الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد

- الشيخ الطوسي المزيد...
316 /
3

[مقدمة]:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه على سوابغ نعمه، و تتابع مننه، و ترادف أنعامه، و توالي إفضاله. و له الشكر على جزيل فواضله، و كريم مواهبه.

و صلى اللّه على سيد أنبيائه و خاتم أصفيائه محمد النبي المنتجب من أشرف العناصر و أكرم المناصب، و على آله الطيبين الأئمة الراشدين، النجوم الزاهرة و الغرر الباهرة، و سلم تسليما.

و بعد:

فاني ممتثل ما رسمه الشيخ الأجل، أطال اللّه بقاءه، و عضد كافة أوليائه بطول أيامه و امتداد زمانه، و جعل ما خوله من محبة العلم و أهله و إيثار الدين و صرف الهمة اليه، و حبب اليه ما يكسبه الجمال عاجلا و يثمر الخلاص آجلا.

من إملاء مختصر يشتمل على بيان ما يجب اعتقاده و معرفته، و يلزم العمل به و المصير اليه، مما لا يخلو منه مكلف في حال من الأحوال، و أن أقرب ذلك

4

بأدلة واضحة و براهين نيرة، لا أطول القول فيها فيمله و لا أقصر على الإتيان على الغرض فيحصر دونه.

و أتبع ذلك بما يجب العمل به من العبادات على وجه الاختصار مما لا يستغنى عنه، فان الكتب المعمولة في الأصول و الفروع كثيرة، غير أنها مبسوطة جدا أو مختصرة لا تأتي على الغرض.

و أنا ممتثل ما رسمه و مجيب الى ما دعا اليه.

و من اللّه الكريم أستمد المعونة، و إياه اسأل التوفيق لإتمامه.

و قد رتبته على فصول

5

فصل (فيما يلزم المكلف)

الذي يلزم المكلف أمران: علم، و عمل. فالعمل تابع للعلم و مبني عليه.

و الذي يلزم العلم به أمران: التوحيد، و العدل.

فالعلم بالتوحيد لا يتكامل إلا بمعرفة خمسة أشياء: أحدها معرفة ما يتوصل به الى معرفة اللّه تعالى، و الثاني معرفة اللّه على جميع صفاته، و الثالث معرفة كيفية استحقاقه لتلك الصفات، الرابع معرفة ما يجوز عليه و ما لا يجوز، الخامس معرفته بأنه واحد لا ثاني له في القدم.

و العدل لا يتم العلم به الا بعد العلم بأن أفعاله كلها حكمة و صواب، و أنه ليس في أفعاله قبيح و لا إخلال بواجب. و يتفرع من ذلك وجوب معرفة خمس أشياء: أحدها معرفة حسن التكليف و بيان شروطه و ما يتعلق به، و الثاني معرفة النبوة و بيان شروطها، و الثالث معرفة الوعد و الوعيد و ما يتعلق بهما،

6

و الرابع معرفة الإمامة و شروطها، و الخامس معرفة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

فأنا إن شاء اللّه أبين فصلا فصلا من ذلك على أخصر ما يمكن و أوجزه، و أردف ذلك بما يجب العمل به من الشرعيات على هذا المنهاج إن شاء اللّه.

و من جهته التوفيق و التسديد.

7

القسم الأول الأصول الاعتقادية

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

فصل (في ذكر بيان ما يتوصل به الى ما ذكرناه)

لا طريق إلى معرفة هذه الأصول التي ذكرناها الا بالنظر في طرقها، و لا يمكن الوصول الى معرفتها من دون النظر.

و انما قلنا ذلك لان الطريق إلى معرفة الأشياء أربعة لا خامس لها:

(أولها) أن يعلم الشيء ضرورة لكونه مركوزا في العقول، كالعلم بأن الاثنين أكثر من واحد، و أن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة، و ان الجسمين لا يكونان في مكان واحد في حالة واحدة، و الشيء لا يخلو من أن يكون ثابتا أو منفيا، و غير ذلك مما هو مركوز في العقول.

(و الثاني) أن يعلم من جهة الإدراك إذا أدرك و ارتفع اللبس، كالعلم بالمشاهدات و المدركات بسائر الحواس (1).

(و الثالث) أن يعلم بالأخبار، كالعلم بالبلدان و الوقائع و أخبار الملوك و غير ذلك.

____________

(1) في ر «و الذي كان لسائر الحواس».

10

(و الرابع) أن يعلم بالنظر و الاستدلال.

و العلم باللّه تعالى ليس بحاصل من الوجه الأول، لأن ما يعلم ضرورة لا يختلف العقلاء فيه بل يتفقون عليه، و لذلك لا يختلفون في أن الواحد لا يكون أكثر من اثنين و ان الشبر لا يطابق الذراع. و العلم باللّه فيه خلاف بين العقلاء فكيف يجوز أن يكون ضروريا.

و ليس الإدراك أيضا طريق الى العلم بمعرفة اللّه تعالى، لأنه تعالى ليس بمدرك بشيء من الحواس على ما سنبينه فيما بعد، و لو كان مدركا محسوسا لأدركناه مع صحة حواسنا و ارتفاع الموانع المعقولة.

و الخبر أيضا لا يمكن أن يكون طريقا الى معرفته، لان الخبر الذي يوجب العلم هو ما كان مستندا الى مشاهدة و ادراك، كالبلدان و الوقائع و غير ذلك، و قد بينا أنه ليس بمدرك، و الخبر الذي لا يستند إلى الإدراك لا يوجب العلم. ألا ترى أن جميع المسلمين يخبرون من خالفهم بصدق محمد (صلى اللّه عليه و آله) فلا يحصل لمخالفيهم العلم به لان ذلك طريقه الدليل، و كذلك جميع الموحدين يخبرون الملحدة بحدوث العالم فلا يحصل لهم العلم به لان ذلك طريقه الدليل.

فاذا بطل أن يكون طريق معرفته الضرورة أو المشاهدة أو الخبر، لم يبق الا أن يكون طريقه النظر.

فان قيل: أين أنتم عن تقليد [الإباء و] (1) المتقدمين؟

قلنا: التقليد ان أريد به قبول قول الغير من غير حجة- و هو حقيقة التقليد- فذلك قبيح في العقول، لان فيه اقداما على ما لا يأمن كون ما يعتقده عند التقليد جهلا لتعريه من الدليل، و الاقدام على ذلك قبيح في العقول. و لأنه ليس في العقول تقليد الموحد أولى من تقليد الملحد إذا رفعنا النظر و البحث عن أوهامنا

____________

(1) الزيادة من ر.

11

و لا يجوز أن يتساوى الحق و الباطل.

فان قيل: نقلد المحق دون المبطل.

قلنا: العلم بكونه محقا لا يمكن حصوله الا بالنظر، لأنا ان علمناه بتقليد آخر أدى الى التسلسل، و ان علمناه بدليل فالدليل الدال على وجوب القبول منه يخرجه من باب التقليد، و لذلك لم يكن أحدنا مقلدا للنبي أو المعصوم فيما نقبله منه، لقيام الدليل على صحة ما يقوله.

و ليس يمكن أن يقال: نقلد الأكثر و نرجع إليهم. و ذلك لان الأكثر قد يكونون على ضلال، بل ذلك هو المعتاد المعروف. أ لا ترى أن الفرق المبطلة بالإضافة إلى الفرق المحقة جزء من كل و قليل من كثير.

و لا يمكن أن يعتبر أيضا بالزهد و الورع، لان مثل ذلك يتفق في المبطلين فلذلك ترى رهبان النصارى على غاية العبادة و رفض الدنيا مع أنهم على باطل فعلم بذلك أجمع فساد التقليد.

فان قيل: هذا القول يؤدي الى تضليل أكثر الخلق و تكفيرهم، لأن أكثر من تعنون من العقلاء لا يعرفون ما يقولونه من الفقهاء و الأدباء و الرؤساء و التجار و جمهور العوام و لا يهتدون الى ما يقولونه، و انما يختص بذلك طائفة يسيرة من المتكلمين، و جميع من خالفهم يبدعهم في ذلك، و يؤدي الى تكفير الصحابة و التابعين [و أهل الأمصار، لأنه معلوم أن أحدا من الصحابة و التابعين] (1) لم يتكلم فيما تكلم فيه المتكلمون و لا سمع منه حرف واحد و لا نقل عنهم شيء منه، فكيف يقال بمذهب يؤدي الى تكفير أكثر الأمة و تضليلها، و هذا باب ينبغي أن يزهد فيه و يرغب عنه.

قيل: هذا غلط فاحش و ظن بعيد، و سوء ظن بمن أوجب النظر المؤدي

____________

(1) الزيادة ليست في ر.

12

إلى معرفة اللّه، و لسنا نريد بالنظر المناظرة و المحاجة و المخاصمة و المحاورة التي يتداولها المتكلمون و يجري بينهم، فان جميع ذلك صناعة فيها فضيلة و ان لم تكن واجبة، و انما أوجبنا النظر الذي هو الفكر في الأدلة الموصلة الى توحيد اللّه تعالى و عدله و معرفة نبيه و صحة ما جاء به، و كيف يكون ذلك منهيا عنه أو غير واجب و النبي (عليه السلام) لم يوجب القبول منه على أحد إلا بعد إظهار الأعلام و المعجزة من القرآن و غيره، و لم يقل لأحد أنه يجب عليك القبول من غير آية و لا دلالة.

و كذلك تضمن القرآن من أوله الى آخره التنبيه على الأدلة و وجوب النظر (1).

قال اللّه تعالى أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ مِنْ شَيْءٍ (2).

و قال أَ فَلٰا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَ إِلَى السَّمٰاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ.

وَ إِلَى الْجِبٰالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (3).

و قال وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلٰا تُبْصِرُونَ (4).

و قال قُتِلَ الْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ (5) الاية.

و قال:

____________

(1) في نسخة ج «النظم».

(2) سورة الأعراف: 185.

(3) سورة الغاشية: 17- 20.

(4) سورة الذاريات: 21.

(5) سورة عبس: 17- 19.

13

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ إلى قوله إِنَّكَ لٰا تُخْلِفُ الْمِيعٰادَ (1).

و قال فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسٰانُ إِلىٰ طَعٰامِهِ. أَنّٰا صَبَبْنَا الْمٰاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا الى قوله مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعٰامِكُمْ (2).

و قال وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنٰاهُ نُطْفَةً فِي قَرٰارٍ مَكِينٍ الى قوله فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ (3).

و قال إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (4) و لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) و لِأُولِي الْأَلْبٰابِ (6) و لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ (7) يعني عقل.

و غير ذلك من الآيات التي تعدادها يطول.

و كيف يحثّ تعالى على النظر و ينبه على الأدلة و ينصبها و يدعو الى النظر فيها، و مع ذلك يحرمها. ان هذا لا يتصوره الا غبي جاهل.

فأما من أومى إليه من الصحابة و التابعين و أهل الأعصار من الفقهاء و الفضلاء و التجار و العوام، فأول ما فيه أنه غير مسلم، بل كلام الصحابة و التابعين مملو من ذلك، و هو شائع ذائع في خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) في الاستدلال على الصانع و الحث على النظر و الفكر في إثبات اللّه تعالى معروف مشهور، و كذلك كلام الأئمة (عليهم السلام) من أولاده، و علماء المتكلمين في كل عصر معروفون مشهورون.

____________

(1) سورة آل عمران: 190- 194.

(2) سورة عبس: 24- 32.

(3) سورة المؤمنون: 12- 14.

(4) سورة الرعد: 3.

(5) سورة الرعد: 4.

(6) سورة الزمر: 21.

(7) سورة ق: 37.

14

و كيف يجحد ذلك و ينكر وجوده، و روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال «أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه» و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته المعروفة «أول عبادة اللّه معرفته، و أصل معرفته توحيده، و نظام توحيده نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن من حلته الصفات فهو مخلوق، و شهادتها أنه خالق ليس بمخلوق» ثم قال «بصنع اللّه يستدل عليه، و بالعقول يعتقد معرفته، و بالنظر يثبت حجته، معلوم بالدلالات، مشهور بالبينات» (1) الى آخر الخطبة.

و خطبة في هذا المعنى أكثر من أن تحصى.

و قال الحسن (الحسين خ ل) (عليه السلام): «و اللّه ما يعبد اللّه الا من عرفه فأما من لم يعرفه فإنما يعبده هكذا ضلالا» و أشار بيده.

و قال الصادق (عليه السلام): «وجدت علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربك، و الثاني أن تعرف ما صنع بك، و الثالث أن تعرف ما أراد منك، و الرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك» (2).

ثم انه يلزم مثل ذلك الفقهاء، فانا نعلم ما فرعه الفقهاء (3) من المسائل و دونوه في كتبهم و دارت بينهم من العلل و الأقيسة لم يخطر لأحد من الصحابة و التابعين ببال و لا نقل شيء منه عن واحد منهم. فينبغي أن يكون ذلك كله باطلا، أو يقولوا ان الصحابة لم يكونوا عالمين عارفين بالشرع، فأي شيء أجابوا عن ذلك في الفروع فهو جوابنا في الأصول بعينه، و هو أن يقال انهم كانوا عالمين بأصول الشريعة فلما حدثت حوادث في الشرع لم يكن استخرجوا أدلتها من الأصول قلنا مثل ذلك فإنهم كانوا عارفين بالأصول من التوحيد و العدل مجملا، فلما

____________

(1) تحف العقول ص 43 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(2) الخصال ص 239.

(3) في ر «ما ودعه الفقهاء».

15

حدثت شبهات لم تسبقهم استخرجوا أجوبتها من الأصول.

و لو سلمنا أنهم كانوا غير عارفين بما يعرفه المتكلمون لم يدل على ما قالوه لأنه لا يجوز أن يكونوا عالمين باللّه تعالى على وجه الجملة و خرجوا بذلك عن حد التقليد و تشاغلوا بالعبادة أو الفقه أو التجارة، و لم ينقدح لهم فيما اعتقدوه شك و لا خطرت لهم شبهة يحتاجون الى حلها، فاقتنعوا بذلك و كانوا بذلك قد أدوا ما وجب عليهم.

و المتكلمون لما أفرغوا وسعهم لعلم هذه الصناعة خطرت لهم شبهات و وردت عليهم خواطر لزمهم حل ذلك و التفتيش عنه حتى لا يعود ذلك بالنقض على ما علموه.

و كل من يجري مجراهم ممن تخطر له هذه الشبهات فإنه يلزمه حلها و لا يجوز له الاقتصار على علم الجملة، فإنه لا يسلم له ذلك مع هذه الشبهة. و من لا يخطر له ذلك لبلادته أو لعدوله عنه أو تشاغله بعبادة أو فقه أو دين، فإنه لا يلزمه التغلغل فيه و لا البحث عن الشبهات حتى يلهه و يلزمه التفتيش عنها و الأجوبة عنها.

و ان فرضنا في آحاد الناس من لم يحصل له علم الجملة و لا علم التفصيل و انما هو على تقليد محض، فإنه مخطىء ضال عن طريق الحق و ليس يتميز له ذلك.

فان قالوا: أكثر من أومأتم إليه إذا سألته عن ذلك لا يحسن الجواب عنه.

قلنا: و ذلك أيضا لا يلزم، لأنه لا يمتنع أن يكون عارفا على الجملة و ان تعذرت عليه العبارة عما يعتقده، فتعذر العبارة عما في النفس لا يدل على بطلان ذلك و لا ارتفاعه.

فان قيل: قد ذكرتم أنه يخرج الإنسان عن حد التقليد بعلم الجملة، ما

16

حد ذلك بينوه لنقف عليه؟

قلنا: أحوال الناس تختلف في ذلك: فمنهم من يكفيه الشيء اليسير، و منهم من يحتاج الى أكثر منه بحسب ذكائه و فطنته و خاطره حتى يزيد بعضهم على بعض الى أن يبلغ الى حد لا يجوز له الاقتصار على علم الجملة بل يلزمه على التفصيل لكثرة خواطره و تواتر شبهاته. و ليس يمكن حصر ذلك لشيء لا يمكن الزيادة عليه و لا النقصان عنه.

فان قيل: فعلى كل حال بينوا لذلك مثالا على وجه التقريب.

قلنا: أما على وجه التقريب فانا نقول: من فكر في نفسه فعلم أنه لم يكن موجودا ثم وجد نطفة ثم صار علقة ثم مضغة ثم عظما ثم جنينا في بطن أمه ميتا ثم صار حيا فبقي مدة ثم ولد صغيرا فتتقلب به الأحوال من صغر الى كبر و من طفولة الى رجولة و من عدم عقل الى عقل كامل ثم إلى الشيخوخة و الى الهرم ثم الموت، و غير ذلك من أحواله، علم أن هنا من يصرفه هذا التصريف و يفعل به هذا الفعل، لأنه يعجز عن فعل ذلك بنفسه، و حال غيره من أمثاله حاله من العجز عن مثل ذلك.

فعلم بذلك أنه لا بد من أن يكون هناك من هو قادر على ذلك مخالف له، لأنه لو كان مثله لكان حكمه حكمه. و يعلم أنه لا بد أن يكون عالما من حيث أن ذلك في غاية الحكمة و الاتساق، مع علمه الحاصل بأن بعض ذلك لا يصدر ممن ليس بعالم، و بهذا القدر يكون عالما باللّه تعالى على الجملة.

و هكذا إذا نظر في بذر يبذر فينبت منه أنواع الزرع و الغرس و يصعد الى منتهاه، فمنه ما يصير شجرا عظيما يخرج منه أنواع الفواكه و الملاذ، و منه ما يصير زرعا يخرج منه أنواع الأقوات، و منه ما يخرج منه أنواع المشمومات الطيبة الروائح، و منه ما يكون خشبة في غاية الطيب كالعود الرطب و غير ذلك،

17

و كالمسك الذي يخرج من بعض الظباء و العنبر الذي يخرج من البحر، فيعلم بذلك أن مصرّف ذلك و صانعه قادر عالم لتأتي ذلك و اتساقه و لعجزه و عجز أمثاله عن ذلك، فيعلم بذلك أنه مخالف لجميع أمثاله، فيكون عارفا باللّه على الجملة.

و كذلك إذا نظر الى السماء صاحية فتهب الرياح و ينشأ السحاب و يصعد و لا يزال يتكاثف و يظهر فيه الرعد و البرق و الصواعق، ثم ينزل منه من المياه و البحار العظيمة التي تجري منها الأنهار العظيمة و الأودية الوسيعة، و ربما كان فيه من البرد مثل الجبال، كل ذلك في ساعة واحدة ثم تنقشع السماء و تبدو الكواكب و تطلع الشمس أو القمر كأن ما كان لم يكن من غير تراخ و لا زمان بعيد، فيعلم ببديهة أنه لا بد أن يكون من صح ذلك منه قادرا عليه ممكّن منه (1) و أنه مخالف له و لأمثاله، فيكون عند ذلك عارفا باللّه.

و أمثال ذلك كثيرة لا نطول بذكره، فمتى عرف الإنسان هذه الجملة و فكر فيها هذا الفكر و اعتقد هذا الاعتقاد، فان مضى على ذلك و لم يشعثه خاطر و لا طرقته شبهة فهو ناج متخلص.

و أكثر من أشرتم اليه يجوز أن يكون هذه صفته، و ان بحث عن ذلك و عن علل ذلك فطرقته شبهات و خطرت له خطرات و أدخل عليه قوم ملحدون ما حيره و بلبله، فحينئذ يلزمه التفتيش و لا تكفيه هذه الجملة، و يجب عليه أن يتكلف البحث و النظر، على ما سنبينه ليسلم من ذلك و يحصل له العلم على التفصيل.

و نحن نبين ذلك في الفصل الذي يلي هذا الفصل على ما وعدنا به إن شاء اللّه.

فان قيل: أصحاب الجمل على ما ذكرتم لا يمكنهم أن يعرفوا صفات اللّه تعالى و ما يجوز عليه و ما لا يجوز عليه منها على طريق الجملة، و إذا لم

____________

(1) في ج «على كل ممكن فيه».

18

يمكنهم ذلك لم يمكنهم أن يعلموا أن أفعاله كلها حكمة و لا حسن التكليف و لا النبوات و لا الشرعيات، لأن معرفة هذه الأشياء لا يمكن الا بعد معرفة اللّه تعالى على طريق التفصيل.

قلنا: يمكن معرفة جميع ذلك على وجه الجملة، لأنه إذا علم بما قدمناه من الأفعال و وجوب كونه قادرا عالما و علم أنه لا يجوز أن يكون قادرا بقدرة محدثة لأنها كانت تجب أن تكون من فعله، و قد تقرر أن المحدث لا بد له من محدث، و فاعلها يجب أن يكون قادرا أولا، فلو لا تقدم كونه قادرا قبل ذلك لما صح منه تعالى فعل القدرة، فيعلم أنه لم يكن قادرا بقدرة محدثة، و لأجله علم أنه كذلك لأمر لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فيعلم أنه يجب أن يكون قادرا على جميع الأجناس و من كل جنس على ما لا يتناهى لفقد التخصيص.

و كذلك إذا علم بالمحكم من أفعاله كونه عالما علم أن ما لأجله علم ما علمه لا اختصاص له بمعلوم [دون معلوم] (1)، إذ المخصص هو العلم المحدث و العلم لا يقع الا من عالم، فلا بد أن يتقدم كونه عالما لا بعلم محدث، و ما لأجله علم لا اختصاص له بمعلوم دون معلوم، فيعلم أنه عالم بما لا يتناهى و بكل ما يصح أن يكون معلوما لفقد الاختصاص. فيعلم أنه لا يشبه الأشياء، لأنه لو أشبهها لكان مثلها في كونها محدثة، لان المثلين لا يكون أحدهما قديما و الآخر محدثا.

و يعلم أنه غير محتاج، لأن الحاجة من صفات الأجسام، لأنها تكون الى جلب المنافع أو دفع المضار و هما من صفات الأجسام، فيعلم عند ذلك أنه غني.

و يعلم أنه لا تجوز عليه الرؤية و الإدراكات، لأنه لا يصح أن يدرك الا ما

____________

(1) الزيادة من ج.

19

يكون هو أو محله في جهة، و ذلك يقتضي كونه جسما أو حالا في جسم، و هكذا يقتضي حدوثه و قد علم أنه قديم.

و إذا علم أنه عالم بجميع المعلومات، و علم كونه غنيا، علم أن جميع أفعاله حكمة و صواب و لها وجه حسن و ان لم نعلمه مفصلا، لان القبيح لا يفعله الا من هو جاهل بقبحه أو محتاج اليه و كلاهما منتفيان عنه، فيقطع عند ذلك على حسن جميع أفعاله من خلق الخلق و التكليف و فعل الالام و خلق المؤذيات من الهوام و السباع و غير ذلك.

و يعلم أيضا عند ذلك صحة النبوات، لأن النبي إذا ادعى النبوة و ظهر على يده علم معجز يعجز عن فعله جميع المحدثين علم أنه من فعل اللّه و لولا صدقه لما فعله، لان تصديق الكذاب لا يحسن، و قد أمن ذلك بكونه عالما غنيا.

فاذا علم صدق الأنبياء بذلك علم صحة ما أتوا به من الشرعيات و العبادات، لكونهم صادقين على اللّه و أنه لا يتعبد الخلق الا بما فيه مصلحتهم.

و إذا ثبتت له هذه العلوم فتشاغل بالعبادة أو بالمعيشة و لم تخطر له شبهة و لا أورد عليه ما يقدح فيما علمه و لا فكر هو في فروع ذلك لم يلزمه أكثر من ذلك.

و متى أورد عليه شبهة فان تصورها قادحة فيما علمه يلزمه حينئذ النظر فيها حتى يحلها ليسلم له ما علمه، و ان لم يتصورها قادحة و لا اعتقد أنها تؤثر فيما علمه لم يلزمه النظر فيها و لا التشاغل بها.

و هذه أحوال أكثر العوام و أصحاب المعايش و المترفين، فإنهم ليس يكادون يلتفتون الى شبهة تورد عليهم و لا يقبلونها و لا يتصورونها قادحة فيما اعتقدوه بل ربما أعرضوا عنها و استغفروا عن سماعها و إيرادها و قالوا: لا تفسدوا علينا ما علمناه. و قد شاهدت جماعة هذه صورتهم.

20

فبان بهذه الجملة ما أشرنا إليه من أحوال أصحاب الجمل.

و نحن نبين في الفصل الذي يلي هذا ما يلزم من هو فوق هؤلاء ممن ينظر و يبحث و تطرقه الشبهات و ان لم يبالغ في استيفاء ذلك، ليكون قد ذكرنا أمر الفريقين و بينا أحوال الفئتين. و اللّه تعالى الموفق للصواب.

فصل (في ذكر بيان ما يؤدى النظر فيه الى معرفة اللّه تعالى)

لا يمكن الوصول إلى معرفة اللّه تعالى الا بالنظر في حدوث ما لا يدخل تحت مقدور المخلوقين، و هو الأجسام و الاعراض المخصوصة، كالألوان و الطعوم و الأراييح و القدرة و الحياة و الشهوة و النفار و ما جرى مجرى ذلك.

فأما ما يدخل جنسه تحت مقدور القدر (1) كالحركات و السكنات و الاعتمادات و الأصوات، فلا يمكن بالنظر فيها الوصول إلى معرفة اللّه تعالى.

و الكلام في حدوث الأجسام أظهر، لأنها معلومة ضرورة لا يحتاج فيها في العلم بوجودها الى الدليل بل انما يحتاج الى الكلام في حدوثها، ثم بيان أن لها محدثا يخالفها فيكون ذلك علما باللّه، ثم الكلام في صفته.

و لنا في الكلام في حدوث الأجسام طريقان:

أحدهما: أن ندل على أنها ليست قديمة،

فيعلم حينئذ أنها محدثة، لأنه لا واسطة بين القدم و الحدوث.

و الطريق الثاني: أن نبين أنها لم تسبق المعاني المحدثة،

فيعلم أن حكمها حكمها في الحدوث.

(و بيان الطريق الأول) هو أن الأجسام لو كانت قديمة لوجب أن تكون في

____________

(1) في ج: القدرة (المخلوقين خ ل).

21

الأزل في جهة [من جهات] (1) العالم، لان ما هي عليه من الحجم و الجثة يوجب ذلك.

ثم لا يخلو كونها في تلك الجهة اما أن تكون للنفس أو لمعنى قديم أو لمعنى محدث أو بالفاعل. فاذا بين فساد جميع ذلك علم أنها لم تكن قديمة و لا يجوز أن تكون في الأزل في جهة الفاعل، لان من شأن الفاعل أن يتقدم على فعله، و لو تقدم فاعلها عليها لكانت محدثة، لان القديم لا يمكن أن يتقدم عليه غيره، و المعنى المحدث لا يوجب صفة في الأزل.

و كونها في الجهة للنفس يوجب استحالة انتقالها، لان صفات النفس لا يجوز تغيرها و زوالها، و المعلوم ضرورة صحة انتقالها، فبطل أن يكون كذلك للنفس.

و لا يجوز أن تكون كذلك لمعنى قديم، لأنها لو كانت كذلك لوجب إذا انتقل الجسم أن يبطل ذلك المعنى، لان وجوده فيه على ما كان يوجب كونه في الجهتين، و ذلك محال.

و الانتقال لا يجوز على المعنى، لأنه من صفات الجسم.

فقد بطل جميع الأقسام، و في بطلان جميعها بطلان كونها قديمة و ثبوت كونها محدثة، لأنه لا واسطة بين الأمرين على ما بيناه.

(و بيان الطريقة الثانية) أن نبين أربعة فصول: أحدها أن في الأجسام معان غيرها، و الثاني أن نبين أن تلك المعاني محدثة، و الثالث أن نبين أن الجسم لم يسبقها في الوجود، و الرابع أن ما لم يسبق المحدث يجب أن يكون محدثا.

و الذي يدل على الفصل الأول: انا نعلم أن الجسم يكون على صفات من

____________

(1) الزيادة من ج.

22

اجتماع و حركة فتتغير الى أن يصير مفترقا و ساكنا، فلا بد من أمر غيره، لأنه لو لم يكن أمر لبقي على ما كان عليه.

و لا يجوز أن يكون ذلك الأمر نفس الجسم، و لا ما يرجع اليه من وجود أو حدوث أو جسمية، لان جميع ذلك يكون حاصلا مع انتقاله من جهة إلى غيرها، فكيف يكون هو المؤثر في تغير الصفات.

و لا يجوز أن يكون ذلك لعدم معنى، لان عدم معنى لا اختصاص له بجسم دون جسم و لا بجهة دون غيرها، و كان يجب أن تتغير الأجسام كلها و تنتقل إلى جهة تغيرها، و ذلك باطل.

و لا يجوز أن يكون كذلك بالفاعل، لأنه: ان أريد بذلك أنه فعل فيه معنى أوجب تغيره و انتقاله، فذلك وفاق و هو المطلوب. و ان أرادوا أن الفاعل جعله على هذه الصفات و لم يفعل معنى فذلك باطل، لان من شأن ما يتعلق بالفاعل من غير توسط معنى أن يكون القادر عليه قادرا على احداث تلك الذات.

ألا ترى أن من قدر على احداث كلامه قدر على أن يجعله على جميع أوصافه من أمر و نهي و خبر و غير ذلك، و كلام الغير لما لم يكن قادرا على احداثه لم يكن قادرا على جعله أمرا و نهيا و خبرا. و الواحد منا يقدر على أن يجعل الجسم متحركا أو ساكنا أو مجتمعا أو متفرقا و لا يقدر على احداثه، فدل ذلك على أن هذه الصفات غير متعلقة بالفاعل، فلم يبق بعد ذلك شيء يعقل الا أنه صار كذلك لمعنى.

و الذي يدل على حدوث ذلك المعنى أن المجتمع إذا فرق أو المتحرك إذا سكن لا يخلو أن يكون ذلك المعنى الذي كان فيه باقيا كما كان أو انتقل عنه أو عدم. و لا يجوز أن يكون موجودا كما كان، لان ذلك يوجب كونه مجتمعا مفترقا متحركا ساكنا، لوجود المعنيين معا فيه في حالة واحدة، و ذلك محال

23

و لا يجوز أن يكون انتقل عنه، لان الانتقال من صفات الجسم دون العرض، و لأنه لو انتقل لم يخلو اما أن يكون انتقل مع جواز ألا ينتقل أو وجب انتقاله.

و لو كان انتقاله جائزا لاحتاج الى معنى كالجسم، و ذلك يؤدي الى إثبات معان لا نهاية لها، و لو وجب انتقاله لأدى إلى وجوب انتقال الجسم، و المعلوم أن الجسم لا يجب انتقاله ان لم ينقله ناقل، فلم يبق من الأقسام الا أنه عدم.

و لو كان قديما لما جاز عدمه، لأنه قديم لنفسه، و صفات النفس لا يجوز خروج الموصوف عنها. ألا ترى أن السواد لا يجوز بياضا و لا الجوهر عرضا و لا الحركة اعتمادا و غير ذلك، لان هذه الأشياء على ما هي عليه لنفسها فلا يجوز عليها التغيير. فلما ثبت عدمها دل على أنها لم تكن قديمة، و إذا لم تكن قديمة وجب كونها محدثة.

و الذي يدل على الفصل الثالث- و هو أن الجسم لم يخل منها- هو أنه معلوم ضرورة أن الأجسام للعالم لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو مفترقة أو متحركة أو ساكنة، فثبت بذلك أنها لا تخلو من الاجتماع و الافتراق.

و من قال ان الأجسام كانت هيولى لا مجتمعة و لا مفترقة. ربما أشار بذلك إلى أنها كانت معدومة فسماها موجودة، كما يقولون موجود بالقوة و موجود في العلم، و ذلك عندنا ليس بوجود في الحقيقة. و متى أرادوا ذلك كان خلافا في العبارة لا يعتد به.

و أما الفصل الرابع فالعلم به ضرورة، لان من المعلوم ان كل ذاتين وجدا معا و لم تسبق إحداهما الأخرى، فإن حكمهما حكم واحد [في الوجود] (1) ألا ترى انا إذا فرضنا ميلاد زيد و عمرو في وقت واحد فلا يجوز مع ذلك أن يكون أحدهما أسبق من الآخر لأن ذلك متناقض، و كذلك إذا فرضنا أن الجسم

____________

(1) الزيادة من ر.

24

لم يسبق المحدث و لم يخل منه علمنا أن حكمه حكمه في الحدوث.

و قول من قال: ان فيها معان لا نهاية له (1) شيئا قبل شيء لا إلى أول. باطل لان وجود ما لا نهاية له محال، لأنه كان يصير من شروط وجود كل واحد منها أن يتقدم قبله ما لا نهاية له، فلا يصح وجود شيء منها البتة، و المعلوم خلافه.

على أن القائل بذلك قد ناقض، لأنه إذا قال انها محدثة اقتضى أن لها أولا، فإذا قال بعد ذلك لا أول لها اقتضى ذلك قدمها، و ذلك متناقض. و أيضا فإذا قال الجسم قديم أفاد ذلك وجوده في الأزل، [فإذا سلم أنه لا يخلو من معنى فقد أثبت فيه معنى في الأزل] (2)، و المعنى الموجود في الأزل يكون قديما، فيكون في ذلك رجوع عن كونها محدثة. أو يقول فيما لم يزل لم يكن فيها معنى، فيكون فيها رجوع في أن الجسم لم يخل من معنى، و ذلك فاسد. فقد بان بهذه الجملة حدوث الأجسام، ثم تدل فيما بعد على أن لها صانعا يخالفها.

و أما الطريقة الثانية فهو أن نبين أن ههنا معان كالألوان و الطعوم و القدرة و الحياة و الشهوة و النفار و كمال العقل، و نبين أن أحدا من المخلوقين لا يقدر على شيء منها، فيعلم عند ذلك أن صانعها مخالف لها.

و بيان ذلك: أن الواحد منا قد يدعوه الداعي إلى تبيض الأسود أو تسود الأبيض أو يحيى ميتا أو يقدر عاجزا أو يكمل عقل من لا عقل له، و هو قادر متصرف غير ممنوع و الدواعي متوفرة، و يبالغ في ذلك و يجتهد في تحصيله مع احتمال المحل لذلك فيتعذر و لا يتحصل لا لوجه معقول الا أنه ليس بمقدور له، فيعلم عند ذلك أن صانعها مخالف لها و مباين لنا، فيكون ذلك علما باللّه

____________

(1) كذا في النسختين و لعله «لا نهاية لها».

(2) الزيادة ليست في ر.

25

على الجملة. فإذا عرف بعد ذلك صفاته و ما يجوز عليه و ما لا يجوز حصل علمه به على طريق التفصيل.

فصل (في إثبات صانع العالم و بيان صفاته)

إذا ثبت حدوث الأجسام بما قدمنا، فالذي يدل على أن لها محدثا هو ما ثبت في الشاهد من أن الكتابة لا بد لها من كاتب و البناء لا بد له من بان و النساجة لا بد لها من ناسج و غير ذلك من الصنائع. و انما وجب ذلك فيها لحدوثها، فيجب أن تكون الأجسام إذا شاركتها في الحدوث أن تكون محتاجة إلى محدث.

فان قيل: كيف تدعون العلم بذلك و ههنا من يخالف في ذلك و يقول الكتابة لا تعلق لها بالكاتب و لا البناء بالباني و لا غير ذلك من الصنائع، و هو الأشعري و أصحابه، لأن عندهم أن هذه الصنائع لا كسب للعبد فيها و انما هي من فعل اللّه وحده.

قلنا: الأشعري لم يدفع حاجة البناء إلى بان و لا الكتابة إلى كاتب، و انما قال فاعلها هو اللّه تعالى دون العبد. و نحن لم ندع العلم بحاجة هذه الأفعال إلى فاعل معين بل ادعينا حاجتها الى صانع ما في الجملة. ثم هل هو القديم أو الواحد منا؟ موقوف على الدليل، و دليله هو أنه يجب وقوع هذه الأفعال بحسب دواعينا و أفعالنا و يجب انتفاؤها بحسب صوارفنا و كراهتنا، فلو كانت متعلقة بغيرنا لما وجب ذلك، كما لا يجب ذلك في طولنا و قصرنا و خلقنا و هيأتنا لما لم تكن متعلقة بنا، فالوجوب الذي اعتبرناه يبطل تعلقها بغيرنا.

26

فان قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك [بالعادة دون أن يكون] (1) واجبا.

قلنا: ذلك فاسد من وجهين:

أحدهما: ان ذلك يبطل الفرق بين الواجب و المعتادة، فيؤدي إلى أنه لا فرق بينهما، و ان يقول قائل انتفاء السواد بالبياض بالعادة و حاجة العلم إلى الحياة بالعادة و غير ذلك من الواجبات، فبأي شيء فرقوا بينهما فهو فرقنا بين أن يكون ذلك واجبا أو معتادا.

الثاني: أنه لو كان ذلك بالعادة لوجب أن يكون من لا يعرف العادات و لا نشأ بين أهلها أن يجوّز أن تبنى دار من قبل نفسها أو تنكتب كتابة طويلة بلا كاتب أو أن تنسج نساجة عجيبة من غير ناسج و غير ذلك. و المعلوم خلاف ذلك، لأنه لا يجوّز مثل ذلك الا مؤف العقل فاسد التصور.

فان قيل: لو خلق اللّه تعالى عاقلا ابتداء، فشاهد قصرا مبنيا و كتابة هل كان يعلم أن لها بانيا و كاتبا أم لا، فان قلتم يعلم قلنا و أي طريق له الى ذلك، و ان قلتم لا يعلم بذلك فقد بطل ادعاؤكم العلم.

قلنا: من خلقه اللّه وحده ابتداء و شاهد الكتابة أو القصر فهو لا يعلمهما محدثين متجددين [فلذلك لا يعلم لهما بانيا و كاتبا، فيحتاج أن يتأمل حالهما حتى يعلمهما محدثين متجددين] (2)، فاذا علمهما متجددة الوجود علم تعلقهما بفاعل.

و نظير ذلك أن من شاهد الأجسام قبل النظر في حدوثها، فإنه لا يعلم أن لها محدثا، فاذا تأمل و علم حدوثها علم عند ذلك ان لها محدثا.

و انما قلنا ان علة حاجة هذه الحوادث إلينا حدوثها لا غير لأمرين:

أحدهما: أن الذي يتجدد عند دواعينا حدوث هذه الصنائع و ينتفي عند

____________

(1) الزيادة ليست في ر.

(2) الزيادة ليست في ر.

27

صوارفنا حدوثها أيضا، فعلمنا أن علة حاجتها إلينا حدوثها.

و الثاني: أن هذه الأشياء لها ثلاثة أحوال: حال عدم، و حال حدوث، و حال بقاء. فهي لا تحتاج إلينا في حال عدمها، لكونها معدومة في الأزل، و هي تستغني عني في حال بقائها، و انما تتعلق بنا و تحتاج إلينا في حال حدوثها، فعلمنا بذلك أن علة حاجتها إلينا الحدوث، فعند ذلك نحكم بحاجة الأجسام إذا ثبت حاجة حدوثها الى محدث للاشتراك في علة الحاجة.

و هذه الجملة كافية في هذا الباب، فان استيفاء ذلك ذكرناه في شرح الجمل، و في هذا القدر كفاية إن شاء اللّه تعالى.

و أما ما يجب أن يكون عليه من الصفات:

فأول ذلك أنه يجب أن يكون قادرا، لان الفعل لا يصح أن يصدر الا من قادر.

ألا ترى أنا نجد فرقا بين من يصح منه الفعل و بين من يتعذر عليه ذلك، فلا بد من أن يكون من صح منه الفعل مختصا بأمر ليس عليه من تعذر عليه ذلك و الا تساويا في الصحة أو التعذر [و قد علمنا خلافه] (1). و أهل اللغة من اختص بهذه المفارقة يسمونه قادرا، فأثبتت المفارقة لمقتضى العقل و التسمية لأجل اللغة، فإذا كان صانع العالم صح منه الفعل وجب أن يكون قادرا.

على أنا دللنا على أن أفعالنا محتاجة إلينا دال على حاجتها الى من له صفة المختارين، فاسنادها الى من ليس له صفة المختارين في البطلان كبطلان إسنادها إلى مؤثر، و كلاهما فاسدان.

على أن صانع العالم لا يخلو من أن يكون قادرا مختارا أو موجبا هو علة أو سبب، و لا يجوز أن يكون علة و لا سببا، لأنهما لا يخلو من أن يكونا قديمين أو محدثين، فلو كانا محدثين لاحتاجا إلى علة أخرى أو سبب آخر، و ذلك يؤدي الى ما لا نهاية له من العلل و الأسباب، و ان كانا قديمين وجب أن يكون

____________

(1) الزيادة من ر.

28

العالم قديما، لأن العلة توجب معلولها في الحال و السبب يوجب المسبب اما في الحال أو الثاني، و كلاهما يوجبان قدم الأجسام و قد دللنا على حدوثها، فبطل بذلك أن يكون صانع العالم موجبا و لم يبق بعد ذلك الا أن يكون مختارا له صفة القادرين.

و إذا ثبت كونه قادرا وجب أن يكون حيا موجودا، لان من المعلوم أن القادر لا يكون الا كذلك، فثبت أنه تعالى قادر حي موجود.

و أما الذي يدل على أنه عالم هو أن الأحكام ظاهر في أفعاله كخلق الإنسان و غيره من الحيوان، لان فيه من بديع الصنعة و منافع الأعضاء و تعديل الأمزجة و تركيبها على وجه يصح معه أن يكون حيا لا يقدر عليه الا من هو عالم بما يريد فعله، لأنه لو لم يكن عالما لما وقع على هذا الوجه من الأحكام و النظام و لاختلف في بعض الأحوال، و لما كان ذلك واقعا على حد واحد و نظام واحد و اتساق واحد دل على أن صانعه عالم.

و كذلك خلقه الثمار في أوقات مخصوصة لا تختلف و في كل شجر ما هو من جنسه و في كل حيوان من شكله دال على أن خالق ذلك عالم، و الا لكان يجوز أن يخلق الفواكه الصيفية في الشتاء و الشتوية في الصيف، و يخلق في البهيمة من جنس ابن آدم أو في ابن آدم من جنس البهائم، أو يخلق في النخل نبقا و في الرمان تفاحا و غير ذلك. و في علمنا بالمطابقة في هذا الباب دليل على أن صانعها عالم بما صنعه.

ألا ترى أن في المشاهد لا تقع الكتابة إلا ممن هو عالم بها، و لا النساجة إلا ممن هو عالم بترتيبها و كيفية إيقاعها، و غيره و ان كان أقدر منه بتعذر عليه مثله لفقد علمه، و الضعيف القليل القدر يصح منه ذلك لعلمه بكيفية إيقاعه.

و إذا كان القدر اليسير من أفعالنا المحكمة لا تقع الا من عالم، فألا تقع

29

الأفعال التي أشرنا إليها الزائدة على أحكام كل محكم أولى و أحرى، فثبت بذلك أن صانع العالم عالم.

و لا يجوز أن يكون بصفة الظانين و لا المعتقدين، [لان الصنائع المحكمة تحتاج الى من له صفة العالمين دون الظانين المعتقدين] (1)، لأنها تحتاج إلى أمر يلزم كمال العقل و لا يخرج عنه من ثبوت عقله، و الظن و الاعتقاد الذي ليس بعلم لا يوجب لزومه لكمال العقل. فوجب من ذلك أن يكون صانع العالم عالما دون أن يكون ظانا أو معتقدا.

و يجب أيضا أن يكون مدركا للمدركات سميعا بصيرا، لان الحي الذي لا آفة به متى وجدت المدركات و ارتفعت الموانع و اللبس وجب أن يكون مدركا لها. ألا ترى أن من كانت حواسه صحيحة و وجدت المرئيات و ارتفعت الموانع و اللبس وجب أن يكون رائيا لها، و كذلك إذا وجدت الأصوات و سمعه صحيح وجب أن يدركها و يفصل بين حاله و هو مدرك لها و بين أن لا يدركها.

و هذا الفرق لا يستند الى كونه حيا، لأنه كان حيا قبل ذلك و لم يجد نفسه كذلك و لا الى كونه عالما لأنه يكون عالما بها قبل إدراكها (2) و لا يجد نفسه على هذه الحال. ألا ترى أن الإنسان يعلم الصوت بعد تقضيه و يعلمه أيضا قبل وجوده و لا يجد نفسه على ما يجد عليه إذا أدركه، و كذلك المتألم يدرك الالام و ان لم يعلمها. فثبت بذلك أن الإدراك غير العلم و الحياة.

و إذا كان القديم تعالى حيا و الآفات و الموانع لا تجوز عليه لأنه ليس يرى بحاسة و وجدت المدركات وجب أن يكون مدركا لها.

و ليس لواحد أن يقول: ان الواحد منا يدرك بمعنى هو ادراك، و المعنى و لا يجوز عليه تعالى، و ذلك أن الإدراك ليس بمعنى، و انما الواحد منا يدرك

____________

(1) الزيادة ليست في ر.

(2) أضاف في ر هنا «و بعد انقضائها».

30

لكونه حيا، بدلالة أنه لو كان معنى لجاز أن يكون حيا و حواسه صحيحة و الموانع مرتفعة و اللبس زائل و لو وجد المدركات فلا يدركها بأن لا يفعل فيه الإدراك، و ذلك يؤدي الى السفسطة و الشك في المشاهدات و أن لا يثق بشيء من المدركات، و ما أدى الى ذلك يجب أن يكون باطلا.

و يجب أيضا أن يكون سميعا بصيرا، لأنه حي لا آفة به. و فائدة السميع البصير أنه على صفة يجب معها أن يسمع المسموعات و يبصر المبصرات، و ذلك يرجع الى كونه حيا لا آفة به. و على هذا يوصف تعالى بذلك في الأزل و لو كان له بكونه سميعا بصيرا صفة زائدة على ما قلناه لجاز أن يكون الواحد منا حيا لا آفة به و لا يوصف بأنه سميع بصير، و المعلوم خلاف ذلك.

و أما سامع مبصر فمعناه أنه مدرك للمسموعات و المبصرات، و ذلك يقتضي وجود المسموعات و المبصرات، و لذلك لا يوصف بهما في الأزل.

و أما شام و ذائق فليس المراد بهما كونه مدركا، بل المستفاد بالشام أنه قرب الجسم المشموم إلى حاسة شمه، و الذائق أنه قرب الجسم المذوق إلى حاسة ذوقه. و لذلك يقولون شممته فلم أجد له رائحة، و ذقته فلم أجد له طعما و لا يقولون أدركته فلم أدركه لأنه مناقضة، و جرى مجرى قوله أصغيت إليه فلم أسمعه، فهاتان يكون؟ سبب الإدراك على وجه دون أن يكون نفس الإدراك.

و يجب أيضا أن يكون تعالى مريدا و كارها، لأنه ثبت أنه آمروناه و مخبر و الأمر لا يقع الا ممن هو مريد للمأمور به، و النهي لا يقع نهيا الا مع كراهية المنهي عنه، و الخبر لا يقع خبرا إلا بإرادة كونه خبرا. بدلالة أن هذه الصيغ كلها توجد فيما ليس بأمر و لا نهي و لا خبر.

31

ألا ترى أن قوله تعالى وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (1) و قوله تعالى اعْمَلُوا مٰا شِئْتُمْ (2) بصورة الأمر و المراد به التهديد، و قوله تعالى «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ» (3) صورته صورة الأمر و المراد به التحدي، و قوله تعالى وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا (4) المراد به الإباحة. و نظائر ذلك كثيرة جدا، فلا يمكن مع ذلك أن يكون آمرا لجنسه و لا لصيغته و لا لحدوثه، لان جميع ذلك يوجد فيما ليس بأمر، فلم يبق الا أنه يكون آمرا لإرادة المأمور به. و الكلام في النهي و الخبر مثل ذلك.

و أيضا فقد ثبت أنه تعالى خلق الخلق و لا بد أن يكون له فيه غرض، لأنه ان لم يكن له فيه غرض كان عبثا، و ذلك لا يجوز عليه. و لا يجوز أن يكون خلقهم لنفع نفسه، لان ذلك لا يجوز عليه، لأنا سنبين استحالة المنافع عليه.

فلم يبق الا أنه خلق الخلق لمنافعهم، و معناه أنه أراد نفعهم بذلك، فثبت بذلك أنه مريد.

و يجب أن يكون تعالى قديما موجودا في الأزل، لأنه لو كان محدثا لاحتاج الى محدث، و الكلام في محدثه كالكلام فيه، فكان يؤدي الى محدثين و محدثي المحدثين الى ما لا نهاية له، و ذلك فاسد.

و أيضا فإنه فاعل الأجسام و الاعراض المخصوصة من الألوان و الطعوم و غيرهما، و المحدث لا يصح منه فعل الجسم و لا هذه الأعراض المخصوصة، فوجب أن يكون من صحت فيه قديما. و انما كان كذلك لان المحدث لا يكون

____________

(1) سورة الإسراء: 64.

(2) سورة فصلت: 40.

(3) سورة البقرة: 23.

(4) سورة المائدة: 2.

32

قادرا الا بقدرة، و القدرة لا يصح بها فعل الأجسام.

و انما قلنا «ان المحدث لا يصح أن يكون قادرا لنفسه» لأنه لو جاز أن يكون الجسم قادرا لنفسه لوجب أن تكون الأجسام كلها قادرة لنفسها لأنها متماثلة، و المعلوم خلاف ذلك.

و انما قلنا «ان القدرة لا يقع بها فعل جسم» لأنا لو اجتهدنا كل الجهد أن نوجد جسما أو جوهرا لتعذر ذلك، و لا وجه لتعذره الا أنه غير مقدور لنا و بذلك نفصل بين ما هو مقدور لنا و بين ما ليس بمقدور لنا. فبان بذلك أن من صح منه الجسم لا يكون الا قديما و لا يكون محدثا.

و هو تعالى متكلم. و الطريق الذي يعلم كونه متكلما السمع، لان العقل لا يدل عليه، و انما يدل على أنه قادر على الكلام، لأنه جنس من الأفعال و هو قادر على جميع الأجناس. و قد أجمع المتكلمون على أنه تعالى متكلم لا خلاف بينهم، و إجماعهم حجة. و معلوم أيضا من دين النبي (عليه السلام) أنه تعالى متكلم، و ان هذا القرآن كلام اللّه تعالى.

فان قيل: السمع مستند الى قول النبي (عليه السلام)، و النبي بأي شيء يعلم أنه متكلم؟ فان قلتم بسمع آخر أدى الى ما لا نهاية له من المستمعين، أو ينتهي إلى مسمع علم عقلا أنه متكلم، و الا فما الجواب؟

قيل: لا يمتنع أن يعلم النبي كونه متكلما بكلام يسمعه يتضمن بأنه كلام اللّه، و يقترن بذلك علم معجز، فيقطع على ذلك أنه كلامه و أنه متكلم. و يمكن أيضا أن يخلق اللّه تعالى فيه العلم الضروري بأنه ليس بكلام أحد من المخلوقين و قد تقرر في عقله أن المحدث لا بد أن يكون له محدث، فيعلم عند ذلك أنه كلامه القديم، لأنه لا واسطة بين القديم و المحدث، و إذا بطل انه كلام محدث ثبت أنه كلام قديم.

33

فصل (في كيفية استحقاقه لهذه الصفات)

يجب أن يكون تعالى قادرا في الأزل، لأنه لو تجدد كونه قادرا بعد أن لم يكن كذلك وجب أن يكون قادرا بقدرة، لان شرط صحة كونه قادرا عدم المقدور، و هو حاصل في الأزل. و لو كان قادرا بقدرة وجب أن تكون تلك القدرة محدثة، لأنها لو كانت قديمة لوجب كونه قادرا في الأزل، و لو كانت محدثة لوجب أن يكون من فعله، إذ المحدث لا بد له من محدث، و لو كانت من فعله لوجب أن يكون قادرا قبل إيجادها، لأن الفعل لا يصدر الا من قادر.

و على هذا المذهب هو تعالى لا يكون قادرا الا بعد وجود القدرة، فيتعلق كونه قادرا بوجود القدرة و وجود القدرة بكونه قادر، فلا يصح واحد من الأمرين. و ذلك باطل، لأنا علمنا خلاف ذلك.

و إذا ثبت كونه قادرا في الأزل وجب أن يكون قادرا لنفسه، لأنه لا يمكن استناد ذلك الى الفاعل و القدرة المحدثة، لأن ما يتعلق بالفاعل من شرطه تقدم الفاعل عليه، و ذلك لا يصح في الحاصل في الأزل. و القدرة المحدثة لا توجب صفة في الأزل، لان معلول العلة لا يتقدمها.

و لا يجوز أن يكون قادرا بقدرة قديمة، لأنه كان يجب أن تكون تلك القدرة مثلا له و مشاركة له في جميع صفاته، و هو تعالى مشارك للقدرة في جميع صفاتها لاشتراكهما في القدم الذي هو صفة النفس، و الاشتراك في صفة النفس توجب التماثل، كما أن ما شارك السواد في كونه سوادا كان سوادا،

34

و ما شارك الجوهر في كونه جوهرا كان جوهرا. و كان يجب من ذلك أن يكون تعالى بصفة القدرة و القدرة بصفة القادر، و ذلك باطل، فلم يبق الا أنه قادر لنفسه.

و بمثل ذلك يعلم [أنه عالم لنفسه، لأنه لو تجدد] (1) كونه عالما بعد أن لم يكن لوجب أن يكون عالما بعلم محدث، إذ لا شرط يقف كونه عالما عليه، لان المعدوم يصح العلم به كما يصح بالموجود، بدلالة أنا نعلم ما كان أمس و نعلم ما يكون في الغد، و كل ذلك معدوم.

و لو كان عالما بعلم محدث لوجب أن يكون من فعله، إذ لا أحد يقدر ان يفعل علما لا في محل لو صح وجود غيره، و لو كان هو الفاعل له لوجب ان يتقدم أولا كونه عالما، لان العلم لا يقع الا من عالم، لان جميع الوجوه التي يقع الاعتقاد عليها فيكون علما يتقدم أولا كون فاعله عالما، و ذلك يؤدي الى تعلق كونه عالما بوجود العلم و وجود العلم بكونه عالما.

و إذا ثبت بذلك كونه قادرا عالما بنفسه لوجب أن يكون قادرا على جميع الأجناس و من كل جنس على ما لا يتناهى، لأنه لا مخصص له بقدر دون قدر.

و يجب مثل ذلك في كونه عالما أن يكون عالما بجميع المعلومات، إذ لا مخصص له ببعضها دون بعض، فيجب من ذلك كونه عالما قادرا على ما لا يتناهى.

و إذا ثبت كونه قادرا عالما في الأزل وجب كونه حيا موجودا في الأزل، إذ القادر العالم لا بد أن يكون حيا موجودا.

و يجب أن يكون موصوفا بأنه سميع بصير في الأزل، لأنه يفيد كونه على صفة يجب أن يدرك المسموعات و المبصرات إذا وجدت، و ذلك يرجع الى كونه حيا لا آفة به.

و لا يوصف بأنه سامع مبصر في الأزل، لأنهما يقتضيان وجود المسموعات

____________

(1) الزيادة ليست في ر.

35

و المبصرات في الأزل، و وجودهما في الأزل محال لأنهما محدثان، فلا يصح وجودهما في الأزل.

و أما كونه مدركا فإنه يتجدد له بعد أن لم يكن إذا وجدت المدركات، و المقتضي له كونه حيا، لأن أحدا متى حصل كونه حيا و وجدت المدركات و ارتفعت الموانع المعقولة وجب أن يكون مدركا، و لو كان المقتضي غير كونه حيا لما وجب ذلك و قد علمنا وجوبه.

فأما كونه مريدا و كارها فيجب ان يحصلا له بإرادة محدثة موجودة لا في محل، لأنه لا يخلو أن يكون مريدا لنفسه أو بإرادة قديمة أو محدثة فيه أوفي غيره من جماد أو حيوان، أو موجودة لا في محل. و لا يجوز أن يكون مريدا لنفسه، لأنه كان يؤدي الى أن يكون مريدا للشيء كارها له على وجه واحد في وقت واحد، لوجوب سماع صفات النفس.

و ما به علمنا كونه مريدا علمنا كونه كارها، و اجتماع الصفتين محال، لتضادهما و لأنه كان يجب أن يكون مريدا لكل ما يصح حدوثه، فيجب من ذلك أن يكون مريدا للقبائح، و ذلك صفة نقص يتعالى اللّه عن ذلك.

و لا يجوز أن يكون مريدا بإرادة قديمة، لأنه كان يجب أن تكون تلك الإرادة مثلا له لمشاركتها له في القدم على ما بيناه في القدرة و العلم و قد بينا فساده.

و لا يجوز أن يكون مريدا بإرادة قائمة به، لأنه ليس بمتحيز و المعاني لا تقوم الا بالمتحيز. و لو وجدت في غيره من الجماد استحال ذلك، لان الإرادة يستحيل وجودها في الجماد. و لو وجدت في حي لوجب أن تكون ارادة لذلك الحي، فلم يبق الا أنه يجب أن يكون مريدا بإرادة توجد لا في محل.

فأما كونه متكلما فلا يكون الا بكلام محدث، لأن حقيقة المتكلم من وقع

36

منه الكلام الذي هو هذا المعقول بحسب دواعيه و أحواله.

و الكلام المعقول ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف المعقولة التي هي ثمانية و عشرون حرفا إذا وقع ممن يصح منه أو من قبله للافادة.

و الدليل على ذلك أنه إذا وجدت هذه الحروف على هذا الوجه سمي كلاما، و إذا اختل واحد من الشروط لا يسمى بذلك، فعلمنا أنه حقيقة الكلام متى وقع ما سميناه كلاما [بحسب دواعيه] (1) و أحواله سمي متكلما فعرفنا بذلك حقيقة المتكلم. و إذا ثبت حقيقة الكلام و المتكلم ثبت أن كلامه محدث، لان هذه الإضافة تقتضي ذلك.

و ليس لأحد أن يقول: لو لم يوصف تعالى فيما لم يزل بأنه متكلم يوصف بضده من الخرس و السكوت، و ذلك أن الخرس انما هو فساد آلة الكلام [و السكوت هو تسكين آلة الكلام] (2)، و اللّه تعالى ليس بمتكلم بآلة فلا يوصف بشيء من ذلك. ثم ذلك ينتقض بالصائح و الصارخ، فإنه لا يوصف بالخرس و لا بالسكوت و لا بالكلام، فبطل ما قالوه.

و ينبغي أن يوصف كلام اللّه [بما سماه اللّه] (3) تعالى به من كونه محدثا، قال اللّه تعالى «مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ» (4)، و الذكر هو القرآن بدلالة قوله وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ (5) و قوله إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ (6).

____________

(1) الزيادة ليست في ر.

(2) الزيادة ليست في ر.

(3) الزيادة من ر.

(4) سورة الأنبياء: 2.

(5) سورة النحل: 44.

(6) سورة الحجر: 9.

37

و لا يجوز أن يكون المراد به الرسول، لقوله «الا استمعوه»، و الكلام هو الذي يصح استماعه دون الرسول، و يصفه بأنه مجعول كما قال إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (1)، و نعته بأنه منزل قال اللّه تعالى إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ و قال وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ، و يوصف بأنه عربي كما قال بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (2) و العربية محدثة.

و لا يوصف بأنه مخلوق، لأنه يوهم أنه مكذوب أو مضاف الى غير قائله لأنه المعتاد من هذه اللفظة، قال اللّه تعالى إِنْ هٰذٰا إِلَّا اخْتِلٰاقٌ (3) و إِنْ هٰذٰا إِلّٰا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (4) و قال وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً (5)، فلم يوصف الكلام بالخلق إلا إذا أريد به الكدب أو الانتحال كما يقولون هذه قصيدة مخلوقة و مختلقة إذا كانت منتحلة مضافة الى غير قائلها.

و هذه الجملة تكفي فيما قصدناه، لان شرح جميعه بيناه في شرح الجمل و ذكره يطول به ما قصدناه.

فصل (فيما يجوز عليه تعالى و ما لا يجوز)

لا يجوز أن يكون له تعالى مائية على ما يذهب اليه ضرار بن عمرو الضبي و أبو حنيفة، لأن الطريق إلى إثباته تعالى و إثبات صفاته أفعاله، فلا يجوز أن يثبت

____________

(1) سورة الزخرف: 3.

(2) سورة الشعراء: 195.

(3) سورة ص: 7.

(4) سورة الشعراء: 137.

(5) سورة العنكبوت: 17.

38

على صفة لا يدل عليها الفعل اماما بنفسه أو بواسطة، لأنا ان لم نراع هذا الأصل لزم أن يكون له كيفية و كمية و غير ذلك من الأقوال الفاسدة، و ذلك باطل.

و الفعل بمجرده يدل على كونه قادرا، و بوقوعه محكما على كونه عالما و بوقوعه على وجه دون وجه على كونه مريدا أو كارها، و كونه قادرا عالما على كونه حيا موجودا، و كونه حيا موجودا على كونه مدركا سميعا بصيرا.

و وجوب هذه الصفات له في الأزل يدل على صفته الذاتية عند من أثبتها و ليس في الفعل ما يدل على أن له مائية، فوجب نفيها.

و قول الأمة: ان اللّه تعالى أعلم بنفسه منا. معناه انه يعلم من تفاصيل مقدوراته و معلوماته ما لا يعلمه أحد، لأنه يعلم منها ما لا نهاية له، و الواحد منا يعلم ذلك على وجه الجملة، فلا يجوز التوصل بذلك الى القول بالمائية.

و لا يجوز أن يكون تعالى بصفة الجسم أو الجوهر، لان ما دل على كون الجسم محدثا (1) قائم في جميع الأجسام، فلو كان تعالى جسما لأدى إلى كونه محدثا أو كون الأجسام قديمة، و كلا الأمرين فاسد.

و أيضا لو كان جسما لما صح منه فعل الأجسام كما لا يصح منا، على ما مضى القول فيه، و العلد في ذلك كونها أجساما، و قد دللنا على أنه فاعل الأجسام فبطل كونه جسما.

و لا يجوز وصفه بأنه جسم مع انتفاء حقيقة الجسم عنه، لان ذلك نقض اللغة، لأن أهل اللغة يسمون الجسم ما له طول و عرض و عمق، بدلالة قولهم «هذا أطول من هذا» إذا زاد طولا، و «هذا أعرض من هذا» إذا زاد عرضا و «هذا أعمق من هذا» إذا زاد عمقا، و «هذا أجسم من هذا» إذا جمع الطول و العرض و العمق. فعلم بذلك أن حقيقة الجسم ما قلناه، و ذلك يستحيل

____________

(1) في ر «كون الجسم متحركا محدثا».

39

فيه تعالى، فلا يجوز وصفه بذلك.

و قولهم «انه جسم لا كالأجسام» مناقضة، لأنه نفي ما أثبت نفيه، لان قولهم «جسم» يقتضي أن له طولا و عرضا و عمقا، فاذا قيل بعد ذلك «لا كالأجسام» اقتضى نفي ذلك نفيه، فيكون مناقضة.

و ليس قولنا «شيء لا كالأشياء» مناقضة، لأن قولنا «شيء» لا يقتضي أكثر من أنه معلوم و ليس فيه حس؟، فاذا قلنا «لا كالأشياء المحدثة» لم يكن في ذلك مناقضة.

و قوله «الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ» (1) معناه استولى عليه لما خلقه، كما قال الشاعر (2):

قد استوى بشر على العراق * * * من غير سيف و دم مهراق

و قوله «لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» (3) معناه انه تولى خلقه بنفسه، كما يقول القائل «هذا ما عملت يداك» أي أنت فعلته. و قيل: معناه لما خلقت لنعمتي الدينية و الدنيوية.

و قوله «فِي جَنْبِ اللّٰهِ» (4) معناه في ذات اللّه و في طاعته.

و قوله «وَ السَّمٰاوٰاتُ مَطْوِيّٰاتٌ بِيَمِينِهِ» (5) أي بقدرته، كما قال الشاعر (6):

إذا ما راية رفعت لمجد * * * تلقاها عرابة باليمين

____________

(1) سورة طه: 50.

(2) لسان العرب (سوى).

(3) سورة ص: 75.

(4) سورة الزمر: 56.

(5) سورة الزمر: 67.

(6) البيت لشماخ، انظر لسان العرب (يمن).

40

و قوله «تَجْرِي بِأَعْيُنِنٰا» (1) أي و نحن عالمون.

و لا يجوز أن يكون تعالى بصفة شيء من الاعراض، لأنه قد ثبت حدوث الاعراض أجمع، فلو كان بصفة شيء من الاعراض لكان محدثا، و قد بينا قدمه.

و لأنه لو كان بصفة شيء من الاعراض لم يخلو من أن يكون بصفة ما يحتاج الى محل أو بصفة ما لا يحتاج الى المحل كالغناء و ارادة القديم تعالى و كراهته فان كان بصفة القسم الأول أدى الى قدم المحال و قد بينا حدوثها، و لو كان بصفة القسم الثاني لاستحال وجوده وقتين كاستحالة ذلك على هذه الأشياء.

و أيضا لو كان بصفة الغناء لاستحال وجود الأجسام معه، و ذلك باطل.

و لا يجوز عليه تعالى الحلول، لأنه لا يخلو أن يكون الحلول واجبا له أو جائزا، و لو كان واجبا لوجب ذلك في الأزل، و ذلك يوجب وجود ما يحله في الأزل، و في ذلك قدم المحال، و قد بينا فساده.

و لو كان وجوده متجددا [و هو واجب] (2) لوجب أن يكون له مقتضى، فلا يخلو أن يكون مقتضيه صفته الذاتية أو كونه حيا، و لا يجوز أن تكون صفته الذاتية مقتضية لذلك، لأن صفة الذات لا تقتضي صفة أخرى بشرط منفصل، و وجود المحل منفصل. و لو كان كونه حيا مقتضيا لذلك اقتضاه فينا، كما أنه لما اقتضى كونه مدركا اقتضاه فينا، و ذلك باطل.

و ان كان حلوله جائزا احتاج الى معنى، و ذلك المعنى لا بد أن يختص به و الاختصاص يكون اما بالحلول أو المجاورة، و كلاهما يقتضيان كونه جوهرا و قد أفسدناه، فبطل بجميع ذلك عليه الحلول.

و لا يجوز أن يكون تعالى في جهة من غير أن يكون شاغلا لها، لأنه ليس

____________

(1) سورة القمر: 14.

(2) الزيادة من ر.

41

في الفعل ما يدل على أنه في جهة لا بنفسه و لا بواسطة، و قد بينا أنه لا يجوز وصفه بما يدل عليه الفعل لا بنفسه و لا بواسطة.

و لا يجوز عليه تعالى الحاجة، لأن الحاجة لا تجوز الا على من يجوز عليه المنافع و المضار، و المنافع و المضار لا يجوزان الا على من تجوز عليه الشهوة و النفار، و هما يستحيلان عليه تعالى. و الذي يدل على أنه يستحيل عليه الشهوة و النفار أنه ليس في الفعل لا بنفسه و لا بواسطة ما يدل على كونه مشتهيا و نافرا و قد بينا أنه لا يجوز إثباته على صفة لا يقتضيها الفعل لا بنفسه و لا بواسطة.

و أيضا فالشهوة و النفار لا يجوزان الا على الأجسام، لان الشهوة تجوز على من إذا أدرك المشتهي صلح عليه جسمه [و إذا أدرك ما ينفر عنه فسد عليه جسمه] (1)، و هما يقتضيان كون من وجدا فيه جسما، و قد بينا أنه ليس بجسم فيجب إذا نفي الشهوة و النفار عنه.

و إذا انتفيا عنه انتفت عنه المنافع و المضار، و إذا انتفيا عنه انتفت عنه الحاجة و وجب كونه غنيا، لأن الغني هو الحي الذي ليس بمحتاج.

و لا يجوز عليه تعالى الرؤية بالبصر، لان من شرط صحة الرؤية أن يكون المرئي نفسه أو محله مقابلا للرائي بحاسة أو في حكم المقابل، و المقابلة يستحيل عليه لأنه ليس بجسم، و مقابلة محله أيضا يستحيل عليه لأنه ليس بعرض على ما بيناه. و لأنه لو كان مرئيا لرأيناه مع صحة حواسنا و ارتفاع الموانع المعقولة و وجوده، لأن المرئي إذا وجد و ارتفعت الموانع المعقولة وجب أن نراه، و انما لا نراه اما لبعد مفرط أو قرب مفرط أو لحائل بيننا و بينه أو للطافة أو صغر، و كل ذلك لا يجوز عليه تعالى لأنه من صفات الأجسام و الجواهر.

____________

(1) الزيادة ليست في ر.

42

و بمثل ذلك بعينه يعلم انه لا يدرك بشيء من الحواس الباقية، فلا وجه للتطويل بذكره.

و الحاسة السادسة غير معقولة، و لو كانت معقولة لكان حكمها حكم هذه الحواس مع اختلافها و اتفاقها في هذا الحكم.

و أيضا قوله تعالى «لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ» (1) دليل على استحالة رؤيته، لأنه تمدح بنفي الإدراك عن نفسه، و كل تمدح تعلق بنفي فإثباته لا يكون الا نقصا، كقوله «لٰا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لٰا نَوْمٌ» (2) و قوله تعالى «مَا اتَّخَذَ اللّٰهُ مِنْ وَلَدٍ» (3) و قوله تعالى «وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صٰاحِبَةٌ- وَ لٰا وَلَداً» (4) و قوله تعالى «لٰا يَظْلِمُ النّٰاسَ شَيْئاً» (5) و غير ذلك مما تعلق المدح بالنفي، فكان إثباته نقصا.

و الآية فيها مدح بلا خلاف و ان اختلفوا في جهة المدح، و الإدراك في الآية بمعنى الرؤية، لأنه نفى عن نفسه ما أثبته لنفسه بقوله «وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ» (6) و قوله «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ. إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» (7) لا يعارض هذه الآية، لأن النظر المذكور في الآية معناه الانتظار، فكأنه قال: لثواب ربها منتظرة. و مثله قوله «وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنٰاظِرَةٌ» (8) أي منتظرة.

و ليس النظر بمعنى الرؤية في شيء من كلام العرب، ألا ترى انهم يقولون

____________

(1) سورة الانعام: 103

(2) سورة البقرة: 255.

(3) سورة المؤمنون: 91.

(4) سورة الانعام: 101.

(5) سورة يونس: 44.

(6) سورة الانعام: 103.

(7) سورة القيامة: 22- 23.

(8) سورة النمل: 35.

43

«نظرت الى الهلال فلم أره»، فيثبتون النظر و ينفون الرؤية، و لو كان معناه الرؤية لكان ذلك مناقضة، و يقولون «ما زلت أنظر اليه حتى رأيته» و لا يقولون «ما زلت أراه حتى رأيته».

و لو سلم أن النظر بمعنى الرؤية لجاز أن يكون معناه: الى ثواب ربها رأييه، و ثواب اللّه يصح رؤيته.

و يحتمل أن يكون «الى» في الآية واحد الآلاء، لأنه يقال إلى و إليء و إليء و إليء و الى، و انما لم ينون لمكان الإضافة، فيكون «الى» في الآية اسما لا حرفا، فيسقط بذلك شبهة المخالف.

و قول موسى (عليه السلام) «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» (1) يحتمل أن يكون سأل الرؤية لقومه على ما حكاه اللّه عز و جل في قوله «فَقَدْ سَأَلُوا مُوسىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَقٰالُوا أَرِنَا اللّٰهَ جَهْرَةً» (2)، فسأل اللّه تعالى ذلك ليرد الجواب من جهته فيكون أبلغ.

و يحتمل أن يكون سأل العلم الضروري الذي تزول معه الخواطر و الشبهات أو إظهار آية من آيات الساعة التي يحصل عندها العلم الذي لا شك فيه، و للأنبياء أن يسألوا تخفيف البلوى في التكليف، كما سأل إبراهيم (عليه السلام) فقال:

«رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ قٰالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قٰالَ بَلىٰ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» (3) و كل ذلك لا ينافي الآية التي ذكرناها.

____________

(1) سورة الأعراف: 143.

(2) سورة البقرة: 55.

(3) سورة البقرة: 260.

44

فصل (في أنه تعالى واحد لا ثاني له في القدم)

لو كان مع اللّه تعالى قديم ثان لوجب أن يكون مشاركا له في جميع صفاته، لمشاركته له في القدم التي هي صفة ذاته التي باين بها جميع الموجودات لان جميع أوصافه- من كونه عالما و قادرا و حيا و موجودا و مريدا و كارها و مدركا- [يشاركه غيره من المحدثات قديما و لا يشاركه في القدم، فبان أنه يكون قديما] (1) يخالف المحدثات.

و الشيء إنما يخالف غيره بصفته الذاتية و بها يتماثل ما تماثله، كما أن ما شارك السواد في كونه سوادا و يخالف غير السواد من أن السواد يخالف البياض (2) و الحموضة و غيرهما أيضا بكونه سوادا [و يشارك سوادا آخر بكونه سوادا] (3)، فعلم بذلك أن الاشتراك في صفة الذات يوجب التماثل، و كان يجب من ذلك مشاركة القديمين في كونهما قادرين عالمين حيين و في جميع صفاتهما.

ثم لا يخلو أن يكون مقدورهما واحدا أو متغايرا، فان كان واحدا جاز أن يدعو أحدهما الداعي إلى إيجاد مقدوره و الثاني يصرفه عن إيجاده، فيؤدي ذلك الى وجوب وجوده، لدعاء من دعاه الداعي إلى إيجاده و وجوب انتفائه لصارف من صرفه عن إيجاده، و ذلك محال.

فان كان مقدورهما متغايرا لم يمتنع أن يدعو أحدهما الداعي إلى إيجاد

____________

(1) الزيادة ليست في ر.

(2) في ج «و يخالف السواد من البياض».

(3) الزيادة من ر.

45

فعل و يدعو الثاني بصرفه عن إيجاده و وجوب صارف صرفه عن إيجاده، و ذلك محال. [و ان كان مقدورهما متغايرا لم يمتنع أن يدعو أحدهما الداعي إلى إيجاد فعل و يدعو الآخر إلى إيجاد ضده] (1).

ثم لا يخلو أن يوجدا أو لا يوجدا أو يوجد أحدهما، فإن وجدا أدى الى اجتماع الضدين و ذلك محال، و ان لم يوجدا أدى الى ارتفاع الفعل عنهما لا لوجه منع معقول، و ان وقع أحدهما أدى الى ارتفاع الفعل عن أحدهما لا لمنع معقول. لأنه لا يمكن أن يقال ان أحدهما أكبر مقدورا، لان كل واحد منهما يجب أن يكون مقدوراته غير متناهية.

فإذا ثبت ذلك بطل إثبات قديمين، و إذا بطل وجود قديمين بطل قول الثنوية القائلين بالنور و الظلمة، و بطل قول المجوس القائلين باللّه و الشيطان و بطل قول النصارى القائلين بالتثليث.

على أن قول الثنوية يبطل من حيث دللنا على حدوث الأجسام، و النور و الظلمة جسمان، و لأنهما أثبتوهما من حيث اعتقدوا أن الخير يضاد الشر، و لا يجوز أن يصدرا من فاعل واحد. و ذلك باطل، من حيث ان الخير من جنس الشر، لأن أخذ مال الغير غصبا هو ظلم و شر و أخذه قضاءا لدين حسن و عدل و هما من جنس واحد، و لطمة اليتيم ظلما شر و لطمته تأديبا حسن، و لو كانا ضدين لجاز أن يصدرا من فاعل واحد، لان القادر يقدر على الشيء و على جنس ضده، و هذا بعينه هو شبهة المجوس، و الكلام عليهم واحد.

على أن قولهم أجمع يبطل المدح و الذم، لان المطبوع لا يستحق مدحا و لا ذما، كالنار في الإحراق و الثلج في التبريد. و يؤدي الى قبح الاعتذار لان الاعتذار حسن لا يقع عندهم من الظلمة و ما يعتذر منه قبيح لا يقع عندهم

____________

(1) الزيادة ليست في ر.

46

من النور، فيكون الاعتذار من غير فاعل الإساءة، و ذلك قبيح في العقول.

و أما النصارى فمن خالف منهم في نبوة نبينا فالكلام معهم في النبوة سيجيء، و من قال بقول النصارى من القول بالتثليث و الاتحاد و النبوة فقولهم باطل، لان قولهم ثلاثة أقانيم جوهر واحد متناقض، لأن في إثباته واحدا نفيا لما زاد عليه و في إثبات التثليث إثباتا لما نفى بعينه، و ذلك محال. و قولهم بالاتحاد و ان الثلاثة صارت واحدا محال، و كذلك قولهم صار الناسوت إلها و المحدث قديما كل ذلك محال. و لو جاز ذلك لجاز أن يصير الواحد مائة و أن يصير القديم محدثا، و كل ذلك فاسد، فيبطل ما قالوه.

و أما قولهم بالبنوة فحقيقة الابن من ولد على فراشه أو خلق من مائه، و كلاهما يستحيلان عليه تعالى، و مجاز ذلك يطلق فيمن يجوز أن يولد على فراشه أو يخلق من مائه. ألا ترى أنهم يقولون «يا ابن فلان بفلان» إذا كان أصغر منه، و لا يقولون «يا ابن شاب شيخا» و لا «يا ابن الإنسان بهيمة» لما لم يجز أن يكون مخلوقا من مائه، فمجاز هذه اللفظة يجوز على من يجوز عليه حقيقتها و حقيقتها مستحيل في اللّه تعالى، فمجازها مثل ذلك.

و قولهم «ابن اللّه» لمشاركته له في المشيئة، يوجب أن يكون الأنبياء كلهم أبناء اللّه، لأنهم يوافقونهم في المشيئة و هم لا يقولونه. فبان بذلك فساد هذه المذاهب، و ثبت أنه تعالى واحد لا يشاركه أحد في القدم.

فأما من عبد الأصنام أو الكواكب فقولهم باطل، لأن عبادة من لا يستحقها قبيحة في العقول.

و العبادة إنما تستحق بأصول النعم التي هي خلق الخلق و جعله حيا و قادرا و إكمال عقله و خلق الشهوة فيه التي بها ينتفع و ينال الملاذ و خلق المشتهيات و غير ذلك. و كل ذلك لا يقدر عليه غير اللّه، فيجب أن تقبح عبادته. على أن

47

هذه الأشياء جمادات و مسخرات، و كيف يصح منها فعل ما يستحق به العبادة.

و قولهم «مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلّٰا لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اللّٰهِ زُلْفىٰ» (1) باطل، لان التقرب الى اللّه بالقبائح قبيح في العقول. و ليس يجري ذلك مجرى تعظيمنا للبيت الحرام و الحجر و سجودنا اليه، و ذلك انا نسجد للّه تعالى و نتقرب اليه لا الى البيت و الحجر، و انما تعبدنا اللّه بذلك و رغبنا فيه. فنظير ذلك أن ثبت بشرع مقطوع به التقرب الى اللّه و السجود له بالتوجه الى هذه الأشياء، و القوم لا يذهبون اليه، فبطل تشبيههم بما قلناه و بان الفرق بينهما.

(الكلام في العدل)

الغرض بالكلام في العدل الكلام في تنزيه اللّه تعالى عن فعل القبيح و الإخلال بالواجب، فاذا حصل العلم بذلك حصل العلم بالعدل.

و الطريق الموصل الى ذلك أن نبين أنه تعالى قادر على القبيح ثم نبين بعد ذلك أنه لا يفعله بعد أن نبين تقدم معنى الفعل و انقسامه ثم نعود الى الغرض.

و حقيقة الفعل ما وجد بعد أن كان معدوما.

و لا يخلو الفعل من أن يكون له صفة زائدة على حدوثه أم لا يكون له صفة زائدة، فما ليس له صفة زائدة هو كلام الساهي و النائم و حركات أعضائه التي لا تتعداه، و ماله صفة زائدة على حدوثه اما أن يكون حسنا أو قبيحا، فالحسن هو كل فعل إذا فعله العالم به أو المتمكن من العلم به مختارا لا يستحق عليه الذم.

و هو على ضربين: أحدهما له صفة زائدة على حسنه، و الآخر لا صفة له زائدة على حسنه. فما لا صفة له زائدة على حسنه هو الموصوف بأنه مباح إذا

____________

(1) سورة الزمر: 3.

48

علم فعله أو دل عليه، و ما له صفة زائدة على حسنه فهو كل فعل يستحق به المدح على بعض الوجوه.

و هو على ضربين: أحدهما إذا لم يفعله استحق الذم على بعض الوجوه، و الآخر لا يستحق الذم إذا لم يفعله على حال.

فالأول موصوف بأنه واجب على ثلاثة أقسام: أحدها واجب مضيق كالصلاة المفروضة و كرد عين الوديعة، و الثاني يكون مخيرا فيه كالكفارات الثلاث في اليمين، و الثالث من فروض الكفايات إذا قام به بعض سقط عن الباقي كرد السلام و الجهاد و الصلاة على الأموات.

و ما هو ندب على ضربين: أحدهما يكون نفعا و أصلا إلى الغير فيوصف بأنه إنعام و إحسان إذا قصد ذلك، و الأخر لا يتعداه فلا يوصف بأكثر من أنه ندب. و أمثلة ذلك في أفعالنا و أفعاله قد ذكرناها في شرح الجمل و المقدمة و غير ذلك من كتبنا.

و القبيح هو كل فعل إذا وقع من عالم بقبحه أو متمكن من العلم بقبحه استحق عليه الذم على بعض الوجوه.

و العلم بقبح القبائح و وجوب الواجبات [يكون عقليا و شرعيا: فالعقليات كالعلم بقبح الظلم و الجهل و الكذب العاري من نفع أو ضرر و العبث و غير ذلك، و الواجبات] (1) كالعلم بوجوب رد الوديعة و الإنصاف و قضاء الدين و العلم بحسن الإحسان و غير ذلك. و أما ما يعلم بالشرع فكلما لا يمكن معرفته بالعقل كالعبادات الشرعية من الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و غير ذلك، و كقبح شرب الخمر و الزنا و غير ذلك، فإنه لا مجال للعقل في العلم بذلك.

____________

(1) الزيادة ليست في ر.

49

و الذي يدل على ما قلناه من أن العلم بما تقدم هو العقل دون الشرع، هو أن كل عاقل مفطور العقل يعلم قبح الظلم و قبح الجهل و الكذب و العبث، فلو لا أن طريق ذلك العقل لما وجب شمول العلم لجميع العقلاء، و لكان يقف على من علم صحة السمع.

و في علمنا باشتراك جميع العقلاء من موحد و ملحد و مقر بالنبوات و جاحد لها في العلم بذلك دليل على أن طريق ذلك العقل.

و قولهم «انهم علموا ذلك لمخالطتهم للعقلاء من أهل الشرع» باطل، لأنه لو كان كذلك لعلموا قبح كل ما علمه أهل الشرع من قبح شرب الخمر و الزنا و غير ذلك، و في العلم بالفرق بينهما دليل على فساد ما قالوه.

و متى قالوا: ان العقلاء لا يعلمون ذلك أو يعتقدونه اعتقادا ليس بعلم.

لزمهم أن يقولوا لا يعلمون المشاهدات أيضا، لأن في الناس من قال طريق ذلك السمع، و لزم عليه قول السوفسطائية و أصحاب العنود في نفيهم العلم بشيء من الأشياء و نسبتهم ذلك كله الى الظن و الحسبان، و ذلك باطل بالاتفاق.

فأما الذي يدل على أنه تعالى قادر على القبيح، فهو ما ثبت من كونه خالقا لكمال العقل و العلم بالمشاهدات، و من شأن القادر على الشيء أن يكون قادرا على جنس ضده، فيجب أن يكون قادرا على ضد هذه العلوم من الجهل، و الجهل قبيح.

و أيضا فالقبيح من جنس الحسن، بدلالة أن قعود الإنسان في دار غيره غصبا من جنس قعوده فيها بإذن مالكها، و أحدهما قبيح و الآخر حسن.

و القديم تعالى قادر على الأجناس كلها، و من كل جنس على ما لا نهاية له، لأنه قادر لنفسه على ما مضى، و لا اختصاص له بقدر دون قدر و لا بجنس دون جنس.

50

و أيضا فهو تعالى قادر على تعذيب الكفار بلا خلاف و هو حسن، فإذا أسلم الكافر قبح عقابه و لم يخرج إسلامه إياه تعالى عن كونه قادرا، فبان بذلك أنه قادر على القبيح.

فاذا ثبت ذلك فالذي يدل على أنه لا يفعله علمه بقبح القبائح و علمه بأنه غني عنه، و العالم بقبح القبيح و بأنه غني عنه لا يجوز أن يختاره. ألا ترى أن من خيّر بين الصدق و الكذب في باب الوصول الى غرضه و هو عالم بقبح الكذب و حسن الصدق لا يجوز أن يختار الكذب على الصدق مع تساويهما في الغرض، و لا علة لذلك الا كونه عالما بقبح الكذب و بأنه غني عنه بالصدق فيجب أن يكون تعالى لا يفعل القبيح لثبوت الأمرين.

على أنه لو جازت عليه الحاجة لما جاز أن يفعل القبيح، لأنه يقدر من جنسه من الحسن على ما لا يتناهى. ألا ترى أن المخير بين الصدق و الكذب مع تساوي الغرض قد بينا أنه لا يختار الكذب مع جواز الحاجة إليه، لأنه يستغني عنه بالحسن الذي هو الصدق. و كذلك القديم لا قبيح الا و هو يقدر من جنسه من الحسن على ما لا يتناهى، فلا يجوز أن يختاره مع علمه بقبحه.

و القديم تعالى لا يريد القبائح على وجه، لأنه لا يخلو أن يريده لنفسه أو بإرادة قديمة أو محدثة، و قد بينا أنه ليس بمريد لنفسه و لا بإرادة قديمة فبطل ذلك. و لو أراده بإرادة محدثة لكان هو الفاعل لها، لأنه لا يقدر أن يفعل ارادة لا في محل سواه. و لو كان هو الفاعل لها لكان فاعلا للقبيح، لأن إرادة القبيح قبيحة، بدلالة أن من علمها ارادة القبيح علم قبحها و من لم يعلمها كذلك لم يعلم قبحها، و ذلك يؤدي الى أن يكون فاعلا للقبيح، و قد دللنا على أنه لا يجوز أن يكون فاعلا للقبيح على حال.

و أيضا فقد ثبت بلا خلاف أنه ناه عن القبيح، و قد بينا أن النهي لا يكون

51

نهيا إلا بكراهية المنهي عنه، و لو كان مريدا للقبيح لأدى الى أن يكون مريدا للشيء كارها له، و ذلك باطل.

و أيضا فلو أراد القبيح لكان محبا له، راضيا به، لأن المحبة و الرضا هي الإرادة إذا وقعت على وجه مخصوص، و أجمعت الأمة على خطأ من أطلق ذلك على اللّه تعالى و قد قال اللّه تعالى «وَ مَا اللّٰهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبٰادِ» (1) و «مَا اللّٰهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعٰالَمِينَ» (2) و «يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (3). و من أعظم العسر الكفر و القبائح المؤدية إلى العقاب، و قد قال اللّه تعالى «وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ» (4) و معناه أراد منهم العبادة لأن هذه اللام لام الغرض لأنها لو كانت لأم العاقبة لكان كذبا لوجودنا كثيرا من الجن و الانس غير عابدين للّه تعالى.

و قوله «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مٰا أَشْرَكْنٰا وَ لٰا آبٰاؤُنٰا وَ لٰا حَرَّمْنٰا مِنْ شَيْءٍ كَذٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّٰى ذٰاقُوا بَأْسَنٰا» إلى قوله «إِنْ أَنْتُمْ إِلّٰا تَخْرُصُونَ» (5) واضح في أنه لا يريد القبيح لأنه كذب من أضاف ذلك الى اللّه، و من أنه اتباع للظن دون العلم، و آيات القرآن شاهدة بذلك و هي أكثر من أن تحصى.

و قوله «وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ» (6) اللام ههنا لام العاقبة

____________

(1) سورة غافر: 31.

(2) سورة آل عمران: 108.

(3) سورة البقرة: 185.

(4) سورة الذاريات: 56.

(5) سورة النحل: 35.

(6) سورة الأعراف: 179.

52

كما قال «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» (1) و لم يلتقطوه الا ليكون قرة عين لهم.

و قوله «وَ لَوْ شِئْنٰا لَآتَيْنٰا كُلَّ نَفْسٍ هُدٰاهٰا» (2) اخبار عن قدرته أنه قادر.

على أن يلجىء الخلق إلى الهدي و الايمان، لكن لا يفعل ذلك لأنه ينافي التكليف و ينتقض الغرض به، و جرى ذلك مجرى قوله «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمٰاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنٰاقُهُمْ لَهٰا خٰاضِعِينَ» (3).

و كذلك كل آية يتعلقون بها فالوجه فيها ما قلناه في هذه الآية، نحو قوله «وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً» (4) و قوله «لَوْ يَشٰاءُ اللّٰهُ لَهَدَى النّٰاسَ جَمِيعاً» (5) و ما يجري مجرى ذلك من الآيات، فالوجه فيها ما ذكرناه.

فلا نطول بذكرها، و قد بينا الوجه فيها جميعه في تفسير القرآن مستوفى لا يحتمل ذكره ههنا.

و قولهم «لو أراد من خلقه الايمان و الطاعة و ما لا يقع للحقة بذلك وهن و ضعف و نقص، لان الملك إذا أراد من رعيته ما لا يقع دل على ضعفه» باطل، لأن الأمر بخلاف ما قالوه في الشاهد، لان السلطان متى أراد من رعيته ما يعود نفعه عليهم لا عليه فلم يقع أو وقع خلافه لا يلحقه ضعف و لا نقص، و انما يجوز أن يقال ذلك فيما يعود نفعه عليه من نصرته و الدفاع عنه مما يستضر بفوته، و القديم تعالى لا يريد الا ما يكون نفعه للخلق دونه تعالى لاستحالة النفع عليه.

____________

(1) سورة القصص: 8.

(2) سورة السجدة: 13.

(3) سورة الشعراء: 4.

(4) سورة يونس: 99.

(5) سورة الرعد: 31 و أول الآية «أَنْ لَوْ يَشٰاءُ اللّٰهُ».