الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - الحديثة) - ج2

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
381 /
7

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

للتنوّر بأنوارها (1) و الاستضاءة بأضواء عنايات اللّه جلّ جلاله و إسرارها، و نشكر اللّه تبارك و تعالى بأن أحلّنا محلّ ألطافه و عناياته الجليلة، و جعلنا قابلا للتحلّي بالصفات الجميلة.

و شرّفنا للتهيّأ لمناسك أوّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً هُدىً لِلْعٰالَمِينَ، و أرانا بفضله و كرمه ما فيه من الآيات البيّنات الّتي من جملتها مقام إبراهيم، و جعل لنا الأمن و الأمان من أذى الظّالمين و موجبات سخط ربّ العالمين، بدخولها لمناسك و عبادات قد فصّلها بلسان الشرع، كما قال عزّ من قائل «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» (2)، و أوجب هذه العبادات و المناسك على كلّ من استطاع إليه سبيلا، و وجد من الزّاد و الراحلة على تيسّره دليلا، و أشار إلى ذلك بقوله «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» (3).

و نصلّي على نبيّنا الرّءوف علينا بالهداية إلى هذه الخيرات و الحثّ على تلك المبرّات، و على آله الأئمة الهداة و السالكين مسالك الألطاف و العنايات (صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين).

الباب الأول: فيما نذكره من فوائد شهر شوال، و فيه عدّة فصول:

فصل: فيما نذكره ممّا روي في تسمية شوّال.

____________

(1) كذا في النسخ الموجودة، و قد سقط منها عبارات من خطبة المؤلف.

(2) آل عمران: 97.

(3) آل عمران: 97.

8

فصل: فيما نذكره من انّ صوم السّتة أيّام من شوّال تكون متفرّقة فيه.

فصل: فيما نذكره من صيام شوّال.

فصل: فيما نذكره من كيفية الدّخول في شهر شوال، و ما أنشأناه عند رؤية هلاله من الابتهال، و ما نذكره من الإشارة إلى المنسك بإجمال المقال.

الباب الثاني: فيما نذكره من فوائد شهر ذي القعدة، و فيه عدة فصول:

فصل: فيما نذكره من الرّواية بأنّ شهر ذي القعدة محلّ لإجابة الدّعاء عند الشدّة.

فصل: فيما نذكره من ابتداء فوائد ذي القعدة.

فصل: فيما نذكره في كيفية الدخول في هذا الشهر.

فصل: فيما نذكره مما يعمل في يوم الأحد من الشهر المذكور و ما فيه من الفضل المذخور.

فصل: فيما نذكره من فضل صوم ثلاثة أيام من الشهر الحرام.

فصل: فيما نذكره من فضل ليلة النصف من ذي القعدة و العمل فيها.

فصل: فيما يتعلق بدحو الأرض و إنشاء أصل البلاد و ابتداء مساكن العباد.

فصل: فيما نذكره مما يعمل يوم خمس و عشرين من ذي القعدة.

فصل: فيما نذكره من زيادة رواية في فضل يوم دحو الأرض.

فصل: فيما ذكره من التنبيه على فضل اللّه جل جلاله بدحو الأرض و بسطها لعباده، و الإشارة إلى بعض معاني إرفاده بذلك و إسعاده.

فصل: فيما نذكره من فضل زائد لليلة يوم دحو الأرض و يومها.

فصل: فيما نذكره من الدعاء من يوم خمس و عشرين من ذي القعدة.

فصل: فيما نذكره مما ينبغي ان يكون المكلف عليه في اليوم المشار إليه.

فصل: فيما نذكره مما يختم به ذلك اليوم.

الباب الثالث: فيما يختص بفوائد من شهر ذي الحجّة و موائد للسّالكين صوب المحجة، و فيه فصول:

فصل: فيما نذكره من الاهتمام بمشاهدة هلاله.

9

فصل: فيما نذكره في كيفيّة الدّخول في شهر ذي الحجّة.

فصل: فيما نذكره من فضل العشر الأوّل من ذي الحجة على سبيل الإجمال.

فصل: فيما نذكره من زيادة فضل لعشر ذي الحجّة على بعض التفصيل.

فصل: فيما نذكره من فضل صلاة تصلّي كلّ ليلة من عشر ذي الحجّة.

فصل: فيما نذكره من فضل أوّل يوم من ذي الحجّة.

فصل: فيما نذكره من فضل صوم التّسعة أيّام من عشر ذي الحجّة.

فصل: في صلاة ركعتين قبل الزّوال في أوّل يوم من ذي الحجّة.

فصل: فيمن يريد ان يكفي شرّ ظالم فيعمل أوّل يوم من ذي الحجّة.

فصل: فيما نذكره من فضل اليوم الثّامن من ذي الحجّة، و هو يوم التروية.

فصل: فيما نذكره من فضل ليلة عرفة.

فصل: فيما نذكره من دعاء في ليلة عرفة.

فصل: فيما نذكره من فضل زيارة الحسين (عليه السلام) في ليلة عرفة.

فصل: فيما نذكره من فضل يوم عرفة على سبيل الجملة.

فصل: فيما نذكره من الاهتمام بالدّلالة على الامام يوم عرفة عند اجتماع الأنام، لأجل حضور الفرق المختلفة من أهل الإسلام.

فصل: فيما نذكره من فضل صوم يوم عرفة و الخلاف في ذلك.

فصل: فيما نذكره من فضل زيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفة.

فصل: فيما نذكره من لفظ الزيارة المختصّة بالحسين (عليه السلام) يوم عرفة.

فصل: فيما نذكره من صلاة ركعتين قبل الخروج للدعاء المعتاد، و هل الاجتماع للدعاء يوم عرفة أفضل أو الانفراد.

فصل: فيما نذكره من الاستعداد لدعاء يوم عرفة أين كان من البلاد.

فصل: فيما نذكره من صلاة تختصّ بيوم عرفة بعد صلاة الظهرين.

فصل: فيما نذكره من أدعية يوم عرفة.

فصل: فيما نذكره مما ينبغي ان يختم به يوم عرفة.

10

الباب الرابع: فيما نذكره ممّا يتعلّق بليلة عيد الأضحى و يوم عيدها، و فيه فصول:

فصل: فيما نذكره من فضل إحياء ليلة عيد الأضحى.

فصل: فيما نذكره من فضل زيارة الحسين (عليه السلام) عيد الأضحى.

فصل: فيما نذكره من الإشارة إلى فضل زيارة الحسين (عليه السلام) يوم الأضحى و بما ذا يزار.

فصل: فيما نذكره مما ينبغي أن يكون أهل السعادة و الإقبال عليه يوم الأضحى من الأحوال.

فصل: فيما نذكره من الرواية بغسل يوم الأضحى.

فصل: فيما نذكره ممّا يعتمد الإنسان في يوم الأضحى عليه بعد الغسل المشار إليه.

فصل: فيما نذكره من صفة صلاة العيد يوم الأضحى.

فصل: فيما نذكره من فضل الأضحيّة و تأكيدها في السنّة المحمديّة.

فصل: فيما نذكره من رواية عن كم تجزئ الأضحيّة و ما يقال عند الذبح.

فصل: فيما نذكره من تعيين أيام وقت الأضاحي.

فصل: فيما نذكره من قسمة لحم الأضحيّة.

فصل: فيما نذكره مما يختم به يوم عيد الأضحى.

الباب الخامس: فيما نذكره مما يختصّ بعيد الغدير في ليلته و يومه من صلاة و دعاء، و شرف ذلك اليوم و فضل صومه، و فيه فصول:

فصل: فيما نذكره من عمل ليلة الغدير.

فصل: فيما نذكره من مختصر الوصف ممّا رواه علماء المخالفين عن يوم الغدير من الكشف.

فصل: في بعض تفصيل ما جرت عليه حال يوم الغدير من التعظيم و التبجيل.

فصل: فيما نذكره من فضل اللّه جلّ جلاله بعيد الغدير على سائر الأعياد و ما فيه من المنّة على العباد.

فصل: فيما نذكره من فضل عيد الغدير عند أهل العقول من طريق المنقول.

11

فصل: فيما نذكره من فضل يوم الغدير من كتاب النشر و الطيّ.

فصل: فيما نذكره أيضا من فضل يوم الغدير برواية جماعة من ذوي الفضل الكثير، و هي قطرة من بحر غزير.

فصل: فيما نذكره من جواب من سأل عما في الغدير من الفضل و قصر فهمه عمّا ذكرناه في ذلك من الفضل.

فصل: فيما نذكره من تعظيم يوم الغدير في السّماوات برواية الثقات و فضل زيارته (عليه السلام) في ذلك الميقات.

فصل: فيما نذكره من جواب الجاهلين بقبر أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) من المخالفين.

فصل: فيما نذكره من الإشارة إلى من زاره من الأئمّة من ذريّته عليه و عليهم أفضل السلام و غيرهم من عترته من ملوك الإسلام.

فصل: فيما نذكره ممّا رأيتها أنا عند ضريحه الشريف غير ما رويناه و سمعناه به من آياته التي تحتاج إلى مجلدات و تصانيف.

فصل: فيما نذكره من تعيين زيارة لمولانا علي (صلوات اللّه عليه) في يوم الغدير المشار اليه.

فصل: فيما نذكره من عوذة تعوّذ بها النبي (صلى اللّه عليه و آله) في يوم الغدير.

فصل: فيما نذكره من عمل العيد الغدير السعيد مما رويناه بصحيح الاسناد.

فصل: فيما نذكره من زيارة لأمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)، يزار بها بعد الصلاة و الدعاء يوم الغدير السعيد من قريب أو بعيد.

فصل: فيما نذكره مما ينبغي ان يكون عليه حال أولياء هذا العيد السعيد في اليوم المعظم المشار إليه.

فصل: فيما نذكره من فضل تفطير الصائمين فيه.

فصل: فيما نذكره مما يختم به يوم عيد الغدير.

الباب السادس: فيما يتعلّق بمباهلة سيّد أهل الوجود لذوي الجحود، الّذي لا يساوي و لا يجازي،

12

و ظهور حجّته على النصارى و الحبارى، و انّ في يوم مثله تصدّق أمير المؤمنين (عليه السلام) بالخاتم، و نذكر ما يعمل من المراسم، و فيه فصول:

فصل: فيما نذكره من إنفاذ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لرسله إلى نصارى نجران و دعائهم إلى الإسلام و الايمان و مناظرتهم فيما بينهم و ظهور تصديقه فيما دعا إليه.

فصل: فيما نذكره من زيارة أهل المباهلة و السعادة.

فصل: فيما نذكره من فضل يوم المباهلة من طريق المعقول.

فصل: فيما نذكره مما ينبغي ان يكون أهل المعرفة بحقوق المباهلة من الاعتراف بنعم اللّه جلّ جلاله الشاملة.

فصل: فيما نذكره من عمل يوم بأهل اللّه فيه بأهل السّعادات و ندب إلى صوم أو صلوات أو دعوات.

فصل: فيما نذكره في اليوم الرابع و العشرين من ذي الحجّة أيضا لأهل المواسم من المراسم و صدقة مولانا علي (عليه السلام) بالخاتم.

فصل: فيما نذكره من الإشارة إلى بعض من روى ان آية «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا»، نزلت في مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات اللّه عليه) من طريق المخالفين عليه.

فصل: فيما نذكره من عمل زائد في هذا اليوم العظيم الشأن.

فصل: فيما نذكره من زيادة تنبيه على تعظيم هذا اليوم و ما فيه من المسار و ما يختم به آخر ذلك النهار.

الباب السابع: فيما نذكره مما يتعلّق بليلة خمس و عشرين من ذي الحجّة و يومها، و فيه فصول:

فصل: فيما نذكره من الرواية بصدقة مولانا علي (عليه السلام) و مولاتنا فاطمة (صلوات اللّه عليها) في هذه الليلة على المسكين و اليتيم و الأسير.

فصل: فيما نذكره ممّا يعمل يوم خامس و عشرين من ذي الحجّة.

الباب الثامن: فيما نذكره مما يتعلّق باليوم التاسع و العشرين من ذي الحجّة و ما يستحب فيه

13

لأهل الظفر بصواب المحجّة.

الباب التاسع: فيما نذكره من عمل آخر يوم من ذي الحجّة.

و ها نحن نفصّل ما أجملناه و ننجز ما و عدناه، فنقول:

14

الباب الأول فيما نذكره من فوائد شهر شوال

و فيه فصول:

فصل (1) فيما نذكره ممّا روي في تسمية شوال

ذكر مصنّف كتاب دستور المذكّرين و منشور المتعبدين بإسناده المتّصل فقال:

قيل للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله): يا رسول اللّه ما شهر رمضان- أو ما رمضان؟ قال: ارمض اللّه تعالى فيه ذنوب المؤمنين و غفرها لهم، قيل: يا رسول اللّه فشوّال؟ قال: شالت فيه ذنوبهم فلم يبق فيه ذنب الّا غفره.

قال مصنّف هذا الكتاب: ارمض اى أحرق، و شالت أي ارتفعت و ذهبت عنهم، قال: و المعنى فيه انّهم إذا عرفوا حق رمضان صار كفّارة لهم و اذهب عنهم ذنوبهم و طهّرهم منها، و انّما يتمّ ذلك بانقضاء رمضان و انقضاء رمضان بدخول شوال.

قلت: و قال مصنف الصحاح في اللغة ما هذا لفظه: و شوّال أوّل أشهر الحجّ و الجمع شوّالات و شواويل، و شوّال أي خفيف من العمل و الخدمة.

فصل (2) فيما نذكره من انّ صوم السّتة أيّام من شوال تكون متفرّقة فيه

قد ذكرنا في كتاب الزّوائد و الفوائد في عمل شهر الصيام روايات بصوم هذه الستّة

15

الأيّام و لم نذكر الرّواية بصومها متفرّقة، و أحببنا أن نذكرها في فوائد شوال الرواية بذلك، فنقول:

روى صاحب دستور المذكرين عن الطبراني، و هو ثقة عند المحدثين، بإسناده عن إسحاق بن إبراهيم الدّيري قال: سألت عبد الرزاق عمّن يصوم الثاني من الفطر، فكره ذلك و أباه إباء شديدا، و قال عبد الرزاق: و سألت معمّرا عن صيام الستّ الّتي بعد يوم الفطر و قالوا له: تصام بعد الفطر بيوم، فقال: معاذ اللّه انّما هي أيّام عيد و أكل و شرب، و لكن تصام ثلاثة أيّام قبل أيام الغرّاء و بعدها، و أيام الغرّاء ثالث عشرة و رابع عشرة و خامس عشرة.

فصل (3) فيما نذكره من صيام شوّال

بإسناد مصنّف دستور المذكرين إلى من سمّاه، قال عفّان بن يزيد انّه سمعه من خلق في رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: من صام شهر رمضان و شوّالا و الأربعاء و الخميس دخل الجنّة.

و في حديث آخر منه بإسناده إلى مسلم بن عبيد القرشي انّ أباه رضي اللّه عنه أخبره

انّه سأل النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال: يا نبي اللّه أصوم الدّهر؟ فسكت، ثمّ سأله الثانية، فسكت، ثمّ سأله الثالثة، فقال: يا نبي اللّه أصوم الدهر كله؟ فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله): من السائل عن الصوم؟ فقال: أنا يا رسول اللّه، فقال: اما لأهلك حقّ، صم رمضان و الّذي يليه و كلّ أربعاء و خميس، فإذا أنت قد صمت الدهر.

فصل (4) فيما نذكره من كيفية الدخول في شوّال و ما أنشأناه عند رؤية هلاله من الابتهال، و ما نذكره من الإشارة إلى المنسك بإجمال المقال

أقول: انّ الدخول في شهر شوال، فهو كما قدّمناه من الدخول في شهر رجب، فان

16

ظفرت به ففيه بلاغ في المقال، و ان لم تظفر بما أشرنا إليه، فليكن دخولك في شهر شوّال دخول المصدّقين، فإنّه شهر حرام له حقّ التعظيم بالمقال و الفعال.

كمن دخل في دروب مكّة إلى مسجدها الأعظم، فلا بدّ ان يكون لدخوله كيفيّة على قدر تصديقه صاحب المسجد المعظّم، فاجتهد أن يكون قلبك و عقلك مصاحبا له بالتّعظيم و جوارحك محافظة على سلوك السبيل المستقيم، فمن عادة الملوك المؤدّب الكامل أن يكون موافقا لمالكه في سائر مسالكه.

فصل: و امّا ما يقال عند رؤية هلال شوّال:

فقد قدّمنا في كتاب عمل الشهر دعاء أنشأناه يصلح لجميع الشهور (1)، فان لم يجده فليقل عند رؤية الهلال المذكور:

اللَّهُمَّ انَّكَ قَدْ مَنَنْتَ عَلَيْنا بِضِياءِ الْبَصائِرِ وَ الأَبْصارِ، حَتَّى عَرَّفْتَنا (2) ما بَلَّغْتَنا إِلَيْهِ مِنَ الأَسْرارِ وَ الاعْتِبارِ، وَ شاهَدْنا هِلٰالَ شَوَّالَ، وَ هُوَ مِنْ شُهُورِ التَّعْظِيمِ وَ الإِجْلالِ.

فَصَلِّ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ وَفِّقْنا لِمُصاحَبَتِهِ بِما يُقَرِّبُنا الَيْكَ، وَ شَرِّفْنا فِيهِ بِتَمامِ إِقْبالِنا عَلَيْكَ، وَ اجْعَلَهُ لَنا مِنْ اهْلِ السُّعُودِ وَ الإِقْبالِ فِي جَمِيعِ الأَحْوالِ وَ الأَعْمالِ وَ الأَقْوالِ، كَما (3) اخْلَعْتَ عَلَيْنا خِلَعَ التَّوْفِيقِ لِلظَّفَرِ بِنَصْرِهِ وَ بِرِّهِ وَ خَيْرِهِ.

وَ اجْعَلْ ساعاتِهِ وارِدَةً عَلَيْنا بِزِياداتِ الإِحْسانِ إِلَيْنا، حَتّىٰ نُدْرِكَ بِتَأْيِيدِكَ وَ عِنايَتِكَ افْضَلَ ما ادْرَكَهُ أَحَدٌ فِيهِ مِنْ مَزِيدِكَ وَ عَفْوِكَ وَ عافِيَتِكَ بِرَحْمَتِكَ.

وَ ابْدَأْ بِكُلِّ ما تُرِيدُ الْبَدْأَةَ بِهِ فِي الدَّعَواتِ، وَ أَشْرِكْ مَعَنا مَنْ يَعِزُّ عَلَيْنا مِنَ الْأَهْلِ وَ ذَوِي الْمَوَدّاتِ وَ الْحُقُوقِ الْمَحْفُوظاتِ، يا ارْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

فصل: و امّا المنسك للحج و تصنيفه على سبيل التحرير و الاستظهار، فقد كنّا شرعنا فيه و أخّرنا إتمامه لبعض الاعذار.

____________

(1) الدروع الواقية: 26.

(2) الدروع الواقية: 26.

(3) الدروع الواقية: 26.

17

الباب الثاني فيما نذكره من فوائد شهر ذي القعدة

و فيه عدة فصول:

فصل (1) فيما نذكره من الرّواية بأنّ شهر ذي القعدة محلّ لإجابة الدّعاء عند الشدّة

رأيت كتاب بالمدرسة المستنصريّة تأليف أبي جعفر محمد بن حبيب، تاريخ كتابته ما هذا لفظه: و كتب عمر بن ثابت في شهر رمضان سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة، انّ عياض بن خويلد الهذلي قال:

كان بنو ضيعا رهطا حرمة، و كنت جارا لهم، فكانوا يظلمونني و يؤذونني، فأمهلتهم حتّى دخل الشهر الحرام، و هو ذو القعدة، و كان النّاس لا يدعو بعضهم على بعض الّا فيه، فقمت قائما فبهلتهم، (1) فقلت: يا ربّ أدعوك دعاء جاهدا أقتل بني الضّيعاء الّا واحدا، ثم اضرب الرّجل فدعه قاعدا أعمى إذا قيد- يعني القائد- فاصطلموا (2) و بقي هذا، ففعل به ما ترى، و كان المدعو عليه زمنا.

قلت أنا: و رأيت هذه الحكاية برواية دستور المذكّرين انّها كانت في شهر رجب.

فصل: و رأيت في كتاب محمّد بن الحبيب المذكور، عند ذكر من استجيبت دعوته في

____________

(1) البهل: اللعن.

(2) اصطلم: استأصل.

18

الجاهليّة، ما رواه عن أبي عبد اللّه بن الأعرابي:

انّ عبد اللّه بن حلاوة السعدي نزل يبني العنبر بن عمر بن تميم، و له مال من إبل و غنم، فأكلوه و استطالوا عليه بعددهم، فأمهلهم حتّى دخل الشّهر الحرام، ثم رفع يديه فقال:

يا ربّ انّ كان بنو عنبر آل السلب، منهم مقصورة، قد أصبحوا كأنّهم قارورة (1)، من غنم و نعم كثيرة، و من شابّ حسن صورة، ثمّ عدوا الحلقة مقصورة، ليس لها من إثمها صادورة، ففجروا بي فجرة مذكورة، فأصبب عليهم سنة قاسورة (2)، تختلق (3) المال اختلاق النّورة، فيقال- و اللّه اعلم- انّ أموالهم اجتيحت (4) فلم يبق عليهم منها شيء.

فصل (2) فيما نذكره من ابتداء فوائد ذي القعدة

أقول: فمن ابتداء فوائده الاهتمام بمشاهدة هلاله، لأجل ما يأتي ذكره فيه من مواقيت، لإطلاق مكارم اللّه جل جلاله و إقباله، و ما يدعى به عند مشاهدة الهلال الموصوف.

و لم أجد إلى الآن تعيين دعاء لذلك المقام المعروف، فيقول ان شاء ما نذكره على سبيل الإنشاء، ما يطلقه على قلمنا مالك الأشياء:

اللّهُمَّ إِنَّ هٰذا شَهْرُ ذِي الْقَعْدَةِ، مِنَ الْأَشْهُرِ الَّتِي امَرْتَ بِتَعْظِيمِها، وَ جَعَلْتَ فِيها مِنْ أَسْرارِ الْعِباداتِ ما شَهِدَ بِتَكْرِيمِهاٰ، وَ قَدْ شَرَّفْتَنا بِانْ جَعَلْتَ لَنا طَرِيقاً الىٰ مُشاهَدَةِ هِلٰالِهِ وَ مَعْرِفَةِ حَقِّ إِقْبالِهِ، وَ لَمْ تَحْجُبْهُ عَنَّا بِالْغُيُومِ وَ حَوادِثِ السَّماءِ، وَ لٰا حَجَبْتَنا عَنْهُ بِما يَمْنَعُ أَبْصارَناٰ مِنَ الضِّياءِ.

____________

(1) قرّت عينه: بردت سرورا.

(2) قسره على الأمر: قهره و أكرهه عليه.

(3) خلق الثوب: بلى.

(4) احتجبت (خ ل)، أقول: الجوح: الإهلاك و الاستئصال كالاجاحة و الاجتياح- القاموس.

19

فَاسْأَلُكَ انْ تُتِمَّ مَا ابْتَدَأْتَ مِنَ النِّعَمِ الْباطِنَةِ وَ الظَّاهِرَةِ، بِانْ تَجْعَلَنا مِنَ الظَّافِرِينَ فِيهِ بِسَعادَةِ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ، وَ كُنْ بِرَحْمَتِكَ الْمُسَيِّرَ لَنا فِي تَقَلُّباتِهِ وَ لَحَظاتِهِ بِكَمالِ حَظِّنا مِنْ خَيْراتِهِ وَ بَرَكاتِهِ.

وَ احْفَظْنا مِنْ آفاتِهِ وَ مَخافَتِهِ، حَتّىٰ نَكُونَ مِنْ اسْعَدِ مَنْ نَظَرَ الىٰ هِلٰالِهِ وَ بَلَّغْتَهُ مِنْهُ غايَةَ آمالِهِ، وَ ابْدَأْ بِكُلِّ مَنْ يُرْضِيكَ الْبَدْأَةَ بِذِكْرِهِ فِي الْمُناجاةِ مِنْ اهْلِ النَّجاةِ، وَ اشْرِكْ مَعَنا اهْلَ الْمُصافاةِ وَ الْمُوالٰاةِ، وَ أَرِنا آياتِ الإِجاباتِ وَ الْقَبُولِ فِي جَمِيعِ الْمَأْمُولِ وَ الْمَسْؤُولِ، بِرَحْمَتِكَ يا ارْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

فصل (3) فيما نذكره في كيفية الدّخول في هذا الشهر

فأمّا كيفيّة الدّخول في شهر ذي القعدة المعظم في الإسلام، فعلى نحو ما أشرنا إليه من دخول كلّ شهر حرام، و نزيد في هذا الشهر على التعيين انّه الشّهر الذي دحاه (1) اللّه فيه الأرض و هيّأها للعالمين- على ما سيأتي شرحه على التفصيل- فكأنّه مطيّة قد اهتديت إليك لتوصلك إلى المسكن الجليل و الموطن الجميل، و ما يتّصل به من العطاء الجزيل.

فاشكر واهب تلك المطيّة و اعرف حقّه و حقّها و ما تظفر به من الامنيّة، فإنّك ترى العقول السّليمة دالّة على تعظيم المطايا إذا وصلت إلى شرف العطايا، كما قيل:

و إذا المطيّ بنا بلغن محمدا * * * فلها علينا حرمة و ذمام

بلّغتنا من خير من وطي الحصا * * * و ظهورهنّ على الرّجال حرام

و ليكن حفظك لحرمة هذا الشّهر بالقلب و العقل و حفظ الجوارح، لتدرك ما فيه من الفضل الرّاجح، ان شاء اللّه تعالى.

أقول: و قد ذكرنا انّه شهر موصوف بإجابة الدعوات، فاغتنم أوقاته و صم فيه صيام الحاجات، و ابدأ بالحوائج المهمات على الترتيب الذي يكون أهم عند من تعرض

____________

(1) دحى الأرض: بسطها.

20

الحوائج عليه، فيوشك ان يظفر بما تقصد إليه، ان شاء اللّه تعالى.

فصل (4) فيما نذكره ممّا يعمل في يوم الأحد من الشّهر المذكور و ما فيه من الفضل المذخور

وجدنا ذلك بخطّ الشيخ علي بن يحيى الخيّاط (رحمه اللّه) و غيره في كتب أصحابنا الإماميّة، و قد روينا عنه كلّما رواه، و خطّه عندنا بذلك في إجازة تاريخها شهر ربيع الأوّل سنة تسع و ستّمائة، فقال ما هذا لفظه: روى أحمد بن عبد اللّه، عن منصور بن عبد الحميد، عن أبي أمامة، عن انس بن مالك قال:

خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يوم الأحد في شهر ذي القعدة فقال: يا أيّها النّاس من كان منكم يريد التّوبة؟ قلنا: كلّنا نريد التوبة يا رسول اللّه، فقال (عليه السلام): اغتسلوا و توضّئوا و صلّوا اربع ركعات و اقرءوا في كلّ ركعة فاتحة الكتاب مرّة و

«قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»

ثلاث مرّات و المعوّذتين مرة، ثمّ استغفروا سبعين مرّة، ثمّ اختموا بلا حول و لا قوّة إلّا باللّه العلي العظيم، ثم قولوا:

يا عَزِيزُ يا غَفَّارُ، اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَ ذُنُوبَ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ فَإِنَّهُ لٰا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ الَّا انْتَ.

ثم قال (عليه السلام): ما من عبد من أمّتي فعل هذا الّا نودي من السّماء: يا عبد اللّه استأنف العمل فإنّك مقبول التّوبة مغفور الذنب، و ينادي ملك من تحت العرض: أيّها العبد بورك عليك و على أهلك و ذريتك، و ينادي مناد آخر: أيّها العبد ترضى خصماؤك يوم القيامة، و ينادي ملك آخر: أيّها العبد تموت على الايمان و لا يسلب منك الدّين و يفسح في قبرك و ينوّر فيه، و ينادي مناد آخر: أيّها العبد يرضى أبواك و ان كانا ساخطين، و غفر لأبويك ذلك و لذرّيتك و أنت في سعة من الرّزق في الدنيا و الآخرة، و ينادي جبرئيل (عليه السلام): انا الّذي آتيك مع ملك الموت ان يرفق بك و لا يخدشك اثر الموت، انّما تخرج الروح من جسدك سلا.

قلنا: يا رسول اللّه لو انّ عبدا يقول في غير الشهر؟ فقال (عليه السلام): مثل

21

ما وصفت، و انّما علّمني جبرئيل (عليه السلام) هذه الكلمات أيام أسري بي

(1)

.

فصل (5) فيما نذكره من فضل صوم ثلاثة أيّام من الشّهر الحرام

روينا ذلك بإسنادنا إلى الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (رضوان اللّه عليه) من كتابه حدائق الرياض و زهرة المرتاض و نور المسترشد، و عندنا الآن به نسخة عتيقة لعلّها كتبت في زمانه، فقال ما هذا لفظه:

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

من صام من شهر حرام ثلاثة أيّام: الخميس و الجمعة و السّبت، كتب اللّه له عبادة سنة:

و

رأيت في كتاب دستور المذكورين عن النبي (صلى اللّه عليه و آله):

من صام هذه الثلاثة أيّام كتب اللّه تبارك و تعالى له عبادة تسعمائة سنة، صيام نهارها و قيام ليلها.

أقول: فإن قلت: فلأيّ حال جعلت هذا الحديث في شهر ذي القعدة من دون أشهر الحرم؟ قلت: لأنّه أوّل ما اشتمل عليه كتابنا هذا منها، فأردنا أن يغتنم الإنسان أوّل وقت الإمكان قبل حوائل الأزمان، لأنّ الاستظهار و الاحتياط للمبادرة إلى العبادات و الطاعات قبل الفوات من دلائل العنايات.

على انّ إيرادنا هذا الحديث في هذا الشّهر لا يمنع ان يعمل عليه في باقي أشهر الحرم، فانّ عموم هذا اللفظ المشار إليه يشتمل على كلّ شهر من أشهر الحرم، فإذا عمله في كلّ شهر منها كان أفضل و أكمل فيما يعتمد عليه.

و لا تقل: كيف عدل عن صوم يوم الأربعاء في أوّلها إلى صوم يوم السبت في آخرها، فإنّ أسرار العبادات لا يعلمها جميعها الّا المطلع على الغائبات، و إليه جل جلاله الاختيار فيما تعبّد به من العبادات.

و لعلّ ان احتمل ان يكون المراد بذلك، انّه لمّا كان الصوم المذكور لهذه الأيام

____________

(1) عنه المستدرك 6: 396.

22

الثّلاثة في هذه الأشهر المباركات، فأراد اللّه تعالى ان يكون افتتاح صوم هذه الأيّام مباركا، و هو الخميس، و ختمها بيوم مبارك، و هو السبت، ل

قول النبي (صلى اللّه عليه و آله):

بورك لأمّتي في سبتها و خميسها

، تعظيما لهذا الصوم حيث وقع في الأشهر الحرم المعظّمة المباركة المكرّمة.

أو لعلّه يحتمل ان يكون يوم الأحد من هذا الشهر معظّما كما قدّمناه، و هو يوم ابتداء خلق الدنيا، فيراد ان يكون مع يوم الفراغ من خلقها و تمامها، و هو يوم السبت، معظّما، و شكرا للّه في ابتدائها و فراغها.

فصل (6) فيما نذكره من فضل ليلة النّصف من ذي القعدة و العمل فيها

اعلم رحمك اللّه انّ كل وقت اختاره اللّه جل جلاله لدعوة عبادة إلى حبّه و قربه و إسعاده و إنجاده و إرفاده، فانّ ذلك من أوقات إقبال العبد و أعياده، حيث ارتضاه اللّه جل جلاله للوفود بشريف بابه، و شرّفه بما لم يكن في حسابه.

و نحن ذاكرون في هذا الفصل ما لم نذكره ممّا يتكرّر في السّنة مرّة واحدة، كما يفتحه اللّه جلّ جلاله علينا من الفائدة، و وجدناه ممّا تخيّرناه في ذلك و أردناه ما رأيناه في كتاب أدب الوزراء تأليف أحمد بن جعفر بن شاذان في باب شهور العرب:

و روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله)

انّ في ذي القعدة ليلة مباركة، و هي ليلة خمس عشرة، ينظر اللّه إلى عباده المؤمنين فيها بالرحمة، أجر العامل فيها بطاعة اللّه أجر مائة سائح لم يعص اللّه طرفة عين، فإذا كان نصف اللّيل فخذ في العمل بطاعة اللّه و الصّلاة و طلب الحوائج، فقد روي انّه لا يبقى أحد سأل اللّه فيها حاجة الّا أعطاه.

أقول: فاغتنم نداء اللّه جلّ جلاله لك إلى مجلس سعادتك و تشريفك بمجالستك و مشافهتك و محلّ قضاء حاجتك، و أفكّر لو كانت هذه المناداة من سلطان زمانك كيف تكون نشيطا إلى الحضور بين يديه بغاية إمكانك، و لا يكن اللّه جلّ جلاله عندك دون هذه الحال، و الّذي قد عرضه اللّه جلّ جلاله عليك هو للدّنيا و لدار الدوام

23

و الإقبال، و الّذي يدعوك إليه سلطان بلدك مكدّر بالمنّة و الذلة، و يئول إلى الفناء و الزوال.

فصل (7) فيما يتعلّق بدحو الأرض و إنشاء أصل البلاد و ابتداء مساكن العباد

اعلم انّ هذه الرحمة من سلطان الدنيا و المعاد يعجز عن شرح فضلها بالقلم و المداد، و ها نحن نذكر ما نختاره (1) من الرواية بذلك، ثم نذكر ما يحضرنا في فضل ليلة خمس و عشرين من ذي القعدة و شرف محلّها.

فصل (8) فيما نذكره ممّا يعمل يوم خمس و عشرين من ذي القعدة

روينا ذلك بإسنادنا إلى الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (رحمه اللّه) بإسناده في كتاب الكافي إلى محمد بن عبد اللّه الصّيقل قال:

خرج علينا أبو الحسن- يعني الرضا- (عليه السلام) بمرو في يوم خمس و عشرين من ذي القعدة، فقال: صوموا فإني أصبحت صائما، قلنا: جعلت فداك أيّ يوم هو؟ قال:

يوم نشرت فيه الرحمة و دحيت فيه الأرض و نصبت فيه الكعبة و هبط فيه آدم (عليه السلام)

(2)

.

فصل (9) فيما نذكره من رواية أخرى بتعيين وقت نزول الكعبة من السّماء

روينا ذلك بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن بابويه (رحمه اللّه) بإسناده من

____________

(1) يوجد هنا في بعض النسخ هذه الزيادة:

و رأيت في بعض تصانيف أصحابنا العجم (رضوان اللّه عليهم) انه يستحبّ ان يزار مولانا الرضا (عليه السلام) يوم ثالث و عشرين من ذي القعدة من قرب أو بعد ببعض زياراته المعروفة أو بما يكون كالزيارة.

(2) رواه الكليني في الكافي 4: 149، و الشيخ في التهذيب 4: 304، عنهما الوسائل 10: 450.

24

كتاب من لا يحضره الفقيه، و قد ضمن في خطبة كتابه صحّة ما يرويه فيه و انّه رواه من الأصول المنقولة عن الأئمة (صلوات اللّه عليهم)، فقال ما هذا لفظه:

و روي

ان في تسع و عشرين من ذي القعدة أنزل اللّه عز و جل الكعبة، و هي أوّل رحمة نزلت، فمن صام ذلك اليوم كان كفّارة سبعين سنة

(1)

.

فصل (10) فيما نذكره من زيادة رواية في فضل يوم دحو الأرض

روينا ذلك بإسنادنا إلى أبي جعفر محمد بن بابويه من كتاب من لا يحضره الفقيه، و من كتاب ثواب الأعمال فقال:

روى الحسن بن الوشاء قال:

كنت مع أبي و انا غلام، فتعشّينا عند الرضا (عليه السلام) ليلة خمس و عشرين من ذي القعدة، فقال له: ليلة خمس و عشرين من ذي القعدة ولد فيه إبراهيم (عليه السلام)، و ولد فيها عيسى بن مريم، و فيها دحيت الأرض من تحت الكعبة، فمن صام ذلك اليوم كان كمن صام ستّين شهرا

(2)

.

و في روايته من كتاب ثواب الأعمال الّذي نسخته عندنا الآن: انّ فيه يقوم القائم (عليه السلام) (3).

فصل (11) فيما نذكره من التنبيه على فضل اللّه جل جلاله بدحو الأرض و بسطها لعباده، و الإشارة إلى بعض معاني إرفاده بذلك و إسعاده

اعلم انّ كلّ حيوان فإنّه مضطرّ إلى مسكن يسكن فيه و يتحصّن به ممّا يؤذيه، فمن أعظم المنن الجسام إنشاء الأرض للأنام، و من أسرار ما في ذلك من الأنام، انّ اللّه جلّ

____________

(1) الفقيه 2: 90، عنه الوسائل 10: 452، أورده الصدوق في المقنع: 65، عنه المستدرك 7: 520.

(2) الفقيه 2: 89، ثواب الأعمال: 104، عنهما الوسائل 10: 449.

(3) لا يوجد هذه الزيادة في ثواب الأعمال المطبوع.

25

جلاله لم يجعل بناء الأرض و تدبير إنشائها إلى ملائكته و لا غيرهم من خاصّته، و تولّاها بيد قدرته و رحمته، و ملأها من كنوز حلمه و عفوه و رأفته.

فاذكر أيّها الإنسان المتشرّف بنور الألباب، المعترف بالإقرار بربّ الأرباب، انّه لو كنت في دار الفناء فقيرا يتعذّر عليك تحصيل مسكن للبقاء، يتحصّن فيه من حرّ الصّيف و برد الشّتاء و ما معك ثمن و لا أجرة العمارة للبناء.

فرحمك سلطان ذلك الزّمان، و بني لك مسكنا بيده و ملأه ممّا يحتاج إليه من الإحسان، و ما أتعب لك فيه قلبا و لا جسدا و لا قدما و لا يدا و لا أهلا و لا ولدا، بل عمّره، و أنت ما عرفت ذلك السّلطان و لا خدمته، ثمّ دعاك لتسكن فيما عمّره بيده لك، فسكنته و وجدته قد ملأه من ذخائر العناية بك.

فكيف كان يكون محبّتك لذلك السّلطان العظيم، و مراقبتك لحقّه الجسيم، و اعترافك بإحسانه العميم، فليكن اللّه جلّ جلاله عندك على أقلّ المراتب، مثل ذلك السّلطان المملوك لربّك جلّ جلاله، الّذي هو أصل المواهب.

أقول: و ليكن كلّ يوم يأتي فيه وقت إنشاء المسكن الجديد كيوم العيد، معترفا لمولاك المجيد بحقّه الشّامل للعبيد، و كن مشغولا رحمك اللّه ذلك اليوم و غيره بالشكر له جل جلاله و التحميد و التمجيد.

و إيّاك و ان يمرّ عليك مثل هذا اليوم و أنت متهاون بقدره و متغافل عن مولاك و عظيم شأنه و متثاقل عن واجب شكره، فسقط من عين عنايته و تهون، و تدخل تحت ذلّ ذمّه جل جلاله لك في قوله «وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهٰا وَ هُمْ عَنْهٰا مُعْرِضُونَ» (1).

و تذكر رحمك اللّه انّك لو احتجت إلى فراش في دارك و بساط تجلس عليه لمسارّك، ففرش لك ذلك الفراش و ذلك البساط بيدك، كيف تكون في المراقبة و المحبّة و الخدمة له بنفسك و مالك و لسانك و أهلك و ولدك، فلا يكن اللّه جلّ جلاله عندك دون هذه الحال، و قد بسط لك الأرض فراشا و جعل لك فيها معاشا.

____________

(1) يوسف: 105.

26

و تذكر رحمك اللّه جلّ جلاله منّته عليك و إحسانه إليك، كيف انزل الكعبة الشّريفة، و جعلها بابا إليه، و محلّا لفتح أبواب عفوه و رحمته عند الجرأة عليه، و استرضاك، و أنت ملطّخ بأنجاس الذّنوب و أدناس العيوب ان تزوره إليها، و ان تكون قبلة لك إذا أردت التوجّه إليه توجّهت إليها.

و ارحم ضعف قلبك و كبدك، و رقّة نفسك و جسدك، فلا تعرّضها لخطر ان يكون مولاك و مالك دنياك و أخراك مقبلا عليك يدعوك إليه، و أنت معرض عنه متمرّد عليه.

ويحك من أين يأتيك وجودك إذا ضيّعته، و من أين يأتيك بقاؤك إذا أهملته و من أين يأتيك حياتك إذا أعرضت عنه، و من أين يأتيك عافيتك إذا هربت منه، و من يحميك من بأسه الشّديد، و من يدفع عنك غضبه إذا غضب من قريب أو بعيد، و من ترجوه لنوائبك و مصائبك و أسقامك و بلوغ مرامك إذا خرجت من حماه و هجرته و آثرت عليه ما لا بقاء له لولاه.

عد ويحك إلى الطواف حول كعبة كرمه، و طف بالذلّ على أبواب حلمه و رحمته و سالف نعمه، و أجر على الخدود دموع الخشوع، و جد بماء الجفون قبل نفاد ماء الدّموع، و ابك على قدرك لحبّه و قربه، و اندب على ما فرّطت فيه ندب العارف بعظيم ذنبه، العاجز عن تفريج كربه، فإنّك تجده جلّ جلاله بك رحيما، و عنك حليما، و عليك عطوفا، و باحتمال سفهك رءوفا.

فلمن تدخر الذلّ أحقّ به منه، و لمن تصون الدّمع إذا حبسته عنه، و اذكرني باللّه عند تلك السّاعة فيما تناجيه جلّ جلاله من الدّعاء و الضراعة.

فصل (12) فيما نذكره من فضل زائد لليلة يوم دحو الأرض و يومها

و هو نقلناه من خطّ علي بن يحيى الخيّاط، و قد ذكرنا انّه من جملة من رويناه عنه بإسناد ذكره عن عبد الرحمن السلمي، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه

27

عليه يقول:

انّ أوّل رحمة نزلت من السّماء إلى الأرض في خمس و عشرين من ذي القعدة، فمن صام ذلك اليوم و قام تلك اللّيلة فله عبادة مائة سنة، صام نهارها و قام ليلها، و أيّما جماعة اجتمعت ذلك اليوم في ذكر ربّهم عزّ و جلّ لم يتفرّقوا حتّى يعطوا سؤلهم، و ينزّل في ذلك اليوم ألف ألف رحمة يضع منها تسعة و تسعين في حلق الذّاكرين، و الصائمين في ذلك اليوم، و القائمين في تلك الليلة

(1)

.

قال: و في حديث آخر عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)- في خلال حديث-:

و انزل اللّه الرحمة لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فمن صام ذلك اليوم كان له كصوم سبعين سنة

(2)

.

قال: و في رواية:

في خمس و عشرين ليلة من ذي القعدة أنزلت الرحمة من السماء، و انزل تعظيم الكعبة على آدم (عليه السلام)، فمن صام ذلك اليوم استغفر له كل شيء بين السماء و الأرض

(3)

.

فصل (13) فيما نذكره من الدعاء في يوم خمس و عشرين من ذي القعدة

رويناه بطرق متعدّدة، منها عن جدّي أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي فيما ذكره في المصباح الكبير، فقال (قدس اللّه جل جلاله روحه) و نوّر ضريحه ما هذا لفظه:

ذو القعدة، يوم الخامس و العشرين منه دحيت الأرض من تحت الكعبة، و يستحب صوم هذا اليوم، و روي انّ صومه يعدل صوم ستّين شهرا، و يستحبّ ان يدعى في هذا اليوم بهذا الدّعاء:

____________

(1) عنه صدره الوسائل 10: 451.

(2) عنه الوسائل 10: 451.

(3) عنه الوسائل 10: 451.

28

اللّهُمَّ داحِيَ الْكَعْبَةِ وَ فالِقَ الْحَبَّةِ وَ صارِفَ اللَّزِبَةِ (1) وَ كاشِفَ الْكُرْبَةِ، اسْأَلُكَ فِي هٰذا الْيَوْمِ، مِنْ أَيّامِكَ الَّتِي اعْظَمْتَ حَقَّها، وَ قَدَّمْتَ سَبْقَها، وَ جَعَلْتَها عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ وَدِيعَةً، وَ الَيْكَ ذَرِيعَةً، وَ بِرَحْمَتِكَ الْوَسِيعَةِ انْ تُصَلِّيَ عَلىٰ مُحَمَّدٍ، الْمُنْتَجَبِ فِي الْمِيثاقِ، الْقَرِيبِ يَوْمَ التَّلٰاقِ، فٰاتِقِ كُلِّ رَتْقٍ، وَ داعٍ الىٰ كُلِّ حَقٍّ، وَ عَلىٰ اهْلِ بَيْتِهِ الأَطْهارِ الْهُداةِ الْمَنارِ، دَعائِمِ الْجَبَّارِ، وَ وُلٰاةِ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ.

وَ أَعْطِنا فِي يَوْمِنا هٰذا مِنْ عَطائِكَ الْمَخْزُونِ، غَيْرِ مَقْطُوعٍ وَ لٰا مَمْنُونٍ، تَجْمَعْ لَنا التَّوْبَةَ وَ حُسْنَ الاوْبَةِ، يا خَيْرَ مَدْعُوٍّ وَ اكْرَمَ مَرْجُوٍّ، يا كَفِيُّ يا وَفِيُّ، يا مَنْ لُطْفُهُ خَفِيٌّ، الْطُفْ لِي بِلُطْفِكَ، وَ اسْعِدْنِي بِعَفْوِكَ، وَ ايِّدْنِي بِنَصْرِكَ، وَ لٰا تُنْسِنِي كَرِيمَ ذِكْرِكَ، بِوُلاةِ امْرِكَ وَ حَفَظَةِ سِرِّكَ، وَ احْفَظْنِي مِنْ شَوائِبِ الدَّهْرِ الىٰ يَوْمِ الْحَشْرِ وَ النَّشْرِ، وَ اشْهِدْنِي أَوْلِيائَكَ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِي وَ حُلُولِ رَمْسِي (2) وَ انْقِطاعِ عَمَلِي وَ انْقِضاءِ اجَلِي.

اللَّهُمَّ وَ اذْكُرْنِي عَلىٰ طُولِ الْبِلىٰ إِذا حَلَلْتُ بَيْنَ أَطْباقِ الثَّرىٰ، وَ نَسِيَنِي النَّاسُونَ مِنَ الْوَرىٰ، وَ احْلِلْنِي دارَ الْمُقامَةِ، وَ بَوِّئْنِي مَنْزِلَ الْكَرامَةِ، وَ اجْعَلْنِي مِنْ مُرافِقِي أَوْلِيائِكَ وَ اهْلِ اجْتِبائِكَ وَ أَصْفِيائِكَ، وَ بارِكْ لِي فِي لِقائِكَ، وَ ارْزُقْنِي حُسْنَ الْعَمَلِ قَبْلَ حُلُولِ الأَجَلِّ، بَرِيئاً مِنَ الزَّلَلِ وَ سُوءِ الْخَطَلِ.

اللَّهُمَّ وَ اوْرِدْنِي حَوْضَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَ اهْلِ بَيْتِهِ، وَ اسْقِنِي مَشْرَباً رَوِيّاً سائِغاً هَنِيئاً لٰا اظْمَأُ بَعْدَهُ وَ لٰا أُحَلَّأُ وِرْدَهُ وَ لٰا عَنْهُ أُذادُ (3)، وَ اجْعَلْهُ لِي خَيْرَ زادٍ وَ أَوْفى مِيعادٍ يَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ.

اللّهُمَّ وَ الْعَنْ جَبابِرَةَ الأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ لِحُقُوقِ أَوْلِيائِكَ الْمُسْتَأْثِرِينَ.

اللَّهُمَّ وَ اقْصِمْ دَعائِمَهُمْ، وَ اهْلِكْ أَشْياعَهُمْ وَ عامِلَهُمْ، وَ عَجِّلْ مَهالِكَهُمْ،

____________

(1) اللزبة: الشدة، القحط.

(2) الرمس: القبر.

(3) ذاده: منعه.

29

وَ اسْلُبْهُمْ مَمالِكَهُمْ، وَ ضَيِّقْ عَلَيْهِمْ مَسالِكَهُمْ، وَ الْعَنْ مُساهِمَهُمْ وَ مَشارِكَهُمْ.

اللَّهُمَّ وَ عَجِّلْ فَرَجَ أَوْلِيائِكَ، وَ ارْدُدْ عَلَيْهِمْ مَظالِمَهُمْ، وَ اظْهِرْ بِالْحَقِّ قائِمَهُمْ، وَ اجْعَلْهُ لِدِينِكَ مُنْتَصِراً، وَ بِأَمْرِكَ فِي أَعْدائِكَ مُؤْتَمِراً، اللّهُمَّ احْفُفْهُ (1) بِمَلائِكَةِ النَّصْرِ وَ بِما الْقَيْتَ إِلَيْهِ مِنَ الامْرِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مُنْتَقِماً لَكَ حَتّىٰ تَرْضَى، وَ يَعُودَ دِينُكَ بِهِ وَ عَلىٰ يَدَيْهِ جَدِيداً غَضّاً، وَ يُمَحِّصَ الْحَقَّ مَحْصاً، وَ يَرْفَضَ الْباطِلَ رَفْضاً.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَ عَلىٰ جَمِيعِ آبائِهِ، وَ اجْعَلْنا مِنْ صَحْبِهِ وَ اسْرَتِهِ، وَ ابْعَثْنا فِي كَرَّتِهِ حَتّىٰ نَكُونَ فِي زَمانِهِ مِنْ أَعْوانِهِ، اللّهُمَّ ادْرِكْ بِنا قِيامَهُ، وَ اشْهِدْنا أَيَّامَهُ، وَ صَلِّ عَلَيْهِ وَ (عليه السلام)، وَ ارْدُدْ إِلَيْنا سَلٰامَهُ وَ رَحْمَةُ اللّٰهِ وَ بَرَكاتُهُ (2).

هذا آخر الدعاء و ادع أنت بما يجريه اللّه على خاطرك قبل انقضاء دار الفناء.

فصل (14) فيما نذكره ممّا ينبغي ان يكون المكلّف عليه في اليوم المشار إليه

اعلم ان من مهمّات أهل السّعادات عند تجديد النعم الباهرات، ان يكونوا مشغولين بالشّكر لواهب تلك العنايات، و خاصّة ان كان العبد ما هو في حالاته موافقا لمولاه في إرادته و كراهاته، بل يكره سيّده شيئا فيخالفه في كراهته و يحبّ سيده شيئا فيخالفه في محبّته، و يعامل أصدقائه و معارفه بالصّفاء و الوفاء أكثر ممّا يعامل بذلك مالك الأشياء، و من بيده تدبير دار الفناء و دار البقاء و إليه ورود ركائب الآمال و الرجاء.

فليكن متعجّبا كيف علم اللّه جلّ جلاله انّ هذا العبد يكون إذا خلقه على هذه الصفات من المخالفات له و المعارضات، و مع ذلك فبنا له المساكن، و خلق له فيها ما يحتاج إليه إلى الممات و لم يؤاخذه و لم يعاجله بالجنايات، و عامله معاملة أهل الطاعات.

____________

(1) حفّة: احدقوا و استداروا به.

(2) مصباح المتهجّد: 669.

30

و يحسن ان يكون على الإنسان ان كان مطيعا لربّه أثر ما وهبه من المسكن و أعطاه فيه من الإحسان، كما لو اشترى دارا يحتاج إليه، أو وهبه سلطان مساكن كان مضطرّا إليها، أو كما لو بني هو دارا بالتّعب و العناء و مقاساة الذرجارية (1) و البنّاء، أو يكون مسرورا على أقلّ الصّفات، كما لو حصل له دار عارية أو بإجارة هو محتاج إليها في تلك الأوقات.

فاما ان خلّى قلبه بالكليّة من معرفة هذه النعم الإلهيّة، فكأنّه كالميّت الّذي لا يحسن بما فيه، أو كالأعمى الّذي لا ينظر إلى المواهب الّتي فضله ممّن يراعيه، أو كالأصمّ الّذي لا يسمع من يناديه، و ليبك على فقدان فوائد قلبه و عقله و يتوب.

فصل (15) فيما نذكره ممّا يختم به ذلك اليوم

اعلم انّ كلّ يوم سعيد و فصل جديد ينبغي ان يكون خاتمته على العبيد، كما لو بسط ملك لعباده بساط ضيافة يليق بإرفاده و قدم إليهم موائد إسعاده، ثمّ جلسوا على فراش إكرامه، فأكلوا ما احتاجوا إليه من طعامه، و قاموا عن البساط ليطوي إلى سنة أخرى.

فلا يليق بعبد يعرف قدر تلك النّعمة الكبرى الّا ان يراه سلطانه لانعامه شاكرا و لإكرامه ذاكرا، و لفضائل مقامه ناشرا، على أفضل العبوديّة للجلالة الإلهيّة، و يجعل آخر ذلك النهار كلّ الملاطفة للمطّلع على الأسرار، أن يقبل منه ما عمله، و يبلغه من مراحمه و مكارم أمله، و يطيع في طاعته أجله.

فإنه يوشك إذا اجتهد العبد في لزوم الأدب لكلّ يوم سعيد ان يؤهّله اللّه تعالى للمزيد «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ.» (2)

____________

(1) الذرجارية (خ ل)، و المراد به العمالة.

(2) إبراهيم: 7.

31

الباب الثالث فيما يختصّ بفوائد من شهر ذي الحجّة و موائد للسالكين صوب المحجّة

و فيه فصول:

فصل (1) فيما نذكره من الاهتمام بمشاهدة هلاله، و ما ننشئه من دعاء ذلك و ابتهاله

لانّ فيه الفضل الذي يختصّ بالعشر الأوّل منه، و ما يختصّ بالحجّ الّذي لا ينبغي الغفول عنه، و ما يختصّ بيوم الغدير، و ما يختصّ بيوم المباهلة العظيم الكبير، و ما سوف نشرحه في أوقاته، فتنظّر هلاله من لوازم العارف و مهمّاته، و لم أجد له دعاء يختصّ بالنظر إليه، فأنشأنا لذلك ما دلّنا اللّه عزّ و جلّ جلاله عليه، فنقول:

اللَّهُمَّ انَّ هٰذا هِلٰالٌ عَظَّمْتَ شَهْرَهُ، وَ شَرَّفْتَ قَدْرَهُ، وَ اعْلَنْتَ ذِكْرَهُ، وَ اعْلَيْتَ امْرَهُ، وَ مَدَحْتَ عَشْرَهُ، وَ جَعَلْتَ فِيهِ تَأْدِيَةَ الْمَناسِكِ، وَ سَعادَةَ الْعابِدِ وَ النّاسِكِ.

وَ كَمَّلْتَ فِيهِ كَشْفَ الْوِلايَةِ الْمُهِمَّةِ عَلَى الأُمَّةِ وَ زَوالَ الْغُمَّةِ، بِما جَرىٰ فِي الْغَدِيرِ ثامِنَ عَشْرِهِ، وَ إِظْهارِ اللّٰهِ جَلَّ جَلٰالُهُ لِسِرِّهِ حَتّىٰ صارَ لِلدِّينِ كَمالًا وَ تَماماً، وَ لِلِاسْلٰامِ عَقْداً وَ عَهْداً وَ نِظاماً، فَقُلْتَ جَلَّ جَلٰالُكَ «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً» (1).

____________

(1) المائدة: 3.

32

وَ خَصَصْتَ هٰذَا الشَّهْرَ بِيَوْمِ الْمُباهِلَةِ، الَّذِي اظْهَرْتَ حُجَّةَ الإِيمانِ عَلَى الْكُفْرِ إِظْهاراً مُبِيناً، وَ وَهَبْتَ لِلَّذِينَ باهَلْتَ بِهِمْ مَقاماً مَكِيناً.

وَ اوْدَعْتَ فِي هٰذا الشَّهْرِ مِنَ الأَسْرارِ وَ الْمَبارِّ ما يَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِهِ بِصَحِيحِ الأَخْبارِ وَ صَرِيحِ الاعْتِبارِ، وَ جَعَلْتَهُ تَسْلِيَةً عَمّا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ شَهْرِ الامْتِحانِ، فَبَدَأْتَ بالإِحْسانِ وَ الامْتِنانِ قَبْلَ التَّشْرِيفِ بِالرِّضا بِالْبَلْوىٰ الزَّائِدَةِ فِي جِهادِ اهْلِ الْعُدْوانِ.

اللَّهُمَّ فَكَما عَرَّفْتَنا بِشَرَفِ هٰذِهِ الْعَوائِدِ وَ دَعَوْتَنا الَى الضِّيافَةِ الىٰ مُقَدَّسِ تِلْكَ الْمَوائِدِ، فَطَهِّرْنٰا تَطْهِيراً نَصْلَحُ بِهِ لِمُوافَقَةِ اهْلِ الطَّهارَةِ وَ مُرافَقَةِ فَضْلِ الْبِشارَةِ.

وَ هَبْ لَنا فِيهِ ما يَعْجُزُ مِنْهُ مَنْطِقُ اهْلِ الْعِبارَةِ، وَ لِيَكُونَ فَوائِدُ رَحْمَتِكَ وَ مَوائِدُ ضِيافَتِكَ صافِيَةً مِنَ الأَكْدارِ، وَ مَصُونَةً عَنْ خَطَرِ الْآصارِ (1)، وَ مُناسِبَةً لِابْتِدائِكَ بِالنَّوالِ (2) قَبْلَ السُّؤَالِ.

وَ ابْدَأْ فِي ذٰلِكَ بِمَنْ يَسْتَفْتِحُ بِالْبِدايَةِ أَبْوابَ الْفَلاحِ وَ النَّجاحِ، وَ اشْرِكْ مَعَنا مَنْ يُعِيننا امْرُهُ، وَ اجْمَعْ قُلُوبَنا عَلَى الصَّلاحِ، بِرَحْمَتِكَ يا ارْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

فصل (2) فيما نذكره في كيفية الدّخول في شهر ذي الحجّة

قد ذكرنا و نذكر من جلالة هذا الشّهر و إقباله و قبوله ما ينبّه على تعظيم دخوله، و قد قدّمنا في شهر رجب و شوّال و ذي القعدة ما هو كالذّخيرة و العدّة، و نزيد هاهنا بأن نقول:

انّك تدخل في هذا الشهر إلى موائد قوم أطهار و فوائد ديوان مطّلع على الأسرار، فتطهّر من دنس المعاتبات و نجس المعاقبات، و تفقّد جوارحك من الأقذار قبل التهجّم

____________

(1) الآصار جمع الإصر، بمعنى الذنب و العقوبة، و كلاهما يناسب المقام.

(2) النّوال: العطاء.

33

على مساجد الأبرار، و اغسل ما عساك تجده من وسخ في قلبك و حجاب دينك المفرّق بينك و بين ربّك.

فإذا تطهّرت الجوارح من القبائح و خلعت ثياب الفضائح فالبس ثوبا من العمل الصالح مناسبا لثياب من تدخل إليهم و تحضر بين يديهم، و قدّم قدم السّكينة و الوقار و مدّ يد المسألة و الاعتبار، وقف موقف الذلّة و الانكسار، و اجلس مجلس السّلامة من الاعتذار، و كن وقفا مؤبّدا على مرادهم، و قد ظفرت بما لم يبلغه أملك من إسعادهم و إنجادهم و ارفادهم.

و اذكرني في ذلك المقام الشريف، الّا انّما ضيف الكرام يضيف، عرّض بذكري عندهم عسا هم ان سمعوك سائلوك عنّي.

فصل (3) فيما نذكره من فضل العشر الأوّل من ذي الحجّة على سبيل الإجمال

اعلم انّ تعيين اللّه جلّ جلاله على أوقات معيّنات تذكر فيها جلّ جلاله، دون ما لا يجري مجراها من الأوقات، يقتضي ذلك تعظيمها و مصاحبتها بذكره الشّريف بالعقول و القلوب، و ان لا يخلّيها العبد من أذكار نفسه بأنّها حاضرة بين يدي علّام الغيوب.

و ان يلزمها المراقبة التّامّة في حركاته و سكناته، و يطهّرها من دنس غفلاته، حيث قد اختارها اللّه جلّ جلاله لذكره، و جعلها محلّا لخزانة سرّه، و أهلا لتشريفها بتعظيم قدره، و منزلا لإطلاق برّه، و منهلا (1) للتلذّذ بكأسات شكره.

و هذا عشر ذي الحجّة من جملة تلك الأوقات، قال اللّه جلّ جلاله «وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ» (2).

فرويت بإسنادي إلى جدّي أبي جعفر الطوسي فيما ذكره في المصباح الكبير و غيره

____________

(1) المنهل: المورد، المشرب، موضع الشرب.

(2) الحج: 28، و فيه: «و يذكروا اسم اللّه في أيام معلومات».

34

من الروايات عن الصادق (صلوات اللّه عليه):

«انّ الأيّام المعلومات عشر ذي الحجة.»

(1)

.

أقول: و ينبغي ان يكون مع أذكار عقلك و قلبك و نفسك باطّلاع اللّه جلّ جلاله عليك في هذا شهر ذي الحجّة، الّذي أنعم اللّه جلّ جلاله به عليك، و جعله رسولا يهدي ما فيه من الفضائل إليك، على صفات من يتلقّى نعمته جل جلاله بالتعظيم و الثناء الجسيم، و يتلقّى رسوله بالتكريم، و الإقبال على شكر ما أهداه إليك من الفضل العظيم.

و أشغل جميع جوارحك بما يختصّ كلّ منها من العبادات، حتى تكون ذاكرا للّه جل جلاله في ذلك العشر فعلا و قولا في جميع التصرّفات.

فاحسب انّ هذا العشر قد جعله سلطان زمانك و واهب إحسانك وقتا للدّخول إليه و الثّناء عليه بين يديه، أ فما كنت تجتهد في تحصيل الألفاظ الفائقة و المعاني الرّائقة الجامعة لأوصاف شكره و نشر برّه، و تجمع خواطرك كلّها في حضرته على الإخلاص في مراقبته، و لا تقدر ان تغفل في تلك الحال عنه، و هو يراك و أنت قريب منه.

فان اللّه جل جلاله أحق بهذا الإقبال عليه و الأدب بين يديه و أرجح مطلبا و مكسبا بالتقرّب إليه، فأين تأخذ عنه يمينا و شمالا، و تذهب منه تهوينا و ضلالا، لا تغفل فإنّك في قبضته و أنت ميّت و ابن أموات، صنائع نعمته و بقايا رحمته.

فصل (4) فيما نذكره من زيادة فضل لعشر ذي الحجة على بعض التفصيل

وجدنا ذلك في كتاب عمل ذي الحجّة تأليف أبي علي الحسن بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن أشناس البزاز من نسخة عتيقة بخطّه، تاريخها سنة سبع و ثلاثين و أربعمائة، و هو من مصنّفي أصحابنا (رحمهم اللّه)، بإسناده إلى رسول اللّه

(صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1) المصباح المتهجد: 671.

35

انّه قال:

ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبّ إلى اللّه عزّ و جل من أيّام العشر- يعني عشر ذي الحجّة-، قالوا: يا رسول اللّه! و لا الجهاد في سبيل اللّه؟ قال (صلى اللّه عليه و آله):

و لا الجهاد في سبيل اللّه الّا رجل خرج بنفسه و ماله فلم يرجع من ذلك بشيء.

و من ذلك بإسناد ابن أشناس البزّاز (رحمه اللّه) عن النبي (صلوات اللّه عليه و آله) قال:

ما من أيّام أزكى عند اللّه تعالى و لا أعظم أجرا من خير في عشر الأضحى، قيل:

و لا الجهاد في سبيل اللّه؟ قال (صلى اللّه عليه و آله): و لا الجهاد في سبيل اللّه الّا رجل خرج بماله و نفسه ثم لم يرجع من ذلك بشيء.

و كان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتّى ما يكاد يقدر عليه.

فصل (5) فيما نذكره من فضل صلاة تصلّي كلّ ليلة من عشر ذي الحجّة

ذكرها ابن أشناس في كتابه، فقال: قال أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن المغيرة الثلاج: سمعت طاهر بن العباس يقول: سمعت محمد بن الفضل الكوفي يقول: سمعت الحسن بن علي الجعفري يحدّث عن أبيه، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)، قال:

قال لي أبي محمد بن علي (عليهما السلام):

يا بنيّ لا تتركنّ ان تصلّي كلّ ليلة بين المغرب و العشاء الآخرة من ليالي عشر ذي الحجّة ركعتين، تقرء في كلّ ركعة فاتحة الكتاب و

«قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»

مرة واحدة، و هذه الآية

«وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلٰاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنٰاهٰا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقٰاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قٰالَ مُوسىٰ لِأَخِيهِ هٰارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لٰا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» (1)

.

____________

(1) الأعراف: 142.

36

فإذا فعلت ذلك شاركت الحاجّ في ثوابهم و ان لم تحجّ

(1)

.

فصل (6) فيما نذكره من فضل أول يوم من ذي الحجّة

رويت بعدّة أسانيد إلى الأئمة (عليهم السلام)

انّ أوّل يوم من عشر ذي الحجّة مولد إبراهيم الخليل (عليه السلام)

(2)

، و هو الذي اختاره جدّي أبو جعفر الطوسي في مصباحه (3)، مع انّني رويت ان مولده (عليه السلام) كان في غير ذلك الوقت (4).

و

رويت بعدّة أسانيد أيضا إلى أبي جعفر بن بابويه من كتاب من لا يحضره الفقيه، و إلى جدّي أبي جعفر الطوسي، بإسنادهما إلى مولانا موسى بن جعفر (عليهما السلام) انّه قال:

من صام أوّل يوم من ذي الحجّة كتب اللّه له صوم ثمانين شهرا

(5)

.

و زاد جدي أبو جعفر الطوسي في روايته كما حكيناه عنه و قال: و هو اليوم الذي ولد فيه إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام)، و فيه اتّخذ اللّه إبراهيم خليلا (6).

و قال (رحمه اللّه): في أوّل يوم منه بعث النبي (صلى اللّه عليه و آله) سورة براءة حين أنزلت عليه مع أبي بكر ثمّ نزل على النبي عليه انّه لا يؤدّيها عنك إلّا أنت أو رجل منك، فأنفذ النبي (عليه السلام) عليّا (عليه السلام) حتّى لحق أبا بكر، فأخذها منه و ردّه بالرّوحاء (7) يوم الثالث منه، ثم أدّاها عنه إلى الناس يوم عرفة و يوم النّحر، قرأها عليهم في الموسم (8).

____________

(1) عنه الوسائل 8: 183.

(2) الفقيه 2: 87.

(3) مصباح المتهجد: 671.

(4) الفقيه 2: 89، و قد مرّ في الرواية الرضوي إن مولده ليلة خمسة و عشرين من ذي القعدة.

(5) الفقيه 2: 87.

(6) مصباح المتهجد: 671.

(7) الروحاء: من الفرع على نحو أربعين ميلا من المدينة، و هو الموضع الذي نزل به تبع حين رجع من قتال أهل المدينة يريد مكة، فأقام بها و أراح، فسمّاها الروحاء.

(8) المصباح: 671، عنه البحار 35: 286.

37

يقول السيد الامام العالم العامل الفقيه العلّامة الفاضل، رضي الدين ركن الإسلام، أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاوس (قدس اللّٰه روحه) و نوّر ضريحه:

و حيث قد ذكرنا آيات براءة، فينبغي ان نذكر بعض ما رويناه من شرح الحال:

فمن ذلك ما

رواه حسن بن أشناس (رحمه اللّه)، قال: حدثنا ابن أبي الثلج الكاتب، قال: حدثنا جعفر بن محمد العلوي، قال: حدثنا علي بن عبدل الصوفي، قال: حدثنا طريف مولى محمد بن إسماعيل بن موسى و عبيد اللّه (1) بن يسار، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الهمداني، و عن جابر، عن أبي جعفر، عن محمد بن الحنفيّة، عن علي (عليه السلام):

انّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لمّا فتح مكّة أحبّ ان يعذر إليهم و ان يدعوهم الى اللّه عزّ و جل أخيرا كما دعاهم أوّلا، فكتب إليهم كتابا يحذّرهم بأسه و ينذرهم عذاب ربّه، و يعدهم الصفح و يمنّيهم مغفرة ربّهم، و نسخ لهم أوّل سورة براءة ليقرأ عليهم، ثم عرض على جميع أصحابه المضيّ إليهم، فكلّهم يري فيه التثاقل، فلمّا رأى ذلك منهم ندب

(2)

إليهم رجلا ليتوجّه به.

فهبط إليه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد انّه لا يؤدّي عنك الّا رجل منك، فانبأني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بذلك و وجّهني بكتابه و رسالته إلى أهل مكة، فأتيت مكّة- و أهلها من قد عرفت ليس منهم أحد الّا ان لو قدر ان يضع على كل جبل مني اربا

(3)

لفعل، و لو ان يبذل في ذلك نفسه و أهله و ولده و ماله.

فابلغتهم رسالة النبي (صلى اللّه عليه و آله) و قرأت كتابه عليهم، و كلّهم يلقاني بالتهديد و الوعيد، و يبدي البغضاء و يظهر لي الشحناء

(4)

من رجالهم و نسائهم، فلم يتسنى

(5)

ذلك

____________

(1) في البحار: عبيد.

(2) ندب فلانا للأمر أو إلى الأمر: دعاه و رشّحه للقيام به و حثه عليه.

(3) الارب: العضو.

(4) الشحناء: العداوة امتلأت منها النفس.

(5) مأخوذ من التواني كما في قوله تعالى مخاطبا لموسى و هارون (عليهما السلام): «و لا تنيا في ذكري».

38

حتى نفذت لما وجّهني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)

(1)

.

و أقول: و روى الطبري في تاريخه في حوادث سنة ستّ من هجرة النبي (صلى اللّه عليه و آله): لمّا أراد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) القصد لمكّة و منعه أهلها، انّ عمر بن الخطاب كان قد أمره النبي (صلى اللّه عليه و آله) ان يمضي إلى مكّة فلم يفعل و اعتذر! فقال الطبري ما هذا لفظه: ثم دعا عمر بن الخطّاب ليبعثه إلى مكّة فيبلّغ عنه أشراف قريش ما حاله، فقال: يا رسول اللّه انّي أخاف قريشا على نفسي! (2).

أقول: فانظر حال مولانا علي (عليه السلام) من حال من تقدّم عليه، كيف كان يفدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بنفسه في كلّ ما يشير به إليه، و كيف كان غيره يؤثر عليه نفسه.

و من ذلك شرح ابسط مما ذكرناه،

رواه حسن بن أشناس (رحمه اللّه) في كتابه أيضا فقال: و حدّثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا، قال: حدثنا مالك بن إبراهيم النخعي، قال: حدثنا حسين بن زيد، قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهم السلام) قال:

لمّا سرّح

(3)

رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أبا بكر بأوّل سورة براءة إلى أهل مكّة، أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد انّ اللّه يأمرك ان لا تبعث هذا و ان تبعث علي بن أبي طالب، و انّه لا يؤدّيها عنك غيره، فأمر النبي (صلى اللّه عليه و آله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلحقه و أخذ منه، و قال: ارجع إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله)، فقال أبو بكر: هل حدث في شيء؟ فقال علي (عليه السلام): سيخبرك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).

فرجع أبو بكر إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: يا رسول اللّه ما كنت ترى أنّي مؤدّ عنك هذه الرسالة؟ فقال له النبي (صلى اللّه عليه و آله): أبى اللّه ان يؤدّيها إلّا

____________

(1) رواه الصدوق مع اختلاف في الخصال 2: 369، عنه البحار 35: 286.

(2) تاريخ الطبري 2: 278.

(3) سرّحه: أرسله.

39

علي بن أبي طالب، فأكثر أبو بكر عليه من الكلام، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و آله):

كيف تؤدّيها و أنت صاحبي في الغار

(1)

.

قال: فانطلق علي (عليه السلام) حتى قدم مكّة ثمّ وافى عرفات، ثمّ رجع إلى جمع، ثم إلى منى، ثم ذبح و حلق، و صعد على الجبل المشرف المعروف بالشعب، فاذّن ثلاث مرّات: الا تسمعون يا أيّها الناس انّي رسول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إليكم، ثم قال:

«بَرٰاءَةٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّٰهِ وَ أَنَّ اللّٰهَ مُخْزِي الْكٰافِرِينَ، وَ أَذٰانٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ

- الى قوله-

إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»

.

تسع آيات من أوّلها، ثمّ لمع

(2)

بسيفه فاسمع الناس و كرّرها، فقال الناس: من هذا الّذي ينادي في الناس؟ فقالوا: علي بن أبي طالب، و قال من عرفه من الناس: هذا ابن عمّ محمد، و ما كان ليجترئ على هذا غير عشيرة محمّد.

فأقام أيّام التشريق ثلاثة ينادي بذلك و يقرء على النّاس غدوة و عشيّة، فناداه الناس من المشركين: أبلغ ابن عمّك ان ليس له عندنا الّا ضربا بالسيف و طعنا بالرّماح.

ثم انصرف علي (عليه السلام) إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) و يقصد في السير، و أبطأ الوحي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في أمر علي (عليه السلام) و ما كان منه، فاغتمّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) لذلك غمّا شديدا رئي ذلك في وجهه، و كفّ عن النساء من الهمّ و الغمّ.

فقال بعضهم لبعض: لعلّ قد نعيت إليه نفسه

(3)

أو عرض له مرض، فقالوا لأبي ذر:

____________

(1) هذا تعيير لأبي بكر و تشنيع له، و إيهام بأنّك كنت معي في الغار خائفا فزعا مع استظهارك بي و عدم علم أحد من الناس إلى مكانك، فكيف تقدر على تبليغ هذه السورة بملإ من الناس يوم الحج الأكبر- كما يأتي في كلام المؤلف.

(2) لمع بسيفه: أشار.

(3) أي أخبر بوفاته.

40

قد نعلم منزلتك من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و قد ترى ما به، فنحن نحبّ أن يعلم لنا أمره، فسأل أبو ذرّ (رحمه اللّه) النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن ذلك.

فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله): ما نعيت إلى نفسي و انّي لميّت، و ما وجدت في أمّتي الّا خيرا، و ما بي من مرض و لكن من شدّة وجدي لعلي بن أبي طالب و إبطاء الوحي عنّي في امره، و ان اللّه عزّ و جل قد أعطاني في عليّ تسع خصال: ثلاثة لدنياي و اثنتان لآخرتي، و اثنتان انا منهما آمن و اثنتان أنا منهما خائف.

و قد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا صلّى الغداة استقبل القبلة بوجهه إلى طلوع الشمس يذكر اللّه عزّ و جلّ، و يتقدّم علي بن أبي طالب (عليه السلام) خلف النبي (صلى اللّه عليه و آله) و يستقبل النّاس بوجهه، فيستأذنون في حوائجهم، و بذلك أمرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).

فلمّا توجّه علي (عليه السلام) إلى ذلك الوجه لم يجعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مكان عليّ لأحد، و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا صلّى و سلّم استقبل القبلة بوجهه، فاذن للناس، فقام أبو ذر فقال: يا رسول اللّه لي حاجة، قال: انطلق في حاجتك.

فخرج أبو ذر من المدينة يستقبل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلمّا كان ببعض الطريق إذا هو براكب مقبل على ناقته، فإذا هو علي (عليه السلام)، فاستقبله و التزمه و قبّله، و قال: بأبي أنت و أمّي اقصد في مسيرك حتى أكون أنا الذي أبشّر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فانّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من أمرك في غمّ شديد و همّ، فقال له علي (عليه السلام): نعم.

فانطلق أبو ذر مسرعا حتى أتى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال: البشرى، قال:

و ما بشراك يا أبا ذر؟، قال: قدم علي بن أبي طالب، فقال له: لك بذلك الجنّة، ثم ركب النبي (عليه السلام) و ركب معه الناس، فلمّا رآه أناخ ناقته

(1)

، و نزل رسول اللّه صلّى اللّه

____________

(1) أناخ الجمل: ابركه.

41

عليه و آله فتلقّاه و التزمه و عانقه، و وضع خدّه على منكب علي، و بكى النبي (عليه السلام) فرحا بقدومه، و بكى علي (عليه السلام) معه.

ثم قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ما صنعت بأبي أنت و أمّي، فإنّ الوحي أبطئ عليّ في أمرك، فأخبره بما صنع، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): كان اللّه عزّ و جلّ اعلم بك منّي حين أمرني بإرسالك

(1)

.

و من كتاب ابن أشناس البزاز من طريق رجال أهل الخلاف في حديث آخر انّه:

لمّا وصل مولانا علي (عليه السلام) إلى المشركين بآيات براءة لقيه خراش بن عبد اللّه أخو عمرو بن عبد اللّه- و هو الذي قتله علي (عليه السلام) مبارزة يوم الخندق- و شعبة بن عبد اللّه اخوه، فقال لعلي (عليه السلام): ما تيسّرنا يا علي أربعة أشهر، بل برئنا منك و من ابن عمّك إن شئت الّا من الطعن و الضرب، و قال شعبة: ليس بيننا و بين ابن عمك الّا السيف و الرمح، و ان شئت بدأ بك، فقال علي (عليه السلام): أجل أجل ان شئت فهلمّوا

(2)

.

و في حديث آخر من الكتاب قال:

و كان علي (عليه السلام) ينادي في المشركين بأربع: لا يدخل مكّة مشرك بعد مأمنه، و لا يطوف بالبيت عريان، و لا يدخل الجنّة الّا نفس مسلمة، و من كان بينه و بين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عهد فعهدته إلى مدّته

(3)

.

و قال في حديث آخر: و كانت العرب في الجاهليّة تطوف بالبيت عراة و يقولون:

لا يكون علينا ثوب حرام، و لا ثوب خالطه اثم، و لا نطوف الّا كما ولدتنا أمّهاتنا (4).

و قال بعض نقلة هذا الحديث: انّ

قول النبي (صلوات اللّه و سلامه عليه) في الحديث الثاني لأبي بكر:

أنت صاحبي في الغار، لمّا اعتذر عن إنفاذه إلى الكفار، معناه، انّك كنت معي في الغار، فجزعت ذلك الجزع حتّى انّي سكنتك و قلت لك: لا تحزن،

____________

(1) عنه البحار 35: 287.

(2) عنه البحار 35: 290.

(3) عنه البحار 35: 290.

(4)- عنه البحار 35: 290.

42

و ما كان قد دنا شرّ لقاء المشركين، و ما كان لك أسوة بنفسي

(1)

، فكيف تقوى على لقاء الكفار بسورة براءة، و ما أنا معك و أنت وحدك؟

و لم يكن النبي (صلى اللّه عليه و آله) ممّن يخاف على أبي بكر من الكفّار أكثر من خوفه على علي (عليه السلام)، لأنّ أبا بكر ما كان جرى منه أكثر من الهرب منهم، و لم يعرف له قتيل فيهم و لا جريح، و انّما كان علي (عليه السلام) هو الذي يحتمل (2) في المبيت على الفراش حتّى سلم النبي منهم، و هو الذي قتل منهم في كل حرب، فكان الخوف على علي (عليه السلام) من القتل أقرب إلى العقل.

أقول: و قد مضى في الحديث الأوّل انّ مولانا علي (عليه السلام) بعثه النبي (صلى اللّه عليه و آله) لردّ أبي بكر و تأدية آيات براءة بعد فتح مكّة، فينبغي ان نذكر كيف أحوج الحال إلى هذا الإرسال بعد فتح مكّة فنقول:

انّنا وجدنا في كتب من التواريخ و غيرها انّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) فتح مكّة سنة ثمان من الهجرة و استعمل على أهلها عتاب بن أسيد بن العيص بن أميّة بن عبد شمس، ثمّ اجتمعت هوازن و قدّموا لحربه (عليه السلام)، فخرج من مكّة إلى هوازن فغنم أموالهم.

ثم مضى إلى الطائف، ثمّ رجع من الطائف إلى الجعرانة (3)، فقسّم بها غنائمهم، ثم دخل مكّة ليلا معتمرا، فطاف بالبيت و سعى بين الصّفا و المروة و قضى عمرته و عاد إلى الجعرانة، و منها توجّه إلى المدينة و لم يحجّ (عليه السلام) تلك السنة.

فلمّا حجّ الناس سنة ثمان و لم يحجّ النبي (صلوات اللّه عليه و آله) فيها، حجّ المسلمون و عليهم عتّاب بن أسيد، لانّه أمير مكّة، و حجّ المشركون من أهل مكة و غيرها ممّن أراد الحجّ من الّذين كان لهم عهدته مع النبي (صلى اللّه عليه و آله) و من انضمّ إليهم من

____________

(1) الاسوة: القدوة، أي لم تقتد بنفسي و قد أمر اللّه تعالى بذلك حيث قال «لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» الأحزاب: 21.

(2) كذا في النسخ، و لعل: احتمل، أي أطاقه و صبر عليه.

(3) الجعرانة: موضع قريب من مكة و هو في الحل و ميقات الإحرام.

43

الكفّار و متقدمهم أبو سيّارة العدواني على أتان أعور رسنها (1) ليف.

فلمّا دخلت سنة تسع من الهجرة و قرب وقت الحجّ فيها أمر اللّه جل جلاله رسوله صلوات اللّه و سلامه عليه و آله ان ينابذ (2) المشركين، و يظهر إعزاز الإسلام و المسلمين، فبعث عليّا (عليه السلام) لردّ أبي بكر كما رويناه.

و المسلمون من أهل مكة بين حاسد لمولانا علي (عليه السلام) و بين مطالب له بقتل من قتلهم من أهلهم، و المشركون في موسم الحج أعداء له (عليه السلام)، فتوجّه وحده لكلّهم، فاعزّ اللّه جل جلاله و رسوله أمر الإسلام على يد مولانا علي (عليه السلام)، و أذلّ رقاب الكفّار و الطغاة.

فلمّا دخلت سنة عشر و قرب وقت الحجّ خرج النبي (صلى اللّه عليه و آله) لحجّة الوداع و إبلاغ ما امره اللّه جل جلاله بإبلاغه، فأقام النّاس بسنن الحج و الإسلام، و نصّ فيها على مولانا علي (صلوات اللّه عليه) في عوده من الحج بغدير خم و خلافته بعده على سائر الأنام، و توجّه إلى المدينة، ثم دعاه اللّه جلّ جلاله إلى دار السلام في ذلك العام.

يقول السيد الامام العالم العامل الفقيه العلّامة رضي الدين ركن الإسلام جمال العارفين، أفضل السادة أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس:

اعلم انّ اللّه جلّ جلاله قد كان عالما قبل ان يتوجّه أبو بكر بسورة براءة انّه لا يصلح لتأديتها، و انّه ينزل على نبيّه (صلوات اللّه عليه) جبرئيل، و يأمره بإعادته أبي بكر، و انّ أبا بكر يعزل عن ذلك المقام.

فظهر من هذا لذوي الأفهام ان قد كان مراد اللّه جلّ جلاله إظهار انّ أبا بكر لا يصلح لهذا الأمر الجزئي من أمور الرّئاسة، فكيف يصلح للأمر الكلّي، و انّه لا ينفعه اختيار صاحب [الأمر] (3) لحمل الآيات معه، فكيف ينفعه اختيار بعض أهل السقيفة

____________

(1) الرسن: الحبل المعروف.

(2) نابذ منابذة: خالفه و فارقه عن عداوة.

(3) هو الظاهر.

44

له، و انّ اللّه لم يستصلحه لآيات من كتابه، فكيف يستصلح لجمع الشّتات.

و انّ اللّه أظهر عزله على اليقين، فكيف يجوز الاختيار لولايته على الظّن من بعض المسلمين، و انّه لم يصلح للابلاغ عن اللّه تعالى و رسوله (عليه السلام) لفريق من النّاس، فكيف يصلح لجميعهم، و انّه لم يصلح لبلد واحد، فكيف يصلح لسائر البلاد.

و في هذا الحديث المعلوم كشف لأهل العلوم انّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) يسدّ مسدّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيما لا يمكن القيام فيه بغير نفسه الشريفة، و فيه تنبيه و نصّ صريح على ولاية علي (عليه السلام) من اللّه، و فيه تنبيه على ما اشتملت عليه تلك الولاية من إعزاز دين اللّه و إظهار ناموس الإسلام، و رفع التقيّة و الذل عمّا كان مستورا من تلك الشرائع و الأحكام.

و من عمل اليوم الأول من ذي الحجّة ما رويناه بإسنادنا إلى جدّي أبي جعفر الطوسي قال:

و يستحب ان يصلّي فيه صلاة فاطمة (عليها السلام)، و روي انّها اربع ركعات مثل صلاة أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كل ركعة بالحمد مرة و خمسين مرّة «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» و سبّح عقيبها تسبيح الزهراء (عليها السلام) و تقول:

سُبْحانَ اللّٰهِ ذِي الْعِزِّ الشّامِخِ الْمُنِيفِ، سُبْحانَ ذِي الْجَلٰالِ الْباذِخِ الْعَظِيمِ، سُبْحانَ ذِي الْمُلْكِ الْفاخِرِ الْقَدِيمِ، سُبْحانَ مَنْ يَرى أَثَرَ النَّمْلَةِ فِي الصَّفا، سُبْحانَ مَنْ يَرى وَقْعَ الطَّيْرِ فِي الْهَواءِ، سُبْحانَ مَنْ هُوَ هٰكَذا لٰا هٰكَذا غَيْرُهُ (1).

أقول: و قد تقدم ذكر هذه الصلاة و الدعاء في عمل يوم الجمعة، و انّما ذكرناه هاهنا لعذر اقتضى تكرار معناه.

و من عمل أول يوم من ذي الحجّة إلى عشيّة عرفة دعاء

رويناه بإسنادنا إلى أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري (رضوان اللّه عليه)، و إلى أبي المفضّل محمد بن عبد اللّه الشيباني

____________

(1) مصباح المتهجد: 671.

45

(رحمه اللّه)، قالا: أخبرنا أبو علي محمد بن همام الإسكافي، قال: حدثنا خالي أحمد بن مابنداد، قال: حدثني أحمد بن هلال، قال: حدثني محمد بن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن بكر بن عبيد اللّه شريك أبي حمزة الثمالي، قال:

كان أبو عبد اللّه- يعني جعفر بن محمد الصّادق (عليه السلام) و على آبائه و أبنائه الطاهرين- يدعو بهذا الدعاء في أول يوم من عشر ذي الحجّة إلى عشيّة عرفة في دبر صلاة الصبح و قبل المغرب يقول:

اللّهُمَّ هٰذِهِ الأَيّامُ الَّتِي فَضَّلْتَهٰا عَلىٰ غَيْرِها مِنَ الأَيّامِ وَ شَرَّفْتَها، وَ قَدْ بَلَّغْتَنِيها بِمَنِّكَ وَ رَحْمَتِكَ، فَانْزِلْ عَلَيْنا مِنْ بَرَكاتِكَ، وَ اسْبِغْ عَلَيْنا فِيها مِنْ نَعْمائِكَ.

اللّهُمَّ انِّي اسْأَلُكَ انْ تُصَلِّيَ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ فِيها، وَ انْ تَهْدِيَنا فِيها سَبِيلَ الْهُدىٰ، وَ تَرْزُقَنا فِيهَا التَّقْوىٰ وَ الْعِفافَ وَ الْغِنىٰ، وَ الْعَمَلَ فِيها بِما تُحِبُّ وَ تَرْضىٰ.

اللّهُمَّ انِّي اسْأَلُكَ يا مَوْضِعَ كُلِّ شَكْوىٰ، وَ يا سامِعَ كُلِّ نَجْوىٰ، وَ يا شاهِدَ كُلِّ مَلَاءٍ، وَ يا عالِمَ كُلِّ خَفِيَّةٍ، انْ تُصَلِّيَ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ انْ تَكْشِفَ عَنّا فِيهَا الْبَلٰاءَ، وَ تَسْتَجِيبَ لَنا فِيهَا الدُّعاءَ، وَ تُقَوِّيَنا فِيها، وَ تُعِينَنا

(1)

وَ تُوَفِّقَنا فِيها رَبَّنا لِما تُحِبُّ وَ تَرْضَى، وَ عَلىٰ ما افْتَرَضْتَ عَلَيْنا مِنْ طاعَتِكَ، وَ طاعَةِ رَسُولِكَ وَ اهْلِ وِلٰايَتِكَ.

اللّهُمَّ انِّي أَسْأَلُكَ يا ارْحَمَ الرَّاحِمِينَ انْ تُصَلِّيَ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ، وَ انْ تَهَبَ لَنا فِيهَا الرِّضا انَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ، وَ لٰا تَحْرِمْنا خَيْرَ ما نَزَلَ فِيها مِنَ السَّماءِ، وَ طَهِّرْنا مِنَ الذُّنُوبِ، يا عَلّامَ الْغُيُوبِ، وَ اوْجِبْ لَنا فِيها دارَ الْخُلُودِ.

اللّهُمَّ صَلِّ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ لٰا تَتْرُكْ لَنا فِيها ذَنْباً الّا غَفَرْتَهُ وَ لٰا هَمّاً الّا فَرَّجْتَهُ، وَ لٰا دَيْناً الّا قَضَيْتَهُ، وَ لٰا غائِباً الّا ادْنَيْتَهُ، وَ لٰا حاجَةً مِنْ حَوائِجِ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ الّا سَهَّلْتَها وَ يَسَّرْتَها، انَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

____________

(1) تغنينا (خ ل).

46

اللّهُمَّ يا عالِمَ الْخَفِيّاتِ، يا راحِمَ الْعَبَراتِ

(1)

، يا مُجِيبَ الدَّعَواتِ، يا رَبَّ الأَرَضِينَ وَ السَّماواتِ، يا مَنْ لٰا تَتَشابَهَ عَلَيْهِ الأَصْواتُ صَلِّ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ، وَ اجْعَلْنا فِيها مِنْ عُتَقائِكَ وَ طُلَقائِكَ مِنَ النّارِ، وَ الْفائِزِينَ بِجَنَّتِكَ، النّاجِينَ بِرَحْمَتِكَ، يا ارْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَ صَلَّى اللّٰهُ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ اجْمَعِينَ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً

(2)

.

و من عمل أوّل يوم من ذي الحجّة إلى آخر العشر، ما

رويناه بإسنادنا إلى المفيد محمد بن محمد بن النعمان (قدس اللّه جل جلاله روحه)، قال: أخبرنا الشريف أبو عبد اللّه محمد بن الحسن العلوي الهمداني، قال: أخبرنا الحسين بن علي الصائحي، عن أبي الحسن الفازي، قال: حدّثنا سهل بن إبراهيم بن هشام بن عبيد اللّه، قال: حدّثنا جدّي هشام بن عبيد اللّه بن عمير، قال: حدثنا محمد بن الفضل، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عبد بن عمير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

انّ اللّه تعالى أهدى إلى عيسى بن مريم (عليه السلام) خمس دعوات جاء بها جبرئيل (عليه السلام) في أيّام العشر، فقال: يا عيسى ادع بهذه الخمس الدعوات فإنه ليست عبادة أحبّ إلى اللّه من عبادته في أيام العشر- يعني عشر ذي الحجّة:

أوّلهن: اشْهَدُ انْ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ وَحْدَهُ لٰا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

و الثانية: اشْهَدُ انْ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ وَحْدَهُ لٰا شَرِيكَ لَهُ، أَحَداً صَمَداً لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَ لٰا وَلَداً.

و الثالثة: اشْهَدُ انْ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ وَحْدَهُ لٰا شَرِيكَ لَهُ، أَحَداً صَمَداً لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً احَدٌ.

و الرابعة: اشْهَدُ انْ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ وَحْدَهُ لٰا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ، وَ هُوَ حَيٌّ لٰا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

____________

(1) زيادة: يا مقبل العثرات (خ ل).

(2) رواه الشيخ في مصباحه: 672.

47

و الخامسة: حَسْبِيَ اللّٰهُ وَ كَفىٰ سَمِعَ اللّٰهُ لِمَنْ دَعا، لَيْسَ وَراءَ اللّٰهِ مُنْتَهىٰ، اشْهَدُ لِلّٰهِ بِما دَعىٰ، وَ انَّهُ برِئٌ مِمَّنْ تَبَرَّئَ، وَ انَّ لِلّٰهِ الٰاخِرَةَ وَ الأُولى.

قال الحواريون لعيسى (عليه السلام): يا روح اللّه ما ثواب من قال هؤلاء الكلمات؟

قال: امّا من قال الأولى مائة مرة، لا يكون لأهل الأرض عمل أفضل من عمله ذلك اليوم، و كان أكثر العباد حسنات يوم القيامة.

و من قال الثانية مائة مرة فكأنّما قرء التوراة و الإنجيل اثنتي عشرة مرّة و أعطى ثوابها، قال عيسى (عليه السلام): يا جبرئيل و ما ثوابها؟ قال: لا يطيق أن يحمل حرفا واحدا من التّوراة و الإنجيل من في السماوات السّبع من الملائكة حتى ابعث انا و إسرافيل لأنّه أول عبد قال: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه.

و من قال الثالثة مائة مرة كتب اللّه له عشرة آلاف حسنة و محي عنه بها عشرة آلاف سيئة، و رفع له بها عشرة آلاف درجة، و نزل سبعون الف ملك من السماء، رافعي أيديهم يصلّون على من قالها، فقال عيسى (عليه السلام): يا جبرئيل هل تصلّي الملائكة الّا على الأنبياء و قال: انّه من آمن بما جاءت به الرسل و الأنبياء و لم يبدل أعطى ثواب الأنبياء.

و من قال الرابعة مائة مرّة تلقّاها ملك حتى يصعد بين يدي الجبّار عزّ و جلّ فينظر اللّه عزّ و جلّ إلى قائلها، و من نظر اللّه تعالى إليه فلا يشقى.

قال عيسى (عليه السلام): يا جبرئيل ما ثواب الخامسة؟ فقال: هي دعوتي و لم يؤذن لي ان افسّرها لك.

و من عمل أول يوم من ذي الحجة إلى آخر العشر ما

رويناه بإسنادنا إلى أبي جعفر بن بابويه بإسناده من كتاب ابن أشناس و غيره، فيما روي عن مولانا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) انّه قال:

من قال كلّ يوم من أيام العشر هذا التهليل:

لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ عَدَدَ اللَّيالِي وَ الدُّهُورِ، لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ عَدَدَ أَمْواجِ الْبُحُورِ، لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ وَ رَحْمَتُهُ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ، لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ عَدَدَ الشَّوْكِ وَ الشَّجَرِ، لٰا إِلٰهَ

48

إِلَّا اللّٰهُ عَدَدَ الشَّعْرِ وَ الْوَبَرِ، لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ عَدَدَ الْحَجَرِ وَ الْمَدَرِ.

لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ عَدَدَ لَمْحِ الْعُيُونِ، لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ فِي اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ

(1)

وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ، لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ عَدَدَ الرِّياحِ وَ الْبَرارِي وَ الصُّخُورِ، لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ مِنَ الْيَوْمِ الىٰ يَوْمِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ.

أعطاه اللّه عزّ و جلّ بكل تهليلة درجة في الجنّة من الدر و الياقوت، ما بين كلّ درجتين مسيرة مأة عام للراكب المسرع، في كلّ درجة مدينة فيها قصر من جوهر واحد لا فضل فيها، في كل مدينة من تلك المدائن من تفاصيل العطاء ما لا يهتدى له وصف البلغاء، فإذا خرج من قبره أضاءت له كلّ شعرة منه نورا و ابتدره سبعون الف ملك يحفّونه إلى باب الجنّة- ثم ذكر الحديث بطوله، و هو عطاء عظيم جسيم حذفنا شرحه كراهية الإطالة.

و في روايتنا هذا التهليل بإسنادنا إلى ابن بابويه بإسناده إلى مولانا علي (عليه السلام)

، انّه كان يهلّل اللّه تعالى في كلّ يوم من عشر ذي الحجّة بهذا التهليل عشر مرات، ثم ذكر فضل ذلك كما ذكرناه و زيادة

(2)

.

فصل (7) فيما نذكره من فضل صوم التسعة أيام من عشر ذي الحجّة

اعلم ان الاخبار بصوم ثمانية أيّام من عشر ذي الحجّة أوّلها أوّل يوم منه متّفق على فضل صيامها، و الروايات بذلك متظافرة (3)، و انّما وردت أخبار مختلفة في فضل صوم يوم عرفة أو إفطاره، و سوف نذكر ما اختاره منها عند ذكر يوم عرفة.

أقول: فممّا

رويناه بإسنادنا في فضل صوم هذه التسعة أيّام من عشر ذي الحجّة إلى مولانا موسى بن جعفر الكاظم (صلوات اللّه عليه):

انّ من صامها كتب اللّه عزّ و جلّ له

____________

(1) عسعس الليل: أظلم.

(2) ثواب الأعمال: 98 مع اختلاف في ذكر الثواب.

(3) راجع المستدرك 7: 520.

49

صوم الدهر

(1)

.

فصل (8) في صلاة ركعتين قبل الزوال في أوّل يوم من ذي الحجة

رأيتها في كتب أصحابنا القميّين قال: و يصلّي قبل الزّوال بنصف الساعة ركعتان في هذا اليوم، في كلّ ركعة الحمد مرة و «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» و آية الكرسي و «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ» عشرا عشرا.

فصل (9) فيمن يريد ان يكفي شرّ ظالم فيعمل أول يوم من ذي الحجّة

و هو ممّا رؤيته في بعض الكتب المذكورة انّ من خاف ظالما فقال في هذا اليوم:

حَسْبِي حَسْبِي حَسْبِي مِنْ سُؤالِي عِلْمُكَ بِحالِي، كفاه اللّه شرّه.

فصل (10) فيما نذكره من فضل اليوم الثامن من ذي الحجّة، و هو يوم التروية

روينا ذلك بإسنادنا إلى أبي جعفر محمد بن بابويه بإسناده إلى مولانا الصادق (صلوات اللّه عليه) انّه قال:

صوم يوم التروية كفّارة ستّين سنة

(2)

.

فصل (11) فيما نذكره من فضل ليلة عرفة

رأينا ذلك في كتاب أحمد بن جعفر بن شاذان يرويه عن النبي (صلوات اللّه عليه) انّه قال:

انّ ليلة عرفة يستجاب فيها ما دعا من خير، و للعامل فيها بطاعة اللّه تعالى أجر

____________

(1) ثواب الأعمال: 99، الفقيه 2: 87.

(2) ثواب الأعمال: 99، الفقيه 2: 87، عنه الوسائل 10: 467.

50

سبعين و مائة سنة، و هي ليلة المناجاة و فيها يتوب اللّه على من تاب- و الحديث مختصر.

فصل (12) فيما نذكره من دعاء في ليلة عرفة

وجدناه في كتب الدعوات يقول ما هذا لفظه: روي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يرفعه إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) انّه قال:

من دعا به في ليلة عرفة أو ليالي الجمع غفر اللّه له، و الدعاء:

اللّهُمَّ يا شاهِدَ كُلِّ نَجْوىٰ، وَ مَوْضِعَ كُلِّ شَكْوىٰ، وَ عالِمَ كُلِّ خَفِيَّةٍ، وَ مُنْتَهىٰ كُلِّ حاجَةٍ، يا مُبْتَدِئاً بِالنِّعَمِ عَلَى الْعِبادِ، يا كَرِيمَ، الْعَفْوِ يا حَسَنَ التَّجاوُزِ يا جَوادُ، يا مَنْ لٰا يُوارِي مِنْهُ لَيْلٌ داجٍ، وَ لٰا بَحْرٌ عَجّاجٌ،

(1)

وَ لٰا سَماءٌ ذاتُ أَبْراجٍ، وَ لٰا ظُلَمٌ ذاتُ ارْنِتاجٍ

(2)

، يا مَنِ الظُّلْمَةُ عِنْدَهُ ضِياءٌ.

أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الْكَرِيمِ الَّذِي تَجَلَّيْتَ بِهِ لِلْجَبَلِ، فَجَعَلْتَهُ دَكّاً

(3)

، وَ خَرَّ مُوسىٰ صَعِقاً، وَ بِاسْمِكَ الَّذِي رَفَعْتَ بِهِ السَّماواتِ بِلا عَمْدٍ، وَ سَطَحْتَ بِهِ الارْضَ عَلَى وَجْهِ ماءٍ جَمَدَ.

وَ بِاسْمِكَ الْمَخْزُونِ الْمَكْنُونِ الْمَكْتُوبِ الطَّاهِرِ، الَّذِي إِذا دُعِيتَ بِهِ اجَبْتَ، وَ إِذا سُئِلْتَ بِهِ اعْطَيْتَ، وَ بِاسْمِكَ الْقُدُّوسِ الْبُرْهانِ، الَّذِي هُوَ نُورٌ عَلىٰ كُلِّ نُورٍ، وَ نُورٌ مِنْ نُورٍ يُضِيءُ مِنْهُ كُلُّ نُورٍ، إِذا بَلَغَ الارْضُ انْشَقَّتْ، وَ إِذا بَلَغَ السَّماواتُ فُتِحَتْ، وَ إِذا بَلَغَ الْعَرْشُ اهْتَزَّ.

وَ بِاسْمِكَ الَّذِي تَرْتَعِدُ مِنْهُ فَرٰائِصُ مَلائِكَتِكَ، وَ اسْأَلُكَ بِحَقِّ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكائِيلَ وَ إِسْرافِيلَ، وَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفىٰ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَ عَلىٰ جَمِيعِ الْأَنْبِياءِ وَ جَمِيعِ الْمَلٰائِكَةِ.

____________

(1) عجّ الريح: اشتدّت فأثارت الغبار.

(2) ارتجّ الكلام: التبس.

(3) دكّ الحائط: هدمه حتى سواه بالأرض.

51

وَ بِالاسْمِ الَّذِي مَشىٰ بِهِ الْخِضْرُ عَلىٰ قُلَلِ

(1)

الْماءِ كَما مَشىٰ بِهِ عَلىٰ جُدَدِ الارْضِ، وَ بِاسْمِكَ الَّذِي فَلَقْتَ بِهِ الْبَحْرَ لِمُوسىٰ، وَ اغْرَقْتَ فِرْعَوْنَ وَ قَوْمَهُ، وَ انْجَيْتَ بِهِ مُوسىٰ بْنَ عِمْرانَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الايْمَنِ، فَاسْتَجَبْتَ لَهُ وَ الْقَيْتَ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنْكَ.

وَ بِاسْمِكَ الَّذِي بِهِ أَحْيى عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ الْمَوْتىٰ، وَ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً، وَ أَبْرَئَ الاكْمَهَ وَ الابْرَصَ بِاذْنِكَ، وَ بِاسْمِكَ الَّذِي دَعاكَ بِهِ حَمَلَةُ عَرْشِكَ وَ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكائِيلُ وَ إِسْرافِيلُ وَ حَبِيبُكَ مُحَمَّدٌ (صلى اللّه عليه و آله) وَ مَلائِكَتُكَ الْمُقَرَّبُونَ وَ أَنْبِياؤُكَ الْمُرْسَلُونَ وَ عِبادُكَ الصَّالِحُونَ مِنْ اهْلِ السَّماواتِ وَ الأَرَضِينَ.

وَ بِاسْمِكَ الَّذِي دَعاكَ بِهِ ذُو النُّونِ، اذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ انْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَنادى فِي الظُّلُماتِ انْ لٰا إِلٰهَ إِلَّا انْتَ، سُبْحانَكَ انِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ، وَ نَجَّيْتَهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ.

وَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الَّذِي دَعاكَ بِهِ داوُودُ، وَ خَرَّ لَكَ ساجِداً فَغَفَرْتَ لَهُ ذَنْبَهُ، وَ بِاسْمِكَ الَّذِي دَعَتْكَ بِهِ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، اذْ قالَتْ

«رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ»، (2)

فَاسْتَجَبْتَ لَها دُعاءَها.

وَ بِاسْمِكَ الَّذِي دَعاكَ بِهِ أَيُّوبُ إِذْ حَلَّ بِهِ الْبَلٰاءُ، فَعٰافَيْتَهُ وَ أتَيْتَهُ اهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، رَحْمَةً مِنْكَ وَ ذِكْرىٰ لِلْعابِدِينَ، وَ بِاسْمِكَ الَّذِي دَعاكَ بِهِ يَعْقُوبُ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ بَصَرَهُ وَ قُرَّةَ عَيْنِهِ يُوسُفَ وَ جَمَعْتَ شَمْلَهُ، وَ بِاسْمِكَ الَّذِي دَعاكَ بِهِ سُلَيْمانُ فَوَهَبْتَ لَهُ مُلْكاً لٰا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ انَّكَ انْتَ الْوَهَّابُ.

وَ بِاسْمِكَ الَّذِي سَخَّرْتَ بِهِ الْبُراقَ لِمُحَمَّدٍ (صلى اللّه عليه و آله)، اذْ قالَ تَعالىٰ

«سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (3)

، وَ قَوْلُهُ:

____________

(1) القلة: أعلى الرأس و الجبل و كل شيء.

(2) التحريم: 11.

(3) الإسراء: 1.

52

«سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنّٰا إِلىٰ رَبِّنٰا لَمُنْقَلِبُونَ» (1)

.

وَ بِاسْمِكَ الَّذِي تَنَزَّلَ بِهِ جَبْرَئِيلُ عَلىٰ مُحَمَّدٍ (صلى اللّه عليه و آله)، وَ بِاسْمِكَ الَّذِي دَعاكَ بِهِ آدَمُ فَغَفَرْتَ لَهُ ذَنْبَهُ وَ اسْكَنْتَهُ جَنَّتَكَ، وَ اسْأَلُكَ بِحَقِّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَ بِحَقِّ إِبْراهِيمَ، وَ بِحَقِّ فَصْلِكَ يَوْمَ الْقَضاءِ، وَ بِحَقِّ الْمَوازِينِ إِذا نُصِبَتْ، وَ الصُّحُفِ إِذا نُشِرَتْ، وَ بِحَقِّ الْقَلَمِ وَ ما جَرىٰ وَ اللَّوْحِ وَ ما أَحْصى، وَ بِحَقِّ الاسْمِ الَّذِي كَتَبْتَهُ عَلىٰ سُرادِقِ الْعَرْشِ قَبْلَ خَلْقِكَ الْخَلْقَ وَ الدُّنْيا وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ بِأَلْفَيْ عامٍ.

وَ اشْهَدُ انْ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ وَحْدَهُ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ انَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ اسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَخْزُونِ فِي خَزائِنِكَ الَّذِي اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ احَدٌ مِنْ خَلْقِكَ، لٰا مَلِكٌ مُقَرَّبٌ وَ لٰا نَبِيٌّ مُرْسَلُ، وَ لٰا عَبْدٌ مُصْطَفىٰ.

وَ اسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي شَقَقْتَ بِهِ الْبِحارَ، وَ قامَتْ بِهِ الْجِبَالُ، وَ اخْتَلَفَ بِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ، وَ بِحَقِّ السَّبْعِ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَ بِحَقِّ الْكِرامِ الْكاتِبِينَ، وَ بِحَقِّ طٰه وَ يٰس وَ كَهٰيٰعص وَ حٰمعسق، وَ بِحَقِّ تَوْراةِ مُوسىٰ وَ انْجِيلِ عِيسىٰ وَ زَبُورِ داوُودَ وَ فُرْقٰانِ مُحَمَّدٍ (صلى اللّه عليه و آله) وَ عَلىٰ جَمِيعِ الرُّسُلِ، وَ باهِيّا شَراهِيّاً.

اللّهُمَّ انِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ تِلْكَ الْمُناجاةِ الَّتِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَ مُوسىٰ بْنِ عِمْرانَ فَوْقَ جَبَلِ طُورِ سَيْناءَ، وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي عَلَّمْتَهُ مَلَكَ الْمَوْتِ لِقَبْضِ الأَرْواحِ، وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي كُتِبَ عَلىٰ وَرَقِ الزَّيْتُونِ فَخَضَعَتِ النيرانُ لِتِلْكَ الْوَرَقَةِ، فَقُلْتَ

«يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلٰاماً» (2)

.

وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي كَتَبْتَهُ عَلىٰ سُرادِقِ الْمَجْدِ وَ الْكَرامَةِ، يا مَنْ

____________

(1) الزخرف: 13.

(2) الأنبياء: 69.

53

لٰا يُحْفِيهِ

(1)

سائِلٌ وَ لٰا يَنْقُصُهُ نائِلٌ، يا مَنْ بِهِ يُسْتَغاثُ وَ إِلَيْهِ يُلْجَأُ، أَسْأَلُكَ بِمَعاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ وَ مُنْتَهىَ الرَّحْمَةِ مِنْ كِتابِكَ وَ بِاسْمِكَ الاعْظَمِ وَ جَدِّكَ الأَعْلى وَ كَلِماتِكَ التَّامَّاتِ الْعُلىٰ.

اللَّهُمَّ رَبَّ الرِّياحِ وَ ما ذَرَتْ، وَ السَّماءِ وَ ما اظَلَّتْ وَ الارْضِ وَ ما اقَلَّتْ، وَ الشَّياطِينِ وَ ما اضَلَّتْ وَ الْبِحارِ وَ ما جَرَتْ، وَ بِحَقِّ كُلِّ حَقٍّ هُوَ عَلَيْكَ حَقٌّ، وَ بِحَقِّ الْمَلٰائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَ الرَّوْحانِيِّينَ وَ الْكَروبِيِّينَ وَ الْمُسَبِّحِينَ لَكَ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ لٰا يَفْتُرُونَ

(2)

، وَ بِحَقِّ إِبْراهِيمَ خَلِيلِكَ، وَ بِحَقِّ كُلِّ وَلِيٍّ يُنادِيكَ بَيْنَ الصَّفا وَ الْمَرْوَةِ، وَ تَسْتَجِيبُ لَهُ دُعاءَهُ يا مُجِيبُ.

أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هٰذِهِ الأَسْماءِ، وَ بِهٰذِهِ الدَّعَواتِ، انْ تَغْفِرَ لَنا ما قَدَّمْنا وَ ما أَخَّرْنا، وَ ما أَسْرَرْنا وَ ما اعْلَنَّا، وَ ما أَبْدينا وَ ما أَخْفَيْنا، وَ ما انْتَ اعْلَمُ بِهِ مِنَّا، انَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، بِرَحْمَتِكَ يا ارْحَمَ الرّاحِمِينَ.

يا حافِظَ كُلِّ غَرِيبٍ، يا مُونِسَ كُلِّ وَحِيدٍ، يا قُوَّةَ كُلِّ ضَعِيفٍ، يا ناصِرَ كُلِّ مَظْلُومٍ، يا رازِقَ كُلِّ مَحْرُومٍ، يا مُونِسَ كُلِّ مُسْتَوْحِشٍ، يا صاحِبَ كُلِّ مُسافِرٍ، يا عِمادَ كُلِّ حاضِرٍ، يا غافِرَ كُلِّ ذَنْبٍ وَ خَطِيئَةٍ، يا غِياثَ الْمُسْتَغِيثِينَ، يا صَرِيخَ الْمُسْتَصْرِخِينَ، يا كاشِفَ كَرْبِ الْمَكْرُوبِينَ.

يا فارِجَ هَمِّ الْمَهْمُومِينَ، يا بدِيعَ السَّماواتِ وَ الأَرضِينَ، يا مُنْتَهىٰ غايَةِ الطَّالِبِينَ، يا مُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ، يا ارْحَمَ الرَّاحِمِينَ، يا رَبَّ الْعالَمِينَ، يا دَيَّانَ يَوْمِ الدِّينِ، يا اجْوَدَ الاجْوَدِينَ، يا اكْرَمَ الاكْرَمِينَ، يا اسْمَعَ السَّامِعِينَ، يا أَبْصَرَ النَّاظِرِينَ، يا اقْدَرَ الْقادِرِينَ.

اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ، وَ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُورِثُ النَّدَمَ، وَ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُورِثُ السَّقَمَ، وَ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، وَ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَرُدُّ الدُّعاءَ.

____________

(1) أحفاه: ألحّ عليه، حفى عنه: أكثر السؤال عن حاله.

(2) فتر عن العمل: قصّر فيه.

54

وَ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَحْبِسُ قَطْرَ السَّماءِ، وَ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُعَجِّلُ الْفَناءَ، وَ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَجْلِبُ الشِّقاءَ، وَ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَظْلِمُ الْهَواءَ، وَ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَكْشِفُ الْغِطاءَ، وَ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي لٰا يَغْفِرُها غَيْرُكَ يا اللّٰهُ.

وَ احْمِلْ عَنِّي كُلَّ تَبِعَةٍ لأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، وَ اجْعَلْ لِي مِنْ امْرِي فَرَجاً وَ مَخْرَجاً وَ يُسْراً، وَ انْزِلْ يَقِينَكَ فِي صَدْرِي وَ رَجاءَكَ فِي قَلْبِي، حَتّىٰ لٰا ارْجُوَ غَيْرَكَ.

اللّهُمَّ احْفَظْنِي وَ عافِنِي فِي مَقامِي، وَ اصْحِبْنِي فِي لَيْلِي وَ نَهارِي، وَ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَ خَلْفِي، وَ عَنْ يَمِينِي وَ عَنْ شِمالِي، وَ مِنْ فَوْقِي وَ مِنْ تَحْتِي، وَ يَسِّرْ لِيَ السَّبِيلَ وَ احْسِنْ لِيَ التَّيْسِيرَ، وَ لٰا تَخْذُلْنِي فِي الْعَسِير.

وَ اهْدِنِي يا خَيْرَ دَلِيلٍ، وَ لٰا تَكِلْنِي الىٰ نَفْسِي فِي الأُمُورِ وَ لَقِّنِي كُلَّ سُرُرٍ، وَ اقْلِبْنِي الىٰ اهْلِي بِالْفَلٰاحِ وَ النَّجاحِ مَحْبُوراً

(1)

فِي الْعاجِلِ وَ الْآجِلِ، إِنَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَ ارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَ اوْسِعْ عَلَيَّ مِنْ طَيِّباتِ رِزْقِكَ، وَ اسْتَعْمِلْنِي فِي طاعَتِكَ، وَ اجِرْنِي مِنْ عَذابِكَ وَ نارِكَ، وَ اقْلِبْنِي إِذا تَوَفَّيْتَنِي الىٰ جَنَّتِكَ بِرَحْمَتِكَ.

اللّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوالِ نِعْمَتِكَ وَ مِنْ تَحْوِيلِ عافِيَتِكَ، وَ مِنْ حُلُولِ نِقْمَتِكَ، وَ مِنْ نُزُولِ بَلائِكَ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلٰاءِ وَ دَرَكِ الشِّقاءِ وَ مِنْ سُوءِ الْقَضاءِ، وَ شَماتَةِ الأَعْداءِ، وَ مِنْ شَرِّ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، وَ مِنْ شَرِّ ما فِي الْكِتابِ الْمُنْزَلِ.

اللَّهُمَّ لٰا تَجْعَلْنِي مِنَ الأَشْرارِ، وَ لٰا مِنْ أَصْحابِ النَّارِ، وَ لٰا تَحْرِمْنِي صُحْبَةَ الأَخْيارِ، وَ احْيِنِي حَياةً طَيِّبَةً، وَ تَوَفَّنِي وَفاةً طَيِّبَةً تُلْحِقُنِي بِالأبْرارِ، وَ ارْزُقْنِي

____________

(1) حبر: سرّ، الحبرة: السرور.

55

مُرافَقَةَ الأَنْبِياءِ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلىٰ حُسْنِ بَلائِكَ وَ صُنْعِكَ، وَ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى الإِسْلامِ وَ السُّنَّةِ، يا رَبِّ كَما هَدَيْتَهُمْ لِدِينِكَ وَ عَلَّمْتَهُمْ كِتابَكَ فَاهْدِنا وَ عَلِّمْنا، وَ لَكَ الْحَمْدُ عَلىٰ حُسْنِ بَلائِكَ وَ صُنْعِكَ عِنْدِي خاصَّةً، كَما خَلَقْتَنِي فَاحْسَنْتَ خَلْقِي، وَ عَلَّمْتَنِي فَاحْسَنْتَ تَعْلِيمِي، وَ هَدَيْتَنِي فَاحْسَنْتَ هِدايَتِي، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلىٰ إِنْعامِكَ عَلَيَّ قَدِيماً وَ حَدِيثاً.

فَكَمْ مِنْ كَرْبٍ يا سَيِّدِي قَدْ فَرَّجْتَهُ، وَ كَمْ مِنْ غَمٍّ يا سَيِّدِي قَدْ نَفَّسْتَهُ، وَ كَمْ مِنْ هَمٍّ يا سَيِّدِي قَدْ كَشَفْتَهُ، وَ كَمْ مِنْ بَلاءٍ يا سَيِّدِي قَدْ صَرَفْتَهُ، وَ كَمْ مِنْ عَيْبٍ يا سَيِّدِي قَدْ سَتَرْتَهُ.

فَلَكَ الْحَمْدُ عَلىٰ كُلِّ حالٍ، فِي كُلِّ مَثْوىٰ وَ زَمانٍ، وَ مُنْقَلَبٍ وَ مُقامٍ، وَ عَلىٰ هٰذِهِ الْحالِ وَ كُلِّ حالٍ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ افْضَلِ عِبادِكَ نَصِيباً فِي هٰذا الْيَوْمِ

(1)

، مِنْ خَيْرٍ تَقْسِمُهُ، اوْ ضُرٍّ تَكْشِفُهُ، اوْ سُوءٍ تَصْرِفُهُ، اوْ بَلاءٍ تَدْفَعُهُ، اوْ خَيْرٍ تَسُوقُهُ، اوْ رَحْمَةٍ تَنْشُرُها، اوْ عافِيَةٍ تُلْبِسُها، فَإِنَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَ بِيَدِكَ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الارْضِ.

وَ انْتَ الْواحِدُ الْكَرِيمُ، الْمُعْطِي الَّذِي لٰا يَرُدُّ سائِلَهُ، وَ لٰا يُخَيِّبُ آمِلَهُ، وَ لٰا يَنْقُصُ نائِلَهُ، وَ لٰا يَنْفَدُ ما عِنْدَهُ، بَلْ يَزْدادُ كَثْرَةً وَ طِيباً وَ عَطاءً وَ جُوداً، وَ ارْزُقْنِي مِنْ خَزائِنِكَ الَّتِي لٰا تَفْنىٰ وَ مِنْ رَحْمَتِكَ الْواسِعَةِ، إِنَّ عَطاءَكَ لَمْ يَكُنْ مَحْظُوراً، وَ انْتَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، بِرَحْمَتِكَ يا ارْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

و من عمل ليلة عرفة ما

ذكره حسن بن أشناس (رحمه اللّه) في كتابه فقال: حدّثنا أبو الفتح البراج إملاء، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه الحسين بن إسماعيل القاضي، قال:

حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدّثنا مسلم الأزدي، قال: حدّثنا عروة بن قيس

____________

(1) في هذه الليلة- ظ.

56

اليحمدي (1)، قال: حدثني أمّ الفيض مولاة عبد الملك بن مروان، قالت:

سمعت عبد اللّه بن مسعود يقول:

ما من عبد و لا أمة دعا ليلة عرفة بهذا الدعاء، و هي عشر كلم، ألف مرّة، لم يسأل اللّه عزّ و جلّ شيئا إلّا أعطاه، الّا قطيعة رحم أو اثم:

سُبْحانَ مَنْ فِي السَّماءِ عَرْشُهُ، سُبْحانَ الَّذِي فِي الارْضِ سَطْوَتُهُ، سُبْحانَ الَّذِي فِي الْبَحْرِ سَبِيلُهُ، سُبْحانَ الَّذِي فِي النَّارِ سُلْطانُهُ، سُبْحانَ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ رَحْمَتُهُ.

سُبْحانَ الَّذِي فِي الْقُبُورِ قَضاؤُهُ، سُبْحانَ الَّذِي فِي الْهَواءِ امْرُهُ، سُبْحانَ الَّذِي رَفَعَ السَّماءِ، سُبْحانَ الَّذِي وَضَعَ الارْضَ، سُبْحانَ مَنْ لٰا مَنْجَا مِنْهُ الَّا إِلَيْهِ.

قالت أمّ الفيض: قلت لابن مسعود: عن النبي (عليه السلام)؟ قال: نعم.

فصل (13) فيما نذكره من فضل زيارة الحسين (عليه السلام) ليلة عرفة

روينا ذلك عن مولانا الباقر (صلوات اللّه عليه) انّه قال:

من زار الحسين- أو قال:

من زار ليلة عرفة- ارض كربلاء و أقام بها حتى يعيد ثم ينصرف، وقاه اللّه شر سنته.

و

روى ذلك جدّي أبو جعفر الطوسي في المصباح عن ابن ميثم، عن الباقر (صلوات اللّه عليه) (2).

فصل (14) فيما نذكره من فضل يوم عرفة على سبيل الجملة

اعلم ان يوم عرفة من أفضل أيّام أعياد العباد، و ان لم يظهر اسمه بأنّه يوم عيد، فقد

____________

(1) النجدي (خ ل).

(2) المصباح: 716، عنه البحار 101: 91، أورده ابن قولويه في كامل الزيارات: 269 بإسناده عن ابن ميثم التمار، عنه البحار 101: 90.