدعي بمجرده إذا غلب على ظن الحاكم صدقه، حتى يعمل بقول مدعي النبوة من دون المعجز.

لا يقال: منعت الأدلة من العمل بما ذكرته.

لأنا نقول: لو كان الظن وجهاً لوجوب العمل، لا طرد ذلك، كما أن رد الوديعة لما كان وجهاً موجباً لم يختلف وجوب الفعل الذي يقع عليه، [على] أن الدلالة قد منعت من ذلك، و هو قوله تعالى «وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ»* (3).

____________

(1) في بعض النسخ: من.

(2) الحشر- 2.

(3) البقرة- 169.

192

و أما الجواب عن المنقول فنقول: لا نسلم أن الصحابة عملت به، قوله:

عمل بعض و لم ينكر الباقون. قلنا: لا نسلم أن بعضاً عمل، قوله: اختلاف الصحابة مع استبعاد أن يكون مستندهم [النص دليل على العمل. قلنا: لم لا يجوز أن يكون مستندهم] النصوص؟ و الاستبعاد الذي ذكرتموه لا يفيد اليقين قوله: استدلوا على كثير من المسائل بالقياس. قلنا: هذا منقول بطريق الآحاد فلا يثمر العلم، سلمنا [صحة] نقلها، لكن لا نسلم أنهم استندوا في ذلك إلى القياس، و ان كان معنى القياس فيه موجوداً.

أما (قصة) (1) ابن عباس فإنه يحتمل أنه رأى ابن الابن يسمى ابناً، و كذلك أب الأب يسمى أباً، (فألزمه) (2) التسوية ظناً أنه انما عمل (في) (3) أحدهما بوقوع الاسم عليه، و الأخر مثله في تناول اللفظ، و ليس ذلك قياساً.

[و أما] قول عمر: «قس الأمور برأيك» فغاية ما أمره بالمقايسة، فجائز أن يكون أراد التسوية في مدلولات الألفاظ.

و أما (الشركة) (4): فلا نسلم أن الإخوة للأب و الأم استدلوا بالقياس، بل بطريق أن ولد الأم يستحقون الثلث، و من كان من ولد الأب و الأم فهو من ولد الأم.

قوله: لو أنكر الباقون لظهر. قلنا: أولا لا نسلم أن السكوت دليل الرضا فإنه يحتمل وجوهاً كثيرة غير ذلك، و قد ذكر [نا] ذلك في باب الإجماع، سلمنا أنه يدل على الرضا، لكن لا نسلم أنهم سكتوا، و لم لا يجوز أن يكونوا

____________

(1) في نسخة: قضية.

(2) في نسخة: لزمه.

(3) في نسخة: من، و في أخرى: بأحدهما.

(4) في نسخة: المشتركة.

193

أنكروا ذلك، قوله: لو كان لنقل. قلنا: لا نسلم ذلك، سلمنا [ه] لكن لا نسلم أنه يجب استمرار النقل حتى يتصل بنا، ثم نقول: يجب أن ينقل ذلك متواتراً أو آحاداً، الأول ممنوع، و الثاني مسلم و قد نقل الإنكار في مواضع:

منها: ما روي عن أبي بكر أنه قال: «أي سماء تظلني؟ و أي أرض تقلني؟ إذا قلت في كتاب اللّٰه برأيي».

و عن عمر أنه قال: «فان جاءك ما ليس في الكتاب و السنة، فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فان لم تجد فلا عليك أن لا تقضي».

و عن ابن عباس: «تتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الأمور برأيهم».

و قال: إذا قلتم في دين اللّٰه بالقياس أحللتم كثيراً مما حرم اللّٰه، و حرمتم كثيراً مما أحل اللّٰه».

و الجواب عن خبر أبي موسى و معاذ أن نقول: هو خبر واحد، لا يجوز العمل به في مسألة علمية، ثم هو مطعون فيه بوجوه: منها: أنه مرسل، و منها:

أن بعض المحدثين روى أنه لما قال «اجتهد» قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) «اكتب [كتاباً] إلي، أكتب إليك».

ثم نقول: لا نسلم أن قوله: « [أجتهد] برأيي» (1) إشارة إلى القياس، بل كما يحتمل ذلك، يحتمل أنه أراد الاجتهاد في العمل بدلالة الأصل، (و بدلالة) (2) الاحتياط، و غير ذلك من وجوه الاجتهاد، و مع الاحتمال يجب التوقف.

و الجواب عن تنبيه النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على القياس أن نقول: هي أخبار آحاد لا توجب العمل في مسألة علمية، على أنا نطالب بصحتها، و لو سلمناها [لما]

____________

(1) في نسخة: اجتهد برأيك.

(2) في بعض النسخ: و دلالة.

194

كان ذلك أمراً بالقياس، لأن التشبيه لا يقتضي تعدي الحكم، كما لو قال: عبدي (سالم) حر لأنه حبشي، لم يغلب على الظن أنه يريد عتق كل حبشي له.

و أما الآية: فبعيدة عن الدلالة على مرادهم، لأن ظاهرها الأمر بالاتعاظ فأين ذلك من قياس الفرع على الأصل؟.

195

الباب العاشر و هي خاتمة الكتاب

في فصول مختلفة

196

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

197

الفصل الأول في المفتي و المستفتي،

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: يجوز للعامي العمل بفتوى العالم في الأحكام الشرعية،

و قال الجبائي: يجوز ذلك في مسائل الاجتهاد، دون ما عليه دلالة (قطعيّة) (1) و منع بعض المعتزلة ذلك في الموضعين.

لنا: اتفاق علماء (الأعصار) (2) على الاذن للعوام في العمل بفتوى العلماء من غير تناكر، و قد ثبت أن إجماع أهل كل عصر حجة.

الثاني: لو وجب على العامي النّظر في أدلّة الفقه، لكان ذلك اما قبل وقوع الحادثة أو عندها، و القسمان باطلان، أما قبلها فمنفي بالإجماع، و لأنه يؤدي إلى استيعاب وقته بالنظر في ذلك، فيؤدي إلى الضرر بأمر المعاش المضطر إليه، و أما عند نزول الواقعة فذلك متعذر، لاستحالة اتّصاف كل عامي عند نزول الحادثة بصفة المجتهدين.

لا يقال: هذا لازم في المسائل العقلية الاعتقادية، مع انه لا يسوغ فيها التقليد.

____________

(1) في بعض النسخ: قاطعة.

(2) في نسخة: الأمصار.

198

لأنّا نقول: تلك حصولها سهل بأوائل الأدلّة، و هي عقائد مضبوطة، و ليس كذلك الفقه و حوادثه، لانتشارها، و انفراد كل مسألة منها بدليل [على] حياله.

و احتجوا لذلك أيضا: بقوله «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ»* (1) و يمكن أن يقال: سلمنا وجوب السؤال، و لكن لا نسلم وجوب العمل.

و احتجوا أيضا: بقوله تعالى «فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (2).

و لقائل أن يقول: الانذار مما يوجب الحذر لكن قد يكون باعثاً على النّظر في الأدلّة، فلم لا يجوز أن يكون هو المراد؟

و احتج المانعون بوجوه:

الأول: قوله تعالى «وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ»* (3)، و «لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (4)، و «إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً»* (5) و ثانيها: أنه عمل بما لا يؤمن كونه مفسدة، فيكون قبيحاً، لأن المفتي جائز الخطأ، فكل ما يفتي به يجوز أن يكون مخطئا فيه، فيكون الإقدام على العمل، على ما لا يؤمن كونه مفسدة، و قبح ذلك ظاهر.

و ثالثها: لو جاز التقليد في الشرعيات، لجاز في (العقليات) (6)، و الثاني

____________

(1) الأنبياء- 7.

(2) التوبة- 122.

(3) البقرة- 169.

(4) الإسراء- 36.

(5) يونس- 36.

(6) في نسخة: القطعيات.

199

محال، (فالأوّل) (1) مثله.

و الجواب عن الآيات أن نقول: خص منها العمل بشهادة الشاهدين، و استقبال [جهة] القبلة مع الظن عند عدم العلم، و الظن بأروش الجنايات و قيم المتلفات، و انما خص لوجود الدلالة، كذا هنا.

و عن الثاني: أن الأمن من المفسدة، بما أشرنا إليه من الدلالة الدالة على جواز العمل بالفتوى.

و عن الثالث: بالفرق بين الأمرين بتشعب مسائل الفقه و كثرة أدلتها، و سهولة أدلة الكلام و قلّتها، و بأن العقليات الغرض فيها الاعتقاد، فلا يبنى الا على العلم، و الشرعيات يجوز التعويل فيها على الظنون عند وجود الدلائل الدالة على اشتمالها على المصلحة.

المسألة الثانية: لا يجوز تقليد العلماء في أصول العقائد، خلافاً للحشوية.

و يدل على ذلك وجوه:

أحدها: قوله تعالى «وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ»* (2).

الثاني: ان التقليد: قبول قول الغير من غير حجة، فيكون جزماً في غير موضعه، و هو قبيح عقلا.

الثالث: لو جاز تقليد المحق لجاز تقليد المبطل، لأنه اما أن يكون تقليد المحق مشروطاً بالعلم بكونه حقا أو لم يكن، و يلزم من الأول طلب العلم (و أن لا) (3) يكون تقليداً، و ان جاز تقليد المحق [من] دون العلم بكونه حقا لزم

____________

(1) في نسخة: و الأول

(2) البقرة- 169

(3) في نسخة: و ان، و في أخرى: و الا

200

تقليد المبطل، لاشتراكهما في سبب الاتباع، و هو مجرد التقليد، (و إذا) (1) ثبت أنه غير جائز، فهل هذا الخطأ موضوع عنه؟ قال شيخنا أبو جعفر ره: نعم (و خالفه) (2) الأكثرون.

احتج ره: باتفاق فقهاء (الأعصار) (3) على الحكم بشهادة (العامي) (4) مع العلم بكونه لا يعلم تحرير العقائد بالأدلة القاطعة.

لا يقال: قبول الشهادة انما كان لأنهم يعرفون أوائل الأدلة، و هو سهل المأخذ.

لأنّا نقول: ان كان ذلك حاصلا لكل مكلف لم يبق من يوصف بالمؤاخذة فيحصل الغرض و هو سقوط الإثم، و ان لم يكن معلوماً لكل مكلف لزم أن يكون الحكم بالشهادة موقوفاً على العلم بحصول تلك الأدلة (للشاهد) (5) منهم، لكن [ذلك] محال، و لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يحكم بإسلام الأعرابي [من] غير أن يعرض عليه أدلة الكلام، (و لا يلزمه) (6) بها، بل يأمره بتعلم الأمور الشرعية اللازمة كالصلاة و ما أشبهها.

المسألة الثالثة: الذي [يسوغ] له الفتوى هو العدل العالم بطرق العقائد الدينية الأصولية،

و بطرق الأحكام الشرعية و كيفية استنباط الأحكام منها.

و بالجملة: يجب أن يعرف جميع ما يتوقف عليه كل واقعة يفتي فيها،

____________

(1) في نسخة: و ان

(2) في نسخة: و خالف

(3) في أكثر النسخ: الأمصار

(4) في نسخة: الراوي

(5) في نسخة: للمشاهد

(6) في نسخة: و لا يلزم

201

بحيث إذا سئل عن لمّيّة ذلك الحكم أتى به و بجميع أصوله التي (يبتني) (1) عليها. و انما وجب ذلك، لأن الفتوى مشروطة بالعلم بالحكم، و ما لم يكن عارفاً بتلك الأمور لا يكون عالماً به، لأن الشك في إحدى مقدمات الدليل (2) أو في مقدمات مقدماته، شك في الحكم، و لا تجوز الفتوى مع الشك في الحكم.

[و] إذا تقرر هذا: فلا يجوز (للمفتي) (3) أن يتعرض للفتوى حتى يثق من نفسه بذلك، و لا يجوز للمستفتي أن يستفتيه حتى يعلم منه ذلك من ممارسته و ممارسة العلماء و شهادتهم له باستحقاق منصب الفتوى و بلوغه إياه، و لا يكتفي العامي بمشاهدة المفتي متصدراً، و لا داعياً إلى نفسه، و لا مدعياً، و لا بإقبال العامّة عليه، و لا اتصافه بالزهد و التورع، فإنه قد يكون غالطاً في نفسه أو مغالطاً.

و إذا ثبت ذلك: فان كان في البلد واحد بهذه الصفة تعيّن للفتوى، و ان كان أكثر: فإن تساووا في العلم و العدالة جاز استفتاء كل منهم، فان اختلفوا في الفتوى- و الحال هذه- كان المستفتي مخيّراً في العمل بقول أيّهم شاء و ان كان أحدهم أرجح في العلم و العدالة وجب العمل (بفتواه) (4). و ان اتفق اثنان أحدهما أعلم و الأخر أكثر عدالة و ورعاً، قدم الأعلم، لأن الفتوى تستفاد من العلم لا من الورع، و القدر الذي عنده من الورع يحجزه عن الفتوى بما لا يعلم، فلا اعتبار برجحان ورع الأخر.

____________

(1) في بعض النسخ: يبنى

(2) في نسخة إضافة: أو في مقدمات الدليل

(3) في نسخة: من المفتي

(4) في نسخة: بقوله

202

تفريع العالم إذا كان من أهل الاجتهاد و حصل له حكم الواقعة بنظر صحيح، لم يجز له العدول إلى العمل بفتوى من هو أعلم [منه]،

لأنه عدول عمّا يعلم إلى ما يظن، و كذا (ان) (1) لم يجتهد، لم يجز له الرجوع إلى قول الأعلم، لأن تحصيل العلم ممكن في حقّه.

أمّا إذا أشكل عليه طريق الواقعة جاز له الرجوع إلى الأعلم، لأنه بالنسبة إليه في تلك الواقعة كالعامي.

المسألة الرابعة: لا يجوز للعامي أن يفتي بما ينقله عن العلماء،

سواءً نقل عن حي أو ميت، لأنه قول بما لا يعلم فكان حراماً.

المسألة الخامسة: إذا أفتى المجتهد عن نظر في واقعة، ثم وقعت بعينها في وقت آخر،

[فان] كان ذاكراً لدليلها جاز له الفتوى، و ان نسيه افتقر إلى استئناف نظر، فإن أدى نظره إلى الأول فلا كلام، و ان خالفه وجب الفتوى بالأخير، و الأولى تعريف من استفتاه [أولا]، لأنه عامل بقوله و قد رجع عنه، فلو استمر لبقي عاملا بالفتوى من غير دليل و لا فتوى مفت.

الفصل الثاني في مسائل مختلفة:

المسألة الأولى: اتفق أهل العدل على قبح التصرف فيما فيه مضرة خالية (من) (2) نفع،

و كذا ما لا منفعة فيه، و كذا ما علم وجه قبحه كالظلم.

____________

(1) في نسخة: إذا

(2) في بعض النسخ: عن

203

و اختلفوا فيما عدا ذلك ممّا ينتفع به و لا يعلم كونه واجباً و لا مندوباً، فقال قوم: انه على الحظر، و هو مذهب طائفة منّا و قال الآخرون: على الإباحة، و هو اختيار المرتضى ره، و توقف آخرون فيه عقلا، و أباحوا منها ما دلّ عليه الشرع، و هو اختيار شيخنا المفيد ره.

احتج القائلون بالحظر بأنه تصرف في ملك الغير بغير اذنه، فيكون قبيحاً.

أجاب الآخرون بأنّا لا نسلم أنه تصرف بغير اذن المالك، و هذا لأن الأدلة التي نذكرها يلزم منها الاذن، سلمنا أنه لم يأذن، لكن كما لم يأذن لم يحظر، ثم نقول: لا نسلم أن مال الغير يحرم التصرف فيه الا مع المنع، أو مع مضرة تتوجه على المالك، أو فوت مصلحة له، يدل على ذلك أنا نستبيح الاستناد إلى جدار الغير من غير اذنه، و كذا نستضيء بضوء مصباحه، و لا علّة لذلك إلا خلوة من غرض يقتضي المنع، و الأشياء بالنسبة إلى اللّٰه سبحانه تجري هذا المجرى.

ثم ما ذكرتموه منقوض بالتنفس في الهواء فإنه يستباح عقلا من غير توقف على اذن.

لا يقال: ذلك لمكان الضرورة، لأنا نقول: لو كان كذلك لما جاز أن نستبيح منه الا ما يدفع الضرورة، و ليس كذلك ثم نقول: لو قبح منه الإقدام لأنه تصرف في مال الغير، لقبح الإحجام (لمثل) (1) ذلك، إذ تصرفه في نفسه- إقداماً (أو) (2) إحجاماً- تصرف في ملك الغير، فيلزم الجمع بين النقيضين.

احتج القائلون [بالإباحة] بوجوه:

____________

(1) في نسخة: بمثل

(2) في نسخة: و

204

الأول: ان ذلك تحصيل لمنفعة خالية عن الضرر، فتكون حسنه، أما الأولى: فلان المالك سبحانه لا ينتفع و لا يستضر و لا ينقص ملكه شيء، و أمّا المنتفع فلانا نتكلم على هذا التقدير، و أما الثانية: فيدل عليها وجهان: الأول:

أن مثل ذلك خال عن وجوه القبح، و الثاني: أن الاستظلال بجدار الغير يحسن من غير اذن مالكه، و لا وجه لحسنه الا عدم استضرار المالك و انتفاع المستظل، و هذا الوجه حاصل فيما ذكرنا [ه] فيجب أن يحسن.

لا يقال: هذا باطل بالربا و الزنا و غير ذلك من المحرمات، فان المالك لا يستضرّ بفعلها، و هي نافعة للفاعل، فلو كان وجهاً يقتضي الحسن لما قبح شيء منها.

لأنا نقول: ورود النهي عنها دليل على اشتمالها على مفسدة عائدة إلى المكلف تقتضي المنع، و ليس كذلك ما نحن فيه.

الوجه الثاني: لو لم تكن (المشتهيات) (1) على الإباحة لزم أن يكون تعالى فاعلا للقبيح، لكن هذا اللازم محال، و بيانه: (انه) (2) بتقدير أن لا تكون مخلوقة للانتفاع: امّا أن يكون في خلقها غرض حكمي، و امّا أن لا يكون، و يلزم من الثاني العبث، و ان كان: فامّا النّفع عائد إليه تعالى و هو محال، و اما الضرر عائد إلى غيره، و هو قبيح، لعدم الوجوه المقتضية لحسنه، فتعيّن أن تكون للانتفاع.

و لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون فيه غرض غير الانتفاع؟ و هو امّا امتناع المكلف منه، لتحصيل الثواب بمنع النّفس عن تناوله، أو ليستدل بها على الصانع سبحانه، أو غير ذلك من الوجوه.

____________

(1) في بعض النسخ: المشتبهات.

(2) في نسخة: أن.

205

فان قالوا: خلقها يحسن مع عدم التكليف.

كان لقائل أن يمنع ذلك.

و كذلك (ان قالوا) (1) يمكن الاستدلال على الصانع سبحانه من دونها بغيرها.

قلنا: العقل لا يمنع من ترادف الأدلة و لا يقبّحه.

الوجه الثالث: قالوا قد علمنا حسن التنفس في الهواء من دون اذن المالك و الاستظلال بجدار الغير و الاستضاءة (2) بمصابيحه، و العلّة في ذلك أنه لا ضرر فيه على المالك و لا على غيره، إذ لا وجه يضاف إليه الجواز الا (ذاك) (3) و لأن ذلك الحكم يدور مع هذه العلّة وجوداً و عدماً، فيجب أن يحسن التصرف فيما ذكرناه للاشتراك في الموجب.

الوجه الرابع: الاستدلال بالشرع على الإباحة، و هو أمران: القرآن، و الإجماع.

أما القرآن: فقوله تعالى «خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» (4) و قوله تعالى:

«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ» (5) و قوله:

«أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ»* (6).

و أما الإجماع: فلان أهل الشرائع كافة لا يخطئون من بادر إلى تناول شيء من المشتهيات، سواء علم الاذن فيها من الشرع أو [لم] يعلم، و لا

____________

(1) في نسخة: أن يقول.

(2) في النسخ: الاستضواء.

(3) في بعض النسخ: ذلك.

(4) البقرة- 29.

(5) الأعراف- 32.

(6) المائدة- 5.

206

يوجبون عليه عند تناول شيء من المآكل أن يعلم التنصيص على (الإباحة) (1) و يعذرونه في كثير من المحرمات إذا تناولها من غير علم، و لو كانت محظورة لأسرعوا إلى تخطئته حتى يعلم الإذن.

المسألة الثانية: إذا ثبت حكم في وقت، ثم جاء وقت آخر و لم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم،

هل يحكم ببقائه على ما كان؟ أم يفتقر الحكم به في الوقت الثاني إلى دلالة، كما يفتقر نفيه إلى الدلالة.

حكي عن المفيد ره: أنه يحكم ببقائه ما لم تقم دلالة على نفيه، و هو المختار.

و قال المرتضى ره: لا يحكم بأحد الأمرين إلا لدلالة.

مثال ذلك: المتيمم إذا دخل في الصلاة، فقد أجمعوا على المضيّ فيها، فإذا رأى الماء في أثناء الصلاة، هل يستمر على فعلها استصحاباً للحال الأول؟

أم يستأنف الصلاة (بوضوء) (2) فمن قال بالاستصحاب قال بالأول، و من (أطرحه) (3) قال بالثاني.

لنا وجوه:

الأول: ان المقتضي للحكم الأول ثابت فيثبت الحكم، و العارض لا يصلح (رافعاً) (4) له، فيجب الحكم بثبوته (في) (5) الثاني.

أما أن مقتضى الحكم الأول ثابت، فلأنّا نتكلم على هذا التقدير.

____________

(1) في بعض النسخ: إباحته.

(2) في بعض النسخ: لوضوء.

(3) في نسخة: طرحه.

(4) في نسخة: دافعاً، و (له) محذوفة من إحدى النسخ.

(5) في نسخة: على.

207

و أما أن العارض لا يصلح رافعاً، فلان العارض انما هو احتمال تجدد ما يوجب زوال الحكم، لكن احتمال ذلك يعارضه احتمال عدمه، فيكون كل واحد منهما مدفوعاً بمقابله، فيبقى الحكم الثابت سليماً عن (رافع) (1).

الوجه الثاني: الثابت أو لا قابل للثبوت ثانياً- و الا لانقلب من الإمكان الذاتي إلى الاستحالة- فيجب أن يكون في الزمان الثاني جائز الثبوت كما كان أولا، فلا ينعدم الا (لمؤثر) (2)، لاستحالة خروج الممكن من أحد طرفيه إلى الأخر (لا) (3) لمؤثر، فإذا كان التقدير تقدير عدم العلم بالمؤثر، فيكون بقاؤه أرجح من عدمه في اعتقاد المجتهد، و العمل بالراجح واجب.

الوجه الثالث: عمل الفقهاء باستصحاب الحال في كثير من المسائل، و الموجب للعمل هناك موجود في موضع الخلاف، (فيثبت) (4) العمل به.

أمّا الأولى: فكمن تيقّن الطهارة و شك في الحدث، فإنه يعمل على يقينه، و كذلك بالعكس و من تيقن طهارة ثوبه في حال، بنى على ذلك حتى يعلم (رافعها) (5) و من (شهد) (6) بشهادة بنى على بقائها حتى يعلم رافعها، و من غاب غيبة منقطعة، [حكم] ببقاء أنكحته، و لم تقسم أمواله، و عزل نصيبه في المواريث، و ما (ذاك) (7) [الا] لاستصحاب حال حياته.

____________

(1) في نسخة: دافع.

(2) في نسخة: بالمؤثر.

(3) في بعض النسخ: إلا.

(4) في نسخة: فثبت.

(5) في بعض النسخ: خلافها.

(6) في نسخة: يشهد.

(7) في نسخة: ذلك.

208

و هذه العلّة موجودة في مواضع الاستصحاب، [فيجب العمل به].

الوجه الرابع: أطبق العلماء على أن مع عدم الدلالة الشرعية يجب (بقاء) (1) الحكم على ما تقتضيه البراءة الأصلية، و لا معنى للاستصحاب إلّا هذا.

فان قال: ليس هذا استصحاباً، بل هو إبقاء الحكم على ما كان، لا حكماً بالاستصحاب.

قلنا: [نحن] نعني بالاستصحاب هذا القدر، لا نعني به شيئاً سوى ذلك.

احتج المانع:

بأن ذلك (حكم) (2) بغير دليل، فيكون باطلا.

أما انه حكم بغير دليل، فلأن ثبوت الحكم بالدليل في وقت أو في حال لا يتناول ما عدا تلك الحال و ذلك الزمان، فلو حكم بذلك الحكم في الحال الثاني، لكان حكماً بغير دليل.

و أما أن الحكم بغير دليل باطل، فبالاتفاق.

الوجه الثاني: لو كان الاستصحاب حجة، لوجب فيمن علم زيداً في الدار و لم يعلم خروجه أن يقطع ببقائه فيها و كذا كان يلزم إذا علم أن زيداً حي، [ثم] انقضت مدة و لا يعلم فيها موته، أن يقطع ببقائه، و كل ذلك باطل.

الوجه الثالث: استدل بعض الجمهور بأن العمل بالاستصحاب يلزم منه التناقض، فيكون باطلا، و ذلك أن الاستدلال به كما يصحّ أن يكون حجة للمستدل، يصح مثله لخصمه، فإنه إذا قال: الثابت قبل وجود الماء للمصلي المضي في صلاته، فيثبت ذلك الحكم إذا وجد الماء، كان لخصمه أن يقول:

____________

(1) في نسخة: إبقاء.

(2) في بعض النسخ: عمل.

209

الثابت اشتغال ذمته بصلاة متيقنة، فيجب أن يبقى الشغل، (أو) (1) يقول: قبل الصلاة لو وجد الماء لما جاز [له] الدخول فيها بتيممه، فكذلك بعد الدخول فيها.

و الجواب عن الأول: أن نقول: قوله: ان ذلك عمل بغير حجة. (قلنا) (2) لا نسلم لأن الدليل دل على أن الثابت لا يرتفع الا برافع، فإذا كان التقدير تقدير عدمه، كان بقاء الثابت راجحاً في اعتقاد المجتهد، و العمل بالراجح لازم.

قوله في الوجه الثاني: لو كان الاستصحاب حجة، لوجب القطع ببقاء ما يعلم الإنسان وقوعه في الأزمان المنقضية إذا لم يعلم له رافعاً. قلنا: نحن لا ندعي القطع، و لكن ندعي رجحان الاعتقاد لبقائه، و ذلك يكفي في العمل به.

قوله في الوجه الثالث: يلزم منه التناقض.

(لا نسلم (3)، إذ ليس كل موضع يستعمل فيه الاستصحاب يفرض فيه ذلك الفرض، و وجود التعارض في الأدلة المظنونة لا يوجب سقوطها حيث تسلم عن المعارض، كما في أخبار الآحاد و القياس، عند من يعمل بهما.

و الذي نختاره نحن: أن ننظر في الدليل المقتضي لذلك الحكم، فان كان يقتضيه مطلقاً، وجب القضاء باستمرار الحكم، كعقد النكاح مثلا، فإنه يوجب حل الوطء مطلقاً، فإذا وقع الخلاف في الألفاظ التي يقع بها الطلاق كقوله أنت خلية، و برية، فان المستدل على [أن] الطلاق لا يقع (بها) (4) لو قال: حل الوطء

____________

(1) في نسخة: و.

(2) في نسخة: قلت.

(3) في نسخة: فلا نسلم.

(4) في بعض النسخ: بهما.

210

ثابت قبل النطق بهذه، فيجب أن يكون ثابتاً بعدها، لكان استدلالا صحيحاً، لأن المقتضي للتحليل- و هو العقد- اقتضاه مطلقاً، و لا يعلم أن الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء، فيكون الحكم ثابتاً، عملا بالمقتضي.

لا يقال: المقتضي هو العقد، و لم يثبت أنه باق، فلم يثبت الحكم.

لأنّا نقول: وقوع العقد اقتضى حل الوطء لا مقيداً بوقت، (فلزم) (1) دوام الحل، نظراً إلى وقوع المقتضي لا إلى دوامه، فيجب أن يثبت الحل حتى يثبت الرافع، فان كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه، فليس ذلك عملا بغير دليل. و ان كان يعني به أمراً وراء ذلك، فنحن مضربون عنه.

المسألة الثالثة: النافي للحكم: ان قال: لا أعلم، لم يكن عليه دليل،

لأن قوله لا يعدّ مذهباً، و ان قال: أعلم انتفاء الحكم، كان عليه إقامة الدليل كما يلزم المثبت، و سواء نفي حكماً شرعياً أو عقلياً، و يدل على ذلك، وجهان:

الأول: ان النافي جازم بالنفي فيكون مدعياً للعلم به، فامّا أن يكون علمه اضطراراً أو استدلالا، و الأول: باطل، لأنا [لا] نعلم ذلك، فتعيّن الثاني و يلزم من ذلك تعويله على مستنده ان كان معتقداً، و إبرازه ان كان مناظراً، ليتحقق دعواه و ليتمكن من تركيب الحجة على مناظرة.

الثاني: [لو لم يلزم] النافي إقامة الدلالة، لزم من ذلك (التفصي) (2) من الأدلة في كل دعوى، لكن ذلك باطل.

و بيان ذلك: ان المدعي لقدم العالم إذا طولب بالدلالة، عدل عن هذا اللفظ، بأن يقول: ليس العالم بحادث، فيسقط عنه الدليل، لكن لو صحّ ذلك له، لأمكن خصمه أن يقول: ليس العالم بقديم، فيسقط عنه الدليل أيضا، و

____________

(1) في نسخة: فيلزم.

(2) في بعض النسخ: التقضي.

211

بطلان ذلك ظاهر.

احتج الخصم:

بأن (النفي) (1) عدم، و العدم لا يفتقر إلى الدلالة.

و بأن إثبات الأحكام موقوف على ثبوت الأدلّة، فيكون عدمها مستنداً إلى عدم الأدلّة، كما أنّ المعجز دلالة على النبوة، و عدمها دليل على عدم النبوة، و يؤيد ذلك قوله (عليه السلام): «البيّنة على المدعي و اليمين على (من أنكر) (2)».

و الجواب:

قوله: النفي عدم. قلنا: هذا صحيح، لكن الجزم بذلك النفي هو المفتقر إلى الدلالة.

قوله: إثبات الأحكام يفتقر إلى الدلالة، فيكفي في نفيها عدم الدلالة.

قلنا: هذا محض الدعوى، فما الدليل عليه؟ فان من علم دليل الثبوت جزم به، و من عدمه فإنه يجوز ثبوت الحكم كما يجوز عدمه، إذ عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول كما يدعيه.

قوله: عدم المعجز دليل على عدم النبوة. قلنا: لا نسلم فان من لا يعلم معجز النبي، لا يجوز له الجزم بنفي (نبوته) (3)، أما إذا ادعى النبوة و لا معجز له، فإنا ننفي (نبوته) (4) لا لعدم المعجز، [بل] لعلمنا عقلا أنه لو كان نبياً لكان له معجز، فنستدل بعدم اللازم على عدم الملزوم، و ذلك من الأدلة القاطعة، فكان مستند الحكم بانتفاء (نبوته) (5) إلى ذلك الدليل، لا إلى مجرد عدم المعجز

____________

(1) في نسخة: المنع.

(2) في نسخة: المنكر.

(3) في نسخة: ثبوته.

(4) في نسخة: ثبوته.

(5) في نسخة: ثبوته.

212

و كذا إذا حكمنا بانتفاء واقعة، لو وقعت لعلمت، مثل إنكار مدينة قريبة لم يسمع ببنائها، أو وقوع حادثة في ملأ و لم تسمع منهم، فانا نحكم بانتفاء ذلك كله، لأن ذلك مما لو كان لظهر، فلما لم يظهر، دل ذلك على عدمه.

و أما قوله (عليه السلام): «و اليمين على من أنكر» فإنا نقول: لا نسلم أن القول قوله من غير حجة، بل الحجة معه بتقدير عدم البينة من طرف المدعي، و ذلك انه إذا ادعى عليه عيناً فإنها تكون في يده، و اليد دلالة [على] الملك، فكان الحكم باليد لا بعدم البينة بمجرده، و ان ادعى عليه ديناً، فالأصل براءة الذمم، فهو مستدل بالأصل على أن إيجاب اليمين عليه يجري مجرى الحجة في جنبه شرعاً، و ذلك مما يدل على أنه لم يثبت قوله بعدم البينة، إذ لو ثبت ثبوتاً باتاً [تاماً] لما كلف [اليمين].

و إذا ثبت هذا، فاعلم: أن الأصل خلو الذّمّة عن الشواغل الشرعية، فإذا ادعى مدع حكماً شرعياً، جاز لخصمه أن يتمسك في انتفائه بالبراءة الأصلية، فيقول: لو كان ذلك الحكم ثابتاً، [لكان] عليه دلالة شرعية، لكن ليس كذلك فيجب نفيه، و لا يستمر (1) هذا الدليل الا ببيان مقدمتين:

إحداهما: انه لا دلالة عليه شرعاً، بأن (نضبط) (2) طرق الاستدلالات الشرعية، و نبين عدم دلالتها عليه.

و الثانية: أن (نبين) (3) أنه لو كان هذا الحكم ثابتاً لدلت عليه إحدى تلك الدلائل، لأنه لو لم يكن عليه دلالة، لزم التكليف [بما لا طريق للمكلف إلى

____________

(1) كذا في النسخ و لعل الصحيح: و لا يتم.

(2) في نسخة: تضبط.

(3) في نسخة: أن يتبين.

213

العلم به، و هو تكليف] بما لا يطاق، و لو كان عليه دلالة غير تلك (الأدلة) (1) لما كانت أدلة الشرع منحصرة [فيها]، لكن قد بيّنا انحصار الأحكام في تلك الطرق.

و عند هذا يتم كون ذلك دليلا على نفي الحكم. و اللّٰه أعلم.

الفصل الثالث (فيما الحق) (2) بأدلة الأصول و ليس منها،

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: إذا اختلف الناس على أقوال، و كان بعضها يدخل في بعض

- كما اختلف في حد الخمر، فقال قوم: ثمانون، و آخرون: أربعون و في دية اليهودي، فقيل: كدية المسلم و قيل: ثمانون، و قيل: على النصف و قيل: على الثلث- هل يكون الأخذ بالأقل حجة؟ حكم بذلك قوم، و أنكر [ه] آخرون.

أما القائلون [بذلك] فقالوا: قد حصل الإجماع على وجوب الأقل، و الإجماع حجة، و اختلف في الزائد، و البراءة الأصلية نافية له، فيثبت الأقل بالإجماع، (و ينفى) (3) الزائد بالأصل، لأن التقدير تقدير عدم الدلالة الشرعية و قد بيّنا أن مع عدمها يكون العمل بالبراءة الأصلية [لازما].

لا يقال: الذّمّة مشغولة بشيء، و قد اختلف فيما تبرأ به الذّمّة، و في الأقل خلاف، و بالأكثر تبرأ الذّمّة يقيناً، فيجب الأخذ به احتياطاً لبراءة الذّمّة.

____________

(1) في نسخة: الدلالة.

(2) في نسخة: فيما يتعلق.

(3) في نسخة: و ينتفي.

214

لأنا نقول: لا نسلم اشتغال الذّمّة مطلقاً، لأن الأصل دال على خلوها، فلا تشتغل الا مع قيام الدليل، و قد ثبت اشتغالها بالأقل، فلا يثبت اشتغالها بالأكثر، [و الاشتغال بالأكثر] مغاير للاشتغال المجرد، و مغاير للاشتغال بالأقل فيكون الاشتغال بالأكثر و الاشتغال المطلق منفياً بالأصل.

لا يقال: فان لم يثبت دلالة على الأكثر، فإنه من الممكن أن يكون هناك دليل، و لا يلزم من عدم الظفر به عدمه، فكان العمل بالأكثر أحوط.

لأنا نقول: ذلك الدليل المحتمل لا يعارض الأصل، لأنا قد بيّنا أن مع تقدير عدم الدلالة الشرعية يجب العمل بالبراءة الأصلية، و ذلك يرفع ما أومأ [نا] إليه من الاحتمال.

المسألة الثانية: إذا اختلفت (الأمّة) (1) على قولين، هل يجب الأخذ بأخفهما حكماً بتقدير عدم الدلالة على كل واحد منهما

-؟ صار إلى ذلك قوم و قال آخرون: بالأثقل، و الكل باطل.

و احتج الأولون: بالنقل و العقل.

أما النقل: فقوله تعالى «يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (2) و قوله «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (3) و قوله (عليه السلام): «لا ضرر في الإسلام» و قوله: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة».

[و] أما العقل: فلان احتمال الأخف مساو لاحتمال الأثقل في عدم الدلالة و الأخذ (بالأثقل) (4) احتياط لحق اللّٰه سبحانه، و هو غني لا يتضرر، و بالأقل

____________

(1) في بعض النسخ: الإمامية.

(2) البقرة- 185.

(3) الحج- 78.

(4) في نسخة: بالأكثر.

215

تخفيف عن العبد، و هو فقير يتضرر، فيكون (الترخيص) (1) في حق من لا (يتضرر) (2) أولى.

احتج القائلون بالأثقل بوجهين:

أحدهما: أن العمل بالأثقل أحوط، فيجب الأخذ به.

الثاني: ان العمل بالأثقل أفضل، فيجب العمل به، أما أنه أفضل: فلقوله (عليه السلام): «أفضل العبادات أحمزها» و أما انه إذا كان أفضل وجب العمل به فلان الأفضل خير، فيجب الاستباق إليه بقوله «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ»* (3).

و الجواب:

أما الآيات، فالجواب عن الأولى: لا نسلم أن إرادة اليسر لا تتناول الأثقل بل هو يسر [كما أن الأخف يسر]، ثم لا يلزم من إرادة اليسر اختصاصها بالأيسر.

و عن الثانية: لا نسلم أن الأثقل حرج، فان قال: الحرج هو الضيق، و هو يتناول الأثقل، قلنا: لو تناول الأثقل لأجل ضيق المشقة، لتناول الأخف فالأولى: صرف الضيق إلى ما يقصر عنه الطاقة، [فيكون متناولا للأثقل، لأنه مما يدخل تحت الطاقة].

و الجواب عن الخبر الأول: أن نقول: نفي الضرر يتناول الجميع، و هو متروك الظاهر، فيحمل على ما وقع الاتفاق على تركه.

و عن الخبر الثاني: أن الخفيف و الثقيل سهل سمح، إذ كل واحد منهما دون طاقة العبد.

ثم الخبران معارضان بقوله (عليه السلام): «الحق ثقيل مري، و الباطل خفيف و بي».

____________

(1) في نسخة: الترجيح.

(2) في نسخة: يستضر.

(3) البقرة- 148.

216

و الجواب عن المعقول: أن نقول: قوله: ان اللّٰه سبحانه غني لا يتضرر فيكون الترخيص في حقوقه. قلنا: حقوق اللّٰه لا تنفك عن مصلحة عائدة إلى العبد، فيكون الترخيص فيها ترخيصاً في حق المتضرر، فعدوله حينئذ يكون تركاً (لمصلحة) (1)، و هو غير جائز.

و يمكن أن يجاب الآخرون بأن نقول: قوله: العمل بالأثقل أحوط.

قلنا: سنبين أن الاحتياط دلالة ضعيفة، بل باطلة.

قوله: العمل بالأثقل أفضل. قلنا: متى؟ إذا ثبت أنه مأمور [به]، أو إذا لم يثبت، و نحن فلا نسلم أنه مأمور [به]، قوله (عليه السلام): «أفضل العبادات أحمزها» قلنا: لا نسلم (أنه) (2) عبادة، و انما يثبت ذلك إذا ثبت أنه مأمور به.

المسألة الثالثة: العمل بالاحتياط غير لازم.

و صار آخرون: إلى وجوبه و قال آخرون: مع اشتغال الذّمّة يكون العمل بالاحتياط واجباً، و مع عدمه لا يجب.

مثال ذلك: إذا ولغ الكلب في الإناء فقد نجس، و اختلفوا هل يطهر بغسلة واحدة؟ أم لا بد من سبع، و فيما عدا الولوغ، هل يطهر بغسله؟ أو لا بد من ثلاث.

احتج القائلون بالاحتياط: بقوله (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، و بأن الثابت اشتغال الذّمّة يقيناً، فيجب أن لا يحكم ببراءتها الا بيقين، و لا يقين الا مع الاحتياط.

و الجواب عن الحديث: أن نقول: هو خبر واحد (لا نعمل) (3) بمثله في

____________

(1) في نسخة: لمصلحته.

(2) في نسخة: أنها.

(3) في نسخة: لا يعمل.

217

مسائل الأصول، سلمنا [ه]، لكن إلزام المكلف بالأثقل مظنة الريبة، لأنه إلزام مشقة لم يدل الشرع عليها، فيجب اطراحها بموجب الخبر.

و الجواب عن الثاني: أن نقول: البراءة الأصلية- مع عدم الدلالة الناقلة- حجة، و إذا كان التقدير [تقدير] عدم الدلالة الشرعية على الزيادة، كان العمل بالأصل أولى، و حينئذ لا نسلم اشتغال الذّمّة مطلقاً، بل لا نسلم اشتغالها الا بما حصل الاتفاق عليه، أو اشتغالها بأحد الأمرين.

و يمكن أن يقال: قد أجمعنا على الحكم بنجاسة الإناء، و اختلفنا فيما به يطهر، فيجب أن يؤخذ بما حصل الإجماع عليه في الطهارة (ليزول) (1) ما أجمعنا عليه من النجاسة بما أجمعنا عليه من الحكم بالطهارة.

المسألة الرابعة: شريعة من قبلنا هل هي حجة في شرعنا؟

قال قوم: نعم ما لم يثبت نسخ ذلك الحكم بعينه، و أنكر الباقون ذلك، و هو الحق.

لنا: وجوه.

الأول: قوله تعالى «وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ» (2).

الثاني: لو كان متعبداً بشرع غيره، لكان ذلك الغير أفضل، لأنه يكون تابعاً لصاحب ذلك الشرع، لكن ذلك باطل بالاتفاق.

الثالث: لو كان متعبداً بشرع غيره، لوجب عليه البحث عن ذلك الشرع لكن ذلك باطل، لأنه لو وجب لفعله، و لو فعله لاشتهر، و لوجب على الصحابة و التابعين بعده و المسلمين إلى يومنا هذا متابعته (عليه السلام) على الخوض فيه، و نحن نعلم من الدين خلاف ذلك.

الرابع: لو كان متعبداً بشرع من قبله، لكان طريقه إلى ذلك اما الوحي أو

____________

(1) في نسخة: فيزول.

(2) النجم- 3.

218

النقل [و] يلزم من الأول أن يكون شرعاً له لا شرعاً لغيره، و من الثاني التعويل على نقل اليهود، و هو باطل، لأنه ليس بمتواتر، لما تطرق إليه من القدح المانع من إفادة اليقين، و نقل الآحاد منهم لا يوجب العمل لعدم الثقة.

و احتج الآخرون:

بقوله تعالى «فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ» (1) و بقوله «ثُمَّ أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً» (2) و بقوله «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً» (3) و بقوله:

«إِنّٰا أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ كَمٰا أَوْحَيْنٰا إِلىٰ نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ» (4) و بقوله «إِنّٰا أَنْزَلْنَا التَّوْرٰاةَ فِيهٰا هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ» (5).

و بأنه (عليه السلام) رجع في معرفة الرجم في الزنا إلى التوراة.

أجاب الأولون:

عن الآية الأولى: بأنها تتضمن الأمر بالاقتداء بهداهم كلهم، فلا يكون ذلك إشارة إلى شرعهم، لأنه مختلف، فيجب صرفه إلى (ما اتفقوا) (6) عليه، و هو دلائل العقائد العقلية، دون الفروع الشرعية.

و عن الثانية: بأن ملة إبراهيم (عليه السلام) المراد بها العقليات، دون الشرعيات، يدل على ذلك قوله «وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِيمَ إِلّٰا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ» (7) فلو

____________

(1) الأنعام- 90.

(2) النحل- 123.

(3) الشورى- 13.

(4) النساء- 163.

(5) المائدة- 44.

(6) في نسخة: ما اتفق.

(7) البقرة- 130.

219

أراد الشرعيات لما جاز نسخ شيء منها، [و قد نسخ كثير من شرعه، فتعين أن المراد منه العقليات].

و عن الآية الثالثة: أنه لا يلزم من وصية نوح بشرعنا، أنه أمره به، بل يحتمل أن يكون (وصاته) (1) به أمراً منه بقبوله عند (انتهاء أعقابهم) (2) إلى زمانه (عليه السلام)، أو وصّاه به بمعنى أطلعه عليه و أمره بحفظه.

و لو سلمنا أن المراد أنه شرع لنا ما شرع لنوح، لاحتمل أن يكون المراد به من الاستدلال بالمعقول على العقائد الدينية، و لو لم يحتمل ذلك لم يبعد أن يتفق الشرعان (ثم) (3) لا يكون شرعه حجة علينا من حيث ورد على نبينا (صلى اللّٰه عليه و آله) بطريق الوحي، فلا تكون شريعته شريعة لنا، باعتبار ورودها عنه.

و عن الآية الرابعة: أن المساواة في الوحي لا تستلزم المساواة في الشرع.

و عن الآية الخامسة: ان ظاهرها يقتضي اشتراك الأنبياء جميعاً في الحكم بها، و ذلك غير مراد، لأن إبراهيم و نوحاً و إدريس و آدم لم يحكموا بها، لتقدمهم على نزولها، فيكون المراد: أن الأنبياء (عليهم السلام) يحكمون بصحة ورودها عن اللّٰه، و أن فيها نوراً و هدى، و لا يلزم أن يكونوا متعبدين بالعمل بها، كما أن كثيراً من آيات القرآن منسوخة و هي عندنا نور و هدى.

و أما رجوعه (عليه السلام) في (تعرف) (4) حد الرجم [في التوراة]، فلا نسلم أن مراجعته (التوراة) (5) ليعرفه، بل لم لا يجوز أن يكون ذلك لإقامة الحجة على

____________

(1) في نسخة: وصاية.

(2) في نسخة: انتهائهم.

(3) في بعض النسخ: لم.

(4) في نسخة: تعريف.

(5) في نسخة: للتوراة.

220

من أنكر وجوده في التوراة؟.

المسألة الخامسة: الاستقراء: هو الحكم على جملة بحكم،

لوجوده فيما اعتبر من جزئيات تلك الجملة، و مثاله: أن تستقرئ الزنج، فتجد (كل موجود منهم) (1) أسود، فتحكم بالسواد على من لم تره كما حكمت على من رأيته.

و حاصله التسوية من غير جامع، و مثاله من الفقهيات: إذا اختلف في الوتر، فنقول: هو مندوب، لأنه لو كان واجباً لما جاز أن يصلى على الراحلة (2)، لكنه يصلى على الراحلة، و المقدم مستفاد من الاستقراء، إذ لا شيء من الواجب يصلى على الراحلة، و الاستثناء معلوم بالإجماع.

و هل مثل ذلك حجة في الأحكام؟ الحق أنه ليس بحجة، لأن موارد الأحكام مختلفة، فلا يلزم من اختصاصها ببعض الأعيان وجودها في الباقي، [و لأن ثبوت الحكم فيما وجد، قد يكون مع وجوده في الباقي]، و قد يكون مع فقده، و مع الاحتمال لا يجوز الحكم بأحدهما دون الأخر [و] لأن وجود الحكم في فرد من أفراد النوع، لا يلزم منه وجوده في باقي الأفراد، فكذا وجوده فيما هو أكثر من الواحد.

فان قيل: مع كثرة الصور يغلب الظن أن الباقي مماثل لما وجد و العمل بالظن واجب.

قلنا: لا نسلم أنه يغلب على الظن [أن الباقي مماثل لما وجد]، إذ لا تعلق بين ما رأيت و ما لم تره، و لا بين ما علمته من ذلك و ما لم تعلمه، و لو سلمنا حصول الظن، لكن الظن الحاصل من غير أمارة لا عبرة به، و ليس وجود الحكم فيما رأيته من أجزاء الجملة، أمارة لوجوده في الباقي، سلمناه، لكن

____________

(1) في بعض النسخ: الموجود منهم.

(2) أضاف في نسخة: إليه.

221

الظن قد يخطئ فلا يعمل به الا مع وجود دلالة تدل عليه.

فان قيل: مع الظن يرجح في ذهن المجتهد إرادة الشارع لتعميم الحكم فتصير المخالفة مظنة الضرر.

قلنا: غلبة الظن المذكور معارض بغلبة الظن أن شرعية الحكم تستدعي الدلالة، و مع ارتفاع الدلالة يغلب على الظن انتفاء الحكم، فينتفي ظن الضرر على أن مع النهي عن العمل بالظن يزول ظن الضرر، و النهي موجود بقوله:

«وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (1) و قوله «إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً»* (2).

المسألة السادسة: في المصالح.

المصلحة: هي ما يوافق الإنسان في مقاصده لدنياه أو لآخرته أو لهما، و حاصله: تحصيل منفعة أو دفع مضرة، و لما كانت الشرعيات مبتنيات على المصالح، وجب النّظر في رعايتها، و المصالح تنقسم ثلاثة أقسام: معتبرة شرعاً، و ملغاة، و مرسلة.

فالمعتبرة: كتحريم القتل و شرع القصاص، لاستبقاء الأنفس، و فرض الجهاد و قتل المرتد، لحفظ الدين، و تحريم الزنا و إقامة الحد، لحفظ الأنساب، و القطع في السرقة، لحفظ الأموال.

و الملغاة: كما يقال: الغنى في كفارة الوطء في نهار شهر رمضان عمداً يصوم شهرين (تحتماً) (3)، لأن ذلك يكون أزجر له عن المعاودة، لكن الشرع أسقط هذه المصلحة عن درجة الاعتبار.

و المرسلة: ما عدا القسمين، و هذه المصلحة ان كان معها مفسدة راجحة

____________

(1) الإسراء- 36.

(2) يونس- 36.

(3) في نسخة: تحتيماً.

222

أو مساوية، كانت ملغاة، و ان كانت المصلحة صافية عن المفسدة، أو راجحة حكي عن مالك: أنها حجة، حتى قال: (نضرب) (1) المتهم بالسرقة محافظة على المال، و أنكر ذلك الأكثر، و منهم من اعتبر في العمل بها شروطاً ثلاثة أن تكون ضرورية، و كلية، و قطعية، و أما ما لا يكون كلياً كالفروع (الجزئية) (2) مثل مسائل الإجارة، و جزئيات المساقاة، و رعاية الكفاءة في النكاح، فإنه لا يجوز التعويل على المصالح المرسلة فيها الا مع دلالة شرعية تدل على اعتبارها.

احتج الأولون: بأن الحكمة باعثة على رعاية المصلحة، فحيث (ثبت) (3) أن في الشيء مصلحة (يعلم تعلق) (4) داعي (الحكم) (5) به تحصيلا لتلك المصلحة [و الجواب: متى تكون الحكمة باعثة على رعاية المصلحة؟] إذا تحقق خلوها من جميع المفاسد، أم إذا لم يتحقق؟ الأول مسلم و الثاني ممنوع، و التقدير تقدير عدم (التحقق) (6)، غاية ما في الباب أن يغلب [على] الظن، لكن التكليف من فعل اللّٰه سبحانه، فيبني على ما علمه، لا على ما ظنناه نحن.

لا يقال: المكلف يبني في كثير من الشرعيات على الظن.

لأنا نقول: حيث دل الدليل الشرعي على العمل به، لا بمجرد الظن.

ثم نقول: لو جاز العمل بالمصلحة المرسلة، لوجب حضور مجالس

____________

(1) في نسخة: يضرب.

(2) في النسخ: الغريبة، و لكن كتب في هامش إحدى النسخ: الجزئية ظ، و هو الصواب.

(3) في بعض النسخ: يثبت.

(4) في نسخة: تعلم تعلق.

(5) في نسخة: الحكمة.

(6) في النسخ: التحقيق، و الصحيح ما أثبتناه.

223

الوعظ، تحصيلا لمصلحة الانزجار، و لوجب الحد في الغصب، (تحصيناً) (1) للمال.

و ما حكي عن مالك من جواز ضرب المتهم [بالسرقة، باطل، لأنه لو جاز ذلك، لجاز ضرب المتهم] بالقتل و المتهم بالغصب، محافظة على الأنفس و الأموال، لكن ذلك باطل إجماعاً.

و أما الفريق الثاني: فإنا نفرض لما ذكروه مثالا، فنقول: إذا تترس أهل الحرب بالأسارى من المسلمين، هل يجوز رميهم و ان أدى ذلك إلى تلف (الأسرى) (2)؟ قال هؤلاء: نعم، إذا علمنا أنا إذا لم نرمهم ظهروا على الإسلام فقالوا: هذه ضرورية، لأنه [لا] يندفع استئصال المسلمين إلا بالرمي، و كلية لأن الضرر عام في المسلمين كافة، و قطعية، لأنا نتيقن تسلط أهل الكفر مع عدم الرمي، و احتجوا لوجوب [مثل] هذا القدر بأن قالوا: المحافظة على الدماء مقصود للشارع، و الرمي مفض إلى ذلك القصد، فيكون واجباً و ان أدى إلى قتل الأسير.

و الجواب: ما الذي تعني بالقصد؟ ان عنيت أن الشرع منع من القتل و أوجب القصاص، فمسلّم و ان عنيت أنّه قصد حفظها بغير ذلك (ممّا لم يدل) (3) عليه الشرع، فلا نسلّم أو نقول: لا نسلم أن المحافظة على الدماء مقصودة كيف كان، بل لم لا يجوز أن تكون المحافظة مقصودة بتحريم القتل و القصاص لا غير، و لا يلزم من تشريع هذه الزواجر شرع طريق آخر.

ثم نقول: هذه المصلحة دل الشرع على إلغائها، فيجب سقوطها عن

____________

(1) في نسخة: تحصيلا.

(2) في نسخة: الأسارى.

(3) في بعض النسخ: مما يدل.

224

الاعتبار، يدل على ذلك قوله تعالى «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا» (1) و قوله «وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ»* (2) و قوله (عليه السلام) «من سعى في دم امرئ مسلم و لو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوباً على جبينه آيس من رحمة اللّٰه» و غير ذلك من الأحاديث الدالة على المنع من قتل المسلم و مع وجود النص لا اعتبار بغيره.

فعلى هذا النهج يكون احتجاجك على ما يرد عليك من هذا الباب.

و اللّٰه العاصم، [و الحمد للّٰه رب العالمين و صلى اللّٰه على محمد و آله الطاهرين]

____________

(1) النساء- 93.

(2) الأنعام- 151.