نكت النهاية - ج2

- المحقق الحلي المزيد...
494 /
3

كتاب الجهاد و سيرة الإمام

4

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

«1» باب فرض الجهاد و من يجب عليه و شرائط وجوبه و حكم الرباط

الجهاد فريضة من فرائض الإسلام، و ركن من أركانه.

و هو فرض على الكفاية، و معنى ذلك: أنه إذا قام به من في قيامه كفاية و غناء عن الباقين، و لا يؤدي إلى الإخلال بشيء من أمر الدين، سقط عن الباقين، و متى لم يقم به أحد، لحق جميعهم الذم، و استحقوا بأسرهم العقاب.

و يسقط الجهاد عن النساء، و الصبيان، و الشيوخ الكبار، و المجانين، و المرضى، و من ليس به نهضة إلى القيام بشرطه.

و من كان متمكنا من إقامة غيره مقامه في الدفاع عنه، و هو غير متمكن من القيام به بنفسه، وجب عليه إقامته، و إزاحة علته في ما يحتاج إليه.

و من تمكن من القيام بنفسه، فأقام غيره مقامه، سقط [1] فرضه، إلا أن يلزمه الناظر في أمر المسلمين القيام بنفسه، فحينئذ يجب عليه أن يتولى هو الجهاد، و لا يكفيه إقامة غيره.

____________

[1] في م: «عنه فرضه».

5

و من وجب عليه الجهاد إنما يجب عليه عند شروط، و هي أن يكون الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره، و لا يسوغ لهم الجهاد من دونه ظاهرا، أو يكون من نصبه الإمام للقيام بأمر المسلمين حاضرا، ثمَّ يدعوهم إلى الجهاد، فيجب عليهم حينئذ القيام به. و متى لم يكن الإمام ظاهرا، و لا من نصبه الإمام حاضرا، لم يجز مجاهدة العدو.

و الجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام، خطأ يستحق فاعله به الإثم.

و إن أصاب لم يؤجر عليه، و إن أصيب كان مأثوما، اللهم إلا أن يدهم المسلمين أمر من قبل العدو يخاف منه على بيضة الإسلام و يخشى بواره، أو يخاف على قوم منهم، وجب حينئذ أيضا جهادهم و دفاعهم، غير أنه يقصد المجاهد- و الحال على ما وصفناه- الدفاع عن نفسه و عن حوزة الإسلام و عن المؤمنين، و لا يقصد الجهاد مع الإمام الجائر، و لا مجاهدتهم ليدخلهم في الإسلام.

و المرابطة في سبيل الله فيها فضل كبير، و ثواب جزيل، غير أن الفضل فيها يكون حال [1] كون الإمام ظاهرا. و حدها ثلاثة أيام إلى أربعين يوما. فإن زاد على ذلك، كان حكمه حكم المجاهدين و ثوابه ثوابهم. و متى لم يكن الإمام ظاهرا، لم يكن فيه ذلك الفضل.

فإن نذر في حال استتار الإمام و انقباض يده عن التصرف أن يرابط، وجب عليه الوفاء به. غير أنه يكون حكمه ما ذكرناه من أنه لا يبدأ العدو بالقتال، و إنما يدفعهم إذا خاف سطوتهم.

و إن نذر أن يصرف شيئا من ماله إلى المرابطين في حال ظهور

____________

[1] في م: «في حال».

6

الإمام، وجب عليه الوفاء به. و إن نذر ذلك في حال انقباض يد الإمام، صرف ذلك في وجوه البر. اللهم إلا أن يكون قد نذر ظاهرا، و يخاف في الإخلال به الشنعة عليه، فحينئذ يجب [1] الوفاء به.

و من أخذ من إنسان شيئا، ليرابط عنه في حال انقباض يد الإمام، فليرد عليه، و لا يلزمه الوفاء به. فإن لم يجد من أخذه منه، وجب عليه الوفاء به، و لزمته المرابطة.

و من لا يمكنه المرابطة بنفسه، فرابط دابة، أو أعان المرابطين بشيء يقوم بأحوالهم، كان له في ذلك أجر كبير.

و من دخل أرض العدو بأمان من جهتهم، فغزاهم قوم آخرون من الكفار، جاز له قتالهم، و يكون قصده بذلك الدفاع عن نفسه، و لا يقصد معاونة المشركين و الكفار.

«2» باب من يجب قتاله [2] من المشركين و كيفية قتالهم

كل من خالف الإسلام من سائر أصناف الكفار يجب مجاهدتهم و قتالهم، غير أنهم ينقسمون قسمين:

قسم [3] لا يقبل منهم إلا الإسلام و الدخول فيه، أو يقتلون، و تسبى ذراريهم، و تؤخذ أموالهم. و هم جميع أصناف الكفار، إلا اليهود و النصارى و المجوس.

____________

[1] في م: «عليه».

[2] في ح، ص، ن: «قتالهم».

[3] في م زيادة «منهم».

7

و القسم الآخر هم [1] الذين تؤخذ منهم الجزية. و هم الأجناس الثلاثة الذين ذكرناهم. فإنهم متى انقادوا للجزية، و قبلوها، و قاموا بشرائطها، لم يجز قتالهم، و لم يسغ سبي ذراريهم. و متى أبو الجزية، أو أخلوا بشرائطها، كان حكمهم حكم غيرهم من الكفار في أنه يجب عليهم القتل و سبي الذراري و أخذ الأموال.

و لا يجوز قتال أحد من الكفار إلا بعد دعائهم إلى الإسلام و إظهار الشهادتين و الإقرار بالتوحيد و العدل و التزام جميع شرائع الإسلام. فمتى دعوا إلى ذلك، فلم يجيبوا، حل قتالهم. و متى لم يدعوا، لم يجز قتالهم.

و الداعي ينبغي أن يكون الإمام، أو من يأمره الإمام.

و لا يجوز قتال النساء. فإن قاتلن المسلمين و عاون أزواجهن و رجالهن، أمسك عنهن. فإن اضطروا إلى قتلهن، جاز حينئذ قتلهن، و لم يكن به بأس.

و شرائط الذمة الامتناع من مجاهرة المسلمين بأكل لحم الخنزير، و شرب الخمور، و أكل الربا، و نكاح المحرمات في شريعة الإسلام. فمتى فعلوا شيئا من ذلك، فقد خرجوا من الذمة، و جرى عليهم أحكام الكفار.

و من أسلم من الكفار، و هو بعد في دار الحرب، كان إسلامه حقنا لدمه من القتل، و ولده الصغار من السبي- فأما الكبار منهم و البالغون، فحكمهم حكم غيرهم من الكفار- و ماله من الأخذ، كل ما كان صامتا أو متاعا أو أثاثا، و ما يمكن نقله إلى دار الإسلام، و أما الأرضون

____________

[1] في ص، م: «و هم».

8

و العقارات و ما لا يمكن نقله، فهو فيء للمسلمين.

و يجوز قتال الكفار بسائر أنواع القتل و أسبابه إلا السم، فإنه لا يجوز أن يلقى في بلادهم السم.

و متى استعصى على المسلمين موضع منهم، كان لهم أن يرموهم بالمناجيق و النيران و غير ذلك مما يكون فيه فتح لهم و إن كان في جملتهم قوم من المسلمين النازلين عليهم. و متى هلك المسلمون فيما بينهم، أو هلك لهم من أموالهم شيء، لم يلزم المسلمين و لا غيرهم غرامتهم من الدية و الأرش، و كان ضائعا.

و لا بأس بقتال المشركين في أي وقت كان، و في أي شهر كان، إلا الأشهر الحرم، فإن من يرى منهم خاصة لهذه الأشهر حرمة لا يبتدءون فيها بالقتال. فإن بدءوهم بقتال المسلمين، جاز حينئذ قتالهم. و إن لم يبتدوا أمسك عنهم إلى انقضاء هذه الأشهر. فأما غيرهم من سائر أصناف الكفار فإنهم يبتدءون فيها بالقتال على كل حال.

و لا بأس بالمبارزة بين الصفين في حال القتال، و لا يجوز له أن يطلب المبارزة، إلا بإذن الإمام.

و لا يجوز لأحد أن يؤمن إنسانا على نفسه ثمَّ يقتله، فإنه يكون غادرا.

و يلحق بالذراري من لم يكن قد أنبت بعد. و من أنبت، الحق بالرجال، و أجري عليه أحكامهم.

و يكره قتل من يجب قتله صبرا، و إنما يقتل على غير ذلك الوجه.

و لا يجوز أن يفر واحد من واحد و لا اثنين. فإن فر منهما، كان مأثوما. و من فر من أكثر من اثنين، لم يكن عليه شيء.

9

«3» باب قسمة الفيء و أحكام الأسارى

قد بينا في كتاب الزكاة (1) كيفية قسمة الفيء على التفصيل، غير أنا نذكره هاهنا مجملا، و نزيد عليه ما يحتاج اليه مما يليق بهذا المكان.

كل ما غنمه المسلمون من المشركين، ينبغي للإمام أن يخرج منه الخمس، فيصرفه إلى أهله [1] و مستحقيه- حسب ما قدمناه في كتاب الزكاة- و الباقي على ضربين:

ضرب منه للمقاتلة خاصة دون غيرهم من المسلمين.

و ضرب هو عام لجميع المسلمين مقاتلتهم و غير مقاتلتهم.

فالذي هو عام لجميع المسلمين، فكل ما عدا ما حوى [2] العسكر من الأرضين و العقارات و غير ذلك، فإنه بأجمعه فيء للمسلمين، من غاب منهم، و من حضر على السواء.

و ما حوى العسكر يقسم بين المقاتلة خاصة، و لا يشركهم فيه غيرهم.

فإن قاتلوا، و غنموا، فلحقهم قوم آخرون لمعاونتهم، كان لهم من القسمة مثل ما لهم، يشاركونهم فيها.

و ينبغي للإمام أن يسوي بين المسلمين في القسمة، و [3] لا يفضل أحدا منهم لشرفه أو علمه أو زهده على من ليس كذلك في قسمة الفيء.

و ينبغي أن يقسم للفارس سهمين و للراجل سهما.

____________

[1] في م: «في أهله».

[2] في ص: «حواه».

[3] ليس «و» في (م).

____________

(1) الباب 12، ص 449، ج 1.

10

فإن كان مع الرجل أفراس جماعة لم يسهم منها الا لفرسين منها.

و من ولد في أرض الجهاد، كان له من السهم مثل ما للمقاتل على السواء.

و إذا قاتل قوم من المسلمين المشركين في السفينة، فغنموا، و فيهم الفرسان و الرجالة، كان قسمتهم مثل قسمتهم لو قاتلوا على البر سواء:

للفارس سهمان، و للراجل سهم.

و عبيد المشركين إذا لحقوا بالمسلمين قبل مواليهم، و أسلموا، كانوا أحرارا، و حكمهم حكم المسلمين، و إن لحقوا بهم بعد مواليهم، كان حكمهم حكم العبيد.

و متى أغار المشركون على المسلمين، فأخذوا منهم ذراريهم و عبيدهم و أموالهم، ثمَّ ظفر بهم المسلمون، فأخذوا منهم ما كانوا أخذوا منهم المشركون، فإن أولادهم يردون إليهم بعد أن يقيموا بذلك بينة، و لا يسترقون، فأما العبيد فإنهم يقومون في سهام المقاتلة، و يعطي الإمام مواليهم أثمانهم من بيت المال، و كذلك الحكم في أمتعتهم و أثاثاتهم [1] على السواء.

و الأسارى على ضربين: ضرب منهم هو كل أسير أخذ قبل أن تضع الحرب أو زارها، و ينقضي القتال، فإنه لا يجوز للإمام استبقاؤهم، و يكون مخيرا بين أن يضرب رقابهم أو يقطع أيديهم و أرجلهم، و يتركهم حتى ينزفوا و يموتوا. و الضرب الآخر هو كل أسير أخذ بعد أن وضعت

____________

[1] في ح، ص، ن، ملك: «أثاثهم».

11

الحرب أو زارها، فإنه يكون الإمام فيه مخيرا: إن شاء من عليه فأطلقه، و إن شاء أستعبده، و إن شاء فاداه.

و من أخذ أسيرا، فعجز عن المشي، و لم يكن معه ما يحمله عليه إلى الإمام، فليطلقه، فإنه لا يدري ما حكم الإمام فيه.

و من كان في يده أسير، وجب عليه أن يطعمه و يسقيه، و إن أرادوا قتله بعد لحظة.

و المسلم إذا أسره المشركون، لم يجز له أن يتزوج فيما بينهم. فإن اضطر، جاز له أن يتزوج في اليهود و النصارى، فأما غيرهم فلا يقربهم على حال.

«4» باب قتال أهل البغي و المحاربين و كيفية قتالهم و السيرة فيهم

كل من خرج على إمام عادل، و نكث بيعته، و خالفه في أحكامه، فهو باغ، و جاز للإمام قتاله و مجاهدته. و يجب على من يستنهضه الإمام في قتالهم، النهوض معه، و لا يسوغ له التأخر عن ذلك.

و من خرج على إمام جائر، لم يجز قتالهم على حال.

و لا يجوز لأحد قتال أهل البغي إلا بأمر الإمام.

و من قاتلهم، فلا ينصرف عنهم إلا بعد الظفر أو يفيئوا إلى الحق، و من رجع عنهم من دون ذلك، كان فارا من الزحف.

و أهل البغي على ضربين: ضرب منهم يقاتلون، و لا تكون لهم فئة

12

يرجعون إليه. و الضرب الآخر تكون لهم فئة يرجعون إليه.

فإذا لم يكن لهم فئة يرجعون إليه، فإنه لا يجاز [1] على جريحهم، و لا يتبع مدبرهم، و لا تسبى ذراريهم، و لا يقتل أسيرهم.

و متى كان لهم فئة يرجعون إليه، جاز للإمام أن يجير [2] على جرحاهم، و أن يتبع مدبرهم، و أن يقتل أسيرهم- و لا يجوز سبي الذراري على حال- و يجوز للإمام أن يأخذ من أموالهم ما حوى العسكر، و يقسم على المقاتلة حسب ما قدمناه (3)، و ليس له ما لم يحوه العسكر، و لا له إليه سبيل على حال.

و المحارب هو كل من قصد إلى أخذ مال الإنسان، و أشهر السلاح في بر، أو بحر، أو سفر، أو حضر. فمتى كان شيء من ذلك، جاز للإنسان دفعه عن نفسه و عن ماله. فإن أدى ذلك إلى قتل اللص، لم يكن عليه شيء. و إن أدى إلى قتله هو [3]، كان شهيدا، و ثوابه ثواب الشهداء.

«5» باب من الزيادات في ذلك

يجوز (1) للإمام أن يذم لقوم من المشركين، و يجوز له أن يصالحهم على

____________

باب الزيادات

قوله (رحمه الله): «يجوز للإمام أن يذم لقوم من المشركين، و يجوز له أن

____________

[1] في خ، ملك: «يجهز».

[2] في خ، ملك، «يجهز».

[3] ليس «هو» في (خ). و في ص: «ما كان». و في ملك: «كان هو».

____________

(3) في الباب السابق، ص 10.

13

ما يراه، و لا يجوز لأحد أن يذم عليه إلا بإذنه.

و إذا كان [1] جماعة من المسلمين في سرية، فأذم واحد منهم لمشرك، كانت ذمته ماضية على الكل، و لم يجز لأحد منهم الخلاف عليه [2] و إن كان أدونهم في الشرف، حرا كان أو عبدا.

و متى استذم قوم من المشركين إلى المسلمين، فقال لهم المسلمون لا نذمكم، فجاءوا إليهم ظنا منهم أنهم أذموهم، كانوا مأمونين، و لم يكن عليهم سبيل.

و من أذم مشركا أو غير مشرك، ثمَّ أخفره [3]، و نقض ذمامه، كان

____________

يصالحهم على ما يراه، و لا يجوز لأحد أن يذم عليه إلا بإذنه. فإذا كانوا جماعة من المسلمين في سرية فأذم واحد منهم لمشرك، كانت ذمته ماضية على الكل، و لم يجز لأحد منهم الخلاف و إن كان أدونهم في الشرف، حرا كان أو عبدا». و قال: «من أذم مشركا أو غير مشرك، ثمَّ خفره، و نقض ذمامه، كان غادرا آثما».

كيف قال في المسألة الأولى: «و لا يجوز لأحد أن يذم عليه إلا بإذنه» و قد أجاز في هاتين المسألتين ذلك؟

الجواب: النهي إنما هو أن يذم الواحد لقوم، فهذا لا يمضي ذمامه على الامام، أما إذا أذم للواحد، مضى ذمامه على الكل لقوله (4) (عليه السلام): و يسعى بذمتهم أدناهم. و كذا إذا أذم لواحد لم يجز للمذم أن يغدر، لأن ذمامه ماض للواحد على غيره و على نفسه.

____________

[1] في غير (ح): «كانوا».

[2] في ب، د، ح: «عليهم». كذا.

[3] في م، ن: «خفره».

____________

(4) الوسائل: ج 19، الباب 31، من أبواب القصاص في النفس، ص 55.

14

غادرا آثما.

و يكره أن يعرقب الإنسان الدابة على جميع الأحوال. فإن وقفت عليه في أرض العدو، فليخلها، و لا يعرقبها.

و إذا اشتبه قتلى المشركين بقتلى المسلمين، فليوار منهم من كان صغير الذكر على ما روي في بعض الأخبار (1).

و لا بأس أن يغزو الإنسان عن غيره، و يأخذ منه على ذلك الجعل.

و يكره تبييت العدو ليلا، و إنما يلاقون بالنهار.

و يستحب أن لا يؤخذ في القتال إلا بعد زوال الشمس، فإن اقتضت المصلحة تقديمه قبل الزوال، لم يكن به بأس.

و لا يجوز التمثيل بالكفار، و لا الغدر بهم، و لا الغلول منهم.

و لا ينبغي أن تقطع الأشجار المثمرة في أرض العدو للإضرار [1] بهم، الا عند الحاجة إليها.

و لا ينبغي تغريق المساكن و الزروع إلا عند الحاجة الشديدة إلى ذلك.

و ليس للأعراب من الغنيمة شيء و إن قاتلوا مع المهاجرين.

«6» باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و من له [2] إقامة الحدود و القضاء و من ليس له ذلك

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فرضان من فرائض الإسلام،

____________

[1] في غير م: «و الإضرار».

[2] في ح: «له أو إليه».

____________

(1) الوسائل، ج 11، الباب 65 من أبواب جهاد العدو.، ح 1، ص 112.

15

و هما فرضان على الأعيان، لا يسع أحدا تركهما و الإخلال بهما.

و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يجبان بالقلب و اللسان و اليد إذا تمكن المكلف من ذلك، و علم أنه لا يؤدي إلى ضرر عليه، و لا على أحد من المؤمنين لا في الحال و لا في مستقبل الأوقات، أو ظن ذلك. فإن علم الضرر في ذلك، إما عليه أو على غيره، إما في الحال أو في مستقبل الأوقات، أو غلب على ظنه، لم يجب عليه من هذه الأنواع، إلا ما يأمن معه الضرر على كل حال.

و الأمر بالمعروف يكون باليد و اللسان.

فأما باليد، فهو أن يفعل المعروف و يجتنب [1] المنكر على وجه يتأسى به الناس.

و أما باللسان، فهو أن يدعوا الناس إلى المعروف، و يعدهم على فعله المدح و الثواب، و يزجرهم، و يحذرهم في الإخلال به من العقاب.

فمتى لم يتمكن من هذين النوعين، بأن يخاف ضررا عليه أو على غيره، اقتصر على اعتقاد وجوب الأمر بالمعروف بالقلب، و ليس عليه أكثر من ذلك.

و قد يكون الأمر بالمعروف باليد بأن يحمل الناس على ذلك بالتأديب و الردع و قتل النفوس و ضرب من الجراحات، إلا أن هذا الضرب لا يجب فعله إلا بإذن سلطان الوقت المنصوب للرئاسة. فإن فقد الإذن من جهته، اقتصر على الأنواع التي ذكرناها.

و إنكار المنكر يكون بالأنواع الثلاثة التي ذكرناها.

____________

[1] في م: «يتجنب».

16

فأما باليد، فهو أن يؤدب فاعله بضرب من التأديب: إما الجراح أو الألم أو [1] الضرب، غير أن ذلك مشروط بالإذن من جهة السلطان حسب ما قدمناه. فمتى فقد الإذن من جهته اقتصر على الإنكار باللسان و القلب.

و يكون الإنكار باللسان، بالوعظ و الإنذار و التخويف من فعله بالعقاب و الذم.

و قد يجب عليه [2] إنكار المنكر بضرب من الفعل، و هو أن يهجر فاعله، و يعرض عنه و عن تعظيمه، و يفعل معه من الاستخفاف ما يرتدع معه من المناكير.

و إن خاف الفاعل للإنكار باللسان ضررا، اقتصر على الإنكار بالقلب حسب ما قدمناه في المعروف سواء.

فأما إقامة الحدود، فليس يجوز لأحد إقامتها، إلا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله «تعالى»، أو من نصبه الإمام لإقامتها و لا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال.

و قد رخص (1) في حال قصور أيدي أئمة الحق و تغلب الظالمين: أن يقيم الإنسان الحد على ولده و أهله و مماليكه إذا لم يخف في ذلك ضررا من الظالمين، و أمن من [3] بوائقهم. فمتى لم يأمن ذلك، لم يجز له التعرض

____________

[1] في ص، م: «و».

[2] ليس «عليه» في (م).

[3] ليس «من» في (م).

____________

(1) الوسائل، ج 18، الباب 30 من أبواب مقدمات الحدود، ص 339. هذا بالنسبة إلى المملوك و أما في غيره فلم أجد فيه نصا بالخصوص كما يظهر من الجواهر، ج 21، ص 9- 388.

17

لذلك على حال.

و من استخلفه سلطان ظالم على قوم، و جعل إليه إقامة الحدود، جاز له أن يقيمها عليهم على الكمال، و يعتقد أنه إنما يفعل ذلك بإذن سلطان الحق، لا بإذن سلطان الجور، و يجب على المؤمنين معونته و تمكينه من ذلك ما لم يتعد الحق في ذلك، و ما هو مشروع في شريعة الإسلام. فإن تعدي في [1] ما جعل إليه الحق [2]، لم يجز له القيام به، و لا لأحد معاونته على ذلك، اللهم إلا أن يخاف في ذلك على نفسه، فإنه يجوز له حينئذ أن يفعل في حال التقية ما لم يبلغ قتل النفوس. فأما قتل النفوس فلا يجوز فيه التقية على حال.

و أما الحكم بين الناس و القضاء بين المختلفين، فلا يجوز أيضا إلا لمن أذن له سلطان الحق في ذلك.

و قد فوضوا (1) ذلك إلى فقهاء شيعتهم في حال لا يتمكنون فيه من توليه بنفوسهم. فمن تمكن من إنفاذ حكم أو إصلاح بين الناس أو فصل [3] بين المختلفين، فليفعل ذلك- و له بذلك الأجر و الثواب- ما لم يخف في ذلك على نفسه و لا على أحد من أهل الإيمان، و يأمن الضرر فيه. فإن خاف شيئا من ذلك، لم يجز له التعرض لذلك على حال.

و من دعا غيره إلى فقيه من فقهاء أهل الحق ليفصل بينهما، فلم

____________

[1] ليس «في» في (م، ملك).

[2] في ص زيادة «في ذلك».

[3] في ملك: «قضاء».

____________

(1) الوسائل، ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 1 و 6، ص 98- 100.

18

يجبه، و آثر المضي إلى المتولي من قبل الظالمين، كان في ذلك متعديا للحق، مرتكبا للآثام.

و لا يجوز لمن يتولى الفصل بين المختلفين و القضاء بينهم أن يحكم إلا بموجب الحق، و لا يجوز له أن يحكم بمذاهب أهل الخلاف. فإن كان قد تولى الحكم من قبل الظالمين، فليجتهد أيضا في تنفيذ الأحكام على ما تقتضيه شريعة الأيمان. فإن اضطر إلى تنفيذ حكم على مذاهب أهل الخلاف بالخوف على النفس أو الأهل أو المؤمنين أو على أموالهم، جاز له أن ينفذ الحكم ما لم يبلغ ذلك قتل النفوس، فإنه لا تقية له في قتل النفوس حسب ما بيناه.

و يجوز لفقهاء أهل الحق أن يجمعوا بالناس الصلوات كلها، و صلاة الجمعة و العيدين و يخطبون الخطبتين، و يصلون بهم صلاة الكسوف ما لم يخافوا في ذلك ضررا. فإن خافوا في ذلك الضرر، لم يجز لهم التعرض لذلك على حال.

و من تولى ولاية من قبل ظالم في إقامة حد أو تنفيذ حكم، فليعتقد أنه متول لذلك من جهة سلطان الحق، و ليقم به على ما تقتضيه شريعة الإيمان.

و مهما تمكن من إقامة حد على مخالف له، فليقمه، فإنه من أعظم الجهاد.

و من لا يحسن القضايا و الأحكام في إقامة الحدود و غيرها، لا يجوز له التعرض لتولي ذلك على حال. فإن تعرض لذلك، كان مأثوما. فإن

19

أكره على ذلك، لم يكن عليه في ذلك شيء، و يجتهد [1] لنفسه [2] من الأباطيل.

و لا يجوز لأحد أن يختار النظر من قبل الظالمين، إلا بعد أن يعزم أنه لا يتعدى الواجب، و لا يقضي بغير الحق، و يضع الأشياء مواضعها من الصدقات و الأخماس و غير ذلك. فإن علم أنه لا يتمكن من ذلك، فلا يجوز له التعرض لذلك مع الاختيار. فإن أكره على الدخول فيه، جاز له حينئذ ذلك، و ليجتهد حسب ما قدمناه.

____________

[1] في ح، ص: «و ليجتهد».

[2] في ح زيادة «أن يجتنب». و في ملك زيادة «التنزه».

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

كتاب الديون و الصلح و الكفالات و الحوالات و الوكالات [و اللقطة]

«1» باب كراهية الدين و كراهية النزول على الغريم

يكره للإنسان الدين إلا عند الضرورة الداعية إليه. فأما مع الاختيار، فلا ينبغي [1] أن يستدين. فإن فعل، فلا يفعل إلا إذا كان له ما يرجع إليه، فيقضي به دينه. فإن لم يكن له ما يرجع إليه، و كان له ولي يعلم أنه إن مات قضى عنه، قام ذلك مقام ما يملك. فإذا خلا من الوجهين، فلا يتعرض له على حال. و عند الضرورة أيضا لا يستدين إلا مقدار حاجته إليه من نفقته و نفقة عياله.

و قد روي (1) (1) جواز الاستدانة إذا صرف ذلك في الحج و نفقته.

____________

باب كراهية الدين

قوله (رحمه الله): «و قد روي جواز الاستدانة إذا صرف ذلك إلى الحج و نفقته. و ذلك محمول على أنه إذا كان له ما يرجع إليه. فأما إذا لم يكن له ذلك، فلم يكن الحج واجبا عليه، فكيف يجوز أن يجب أن يستدين و يقضي ما لم يجب عليه».

____________

[1] في م: «له».

____________

(1) الوسائل، ج 8، الباب 50 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، ص 99.

23

و ذلك محمول على أنه إذا كان له ما يرجع إليه. فأما إذا لم يكن له ذلك، فلم يكن الحج واجبا عليه، فكيف يجوز أن يجب عليه أن يستدين، و يقضي ما لم يجب عليه؟! و من اضطر إلى دين، و لا يملك شيئا يرجع إليه، و كان ممن يجد الصدقة، فالأفضل له أن يقبل الصدقة، و لا يتعرض للدين، لأن الصدقة حق جعلها الله له في الأموال.

و من كان عليه دين لا ينوي قضاءه، كان بمنزلة السارق. و إذا كان عازما على قضائه ساعيا في ذلك، كان له بذلك أجر كبير و ثواب جزيل، و يعينه الله «تعالى» على ذلك.

و من كان له على غيره دين، كره له النزول عليه. فإن نزل، فلا يكون ذلك أكثر من ثلاثة أيام.

____________

كيف هذا القول من الشيخ (رحمه الله) و قوله: «و قد روي جواز الاستدانة»، ثمَّ قال: «فكيف يجوز أن يجب عليه أن يستدين» ففي الرواية جواز، و في قوله وجوب؟

الجواب: في الرواية جواز أن يستدين للحج. حمله الشيخ على ما إذا كان له مال أو جهة يقضي منه.

ثمَّ قال بتقدير أن لا يكون له مال: فإن الحج لا يجب عليه، و إذا لم يجب الحج عليه، فكيف يجوز أن يستدين و يقضي ما لم يجب عليه. و هذا كلام جيد، لكن في أكثر النسخ مثل ما ذكر [1] في هذا السؤال، و متى كان اللفظ كذلك، فاللفظ مضطرب.

____________

[1] في ك: «ما ذكره».

24

و متى أهدى له المدين شيئا لم يكن قد جرت به عادته، و إنما فعله لمكان الدين، استحب له أن يحتسبه من الدين، و ليس ذلك بواجب.

و إذا رأى صاحب الدين المدين في الحرم، لم يجز له مطالبته فيه و لا ملازمته، بل ينبغي له أن يتركه حتى يخرج من الحرم، ثمَّ يطالبه كيف شاء.

و من كان عليه دين، وجب عليه السعي في قضائه، و ترك الإسراف في النفقة، و ينبغي أن يتقنع بالقصد، و لا يجب عليه أن يضيق على نفسه، بل يكون بين ذلك قواما.

«2» باب وجوب قضاء الدين إلى الحي و الميت

كل من عليه دين، وجب عليه قضاؤه حسب ما يجب عليه، فإن كان حالا، وجب عليه قضاؤه عند المطالبة في الحال، و إن كان مؤجلا، وجب قضاؤه عند حلول الأجل مع المطالبة.

و من وجب عليه الدين لا يجوز له مطله و دفعه مع قدرته على قضائه.

فإن مطل و دفع، كان على الحاكم حبسه و إلزامه الخروج مما وجب عليه. فإن حبسه ثمَّ ظهر له بعد ذلك إعساره، وجب عليه تخليته. و إن لم يكن معسرا، غير أنه يدفع به، جاز للحاكم أن يبيع عليه متاعه و عقاره، و يقضي عنه ما وجب عليه.

و إن كان من وجب عليه الدين و ثبت غائبا، وجب أيضا على الحاكم سماع البينة عليه، و يجوز له أن يبيع عليه شيئا من أملاكه، غير أنه

25

لا يسلمه إلى خصمه إلا بعد كفلاء. فإن حضر، و لم يكن له بينة تبطل بينة صاحب الدين، برئت ذمته و ذمة الكفلاء، و إن كانت له بينة تبطل بينته، رد الكفلاء عليه المال.

و متى كان المدين معسرا، لم يجز لصاحب الدين مطالبته و الإلحاح عليه. بل ينبغي أن يرفق به، و ينظره إلى أن يوسع الله عليه، أو يبلغ خبره الإمام، فيقضي دينه عنه من سهم الغارمين إذا كان قد استدانه و أنفقه في طاعة [1]، و إن كان لا يعلم في ما ذا أنفقه، أو علم أنه أنفقه في معصية [2]، لم يجب عليه القضاء عنه، بل إذا وسع الله عليه، قضى عن نفسه.

و لا يجوز أن تباع دار الإنسان التي يسكنها و لا خادمه الذي يخدمه في الدين إذا كان مقدار ما فيها كفايته. فإن كانت دار غلة ألزم بيعها.

و كذلك إن كانت كبيرة واسعة، و له في دونها كفاية، الزم بيعها و الاقتصار على الأدون منها.

و يستحب لصاحب الدين أن لا يلزمه ذلك، و يصبر عليه.

و متى ألح صاحب الدين على المدين، و أراد حبسه، و خاف المدين- أن أقربه- من الحبس، فيضر ذلك به و بعياله، جاز له أن ينكر، و يحلف بالله ما له قبله شيء، و ينطوي على أنه إذا تمكن من قضائه قضاه، و لا شيء عليه، فإذا تمكن من قضائه، قضاه.

و متى كان للإنسان على غيره دين فحلفه على ذلك، لم يجز له

____________

[1] في ح، خ، ملك: «طاعة الله- تعالى، ح-».

[2] في ح، ملك: «معصيته».

26

مطالبته بعد ذلك بشيء منه. فإن جاء الحالف تائبا، و رد عليه ماله، جاز [1] أخذه. فإن أعطاه مع رأس المال ربحا، أخذ رأس ماله و نصف الربح. و إن لم يحلفه، غير أنه لم يتمكن من أخذه منه، و وقع له عنده مال، جاز له أن يأخذ حقه منه من غير زيادة عليه. و إن كان ما وقع عنده على سبيل الوديعة، لم يجز له ذلك، و لا يخون فيها.

و من وجب عليه دين، و غاب عنه صاحبه غيبة لم يقدر عليه معها، وجب عليه أن ينوي قضاءه، و يعزل ماله من ملكه.

فإن حضرته الوفاة، أوصى به إلى من يثق به. فإن مات من له الدين، سلمه إلى ورثته. فإن لم يعرف له وارثا، اجتهد في طلبه. فإن لم يظفر به، تصدق به عنه، و ليس عليه شيء.

و إذا استدانت المرأة على زوجها، و هو غائب عنها، فأنفقته بالمعروف، وجب عليه القضاء عنها. فإن كان زائدا على المعروف، لم يكن عليه قضاؤه.

و من له على غيره مال، لم يجز له أن يجعله مضاربة، إلا بعد أن يقبضه، ثمَّ يدفعه إليه إن شاء للمضاربة.

و من شاهد مدينا له قد باع ما لا يحل تملكه للمسلمين من خمر أو خنزير [2] و غير ذلك، و أخذ ثمنه، جاز له أن يأخذ منه، فيكون حلالا له، و يكون ذنب ذلك على من باع.

و إذا كان شريكان لهما مال على الناس، فتقاسما، و احتال [3] كل

____________

[1] في م: «له».

[2] في ح، م: «لحم خنزير».

[3] في ح، ن: «و اختار».

27

واحد منهما شيئا منه، ثمَّ قبض أحدهما، و لم يقبض الآخر، كان الذي قبضه أحدهما بينهما على ما يقتضيه أصل شركتهما، و ما يبقى على الناس أيضا مثل ذلك.

و من كان له دين على غيره، فأعطاه شيئا بعد شيء من غير الجنس الذي له عليه، ثمَّ تغيرت الأسعار، كان له بسعر يوم أعطاه تلك السلعة، لا بسعر وقت محاسبته إياه.

«3» باب قضاء الدين عن الميت

يجب أن يقضي الدين عن الميت من أصل تركته، و هو أول ما يبدأ به بعد الكفن، ثمَّ تليه الوصية.

فإن أقيم بينة على ميت بمال، و كانت عادلة، وجب معها على من أقامها اليمين بالله: أن له ذلك المال حقا، و لم يكن الميت قد خرج إليه من ذلك و لا من شيء منه. فإذا حلف، كان له ما أقام عليه البينة، و حلف عليه. و إن امتنع عنه، لم يكن له عليه [1] شيء، و بطلت بينته، و لم يلزم الورثة اليمين. فإن ادعى عليهم العلم بذلك، لزمهم أن يحلفوا أنهم لا يعلمون له حقا على ميتهم.

و متى لم يخلف الميت شيئا، لم يلزم الورثة قضاء الدين عنه بحال.

فإن تبرع منهم إنسان بالقضاء عنه، كان له بذلك الأجر و الثواب.

و يجوز أن يكون ذلك القضاء مما يحتسب به من مال الزكاة.

____________

[1] ليس «عليه» في غير (م).

28

و متى أقر بعض الورثة بالدين، لزمه [1] في حصته بمقدار ما يصيبه من أصل التركة.

فإن شهد نفسان منهم، و كانا عدلين مرضيين، أجيزت شهادتهما على باقي الورثة. و إن لم يكونا كذلك، ألزما في حصتهما بمقدار ما يصيبهما حسب ما قدمناه، و لا يلزمهما الدين على الكمال.

و من مات، و عليه دين، يستحب لبعض إخوانه أن يقضي عنه.

و إن قضاه من سهم الغارمين من الصدقات، كان ذلك جائزا حسب ما قدمناه (1).

و إذا لم يخلف الميت إلا مقدار ما يكفن به، سقط عنه الدين، و كفن بما خلف. فإن تبرع إنسان بتكفينه، كان ما خلفه للديان دون الورثة.

و إن (1) قتل إنسان، و عليه دين، وجب أن يقضي ما عليه من ديته،

____________

باب قضاء الدين عن الميت

قوله (رحمه الله): «فان قتل إنسان و عليه دين، وجب أن يقضى ما عليه من ديته، سواء كان قتله عمدا أو خطأ. فإن كان ما عليه يحيط بديته، و كان قد قتل عمدا، لم يكن لأوليائه القود، إلا بعد أن يضمنوا الدين عن صاحبهم. فان لم يفعلوا ذلك، لم يكن لهم القود على حال، و جاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم».

من أين يجب أن يقضى ما عليه من ديته إلا بعد أن يرضى القاتل بالدية؟

و ليس لهم إلا نفسه.

____________

[1] في غير (م): «لزم».

____________

(1) راجع الجزء الأول الباب 5 من كتاب الزكاة ص 437.

29

سواء كان قتله عمدا أو خطأ. فإن كان ما عليه يحيط بديته، و كان قد قتل عمدا، لم يكن لأوليائه القود، إلا بعد أن يضمنوا الدين عن صاحبهم. فإن لم يفعلوا ذلك، لم يكن لهم القود على حال، و جاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم.

و إذا تبرع إنسان بضمان الدين عن الميت في حال حياته أو بعد وفاته، برئت ذمة الميت، سواء قضى ذلك المال الضامن أو لم يقض إذا

____________

و قوله: «جاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم» و هو قد قدم: «أن ما عليه يحيط بديته» فكيف يحيط بديته، و يجوز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم؟

الجواب: أما وجوب قضاء الدين من ديته، فلأنها تركة، فلا يورث إلا بعد الوصية و الدين.

و أما اشتراط الرضا من القاتل ببذل الدية، فلا حاجة له إلى ذكره، لأنه شيء قد استسلف، لكن لما جرت العوائد بأن من طلب ماله عوضا عن نفسه، فلا بد له من بذله إلا في النادر، فحكم مطلقا نظرا إلى الغالب، و لو بذل نفسه دون الدية لم يجبر على الدية.

أما منعهم من القود و بجواز أن يعفوا، فمستنده الرواية، روى (1) ذلك أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقتل، و عليه دين، و ليس له مال، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله و عليه دين؟ فقال: إن أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فان وهب أولياؤه دمه للقاتل فجائز، و إن أرادوا القود فليس لهم ذلك حتى يضمنوا الدين للغرماء.

فالحديث كما تراه أجاز لهم العفو، و لم يجز القود إلا بعد ضمان الدين.

ثمَّ الذي أقوله: أن الرواية ضعيفة السند، نادرة، فلا تعارض الأصول.

____________

(1) الوسائل، ج 19، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، ح 1، ص 92 مع تصرف في الرواية.

30

كان صاحب الدين قد رضي به، فإن لم يكن قد رضي به، كان في ذمة الميت على ما كان.

و من مات، و عليه دين مؤجل، حل أجل ما عليه، و لزم ورثته الخروج مما كان عليه. و كذلك إن كان له دين مؤجل، حل أجل ماله، و جاز للورثة [1] المطالبة به في الحال.

و متى مات، و عليه دين لجماعة من الناس، تحاصوا ما وجد من تركته بمقدار ديونهم، و لم يفضل بعضهم على بعض.

فإن وجد واحد منهم متاعه بعينه عنده، و كان للميت مال يقضى ديون الباقين عنه، رد عليه، و لم يحاصه باقي الغرماء، و إن لم يخلف غير ذلك المتاع، كان صاحبه و باقي الغرماء فيه سواء. و كذلك لو كان حيا و التوى على غرمائه، رد عليه ماله، و لم يحاصه باقي الغرماء.

و إذا مات من له الدين، فصالح المدين ورثته على شيء مما كان عليه، كان ذلك جائزا، و تبرأ بذلك ذمته إذا أعلمهم مقدار [2] ما عليه من المال، و رضوا بمقدار ما صالحوه عليه. و متى لم يعلمهم مقدار [3] ما عليه، أو لم يرضوا به، لم يكن ذلك الصلح جائزا.

«4» باب بيع الديون و الأرزاق

لا بأس أن يبيع الإنسان ماله على غيره من الديون نقدا. و يكره أن

____________

[1] في م، ملك: «لورثته».

[2] في ح، خ: «بمقدار».

[3] في ح، ص: «بمقدار».

31

يبيع [1] ذلك نسيئة. و لا يجوز بيعه بدين آخر مثله.

فإن وفى الذي عليه الدين المشتري، و إلا رجع على من اشتراه منه بالدرك.

و من (1) باع الدين بأقل مما له على المدين، لم يلزم المدين أكثر مما

____________

باب بيع الدين

قوله (رحمه الله): «و من باع الدين بأقل مما له، لم يلزم المدين أكثر مما وزن المشتري».

كيف يتقدر الأقلية و الأكثرية هنا، و هما لا يكونان إلا في المثلين؟

و قد قال (1) في باب الصرف: «أن [2] البيع في المثلين لا يجوز إلا مثلا بمثل نقدا، و لا يجوز نسية». و إذا كان المثلان لا يجوز البيع فيهما إلا مثلا بمثل، يكون هذا البيع باطلا ثمَّ قوله: «لم يلزم المدين أكثر مما وزن المشتري» و هل للبائع الرجوع على من عليه الدين بما فضل عما وزن المشتري؟

الجواب: يحمل قوله: «و من باع الدين بأقل مما له» على القلة في القيمة، لا مع تساوي الجنس، فان الجنس الواحد من الربويات لا يجوز التفاضل فيهما.

و قوله: «لم يلزم المدين أكثر مما وزن المشتري» استنادا إلى رواية (2) محمد بن الفضيل [3] قال: قلت للرضا (عليه السلام): رجل اشترى دينا على رجل، ثمَّ ذهب إلى صاحب الدين، فقال: ادفع ما لفلان عليك فقد اشتريت منه، فقال: يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين، و برأ الذي عليه المال من جميع ما بقي.

____________

[1] في غير م: «أن يبيع الإنسان».

[2] في ك: «لأن».

[3] في ح، ر، ش: «محمد بن الفضل».

____________

(1) الباب 4 من كتاب المتاجر، ص 130.

(2) الوسائل، ج 13، الباب 15 من أبواب الدين و القرض، ح 3، ص 100.

32

وزن المشتري من المال.

و لا يجوز بيع الأرزاق من السلطان، لأن ذلك غير مضمون.

«5» باب المملوك يقع عليه الدين

المملوك إذا لم يكن مأذونا له في التجارة، فكل ما يقع عليه من الدين، لم يلزم مولاه شيء من ذلك، و لا يستسعى أيضا فيه، بل كان ضائعا. و إن كان مأذونا له في التجارة، و لم يكن مأذونا له في الاستدانة، فما يحصل عليه من الدين، استسعي فيه، و لم يلزم مولاه من ذلك شيء. و إن كان مأذونا له في الاستدانة، لزم مولاه ما عليه من الدين، إن استبقاه مملوكا، أو أراد بيعه. فإن أعتقه، لم يلزمه شيء مما عليه، و كان المال في ذمة العبد. فإن مات المولى، و عليه دين، كان غرماء العبد و غرماؤه سواء، يتحاصون ما يحصل من جهته من المال على ما يقتضيه أصول أموالهم من غير تفضيل بعض منهم على بعض.

«6» باب القرض و أحكامه

القرض فيه فضل كبير و ثواب جزيل. و قد روي (1): أنه أفضل من

____________

و هذا يدل على أن الفاضل على الغريم [1] يسقط.

____________

[1] في ر، ش: «الغرم».

____________

(1) الوسائل، ج 13، الباب 6 من أبواب الدين و القرض، ح 1، ص 87.

33

الصدقة بمثله في الثواب.

و إذا (1) استقرض الإنسان شيئا، كان عليه زكاته إن تركه بحاله، و إن أداره في تجارة [1]، كان عليه مثل ما لو كان المال له ملكا، و تسقط

____________

باب القرض

قوله (رحمه الله): «و إذا استقرض الإنسان شيئا كان عليه زكاته إن تركه بحاله، فإن إدارة، كان عليه مثل ما لو كان المال له ملكا، و تسقط [2] زكاته عن القارض، إلا أن يشترط [3] المستقرض تزكيته، فحينئذ يجب الزكاة على القارض دون المستقرض».

من أين يجب الزكاة في هذه المسألة و هو مال التجارة؟

الجواب: قوله: «فإن إدارة كان عليه مثل ما لو كان المال له ملكا» لا يدل على الوجوب [4]، لأنه لم يقتصر على لفظة عليه، بل شبهه بما لو كان المال له ملكا، و قد قدم (1) أولا: أن زكاة التجارة تستحب و لا تجب، فيكون المراد بقوله: «كان عليه الزكاة» استحبابا، لأنه مثل ذلك، و هذا يرفع اختصاص هذه اللفظة بالوجوب هنا. و أما إيجابه الزكاة فإنما يجب بتقدير أن يتركه المقترض بحاله حولا، فإن الزكاة تجب عليه.

فان اشترط زكاته على المقرض فقولان أصحهما عندي: أنه لا يصح الشرط لمنافاته المشروع، كما لو اشترط عليه صلاة أو صوما واجبا، لأن المقصود بالعبادة تزكية المتعبد و تحصيل المصلحة المنوطة بفعلها، فلا يقوم فعل الغير مقام من لزمه التكليف إلا في صورة [5] مخصوصة.

____________

[1] في ح، خ: «للتجارة». و في ملك: «لتجارة». و ليس «في تجارة» في (ص، ن).

[2] في ح، ر، ش: «يسقط».

[3] في ك: «يشرط».

[4] في ر، ش: «الواجب» كذا.

[5] في ك: «صور».

____________

(1) في الباب 2 من كتاب الزكاة ص 424، ج 1.

34

زكاته عن القارض [1]، إلا أن يشترط المستقرض عليه أن يزكيه عنه، فحينئذ تجب الزكاة على القارض [2] دون المستقرض.

و إذا أقرض الإنسان مالا فرد عليه أجود منه من غير شرط، كان ذلك جائزا.

و إن أقرض وزنا فرد عليه عددا، أو أقرض عددا فرد عليه وزنا من غير شرط، زاد أو نقص، بطيبة نفس منهما، لم يكن به بأس.

و إن أفرض شيئا على أن يعامله المستقرض في التجارات، جاز ذلك.

و إن أعطاه الغلة، و أخذ منه الصحاح، شرط ذلك أو لم يشرط، لم يكن به بأس. و كذلك إن أفرض حنطة فرد عليه شعير، أو أقرض شعيرا فرد عليه حنطة، أو أقرض جلة من تمر فرد عليه جلتان، كل ذلك من غير شرط، لم يكن به بأس.

و إن أقرض شيئا، و ارتهن على ذلك، و سوغ له صاحب الرهن الانتفاع به، جاز له ذلك، سواء كان ذلك متاعا أو آنية أو مملوكا أو جارية أو أي شيء كان، لم يكن به بأس، إلا الجارية خاصة، فإنه لا يجوز له استباحة وطئها بإباحته إياها لمكان القرض.

و إذا أهدى له هدايا، فلا بأس بقبولها إذا لم يكن هناك شرط.

و الأولى تجنب ذلك أجمع.

و لا بأس أن يقرض الإنسان الدراهم أو الدنانير، و يشترط على صاحبه أن ينقدها له بأرض أخرى، و يلزمه الوفاء به.

____________

[1] في ح: «المقرض».

[2] في ح، ملك: «المقرض».

35

و متى كان له على إنسان دراهم أو دنانير أو غيرهما، جاز له أن يأخذ مكان ماله من غير الجنس الذي له عليه بسعر الوقت.

«7» باب الصلح

و الصلح جائز بين المسلمين ما لم يؤد إلى تحليل حرام أو تحريم حلال.

و إذا كان نفسان لكل واحد منهما شيء عند [1] صاحبه من طعام أو متاع أو غيرهما، تعين لهما ذلك أو لم يتعين، أحاطا علما بمقداره أو لم يحيطا، فاصطلحا على أن يتتاركا و [2] يتحللا، كان ذلك جائزا بينهما.

فإذا فعلا، لم يكن لأحدهما الرجوع على صاحبه بعد ذلك، إذا كان ذلك بطيبة نفس كل واحد منهما.

و من كان له دين على غيره آجلا [3]، فنقص منه شيئا، قل ذلك أم كثر، و سأل تعجيل الباقي، كان ذلك سائغا جائزا.

و الشريكان إذا تقاسما و اصطلحا على أن يكون الربح و الخسران على واحد منهما، و يرد على الآخر رأس ماله على الكمال، كان ذلك جائزا.

و إذا كان مع نفسين درهمان، فذكر أحدهما: أنهما لي، و قال الآخر: هما بيني و بينك، أعطي المدعي لهما معا درهما، لإقرار صاحبه بذلك، و يقسم بينهما الآخر نصفين.

و إذا كان مع إنسان مثلا عشرون درهما لإنسان بعينه، و لآخر معه

____________

[1] في ح، ملك: «على».

[2] في ح، خ: «أو». و في ح، ن: «يتحاللا».

[3] في ح، ملك: «مؤجلا».

36

ثلاثون درهما، فاشترى بكل واحد من البضاعتين ثوبا، ثمَّ اختلطا، فلم يتميزا له، بيعا، و قسم المال على خمسة أجزاء، فما أصاب الثلاثة أعطي صاحب الثلاثين، و ما أصاب الاثنين أعطي صاحب العشرين.

و إذا استودع رجل رجلا دينارين، و استودعه آخر دينارا، فضاع دينار منها [1]، اعطي صاحب الدينارين مما يبقى دينارا، و قسم الدينار الآخر بينهما نصفين.

«8» باب الكفالات و الضمانات و الحوالات

من كان عليه حق، فسأل غيره ضمانه عنه لصاحبه، فضمنه، و قبل المضمون له ضمانه، و كان الضامن مليا بما ضمن، فقد وجب عليه الخروج إلى صاحبه مما ضمن، و برئ المضمون عنه من مطالبة من كان له عليه، غير أنه يثبت له حقه على من ضمن عنه، فإن أراد مطالبته بذلك، كان ذلك له.

و متى (1) تبرع الضامن من غير مسألة المضمون عنه ذلك، و قبل

____________

باب الكفالات و الضمانات و الحوالات

قوله (رحمه الله): «و متى تبرع الضامن من غير مسألة المضمون عنه ذلك و قبل المضمون له ضمانه، فقد برأ عهدة المضمون عنه، إلا أن ينكر ذلك و يأباه، فيبطل

____________

[1] في ص، ملك: «منهما». و في هامش (م): «س، خ- منهما- صح».

37

المضمون له ضمانه، فقد برئ عهدة المضمون عنه، إلا أن ينكر ذلك و يأباه، فيبطل ضمان المتبرع، و يكون الحق على أصله، لم ينتقل عنه [1] بالضمان.

و ليس للضامن على المضمون عنه رجوع فيما ضمن إذا تبرع بالضمان عنه.

و من ضمن حقا و هو غير ملي به، لم يبرأ المضمون عنه بذلك، إلا أن يكون المضمون له قد علم ذلك، و قبل ضمانه مع ذلك، فلا يجب له مع هذه الحال الرجوع على المضمون عنه.

و إذا كان الضامن مليا بما ضمن في الحال التي ضمن فيها، و قبل المضمون له ضمانه، ثمَّ عجز بعد ذلك عما ضمن، لم يكن للمضمون له الرجوع على المضمون عنه. و إنما يرجع عليه إذا لم يكن الضامن مليا في

____________

ضمان المتبرع، و يكون الحق على أصله، لم ينتقل عنه بالضمان. و ليس للضامن على المضمون عنه رجوع [2] فيما ضمن إذا تبرع بالضمان عنه [3].

الجواب: الصحيح أن الضمان ينعقد برضا الضامن و المضمون له، و لا يتوقف على رضا المضمون عنه، لأن الضمان يجري مجرى القضاء، فلو قضى الأجنبي دين الغريم، و رضى صاحب الدين، لم يكن للمدين رده، و كذا هنا [4]. و ما ذكره الشيخ في النهاية قد رجع عنه في المبسوط (1) و أما الأخيرة فإجماعية.

____________

[1] في غير م: «عليه» بدل «عنه».

[2] في ر، ش: «يرجع».

[3] ليس «عنه» في (ر، ش).

[4] في ك: «هاهنا».

____________

(1) المبسوط: ج 2، كتاب الضمان، ص 323.

38

وقت الضمان. فإن ظن في حال ما يضمن [1] أنه ملي بذلك، ثمَّ انكشف له بعد ذلك أنه كان غير ملي في تلك الحال، كان له الرجوع على المضمون عنه.

و لا يصح ضمان مال و لا نفس إلا بأجل.

و من ضمن (1) لغيره نفس إنسان إلى أجل معلوم بشرط ضمان النفوس، ثمَّ لم يأت به عند الأجل، كان للمضمون له حبسه حتى يحضر المضمون، أو يخرج إليه مما عليه.

و من ضمن غيره إلى أجل، و قال: إن لم آت به [2] كان علي كذا، و حضر الأجل، لم يلزمه إلا إحضار الرجل، فإن قال: علي كذا إلى كذا إن لم احضر فلانا، ثمَّ لم يحضره، وجب عليه ما ذكره من المال. و إن لم يكن (2) عين المال، و قال: أنا أضمن له ما يثبت لك عليه، إن لم آت به

____________

قوله (رحمه الله): «و من ضمن لغيره نفس إنسان إلى أجل معلوم بشرط ضمان النفوس، ثمَّ لم يأت به عند الأجل، كان للمضمون له حبسه حتى يحضر المضمون أو يخرج إليه مما عليه».

لم قال: «بشرط ضمان النفوس»؟ و ما معنى كلامه؟

الجواب: يعتبر في صحة العقد كونهما جائزي التصرف و أن يعين المكفول بما يرفع عنه الاشتباه. و ربما يكون إشارته إلى ذلك.

قوله (رحمه الله): «فان لم يكن عين المال، و قال أنا أضمن ما يثبت لك عليه إن لم آت به إلى وقت كذا و كذا، ثمَّ لم يحضره، وجب عليه ما قامت به البينة للمضمون عليه».

____________

[1] في غير م: «يضمن عنه».

[2] في ن: «آته». و في هامش (م): «خ، س- آته- صح».

39

إلى وقت كذا. ثمَّ لم يحضره، وجب عليه ما قامت به البينة للمضمون عنه، و لا يلزمه ما لم تقم به البينة مما يخرج به الحساب في [1] دفتر أو كتاب، و إنما يلزمه ما قامت له به البينة، أو يحلف خصمه عليه، فإن حلف على ما يدعيه، و اختار هو ذلك، وجب عليه الخروج منه.

و من خلى غريما لرجل من يده قهرا و إكراها، كان ضامنا لما عليه، فإن خلاه بمسألة و شفاعة، لم يلزمه شيء، إلا أن يضمن عنه ما عليه حسب ما قدمناه.

و من خلى قاتلا من يد ولي المقتول بالجبر و الإكراه، كان ضامنا لدية المقتول، إلا أن يرد القاتل إلى الولي، و يمكنه منه.

و من كان (1) له على غيره مال، فأحاله به على غيره، و كان المحال

____________

و لو [2] قال: أنا ضامن، أو قال: قد ضمنت، لزمه، و لكن كيف يلزمه إذا قال: أضمن له إن لم آت به؟

الجواب: هذا فيه إضمار، تقديره: إذا قال: أنا أضمن ما يثبت لك عليه، فضمن، وجب عليه ما قامت به البينة. و مثله في القرآن المجيد و أشعار العرب كثير، قال الله «تعالى» «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ» (1) معناه:

فحلق، فعليه فدية.

قوله: «و متى كان له على غيره مال، فأحاله [3] به على غيره، و كان المحال عليه مليا به في الحال، و قبل الحوالة، و أبرأه منه، لم يكن له رجوع عليه، ضمن ذلك المحال به عليه أو لم يضمن، بعد أن يكون قد قبل الحوالة، فان لم يقبل الحوالة إلا بعد ضمان المحال عليه، و لم يضمن من أحيل عليه ذلك، كان له مطالبة المحيل، و لم

____________

[1] في ح، خ: «من».

[2] ليس «و» في (ك).

[3] في ر، ش، ك: «فأحال به».

____________

(1) البقرة: 196.

40

عليه مليا به في الحال، و قبل الحوالة، و أبرأه منه، لم يكن له رجوع عليه، ضمن ذلك المحال به عليه أو لم يضمن بعد أن يكون قد قبل الحوالة، فإن لم يقبل الحوالة إلا بعد ضمان المحال عليه، و لم يضمن من أحيل عليه ذلك، كان له مطالبة المحيل، و لم تبرأ ذمته بالحوالة، فإن انكشف لصاحب المال، أن الذي أحيل عليه [1] به غير ملي بالمال، بطلت الحوالة، و كان له الرجوع على المديون بحقه عليه، و متى لم يبري المحال له بالمال المحيل في حال ما يحيله، كان له أيضا الرجوع عليه أي وقت شاء.

____________

تبرأ ذمته بالحوالة. فإن انكشف لصاحب المال أن الذي أحيل عليه به غير ملي بالمال، بطلت الحوالة، و كان له الرجوع على المديون بحقه عليه. و متى لم يبرأ المحال له بالمال المحيل في حال ما يحيله، كان له أيضا الرجوع عليه أي وقت شاء».

الجواب: ظاهر هذا الكلام يقتضي الاقتصار على رضا المحيل دون المحال عليه، و أن [2] لا يبرأ المحيل إلا إذا أبرأه المحتال لا بمجرد الحوالة، و يستند في اشتراط البراءة إلى ما رواه (1) الحلبي عن زرارة عن أحدهما: في الرجل يحيل الرجل بمال [3] كان له على رجل، قال: إذا أبرأه، فليس له أن يرجع عليه، فان لم يبرئه [4]، فله أن يرجع على الذي أحاله.

و الصحيح ما ذكره في الخلاف (2) و المبسوط (3): أنه لا بد من رضا الثلاثة، و مع رضاهم يبرأ المحيل، سواء أبرأه أو لم يبرأه.

____________

[1] ليس «عليه» في (ب، د).

[2] في ك: «أنه».

[3] في ك: «بما كان».

[4] في ح: «لم يبرأ» و في ر، ش: «لم يبرأ به».

____________

(1) الوسائل، ج 13، الباب 11 من كتاب الضمان، ح 2، ص 158.

(2) الخلاف، ج 1، المسألة 2 من كتاب الحوالة، ص 634.

(3) المبسوط، ج 2، كتاب الحوالة، ص 312 و 316.

41

«9» باب الوكالات

من وكل غيره في الخصومة عنه و المطالبة و المحاكمة و البيع و الشرى و جميع أنواع ما يتصرف فيه بنفسه، فقبل الموكل [1] عنه ذلك، و ضمن القيام به، فقد صار وكيله، يجب له ما يجب لموكله، و يجب عليه ما يجب على موكله، إلا ما يقتضيه الإقرار من الحدود و الآداب و الأيمان.

و الوكالة يعتبر فيها شرط الموكل: فإن شرط أن يكون في خاص من الأشياء. لم يجز فيما عداه، و إن شرط أن تكون عامة، قام الوكيل مقام الموكل على العموم حسب ما قدمناه.

و الوكالة تصح للحاضر كما تصح للغائب.

و لا يجب الحكم بها على طريق التبرع دون أن يلتزم ذلك بإيثار الموكل و اختياره.

و للناظر في أمور المسلمين و لحاكمهم أن يوكل على سفهائهم و أيتامهم و نواقصي عقولهم من يطالب بحقوقهم، و يحتج عنهم و لهم.

و ينبغي لذوي المروات من الناس، أن يوكلوا لأنفسهم في الحقوق، و لا يباشروا الخصومة بنفوسهم.

و للمسلم أن يتوكل للمسلم على أهل الإسلام و أهل الذمة، و لأهل الذمة على أهل الذمة خاصة، و لا يتوكل للذمي على المسلم.

و يتوكل الذمي للمسلم على الذمي و لأهل الذمة على أمثالهم من الكفار.

____________

[1] في هامش (خ): «الوكيل- خ». و في ص: «المتوكل».

42

و لا يجوز له أن يتوكل على أحد من أهل الإسلام لا لذمي و لا للمسلم على حال.

و ينبغي أن يكون الوكيل عاقلا، بصيرا في الحكم [1] فيما أسند إليه الوكالة فيه، عارفا باللغة التي يحتاج إلى المحاورة بها في وكالته، لئلا يأتي بلفظ يقتضي إقرارا بشيء و هو يريد غيره.

و لا يجوز لحاكم أن يسمع من متوكل لغيره إلا بعد أن تقوم له عنده البينة بثبوت وكالته عنه.

و من وكل وكيلا، و أشهد على وكالته، ثمَّ أراد عزله، فليشهد على عزله علانية بمحضر من الوكيل، أو يعلمه ذلك كما أشهد على وكالته.

فإذا أعلمه عزله، أو أشهد على عزله إذا لم يمكنه إعلامه، فقد انعزل الوكيل عن وكالته، فكل [2] أمر ينفذه بعد ذلك، كان باطلا، لا يلزم الموكل منه قليل و لا كثير. و إن عزله، و لم يشهد على عزله، أو لم يعلمه ذلك مع إمكان ذلك، لم ينعزل الوكيل، و كل أمر ينفذه بعد ذلك، كان ماضيا على موكله إلى أن يعلم بعزله [3].

فإن اختلف (1) الموكل و الوكيل في العزل، فقال الموكل: قد أعلمته

____________

باب الوكالات

قوله (رحمه الله): «فان اختلف الوكيل و الموكل، فقال الموكل: قد أعلمته العزل، و أنكر ذلك الوكيل، كان على الموكل البينة بأنه أعلمه ذلك، و لم يكفه إقامة

____________

[1] في م: «بالحكم».

[2] في هامش (م): «خ- وكل- صح».

[3] في ص: «يعلمه بعزله». و في ن، ملك: «يعلم عزله».

43

العزل، و أنكر ذلك الوكيل، كان على الموكل البينة بأنه أعلمه ذلك، و لم يكفه إقامة البينة على أنه قد عزله، فإن لم يمكنه إقامة البينة على ذلك [1]، كان على [2] الوكيل اليمين: أنه ما علم بعزله عن الوكالة، فإن خلف، كانت وكالته ثابتة حسب ما قدمناه، و إن امتنع من اليمين، بطلت وكالته من وقت ما أقام البينة على عزله.

و متى تعدى الوكيل شيئا مما رسمه الموكل، كان ضامنا لما تعدى فيه.

فإن وكله في تزويجه امرأة بعينها، فزوجه غيرها، لم يثبت النكاح، و لزم الوكيل مهرها، لأنه غرها.

و إن عقد له على التي أمره بالعقد عليها، ثمَّ أنكر الموكل أن يكون

____________

البينة على أنه قد عزله، فان لم يمكنه إقامة البينة على ذلك، كان على الوكيل اليمين أنه ما علم بعزله عن [3] الوكالة، فإن حلف، كانت وكالته ثابتة حسب ما قدمناه، و إن امتنع من اليمين، بطلت وكالته من وقت ما أقام البينة على عزله».

من أين أنه إذا امتنع من اليمين، بطلت وكالته؟ و ما المانع أن يكون هو و الوكيل قد تواطئا على غيرهما؟

الجواب: أما بطلان الوكالة فبناء على القضاء بنكول المنكر. و المراد بهذا الحكم إذا كان التنازع بين الوكيل و الموكل. أما إذا تعلق بالوكالة حق لغير الوكيل، فلا يسقط حق ذلك الأجنبي بحلف الوكيل و لا بامتناعه، و يعود [4] الخصومة بين الموكل و صاحب الحق إذا ادعى الوكالة دون الوكيل.

____________

[1] ليس «على ذلك» في (م).

[2] في م: «على ذلك الوكيل».

[3] في ح: «من».

[4] في ك: «تعود».

44

أمره بذلك، و لم يقم للوكيل بينة بوكالته، لزم الوكيل أيضا مهر المرأة، و لم يلزم الموكل شيء، و جاز للمرأة أن تتزوج بعد ذلك، غير أنه لا يحل للموكل فيما بينه و بين الله «تعالى» إلا أن يطلقها، لأن العقد قد ثبت عليه.

و من وكل غيره في أن يطلق عنه امرأته، و كان غائبا، جاز طلاق الوكيل، و إن كان شاهدا، لم يجز طلاق الوكيل.

و الرجل إذا قبض صداق ابنته، و كانت صبية في حجره، برئت ذمة الزوج من المهر على كل حال، و لم يكن للبنت مطالبته [1] بالمهر بعد [2] البلوغ، و إن كانت البنت بالغا [3]، فإن كانت وكلته في قبض صداقها، فقد برئ أيضا ذمته، و إن لم تكن وكلته على ذلك، لم تبرأ ذمة الزوج، و كان لها مطالبته بالمهر، و للزوج الرجوع على الأب في مطالبته بالمهر، فإن كان الأب قد مات، كان له الرجوع على الورثة و مطالبتهم به كما كان له مطالبته في حال حياته.

«10» باب اللقطة و الضالة

اللقطة على ضربين:

ضرب منه يجوز أخذه، و لا يكون على من أخذه ضمانه و لا تعريفه، و هو كل ما كان دون الدرهم، أو يكون ما يجده في موضع خرب قد باد أهله، و استنكر رسمه.

____________

[1] في ص: «المطالبة».

[2] في خ: «عند».

[3] في متن (م): «بالغة». و في هامشه: «خ، س- بالغا- صح».

45

و الضرب الآخر، و هو الذي لا يجوز له أخذه، فإن أخذه لزمه حفظه و تعريفه، فعلى ضربين: ضرب منه ما يجده في الحرم، و الضرب الآخر في غير الحرم.

فما (1) يجده في الحرم، يلزمه تعريفه سنة في المواقف و المواسم، فإن

____________

باب اللقطة

قوله (رحمه الله): «فما يجده في الحرم، يلزمه تعريفه سنة في المواقف و المواسم، فان جاء صاحبه، رد [1] عليه، و ان لم يجيء صاحبه بعد السنة، تصدق به عنه، و ليس عليه شيء، فان جاء صاحبه بعد ذلك، لم يلزمه شيء، فان أراد أن يخيره بين أن يغرم له و يكون الأجر له و اختار ذلك صاحب المال، فعل، و ليس ذلك واجبا عليه».

و قال (1) في باب آخر من فقه الحج: «و من وجد شيئا في الحرم، فلا يجوز له أخذه، فإن أخذه فليعرفه سنة، فان جاء صاحبه، و إلا تصدق به، و كان ضامنا إذا جاء صاحبه، و لم يرض بفعله».

الجواب: أما الأول فوجهه ظاهر، لأن الأصل عدم الضمان، و لأن اللقطة بعد التعريف تكون أمانة، فإذا حكم الشرع [2] بالصدقة بها، كان دفعا مشروعا، فلا يضمن.

و وجه الثاني ما رواه (2) علي بن أبي حمزة عن موسى (عليه السلام) قال: سألته عن رجل وجد دينارا في الحرم، فأخذه، قال: بئس ما صنع، ما كان له أخذه، قلت:

____________

[1] في ح: «يرد».

[2] في ح: «الشارع».

____________

(1) الباب 22 من كتاب الحج، ص 558، ج 1.

(2) الوسائل، ج 17، الباب 17 من كتاب اللقطة، ح 2، ص 368.

46

جاء صاحبه، رد عليه، و إن لم يجيء صاحبه بعد السنة، تصدق به عنه، و ليس عليه شيء، فإن جاء صاحبه بعد ذلك، لم يلزمه شيء، فإن أراد أن يخبره بين أن يغرم له و يكون الأجر له، و اختار ذلك صاحب المال، فعل، و ليس ذلك واجبا عليه.

و أما الذي يجده في غير الحرم، فيلزمه أيضا أن يعرفه سنة، فإن جاء صاحبه رد عليه. و إن لم يجيء، كان سبيله [1] كسبيل ماله، و يجوز له التصرف فيه، إلا أنه يكون ضامنا له: متى جاء صاحبه وجب عليه رده، فإن تصدق به عنه، لزمه أن يغرمه عنه متى جاء، الا أن يشاء صاحب المال أن يكون الأجر [2] له، فيحتسب له بذلك عند الله.

و متى هلكت اللقطة في مدة زمان التعريف من غير تفريط، لم يكن على من وجدها شيء، فإن هلكت بتفريط من قبله، أو يكون قد تصرف فيه، ضمنه، و وجب عليه غرامته بقيمته [3] يوم هلك.

و متى اشتري بمال اللقطة جارية، ثمَّ جاء صاحبها، فوجدها بنته، لم يلزمه أخذها، و كان له أن يطالبه بالمال الذي اشترى به ابنته، و لا تحصل هذه البنت في ملكه، فتكون قد انعتقت به، بل هي حاصلة في ملك

____________

فإنه قد [4] عرفه سنة، فلم يجد له باغيا، فقال: يرجع إلى بلده، فيتصدق به، فان جاء طالبه، فهو له ضامن.

لكن علي بن أبي حمزة واقفي، فالأول أولى.

____________

[1] ليس «سبيله» في (م).

[2] في ح، ملك زيادة «و الثواب».

[3] في خ، ص، ن: «بقيمة».

[4] ليس «قد» في (ح).

47

الغير، و هو ضامن لماله الذي وجده. فإن أجاز شراءه لها انعتقت بعد ذلك، و لم يجز له بيعها.

و متى تصرف في اللقطة قبل السنة و استفاد بها ربحا، كان الربح لصاحب المال، و إن كان تصرفه بعد السنة، كان الربح له، و عليه ضمان المال حسب ما قدمناه.

و من [1] وجد كنزا في دار انتقلت إليه بميراث عن أهله، كان له و لشركائه في الميراث إن كان له شريك فيه، فإن كانت الدار قد انتقلت إليه بابتياع من قوم، عرف البائع، فإن عرفه، و إلا أخرج خمسه إلى مستحقة [2]، و كان له الباقي.

و كذلك إن ابتاع بعيرا أو بقرة أو شاة، فذبح شيئا من ذلك، فوجد في جوفه شيئا له قيمة، عرفه من ابتاع ذلك الحيوان منه، فإن عرفه، أعطاه، و إن لم يعرفه، أخرج منه الخمس، و كان له الباقي.

فإن ابتاع سمكة، فوجد في جوفها درة أو سبيكة و ما أشبه ذلك، أخرج منها [3] الخمس، و كان له الباقي.

و من وجد في داره شيئا، فإن كانت الدار يدخلها غيره، كان حكمه حكم اللقطة، و إن لم يدخلها غيره، كان له. و إن وجد في صندوقه شيئا، كان حكمه مثل ذلك.

و من وجد طعاما في مفازة، فليقومه على نفسه، و يأكله [4]، فإذا جاء صاحبه، رد عليه ثمنه.

____________

[1] في ملك: «متى».

[2] في ح، خ: «مستحقيه».

[3] في غير م: «منه».

[4] في ح، ملك: «و ليأكله».

48

و إن وجد شاة في برية، فليأخذها، و هو ضامن لقيمتها.

و يترك البعير إذا وجده في المفازة، فإنه يصبر على المشي و الجوع.

فإن وجد بعيرا قد خلاه [1] صاحبه من جهد، و كان في كلاء و ماء، لم يجر له أخذه. فإن وجده في غير كلاء و لا ماء، كان له أخذه، و لم يكن لأحد بعد ذلك منازعته. و كذلك إن وجد دابة، فالحكم فيها مثل الحكم في البعير سواء.

و يكره أخذ ماله قيمة يسيرة مثل العصا و الشظاظ و الوتد و الحبل و العقال و أشباه ذلك، و ليس ذلك بمحظور.

و من أودعه لص من اللصوص شيئا من المغصوب [2] لم يجز له رده عليه، فإن عرف صاحبه، رده عليه، و إن لم يعرف، كان حكمه حكم اللقطة سواء.

و الشاة إذا وجدها، حبسها عنده ثلاثة أيام، فإن جاء صاحبها ردها، و إلا تصدق بها.

و إذا وجد المسلم لقيطا، فهو حر غير مملوك، و ينبغي له أن يرفع خبره إلى سلطان الإسلام، ليطلق له النفقة عليه من بيت المال، فإن لم يوجد سلطان ينفق عليه، استعان بالمسلمين في النفقة عليه، فإن لم يجد من يعينه على ذلك، أنفق عليه، و كان له الرجوع بنفقته عليه إذا بلغ و أيسر، إلا أن يتبرع بما أنفقه عليه. و إذا أنفق عليه، و هو يجد من يعينه في النفقة عليه تبرعا، فلم يستعن به، فليس له رجوع عليه بشيء من النفقة.

____________

[1] في ملك: «خلاله».

[2] في ح، م: «من الغصوب».

49

و إذا بلغ اللقيط، تولى من شاء من المسلمين، و لم يكن للذي أنفق عليه ولاؤه إلا أن يتولاه، فإن لم يتوال أحدا حتى مات، كان ولاؤه للمسلمين.

و إن ترك مالا و لم يترك ولدا و لا قرابة له من المسلمين، كان ما تركه [1] لبيت المال.

و من وجد شيئا من اللقطة و الضالة، ثمَّ ضاع من غير تفريط، أو أبق العبد من غير تعد منه عليه، لم يكن عليه شيء. فإن كان هلاك ما هلك بتفريط من جهته، كان ضامنا. و إن كان إباق العبد بتعد منه، كان عليه مثل ذلك. و إن لم يعلم أنه كان لتعد [2] منه أو لغيره، وجب عليه اليمين بالله: أنه ما تعدى فيه، و برئت عهدته [3].

و لا بأس للإنسان أن يأخذ الجعل على ما يجده من الآبق و الضال، فإن جرت هناك موافقة، كان على حسب ما اتفق عليه، فإن لم تجر موافقة، و كان قد وجد [4] عبدا أو بعيرا في المصر، كان جعله دينارا، قيمته عشرة دراهم، فإن كان خارج المصر، فأربعة دنانير، قيمتها أربعون درهما فضة، و فيما عدا العبد و البعير، ليس فيه شيء موظف، بل يرجع فيه إلى العادة حسب ما جرت في أمثاله، فأعطي [5] إياه.

____________

[1] في ملك: «كانت تركته». و في ح: «كان ما يتركه».

[2] في ن، ملك: «بتعد».

[3] في ح: «و قد برئت عنه ذمته». و في ملك: «و برء من عهدته».

[4] في م: «و كان وجد». و في ن: «و كان ما وجد».

[5] في ح: «فيعطى». و في ملك: «فليعطى».

50

و من (1) وجد شيئا مما يحتاج إلى النفقة عليه، فسبيله أن يرفع خبره إلى السلطان لينفق عليه من بيت المال، فإن لم يجد، و أنفق هو عليه، كان له الرجوع على صاحبه بما أنفقه عليه، و إن كان من [1] أنفق عليه قد انتفع بشيء من جهته إما بخدمته أو ركوبه أو لبنه، كان ذلك بإزاء ما أنفق عليه، و لم يكن له الرجوع على صاحبه.

____________

قوله (رحمه الله): «و من وجد شيئا مما يحتاج إلى النفقة عليه، فسبيله أن يرفع خبره إلى السلطان لينفق عليه من بيت المال: فإن لم يجد، فأنفق هو عليه، كان له الرجوع على صاحبه بما أنفق عليه، و إن كان ما أنفق عليه قد انتفع بشيء من جهته إما بخدمته أو ركوبه أو لبنه، كان ذلك بإزاء ما أنفق عليه، و لم يكن له الرجوع إلى صاحبه».

كيف [2] قال: «كان ذلك بإزاء ما أنفق عليه» و قد يكون أزيد أو [3] أنقص؟

الجواب: قوله: «بإزاء ما أنفق عليه»، يحمل على جواز أخذه بإزاء النفقة، لكن لو كانت النفقة أزيد رجع بالفاضل، أو نقص رد هو الفاضل. هذا الذي يقتضيه الأصل و إن كان كلام الشيخ يقتضي ظاهره جعله بإزاء النفقة كيف كان، و ليس بمرضي.

____________

[1] في هامش (م): «خ، س- ما- صح».

[2] في ر، ش: «و كيف».

[3] في، ك: «و».

51

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

52

كتاب الشهادات

«1» باب تعديل الشهود و من تقبل شهادته و من لا تقبل

العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين و عليهم، هو أن يكون ظاهره ظاهر الإيمان، ثمَّ يعرف بالستر و الصلاح و العفاف و الكف عن البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله «تعالى» عليها النار- من شرب الخمر، و الزنا، و الربا، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و غير ذلك- الساتر لجميع عيوبه، و يكون متعاهدا للصلوات الخمس، مواظبا عليهن، حافظا لمواقيتهن، متوافرا على حضور جماعة المسلمين، غير متخلف عنه إلا لمرض أو علة أو عذر.

و يعتبر في شهادة النساء الإيمان، و الستر، و العفاف، و طاعة الأزواج، و ترك البذاء و التبرج إلى أنديه الرجال.

و لا يجوز قبول شهادة الظنين و المتهم و الخصم و الخائن و الأجير.

و لا تقبل شهادة الفساق إلا على أنفسهم. و لا تقبل شهادة ماجن و لا فحاش. و ترد شهادة اللاعب بالنرد و الشطرنج و غيرهما من أنواع [1] القمار و الأربعة عشر و الشاهدين.

____________

[1] في خ: «الملاهي و القمار».