جامع الخلاف و الوفاق

- الشيخ علي المؤمن السبزواري القمي المزيد...
621 /
5

مقدمة المحقق

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و على آله الطيبين الأطهار.

علم الخلاف:

لا يخفى ان اختلاف النظر في كل علم من العلوم أمر طبيعي، و منه اختلاف أنظار الفقهاء و فتاويهم في الفقه، و الطرق في إثبات الحكم الشرعي.

و قد كتبوا في الخلافيات كغيرها من موضوعات الفقه، و هذا بعض ما وجدنا من تلك الكتب هاهنا و رتبناه على حسب التسلسل الزمني:

1- اختلاف الفقهاء للطبري المتوفى سنة 310.

2- 4- اختلاف العلماء، الأوسط في السنن و الإجماع و الاختلاف، الإشراف على مذاهب أهل العلم، و جمعها لابن المنذر النيسابوري المتوفى سنة 318.

5- اختلاف الفقهاء للطحاوي المتوفى سنة 321.

6- التجريد للقدوري الحنفي المتوفى سنة 428.

7- تأسيس النظر للدبوسي الحنفي المتوفى سنة 430.

8- الخلافيات للبيهقي الشافعي المتوفى سنة 458.

9- الخلاف أو مسائل الخلاف لأبي جعفر الطوسي شيخ الإمامية المتوفى سنة 460.

10- الوسائل في فروق المسائل لابن جماعة الشافعي المتوفى سنة 480.

11- مختصر الكفاية للعبدري الشافعي المتوفى سنة 493.

6

12- حلية العلماء في اختلاف الفقهاء للشاشي الشافعي المتوفى سنة 507.

13- منظومة النسفي الحنفي المتوفى سنة 537.

14- الطريقة الرضوية لرضي الدين السرخسي الحنفي المتوفى سنة 544.

15- مختلف الرواية للسمرقندي الحنفي المتوفى سنة 552.

16- الاشراف على مذاهب الأشراف لابن هبيرة الحنبلي م 555.

17- تقويم النظر للدهان الشافعي المتوفى سنة 589.

18- جامع الوفاق و الخلاف. هذا الكتاب من أعلام ق 7.

19- عمدة الطالب لمعرفة المذاهب للسمرقندي السخاوي المتوفى سنة 721.

و سيأتي ذكر بعضها الآخر قريبا في كلام ابن خلدون.

و الخلافيات و الفقه المقارن على نمطين. فتارة يكتفي المؤلف من مقارنة الفتاوى و الأقوال بعضها ببعض كما عليه بعض كتب المعاصرين، و تارة يضيف إلى ذلك مقارنتها بأدلتها الشرعية من القرآن و الحديث و غيرهما حتى يتبين من هذه المقارنة أقرب الأقوال إلى الصواب. و هذا هو النهج الذي سار عليه عامة المتقدمين.

قال ابن خلدون في مقدمة تاريخه ج 3 ص 1066 في العنوان الخامس عشر من الباب السادس ما ملخصه:

«و أما الخلافيات فاعلم ان هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم و أنظارهم خلافا لا بد من وقوعه لما قدمناه، و اتسع ذلك في الملة اتساعا عظيما، و كان للمقلدين أن تقلدوا من شاءوا منهم، ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار و كانوا بمكان من حسن الظن بهم، اقتصر الناس على تقليدهم و منعوا من تقليد سواهم، لذهاب الاجتهاد، لصعوبته و تشعب العلوم التي هي موادة، باتصال الزمان و افتقاد من يقوم على سوى هذه المذاهب الأربعة.

و جرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه في مسائل الشريعة كلّها و في كل باب من أبواب الفقه، فتارة يكون الخلاف بين الشافعي و مالك، و أبو حنيفة يوافق أحدهما، و تارة بين. و كان في هذه المناظرات بيان مآخذ الأئمة و مثارات اختلافهم و مواقع اجتهادهم.

و كل هذا الصنف من العلم يسمّى بالخلافيات. و هو لعمري علم جليل الفائدة في

7

معرفة مآخذ الأئمة و أدلتهم. و تآليف الحنفية و الشافعية فيه أكثر من تآليف المالكية لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم كما عرفت فهم لذلك أهل النظر و البحث، و أما المالكية فالأثر أكثر معتمدهم و ليسوا بأهل نظر.

و للغزالي فيه كتاب المآخذ، و لأبي زيد الدبوسي كتاب التعليقة، و لابن القصار المالكي عيون الأدلة، و قد جمع ابن الساعاتي في مختصره في أصل الفقه جميع ما يبنى عليها من الفقه الخلافي، مدرجا في كل مسألة ما يبنى عليها من الخلافيات».

و لاحظ ما يأتي في عنوان مصادر الكتاب مما يرتبط بمعنى الفقه المقارن.

هذا الكتاب:

من المؤسف أنّ الورقة الاولى من الكتاب قد سقطت بما فيها جزء من مقدّمة المؤلّف، و قال فيما بقي من المقدّمة: « [و قد رأيت كتبا] في الخلاف بين المذاهب فمن يطالعها يقف على الخلاف و لم يقف على الوفاق، و ليس لهم كتاب يشتمل على هذا الوصف كما لغيرهم من الحنفية و الشافعية، و قد تطاولت الأيام و تمادت الأعوام حتى بلغت من السنين سبعين و زيادة، و لم أقف على كتاب فيه هذه الفائدة، فشرعت في جمع هذا الكتاب مستعينا باللّه الذي نطلب منه السداد و الصواب، فكتبت هذا القسم من أوله إلى آخره كتابا بعد كتاب و فصلا بعد فصل و مسألة بعد مسألة، و ذكرت عند كل مسألة من خالفها و خلافه، و كان همّي إن أقتصر على ذكر خلاف أبي حنيفة و الشافعي. إلّا اني رأيت مسألة خالف فيها أبو حنيفة فقلت: خلافا له، و أخرى خالف فيها الشافعي فقلت: خلافا له، و اخرى كانا يوافقان فيها و خالف غيرهما فقلت: وفاقا لهما و خلافا له، و ذكرت في أول الكتاب! خلاف أحدهما و أهملت وفاق الآخر، اعتمادا على فهمه منه، و تغيّر همّي من ذلك فتركزت خلافه و وفاق الآخر، و ألحقت بكل فصل من فصوله من المسائل ما لم يذكره المصنف و الحاجة ماسّة إلى ذكرها، و كان مرجعي في تعيين المخالف إلى مسائل الخلاف للشيخ أبي جعفر (قدس اللّه روحه)، و لم أقتصر عليه بل راجعت إلى كتب الحنفية و الشافعية فإن وافقها كتبت و إن خالفها قلت في النافع و القدوري أو البداية للحنفية كذا، و في الهادي أو الوجيز أو الخلاصة للشافعية كذا، و إن رأيت مسألة تخالف ما في الغنية قلت: و في الخلاف للشيخ كذا، فصار هذا الكتاب كاملا في الفقه، حاويا لمذهب أهل البيت و أبي حنيفة و الشافعي و غيرهما (رضوان اللّه عليهم أجمعين)، و شرحا للقسم الثالث من

8

الكتاب المذكور، فمن طالعه عرف المذاهب الثلاثة و غيرها.

و سميته كتاب جامع الخلاف و الوفاق بين الإمامية و بين أئمة الحجاز و العراق، و أعني بأئمة الحجاز الشافعي و أصحابه، و بأئمة العراق أبا حنيفة و اتباعه».

و قال المؤلّف في خاتمة الكتاب: «هذا آخر ما قصدناه من تأليف هذا الكتاب في إيراد أقوال المخالفين لنا و أساميهم في كتاب فروع الفقه من غنية النزوع إلى علم الأصول و الفروع، و أهمل صاحبه روّح اللّه روحه و ادام عليه غبوق الروح و صبوحه ذكر أساميهم و أقوالهم في مذاهبهم، و قد احتج عليهم، و ألحقنا بكل باب و فصل من كتبه و فصوله ما لم يذكره من المسائل التي تمس [ظ] الحاجة بذكرها و الخلاف فيها».

اسم الكتاب و هدفه

و اسمه كما ذكره المؤلف في المقدمة: «جامع الخلاف و الوفاق، بين الإمامية و بين أئمة الحجاز و العراق».

و أما هدفه فقد ذكر المؤلّف أن الكتب المدوّنة في الخلاف عند الإمامية كانت تقتصر على الخلاف دون الوفاق فأراد بهذا الكتاب ان يذكر الخلاف و الوفاق معا إضافة إلى الاستدلال على ترجيح ما انتخبه، و اهتم بذكر آراء المذاهب الثلاثة: الإمامية و الشافعية و الحنفية، و لم يتعرض لغيرها إلّا قليلا.

ترتيب الكتاب

أما ترتيب الكتاب فقد اقتفى أسلوب ابن زهرة في كتاب الغنية و نقل معظم عبارات الكتاب مع زيادة بيان و توضيح و استدراك من سائر الكتب و خاصة مسائل الخلاف للشيخ الطوسي، لذلك ذكر في المقدمة و الخاتمة عدم تعرض صاحب الغنية ذكر آراء المخالفين و أساميهم و الموافقين من السنة، ثمّ قال: «فصار هذا الكتاب كاملا في الفقه، حاويا لمذهب أهل البيت و أبي حنيفة و الشافعي و غيرهما، و شرحا للقسم الثالث من الكتاب المذكور- يقصد الغنية- فمن طالعه عرف المذاهب الثلاثة و غيرها».

يشتمل كتاب الغنية لابن زهرة الحلبي (قدس سرّه)، المتوفّى سنة 585، على أقسام ثلاثة: الأول:

علم الكلام، و الثاني أصول الفقه، و الثالث: فروع الفقه و الأحكام الشرعية، فهذا الكتاب

9

شرح للقسم الثالث، لذلك كتب بعض من كان بحوزته هذا الكتاب كتب على ظهر الكتاب:

«شرح غنية ابن زهرة المسمى بجامع الخلاف و الوفاق»، و ذكر المصنف أيضا في نهاية الكتاب:

«هذا آخر ما قصدناه من تأليف هذا الكتاب في إيراد أقوال المخالفين لنا و أسمائهم في كتاب فروع الفقه من غنية النزوع إلى علم الأصول و الفروع و أهمل صاحبه. ذكر أساميهم و أقوالهم في مذاهبهم و قد احتج عليهم، و ألحقنا بكل باب و فصل من كتبه و فصوله ما لم يذكره من المسائل التي تمس الحاجة بذكرها.».

ثم اعتمد المصنف بالدرجة الثانية على كتاب مسائل الخلاف للشيخ الطوسي، ثم على كتب الحنفية مثل النافع و القدوري و البداية، أو كتب الشافعية، مثل الهادي و الوجيز و الخلاصة.

قال عنه الشيخ جعفر السبحاني في مقدمة كتاب الغنية: هو دورة فقهية كاملة استدلالية، يستدل بالكتاب و السنة النبوية و أحاديث العترة الطاهرة و الإجماع، و هذا القسم (أي القسم الثالث من الكتاب) من محاسن الكتب و جلائلها، يستمد من الكتاب العزيز في مسائل كثيرة على وجه ليس له مثيل فيما بأيدينا من كتب القدماء، فقد استدل بقرابة مائتين و خمسين آية في موارد مختلفة، و يعتمد على أحاديث نبوية وافرة، اما استدلالا على المطلوب، أو احتجاجا على المخالف، و هو الغالب على أسلوب الكتاب فهي عنده أشبه بأصول موضوعية تلقاها المخالف بالقبول.

و لأجل هذا الامتياز صار الكتاب فقها مقارنا سدّ به الفراغ الموجود في المكتبة الفقهية في عصره، و يعتمد على الإجماع في مسائل كثيرة تبلغ قرابة ستمائة و خمسين مسألة، و مراده من الإجماع هو الإجماع الكاشف عن قول المعصوم لا غير.

يسير على ضوء كتاب الانتصار و الناصريات للسيد المرتضى، و كتاب الخلاف و المبسوط للشيخ الطوسي.

و أما كتاب الخلاف لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 فقد قال مؤلفه في مقدمة الخلاف: «سألتم أيدكم اللّه إملاء مسائل الخلاف بيننا و بين من خالفنا من جميع الفقهاء من تقدم منهم و من تأخر، و ذكر مذهب كل مخالف على التعيين و بيان الصحيح منه و ما ينبغي ان يعتقد، و أن أقرن كل مسألة بدليل نحتج به على من خالفنا، موجب للعلم، من ظاهر قرآن، أو سنة مقطوع بها، أو إجماع، أو دليل خطاب، أو استصحاب حال.، و ان اذكر خبرا عن

10

النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الذي يلزم المخالف العمل به و الانقياد له، و أن أشفع ذلك بخبر من طريق الخاصة المروي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليهم السلام). و أن أعتمد في ذلك الإيجاز و الاختصار.».

و أما سائر الكتب فقلّ ما استفاد منها المصنف، و قد ذكرنا في هامش مقدمة المؤلف شيئا عن تلك الكتب فلاحظ.

مؤلف الكتاب:

جاء اسم المؤلف في نهاية النسخة الخطية هكذا: لأجل صاحب الكتاب، الامام الهمام، العالم العامل، الفاضل الكامل، ملك الزهّاد و العباد، قدوة الأولياء و الأوتاد، نجم الملة و الدين، بدر الإسلام و المسلمين علي بن محمد بن محمد القمي أصلا السبزواري مولدا و منشأ، متعه اللّه به و بأمثاله، و وفقه على الطاعات و اكتساب السعادات، و ما يرفع به الدرجات، تحريرا في الثالث من ذي القعدة سنة سبعمائة، و كتب هذه الأسطر الداعي لجميع المؤمنين و المؤمنات و محب صاحب الكتاب محمد بن علي شاه الحافظ غفر اللّه له و لوالديه و لجميع المؤمنين و المؤمنات بفضله و كرمه، إنه مجيب الدعوات و ولي الحسنات» انتهى.

أقول: و كان عمر المصنف عند ابتدائه بتدوين هذا الكتاب قد تجاوز السبعين حيث يقول في المقدمة: «و قد تطاولت الأيام و تمادت الأعوام حتى بلغت من السنين سبعين و زيادة» و لم يذكر تاريخ الابتداء بالكتابة حتى نعرف المدة التي استغرقها للكتابة، لكنه ذكر في نهاية الكتاب: هذا آخر ما قصدناه. فتم و الحمد للّه على توفيقه. يوم الاستفتاح النصف من شهر اللّه المبارك رجب في المشهد المعظم للإمام المكرم علي بن موسى الرضا (عليه السلام) سنة ثمان و تسعين و ستمائة و الحمد للّه أوّلا و آخرا» انتهى.

و يكون مولده حوالي سنة 620 هق في سبزوار من خراسان على غموض في الخط في اسم سبزوار، و أنّه نشأ فيها، و ألّف كتابه في مشهد الرضا و هي على مقربة من سبزوار.

و لم نجد له ترجمة فيما لدينا من المصادر، و احتمل بعضهم أن يكون هو ابن الخواجه نصير الدين الطوسي: صدر الدين الوزير علي بن محمد بن محمد الطوسي المترجم في الأنوار الساطعة للطهراني ص 114، حيث قال عنه: إنه ولي بعد والده غالب مناصبه، فلما مات ولي مناصبه أخوه أصيل الدين حسن، و قال [ابن] الفوطي: عزل هو و إخوانه سنة 687 و انه كان متوليا للرصد بمراغة و أنه تزوج بابنة عماد الدين القهستاني ملك قهستان المتوفى شابا

11

سنة 666. انتهى.

و قد قرأ الخواجه نصير الدين الطوسي الغنية على الشيخ سالم بن بدران المازني و أجاز له في سنة 619 كما تلاحظ ذلك في مقدمة كتاب الغنية، فربما انتقل الكتاب إلى ابنه ثم قام بشرحه، لكن لا يعرف عن ابن الخواجه انشغاله بعلم الفقه، و لا تعرف أسرته بتاتا بالقمي و لا بالسبزواري، و ان كان قد قيل ان أصلهم من قم إلّا أن ذلك لم يثبت.

و على أي فالكتاب خير ترجمة لشخصية المؤلف (رحمه اللّه)، خاصة و أنه قد ألفه في أواخر عمره.

أسلوب التحقيق

اعتمدنا على نسخة وحيدة للكتاب كتبت في زمن المصنف سنة 700، أي بعد أقل من سنتين من تأليف الكتاب و هي بخط جيد و عليها علامات البلاغ في مواضع من الكتاب هكذا:

بلغت قراءته وفقه اللّه تعالى.

و يبدو من البلاغات و من الخاتمة التي تقدم ذكرها أنها استنسخت في محضر المؤلف و برعايته و إشرافه، و هذه النسخة كانت في الآونة الأخيرة في مكتبة الشيخ علي العلومي، ثم أهداها إلى مكتبة جامعة طهران قبل أربعين عاما، و قد سقطت الورقة الأولى من الكتاب و سقط معها شيء من مقدمة المصنف.

و نتيجة لرداءة التصوير كانت بعض الكلمات غير مقروءة فاستعنّا بمصادر الكتاب مثل الغنية و الخلاف و غيرهما و بقيت كلمات غير مقروءة تركناها كما هي، و رسمناها حسب شكلها لعدم وجود مصدر الكتاب في متناول اليد مثل بعض الموارد التي ينقل عن كتاب الخلاصة للغزّالي.

و على أي فهذه النسخة تعتبر من جهة أخرى من أقدم نسخ الغنية و الخلاف و غيرهما فيما ينقل عنها، بحيث ينبغي أن تعرض تلك الكتب على هذه و خاصة الغنية، و نحن عند عرض هذه النسخة على المصادر المطبوعة وجدناها تمتاز عنها بصحة النقل و دقة الضبط.

و كاتب النسخة هو الحسن بن محمد بن عبد العزيز الراباطي [!] و بإشراف محمد بن علي شاه الحافظ و كأنه من أعوان المؤلف و أنصاره و القائمين بشؤنه كما سجّله هذا في نهاية النسخة، و كما سيأتي في نهاية النسخة المطبوعة.

12

و من تاريخ الكتاب و هو العشرون من جمادى الأولى من سنة سبعمائة، و من تاريخ المشرف و هو الثالث من ذي القعدة من سنة سبعمائة، نستكشف المدة التي استغرقتها مقابلة النسخة مع الأصل و عرضها على المصنف.

هذا و الحمد للّه أولا و آخرا، و ظاهرا و باطنا، و صلواته على أنبيائه و أوليائه، لا سيما محمد و آله.

حسين الحسني البيرجندي 20/ شعبان/ 1420 هق.

13

مقدّمة المؤلّف

[1/ ب] (1) في الخلاف بين المذاهب فمن يطالعها يقف على الخلاف و لم يقف على الوفاق و ليس لهم كتاب يشتمل على هذا الوصف كما لغيرهم من الحنفية و الشافعية.

و قد تطاولت الأيام و تمادت الأعوام حتّى بلغت من السنين سبعين و زيادة و لم أقف على كتاب فيه هذه الفائدة فشرعت في جمع هذا الكتاب مستعينا باللّه الذي نطلب منه السداد و الصّواب فكتبت هذا القسم من أوّله إلى آخره كتابا بعد كتاب و فصلا بعد فصل و مسألة بعد مسألة و ذكرت عند كلّ مسئلة من وفاقه و خلافه و كان همّي إن أقتصر على ذكر خلاف أبي حنيفة و الشافعي. إلّا (2) انّي رأيت مسألة خالف فيها أبو حنيفة فقلت خلافا له و أخرى خالف فيها الشّافعي فقلت خلافا له و أخرى كانا يوافقان فيها و خالف غيرهما فقلت وفاقا لهما و خلافا له! و ذكرت في أوّل الكتاب خلاف أحدهما و أهملت وفاق الآخر اعتمادا على فهمه منه و تغيّر همّي من ذلك فذكرت خلافه و وفاق الآخر.

و ألحقت لكلّ فصل من فصوله من المسائل ما لم يذكره المصنّف و الحاجة ماسّة إلى ذكرها.

و كان مرجعي في تعيين المخالف إلى مسائل الخلاف للشيخ أبي جعفر (قدس اللّه روحه) و لم أقتصر عليه بل راجعت إلى كتب الحنفيّة و الشافعيّة فإن وافقها كتبت و إن خالفها قلت في

____________

(1) سقط من الأصل مقدار ورقة.

(2)- بياض في الأصل بقدر كلمتين.

14

النّافع (1) و القدوريّ (2) أو البداية (3) للحنفيّة كذا و في الهادي (4) أو الوجيز! و الخلاصة للشافعية كذا (5).

و إذا رأيت في الخلاف مسألة خالفت ما في الغنية قلت: في الخلاف للشيخ كذا.

فصار هذا الكتاب كتابا كاملا في الفقه حاويا لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) و أبي حنيفة و الشافعي و غيرهما (رضوان اللّه عليهم أجمعين)[2/ أ] ، و شرحا للقسم الثالث من الكتاب المذكور فمن طالعه عرف المذاهب الثلاثة و غيرها.

و سمّيته كتاب جامع الخلاف و الوفاق بين الإمامية و بين أئمة الحجاز و العراق و أعني بأئمة الحجاز الشافعي و أصحابه و بأئمة العراق أبا حنيفة و أتباعه فالحمد للّه على تمامه و كماله و الصّلاة على محمد و آله و أصحابه الرّاشدين المرشدين الذين قضوا بالحق و به يعدلون.

اعلم أن أركان عبادات الشرع خمسة: الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحج، و الجهاد.

____________

(1) النافع للشيخ ناصر الدين أبي القاسم محمّد بن يوسف الحسيني المدني السمرقندي الحنفي المتوفّى سنة (656).

كشف الظنون: 20/ 1920.

(2) القدوريّ: أحمد بن محمّد بن محمّد بن أحمد بن جعفر بن حمدان القدوري، أبو الحسين البغدادي من فقهاء الحنفيّة ببغداد. توفّى سنة (428). كتابه المختصر في الفروع مشهور يسمى بالكتاب طبع مع شرحه اللباب.

(3) بداية المبتدي تأليف الإمام برهان الدين، أبو حسن علي بن أبي بكر الفرغاني المرغيناني. و فرغانة ناحية بالمشرق، و مرغينان، مدينة بفرغانة، توفّى سنة (593) و دفن بسمرقند، طبع كتاب البداية مع شرحه المسمّى بالهداية و ينقل عنه المؤلّف كثيرا.

(4) الهادي هو مختصر نافع لم يأت فيه إلّا بالقول الذي عليه الفتوى، تأليف أبي المعالي مسعود بن محمّد بن مسعود النيسابوري الطرشيثي- الطرشيز كاشمر- الفقيه الشافعي تفقّه بنيسابور و مرو. توفّى سنة (578) بدمشق.

(5) خلاصة المختصر و نقاوة المعتصر و هو (خلاصة المزني المتوفّى 264 ه) لأبي حامد محمّد الغزالي لم يطبع. و له الوجيز أيضا و قد طبع، ينقل عنهما المؤلّف في الكتاب كثيرا.

15

كتاب الصلاة

شرائط الصّلاة على ضربين: أحدهما: يشترك فيه الوجوب و صحّة الأداء، و الآخر يختصّ [ب] صحة الأداء.

فالأوّل على ضربين: ضرب يشترك فيه الرّجال و النّساء، و هو ثلاثة:

البلوغ، و كمال العقل، و دخول الوقت.

و ضرب يختصّ [ب] النّساء و هو: انقطاع دم الحيض و النّفاس.

و ما يختصّ صحّة الأداء ثمانية: الإسلام، و الطّهارة، و ستر العورة مع الإمكان، و طهارة البدن، و الثياب، و موضع السّجود بالجبهة، و النّية، و استقبال القبلة، و القيام مع الإمكان» (1).

أمّا الكافر، فيجب عليه الصّلاة و لا تصح منه خلافا للحنفية و بعض الشافعيّة (2).

في المعالم: الكفّار مخاطبون بفروع الشرائع بمعنى أنّهم كما يعاقبون يوم القيامة على ترك الإيمان، كذلك يعاقبون على عدم إتيانهم بالصلاة و الزكاة (3).

لنا أنّ شرائط التكليف حاصلة له، فيجب أن يكون مكلّفا كالمسلم. و أمّا الكفر المانع من صحّة الأداء فبمنزلة الحدث للمسلم يجب عليه إزالته بالإيمان حتى يصحّ منه الصلاة كالمسلم المحدث.

____________

(1) الغنية: 33- 34.

(2) المجموع: 3/ 4- 5.

(3) المعالم في أصول الدين لفخر الدين الرازي لم يطبع.

16

و لأنّه داخل تحت عموم الخطاب في قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (1) و هو من الناس فيكون داخلا تحت الخطاب فيكون مخاطبا بالعبادات [2/ ب] الشرعية (2).

و أمّا النّية فنذكر الخلاف فيها (3).

فصل [في الطهارة]

و أمّا الطّهارة فعلى ضربين: طهارة عن حدث و طهارة عن نجس.

فالأوّل على ضربين: وضوء و غسل، أو ما يقوم مقامهما من التيمّم.

و الأحداث الّتي توجب الوضوء خمسة: البول، و الغائط، و الرّيح، و دم الاستحاضة المخصوصة، و ما يفقد معه التّحصيل من نوم أو مرض.

و الّتي توجب الغسل: الجنابة و الحيض و دم الاستحاضة المخصوصة، و النّفاس، و مسّ بشرة الميّت من النّاس بعد برده و قبل تطهيره (4).

أمّا البول، و الغائط، فلا خلاف في نقض الوضوء بهما.

و أمّا المذي، و الودي، فلا ينقض بهما و كذا الحصاة و الدّود خاليين من النجاسة خلافا لهما (5).

لنا أنّ الأصل براءة الذمّة و شغلها بما يوجب الطهارة يحتاج إلى دليل، و ليس في الشرع ما يدلّ عليه.

قالوا: فيهما الوضوء لحديث مقداد رضي اللّه عنه (6).

أنّ النبيّ (عليه السلام) أوجب في المذي، الوضوء (7).

____________

(1) البقرة: 21.

(2) بالهامش: و لقوله قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَ كُنّٰا نَخُوضُ مَعَ الْخٰائِضِينَ وَ كُنّٰا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [46/ المدثر].

(3) يأتي في كيفيّة الطهارة: ص 20.

(4) الغنية 34.

(5) الخلاف: 1/ 115 مسألة 57.

(6) بن عمرو بن ثعلبة، أبو معبد و قيل: أبو الأسود، و يقال له أيضا: المقداد الكندي، و هو قديم الإسلام هاجر إلى أرض الحبشة و كانت وفاته بالمدينة في خلافة عثمان، و عمره (70) سنة. أسد الغابة: 4/ 475 رقم 5069.

(7) سنن البيهقي: 1/ 202 حديث 562.

17

و الودي ما يخرج عقيب البول.

قلنا أمّا حديث مقداد، فمعارض بحديث سلمان (1). أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أراد أن يسأل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن المذي فاستحيى منه لمكان فاطمة الزهراء (عليهما السلام) عنده فسأله سلمان، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): لا بأس به (2). و إذا تعارض الحديثان بطل التمسّك بهما.

و أمّا الودي، فإن كان عقيب البول، فالبول هو الموجب للوضوء لا الودي، و إن لم يكن عقيبه، فهو كالمذي.

«و الخارج من غير السبيلين كالدّم و القيح و القيء لا يوجب الوضوء خلافا لأبي حنيفة» (3).

لنا ما مرّ ذكره في المذي و الودي و لأنّه روي أنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) قاء فغسل فمه، فقال: هذا هو الوضوء من القيء (4).

له حديث ابن [أبي] مليكة (5) عن عائشة (6) عن النّبي صلى اللّه عليه و آله أنّه قال: من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف و ليتوضأ و ليبن على صلاته ما لم يتكلّم (7).

قلنا: هذا الوضوء محمول على غسل القيء و الرّعاف و لا يحمل على انتقاض الوضوء و الأصل بقائه إلى أن يدلّ دليل على انتقاضه.

«و أمّا النّوم فإنّه بمجرده حدث، ينقض الوضوء من غير اعتبار بأحوال النّائم» (8).

خلافا لهما فإنّه عند الشّافعيّ إذا كان مقعده متمكنا من الأرض لا ينقض الوضوء.

و عند أبي حنيفة إذا كان مضطجعا أو متكّئا أو مستندا إلى شيء لو أزيل لسقط ينقض الوضوء (9). لقوله (عليه السلام) إنّما الوضوء على من نام مضطجعا (10).

____________

(1) الفارسي أبو عبد اللّه، و يقال له: سلمان بن الإسلام و سلمان الخير، أصله من رام هرمز كان أوّل مشاهده الخندق و شهد بقيّة المشاهد، و فتوح العراق، و ولي المدائن مات سنة (36 ه) الإصابة: 3/ 141 رقم 3359.

(2) لم نعثر عليه بعد الفحص الأكيد في كتب الفريقين.

(3) الخلاف: 1/ 119 مسألة 61، اللباب في شرح الكتاب: 1/ 11.

(4) لم نعثر عليه.

(5) عبد اللّه بن عبيد اللّه بن أبي مليكة، مؤذّن الحرم، ثمّ قاضي مكّة لابن الزبير، مات سنة (117 ه). تاريخ الإسلام: 101- 120 هرقم 457.

(6) بنت أبي بكر، تزوّجها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمكّة كان لها (6) سنين و قبض (صلّى اللّه عليه و آله) و هي بنت (18) سنة ماتت سنة (58) و دفنت بالبقيع. وفيات الأعيان: 3/ 16 رقم 318.

(7) سنن البيهقي: 1/ 241 حديث 676.

(8) الغنية 36.

(9) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 13.

(10) سنن البيهقي: 1/ 212 حديث 600.

18

لنا انّ النّاقض للوضوء هو النّوم بالاتفاق و لا اعتبار بالسقوط كما لو سقط من غير النّوم، و من اعتبر السقوط فعليه الدليل و لن يجد، «و قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (11) و المراد إذا قمتم من النّوم، على ما قاله المفسرون (12) و قال النبيّ (عليه السلام): و أمّا العينان وكاء السّه فمن نام فليتوضّأ، و لم يفصل» (13).

و أمّا القهقهة في الصلاة فلا ينقض الوضوء خلافا لأبي حنيفة (14)، تمسكوا بحديث الأعرابيّ الذي في عينه سوء تردّي في بئر، فضحك من خلف رسول اللّه فلمّا فرغ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من الصلاة فقال ألا من ضحك منكم فقهقه فليعد الوضوء و الصلاة جميعا (15).

قلنا: الأصل بقاء الوضوء، و الحكم بانتقاضه بالقهقهة يحتاج إلى دليل، و العدول عن الأصل إلى الظنّ و هو حديث الأعرابي عدول عن اليقين إلى الظن، و لأنّ القهقهة قبل الشروع في الصلاة لا أثر لها في نقض الوضوء فكذا يجب بعد الشروع.

و كذلك أكل لحم الجزور، أو ما مسّته النار لا ينقض الوضوء (16)، و ما روي من أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) توضّأ منه (17)، فهو محمول على غسل اليدين كما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله): الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر و بعده ينفي الترح (18).

أمّا لمس بشرة المرأة الّتي ليست بمحرم، و مسّ فرج الآدمي ببطن الكفّ، فلا ينقضان الوضوء [3/ ب] خلافا للشافعي مطلقا و لأبي حنيفة في الانتشار (19).

لنا أنّ الأصل بقاء الوضوء و براءة الذّمة، فمن حكم بانتقاضه و اشتغال الذّمة به يحتاج إلى دليل و لا يصحّ التمسك لقوله تعالى أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* (20) لأنّ المراد بالملامسة المجامعة و هي موجبة للغسل. بيانه أنّه تعالى لمّا بيّن الطهارة من الوضوء و الغسل بالماء في قوله إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ إلى قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا بيّنهما لمن لم يجد الماء كيف يعمل فقال:

____________

(11) المائدة: 6.

(12) التبيان: 3/ 448، جامع البيان: 4/ 112.

(13) الغنية: 37.

(14) الخلاف: 1/ 121 مسألة 62.

(15) سنن البيهقي: 1/ 245 حديث 686.

(16) الخلاف: 1/ 122 مسألة 63- 64.

(17) نيل الأوطار: 1/ 208.

(18) الترح بالتحريك ضدّ الفرح. و في مستدرك الوسائل: 16/ 268 حديث 19834 عن شهاب الأخبار للقضاعي ص 41 حديث 252: اللمم. و هو طرف من الجنون يلم الإنسان.

(19) الخلاف: 1/ 110 مسألة 54.

(20) النساء: 43.

19

وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* و لأنّ لمس المرأة التي ليست بمحرم لو نقض الوضوء لنقضه لمس التي هي محرم و الثاني باطل فالأوّل مثله بيان الملازمة أنّ كليهما محلّ الشّهوة، و التحريم الوارد في الشرع لا يخرجها عن محلّ الشّهوة.

«و يجب على المكلّف أن لا يستقبل القبلة و لا يستدبرها ببول و لا غائط مع الإمكان، لا في الصحاري و لا في البنيان» (1).

خلافا للشافعي في البنيان (2) «لنا قوله (صلّى اللّه عليه و آله): (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة و لا يستدبرها بول و لا غائط) و لم يفصل.

و يستحب أن لا يستقبل الشّمس و لا القمر، و لا يحدث في الماء الجاري و لا الرّاكد الكثير، و أن يتّقي بالبول الأرض الصّلبة و جحرة (3) الحيوان و استقبال الرّيح و لا يحدث في شطوط الأنهار، و مساقط الثّمار، و أفنية الدّور، و جوادّ الطّرق.

و يستحب تقديم الرّجل اليسرى عند دخول الخلاء و اليمنى عند الخروج، و الدعاء عندهما و عند الاستنجاء و عند الفراغ منه. و على جميع ذلك إجماع الإمامية.

و يجب الاستنجاء من البول و الغائط» (4).

خلافا لأبي حنيفة فإنّه سنّة عنده (5).

لنا أنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) فعله، و قد دلّ الشرع [4/ أ] و الإجماع على وجوب اتّباعه و التأسّي به، فيجب علينا فعله إلّا أن يدلّ دليل على أنّه ندب.

«أمّا البول، فيجب الاستبراء منه أوّلا بنتر القضيب و المسح من مخرج النّجو إلى رأسه ثلاث مرّات، و لا يجزي (6) في إزالته إلّا الماء مع وجوده، و كذلك باقي الأحداث الّتي يجب منها الاستنجاء إلّا الغائط» (7). خلافا لهما. (8)

و كيفية الاستنجاء عن البول عند الشافعي أن يأخذ القضيب بيساره و الحجر بيمينه

____________

(1) الغنية: 35.

(2) الخلاف: 1/ 101 مسألة 48.

(3) بتقديم الجيم: حفرة تأوي إليها الهوام و صغار الحيوان.

(4) الغنية: 35- 36.

(5) الخلاف: 1/ 103 مسألة 49.

(6) في النسخة: و لا يجوز.

(7) الغنية: 36.

(8) الخلاف: 1/ 103 مسألة 49.

20

و يحرّك باليسرى بعد أن يتنحنح و يستبرئ و يستعمل الحجر (1) كما نذكره في الاستنجاء عن الغائط.

«و أمّا الغائط فإنّه يجوز في إزالته الأحجار مع وجود الماء، أو ما يقوم مقامها من الجامد المزيل للعين، سوى المطعوم و العظم و الرّوث.

و من السّنة أن تكون ثلاثة» (2) خلافا للشافعيّ فإنّه لا يجيز أقل من ثلاثة أو حجر واحد له ثلاثة أحرف (3).

لنا أنّ المقصود إنّما هو التنقية فإذا حصلت بواحد و اثنين فلا يجب الزائد.

له قوله (صلّى اللّه عليه و آله): من استنجى فليستنج بثلاثة أحجار (4).

قلنا: و الأمر قد يحمل على النّدب بدليل، دليله أن الأصل براءة الذّمة من الزّائد إذا طهر بواحد أو اثنين و كيفيّته أن يأخذ الحجر بيساره و يضعه على موضع طاهر و يديره على جميع المحلّ.

و خلافا لأبي حنيفة لأنّه ليس عنده فيه عدد مسنون (5).

له قوله (صلّى اللّه عليه و آله): من استجمر فليوتر و من فعل فحسن و من لا، فلا حرج (6).

و استنجاؤه بالماء أفضل، و الجمع بين الحجارة و الماء أكمل و أفضل، ما لم يتعدّ النّجو مخرجه، فإن تعدّاه لم يجز فيه إلّا الماء (7).

لأنّ البدن له حرارة جاذبة أجزاء النجاسة فلا يطهر بالمسح و أما مخرج النجاسة فللضرورة.

و لا يستنجي بعظم لأنّه طعام الجنّ، و لا بروث لأنّه طعام دوابّهم كذا ورد في الأخبار (8) و لا بمطعوم لأنّه إسراف و قبيح، و لا بيمينه لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): اليمنى للوجه و اليسار للمقعد (9) و القسمة يوجب قطع [4/ ب] الشركة.

____________

(1) المجموع: 2/ 103، التهذيب- للبغوي-: 1/ 296.

(2) الغنية: 36.

(3) الأم: 1/ 95.

(4) سنن البيهقي: 1/ 179 حديث 500.

(5) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 54.

(6) سنن البيهقي: 1/ 182 حديث 509.

(7) الغنية: 36.

(8) عمدة القارئ: 2/ 300، المجموع: 2/ 104، نصب الراية: 1/ 315.

(9) كنز العمال: 9/ 309 حديث 26151.

21

فصل «و الجنابة تكون بشيئين:

بخروج المنيّ على كلّ حال، و بالجماع في الفرج، و حدّه أن تغيب الحشفة فيه، و إن لم ينزل» (1) و الدّفق و الشهوة ليسا بشرطين خلافا لهما (2).

لنا أن الطبيعة إذا كانت ضعيفة بسبب المرض لا دفق له عند الخروج و كذا إذا سقط عن علو فلا لذّة له عند خروجه. «و يحرم على الجنب دخول المساجد؛ لا العبور، و وضع شيء فيها إلّا المسجد الحرام و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنّه لا يجوز دخولهما على كلّ حال، و إن احتلم فيهما تيمّم و خرج.

و يحرم عليه قراءة العزائم الأربع الم تنزيل، و حم السجدة، و النجم، و اقرأ» (3) و لا يحرم ما عداها خلافا للشافعي فإنّه قال: يحرم عليه القليل و الكثير، و لأبي حنيفة فإنّه قال: يقرأ دون الآية لنا أنّ الأصل الإباحة، و المنع يحتاج إلى دليل، و قوله تعالى فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (4) (5)، و الأمر المطلق إذا توجّه إلى مأمور تناول جميع أحواله، و السور الأربع خارجة عن عموم الأمر بدليل و هو الإجماع.

«و يحرم عليه مسّ كتابة المصحف، أو اسم من أسماء اللّه تعالى، [أ] و أسماء الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام)» (6) و على الحائض و النفساء أيضا و على المحدث في رواية (7).

و لا بأس أن يمس أطراف الأوراق و المصحف. خلاف للشافعي فإنّه يحرم عليهم عنده مسّ المصحف و حمله و مسّ الجلد و حواشيها و تقليب أوراقه باليد و الخشب. لنا الأصل الإباحة إلّا أن يدل دليل على المنع (8).

له قوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (9). قلنا: الضمير للقرآن و هو المكتوب المقروء أو للكتاب و هو اللوح لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ و هم الملائكة.

«و يكره للجنب الأكل و الشّرب إلّا بعد المضمضة و الاستنشاق و النّوم إلّا بعد الوضوء و الخضاب، و الدليل على هذا إجماع الإمامية» (10) و فيه الحجّة كما بيّن في أصول الفقه.

____________

(1) الغنية 37.

(2) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 16، الوجيز: 1/ 17، المبسوط للسرخسي: 1/ 67.

(3) الغنية: 37.

(4) المزمل: 20.

(5) الخلاف: 1/ 100 مسألة 47.

(6) الغنية: 37.

(7) التهذيب: 8/ 126 حديث 342- 343.

(8) الخلاف: 1/ 99 مسألة 46.

(9) الواقعة: 79.

(10) الغنية: 38.

22

فصل [5/ أ] دم الحيض هو الحادث في الزمان المعهود له

أو المشروع في زمان الالتباس على أيّ صفة كان، و كذا دم الاستحاضة، إلّا أنّ الغالب على دم الحيض الغلظ و الحرارة و التدفّق و الحمرة المائلة إلى الاسوداد، و على دم الاستحاضة الرّقّة و البرودة و الاصفرار.

و أقلّ الحيض ثلاثة أيّام و أكثره عشرة (1).

خلافا للشافعيّ فإنّ أقلّ الحيض عنده يوم و ليلة و في قوله الثاني: يوم بلا ليلة و أكثره خمسة عشر يوما (2).

لنا أنّه لا خلاف أنّ من الثلاثة إلى العشرة من الحيض، و لا دليل في الشّرع أنّ ما نقص عن الثلاثة و زاد على العشرة منه (3).

و أيضا روي عن جماعة من الصحابة انّهم قالوا. الحيض ثلاثة، أربعة، خمسة، ستّة، سبعة، ثمانية، عشرة، دلّ هذا الاقتصار على منع الزيادة و النقصان.

«و أقلّ الطّهر بين الحيضتين عشرة أيّام» (4). خلافا لهما لأنّه عندهما خمسة عشر يوما (5).

لنا مثل: ما قلنا قبل من أنّ العشرة لا خلاف فيها انّها من أقلّ الطهر و لا دليل على الزيادة، و لا حدّ لأكثره.

«فإذا رأت المبتدءة الدّم و انقطع لأقلّ من ثلاثة أيّام فليس بحيض، و إذا استمرّ ثلاثة كان حيضا، و كذا إلى تمام العشرة، فإذا رأت بعد ذلك كان استحاضة إلى تمام العشر الثّاني لأنّ ذلك أقلّ أيّام الطهر» (6).

«و يحرم على الحائض كلّ ما يحرم على الجنب، و لا يجب عليها الصّلاة و يجب عليها الصوم تقضيه إذا طهرت» (7).

و لا يحلّ لزوجها وطؤها لقوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ (8) و أمّا مباشرتها فيما فوق السرّة و تحت الركبة فمباح، بلا خلاف و ما بين السرّة و الرّكبة غير الفرج فيجوز،

____________

(1) الغنية: 38.

(2) الخلاف، 1/ 236 مسألة 202- 203.

(3) الغنية: 38.

(4) الغنية: 38.

(5) الخلاف: 1/ 238 مسألة 204، الوجيز: 1/ 25.

(6) الغنية: 38.

(7) الغنية: 39.

(8) البقرة: 222.

23

خلافا لهما و هي محرّمة عندهما (1) لنا أنّ الأصل الإباحة و المنع يحتاج إلى الدّليل. و أمّا قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ فالمراد الجماع في الفرج لأنّ قرب الزوج و مباشرته في غير ما بين السّرة [5/ ب] إلى الركبة جائز بالاتّفاق، فإن وطئها وجب عليه أن يكفّر في أوّل الحيض بدينار و في وسطه بنصف دينار و في آخره بربع لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) «من أتى أهله و هي حائض فليتصدق» (2) و هذا الأمر محمول على النّدب عند بعض أصحابنا و الشافعي (3).

فإن انقطع الدّم جاز وطئها مطلقا إذا غسلت فرجها خلافا لأبي حنيفة فيما دون العشرة فإنّه قال: لا يحلّ إلّا بعد أن يوجد ما ينافي الحيض، و الشافعي لا يحلّ وطؤها إلّا بعد أن تستبيح فعل الصلاة، إمّا بالغسل أو بالتيمّم عند فقد الماء (4).

لنا قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ جعل انقطاع الدّم غاية لزمان الحظر، فيجب جوازه بعد ذلك على كلّ حال إلّا ما أخرجه الدّليل من حظر ذلك قبل الغسل.

و قوله تعالى فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ (5) محمول على غسل الفرج، أو يكون كلاما مستأنفا، ليس بشرط و لا غاية لزمان الحظر، و يجوز أن يكون بمعنى (طهرن) و (تفعّل) يأتي بمعنى (فعل) نحو تطعّمت الطّعام و طعمته.

«و المستحاضة يلزمها إذا لوّث الدّم أحد جانبي الكرسف و لم يثقبه ان تغيّره و تتوضأ لكلّ صلاة، فإذا ثقبه و لم يسل أن تغتسل لصلاة الفجر مع تغييره و تتوضّأ لباقي الصلوات، و إن ثقبه و سال فعليها ثلاثة أغسال: غسل للفجر و غسل للظهرين و غسل للعشائين و حكمها حكم الطاهرات إذا فعلت ما ذكرناه» (6) خلافا لأبي حنيفة، فإنّ حكم دم الاستحاضة عنده حكم الرّعاف، لا يمنع الصلاة و الصوم و الوطئ (7) لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): للمستحاضة (: توضّئي و صلّى و إن قطر الدّم على الحصير فإنّما هو دم عرق انفجر» (8) إلّا أنّه يقول تتوضّأ لوقت كلّ صلاة و تصلّي ما شاءت من الفرائض و النّوافل و إذا خرج الوقت بطل الوضوء (9).

و قال الشافعي: تتوضّأ لكلّ فرض (10).

____________

(1) الخلاف: 1/ 226 مسألة 195.

(2) الغنية: 39.

(3) الوجيز: 1/ 25، النهاية: 237.

(4) الخلاف: 1/ 228 مسألة 196.

(5) البقرة: 222.

(6) الغنية: 39.

(7) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 45.

(8) سنن البيهقي: 2/ 56 حديث 1671.

(9) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 46.

(10) الوجيز: 1/ 25.

24

لنا و للشافعي انّ خروج الدّم ناقض للوضوء اتفاقا فإذا خرج [6/ أ] بعد الوضوء نقض و الحديث لا ينافي مذهبنا لأنّها إذا توضّأت لوقت كلّ فرض فقد توضّأت لوقت كلّ صلاة و أيضا إذا غسلت و توضّأت و صلّت كما ذكرناه برئت ذمّتها بيقين و لا يقين في غير ما ذكرناه.

و إذا استمرّ بالمبتدأة الدّم الشهر و الشهرين، فإن تميّز لها الدم عملت على التّمييز، و إن كانت لها عادة فعلى عادتها و إن لم تكن لها عادة أو اختلفت رجعت إلى عادة نسائها و إلّا تركت الصلاة في الشهر الأول ستة أيام و في الثاني عشرة أيام أو تركت في كل شهر سبعة أيّام (1).

فصل «دم النّفاس هو الحادث عقيب الولادة،

و أكثره عشرة أيّام» (2) خلافا للمذهبين، فإنّه عند الحنفية أربعون يوما. و عند الشافعية ستّون يوما و أغلبه عندهم أربعون يوما.

لنا أنّه لا خلاف أنّ العشرة من النّفاس و الزائد لا بدّ له من دليل (3).

قالوا: لأنّه أكثر من أكثر مدّة الحيض بأربعة أضعافه و لا حدّ لقليله اتّفاقا.

و الحامل المستبين حملها لا تحيض، خلافا للشافعي في الجديد (4) لنا أنّ الدّم يجتمع في الرّحم أربعة أشهر ثم بعد ذلك يصير غذاء للولد كما قال النبيّ (عليه السلام): يمكث أحدكم في بطن أمّه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم أمر اللّه سبحانه ملكا ينفخ فيه الرّوح (5).

إذا ولدت ولدين، اعتبر نفاسها من الأوّل، و آخره من الثاني، لأنّ كلّ واحد من الدّمين يستحق الاسم بأنّه نفاس فعددنا من الأوّل، و استوفينا من الثاني (6).

«و أمّا من مسّ الميّت فقد ذكرنا أنّه حدث يوجب الغسل إذا كان بعد برده بالموت قبل تطهيره بالغسل» (7). خلافا لهما (8).

لنا ما روي من قوله (عليه السلام): (من مسّ ميّتا فليغتسل) (9) و الأمر في الشرع بظاهره يقتضي الوجوب و لا يحمل على النّدب إلّا بدليل.

____________

(1) الخلاف: 1/ 234 مسألة 200، و في عبارة المصنف هنا من الاشكال ما لا يخفى.

(2) الغنية: 40.

(3) الخلاف: 1/ 245 مسألة 213- 214.

(4) الخلاف: 1/ 239 مسألة 205.

(5) لم أجده.

(6) الخلاف: 1/ 247 مسألة 219.

(7) الغنية: 40.

(8) الخلاف: 1/ 222 مسألة 193.

(9) الغنية: 40 فيه غسل مكان (مسّ).

25

فصل و الطهارة عن النجس عبارة عن إزالة النّجاسة عن الثوب و البدن

و النجاسة هي بول و خرء ما لا يؤكل [6/ ب] لحمه بلا خلاف، و ما يؤكل لحمه إذا كان جلّالا، و إذا لم يكن جلّالا فلا بأس ببوله و روثه (1). خلافا للشافعي مطلقا (2).

لنا أنّ الأصل الطهارة، فلا بدّ للحكم بالنجاسة من دليل «و قوله (عليه السلام): (ما أكل لحمه فلا بأس ببوله و سلحه)، و الخمر نجسة بلا خلاف ممّن يعتدّ به لقوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ (3) و الرجس و النّجس و الرّجاسة و النجاسة بمعنى.

و كذا كلّ شراب مسكر نجس و كذا الفقّاع» (4) خلافا لهما (5).

لنا أنّ كلّ شراب أسكر كثيره فقليله حرام و كلّ ما كان كذلك فهو نجس، فالفقاع نجس، أمّا أنّ كثيره مسكر فمعلوم بالامتحان، و لأنّ شربه منهي عنه، كما سنذكره في بابه (6) إن شاء اللّه تعالى.

«و كذا الدّم إلّا الدّماء الثلاثة- الحيض و الاستحاضة و النفاس- إلّا أنّه تجوز الصلاة في ثوب أصابه دم غيرها من الدّماء المسفوحة إذا نقص مقداره عن سعة الدّرهم الوافي» (7) خلافا للشافعي فإنّه نجس عنده (8).

لنا إجماع الإمامية، و إنّ في التنزّه و التحفّظ عنه حرجا، لأنّه يظهر على بدن الإنسان بالحكّ و الخدش و الشوك و لا حرج في الدّين لقوله تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (9).

و إذا لم ينقص عن الدرهم و لم يزد عليه لا يجوز الصلاة معه خلافا لأبي حنيفة (10). لنا أنّا و إيّاه اتفقنا على جواز الصلاة إذا نقص و إذا ادّعى جواز الصّلاة معه إذا لم ينقص فعليه الدّليل.

و دم السمك طاهر لقوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ (11) لأنّه يقتضي إباحة السمك بجميع أجزائه و كذا دم البقّ و البراغيث خلافا للشافعيّ (12) لنا إذا لم يتفاحش أنّ

____________

(1) الغنية: 40.

(2) الخلاف: 1/ 485 مسألة 230.

(3) المائدة: 90.

(4) الغنية: 41.

(5) الخلاف: 5/ 489 مسألة 6.

(6) ص 694.

(7) الغنية 41.

(8) الخلاف: 1/ 476 مسألة 219.

(9) الحج: 78.

(10) الخلاف: 1/ 476 مسألة 220.

(11) المائدة 96.

(12) الخلاف: 1/ 476 مسألة 219.

26

النجاسة حكم شرعيّ و ليس في الشّرع ما يدل على ثبوتها فيه و أمّا غير الدّم من النجاسات فيجب إزالة قليلا كان أو كثيرا كالبول و الغائط و الخمر خلافا للحنفية، لأنّه عندهم الصلاة معه إذا كان درهما و أقل، جائزة (1) [7/ أ].

لنا أنّ حمله على الدّم قياس و هو يفيد الظنّ، و لا يجوز العمل على الظنّ مع إمكان العلم، و لأنّ النّجاسة في الدّرهم و ما دونه معلوم فمن أجاز الصلاة معه فعليه الدليل.

«و المنيّ من جميع الحيوانات نجس، خلافا للشافعي في منيّ الآدميّ مطلقا، و لأبي حنيفة إذا كان يابسا فإنّه لا يوجب الغسل عليه و يكفي فيه الفرك» (2).

لنا قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ (3) و هو أثر الاحتلام، و الرّجز و الرجس و النجس واحد، فدلّت الآية على نجاسته، و أيضا و ظاهر قوله تعالى لِيُطَهِّرَكُمْ يدلّ على تقدّم النّجاسة، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): (إنّما يغسل الثّوب من البول و الدم و المنيّ).

و ميتة ذوات الأنفس السّائلة نجسة بلا خلاف إلّا في الآدمي (4) بعد برده بالموت و قبل تطهيره بالغسل فإنّه عندهما طاهر (5).

لنا أنّ الإجماع حاصل على نجاسة ما سواه من الميتات و استثناؤه منها يحتاج إلى دليل و أمّا الحكم بطهارته بعد التطهير فللإجماع.

«و أمّا ما لا نفس له سائلة كالذّباب و الجراد» (6). إذا مات فليس بنجس، خلافا للشافعي (7).

لنا أنّ النجاسة حكم شرعي، و لا دليل في الشرع، و الأصل في الأشياء الطهارة، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) (إذا وقع الذّباب في إناء أحدكم فامقلوه)، و المقل يوجب الموت، و لا سيّما إذا كان الماء حارّا و لو كان ينجس بموته لما أمر بمقله على الإطلاق.

«و شعر الميتة و صوفها طاهر إذا جزّ و كذا عظمها» (8)، خلافا للشافعي قال: لأنّه من

____________

(1) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 52.

(2) الخلاف: 1/ 489 مسألة 231.

(3) الأنفال: 11.

(4) الغنية: 42.

(5) الخلاف 1/ 701 مسألة 490.

(6) الغنية: 42.

(7) الخلاف: 1/ 188 مسألة 145.

(8) الغنية: 42.

27

أجزاء الميتة (1)، لنا قوله تعالى وَ مِنْ أَصْوٰافِهٰا وَ أَوْبٰارِهٰا وَ أَشْعٰارِهٰا أَثٰاثاً وَ مَتٰاعاً إِلىٰ حِينٍ (2)، لأنّه تعالى امتنّ علينا بما جعله من النّفع و لم يفصل بين الذّكيّة و الميتة، و لا يجوز الامتنان بما لا يجوز الانتفاع به لنجاسته، و قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (3) لا يعارض ما ذكرناه، لأنّ اسم الميتة [7/ ب] لا يتناول ما تحلّه الحياة، و هذه لا تحلّه الحياة (4)، لعدم الحسّ و الحركة فيها و إنّما فيها النّموّ كما في النّبات، و النّامي لا يسمّى حيّا.

«و أمّا جلد الميتة فلا يطهر بالدّباغ». (5) خلافا للشافعي فإنّه قال: كلّ حيوان طاهر إذا مات فجلده يطهر بالدّباغ، و أبي حنيفة فإنّه قال: يطهر الجميع بالدّباغ إلّا جلد الخنزير. (6)

لنا قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ و المراد الانتفاع بها بأكل أو بيع أو غير ذلك و اسم الميتة يتناول الجلد قبل الدّباغ و بعده، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) قبل موته بشهر: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب و لا عصب).

و الخنزير نجس بلا خلاف.

و الكلب نجس بلا خلاف إلّا من مالك (7). (8)

و ما سواهما طاهر خلافا لأبي حنيفة فإنّ سباع البهائم عنده نجسة و كذا سؤرها. (9)

و يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرّات، أو لاهنّ بالتّراب. (10)

خلافا للشافعي فإنّه يوجب غسله سبع مرّات من لعاب الكلب و الخنزير. (11)

لنا «قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرّات»، و في خبر آخر «فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا»، و هذا الخبر أيضا يقتضي وجوب الثلاث من حيث أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يجوّز الاقتصار على ما دونها، لأنّ لفظة (أو) إمّا أن تفيد التخيير بين هذه الأعداد، فتكون كلّها واجبة على جهة التخيير، أو تفيد التخيير بين الثلاثة الواجبة و بين الزّيادة عليها على جهة النّدب، و الأوّل باطل بالإجماع فثبت الثاني.

____________

(1) الخلاف: 1/ 66 مسألة 13.

(2) النحل: 80.

(3) المائدة: 3.

(4) الغنية: 43.

(5) الغنية: 43.

(6) الخلاف: 1/ 60 مسألة 9.

(7) بن أنس بن مالك بن عامر، الأصبحي المدني، أبو عبد اللّه، ولد سنة (95 ه) و توفّى بالمدينة سنة (179 ه) و دفن بالبقيع. وفيات الأعيان: 4/ 135 رقم 550.

(8) الغنية: 43.

(9) الخلاف: 1/ 187 مسألة 144.

(10) الغنية: 43.

(11) الخلاف: 1/ 178 مسألة 133 و 143.

28

و الكافر نجس». (1) خلافا لهما. (2)

لنا قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (3) و هذا نصّ. و كلّ من قال بذلك في المشرك، قال به في سائر الكفّار، و التّفرقة بينهما خلاف الإجماع. فإن قالوا: المراد به نجس الحكم، قلنا:

إطلاق لفظة النّجاسة في الشّريعة يقتضي نجاسة العين حقيقة، و حمله على الحكم مجاز، و اللّفظ بالحقيقة أولى من المجاز.

قالوا: لو كان نجس العين لما طهر بتجديد معنى و هو الإسلام، قلنا: الخمر نجسة العين [و] تطهر بتجديد معنى و هو الحموضة، و لا يعارض ما ذكرناه [8/ أ] وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ (4) لأنّ مطلق الطّعام ينصرف إلى الحنطة، و لا يمكن إنكاره لأنّ أبا حنيفة و الشافعي اختلفا فيمن وكّل وكيلا على أن يبتاع طعاما، فقال الشافعيّ: لا يجوز أن يبتاع إلّا الحنطة، و قال أبو حنيفة: دقيقها، أيضا ذكره المحامليّ (5) في كتابه الأوسط في الخلاف، و ذكره الأقطع (6) أيضا في آخر كتاب الوكالة في شرح القدوري. (7)

فصل الماء على ضربين جار و راكد

و كلاهما طاهر و مطهّر ما لم تخالطه نجاسة بلا خلاف، فإن خالطته و هو جار و لم يتغير أحد أوصافه بها، فهو طهور، فإن غيّرته فالمقدار المتغير نجس، و إذا لم يتغيّر و ليس للنجاسة أثر فهو طاهر لقوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (8) و هذا ما لم يخرجه مخالطة النجاسة عن إطلاق اسم الماء. (9) فيجب أن يكون طاهرا، و لأنّ النجاسة لا تستقرّ مع جريان الماء.

و الرّاكد على ضربين ماء البئر و غير البئر.

____________

(1) الغنية: 43- 44.

(2) الخلاف: 1/ 70 مسألة 16.

(3) التوبة: 28.

(4) المائدة: 5.

(5) أحمد بن محمّد بن أحمد الضبي، أبو الحسن، الفقيه الشافعي، أخذ عن أبي حامد الإسفرائيني توفّى سنة (415 ه) وفيات الأعيان: 1/ 74 رقم 27.

(6) أحمد بن محمّد بن محمّد، أبو نصر الأقطع الفقيه الحنفي البغدادي، سمي به لأنّه مال إلى حدث فظهرت على الحدث سرقة فاتّهم بأنّه شاركه فيها فقطعت يده اليسرى، و خرج إلى رام هرمز، و كان يدرس هناك إلى أن توفّى سنة (474). الوافي بالوفيات: 8/ 118 رقم 3531.

(7) الغنية: 44.

(8) الفرقان: 48.

(9) الغنية: 46.

29

و غير البئر على ضربين قليل و كثير، فالقليل ينجس بما لاقاه من النجاسة و أمّا الكثير فلا ينجس إلّا إذا تغيّر أحد أوصافه من لون أو طعم أو رائحة، خلافا لأبي حنيفة فإنّه ينجس عنده و ان لم يتغيّر أحد أوصافه قليلا كان الماء أو كثيرا.

و الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء عنده من الجانب الآخر. (1)

لنا قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (2) و اختلاط النجاسة به إذا لم يتغيّر لم يخرجه عن إطلاق اسم الماء عليه كما قلنا، و إذا كان كذلك وجب العمل بالظّاهر، و قوله (عليه السلام):

«إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا» (3). له قوله (عليه السلام): «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم و لا يغتسلنّ فيه من الجنابة»، فالأمر بحفظ الماء دلّ على تأثّر الماء به. قلنا: هذا الأمر على سبيل الندب لا على الوجوب إذا كان الماء كثيرا، و يحمل على الوجوب إذا كان قليلا.

[و حدّ الكثير ما بلغ كرّا أو زاد عليه «و حدّ الكرّ] و زنا ألف [8/ ب] و مائتا رطل» (4).

خلافا للشافعي فان الكثير عنده ما بلغ قلّتين (5)، و القلّتان خمسمائة رطل برطل العراق.

لنا أنّه لا خلاف في طهارة ما قلناه من الكثير فله أن يدلّ على طهارة ما نقص منه.

«و ظاهر قوله وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ (6) يقتضي تحريم استعمال الماء المخالط بالنجاسة مطلقا، من غير اعتبار بالكثرة و تغيّر الأوصاف، و إنّما يخرج من ذلك ما أخرجه دليل قاطع» (7).

«و أمّا ماء البئر فإنّه ينجس بكلّ ما يقع فيها من النجاسة، قليلا كان ماؤها أو كثيرا» (8). خلافا للشافعي في الكثير. (9)

لنا أنّه قد خالطته نجاسة و كلّ ما خالطته نجاسة فهو نجس و التحرز عن النجاسة واجب فيجب التحرّز عنه «و أيضا فلا خلاف من الصحابة و التابعين في أنّ ماء البئر يطهر بنزح بعضه، و هذا يدلّ على حكمهم بنجاسته على كلّ حال من غير اعتبار بمقداره».

____________

(1) الخلاف: 1/ 189 مسألة 147.

(2) الغنية: 46.

(3) الغنية: 46 و ما بين المعقوفين منه ذلك أن السطر الأخير من الصفحة الخطية كان غير مقروء لسوء التصوير.

(4) الغنية: 46 و ما بين المعقوفتين منه ذلك أن السطر الأخير من الصفحة الخطية كان غير مقروء لسوء التصوير.

(5) الخلاف: 1/ 193 مسألة 148.

(6) الأعراف: 157.

(7) الغنية: 46.

(8) الغنية: 47.

(9) الوجيز: 1/ 5.

30

و الواقع في البئر إن غيّر أحد أوصاف الماء و لم يكن على نزحه نصّ وجب نزح جميع الماء و إن كان على نزحه نصّ نزح إلى أن يبلغ النّص، فإن زال التغيّر حكم بطهارته، و إن لم يزل نزح إلى أن يزول، و إن لم يغيّر أحد أوصافه فهو على ضربين: ما يوجب نزح الجميع أو تراوح أربعة رجال من أوّل النّهار إلى آخره و ذلك [إذا كان له مادّة يتعذر معها نزح الجميع، و الضرب الآخر يوجب نزح بعضه، فما يوجب نزح الجميع أو المراوحة] عشرة أشياء: الخمر، و كلّ شراب مسكر، و الفقّاع، و المني، و دم الحيض، و الاستحاضة، و النّفاس، و موت البعير فيه، و كلّ نجاسة غيّرت أحد أوصافه و لم يزل التّغيّر قبل نزح الجميع، و ما لا نصّ عليه في مقدار النّوح، أمّا الفقّاع و المني فقد ذكرنا أنّهما نجسان و الباقي لا خلاف في نجاسته، و إذا وقع منها شيء في البئر فالنجاسة فيها معلومة و لا علم بزوالها إلّا بعد نزح جميع ماء البئر.

«و ما يوجب نزح البعض [على ضروب]:

منه ما يوجب نزح كرّ، و هو موت الخيل فيها أو ما ماثلها في مقدار الجسم.

و منه ما يوجب نزح سبعين دلوا بالدلو المألوف و هو موت الإنسان». (1)

خلافا للحنفيّة فإنّه ينزح منه جميع الماء. (2)

«و منه ما يوجب نزح خمسين، و هو كثير الدّم المخالف [9/ أ] للدّماء الثلاثة، و العذرة الرّطبة أو اليابسة المتقطّعة.

و منه: ما يوجب نزح أربعين، و هو موت الشاة، أو الكلب، أو الخنزير، أو السنّور، أو ما كان مثل ذلك في قدر الجسم، و بول الإنسان البالغ» (3)، و عند الحنفيّة ينزح من الشاة و الكلب جميع الماء، و من السنّور و الحمامة و الدّجاجة ما بين أربعين إلى ستّين. (4)

و منه ما يوجب نزح عشر، و هو قليل الدّم المخالف للدّماء الثلاثة، و العذرة اليابسة غير المتقطعة.

و منه ما يوجب نزح سبع، و هو موت الدّجاجة، أو الحمامة، أو ما ماثلهما في مقدار الجسم، و الفأر إذا انتفخت أو تفسّخت، و بول الطفل الذي أكل الطّعام (5)، و عندهم إذا ماتت فيها فأرة أو عصفورة أو صعوة أو سام أبرص ينزح من عشرين إلى ثلاثين (6)، و عند

____________

(1) الغنية: 47- 48، و ما بين المعقوفين استدركناه منها.

(2) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 26.

(3) الغنية: 48.

(4) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 26.

(5) الغنية: 49.

(6) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 25.

31

الشافعية الفأرة إذا تقطّعت شعورها فالطريق أن يستقي الماء الموجود في البئر فما يحصل بعد ذلك أن رئي فيه شعر فنجس و إلّا فطهور إذ الأصل طهارته. (1)

و منه ما يوجب نزح ثلاث، و هو موت الفأرة إذا لم تنتفخ أو تنتفسخ، و الحيّة، و العقرب، و الوزغة، و عند أصحابنا فيهما خلاف، و بول الطفل الذي لم يأكل الطعام.

و منه: ما يوجب نزح دلو واحد و هو موت العصفور، أو ما ماثله من الطير في مقدار الجسم، و الدليل على جميع ذلك إجماع الإمامية و هو حجة لدخول قول المعصوم الذي قوله حجّة فيه.

و الماء المتغير ببعض الطاهرات يجوز الوضوء به ما لم يسلبه إطلاق اسم الماء عليه، و المستعمل في الوضوء أو الغسل المندوب طاهر يجوز الوضوء به (2).

و في المستعمل في الغسل الواجب خلاف بين أصحابنا، و عند الشافعيّة طاهر غير طهور لا يجوز الوضوء به و لا الغسل، و عند الحنفية نجس حكاه أبو يوسف (3) عن أبي حنيفة. (4)

لنا قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (5) «و من ادّعى انّ الاستعمال يخرجه عن إطلاق اسم الماء عليه يحتاج إلى دليل، و إنّ من حلف أن لا يشرب ماء فشربه يحنث بلا خلاف» (6)، و لو لم يطلق عليه اسم [9/ ب] الماء لما حنث. «و لا يجوز الوضوء بغير الماء من المائعات، نبيذ تمر كان أو ماء ورد، لقوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً* (7) لأنّه يقتضي نقلنا عن الماء إلى التّراب من غير واسطة، و من أجاز الوضوء بغير الماء، فقد جعل بينهما واسطة، و زاد في الظّاهر ما لا يقتضيه. (8)

و قال أبو حنيفة: يجوز التوضّؤ بنبيذ التمر إذا كان مطبوخا عند عدم الماء. (9)

الوضوء بالماء المغصوب لا يرفع الحدث، و لا يبيح الصلاة بالإجماع، لأنّ الوضوء عبادة يستحق بها الثّواب، فإذا فعل بالماء المغصوب خرج عن ذلك إلى أنّه معصية يستحق بها العقاب، فينبغي أن لا يكون مجزئا، و لأنّ القربة في النّية شرط و التقرب إلى اللّه تعالى

____________

(1) الوجيز: 1/ 8.

(2) الغنية: 49.

(3) القاضي، صاحب أبي حنيفة، يعقوب بن إبراهيم، كان من أهل الكوفة، تولّي القضاء ببغداد، من المهدي و ابنه الهادي، و هارون الرشيد، ولد سنة (113 ه) و توفّى سنة ببغداد (182). وفيات الأعيان: 6/ 376 رقم 824.

(4) الخلاف: 1/ 172 مسألة 126.

(5) الفرقان: 48.

(6) الغنية: 50.

(7) النساء: 43.

(8) الغنية: 50.

(9) الخلاف: 1/ 55 مسألة 6.

32

بالمعصية محال.

و لا يجوز إزالة النّجاسة بغير الماء من المائعات. (1) خلافا لأبي حنيفة. (2)

لنا «أنّ حظر الصلاة و عدم إجزائها في الثوب الذي أصابته نجاسة، معلوم، فمن ادّعى إجزاءها إذا غسل بغير الماء فعليه الدّليل، و لا دليل في الشرع يدلّ عليه، و قوله (عليه السلام): لأسماء (3) في دم الحيض يصيب الثوب (حتّيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء) و ظاهر الأمر يقتضي الوجوب.» (4)

و المختلط بشيء من الطاهرات التي غيّرت أحد أوصافه و لم يسلبه إطلاق اسم الماء عليه يجوز التوضّؤ به خلافا للشافعي. (5)

لنا قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً* و الواجب للماء المتغيّر واجد للماء.

و قال أبو حنيفة: يجوز ما لم يخرجه عن طبعه و جريانه و لم يطبخ به. (6)

إذا كان معه إناءان، طاهر و نجس و اشتبها عليه لم يجز استعمالهما و كذلك الثياب.

و لا يجوز التحرّي خلافا لأبي حنيفة في التحرّي في الثياب، فأمّا الأواني فإن كان عدد الطاهر أغلب جاز التحري فيها و إلّا فلا. و للشافعيّ مطلقا. (7)

لنا أنّ المستعمل للماء يجب أن يكون على يقين في طهارته و لا يقين له عند استعمال كلّ واحد منهما إذا تحرّى فلا يجوز له التحرّي.

«و أمّا إذا كان أحد الإناءين [10/ أ] طاهرا و الآخر طهور يتوضّأ بكل واحد منهما و عند الشافعيّ يجوز له التحرّي، و قيل لا يجوز له التحرّي و لا التوضؤ بهما» (8) بمثل ما قلناه في المسألة المتقدمة.

و إذا ولغ الكلب في أحدهما و اشتبها فأخبره عدل بتعيّنه لا يجوز له القبول خلافا للشافعيّ. (9)

لنا أنّه تيقن النجاسة و لم يتيقّن الطهارة لقوله بل ظنّ و لا يترك اليقين بالظنّ.

____________

(1) الغنية: 50.

(2) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 50.

(3) بنت أبي بكر، زوج الزبير بن العوام، و هي ذات النطاقين، ولدت قبل التأريخ بسبع و عشرين سنة، و ماتت سنة (70 ه) أسد الغابة: 6/ 9 رقم 6698.

(4) الغنية: 51.

(5) الخلاف: 1/ 57 مسألة 7.

(6) الخلاف: 1/ 57 مسألة 7.

(7) الخلاف: 1/ 196 مسألة 153.

(8) الخلاف: 1/ 199 مسألة 158.

(9) الخلاف: 1/ 200 مسألة 160.

33

«و إذا ورد على ماء، فأخبره عدل بأنّه نجس لا يقبل منه خلافا للشافعي فإنه قال: إذا أخبره بأنّه نجس وجب القبول و إن أخبره مطلقا فلا، لنا أنّ أصل الماء الطهارة و الحكم بنجاسته يحتاج إلى دليل و لا يحصل العلم بقول الواحد فيحكم بطهارته إلى أن يحصل العلم بنجاسته. (1)

و يكره استعمال أواني الذّهب و الفضّة، خلافا للشافعي فإنّه قال: يحرم، و أبي حنيفة في الأكل و الشرب، و كذلك [يكره] المفضّض خلافا لأبي حنيفة فإنّه لا يكره [عنده]. (2)

لنا أنّ الأصل الإباحة إلى أن يقوم على التحريم دليل.

____________

(1) الخلاف: 1/ 200 مسألة 161.

(2) الخلاف: 1/ 69 مسألة 15.

34

فصل في كيفية الطهارة

أمّا الوضوء فتقف صحّته على شروط عشرة.

أولها: النيّة.

(1) فإنّها واجبة خلافا لأبي حنيفة. (2) فإنّها عنده سنّة، لنا «قوله تعالى:

وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (3) و الوضوء من الدّين، لأنّه عبادة لقوله (عليه السلام): الوضوء شطر الايمان، و الإخلاص لا يحصل إلّا بالنيّة فالنّيّة واجبة و قوله (عليه السلام):

الأعمال بالنيّات و إنّما لامرئ ما نوى، و إذا كانت الأعمال توجد من غير نيّة يجب أن يكون للأعمال الشرعية نيّة يمتاز بها عن غيرها، و قوله (عليه السلام): و إنّما لامرئ ما نوي، يدلّ على أنّه ليس له ما لم ينو، لأنّ هذا حكم لفظة (إنّما) في اللّسان العربيّ.

و النيّة هي أن يريد المكلف الوضوء لرفع الحدث و استباحة الصلاة (4)، و في بعض كتب أصحابنا و كتب أصحاب الشافعي أو استباحة الصلاة (5) أو غيرها مما يفتقر إلى الطهارة طاعة للّه و قربة إليه.

«اعتبرنا تعلّق الإرادة برفع الحدث لأنّ حصوله مانع من العبادة، و الاستباحة لأنّه هو الوجه الذي أمر لأجله برفع الحدث.

و اعتبرنا الطّاعة لأنّ بذلك يكون الفعل عبادة.

و اعتبرنا القربة إليه سبحانه- و هو طلب المنزلة الرّفيعة- [10/ ب] لأنّ ذلك هو

____________

(1) الغنية: 52.

(2) الخلاف: 1/ 71 مسألة 18.

(3) البيّنة: 5.

(4) الغنية: 52.

(5) انظر المختلف: 1/ 107 كيفيّة الوضوء، الوجيز: 1/ 12.

35

الغرض المطلوب بطاعته، فإن كان الوضوء واجبا بأن يكون وصلة إلى استباحة واجب، نوى وجوبه ليتميّز من النّدب.

و يجوز أن يؤدّ بالوضوء المندوب الفرض من الصلاة إذا نوى رفع الحدث أو استباحة الصلاة.

ثانيها مقارنة آخر جزء من النيّة لأوّل جزء من الوضوء،

حتى يصحّ تأثيرها بتقدّم جملتها على جملة العبادة» (1)، خلافا لمن قال: أنّ مقارنتها بأن يكون زمان فعل الإرادة هو زمان فعل العبادة.

لنا أنّ المقارنة على هذا الوجه حرج و لا حرج في الدّين و يلزم على هذا الوجه أن يكون جملة أجزاء العبادة خارجة عن النيّة لتقدّم جملتها أو بعضها على جملة النيّة. (2)

و ثالثها استمرار حكم النيّة إلى حين الفراغ من العبادة،

و ذلك بأن يكون ذاكرا لها، غير فاعل لنيّة تخالفها (3) و وقت وجوبها عند غسل الوجه و وقت استحبابها عند أول سنن الوضوء لأن لا يكون سننه عارية عن النيّة.

و رابعها غسل الوجه،

و حدّه من قصاص شعر الرّأس إلى محادر شعر الذّقن طولا و ما دارت عليه الإبهام و الوسطى عرضا. (4)

خلافا لهما فان عندهما من مبتداء تسطيح الجبهة إلى منتهى الذّقن طولا و من الأذن إلى الأذن عرضا. (5)

[لنا] إنّ ما اعتبرناه من الوجه بلا خلاف، و ما زاد على ذلك لا دليل على أنّه منه (6) و من ادّعى أنّه منه، فعليه الدليل.

و يجب غسله مرّة واحدة بكفّ من الماء من أعلى الوجه إلى الذقن و لو غسل منكوسا لم يجزئه على الأظهر و ظاهر الآية مع من يجزئه.

و لا يجب غسل ما استرسل من اللّحية و لا تخليلها بل يغسل الظاهر خلافا للشافعي فإنّه يجب إفاضة الماء عليه في أحد قوليه و به قال أبو حنيفة: و لا خلاف في أنّه لا يجب غسله. (7)

____________

(1) الغنية: 53- 54.

(2) السرائر: 1/ 98.

(3) الغنية: 54.

(4) الغنية: 54.

(5) الخلاف: 1/ 76 مسألة 23.

(6) الغنية: 54.

(7) الخلاف: 1/ 77 مسألة 24 و 25.

36

و لا يجب إيصال الماء إلى أصول شعر الوجه، كالحاجبين و الأهداب و الشارب خلافا للشافعيّ لأنّه يجب عنده. (1) لنا قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (2) و من فعل ما ذكرناه فقد غسل الوجه و امتثل الأمر، «و اللحيّة ان كانت خفيفة يجب عنده إيصال الماء إلى ما تحتها و إن كانت كثيفة فلا» (3)

و خامسها: غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع مرّة واحدة،

بكفّ من الماء، و إدخال المرفق في الغسل. (4) لا خلاف لهما فيه. (5)

و من قطع بعض يديه غسل ما بقي، و إن قطع من المرفق [11/ أ] سقط فرض غسلها، و إن كان له ذراعان دون المرفق أو أصابع زائدة وجب غسل الجميع و إذا كان فوق المرفق لا يجب غسلها، خلافا للشافعي فإنّه يوجب غسل ما حاذى محلّ الفرض. (6)

و يجب الابتداء من المرفق، و من قال: لا يجب دليله قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (7). قال: أمر اللّه تعالى بغسل اليدين و من ابتدأ بالأصابع و غسل إلى المرافق فقد امتثل الأمر (8).

لنا أنّ الآية مجملة تحتاج إلى بيان، و بيانه أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ابتدأ بالمرفق، فيجب الابتداء به. (9)

دليله ما روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) توضّأ مرّة مرّة و قال: هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به فلا يخلو إمّا أن يكون ابتدأ بالمرافق أو انتهى إليها، و لا يجوز أن يكون انتهى إليها لأنّ ذلك يوجب أن لا تقبل صلاة من ابتدأ بها، و هذا خلاف الإجماع فثبت أنّه ابتدأ بها، فيجب أن يكون صلاة من ابتدأ بالأصابع غير مقبولة. و قوله تعالى وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ لا ينافي ذلك لأنّ (إلى) كما تكون لانتهاء الغاية تكون بمعنى (مع) كقوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَهُمْ إِلىٰ أَمْوٰالِكُمْ. (10) و مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ*. (11) و لو كانت بمعنى الغاية، لوجب الانتهاء إلى

____________

(1) الخلاف: 1/ 77 مسألة 25.

(2) المائدة: 6.

(3) الوجيز: 1/ 12.

(4) الغنية: 55.

(5) الخلاف: 1/ 78 مسألة 26.

(6) الوجيز: 1/ 13.

(7) المائدة: 6.

(8) السرائر: 1/ 99، الانتصار 99.

(9) التهذيب: 1/ 56 حديث 158، الاستبصار: 1/ 57 حديث 168.

(10) النساء: 2.

(11) آل عمران: 52.

37

المرافق و الابتداء بالأصابع و هذا خلاف الإجماع (1).

و سادسها مسح مقدّم الرّأس (2)،

خلافا لجميع الفقهاء فإنّهم يقولون هو مخيّر أيّ مكان شاء من رأسه مسح مقدار الواجب. (3)

لنا أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما روي: توضّأ و مسح مقدّم الرأس و قال: هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به (4) فيجب أن يكون المسح على مقدم الرأس.

و أيضا فالإجماع حاصل على صحّة وضوء من مسح مقدّم الرّأس، و لا إجماع على خلافه.

«و أقلّه ما يسمّى ماسحا و يجزي بإصبع واحدة. و الأفضل أن يكون مقدار ثلاث أصابع مضمومة، خلافا لمالك فإنّه يمسح الرّأس كلّه، و لأبي حنيفة فإنّه يمسح مقدار ثلاث أصابع في رواية، و في رواية أخرى يمسح ربع الرّأس بثلاث أصابع». (5)

و تكرار المسح بدعة خلافا للشافعي فإنّه يقول: المسنون ثلاث مرّات و لأبي حنيفة، فإنّه قال: التكرار أولى. (6)

سابعها مسح ظاهر القدمين

من رؤس الأصابع إلى الكعبين. (7)

خلافا لجميع الفقهاء، فإنّ الفرض عندهم الغسل.

و قال الحسن البصري (8) [11/ ب]، و محمد بن جرير (9)، و أبو على الجبائي (10) بالتخيير.

____________

(1) و بما أن لفظ اليد مشترك لفظي بين الأصابع و الكف فما فوقه إلى الكتف لزم أن يذكر قرينة لتعيين المراد و المطلوب في غسل الوضوء فأتى بلفظة (إلى) و هي هنا للغاية، و لا يلزم ما ذكره المصنف، انظر تفسير الميزان للطباطبائي ذيل هذه الآية.

(2) الغنية: 55.

(3) الخلاف: 1/ 83 مسألة 32.

(4) لم أجد رواية بهذا النص إلّا أنه بمعناه ورد عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما في مستدرك الوسائل 1/ 313 ح 1 و 2 من الباب 20 و ح 7 من الباب 28 من أبواب الوضوء.

(5) الخلاف: 1/ 81 مسألة 29.

(6) الخلاف: 1/ 79 مسألة 27.

(7) الغنية: 56.

(8) أبو سعيد بن أبي الحسن يسار، كان من كبراء التابعين و ساداتهم، أبوه مولى يزيد بن ثابت الأنصاري و أمّه خيرة مولاة أمّ سلمة زوج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ولد في خلافة عمر بالمدينة و توفّى سنة (110) بالبصرة. وفيات الأعيان: 2/ 69 رقم 156.

(9) بن يزيد بن خالد الطبري، و قيل: يزيد بن كثير، صاحب التفسير الكبير و التأريخ المشهور ولد سنة (224) و توفّى سنة (310) و دفن في داره ببغداد. الوافي بالوفيات: 2/ 284 رقم 720.

(10) محمّد بن عبد الوهاب بن سلام، أحد أئمّة المعتزلة كان إماميّا في علم الكلام، أخذ العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبد اللّه الشحام البصري ولد في سنة (235) و توفّى في شعبان سنة (303). وفيات الأعيان: 4/ 267 رقم 607.

38

و روي عن جماعة من الصحابة و التابعين كابن عباس (1) و عكرمة (2) و أنس (3) و أبي العالية (4) و الشعبي (5): القول بالمسح (6).

لنا «قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (7) أمر سبحانه و تعالى بمسح الرؤس ثم عطف عليها الأرجل، فوجب أن يكون لها بمقتضى العطف مثل حكمها، و سواء في ذلك القراءة بالجرّ و النّصب.

أمّا الجر فلا وجه له إلّا العطف على الرّؤس، و لا يجوز الجرّ بالمجاورة لأنّ علماء العربيّة قد نفوا الإعراب بها و تأوّلوا الجرّ في (جحر ضبّ خرب) على أنّ المراد (خرب جحرة) مثل (مررت برجل حسن وجهه) و لأنّ من جوّزه يقول: أنّه شاذّ نادر و لا يجوز حمل كتاب اللّه على الشّذوذ، و لوجود حرف العطف لا يبقى للإعراب بالمجاورة حكم، و لأنّ الإعراب بالمجاورة يكون في الموضع الذي ترتفع الشبهة فيه، لأنّ من المعلوم أنّ (خربا) لا يجوز أن يكون من صفات الضّبّ، و ليس كذلك الأرجل، لأنّها كما يصحّ أن تكون مغسولة، يصحّ أن تكون ممسوحة، فلا يجوز أن يكون إعرابها بالمجاورة.

قال الشاعر:

معاوي إنّنا بشر فأسجح * * * فلسنا بالجبال و لا الحديدا

و عطفها على موضع الرّؤس أولى لاتّفاق أهل العربيّة على أنّ إعمال أقرب العاملين أولى من إعمال الأبعد، و لهذا كان ردّ عمرو في الإكرام إلى زيد أولى من ردّه في الضّرب إلى بكر

____________

(1) عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، أبو العباس توفّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و له (13) سنة أخذ عنه جماعة منهم عطاء بن أبي رباح، و طاوس، و مجاهد و سعيد بن جبير و غيرهم، توفّى بالطائف و هو ابن (72) سنة و قد كفّ بصره. وفيات الأعيان: 3/ 62 رقم 338.

(2) القرشي الهاشمي، أبو عبد اللّه المدني، مولى عبد اللّه بن عبّاس، أصله من البربر توفّى سنة (106) تهذيب الكمال:

20/ 264 رقم 4009.

(3) بن مالك بن النضر الأنصاري النجاري، أبو حمزة المدني نزيل البصرة، خادم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). توفّى سنة (92).

تهذيب الكمال: 3/ 353 رقم 568.

(4) رفيع بن مهران الرياحي البصري مولى امرأة من بني رياح، أسلم بعد موت النبي. توفّى سنة (111). تهذيب الكمال:

9/ 214، رقم 1922.

(5) اسمه: عامر بن شراحيل، أبو عمرو الكوفي من شعب همدان، مات سنة (103) و سنّه (79) سنة. تهذيب الكمال:

14/ 28 رقم 3042.

(6) الخلاف: 1/ 89 مسألة 39.

(7) المائدة: 6.

39

في قولهم «ضربت بكرا و أكرمت زيدا و عمرا» و مثله «أكرمني و أكرمت عبد اللّه» بالنصب [لا] بالرفع، و إذا كان القراءة بالجرّ لا يحتمل سوى المسح، و يجب حمل القراءة بالنّصب على ما يطابقها، لأنّ قراءة الآية الواحدة بحرفين يجري مجرى الآيتين في وجوب المطابقة بينهما.

و ما روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) بال على سباطة قوم ثمّ توضّأ و مسح على قدميه، و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: ما نزل القرآن إلّا بالمسح، و عن ابن عباس أنّه وصف وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فمسح على رجليه، و عنه أنّه قال: مسحتان و غسلتان. (1)

و الكعبان هما النّاتئان في وسط [12/ أ] القدم (2) خلافا لهم، فإنّهم قالوا: عظما السّاق النّاتئان من جانبي القدم (3)، لنا أنّه ثبت أنّ فرض الرّجلين هو المسح ثبت أنّ الكعبين هما ما ذكرناه، لأنّ من قال بأحد الأمرين قال بالآخر، فالقول بخلاف ذلك خروج عن الإجماع (4).

و أيضا فرض المسح إذا تعلّق ببعض الرّأس لأنّ (الباء) في بِرُؤُسِكُمْ للتبعيض لا للتّعدية لأنّ الفعل معدّى بنفسه فكذلك يجب في الأرجل بحكم العطف.

«و قوله تعالى وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ المراد رجلا كلّ متطهّر و فيهما الكعبان، و هذا أولى من قولهم: إنّه أراد رجل كلّ متطهّر، لأنّ الفرض يتناول الرّجلين، فصرف الخطاب إليهما أولى.

و ثامنها أن لا يستأنف لمسح الرّأس و الرّجلين ماء جديدا.

(5) خلافا لجميع الفقهاء. (6)

لنا أنّ من غسل وجهه و يديه مأمور بمسح رأسه و رجليه، و الأمر بمقتضي الشّرع يوجب الفور، و من ترك المسح بالبلل الذي في يده و عاد إلى أخذ ماء جديد فقد ترك المسح في زمان كان يمكنه فعله فيه و ذلك لا يجوز.

و أيضا لمّا أمر اللّه تعالى [بغسل] الوجه و اليدين أمر بمسح الرأس و الرجلين و الغسل لا يكون إلّا بالماء، و المسح (7) بغير الماء و ليس لأخذ الماء في المسح ذكر فمن أوجب أخذ الماء

____________

(1) الغنية: 57- 58.

(2) الغنية: 56.

(3) الخلاف: 1/ 92 مسألة 40.

(4) الغنية: 58.

(5) الغنية: 58.

(6) الخلاف: 1/ 80 مسألة 28.

(7) أشار الكاتب إلى الهامش لاستدراك شيء فاته دون أن نجد شيئا في الهامش كما ان لفظة [بغسل] المتقدمة كان مما أشار عندها الكاتب و استدركناها من السياق.

40

زاد في ظاهر الآية ما لا تقتضيه و ذلك غير جائز.

و أيضا لمّا ثبت أنّ فرض الرّجلين المسح، فمن قال به قال بما ذكرناه و التّفرقة بينهما خلاف الإجماع.

و تاسعها: التّرتيب

و هو أن يبدأ بغسل وجهه، ثم باليد اليمنى، ثم باليد اليسرى، ثم بمسح الرأس ثم بمسح الرّجلين. (1)

خلافا لأبي حنيفة فيه و للشافعي في تقديم اليمنى على اليسرى. (2).

لنا قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ الآية لأنّ الفاء تدلّ على التّعقيب، سواء كانت عاطفة أو جزاء، و إذا وجب غسل الوجه عقيب إرادة القيام وجب غسل اليدين عقيب غسل الوجه لمقتضى العطف و أيضا طريقة الاحتياط يقتضي ما ذكرناه لأنّ من توضّأ على الترتيب صحّ وضوءه بلا خلاف و ليس كذلك إذا توضّأ و لم يراع الترتيب.

و ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه توضّأ مرّة مرّة [12/ ب] و قال (صلّى اللّه عليه و آله): هذا وضوء لا يقبل اللّه تعالى الصلاة إلّا به، لا بدّ أن يكون توضأ مرتّبا و إلّا لزم أن لا يقبل صلاة من توضّأ مرتّبا و هذا باطل بالإجماع.

و عاشرها: الموالاة،

و هي أن لا يؤخّر بعض الأعضاء عن بعض، بمقدار ما يجفّ ما تقدّم في الهواء المعتدل. (3)

خلافا لأبي حنيفة، و للشافعي قولان: أحدهما: أنّه إذا فرّق إلى أن يجفّ أعاد، و الثاني لا يعيد (4). و هو قوله في الجديد.

لنا أنّ (الفاء) في الآية للتعقيب و التّرتيب من غير تراخ، بخلاف (ثمّ) فإنّه للترتيب مع التراخي فوجبت الموالاة، و الخبر المتقدّم و طريقة الاحتياط أيضا يقتضيان ما ذكرناه.

«لا يجوز المسح على الخفين في حال الاختيار لا سفرا و لا حضرا خلافا لجميع الفقهاء». (5)

لنا أنّه تعالى أوجب المسح على الرّجلين و قال:

____________

(1) الغنية: 58.

(2) الخلاف: 1/ 95 مسألة 42.

(3) الغنية: 59.

(4) الخلاف: 1/ 93 مسألة 41.

(5) الخلاف: 1/ 97 مسألة 93.

41

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1) فلا يجوز المسح إلّا على ما يسمّى رجلا على الحقيقة و ليس كذلك الخفّ، فمن مسح عليه عدل عن ظاهر الآية، و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) نسخ الكتاب المسح على الخفّين و قوله ما أبالي أمسحت على الخفّين أم على ظهر عير بالفلاة و عن عائشة أنّها قالت لأن تقطع رجلاي بالمواسي أحبّ إلى من أن أمسح على الخفّين و لم ينكر عليها أحد من الصّحابة. (2)

و اختلف من جوّز المسح على الخفّين فعند الشافعية لا يجوز إلّا بعد طهارة كاملة فلو غسل إحدى رجليه و أدخلها الخفّ لم يصحّ إلّا بعد أن يخرجها و يغسل الأخرى ثمّ يلبس بعد تمام الطهارة خلافا لأبي حنيفة و أصحابه لأنّ الاعتبار عندهم أن يطرأ الحدث على طهارة كاملة و لا يعتبرون لبسهما على طهارة. (3) و يجوز للمقيم يوما و ليلة و للمسافر ثلاثة أيّام بلياليها (4)، لا خلاف فيه بينهما و ابتداء المدّة من وقت الحدث عندهما. (5)

و إذا مسح في الحضر، ثم سافر مسح مسح المقيم عند الشافعي و مسح المسافر عند أبي حنيفة. (6)

و لا يجوز المسح إلّا على ساتر لجميع محلّ الفرض و إذا تخرّق من مقدّم الخفّ شيء بأن منه بعض الرّجل، لم يجز المسح عليه و إن كان قليلا جاز.

و قال أبو حنيفة: إن كان الخرق قدر ثلاث أصابع لم يجز و ان نقص جاز. (7)

و لا يجوز المسح على الجورب إذا لم يكن منعلا و عند أبي حنيفة لا يجوز على حال. (8) و قال الشافعي: إذا مسح [13/ أ] على الخفّ ما يقع عليه اسم المسح جاز خلافا لأبي حنيفة فإنّه يوجب قدر ثلاث أصابع. (9)

و المسنون عند الشافعي أن يمسح أعلى الخفّ و أسفله و عند أبي حنيفة المسح على الظاهر دون الباطن. (10)

[و] إذا أصاب أسفل الخفّ نجاسة، فدلكه في الأرض حتى زالت، تجوز الصلاة فيه خلافا للشافعي في الجديد. (11)

____________

(1) المائدة: 6.

(2) الغنية: 60.

(3) الخلاف: 1/ 210 مسألة 173.

(4) الخلاف: 1/ 207 مسألة 169.

(5) الخلاف: 1/ 208 مسألة 170.

(6) الخلاف: 1/ 209 مسألة 172.

(7) الخلاف: 1/ 210 مسألة 174.

(8) الخلاف: 1/ 213 مسألة 179.

(9) الخلاف: 1/ 217 مسألة 184.

(10) الخلاف: 1/ 216 مسألة 183.

(11) الخلاف: 1/ 217 مسألة 184.

42

لنا أنّ التراب طهور لقوله (عليه السلام): جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا. (1)

و مسنونات الوضوء: السّواك، و غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء- من النوم و البول مرّة و من الغائط مرتين (2)-، و عند الشافعية ثلاث مرّات مطلقا (3).

و عند الحنيفة غسلهما مطلقا. (4)

و التّسميّة و المضمضة و الاستنشاق ثلاث ثلاثا كلّ واحد منهما بكفّ من الماء و غسل الوجه و اليدين مرّة ثانية. (5) و الثالثة بدعة خلافا لهما فإنّهما سنّة عندهما. (6)

و أن يبدأ الرّجل في الغسلة الأولى بظاهر ذراعيه، و المرأة بباطنهما، و في الغسلة الثانية بالعكس، و الدّعاء عند المضمضة و الاستنشاق، و غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرّجلين. (7) و عند الشافعي تطويل الغرة. و استيعاب الرّأس بالمسح عندهما. و كذا مسح الأذنين ظاهرهما بماء جديد. و مسح الرّقبة عند الشافعي. و كذا تخليل أصابع الرّجلين يبدأ الرّجل اليمنى. و يختم باليسرى.

و الموالاة عنده.

و الترتيب عند أبي حنيفة. (8)

و غير ذلك ممّا يطول الكتاب بذكر الجميع.

من شكّ في شيء من واجبات الوضوء و هو جالس استأنف ما شكّ فيه، فان نهض متيقنا لتكامله لم يلتفت إليه، لأنّ اليقين لا يترك بالشكّ. (9)

و من تيقّن الطهارة و شك في الحدث لم يجب عليه الطّهارة وفاقا لهما. (10)

إذا توضّأ و صلّى ثم أحدث و توضّأ و صلّى ثم ذكر أنّه ترك عضوا في إحدى الطهارتين و لا يدري من أيّهما هو أعاد الطهارة و الصلاتين معا بلا خلاف، و في إعادة الوضوء للشافعي قولان إذا قال بالموالاة قال أعاد و إذا لم يقل به بنى عليه.

و متى صلىّ بطهارة و لم يحدث و جدّد الوضوء ثم صلّى العصر ثم ذكر أنّه ترك عضوا في

____________

(1) و مثل الحديث المذكور رواه ابن أبي جمهور في عوالي اللآلي 2/ 208 ح 130 و عنه المحدث النوري في المستدرك 2/ 530: 2639.

(2) الغنية: 60.

(3) الوجيز: 1/ 13.

(4) الهداية في شرح البداية: 1/ 15.

(5) الغنية: 60.

(6) الخلاف: 1/ 87 مسألة 30.

(7) الغنية: 61.

(8) الوجيز: 1/ 14، الهداية في شرح البداية: 1/ 15.

(9) الغنية: 61.

(10) الخلاف: 1/ 123 مسألة 35.

43

إحدى الطهارتين، فإنّه يعيد الظهر لأنّه لا شكّ أنّه صلى العصر بطهارة و انّما الشك في الظهر، و في إعادة العصر للشافعي قولان أحدهما يعيد و الآخر لا [13/ ب] يعيد. (1).

فصل و أمّا الغسل من الجنابة

فالمفروض على من أراده: الاستبراء بالبول أو الاجتهاد فيه، ليخرج ما في مخرج المني منه، ثم الاستبراء من البول، و غسل ما على بدنه من النجاسة، ثم النيّة، و مقارنتها و استدامة حكمها. (2)- خلافا لأبي حنيفة (3)، لنا ما ذكرنا في وجوب النيّة في الوضوء- ثم غسل جميع الرأس إلى أصل العنق، على وجه يصل الماء إلى أصول الشّعر ثم الجانب الأيمن من أصل العنق إلى تحت القدم ثم الجانب الأيسر كذلك. (4)

خلافا لجميع الفقهاء فإنّهم لا يوجبون الترتيب (5) لنا أنّ من غسل على هذا الوجه برئت ذمّته بيقين و ليس كذلك إذا لم يغسل على هذا الوجه.

«و مسنونة: غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ثلاثا، و التّسميّة، و المضمضة و الاستنشاق». (6) خلافا لأبي حنيفة فإنّهما واجبان عنده لنا أنّ الأصل براءة الذمّة و شغلها بشيء من الواجبات يحتاج إلى دليل. (7)

و المولاة و الدّعاء. (8)

و الغسل بصاع من الماء و الوضوء بمدّ خلافا لأبي حنيفة فإنّه لا يجزي في الغسل أقلّ من تسعة أرطال و في الوضوء أقلّ من مدّ. (9)

و فرض الغسل عند الحنفيّة المضمضة و الاستنشاق. و غسل سائر البدن و سننه أن يغسل يده و فرجه و يزيل النّجاسة عن بدنه ثم يتوضأ وضوء الصلاة إلّا رجليه ثم يفيض الماء على رأسه و سائر جسده ثلاثا، ثم يتنحي عن ذلك المكان فيغسل رجليه لأنّهما في مستنقع الماء المستعمل. (10)

____________

(1) الخلاف: 1/ 202 مسألة 165- 166.

(2) الغنية: 61.

(3) الخلاف: 1/ 71 مسألة 18.

(4) الغنية: 61.

(5) الخلاف: 1/ 132 مسألة 75.

(6) الغنية: 61.

(7) الخلاف: 1/ 74 مسألة 21.

(8) الغنية: 62.

(9) الخلاف: 1/ 129 مسألة 73.

(10) اللباب في شرح الكتاب: 1/ 14.

44

و عند الشافعيّة أقلّ الفرض النيّة و استيعاب البدن بالغسل و أكمله أن يغسل ما على بدنه من أذى أوّلا ثم يتوضّأ للصلاة و يؤخّر غسل الرجل إلى آخر الغسل ثم يفيض الماء على رأسه ثم يكرّر ثلاثا ثم يدلك (1) و يستباح الصلاة بهذا الغسل من غير وضوء. (2) خلافا للفقهاء. (3)

لنا قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (4) و لم يشرط الوضوء و قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (5) أمر للمحدث بالوضوء و للجنب بالغسل لاستباحة الصلاة، و إذا اغتسل الجنب فقد استباح الصلاة و ما عدا غسل الجنابة من باقي الأغسال الواجبة و المسنونة [14/ أ] يجب فيها تقديم الوضوء لاستباحة الصلاة أو تأخيره لأنّه ليس في الشرع ما يدلّ على استباحتها بها من دونه و يؤتى بها على كيفية غسل الجنابة.

و الأغسال المندوبة: غسل يوم الجمعة، و يوم الفطر، و يوم الأضحى. (6) وفاقا لجميع الفقهاء. (7)

و ليلة الفطر، و يوم الغدير، و يوم المبعث، و ليلة النّصف من شعبان، و أوّل ليلة من شهر رمضان، و ليلة النّصف منه، و ليلة سبع عشرة منه، و ليلة تسع عشرة منه، و ليلة إحدى و عشرين منه، و ليلة ثلاث و عشرين منه، و غسل إحرام الحج، و غسل إحرام العمرة، و لدخول الحرم، و لدخول مسجد الحرام، و لدخول الكعبة، و غسل يوم عرفة، و لدخول المدينة، و لدخول مسجد النبي، و لزيارته، و لزيارة الأئمة (عليهم السلام)، و لزيارة البيت عند الرجوع من منى، و لصلاة الاستسقاء، و لصلاة الحاجة، و لصلاة الاستخارة، و لصلاة الشكر، و للتّوبة من الكبائر، و غسل يوم المباهلة، و غسل المولود، و غسل قاضي صلاة الكسوف- إذا تعمّد تركها مع احتراق القرص كلّه- و غسل القاصد لرؤية المصلوب من المسلمين بعد ثلاثة أيّام و على جميع ذلك إجماع الإمامية. (8)

____________

(1) الوجيز: 1/ 18.

(2) الغنية: 62.

(3) النظر الخلاف: 1/ 131 مسألة 74 و التذكرة: 1/ 244 مسألة 73.

(4) النساء: 43.

(5) المائدة: 6.

(6) الغنية: 62.

(7) الخلاف: 1/ 219 مسألة 187.

(8) الغنية: 62.

45

فصل و أما التيمم

فكيفيّته: أن يضرب المحدث للوضوء أو الغسل بيديه على ما يتيمّم به ضربة واحدة، ينفضهما، و يمسح بهما وجهه من قصاص شعر رأسه إلى طرف أنفه، ثم يمسح بباطن كفّه اليسرى ظاهر كفّه اليمنى من الزّند إلى أطراف الأصابع، ثم يمسح بباطن كفّه اليمنى ظاهر كفّه اليسرى كذلك. (1)

و من أصحابنا من قال: انّه يضرب للغسل ضربتين واحدة للوجه و اخرى لليدين و قال الشافعي و أبو حنيفة و أصحابه: أنّ التيمّم ضربتان على كل حال، يمسح بإحداهما وجهه و بالأخرى يديه إلى المرفقين. (2)

و كيفيّته عند الشافعية أن يضرب كفّيه على التّراب ضامّا بين أصابعه و يمسح بهما وجهه مرة واحدة ثم ينزع خاتمه و يفرّج بين أصابعه و يضرب ضربة ثانية و يلصق ظهور أصابع يده اليمنى ببطون أصابع يده اليسرى بحيث لا يجاوز أطراف الأنامل من إحدى الجهتين عرض المسبّحة من الأخرى ثم يمرّ بطن يده اليسرى على ظهر ساعده اليمنى و يمرّها إلى الكوع و يمرّ إبهام يده اليسرى على ظهر إبهام يده اليمنى ثم يفعل [14/ ب] باليسرى مثل ذلك ثم يمسح كفّيه و يخلل من أصابعه.

و فرائضه عندهم خمس، نقل الغبار إلى محلّ الفرض من تراب طاهر خالص، و النيّة و لاستباحة الصلاة عند مسح الوجه، و مسح جميع الوجه بإمرار اليد المغبرّة عليه، و مسح اليدين مع المرفقين و التّرتيب. (3)

و عند أبي حنيفة النيّة واجبة فيه مندوبة في الوضوء. (4)

لنا على كيفيّة كما ذكرنا قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ (5) فمن مسح الوجه و اليدين بضربة واحدة فقد امتثل الأمر و ما رواه عمّار (6) من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): التّيمّم ضربة واحدة للوجه و الكفيّن.

____________

(1) الغنية: 63.

(2) الخلاف: 1/ 132 مسألة 76.

(3) الوجيز: 1/ 21.

(4) الخلاف: 1/ 71 مسألة 18.

(5) المائدة: 6.

(6) ابن ياسر بن عامر، أبو يقظان، كان من السابقين الأوّلين هاجر إلى المدينة، و شهد المشاهد كلّها، تواترت الأحاديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ عمّارا تقتله الفئة الباغية، و أجمعوا على أنّه قتل مع علي (عليه السلام) بصفّين سنة (87). الإصابة: 4/ 575 رقم 5708.

46

و على مقدار الممسوح من الوجه و اليدين ما ذكرناه قوله تعالى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ و فائدة (الباء) هاهنا التّبعيض كما قلنا في الوضوء في قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

و النيّة واجبة فيه و لا ينوي به رفع الحدث و ينوي به استباحة الصلاة، و التّرتيب و الموالاة.

و لا يجوز إلّا عند عدم الماء، أو عدم ما يتوصّل إليه من آلة أو ثمن غير مجحف، أو عدم ملك للماء أو إذن في استعماله، أو حصول خوف من استعماله، لمرض أو شدّة برد، أو عطش، أو عدوّ، أو حصول علم أو ظنّ بفوت الصّلاة قبل الوصول إليه و لا يجوز إلّا في آخر وقت الصلاة. (1)

خلافا لهما فإنّهما يجوّزان في أول الوقت و قبل دخول الوقت أيضا عند أبي حنيفة. (2)

لنا أنّه أبيح للضّرورة فلا يجوز فعله قبل تأكد الضّرورة و لا يجوز إلّا بعد الطّلب للماء رمية سهم في الأرض الحزنة، و رمية سهمين في الأرض السّهلة يمينا و شمالا و أماما و وراء،. (3)

و كيفية الطلب عند الشافعية إذا كان في سهل لا يحول بينه و بين منظره شيء أن ينظر يمينا و شمالا و أماما و وراء أو مستخبرا لقافلة فان لم يخبروه بشيء و لم ير أثرا تم الطلب. (4)

و ليس عند الحنفية إذا لم يغلب على ظنّه ان بقربه ماء أن يطلب فإذا غلب وجب الطلب. (5)

لنا إنّ من تيمّم بعد الطلب و صلّى برئت ذمّته بيقين و لا كذلك إذا لم يطلب، أو طلب بغير ما ذكرناه. «و لا يجوز التيمّم إلّا بتراب طاهر و لا يجوز بالكحل، و لا بالزرنيخ و لا بغيرهما من المعادن و لا بتراب خالطه شيء من ذلك و يجوز عند أبي حنيفة. بكلّ ما كان من جنس الأرض كالرمل [15/ أ] و الحجر و النّورة و الجصّ و الكحل. و عند الشّافعيّ. لا يجوز إلّا بالتراب خاصّة (6) كما قلناه لنا قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* (7) و الصّعيد التراب الذي لا

____________

(1) الغنية: 64.

(2) الخلاف: 1/ 146 مسألة 94.

(3) الغنية: 64.

(4) الخلاف: 1/ 147 مسألة 95؛ المبسوط للسرخسي: 1/ 108؛ بدائع الصنائع: 1/ 317.

(5) الخلاف: 1/ 147، اللباب في شرح الكتاب: 1/ 35.

(6) الخلاف: 1/ 134 مسألة 77.

(7) المائدة: 6.

47

يخالطه غيره و الطّيب هو الطّاهر و قيل هو الذي ينبت لقوله تعالى وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لٰا يَخْرُجُ إِلّٰا نَكِداً (1) (2) [و] إذا دخل في الصلاة ثم وجد الماء، وجب عليه المضيّ فيها. (3) خلافا لأبي حنيفة فإنّه قال: يبطل صلاته و عليه استعمال الماء. (4)

لنا أنّه إنّما يدخل فيها عندنا إذا بقي من الوقت قدر ما يفعل الصلاة فيه، فقطعها و الحال هذه، و الاشتغال بالوضوء أو الغسل، يؤدي إلى فواتها، و ذلك لا يجوز. (5)

و يجوز أن يجمع بين صلاتين بتيمّم واحد فرضين كانا أو نفلين خلافا للشافعي فإنّه لا يجوز أن يجمع بين صلاتي فرض، و يجوز بين فريضة واحدة و ما شاء من النّوافل.

و قال أبو حنيفة: يجوز على كلّ حال كما قلناه. (6)

لنا أنّ التيمّم طهارة يستباح بها الصّلاة كالوضوء فمن منع يحتاج إلى دليل شرعيّ و قوله (عليه السلام): «التيمّم طهور المسلم و لو إلى عشر حجج». (7)

إذا عدم التّراب و معه ثوب أو لبد سرج نفضه و تيمّم به. و ان لم يجد إلّا الطين، وضع يده فيه، ثم فركه، و تيمّم، و يصلى، و لا إعادة خلافا للشافعيّ فإنّه يعيد و قال أبو حنيفة: تحرم عليه الصلاة في هذه الحال. (8)

لنا قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* (9) و الصّعيد الطيّب التراب الطّاهر و ما تيمّم به فهو تراب فيجوز التّيمّم به و إذا جاز لم يجب إعادة صلاة صلّى به.

____________

(1) الأعراف: 58.

(2) مجمع البيان: 3/ 94.

(3) الغنية: 64.

(4) الخلاف: 1/ 141 مسألة 89.

(5) الغنية: 64.

(6) الخلاف: 1/ 143 مسألة 91.

(7) الهداية في شرح البداية: 1/ 27.

(8) الخلاف: 1/ 155 مسألة 107.

(9) المائدة: 6.

48

فصل في ستر العورة و ما تستر به

و العورة الواجب سترها من الرّجال القبل و الدّبر. (1)

خلافا لهما فإنّها عند الشّافعيّة ما بين السرّة إلى الرّكبة و عند الحنفية ما تحت السرّة إلى الرّكبة، و الركبة عندهم عورة. (2)

لنا إجماع الأمّة على أنّ كما ادّعيناه من القبل و الدّبر عورة و ليس على ما زاد عليه إجماع فلا يثبت إلّا بدليل.

و ما عداهما من السرّة إلى الرّكبة مستحبّ للرّجل.

«و من النّساء جميع أبدانهنّ». (3) و في رواية إلّا الجبهة و الكفّين. (4)

و في أخرى و ظهور القدمين. (5)

و الأولى ستر ما خلا وجهها، و من الإماء جميع أبدانهنّ إلّا الرؤس و ما [15/ ب] استثني من الحرائر.

و عورة الحرّة عند الشّافعيّة جميع بدنها إلّا الوجه و اليدين إلى الكوعين، و ظهر القدم عورة في الصلاة و في أخمصها وجهان، و ما يبدو من الأمة في حال المهنة ليس بعورة و ما بينهما إلى محلّ عورة الرّجل فيه وجهان (6) أحدهما أنّه عورة و الثاني أنّه ليس بعورة و عليه أكثر

____________

(1) الغنية: 65.

(2) الخلاف: 1/ 398 مسألة 149.

(3) الغنية: 65.

(4) سنن البيهقي: 10/ 251 حديث 13783.

(5) الخلاف: 1/ 392 مسألة 144، الهداية في شرح البداية: 1/ 45.

(6) الوجيز: 1/ 48.

49

أصحاب الشافعي و انّما عليها ستر ما بين السرّة إلى الرّكبة مثل الرجل.

لنا أنّ الأخبار في أن المرأة كلّها عورة و إذا وردت [أخبار] بجواز كشف رأسها خصصنا بها و ما سواه داخل تحت العموم (1).

و عند الحنفيّة: بدن الحرّة كلّها عورة لقوله (عليه السلام) المرأة عورة مستورة إلّا وجهها و كفّيها (2) لقوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا (3) قيل: هي الكحل و الخاتم يعني موضعهما (4) و ما كان عورة من الرّجل فهو عورة من الأمة بطريق الأولى و بطنها و ظهرها عورة و ما سوى ذلك فليس بعورة لما روي من أنّ عمر (5) رأى جارية مقنّعة قال لها: القي عنك الخمار يا دفار تتشبهين بالحرائر (6).

لنا ما تقدم من الدليل على أنّها كلّها عورة إلّا رأسها.

«و أمّا ما به تستر فشرطه أن يكون مملوكا أو في حكم المملوك و أن يكون طاهرا و ممّا ينبت الأرض كالقطن و الكتّان و غيرهما من النّبات إذا صحّ الاستتار به، أو يكون شعر ما يؤكل لحمه أو صوفه أو وبره و كذا جلدة إذا كان مذكّى». (7)

و لا يجوز الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه، سواء ذكّي أو لم يذكّ، دبغ أو لم يدبغ، خلافا للشافعي فإنّه يجوّز الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه إذا دبغ إلّا الكلب و الخنزير فإنّه لا يجوّز الصّلاة في جلدهما و لأبي حنيفة إلّا في جلد الخنزير فإنّه يجوّز الصّلاة في جلد الكلب إذا دبغ. (8)

لنا ما قدّمنا من الدلالة على أنّ جلد الميتة لا يطهر بالدباغ لأنّ اسم الميتة كما يتناوله قبل الدّباغ يتناوله بعده [و] إذا لم يطهر يكون نجسا فلا يجوز الصلاة فيه، و أمّا الحيوان الذي لا يؤكل لحمه لا تؤثر الذّكاة في طهارته، و ينجس جلده و سائر أجزائه عند الشافعيّ و إنّما يطهر

____________

(1) الخلاف: 1/ 397 مسألة 147.

(2) الهداية في شرح البداية: 1/ 45.

(3) النور: 31.

(4) سنن البيهقي: 10/ 251 حديث 13780.

(5) بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى، و أمّه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، و أسلم بعد خمسة و أربعين رجلا و إحدى عشر امرأة و طعن يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجّة، سنة (23 ه) و توفّى و هو ابن (63) سنة. أسد الغابة: 3/ 642 رقم 642 رقم 3824.

(6) الهداية في شرح البداية: 1/ 46.

(7) الغنية: 65.

(8) الخلاف: 1/ 511 مسألة 256 و اللباب في شرح الكتاب: 1/ 24 و الوجيز: 1/ 10.

50

ما يطهر منها بالدباغ. (1)

لنا أنّه إذا اعترف بنجاسته فلا بدّ له من دليل يدلّ على طهارته بعد الدّباغ و إلّا فهو باق على نجاسته فلا يجوز الصلاة فيه «و قال أبو حنيفة: يطهّره بالذكاة». (2) فلا أثر للدباغ عنده.

جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه عدا الكلب و الخنزير [16/ أ] إذا كان مذكّى و مدبوغا يجوز التصرف فيه بالاستعمال عندنا لكن لا يجوز الصلاة فيه لأنّ جواز الصّلاة فيه حكم شرعيّ لا يثبت إلّا بدليل شرعيّ و لا دليل يدل عليه.

و لا يجوز الصلاة في الإبريسم المحض للرجال خلافا لجميع الفقهاء. (3)

لنا أنّه حرام عليهم لبسه، فلبسه و الصلاة فيه بالإجماع معصية و ستر العورة واجب و لا يصحّ التّقرب إلى اللّه تعالى بالمعصية و كذلك المغصوب من الثياب لا يجوز لبسه و الصلاة فيه.

و إذا اختلط القطن أو الكتّان بالإبريسم زال تحريم لبسه و قال الشافعي لا يزول إلّا إذا تساويا أو يكون القطن أكثر. (4) لنا الأصل الإباحة و المنع يحتاج إلى دليل.

و يجوز الصلاة في الخزّ الخالص. (5)

و لا يجوز في المغشوش بوبر الأرانب خلافا لجميع الفقهاء. (6)

لنا ما ذكرنا أنّ الصلاة لا يجوز في وبر ما لا يؤكل لحمه و لا في جلده فلا نعيد ذكره.

و قد وردت رخصة في جواز الصّلاة للنساء في الإبريسم المحض و فيما لا يتم الصلاة فيه منفردا و إن كان نجسا و ذلك مثل الخفّ و النّعل و القلنسوة و التّكة و الجورب، و التنزّه عن ذلك أفضل. (7) و خالف جميع الفقهاء في ذلك. (8) و طريقة الاحتياط يقتضي التنزّه عنه.

و يكره الصلاة في المذهّب و الملحم بالحرير و في الثوب المصبوغ، و أشدّ كراهة الأسود. (9) خلافا لجميع الفقهاء.

لنا طريقة الاحتياط و قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): يكره السّواد إلّا في ثلاثة: الخفّ،

____________

(1) الخلاف: 1/ 63 مسألة 11.

(2) الخلاف: 1/ 63 مسألة 11.

(3) الخلاف: 1/ 504 مسألة 245.

(4) الخلاف: 1/ 505 مسألة 246.

(5) الغنية: 66.

(6) الخلاف: 1/ 512 مسألة 257.

(7) الغنية: 66.

(8) الخلاف: 1/ 479 مسألة 223.

(9) الغنية: 66.

51

و العمامة، و الكساء و سئل عن الصلاة في القلنسوة السوداء فقال: لا تصلّ فيها فإنّها لباس أهل النار. (1)

و متى وجد بعد الصلاة على ثوبه نجاسة، و كان العلم بها قد تقدم، أعادها على كلّ حال، و ان لم يتقدّم، أعادها إن كان الوقت باقيا، و إلّا فلا. (2)

و قال أبو حنيفة و الشافعي: يعيدها على كلّ حال. (3)

العريان إذا كان بحيث لا يراه أحد صلّى قائماً، و إن كان بحيث لا يأمن أن يراه صلّى جالسا. خلافا للشافعي فإنّه قال: العريان كالمكتسي يصلي قائماً و لم يفصّل.

و قال أبو حنيفة: هو بالخيار بين أن يصلّي قائماً أو قاعدا. (4)

لنا طريقة الاحتياط إذا أمن يقتضي أن يصلي قائماً و إذا لم يأمن يقتضي أن يصلّي قاعدا و أيضا فإنّ ستر العورة واجب و إذا لم يمكن ذلك إلّا بالقعود فوجب عليه ذلك.

«و إذا لم يجد إلّا ثوبا نجسا يصلّى عريانا و لا إعادة [16/ ب] و به قال الشافعي و من أصحابه من قال: يصلي فيه و يعيد.

و قال أبو حنيفة: إن كان كلّه نجسا فهو بالخيار بين أن يصلّي فيه، و أن يصلّي عريانا، و ان كان ربعه طاهرا فعليه أن يصلي فيه». (5)

لنا أنّه إذا لم يجد ثوبا يجب عليه أن يصلي عريانا إجماعا و الثوب النجس لا يجوز فيه الصلاة إجماعا فوجوده كعدمه فيجب عليه أن يصلي عريانا.

فصل [في] مكان الصلاة

لا تصحّ الصلاة إلّا في مكان مملوك أو في حكم الملك (6)، فلا تصحّ في المغصوب. خلافا للفقهاء مع قولهم: أنّ ذلك منهيّ عنه. (7)

لنا أنّ الدخول في المكان المغصوب و المكث فيه منهيّ عنه و لا يمكن الصّلاة فيه بدون المكث فالصّلاة فيه منهيّة و النّهي يدل على فساد المنهي عنه «و قول المخالف: الصلاة تنقسم إلى

____________

(1) الخلاف: 1/ 506 مسألة 247.

(2) الغنية: 66.

(3) الخلاف: 1/ 478 مسألة 221 و فيه (لا تجب عليه الإعادة). انظر المجموع: 3/ 162 و السراج الوهاج: 55.

(4) الخلاف: 1/ 399 مسألة 151.

(5) الخلاف: 1/ 398 مسألة 150.

(6) الغنية: 66.

(7) الخلاف: 1/ 509 مسألة 253.

52

فعل و ذكر، و الذّكر لا يتناول المكان فلا يمتنع أن تكون مجزئة غير صحيح لأنّ الصلاة عبارة عن الفعل و الذكر معا، و إذا كان كذلك وجب انصراف النيّة إليهما و كون الفعل معصية يمنع من نيّة القربة فيه.

و قولهم: كون الصلاة في الدار المغصوبة لحقّ صاحب الدار لا يمنع من إجزائها من حيث استيفاء شروطها الشّرعيّة، و نيّة المصلّي تنصرف إلى الوجه الذي به تتكامل الشروط الشرعيّة، دون الوجه الذي يرجع إلى صاحب الدار، غير صحيح أيضا، لأنّه مبنيّ على استيفاء هذه الصّلاة شروطها الشرعية، و ذلك غير مسلّم. لأنّ من شروطها كونها طاعة و قربة و ذلك لا يصح في الدار المغصوبة.

و تكره الصّلاة في معاطن الإبل، و مرابط الخيل و البغال و الحمير و البقر، و مرابض الغنم و المزابل و المذابح، و الحمّامات، و بيوت النيران، و غيرها من معابد أهل الضّلال، و بين القبور، و على البسط المصوّرة و الأرض السّبخة، و جوادّ الطّرق و قرى النّمل، و في البيداء و ذات الصّلاصل و وادي ضجنان و الشّقرة». (1)

لأنّ النّهي عن الصلاة في هذه الأمكنة وارد و قد يحمل على الكراهة بدليل.

فصل في ما يسجد عليه

لا يجوز السجود بالجبهة إلّا على ما يطلق عليه اسم الأرض أو على ما أنبتته الأرض ممّا لا يؤكل [17/ أ] و لا يلبس إذا كان مملوكا أو في حكم الملك، طاهرا من النجاسة خلافا لجميع الفقهاء. فإنّهم يجوّزون السجود على غير ما ذكرناه مما لا يطلق على اسم الأرض و لا ينبت منها لنا أنّ المصليّ إذا سجد على ما ذكرناه برئت ذمّته من الصّلاة بإجماع الأمّة و ليس ذلك إذا سجد على غيره (2) و أيضا أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: صلّوا كما رأيتموني أصلّي. (3)

فلا يخلو من أنّه سجد على ما ذكرنا أو على غيره فان سجد على غيره لزم أن يكون صلاة من سجد على ما ذكرناه باطلة و هذا باطل بالإجماع فلزم أن يكون سجد على ما ذكرناه،

____________

(1) الغنية: 67.

(2) الخلاف: 1/ 357 مسألة 112.

(3) الغنية: 80.

53

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): جعلت لي الأرض و مسجدا و ترابها طهورا (1)، و المسجد موضع السجود و لا يخرج جواز السجدة من هذا الظاهر إلّا ما أخرجه دليل قاطع و هو إجماع الأمّة على جوازها على ما ذكرناه و هو ما أنبتته الأرض ممّا لا يؤكل عادة و لا يلبس.

فصل في القبلة و معرفتها

القبلة هي الكعبة، فمن كان مشاهدا لها وجب عليه التوجّه إليها، و من شاهد المسجد و لم يشاهد الكعبة، وجب عليه التوجّه إليه، و من لم يشاهده توجّه نحوه بلا خلاف (2) و الحرم قبلة لمن كان خارجا عنه و خالف فيه الفقهاء فقال أصحاب الشافعيّ: كلّف الناس التوجّه إلى عين الكعبة.

و قال بعضهم: إلى الجهة الّتي فيها الكعبة و به قال أبو حنيفة. (3)

لنا قوله تعالى فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (4) و هذا يدل على أنّ القبلة جهة الكعبة و جهة المسجد فلو زالت البنيّة صلّى إلى جهتهما كما يصلي من هو أعلى موقفا منها و إذا ثبت أنّ القبلة جهة الكعبة لمن يراها بالاتفاق و جهة المسجد لمن لا يراها بالنصّ ثبت أنّ القبلة جهة الحرم لمن نأى عنه لأنّ أحدا لم يفرق بين الأمرين.

و من صلّى في جوف الكعبة صلّى إلى أيّ جدرانها شاء على كراهية في الفريضة و لو صلّى على سطحها أبرز من بين يديه شيئا منه.

خلافا للشافعية فإنّهم لا يجوّزون الصلاة على سطحها و لا في عرصتها إذا انهدمت الكعبة بل يجب أن يصلّي خارج العرصة متوجها إليها (5).

لنا لو جازت الصّلاة [17/ ب] خارج العرصة لجازت في العرصة إذا أبرز المصلّي بين يديه شيئا منها و الأوّل حسن فالثاني مثله و الجامع بينهما التوجّه إلى العرصة.

«و فرض المتوجّه العلم بجهة القبلة، فإن تعذّر العلم قام الظنّ مقامه.

و لا يجوز الاقتصار على الظنّ مع إمكان العلم، فمن فعل ذلك فصلاته باطلة، و إن

____________

(1) الخلاف: 1/ 496 مسألة 236.

(2) الغنية: 68.

(3) الخلاف: 1/ 295 مسألة 41.

(4) البقرة: 144.

(5) الخلاف: 1/ 440 مسألة 187- 188، الوجيز: 1/ 38.

54

أصاب بتوجّهه جهة القبلة، لأنّه ما فعل التوجّه على الوجه المأمور به، فيجب أن يكون غير مجز.

و من توجّه مع الظنّ، ثم تبيّن له أنّ توجهه إلى غير القبلة، أعاد الصّلاة إن كان وقتها باقيا، و لم يعد إن كان قد خرج، إلّا أن يكون استدبر القبلة، فإنّه يعيد على كلّ حال». (1)

و قال الشّافعيّ: إن [كان] بان له بالاجتهاد الثاني لا يعيد و أعاد إن بان له بيقين ففي قوله القديم لا يعيد. و به قال أبو حنيفة: و في قوله الثاني في الأمّ: يعيد. و هو الصحيح عند أصحابه. (2)

لنا في الإعادة قوله تعالى وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ* (3) و الفرض استقباله في القبلة في الصلاة، و هو لم يستقبل القبلة فيجب الإعادة، و لأبي حنيفة قوله تعالى:

فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (4)، قلنا: إنّ الآية نزلت فيمن صلّى التطوع على الراحلة و لو كانت عامّة لما تعيّنت القبلة.

«و من لم يعلم جهة القبلة و لا ظنّها توجّه بالصّلاة إلى أربع جهات لكل جهة مرة بدليل طريقة الاحتياط». (5) و لو ضاق الوقت فإلى أيّ جهة شاء.

و لو استطال صفّ المأمومين في المسجد حتى خرج بعضهم عن سمت الكعبة بطلت صلاة ذلك البعض.

و أهل كلّ إقليم يتوجّهون إلى سمت الرّكن الذي على جهتهم فأهل العراق إلى العراقي و هو الذي فيه الحجر و أهل الشام إلى الشاميّ و أهل الغرب إلى الغربيّ و أهل اليمن إلى اليماني، و أهل العراق و من والاهم يجعلون الفجر على المنكب الأيسر و المغرب على الأيمن و الجدي خلف المنكب الأيمن و عين الشمس عند الزوال على الحاجب الأيمن و يستحب لهم التياسر قليلا فإن فقد الإمارات عمل على غلبة الظنّ و إذا اجتهد و أخبره غيره بخلاف اجتهاده إذا كان الخبر أوثق في نفسه عوّل عليه و إلّا عوّل على اجتهاده.

الأعمى يعوّل على [18/ أ] غيره و إن لم يجد صلّى إلى أربع جهات، «و الأعمى إذا صلّى إلى عين القبلة من غير أن يرجع إلى غيره تمّت صلاته خلافا للشافعي فإنّه قال بطلت

____________

(1) الغنية: 69.

(2) الخلاف: 1/ 303 مسألة 51.

(3) البقرة: 144.

(4) البقرة: 115.

(5) الغينة 69.