الدروع الواقية

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
280 /
5

مقدمة التحقيق

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

تقديم:

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، حمدا لا يبلغ مداه الحامدون، و لا يدرك حده الحاسبون، حمدا فوق كلّ حمد، و أكبر من كلّ حمد، تبارك و تعالى اللّه ربّ العالمين.

و الصلاة على رسوله الامين، و نبيّه المختار، الحبيب المصطفى، و الرحمة المهداة، محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و على أهل بيته المعصومين، سبل نجاة الأمة، و أنوار الحقّ الذي لا يستضاء الّا بها ...

<و بعد:> فربما يعتقد البعض بتصور يبتني على التوهم الباطل المحض- و كنتيجة منطقية لحالة التراخي الفكري و العقائدي الديني، بل و كانعكاس حتمي لظاهرة الانبهار و التأثر غير العقلائي و المتأمل بالاطار المادي الذي يغلّف العوالم المتحضرة، و ما تشهده من تراكم علمي متصاعد- انّ حالة الانشداد النفسي و الباطني نحو عقيدة الدعاء- المبتنية بشكل أساس على القواعد الروحية المؤمنة بوجود القوة القادرة المطلقة المتمثلة باللّه تعالى- قد تعرّضت الى نوع من التراخي و الفتور، بل و الى عدم ثبات الكثير من الأسس العقلائية المحفّزة على

6

التمسّك بهذا الشكل من العبادة، و المداومة عليه، و ذلك لان حالة الانشداد النفسي و الروحي نحو الدعاء- حسب هذا التصور الباهت- تنبعث أساسا بل و بشكل مؤكد من حالة الخوف و التوجّس التي كانت تغلّف حياة الانسان في تلك الحقب الغابرة مما يحيطه من المظاهر الغامضة التي كان لا يجد لها في حدود تفكيره البسيط تفسيرا معقولا يطمئن اليه، و تجد له نفسه الخائفة ما يلقي عليها نوعا من الاطمئنان و الاستقرار، ينضاف الى ذلك ما كانت تشكّله حالة العجز المادي عن دفع الكثير من الآفات المختلفة سواء كانت العوارض الطبيعية أو الامراض الوبائية و غيرها، كل ذلك كان يشكّل البعد الاوسع في تعلّق الانسان بالحالة الغيبية، و الايمان المطلق بقدرتها على حل هذه المعضلات، فلذا تراه يتشبّث بالدعاء متوسلا باللّه تعالى صرف هذه الاخطار المتوهّمة، أو الاحداث الغيبيّة، او حتى حالات المرض و العسر التي تصيبه فيعجز أمامها عن فعل شيء.

و الحق يقال انّ مثل هذه الاطروحات- و التي قد تجد لها في أذهان السذج و المغرّرين مواطىء لاقدامها، أو منافذ لسمومها- ترتكز على مبنيين أساسيين يشكّلان الحجرين الاساسيين لابتناء افكارهما، و هما:

1- رد الفعل المادي الحاد قبالة الانحراف الفكري و العقائدي للكنيسة.

2- الانبهار و التأثر الشديد بحالة التطور المادي و التقني الالحادي.

و هذان المبنيان يشكّلان المدخلين الواسعين اللذين أثّرا بلا شك في صنع الاطروحة المذكورة البعيدة كلّ البعد عن أرض الواقع، و العاجزة عن ادراك حقائق الامور المستهدف نقضها، بل و من دون أدنى تأمّل في العقائد المترجمة لمفهوم الدعاء، و المراد منه.

انّ الاسلام كدين سماوي متكامل أرسله اللّه تعالى الى عموم البشرية، كان يستهدف بشكل أساس صنع الانسان المؤمن القوي الذي يتكاتف مع

7

عيره من المؤمنين الاشداء في بناء الحضارة الانسانيّة الراقية القائمة على العدل و المحبة و الاخوة، و انتشاله من وهدة الانحراف و الفساد الاخلاقي، في عالم راق سام متكامل الابعاد و الزوايا، و لا يتأتى ذلك الا من خلال اعتماد جملة متسلسلة من البرامج العلمية التي تستهدف أول ما تستهدف بناء الانسان كانسان مؤمن متحضّر نزيه، يكون بامكانه الاقدام على وضع اسس بناء تلك الحضارة التي هي بلا شك هدف كل الاطروحات العقائدية السماويّة، بيد أنّ دأب طوابير الظلمة و على طول التأريخ على الوقوف بوجه المصلحين و الدعاة و المخلصين، و دفعهم قهرا للانشغال بغيرها، حال دون تلك الأمنية و تلك الرغبة العظيمة، و لعله لا يخفى على من له أدنى اطلاع باشكال العقائد الاسلامية- ناهيك بمن سبر غورها و أدرك مضامينها- صدق ما ذكرناه، و ما أشرنا اليه اجمالا.

و الدعاء بما هو مفهومه التقليدي من ترجمة الصلة الموضوعيّة بين الخالق و المخلوق، بين الغني و الفقير، بين الضعيف و القوي، و توسل الاول بالثاني، و ادراكه- أي الاول- بقدرة الثاني على كلّ شيء، و قوته المطلقة التي لا تحدها حدود، فيلجأ اليه متوسلا بلطفه صرف كلّ ما يخشاه، و تحقيق ما يتمناه، دون الغاء الجد و الاجتهاد في الوصول الى ما يبتغيه، و تلك مسلّمة لا نقاش حولها، فالعمل هو مقياس ثابت لترجمة الإيمان دون غيره، هذا مع اقترانه بالنية الصادقة و المؤمنة، نعم فانّ الإنسان المؤمن يدرك هذه الحقيقة دون لبس و دون شك، و لم يرسل اللّه تعالى الى البشريّة دينا يدعو الى التواكل و الى الانزواء، و ما يقول بهذه الّا الجهلة و السطحيين.

و أمّا ما يريد البعض إلصاقه قهرا بالعقائد السماويّة، و منها الشريعة الاسلامية الكاملة، بدعوة أتباعها الى الانكفاء السلبي أمام ظواهر الحياة المختلفة، و التواكل المقيت على القوة السماوية و التعلّق بقدرتها على حل هذه المعضلات، و غير ذلك من التأويلات الغريبة عن العقائد العظيمة التي جاءت

8

بها هذه الشرائع الالهية، و التي توّجت بالدين الاسلامي الكبير، فانه يعد بحق تجنّيا و تخرّصا بعيدا جدا عن أرض الواقع، و ربطا غير عقلائي بالمظاهر المنحرفة التي أوجدتها حالات الانحراف الواضح عن أصل الشريعة و مبادئها و إن كانت تحاول الالتصاق بها.

إنّ أفضل ما يمكن لمحاولة بناء الفهم الصحيح لمنهج الدعاء و موضوعيته تكمن بشكل أساس في استقراء القواعد العقائدية التي ينطلق من خلالها الدعاء، و يبتني على أرضيتها، و أما الحكم من خلال المظاهر السلبية المنسوبة اليه قسرا، أو من خلال القياس غير المشروع بجملة الاطروحات الغريبة التي جاءت بها الكنيسة و أتباعها ممن خرجوا بالديانة المسيحية و أفكارها عن مرتكزاتها السليمة و الصحيحة جريا وراء نزواتهم و غرائزهم الحيوانية النهمة، فذلك من الاجحاف و الظلم بمكان، و لا أعتقد أن يقول به أي عاقل منصف، و لعل هذا الاشتباه الكبير ما وقع فيه من حاول قسرا الربط بين هذين المظهرين المختلفين- جهلا و عمدا- فطبّل له الالحاديون و زمّروا.

إنّ الشريعة الاسلامية المقدسة جاءت و تحمل في طياتها دعوة البشرية الى العمل الصالح و البناء، بل و أولت العاملين المخلصين و العلماء المتفوقين اهتماما خاصا، و عناية متميّزة، و القرآن الكريم بين ظهراني الأمة لا يعسر على أحد التأمّل في آياته لادراك صدق ما ذكرناه، و كذا هي السنّة النبويّة المطهّرة و أحاديث أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، سهلة المنال و يسرة الاطلاع لمن أراد ذلك، فليتأمل بها من أراد إدراك الحقيقة لا غير.

و إذا كنّا لا ننكر حقيقة كون البشرية في عصرنا الحاضر قد خطت- و بشكل مذهل- خطوات واسعة نحو عالم جديد يرسم العلم الكثير من أبعاده و أشكاله، بل و يتدخل حتى في أدق دقائقه، و حيث توضحت أمام ناظري الانسان الكثير من خفيات الأمور، و منها ما كان يتوجّس خيفة منه، و ينسب اليه الكثير من الخرافات و الاوهام، الّا انّ هذا الانقلاب الهائل في

9

إدراك هذه الحقائق لا يلزم الذهاب الى تأويل عزوف لجوء الانسان الى القوة الاعظم في الكون لدفع مخاوفة و صرف الاخطار عنه، بل إنّ العلم الحديث جاء ليؤكد و بشكل قاطع- أكثر مما سبق- أنّ هنالك قوة قادرة مدبّرة مبدعة تتحكّم بكل مقدّرات الكون، و أنّ كل ما يمكن أن يقال بأنّ الانسان لا يملك أمامها إلّا الاقرار بعجزه و ضعفه رغم ما بلغه من درجات عالية من الرقي و التحضّر.

كما انّ العلم الحديث قد أكّد عجز كلّ النظريات الحديثة عن فهم ماهية الانسان و حالاته المتشابكة، و حيث اخطأ مريدوها عند ما دفعوا الانسان جهلا و عمدا الى التوكّل على القوى المادية دون القوة الإلهية العظيمة، فضاع الانسان بين عقده النفسية و الروحية التي لا تعد و لا تحصى، و بين التفسيرات الخاطئة التي لا تزيده الّا خبالا و تعقيدا، و اليك العالم المادي، و هو مركز التطور العلمي و التقني، و ما يشهده من انحرافات خطيرة، و عقد شائكة، و فراغ روحي، و خوف مبطّن من المجهول، و أسئلة كثيرة و متكررة تبحث لها عن جواب دون جدوى، و دون فائدة، فلا يجد المرء و ليجة ينفذ من خلالها لحل مشكلته الراهنة الّا اللجوء الى المخدرات و الاسفاف و الاغراق في مظاهر الانحراف و التفسّخ، فلا تزيده الّا تعثّرا و تخبطا، فلا يعدّ في تصوّره من منجى الّا الموت، و لا وسيلة اليه الّا الانتحار ...، و أي مراجعة الى التقارير الرسمية و الموثّقة تبيّن بصدق هذه الحقيقة الرهيبة.

إنّ اللّه تعالى خالق الانسان و بارئه هو خير من يعلم بما يسعد هذا الانسان و ما يوصله الى بر الامان الذي فطر هذا المخلوق على طلبه و البحث عنه، و هذا الحقيقة تتبين بوضوح من خلال المطالعة اواعية لاسس النظام الاسلامي العظيم الذي جاء به رسول الرحمة محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قبل أكثر من خمسة عشر قرنا من الزمان، و ما أخذ أهل بيته الأئمة المعصومين (عليهم السلام) على عاتقهم من تركيز هذه الاسس و الدفاع عنها.

10

و لذا تجد انّ الشريعة المقدسة تلزم هذا المخلوق على الاتصال الدائب بخالقه من خلال الدعاء، لما يشكّله من تربية روحية و نفسية فطر الانسان عليها كما أراد ذلك خالقه جلّ اسمه، و حيث يجد- و تلك لذة حرم منها من لا يؤمن بها- الكثير من الأمان و الاستقرار النفسي لتوافق ذلك المنحى مع ما فطر عليه. و لادراكه الواعي و المبطّن بقدرة خالقه على علم كلّ شيء و على فعل كلّ شيء، و ذلك ما تعجز عنه قطعا كلّ القوى الأخرى المخلوقة و الناقصة، فما تاتي به الساعات المقبلة، و الايام القادمة، و ما سيحل و ما سيقع، كلّ تلك امور غيبية لا يمكن لاحد الجزم بها الّا تخرصا محضا، و ذلك ما هو في علم اللّه تعالى دون غيره، فلا غرو ان يلجأ المؤمن اليه لادراكه ذلك، و لادراكه بقدرته تعالى على فعل كلّ شيء، و منها صرف هذه المحاذير.

و اذا كان الطرف الآخر من الدعاء يتمثّل في الرغبة و طلب الاستزادة، فانّ هذا الشكل المنبعث من الخوف الازلي من المجهول يعد بلا شك الحلقة الأشد و الأكثر وضوحا في بناء الدعاء، الذي- و لو أنّ حالة الخوف الكبرى الشاخصة أمام الجميع و هي مسألة الحساب و المساءلة تشكّل الحلقة الأكبر التي يتغافل عنها قصدا الكثيرون- يوضحه الخط البياني المتصاعد، و المرتبط بصورة جلية بحالة عدم الاستقرار و السكون في حياة الانسان.

و لذا فقد أوجدت هذه الحالة الحياتية المستمرة في حياة الإنسان التصاقا متفاوتا- و تبعا لشدة القلق و التحسس- باشكال متعددة من الأدعية و الأوراد اليوميّة، ذات الأشكال المتفقة احيانا و المختلفة في احيان اخر. و الاستقراء المتأني لمجمل ما كتب و ما قيل من أصناف الأدعية المتصلة بهذا الجانب الحساس توضح عمق الاثر النفسي للدعاء و شدة تعلّق المؤمن به، و كذا تبين للمستقرئ حرص أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على تربية المسلمين روحيا و بصورة دقيقة على التعلّق باللّه تعالى و التوسل به كقوة قادرة و عالمة و رحيمة.

11

و لعلّ علماء الطائفة (رحمهم اللّه) و طوال الحقب الماضية قد استطاعوا بناء مدرسة خاصة بهم تنهج هذا المنهج السوي، و خلّفوا اسفارا مباركة تتزود منها الاجيال اللاحقة بهم، و تجد بها خير زاد تتقوى به على مواصلة الطريق المؤدي الى مرضاة اللّه تعالى.

و الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم ثمرة يانعة من تلك الثمار الطيّبة، و من تلك الشجرة المباركة الزيتونة التي تؤتي الخير لمن يطلب الخير، و تهب الحياة لمن يبتغي الحياة ...

حول كتاب الدروع الواقية

: لا مناص من الجزم بان ما يتميّز به مؤلف الكتاب (رحمه اللّه) من جملة غنيّة من الصفات الحميدة، و القدرات العالية، و المنزلة الرفيعة في الكثير من العلوم المختلفة، و حرصه الشديد على الاستزادة من شتى المعارف الاسلامية الغنيّة، هي بلا شك تشكّل المحور الاساس الذي مكّن هذا المؤلف من اغناء المكتبة الاسلامية بالعديد من المؤلفات القيّمة التي بلغت العشرات عدا ما لم ينله الجرد و لا الحصر.

و الدعاء في مكتبة السيد ابن طاووس (رحمه اللّه) له مكانة متميّزة، حيث أولاه اهتماما خاصا، فأبدع يراعه في اخراج جملة رائعة من كتب الدعاء الشهيرة و الغنية عن التعريف، و التي يعد كتابنا- الماثل بين يدي القارئ الكريم انموذجا رفيعا منها.

و هذا الكتاب الذي ضمّنه مؤلفه (رحمه اللّه) بجملة واسعة من الآداب الاسلامية المختلفة، و الأدعية و الأحراز المختصة بأيام الشهر مرتبة ضمن جملة من الفصول المختصة، أراد منه ان يكون من تتمات كتاب (مصباح المتهجد) لشيخ الطائفة الطوسي (رحمه اللّه تعالى) (ت 460 ه)، الواقعة في عشرة أجزاء، حيث اسماها (رحمه اللّه) ب(المهمات و التتمات)، و التي منها:

12

كتاب (اقبال الاعمال) المختص بأعمال السنة.

كتاب (الدروع الواقية) في أعمال الشهر.

كتاب (جمال الاسبوع) في أعمال أيام الاسبوع.

كتاب (فلاح السائل) في أعمال اليوم و الليلة.

و لعل التأمل البسيط في مجمل فصول هذا الكتاب المهم و السفر القيّم يكشف عن القدرة الرائعة لمؤلفه (رحمه اللّه) في انتقاء الدرر المبعثرة في تراث الدعاء الخالد لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) و تنضيده في عقد جميل براق قل أن يكون له نظير، فلا غرو ان يحضى بهذه المنزلة الكبيرة و الاهتمام الجدي من قبل العلماء و الباحثين، و عموم المؤمنين.

هذا يشكّل الجانب الاول الذي يمكن للقارئ أن يستقرأه من خلال مطالعته المتعجلة لهذا الكتاب، و أما الملاحظة الأخرى و التي يمكن لنا استشفافها من خلال هذا الاستقراء، فهي القدرة الرائعة للمؤلف (رحمه اللّه) على تطويع العبارات الادبية المختلفة- التي يزدان بها كتابه- على خدمة المبنى الخاص الذي انتحاه في تأليفه لهذا الكتاب، و الحق يقال ان المرء لا يسعه إلّا الاقرار بهذه الملكة الرائعة، و التي تظهر بوضوح من خلال الصفحات الاولى لكتابه و التي هي المقدمة الخاصة به، و يبدو إنّ هذا الاعجاب لا ينحصر بنا بل يتعدانا الى الشيخ الكفعمي صاحب كتاب البلد الامين و مهج الدعوات حيث أورد و عند تأليفه لما اسماه بملحقات الدروع الواقية (اي كتابنا هذا) عين مقدمة السيد (رحمه اللّه)، أو لعل النساخ قد أوردوها جهلا أو عمدا في مقدمة هذه الملحقات.

و اذا كان لهذا الامر من الحسن الشيء الكثير إلّا أنّه قد أوقع الآخرين بالخلط بين الاثنين، و عدم التمييز بينهما، طالما أنّ الكتاب لا زال حتى شروعنا في تحقيق هذا الكتاب رهين المخطوطات المتفرّقة و المبعثرة في المكتبات العامة

13

و الخاصة، و هذا مما لا يمكّن بيسر التأمل بجميع جوانب الكتاب و قراءته تفصيليا، ينضاف الى ذلك شدة التشابه الكبير في فصوله المذكورة، فكان أن حصل نتيجة ذلك خلط بين النسختين، بين كتاب الدروع الواقية للسيد ابن طاووس، و بين ملحقات الدروع الواقية للشيخ الكفعمي رحمهما اللّه برحمته الواسعة.

و يبدو ان ما وقع بين يدي العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) هو النسخة الثانية المختصرة، أو ما يسمى بملحقات الدروع الواقية للشيخ الكفعمي، حيث يظهر ذلك بوضوح من خلال التأمّل في نقولاته عن الكتاب في بحاره، كما اخطأ الكثير من النساخ عند اثباتهم لاسم الدروع على ملحقاته، و هذا ما أوقعنا في أول الامر في حيرة أمام نسختين متفاوتتين في الحجم بشكل بيّن، و باختلاف لا يمكن الاعراض عنه في متنيهما، الّا ان هذه الحيرة لم تثبّط من جدنا في محاولتنا لتحقيق هذا الكتاب النفيس حيث تبيّن لنا بعد البحث عن حقيقة هذا التفاوت انّا أمام كتابين مختلفين و إن كانا ينبعثان من أصل واحد، و هذه النتيجة الحاسمة تشكّلت لدينا نتيجة جملة قاطعة من الأدلة الواقعية.

فلمّا كان لدينا تصور واضح حول وجود نسخة خطية لكتاب أنجز تأليفه الشيخ ابراهيم بن علي العاملي الكفعمي (رحمه اللّه) ليكون مكمّلا و ملحقا، او حتى مختصرا- كما يبدو لمن يتأمّله- مع بعض الاختلاف اليسير في عباراته، فان هذه الملاحظة المهمة كان معضدة لما تحققنا منه عند مطالعتنا للنسخة الثانية- الصغيرة الحجم و التي أثبت عليها اسم الدروع الواقية اشتباها- باكملها دون اهمال سطر منها، و هو ما اكد صحة وجود هذين الكتابين تحت اسم واحد رغم اختلاف مؤلفيهما و التفاوت البيّن بين متنيهما.

حقا ان هناك تشابها كبيرا بين النسختين بشكل قد يخدع به الكثيرون، كما في مقدمتيهما و ترتيب فصوليهما و محتوييهما و غير ذلك من الموارد المتعددة، الا ان

14

هناك و في نسخة الكفعمي (اي الملحقات) العديد من الادلة القطعية الدالة على عدم وحدتهما، و اليك عزيزي القارئ بعض هذه الموارد:

1- في الفصل الرابع عشر منه ذكر ما نصه: قال المحتاج الى بارئ الخليقة من نطفة امشاج، أكثر الناس زللا، و أقلهم عملا، الكفعمي مولدا، اللويزي محتدا، الجبعي أبا، التقي لقبا، الامامي مذهبا، ابراهيم بن علي بن حسن بن محمد بن صالح اصلح اللّه شأنه، و صانه عما شانه: لما وصلت في رقم فصول الشهر الى الفصل الرابع عشر لم اجد فيه كمال النصف .... مع ان المصنف طاب ثراه ذكره في ديباجته، و أناره في مشكاة زجاجه ...

2- و في الفصل السادس عشر منه قال ما نصه: و اعلم ان السيد ابو القاسم علي بن موسى بن جعفر الطاووس مصنف هذا الكتاب سهى قلمه عن فضل سورة يونس (عليه السلام)، و لم يرد له فضلا مفردا كما فعل في سورة الاعراف و في سورة الانفال ايضا، بل تعداها و ذكر سورة النحل و فضل قراءتها في كل شهر، و نحن نذكر ما اهمله (رحمه اللّه) من فضل سورة يونس (عليه السلام).

3- و بعد ايراده لليوم الثلاثين من الشهر و الدعاء فيه قال ما نصه:

قال كاتب هذا الكتاب ابراهيم بن علي الخثعمي الكفعمي وفقه اللّه لمرضاته و جعل يومه خيرا من ماضيه: لما وصل المصنف السيد ابو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد الطاووس (قدس اللّه روحه) في كتابه الى هذا المكان اشار الى رواية مروية عن مولانا الهادي (عليه السلام)، و ان فيها ادعية اذا دعا بها الداعي صرف اللّه عنه نحوس الايام المحذورة، و لم يذكرها طاب ثراه في كتابه ليهجم بالطالب على الطلب عفوا من غير ما تعب ...

كما اننا و من خلال مطابقة هذه النسخة و التي اسميت كأخواتها- اشتباها بالدروع الواقية مع نقولات البحار وجدنا اتفاقا كاملا بينهما و اختلافا مع

15

نسخة الدروع الاصلية.

و مما يعضد نسختنا ايضا- بعد ان سقط الاعتماد على النسخة السابقة لما ذكرناه سابقا من انها تخص كتاب الملحقات للشيخ الكفعمي (رحمه اللّه) نقولات الشيخ الحر العاملي (رحمه اللّه) منها في الموارد التي اعتمدها عن كتاب الدروع، مضافا الى ما أورده النوري (رحمه اللّه) في الفائدة الثالثة من خاتمة المستدرك من إيراده لنص فقرة وردت في كتاب الدروع قائلا: قال السيد علي بن طاوس في آخر الدروع الواقية: و هذا جعفر بن احمد عظيم ... عظيم الشأن من الاعيان، ذكر الكراجكي في كتاب الفهرست ان صنف مائتين و عشرين كتابا بقم و الري ... الخ.

كما يؤيد ذلك ايضا ما علم من تصنيف الشيخ الكفعمي لما اسمي بملحقات الدروع الواقية، و عدم الخلاف في صحة ذلك ...

مؤلف الكتاب:

لعله مما يزداد به تأريخ مدينة الحلة الجميلة الواقعة في وسط العراق،- و حيث ترتكز في اعماق جذورها اقدم الحضارات البشريّة و اعرقها- بروز الكثير من رجالات الطائفة الأفذاذ و اعلامها، امثال: المحقّق الحلّي، و العلامة الحلّي، و الشيخ ابن ادريس، و آل نما، و آل طاووس، و غيرهم، و حيث قامت على ارضها الطيّبة مدرسة فقهيّة خاصة بها اقر بمكانتها الجميع، و اعترفوا بفضلها، و علو منزلتها التي ضاهت في بعض الأحيان مدرسة النجف العلميّة، فتخرج منها جملة كبيرة من الأعلام الكبار اغنوا المكتبة الاسلامية بالكثير من المؤلفات القيّمة و المهمة التي امست بحق و حتى يومنا هذا مناهج دراسية تدور عليها رحى البحث و المناقشة في جميع الحوزات العلميّة، و تلك منزلة قل نظيرها.

بلى في هذه المدينة الطيّبة ولد مؤلف كتابنا، السيد علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن احمد- و هو الطاووس- بن اسحاق بن الحسن بن محمد بن

16

سليمان بن داود بن الحسن المثنى السبط ابن مولانا امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)، و بالتحديد قبل ظهر يوم الخميس منتصف شهر محرم الحرام سنة 589 ه.

نشأ (رحمه اللّه) في بيت عريق يفوح عطر العلم الالهي من جنباته، و يؤمّه المسلمون للتزود من بركاته، فأخذ العلم في باكورة حياته عن جده ورّام و ابيه رحمهما اللّه، حيث تعلم الخط و العربية، و قرأ علوم الشريعة المحمديّة المباركة، و درس الفقه، فتفوق على أقرانه، و بزهم بذكائه الملفت للانتباه.

هاجر الى بغداد في حدود سنة 625 ه، و بقي فيها نحوا من خمس عشرة سنة، ثم عاد الى مدينته في أواخر عهد المستنصر المتوفى سنة 640 ه. استطاع السيد ابن طاووس (رحمه اللّه) في بغداد- و كنتيجة طبيعية لما يتميز به من منزلة علمية عالية- أن يفرض له وجودا قويا و مكانة مرموقة دفعت بالكثيرين الى الاعتراف بها و الاقرار بحقيقتها، بل و أرغمت الخلافة الرسمية الى التودد اليها، و محاولة الاسترشاد بقدرتها، مما أدى بالتالي الى نشوء علاقة قوية و متينة بين الخليفة العباسي آنذاك و هو المستنصر و بين السيد (رحمه اللّه)، مما مكن الأخير من التوسط لحل الكثير من مشاكل عوام الناس، و دفع الضرر عنهم، و توفير لقمة العيش لهم.

و لقد كان بلغ حب الخليفة العباسي للسيد (رحمه اللّه) حدا دفعه الى مفاتحته صراحة في مسألة تسليم الوزارة له، بعد محاولاته السابقة بتسليمه منصب الافتاء و نقابة الطالبيين، و حيث كان رد السيد الرفض القاطع لتسلم هذا المنصب الحساس و المهم، لاسباب موضوعية ذكرها هو للمستنصر، حيث قال له: أن كان المراد بوزارتي على عادة الوزراء يمشون امورهم بكل مذهب و كل سبب، سواء كان ذلك موافقا لرضا اللّه جل جلاله و رضا سيد الانبياء و المرسلين أو مخالفا لهما في الآراء، فانك من ادختله في الوزارة بهذه القاعدة قام

17

بما جرت عليه العوائد الفاسدة، و أن اردت العمل في ذلك بكتاب اللّه جل جلاله و سنة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فهذا أمر لا يحتمله من في دارك و لا مماليكك و لا خدمك و لا حشمك و لا ملوك الاطراف، و يقال لك اذا سلكت سبيل العدل و الانصاف و الزهد: أن هذا علي بن طاووس علوي حسني ما أراد بهذه الأمور الا ان يعرف أهل الدهور أن الخلافة لو كانت اليهم كانوا على هذه القاعدة من السيرة، و ان في ذلك ردا على الخلفاء من سلفك و طعنا عليهم.

و هكذا يبدو بوضوح لا يقبل الخفاء عظم المنزلة التي يتمتع بها السيد (رحمه اللّه)، و أثر التربية العالية، و النشأة الطاهرة له.

و لا غرو في ذلك، فلا يخفى على أحد عمق الاثر التربوي الذي يخلفه الانحدار الأسري الطيب، اذا اقترن بالجد و الاجتهاد لا بالتواكل و الاسترزاق كدأب البعض، حيث يكون هذا الانحدار المشرف حافزا قويا للانطلاق أكثر نحو آفاق الشرف و العز.

فعائلة آل طاووس تعد من الأسر الجليلة العريقة التي حازت على الكثير من أوسمة الفخر و الشرف و العلياء، و تعد من بيوتات الحلة التي كان لها الفضل الكبير في رفد حركة النهضة العلميّة التي شهدتها هذه المدينة و خصوصا بعد انحسار الهجوم المغولي الذي أدى الى سقوط مدينة بغداد مركز الخلافة الاسلامية و حاضرة العالم الاسلامي الكبرى، و ما ترتب على ذلك من مجازر رهيبة أستباح فيها المغول كل شيء و لم يراعوا حرمة شيء، و حيث كان نصيب المراكز العلميّة و الفكريّة- التي كانت قبلة لجميع طلبة العلم في اصقاع المعمورة- الثقل الاكبر، و النصيب الاوفر، بل و يكفي أن نورد ما ذكره بعض المؤرخين عن ذلك، حيث قال: تراكمت الكتب التي ألقاها التتار في نهر دجلة حتى صارت معبرا يعبر عليه الناس و الدواب و اسودت مياه دجلة بما القي فيها من الكتب!!!

18

و الحق يقال ان عظم هذه المأساة الكبرى التي خلفها اكتساح المغول المتوحشين لحواظر العالم الاسلامي و خصوصا بغداد كان اكبر من أن يوصف أو أن يتصور، و ما كان الحال الذي آلت اليه الدولة الاسلامية العظيمة التي بلغت دعوتها أقاصي المعمورة، و داست سنابك خيولها المباركة الأبعاد النائية، إلّا نتيجة منطقية لحالة التفسخ و الانحراف الذي أصاب مركز الخلافة الاسلامية، و تشجيع الدولة لمظاهر التفرقة الطائفيّة، و اطلاقها لايدي المماليك في شؤون الدولة يعيثون فيها فسادا و تخريبا.

و من هنا فقد كانت المعادلة غير متوازنة بين القوتين المتصارعتين، بين المغول الاشداد المتمرسين على القتال و الكثيري العدّة و العدد، و بين الخلافة المهزوزة و المنشغلة بفتنها و لهوها و ابتعاد عموم المسلمين عنها و عدم ايمانهم بشرعيتها.

اذن لقد كانت النتيجة محسومة سلفا، بيد ان هذا الامر لم يكن ليدركه أو ليقدره المستعصم القصير النظر، و المتأثر الى حد كبير بما يمليه عليه افراد حاشيته و مستشاريه من المماليك و الجهلة، ممن لا يصيخون للحق سمعا، و لا للعقل انصاتا.

و لقد كانت الصورة واضحة بينة امام ناظري رجالات الشيعة و وجوهها، و كانوا يدركون فداحة الخطب الذي ستؤول اليه الامور بعد سقوط مركز الحكم الاسلامي في بغداد، فقدموا النصح المخلص المتوالي للخليفة و رجاله ممن يمتلكون ظلما ناصية الدولة الاسلامية، فأولوا من قبل الدولة و رجالها آذانا صماء و إعراضا متعمدا، كانت نتيجته ما كان مما حدثنا به التأريخ بشكل واسع و مفصّل.

و لما ادرك علماء الشيعة اصرار الخليفة العباسي على موقفه الجاهل و غير المتبصر، و ما عاينوه من الاهوال الكبيرة التي احاطت بالعاصمة الاسلامية

19

و الخراب الذي اخذ يضرب بأطنابه في اطراف الدولة ادركوا بان الامر- اذا تم التأمل فيه- كان يستدعي المبادرة الى انقاذ ما يمكن انقاذه من الدمار و الخراب الحتمي، و رفع السيف عن رقاب المسلمين، و دفع الانتهاك عن اعراضهم، و كان لابد لمدينة الحلة ان تبادر فورا الى اتخاذ ذلك الموقف السليم، لما كانت تعج به آنذاك من كبار رجالات الشيعة و علمائهم امثال: المحقق الحلّي، و السيد ابن طاووس، و الامام سديد الدين يوسف بن علي والد العلامة الحلّي و غيرهم، و حيث اتفقوا على الكتابة الى هولاكو كتابا يطلبون فيه الأمان لمدينة الحلة و ما يحيطها، في محاولة اخيرة منهم لا يقاف نزيف الدم الكبير الذي صبغ ارض الدولة الاسلامية نتيجة جهل الخلافة في بغداد، و العمل على صرف توجه المغول لاجتياح باقي مدن العراق، التي هي بلا شك عاجزة امامهم عن فعل اي شيء.

و بالفعل فقد تشكلت عدة وفود لمقابلة هولاكو و التباحث معه حول السلام و حول ايقاف المجازر المهولة التي حلت بالمسلمين، كان آخرها- و هو اعظمها- برئاسة السيد ابن طاووس (رحمه اللّه)، و حيث افلح هذا التدبير في ايقاف الهجوم المغولي، و انقاذ ما امكن انقاذه من الانفس و الاعراض و الاموال.

و لما استقرت الأمور بعد انحسار المد المغولي الهائج تفرغ السيد ابن طاووس (رحمه اللّه) الى البحث و التأليف و التدريس، حتى ولي في عام 661 هنقابة الطالبيين التي استمر بها حتى وفاته في صباح اليوم الخامس من شهر ذي القعدة عام 664 ه، و حيث حمل جثمانه الطاهر الى مشهد جده أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في النجف الاشرف على أصح الاقوال (1)،

____________

(1) في تحديد قبر السيّد ابن طاووس بعض الاختلاف و التفاوت، فقد ذهب الشيخ البحراني في لؤلؤة البحرين (241) الى ان قبره غير معروف الآن.

و ذكر المحدّث النوري في خاتمة المستدرك (3: 472): ان في الحلة في خارج المدينة قبة عالية في بستان نسب اليه و يزار قبره و يتبرك فيها ...

و قال السيّد محمد صادق بحر العلوم تعليقا على عبارة الشيخ البحراني المتقدمة: في الحلة اليوم مزار معروف بمقربة من بناية سجن الحلة المركزي الحالي، يعرف عند اهالي الحلة بقبر رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس، يزوره الناس و يتبركون به ...

و اما السيّد حسن الكاظمي فقد ذكر في خاتمة كتاب الموسوم بتحية اهل القبور بما هو مأثور و اعجب من ذلك خفاء قبر السيد جمال الدين علي بن طاووس صاحب الاقبال ... و الذي يعرف بالحلة بقبر السيد علي بن طاووس في البستان هو قبر ابنه السيد علي بن السيد علي المذكور، فانه يشترك معه في الاسم و اللقب.

20

و حيث يؤكده ما رواه هو عن ذلك في كتابه الموسوم بفلاح السائل، حيث يقول:

و قد كنت مضيت بنفسي و أشرت الى من حفر لي قبرا كما اخترته في جوار جدي و مولاي علي بن ابي طالب (عليه السلام) متضيفا و مستجيرا و وافدا و سائلا و آملا، متوسلا بكل ما يتوسل به احد من الخلائق اليه، و جعلته تحت قدمي والديّ (رضوان اللّه عليهما)، لاني وجدت اللّه جل جلاله يأمرني بخفض الجناح لهما و يوصيني بالاحسان اليهما، فأردت أن يكون رأسي مهما بقيت في القبور تحت قدميهما.

كما ان صاحب الحوادث الجامعة- المعاصر لتلك الفترة- يذكر في حوادث سنة 664 هما نصه:

و فيه توفي السيد النقيب الطاهر رضي الدين علي بن طاووس و حمل الى مشهد جده علي بن ابي طالب (عليه السلام) ...

ما قيل عنه (رحمه اللّه تعالى):

1- قال العلامة الحلّي عنه: السيد السند رضي الدين علي بن موسى بن طاووس كان من اعبد من رأيناه من أهل زمانه.

و قال في اجازته لبني زهرة: و من ذلك جميع ما صنفه السيدان الكبيران السعيدان رضي الدين علي و جمال الدين احمد ابنا موسى بن طاووس الحسنيان

21

(قدس اللّه روحهما) و روياه و اجيز لهما روايته عني عنهما، و هذان السيدان زاهدان عابدان ورعان، و كان رضي الدين علي صاحب كرامات حكي لي بعضها و روى لي والدي البعض الآخر (1).

2- و قال عنه ايضا: السيد رضي الدين كان ازهد اهل زمانه (2).

3- و اما ابن عنبة فقد قال عنه في عمدة الطالب: و رضي الدين ابو القاسم علي السيد الزاهد، صاحب الكرامات، نقيب النقباء بالعراق (3).

4- و عن خط للشهيد روى المجلسي في البحار عنه ما نصه: صاحب الكرامات ... لم يزل على قدم الخير و الآداب و العبادات و التنزّه عن الدنيات الى ان توفي (4).

5- و وصفه العلّامة المجلسي في البحار بقوله: السيّد النقيب الثقة الزاهد جمال العارفين (5).

6- و أثنى عليه الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل بقوله: حاله في العلم و الفضل و العبادة و الفقه و الجلالة و الورع أشهر من أن يذكر، و كان ايضا شاعرا أديبا منشئا بليغا (6).

7- و قال عنه صاحب نقد الرجال السيّد التفريشي: من أجلّاء هذه الطائفة و ثقاتها، جليل القدر، عظيم المنزلة، كثير الحفظ، نقي الكلام، حاله في العبادة و الزهد أشهر من ان يذكر ... (7).

____________

(1) انظر مستدرك الوسائل 3: 469.

(2) لؤلؤة البحرين: 235.

(3) عمدة الطالب: 190.

(4) البابليات 1: 65.

(5) بحار الانوار 1: 113.

(6) أمل الآمل 2: 205/ 622.

(7) نقد الرجال: 244.

22

8- و أمّا الشيخ أسد اللّه الدزفولي فقد قال عنه في مقابس الأنوار: السيّد السند، المعظّم المعتمد. العالم العابد الزاهد، الطيّب الطاهر، مالك أزمّة المناقب و المفاخر، صاحب الدعوات و المقامات و المكاشفات و الكرامات، مظهر الفيض السنيّ، و اللطف الجليّ، أبي القاسم رضي الدين علي، بوأه اللّه تحت ظله العرشي، و أنزل عليه بركاته كلّ غداة و عشي ... (1).

9- و قال متحدثا عنه الشيخ النوري في خاتمة المستدرك: السيّد الأجل الأكمل الاسعد الاورع الازهد، صاحب الكرامات الباهرة رضي الدين أبو القاسم و ابو الحسن علي بن سعد الدين موسى بن جعفر آل طاووس، الذي ما اتفقت كلمة الاصحاب على اختلاف مشاربهم و طريقتهم على صدور الكرامات عن أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه غيره (2).

و قال ايضا: و كان (رحمه اللّه) من عظماء المعظّمين لشعائر اللّه تعالى، لا يذكر في أحد من تصانيفه الاسم المبارك إلّا و يعقبه بقوله جل جلاله (3).

10- و في روضات الجنّات يقول عنه الخوانساري: من جملة العبدة الزهدة المستجابي الدعوة بنص الموافقين لنا و المخالفين، و منها كونه في فصاحة المنطق و بلاغة الكلام بحيث تشتبه كثيرا عبارات دعواته الملهمة، و زياراته الملقمة بعبارات اهل بيت العصمة (عليهم السلام) (4).

11- و امّا المحدث القمّي فقد ذكره في كتابه الكنى و الالقاب بقوله:

السيد الأجل الأورع الأزهد، قدوة العارفين ... (5).

____________

(1) مقابس الانوار: 12.

(2) مستدرك الوسائل (النسخة الحجرية) 3: 367.

(3) مستدرك الوسائل (النسخة الحجرية) 3: 469.

(4) روضات الجنات 4: 330.

(5) الكنى و الالقاب 1: 327.

23

12- و في ريحانة الادب قال محمد علي مدرس في حديثه عنه: من أعاظم علماء الشيعة الامامية و فحولها، عالم جليل القدر، عظيم المنزلة، اديب شاعر، منشىء، بليغ، عابد، زاهد، متقي، جامع الفضائل و الكمالات العالية، المتخلّي من الصفات الرذيلة، المتحلّي بالاخلاق الفاضلة، المتجلّي باتيان الوظائف الشرعية، أورع أهل زمانه و أتقاها و ازهدها و اعبدها، الموصوف في كلمات اجلّة العلماء ب(قدوة العارفين و مصباح المتهجدين) .... (1).

مؤلّفاته:

لقد كانت حياة السيّد ابن طاووس (رحمه اللّه) غنية معطاءة خصبة، أعطت الأمة الشيء الكثير و لم تبخل عليها بشيء، و تلك هي حال الرجال الذين اوقفوا أنفسهم و علمهم على خدمة هذا الدين الحنيف، و بقوا حتى اللحظات الاخيرة من حياتهم مركزا للعطاء و الخير، و هو ما نراه متكررا كثيرا لدى علماء الطائفة و مفكريها رفع اللّه شأنهم.

و الحق يقال أنّ السيّد ابن طاووس (رحمه اللّه) و رغم كل ما احاط به من أعباء كثيرة و شاقة، فقد كان مؤلّفا مكثارا، و كاتبا قديرا، خلّف من بعده الكثير من المؤلّفات القيّمة التي بلغ ما وصلنا منها العشرات في حين لم ترد اسماء الكثير من تلك المصنّفات لضياعها، و التي لو وصلتنا لكانت بلا شك خير زاد يتقوّت به طلاب العلم، و عموم المسلمين. و حقيقة وجود هذه المجاميع من الكتب المجهولة يؤكدها السيّد (رحمه اللّه) في أحد مؤلفاته و هو كتاب الاجازات المعروف، حيث يقول:

و جمعت و صنّفت مختصرات كثيرة ما هي الآن على خاطري، و انشاءات من المكاتبات و الرسائل و الخطب ما لو جمعته أو جمعه غيري كان عدة مجلدات،

____________

(1) ريحانة الادب: 76.

24

و مذكرات في المجالس في جواب المسائل بجوابات و اشارات و بمواعظ شافيات ما لو صنّفها سامعوها كانت ما يعلمه اللّه جل جلاله من مجلدات.

على ان ذلك الامر لا يلغي كون ما وصلنا من المؤلفات القيّمة للسيّد ابن طاووس (رحمه اللّه) قد اغنى المكتبة الاسلامية، و مدها بخير وفير، و من هذه المؤلّفات:

1- الإبانة في معرفة أسماء كتب الخزانة.

2- الإجازات لكشف طرق المفازات.

3- الإقبال بصالح الاعمال.

4- الأسرار المودعة في ساعات الليل و النهار.

5- جمال الاسبوع.

6- الدروع الواقية من الأخطار (و هو الكتاب الماثل بين يديك).

7- أسرار الصلاة.

8- محاسبة الملائكة الكرام آخر كل يوم من الذنوب و الآثام.

9- الاصطفاء في تاريخ الملوك و الخلفاء.

10- مهج الدعوات.

11- فلاح السائل.

12- إغاثة الداعي و إعانة الساعي.

13- المجتبى من الدعاء المجتبى.

14- الأمان من أخطار الأسفار و الأزمان.

15- مصباح الزائر.

16- الطرائف في مذاهب الطوائف.

17- طرف من الانباء و المناقب، في التصريح بالوصية و الخلافة لعلي بن ابي طالب (عليه السلام).

25

18- البهجة لثمرة المهجة.

19- ربيع الالباب.

20- زهرة الربيع.

21- سعد السعود.

22- غياث سلطان الورى لسكان الثرى.

23- فتح الأبواب بين ذوي الالباب و بين رب الارباب.

24- اليقين باختصاص علي (عليه السلام) بامرة المؤمنين.

25- الملهوف على قتلى الطفوف.

26- المنتقى.

27- المواسعة و المضايقة.

28- محاسبة النفس.

29- مهج الدعوات و منهج العنايات.

30- فرحة الناظر و بهجة الخواطر.

منهج التحقيق:

بعد اكتمال التحقّق من النسخة الحقيقية للكتاب شرعنا بالعمل التحقيقي لهذا الكتاب الدعائي المهم، معتمدين في عملنا على نسختين مخطوطتين، و هما:

1- النسخة المخطوطة المحفوظة في مكتبة الاستانة المقدسة في مشهد المقدسة، و هي نسخة كاملة، قيّمة، جميلة النسخ، يرجع تاريخ نسخها الى الخامس عشر من شهر ربيع الثاني لعام 1098 ه، زوّدنا بها مشكورا الاخ المحقق الفاضل السيد مهدي رجائي.

و قد اعتمدناها كنسخة أصلية، و رمزنا لها بالحرف (ك).

26

2- النسخة المخطوطة المحفوظة في مكتبة المرحوم آية اللّه العظمى السيّد المرعشي (رحمه اللّه)، برقم 442، تاريخ نسخها 964 ه.

و قد رمزنا لها بالحرف (ن).

كما اعتمدنا في عملنا على منقولات العلّامة المجلسي و الحر العاملي رحمهما اللّه كنسختين مساعدتين في عملنا.

و من ثم فقد احيل العمل الى جملة من اللجان المختصة الذي اوكل اليها مسؤولية اخراج هذا الكتاب وفقا لمنهجية التحقيق المشترك التي تعتمدها المؤسسة في عملها.

فقد اوكلت مسؤولية مقابلة النسخ المخطوطة و تثبيت الاختلافات الواردة فيها بكل من الأخوة الافاضل: الحاج عز الدين عبد الملك، و الاخ سعد فوزي جودة.

و اما مسؤولية تخريج الروايات و الادعية الواردة في الكتاب فقد اوكلت الى الاخ الفاضل مشتاق المظفر.

كما و انيطت مسؤولية كتابة هوامش الكتاب بالاخ الفاضل هيثم شاه مراد السّماك.

و كانت مسؤولية تقويم الكتاب و ضبط نصه و الاشراف على تحقيقه على عاتق الاخ المحقق الفاضل علاء آل جعفر مسؤول لجنة مصادر البحار في المؤسسة.

وفّق اللّه تعالى الجميع الى خدمة تراث العترة الطاهرة و احياء آثارها، انّه سميع مجيب.

مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث

27

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

مقدمة المؤلف

<بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ>* يقول السيد الإمام العالم العامل، الفقيه الكامل، العلامة الفاضل، الزاهد العابد، الورع المجاهد، رضي الدين، ركن الاسلام و المسلمين، جمال العارفين، انموذج سلفه الطاهرين، من شاع ذكره في البلاد، و اشتهر فضله بين العباد، سيد السادات و شرفهم، و بحر العلماء و مغترفهم، ذو المناقب الباهرة، و الاعراق الطاهرة، و الايادي الظاهرة، أوحد دهره، و فريد عصره، افتخار السادة، عمدة أهل بيت النبوة، مجد آل الرسول، شرف العترة الطاهرة، ذو الحسبين، أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاووس، ضاعف اللّه سعادته، و شرّف خاتمته.

أحمد اللّه جلّ جلاله بما وهب لي من القدرة على حمده، و اثني عليه جل جلاله على توفيقي لتقديس مجده، و اطوف بلسان حال العقل حول حمى كعبة مراحمه و مكارمه و رفده، و استعطفه ببيان مقال النقل رجاء لتمام رحمته و حلمه عن عبده، و اسمع من دواعي النصيحة و الاشفاق، و رسل رسائل أهل السباق،

32

حثا عظيما على التلزّم بأطناب (1) سرادقات (2) منشىء الاحياء و مفني الاموات، و واهب الاقوات، و مالك الاوقات، حتى لقد كدت أن أجدني كالمضطرّ الى الوقوف بمقدس جنابه، و المحمول على مطايا لطفه و عطفه الى العكوف على شريف بابه.

و أشهد أن لا اله الّا هو، شهادة تلقّاها العقل من مولى رحيم كامل القدرة، و عرف

وُرُودَهَا (3) مِنْ جَنَابِ رَسُولٍ كَرِيمٍ قَائِلٍ

: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»

(4) فجاءت الينا بخلع الامان، و معها لواء الولاية على دوام العناية بدار الرضوان.

و وجدت قلب مملوكه اليها وامقا (5)، و لها عاشقا، و لا يسمح أن يراه واهبها لها مفارقا، فمدّ يد السؤال الى مالك الرفد و الوعد بالسعد و الاقبال، في ان يعينه على عمارة منزل يصلح لجلالها، و تهيئة فراش رحمة يليق بجمالها. فرجعت يدا بنجاز الوعود مملوءة من نفقات عمارة منزل السعود، و عليها فراش نعمة يصلح لاستيطان توحيد مالك الكرم و الجود. فعمّر لها من شرّف بها منزل الاستيطان، و بسط لها ما يختص بها من فراش التعظيم بما وهبه مولاه من الامكان. فأقامت

____________

(1) الطنب: حبل الخباء، و الجمع اطناب. الصحاح- طنب- 1: 172.

(2) السرادق: ما يمد فوق سطح الدار. انظر الصحاح- سردق- 4: 1496.

(3) أي ورود الشهادة.

(4) رواه الحلي في مختصر بصائر الدرجات: 160- 161، و البخاري في صحيحه 2: 125، و الترمذي في سننه 4: 447/ ذيل الحديث 2138، و مالك بن أنس في الموطأ 1: 241/ 52، و الطيالسي في مسنده:

319/ 2433، و احمد في مسنده 2: 233، 275، 393، 410، و 3: 353، و البيهقي في سننه 6: 202، و الديلمي في الفردوس 3: 248/ 4730، 4731.

(5) وامقا: أي محبا من دون ريبة. انظر لسان العرب 10: 385.

33

باذن واهبها قاطنة، و استقرت بقدرة جالبها أقطار أماكنها ساكنة، فتعطّرت بارجها (1) شعاب تلك المساكن، و استبشرت بمنهجها الالباب المجاورة للتراب الساكن.

و أشهد أنّ جدي محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) أعرف محمول اليها و مدلول عليها، و اشرف من خطبته مصوناتها و رغب اليها، و أبصر من اطلع على اسرارها، و اجتمع كمال أنواره بجلال أنوارها، و أمضى من سرى في سبيلها، و احظى من أيقظ العيون من الكرى لدليلها، و بذل للورى خلع تجميلها، و اقوى ماسك بعرى تعظيمها و تبجيلها، و اتقى ناسك استقام لحمل الاوامر الالهية و تفصيلها.

و أشهد أنّ أنوار معالمه، و منار مواسمه، لا تقوى على نظرها كنظرة عيون رمدت بالغفلات، و لا تقوم بها كقيامه أقدام قيّدت بالجهالات، و لا تمتد اليها أيد غلّت بالاطماع، و لا تتحكم فيها قلوب اعلّت بداء الدنيا التي هي متاع.

و أنّ النوّاب عنه (صلوات اللّه عليه و آله)، يجب أن يكونوا على نحو كماله، في لبس خلع كمالها، و النهوض بمعرفة حقّ جلالها، و دوام الثبوت على هول عصمة طريقه، و قلوبهم مملوءة من ذخائر انوار وجوب تأييده و توفيقه.

(و بعد) (2): فانّي حيث علّمني اللّه جلّ جلاله و ألهمني تأليف كتاب (فلاح السائل و نجاح المسائل) في عمل اليوم و الليلة، من كتاب (مهمات في صلاح المتعبد، و تتمات لمصباح المتهجد) و يكمل مجلدين أكثر من ستين كراسا، و حوى من الاسرار ما يعرفها من نظره استئناسا و اقتباسا.

و علمت بعده كتاب (زهرة الربيع في أدعية الاسابيع) و يكمل أكثر من

____________

(1) الأرج و الأريج: توهج ريح الطيب. الصحاح- أرج- 1: 298.

(2) اثبتناها في نسخة «ن»، و في نسخة «ك» كلمة غير مقروءة.

34

ثلاثين كراسا.

ثم كمّلت بعده كتاب (جمال الاسبوع بكمال العمل المشروع) و زاد على الثلاثين من الكراريس، و يكمل به عمل الاسبوع على الوجه النفيس.

بقي عمل ما يختص بكلّ شهر على التكرار، و وجدت في الرواية أنّ فيه أدعية كالدروع من الأخطار، فشرعت في هذا المراد، بما عوّدني اللّه جلّ جلاله و أرفدني من الانجاد و الاسعاد، و سميته: كتاب (الدروع الواقية من الاخطار فيما يعمل مثلها كل شهر على التكرار).

و سوف أذكر تسمية فصول هذا الجزء الخامس من هذا الكتاب جملة قبل التفصيل، ليعلم الناظر فيه مراده منه فيطلبه على الوجه الجميل.

الفصل الاول: فيما يعمل أول ليلة من كل شهر عند رؤية هلاله، و من صلاة بسورة الانعام في أول ليلة من الشهر يأمن بها المصلي لها من أكدار ذلك الشهر كله. و ما يعمله من له عدو عند رؤية الهلال للامان من عدوه بقدرة اللّه جل جلاله و فضله.

الفصل الثاني: فيما يؤكل أول الشهر لئلا ترد له حاجة فيه.

الفصل الثالث: فيما نذكره مما يعمل اول كل شهر من صلاة و دعاء و صدقة صادر عن من تدبيره من جملة تدبير اللّه جل جلاله و فضله، ليسلم العبد بذلك من خطر الشهر كله.

الفصل الرابع: فيما نذكره من صوم داود (عليه السلام).

الفصل الخامس: فيما نذكره من صوم جماعة من الانبياء و أبناء الانبياء (صلوات اللّه جل جلاله عليهم).

الفصل السادس: فيما نذكره من صيام أول خميس في العشر الأول من

35

كل شهر، و أول أربعاء في العشر الثاني منه، و آخر خميس من العشر الاخير منه.

الفصل السابع: فيما نذكره من الرواية في أدب الصائم في هذه الثلاثة الايام.

الفصل الثامن: فيما نذكره من الرواية في هذه الثلاثة الايام.

الفصل التاسع: فيما نذكره من الرواية في هذه الثلاثة الايام من الشهر أربعاء بين خميسين، أو خميسا بين أربعاءين.

الفصل العاشر: فيما نذكره من الرواية في تعيين أول خميس من الشهر، و آخر خميس منه.

الفصل الحادي عشر: فيما نذكره من الرواية بأنه اذا اتفق خميسان في أوله و أربعاء ان في وسطه، أو خميسان في آخره، أن صوم الاول منهما أفضل أو الآخر، و تأويل ذلك.

الفصل الثاني عشر: فيما نذكره مما يعمله من ضعف عن صيام الثلاثة الايام.

الفصل الثالث عشر: فيما نذكره من الاخبار في أنه يجزئ مد من الطعام عن اليوم.

الفصل الرابع عشر: فيما نذكره من صوم اليوم الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر من كل شهر، و هي الايام البيض.

الفصل الخامس عشر: فيما نذكره من فضل قراءة سورة الاعراف في كل شهر.

الفصل السادس عشر: فيما نذكره من فضل قراءة سورة الانفال في كل شهر.

36

الفصل السابع عشر: فيما نذكره من فضل قراءة [سورتي] الانفال و براءة في كل شهر.

الفصل الثامن عشر: فيما نذكره من فضل قراءة سورة يونس (عليه السلام) في كل شهر.

الفصل التاسع عشر: فيما نذكره من فضل قراءة سورة النحل في كل شهر.

الفصل العشرون: فيما نذكره من زيارة الحسين (صلوات اللّه عليه) في كل شهر، و حديث من كان يزوره كل شهر و تأخّر عنه فعوتب على تأخره.

الفصل الحادي و العشرون: فيما نذكره من الرواية الثانية (1) في ثلاثين فصلا، لكل يوم فصل منفرد، و هو يقارب الرواية الاولى.

الفصل الثاني و العشرون: في رواية اخرى بتعيين أيام الشهور، و ما فيها من وقت السرور و المحذور.

الفصل الثالث و العشرون: فيما نذكره من حديث اليوم الذي ترفع فيه أعمال كل شيء.

أقول: ذكر تفصيل هذه الفصول:

____________

(1) يبدو ان هناك سقطا في تسلسل الفصول، حيث لم يرد ذكر الفصل الخاص بالرواية الاولى لادعية الشهر فانسحب ذلك على بقية الفصول، فتأمل.

37

الفصل الاول: فيما يعمل أول ليلة من كل شهر

<عند رؤية هلاله، و من صلاة بسورة الانعام في أول ليلة من الشهر يأمن بها المصلي لها من أكدار ذلك الشهر كله، و ما يعمله من له عدو عند رؤية الهلال للامان من عدوه بقدرة اللّه جل جلاله و فضله> أقول: أما ما يعمله عند رؤية هلال كل شهر، فقد

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله):

أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ كَبَّرَ ثَلَاثاً وَ هَلَّلَ ثَلَاثاً، ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ بِشَهْرِ كَذَا، وَ جَاءَ بِشَهْرِ كَذَا».

و رُوِيَ:

أَنَّهُ يَقْرَأُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ مَنْ قَرَأَهَا عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ رَمَدِ الْعَيْنِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ.

أَقُولُ: وَ وَجَدْتُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ شَيْئاً لَمْ أَظْفَرْ بِإِسْنَادِهِ عَلَى الْعَادَةِ، نَذْكُرُهُ احْتِيَاطاً لِلْعِبَادَةِ. وَ هُوَ مَا يُفْعَلُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ

: تَكْتُبُ عَلَى يَدِكَ الْيُسْرَى بِسَبَّابَةِ يَمِينِكَ: مُحَمَّد وَ عَلِيّ وَ فَاطِمَة وَ الْحَسَن وَ الْحُسَيْن وَ الَائِمَّة إِلَى آخِرِهِمْ (عليهم السلام)، وَ تَكْتُبُ:

قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ

إِلَى آخِرِهَا، ثُمَّ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ النَّاسَ إِذَا نَظَرُوا إِلَى الْهِلَالِ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَ إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى أَسْمَائِكَ وَ أَسْمَاءِ نَبِيِّكَ وَ وَلِيِّكَ وَ أَوْلِيَائِكَ (عليهم السلام) وَ إِلَى كِتَابِكَ، فَأَعْطِنِي كُلَّ الَّذِي أُحِبُّ مِنَ الْخَيْرِ، وَ اصْرِفْ عَنِّي كُلَّ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ تَصْرِفَهُ عَنِّي مِنَ الشَّرِّ، وَ زِدْنِي مِنْ فَضْلِكَ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا

38

قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ

(1)

.

قلت أنا: انّ اليد اليسرى محل استعمال النجاسات، و هذه الاسماء من أشرف المسميات، فان أراد الانسان أن يكتبها في رقعة و يجعلها في كفه اليسار عند رؤية الهلال و يقول ما ذكرناه، فعسى يكون أحوط في تعظيم من سميناه.

أقول: و قد روينا في شهر رمضان و غيره أدعية عند رؤية هلاله، و فيها من اللفظ و المعاني ما يقتضي عموم الحاجة الى الدعاء عند رؤية كل هلال لدفع أخطاره و أهواله، و فتح مساره و إقباله. و لم اقف الى الآن على دعاء شامل للمعاني التي يحتاج الداعي اليها عند رؤية هلال كل على البيان، و جوّزت أن يكون قد روي ذلك و لم اقف عليه، و رأيت أن إنشاء الدعوات بمقتضى الحاجات مأذون فيه في الروايات، فأنشأت فيه دعاء لكل شهر لأعمل عليه، و يعمل من يهديه اللّه جل جلاله اليه، الى ان أجد ما عساه قد روي في معناه فأعمل بمقتضاه.

و هو هذا الدعاء: اللّهمّ انّك جعلت من آياتك الدالة عليك، و من هباتك لمن تريد هدايته اليك، تدبير كلّ هالك عند ابتدائه و انتهائه، من اظهار النقصان عليه و اقبال التمام اليه، و جعلت ذلك على التدريج الدالّ على قدرتك و كمال اختيارك، و على رحمتك بمبارّك و أنوارك.

اللّهمّ و هذا شهر جديد، و ما نعلم ما يختصّ به هلاله السعيد، من خير فنسألك تسهيله و الزّيادة عليه، أو مكروه فنسألك محوه و تبديله بخير مما نحتاج اليه.

____________

(1) رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق: 342.

39

فنحن قائلون: اللّهمّ هب لنا ما نحتاج اليه في هذا الشّهر الجديد من العمر المديد، و العيش الرغيد، و من التأييد و المزيد، و كلّ عمل سعيد. و امح كلّ ما اشتمل عليه من كدر أو ضرر، أو امتحان أو نقصان، أو أذى من قريب أو بعيد أو ضعيف أو شديد.

و ألهمنا من حمدك و تقديس مجدك ما يكون مكمّلا لنا لما أنت أهله من رفدك.

و سيّرنا فيه على مطايا السّلامة و الاستقامة، و الامان من الندامة في الدنيا و يوم القيامة.

و اجعل حركاتنا و سكناتنا و اراداتنا و كراهاتنا صادرة عن المعاملة لك بوسائل الاخلاص، و فضائل الاختصاص.

و تفضّل علينا بالعفو و العافية في أدياننا و أبداننا و من يعزّ علينا، و كلّ ما أحسنت به الينا.

و اجعل كلّ ليلة و يوم حضر منه خيرا ممّا مضى قبله، و ضاعف لنا خير ذلك و فضله حتى نكون مجتهدين بالاعمال و الاقوال، في زيادات الكمال و الاقبال، و متعوّضين من نقصان الاعمار بانقضاء اللّيل و النّهار، بما نظهر به من الاستظهار للمقام تحت التراب و الاحجار، و لدفع اهوال يوم الاخطار، و لعمارة دار القرار.

فأدخلنا في شهرنا هذا مُدْخَلَ صِدْقٍ، و أقمنا به مقام صدق، و أخرجنا مُخْرَجَ صِدْقٍ، و اجعل لنا مِنْ لَدُنْكَ سُلْطٰاناً نَصِيراً، و زدنا في

40

الدنيا انعاما كثيرا، و في الاخرة نعيما و ملكا كبيرا، و ابدأ في ذلك بمن تريد تقديمه في الدعاء علينا، و أنزل علينا و كلّ محسن الينا رحمتك يا أرحم الراحمين.

و أما الصلاة في أول ليلة من الشهر، فانني وجدت في بعض الروايات

عَنْ مَوْلَانَا جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ:

إِنَّ مَنْ صَلَّى أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ وَ قَرَأَ سُورَةَ الْأَنْعَامِ فِي صَلَاتِهِ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكْفِيَهُ كُلَّ خَوْفٍ وَ وَجَعٍ أَمِنَ فِي بَقِيَّةِ ذَلِكَ الشَّهْرِ مِمَّا يَكْرَهُهُ

(1)

بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

أقول: و أما ما يعمله عند وقت رؤية الهلال من يخاف من عدو يؤذيه ببعض الأهوال، فإننا

رُوِّينَا: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ- بِإِسْنَادِهِ- قَالَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صلوات اللّه عليه) أَنَّهُ قَالَ:

«إِذَا خِفْتَ أَحَداً فَأَرَدْتَ أَنْ تُكْفَى أَمْرَهُ وَ شَرَّهُ- أَوْ كَمَا قَالَ (عليه السلام)- فَاعْتَمِدْ لَيْلَةَ الْهِلَالِ كَأَنَّكَ تُومِئُ إِلَيْهِ بِالْخِطَابِ وَ قُلْ:

أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنٰابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ لَهُ فِيهٰا مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰاتِ وَ أَصٰابَهُ الْكِبَرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفٰاءُ فَأَصٰابَهٰا إِعْصٰارٌ فِيهِ نٰارٌ فَاحْتَرَقَتْ (2)

فَاحْتَرَقَتْ (ثَلَاثاً)، وَ تُومِئُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ نَحْوَ دَارِ الرَّجُلِ الَّذِي تَخَافُهُ (وَ تَقُولُ): اللَّهُمَّ

(3)

طُمَّهُ بِالْبَلَاءِ طَمّاً، وَ عُمَّهُ بِالْبَلَاءِ عَمّاً، وَ ارْمِهِ

بِحِجٰارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ

، وَ طَيْرِكَ الْأَبَابِيلِ، يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ.

ثُمَّ تَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الشَّهْرِ وَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَإِنْ نَجَعَ وَ بَلَغَ مَا تُرِيدُهُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، وَ إِلَّا فَعَلْتَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، تَلْتَمِسُ

____________

(1) نَقَلَهُ الْمَجْلِسِيُّ فِي الْبِحَارِ 97: 133/ 1.

(2) الْبَقَرَةَ 2: 266.

(3) أَثْبَتْنَاهَا مِنْ نُسْخَةٍ «ن».

41

الْهِلَالَ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَ تَقُولُ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَ الثَّانِيَةِ وَ الثَّالِثَةِ، فَإِنْ نَجَعَ وَ إِلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ، وَ لَنْ تَحْتَاجَ إِلَيْهِ بِإِذْنِ اللَّهِ»

(1)

.

____________

(1) رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق: 347، و الكفعمي في مصباحه: 206.

42

الفصل الثاني: فيما يؤكل أول الشهر لئلا ترد له حاجة.

رَوَيْنَا ذَلِكَ بِإِسْنَادِنَا إِلَى هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيِّ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ) قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامِ بْنِ سُهَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْخَيْرِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْفَارِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبَانٍ الرَّازِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ:

«نِعْمَ اللُّقْمَةُ الْجُبُنُّ، تُعْذِبُ الْفَمَ وَ تُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَ تَهْضِمُ مَا قَبْلَهُ وَ تُشَهِّي الطَّعَامَ، وَ مَنْ يَعْتَمِدْ أَكْلَهُ رَأْسَ الشَّهْرِ أَوْشَكَ أَنْ لَا تُرَدَّ (لَهُ)

(1)

حَاجَةٌ»

(2)

.

أقول: فإياك أن تستبعد مثل هذه الآثار، و قد رواها هارون بن موسى و هو من الأخيار، و كم للّه جل جلاله في بلاده و عباده من الأسرار، ما لم يطلع عليه إلا من شاء من رسله و خواصه الأطهار. فيجب التسليم و الرضا و القبول، ممن شهدت بوجوب تصديقه العقول.

____________

(1) اثبتناها من نسخة «ن».

(2) روى الراوندي في دعواته: 152/ 410، و الطبرسي في مكارم الأخلاق: 189 نحوه، و نقله المجلسي في البحار 66: 105/ 11 و 97: 133/ 1.

43

الفصل الثالث: فيما نذكره مما يعمل أول كل شهر

<من صلاة و دعاء و صدقة صادرة عن من تدبيره من جملة تدبير اللّه جل جلاله و فضله، ليسلم العبد بذلك من خطر الشهر كله.>

رَوَيْنَا بِإِسْنَادِنَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ الْقُمِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَشْعَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ، عَنِ الْوَشَّاءِ- يَعْنِي الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ الْخَزَّازَ قَالَ:

كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) إِذَا دَخَلَ شَهْرٌ جَدِيدٌ يُصَلِّي أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثَلَاثِينَ مَرَّةً بِعَدَدِ أَيَّامِ الشَّهْرِ، وَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَ يَتَصَدَّقُ بِمَا يَتَسَهَّلُ، فَيَشْتَرِي بِهِ سَلَامَةَ ذَلِكَ الشَّهْرِ كُلِّهِ

(1)

.

وَ وَجَدْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْوِيّاً أَيْضاً عَنْ مَوْلَانَا جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عليهما السلام).

أَقُولُ: وَ رَأَيْتُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ زِيَادَةً: فَقَالَ:

«وَ يُسْتَحَبُّ إِذَا فَرَغْتَ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ تَقُولَ:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّٰا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهٰا وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهٰا وَ مُسْتَوْدَعَهٰا كُلٌّ فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ

____________

(1) رَوَاهُ الطُّوسِيُّ فِي مِصْبَاحِهِ: 470، وَ الرَّاوَنْدِيُّ فِي دَعَوَاتِهِ: 106/ 234، وَ ابْنُ طَاوُسٍ فِي إِقْبَالِ الْأَعْمَالِ:

87، وَ الْكَفْعَمِيُّ فِي مِصْبَاحِهِ: 407، وَ نَقَلَهُ الْمَجْلِسِيُّ فِي الْبِحَارِ 97/ 113 قِطْعَةً مِنَ الْحَدِيثِ 1.

44

(1) وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللّٰهُ بِضُرٍّ فَلٰا كٰاشِفَ لَهُ إِلّٰا هُوَ وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2)

.

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* سَيَجْعَلُ اللّٰهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (3) مٰا شٰاءَ اللّٰهُ لٰا قُوَّةَ إِلّٰا بِاللّٰهِ (4) حَسْبُنَا اللّٰهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ (5) وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ بَصِيرٌ بِالْعِبٰادِ (6) لٰا إِلٰهَ إِلّٰا أَنْتَ سُبْحٰانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّٰالِمِينَ (7) رَبِّ إِنِّي لِمٰا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (8) رَبِّ لٰا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوٰارِثِينَ (9)

»

(10)

.

يقول السيد الامام، العالم العامل، الفقيه الكامل، العلّامة الفاضل، الزاهد العابد، البارع الورع، رضي الدين، ركن الاسلام، جمال العارفين، أفضل السادة، أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاووس كبت اللّه أعداءه: قد عرفت أن

الْعِتْرَةَ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ (صلوات اللّه عليه و آله) الَّذِينَ كَانُوا قَائِمِينَ مَقَامَهُ فِي فِعَالِهِ وَ مَقَالِهِ، قَالُوا:

«إِنَّ مَا نَرْوِيهِ فَإِنَّهُ عَنْهُ، وَ مَأْخُوذٌ مِنْهُ»

فهم قدوة لمن اقتدى بفعلهم و قولهم، و هداة لمن عرف شرف محلهم، فاقتد في

____________

(1) هود 11: 6.

(2) الأنعام 6: 17.

(3) الطلاق 65: 7.

(4) الكهف 18: 39.

(5) آل عمران 3: 173.

(6) غافر 40: 44.

(7) الأنبياء 21: 87.

(8) القصص 28: 24.

(9) الأنبياء 21: 89.

(10) نقله المجلسي في البحار 97: 133/ 1.

45

السلامة من خطر كل شهر كما (1) أشار اليه مولانا محمد بن علي الجواد (صلوات اللّه عليه).

أقول: (و ينبغي أن تذكر) (2) عند صدقتك أن هذه الصدقة التي في يديك للّه جل جلاله، و من احسانه اليك، و الذي تشتريه من السلامة هو أيضا من ذخائره التي يملكها هو جل جلاله، و تريد أنت منه جل جلاله أن ينعم بها عليك، و أنت ملكه على اليقين لا تشك في ذلك ان كنت من العارفين، فاحضر بقلبك عند صلاتك و صدقتك هذه أنك تشتري ما يملكه اللّه جل جلاله لمن يملكه اللّه جل جلاله، فالمشتري- و هو أنت، كما قلناه- ملكه، و الذي تشتري به السلامة- و هو الصدقة- ملكه، و أن السلامة التي تشتريها ملكه، فاحذر أن تغفل عما أشرنا اليه، فقد كررناه ليكون على خاطرك الاعتماد عليه.

أقول: فاذا أديت الامانة في صلاتك و صدقتك، و خلصت نيتك في معاملتك للّه جل جلاله و مراقبتك، فكن واثقا بالسلامة من أخطار شهرك، و مصدقا في ذلك ولاة أمرك، و حسن الظن باللّه جل جلاله في صيانتك و نصرك.

أقول: و مما ينبغي أن تعرفه من سبيل أهل التوفيق و تعلمه فهو أبلغ في الظفر بالسلامة على التحقيق، و ذلك أن تبدأ في قلبك عند صلاة الركعتين و عند الصدقة و الدعاء بتقديم ذكر سلامة من يجب الاهتمام بسلامته قبل سلامتك، و هو الذي تعتقد أنه إمامك و سبب سعادتك في دنياك و آخرتك.

و اعلم أنه (صلوات اللّه عليه) غير محتاج الى توصلك بصلاتك و صدقتك و دعائك في سلامته من شهره، لكن اذا نصرته جازاك اللّه جل جلاله بنصره،

____________

(1) لعل الأنسب: بما.

(2) في نسخة «ك»: و كن، و اثبتنا ما في نسخة «ن».

46

و جعلك في حصن حريز، قال اللّه جل جلاله وَ لَيَنْصُرَنَّ اللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللّٰهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (1).

و لأن من كمال الوفاء لنائب خاتم الانبياء، أن تقدمه قبل نفسك في كل خير تقدر عليه، و دفع كل محذور أن يصل اليه، و كذا عادة كل انسان مع من هو أعز من نفسه عليه.

و لانك اذا استفتحت أبواب القبول، بطاعة اللّه جل جلاله و الرسول، يرجى أن تفتح الابواب لاجلهم، فتدخل أنت نفسك في ضيافة الدخول تحت ظلهم، و على موائد فضلهم.

يَقُولُ السَّيِّدُ الْإِمَامُ، الْعَالِمُ الْعَامِلُ، الْفَقِيهُ الْكَامِلُ، الْعَلَّامَةُ الْفَاضِلُ، الزَّاهِدُ الْعَابِدُ الْوَرِعُ، رَضِيُّ الدِّينِ، رُكْنُ الْإِسْلَامِ، جَمَالُ الْعَارِفِينَ، أَفْضَلُ السَّادَةِ، أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّاوُسُ كَبَّتَ اللَّهُ أَعْدَاءَهُ: وَ قَدْ رُوِّينَا

أَنَّ صَلَاةَ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ رَكْعَتَانِ، يُقْرَأُ فِي الْأُولَى الْحَمْدُ وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مَرَّةً، وَ فِي الثَّانِيَةِ الْحَمْدُ وَ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ مَرَّةً.

و لعل هذه الرواية الخفيفة مختصة بمن يكون وقته ضيقا عن قراءة ثلاثين مرة في كل ركعة، إما على طريق سفر أو لأجل مرض أو غير ذلك من الأعذار.

أقول: و وجدت جماعة من العجم يعملون على أن الاختيار في أيام الشهور على شهور الفرس دون الشهور العربية، و ما كان الامر كما عملوا به، لامور:

منها: أننا و من رأيناه منهم يصلي صلاة أول كل شهر للحفظ من أكداره يصلي على شهور العرب.

____________

(1) الحج 22: 40.

47

و منها: أن الصدقة في أول كل شهر للسلامة من أخطاره على شهور العرب.

و منها: أن من وجدته يصلي صلاة أول ليلة من كل شهر للسلامة من مضاره رأيته يصليها في أول ليلة من شهور العرب.

و منها. أن أول السنة بإجماع المسلمين إما الشهر المحرم أو شهر رمضان، و كلاهما من شهور العرب.

و منها: أن خطاب الشريعة المحمدية يحمل على لسانه العربي الذي جاء به شريف القرآن الإلهي.

و منها: أنني اعتبرت الوعود و الوعيد المتضمن لايام الشهور فوجدت كثيرا منها موجودا في شهور العرب.

و منها: ما يحصن من محذورات الايام التي تكره فيها الحركات غير ما قدمناه من الصلوات و الصدقات.

حَدَّثَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْفَحَّامُ السُّرَّمَرَّائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ الْمَنْصُورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّرِيِّ سَهْلُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُلَقَّبُ بِأَبِي نُوَاسٍ مُؤَذِّنُ الْمَسْجِدِ المعلق بصف شنيف. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ

: وَ كَانَ يُلَقَّبُ بِأَبِي نُوَاسٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يُطَيِّبُ وَ يُكْثِرُ الْمِزَاحَ وَ يُظْهِرُ التَّشَيُّعَ عَلَى طَرِيقِ الطَّيْبَةِ وَ التَّخَالُعَ وَ يَسْلَمُ عِنْدَ مُخَالِفِيهِ، وَ كَانَ مَوْلَانَا الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (صلوات اللّه عليه) يَقُولُ لَهُ: «أَنْتَ أَبُو نُوَاسِ الْحَقِّ وَ ذَاكَ أَبُو نُوَاسِ الْغَيِّ وَ الْبَاطِلِ»

(1)

وَ كَانَ يَخْدُمُ سَيِّدَ الْأَنَامِ (عليه السلام).

____________

(1) رَوَاهُ الطُّوسِيُّ فِي أَمَالِيهِ 1: 283.

48

قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا سَيِّدِي عِنْدِي اخْتِيَارَاتُ الْأَيَّامِ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ (عليه السلام)، حَدَّثَنِي بِهِ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَهَّرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَيِّدِنَا الصَّادِقِ (عليه السلام). وَ عَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وَ صَحَّحْتُهُ بِتَصْحِيحِهِ لَهُ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيَّامٌ مَنْحُوسَةٌ تُقْطَعُ عَنِ الْحَوَائِجِ، فَإِذَا دَعَتْنِي ضَرُورَةٌ إِلَى السَّعْيِ فِيهَا لِحَاجَةٍ لَا يُمْكِنُنِي تَرْكُهَا، فَعَلِّمْنِي مَا أَحْتَرِزُ بِهِ مِنْهَا لِأَسْعَى فِي جَمِيعِهَا فِي حَوَائِجِي.

فَقَالَ: «يَا سَهْلُ، إِنَّ لِشِيعَتِنَا بِوَلَايَتِنَا عِصْمَةً، لَوْ سَلَكُوا بِهَا لُجَجَ الْبِحَارِ الْغَامِرَةِ وَ سَبَاسِبَ

(1)

الْبَيْدَاءِ الْغَابِرَةِ، بَيْنَ سِبَاعٍ وَ ذِئَابٍ وَ أَعَادِي الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ، أَمِنُوا مِنْ مَخَاوِفِهِمْ بِنَا وَ بِوَلَايَتِنَا، فَثِقْ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَ أَخْلِصِ الْوَلَاءَ لِأَئِمَّتِكَ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَ تَوَجَّهْ حَيْثُ شِئْتَ. يَا سَهْلُ إِذَا أَصْبَحْتَ وَ قُلْتَ ثَلَاثاً: أَصْبَحْتُ اللَّهُمَّ مُعْتَصِماً بِذِمَامِكَ وَ جِوَارِكَ الْمَنِيعِ الَّذِي لَا يُطَاوَلُ وَ لَا يُحَاوَلُ، مِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ وَ غَاشِمٍ مِنْ سَائِرِ مَنْ خَلَقْتَ وَ مَا خَلَقْتَ مِنْ خَلْقِكَ الصَّامِتِ وَ النَّاطِقِ، فِي جُنَّةٍ مِنْ كُلِّ مَخُوفٍ، بِلِبَاسٍ سَائِغَةٍ حَصِينَةٍ، وَ هِيَ وَلَاءُ أَهْلِ نَبِيِّكَ، مُحْتَجِزاً مِنْ كُلِّ قَاصِدٍ لِي إِلَى أَذِيَّةٍ بِجِدَارٍ حَصِينٍ: الْإِخْلَاصِ فِي الِاعْتِرَافِ بِحَقِّهِمْ، وَ التَّمَسُّكِ بِحَبْلِهِمْ جَمِيعاً، مُوقِناً أَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَ مَعَهُمْ وَ مِنْهُمْ وَ فِيهِمْ وَ بِهِمْ، أُوَالِي مَنْ وَالَوْا، وَ أُعَادِي مَنْ عَادَوْا، وَ أُجَانِبُ مَنْ جَانَبُوا، فَأَعِذْنِي اللَّهُمَّ بِهِمْ مِنْ شَرِّ كُلِّ مَا أَتَّقِيهِ، إِنَّا

____________

(1) السبسب: الْمَفَازَةُ: يُقَالُ بَلَدٌ سبسب وَ بَلَدٌ سَبَاسِبُ، وَ الْمَفَازَةُ هِيَ الْأَرْضُ الْمُقْفِرَةُ الْمُوحِشَةُ الَّتِي لَا مَاءَ فِيهَا. انْظُرِ الصِّحَاحَ- سبب- 1: 145، وَ لِسَانَ الْعَرَبِ- فوز- 5: 392.

49

جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لٰا يُبْصِرُونَ (1)

وَ قُلْتَهَا عِنْدَ الْمَسَاءِ ثَلَاثاً أَمِنْتَ مَخَاوِفَكَ.

وَ إِذَا أَرَدْتَ التَّوَجُّهَ فِي يَوْمِ نَحْسٍ وَ خِفْتَ مَا فِيهِ، تُقَدِّمْ قِرَاءَةَ (الْحَمْدِ) وَ (الْمُعَوِّذَتَيْنِ) وَ (آيَةِ الْكُرْسِيِّ) وَ سُورَةِ (الْقَدْرِ) وَ آخِرِ (آلِ عِمْرَانَ) وَ قُلِ: اللَّهُمَّ بِكَ يَصُولُ الصَّائِلُ، وَ بِكَ يَطُولُ الطَّائِلُ، وَ لَا حَوْلَ لِكُلِّ ذِي حَوْلٍ إِلَّا بِكَ، وَ لَا قُوَّةَ يَمْتَارُهَا ذُو قُوَّةٍ إِلَّا مِنْكَ، أَسْأَلُكَ بِصَفْوَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَ خِيَرَتِكَ مِنْ بَرِيَّتِكَ، مُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ وَ عِتْرَتِهِ وَ سُلَالَتِهِ عَلَيْهِ وَ (عليهم السلام)، صَلِّ عَلَيْهِمْ، وَ اكْفِنِي شَرَّ هَذَا الْيَوْمِ وَ ضُرَّهُ، وَ ارْزُقْنِي خَيْرَهُ وَ يُمْنَهُ، وَ اقْضِ لِي فِي مُنْصَرَفَاتِي بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ، وَ بُلُوغِ الْمَحَبَّةِ، وَ الظَّفَرِ بِالْأُمْنِيَّةِ، وَ كِفَايَةِ الطَّاغِيَةِ الْغَوِيَّةِ، وَ كُلِّ ذِي قُدْرَةٍ لِي عَلَى أَذِيَّةٍ، حَتَّى أَكُونَ فِي جُنَّةٍ وَ عِصْمَةٍ، مِنْ كُلِّ بَلَاءٍ وَ نِقْمَةٍ، وَ أَبْدِلْنِي مِنَ الْمَخَاوِفِ فِيهِ أَمْناً، وَ مِنَ الْعَوَائِقِ فِيهِ يُسْراً، حَتَّى لَا يَصُدَّنِي صَادٌّ عَنِ الْمُرَادِ، وَ لَا يَحُلَّ بِي طَارِقٌ مِنْ أَذَى الْعِبَادِ،

إِنَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*

، وَ الْأُمُورُ إِلَيْكَ تَصِيرُ، يَا مَنْ

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

»

(2)

.

أقول: و قد كنّا ذكرنا هذا الحديث في تعقيب صلاة الصبح في الجزء الثاني من كتاب المهمات، و إنما ذكرناه ههنا لتباعد ما بينهما، و لان هذا المكان لعله أحق بذكره فيه.

____________

(1) يس: 36: 9.

(2) رواه الشيخ الطوسي في أماليه 1: 284 باختلاف يسير.

50

أقول: و سوف نذكر بعد تعريف ما في الشهر من متكرّر الصيام، ما نرويه عن مولانا الصادق عليه أفضل السّلام، من دعاء لكل يوم من الشهر على التفصيل، و تعمل عليه، فانها احراز واقية، من خطر يسير أو جليل.

51

الفصل الرابع: فيما نذكره من صوم داود (عليه السلام)

. رَوَيْنَاهُ بِإِسْنَادِنَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّوبَ الْخَزَّازِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (صلوات اللّه عليه) قَالَ:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَوَّلَ مَا بُعِثَ يَصُومُ حَتَّى يُقَالَ: لَا يُفْطِرُ، وَ يُفْطِرُ حَتَّى يُقَالَ: لَا يَصُومُ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَ صَامَ يَوْماً وَ أَفْطَرَ يَوْماً، وَ هُوَ صَوْمُ دَاوُدَ (عليه السلام)»

(1)

.

و من ذلك مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ- بِإِسْنَادِهِ- قَالَ:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ:

أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنِ الصَّوْمِ فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ عَنِ الْبِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَ خَمْسَ عَشْرَةَ؟».

قَالَ: إِنَّ بِي قُوَّةً.

فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ؟».

فَقَالَ: إِنَّ بِي قُوَّةً.

____________

(1) رَوَى الْحِمْيَرِيُّ فِي قُرْبِ الإسناد: 89/ 299 نَحْوَهُ، وَ الْكُلَيْنِيُّ فِي الْكَافِي 4: 90/ 2 بِزِيَادَةٍ فِيهِ، وَ بِاخْتِلَافٍ يَسِيرٍ رَوَاهُ الصَّدُوقُ فِي الْخِصَالِ: 390/ 80، وَ فِي ثَوَابِ الأعمال: 105/ 6، وَ كَذَا الشَّيْخُ الْمُفِيدُ فِي الْمُقْنِعَةِ:

370، وَ نَقَلَهُ الْحُرُّ الْعَامِلِيُّ فِي الْوَسَائِلِ 10: 438/ 1.

52

فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ عَنْ صَوْمِ دَاوُدَ (عليه السلام)، كَانَ يَصُومُ يَوْماً وَ يُفْطِرُ يَوْماً»

(1)

.

____________

(1) نقل المجلسي في البحار 97: 104/ 40 قطعة منه، و نقله الحر العاملي في الوسائل 10: 438/ 2.

53

الفصل الخامس: فيما نذكره من صوم جماعة من الانبياء و أبناء الانبياء (صلوات اللّه جل جلاله عليهم)

. رَوَيْنَاهُ بِإِسْنَادِنَا إِلَى ابْنِ فَضَّالٍ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُبَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وُهَيْبٍ، عَنْ أَبِي صَدَقَةَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ

: أَتَاهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنِ الصِّيَامِ، فَقَالَ: عَنْ أَيِّ الصِّيَامِ تَسْأَلُنِي؟ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صَوْمَ دَاوُدَ (عليه السلام)- أَبِي سُلَيْمَانَ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ وَ أَشْجَعِ النَّاسِ، وَ كَانَ لَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى، وَ كَانَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ بِسَبْعِينَ صَوْتاً يُلَوِّنُ، وَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ تَبْقَ دَابَّةٌ فِي بَرٍّ وَ لَا بَحْرٍ إِلَّا اسْتَمَعْنَ لِصَوْتِهِ، وَ يَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ، وَ كَانَتْ لَهُ سَجْدَةٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ يَدْعُو فِيهَا وَ يَتَضَرَّعُ، وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): «إِنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ صِيَامُ أَخِي دَاوُدَ (عليه السلام) وَ كَانَ يَصُومُ يَوْماً وَ يُفْطِرُ يَوْماً».

وَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صِيَامَ ابْنِهِ سُلَيْمَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ثَلَاثَةً، وَ مِنْ وَسَطِهِ ثَلَاثَةً، وَ مِنْ آخِرِهِ ثَلَاثَةً.

وَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صَوْمَ ابْنِ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ لَا يُفْطِرُ مِنْهُ شَيْئاً، وَ كَانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ، وَ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ يَخْرَبُ، و لَا وَلَدٌ يَمُوتُ، وَ كَانَ رَامِياً لَا يُخْطِئُ صَيْداً يُرِيدُهُ، وَ حَيْثُمَا غَابَتِ الشَّمْسُ

54

صَفَّ قَدَمَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى يَرَاهَا. وَ كَانَ يَمُرُّ بِمَجَالِسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَضَاهَا، وَ كَانَ لَا يَقُومُ مَقَاماً إِلَّا وَ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ.

وَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صَوْمَ أُمِّهِ (عليها السلام) فَإِنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَيْنِ وَ تُفْطِرُ يَوْماً.

وَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صِيَامَ خَيْرِ الْبَشَرِ، الْعَرَبِيِّ الْقُرَشِيِّ، أَبِي الْقَاسِمِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (مِنْ)

(1)

كُلِّ شَهْرٍ، وَ يَقُولُ: «هِيَ صِيَامُ الدَّهْرِ»

(2)

.

____________

(1) اثبتناها من نسخة «ن».

(2) نقله الحر العاملي في الوسائل 10: 439/ 3.