جامع المقاصد في شرح القواعد - ج4

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
456 /
5

[كتاب المتاجر]

كتاب المتاجر (1) و فيه مقاصد:

[الأول: في المقدّمات]

الأول: في المقدّمات، و فيه فصلان:

[الأول: في أقسامها]

الأول: في أقسامها.

و هي تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة: (2)

____________

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

قوله: (كتاب المتاجر).

(1) هي: جمع متجر، هو: إما مصدر ميمي بمعنى التجارة كالمقتل بمعنى القتل، أو اسم موضع و هي الأعيان التي تكتسب بها، و الأول أليق بمقصود الفن، فانّ الفقه باحث عن فعل المكلف، فالمناسب أن يكون موضوع أبوابه بعض موضوعه، و الأعيان هي متعلقات فعل المكلف.

و اعلم أن التجارة قد عرّفها الأصحاب في الزكاة بشيء يستفاد من تعريفهم مال التجارة، و هي: عقد المعاوضة إلى آخره، فيعتبر في كونها تجارة قصد الاكتساب، سواء كان بعقد البيع أو الصلح أو غيرهما، و ظاهرهم في هذا الباب عدم اشتراط قصد الاكتساب، بل عمموا التجارة هنا في مطلق المكاسب، و الشيخ و جماعة أفردوا كتابا للمكاسب و آخر للبيع، و كأنه أولى مما فعله المصنف.

قوله: (و هي تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة).

(2) لمّا لم يكن البيع و التجارة عبادة في أصله كان حقه أن يستوي طرفاه إلا لمرجّح من خارج، و المرجّح لأحدهما لما تفاوت جاءت فيه الأحكام الأربعة،

6

[فمنه واجب]

فمنه واجب، (1) و هو: ما يحتاج الإنسان إليه لقوته و قوت عياله، (2) و لا.

وجه له سوى المتجر. (3)

____________

بخلاف العبادة، فإنه يمتنع فيها استواء الطرفين. و لا شك أنّ هذا التقسيم ليس من خصوصيات التجارة، بل أكثر الأبواب أو كلّها كالصلح و الإجارة يجري فيه ذلك.

و اعلم أنّ هذا ليس من مقصود العقود، لأن الفقيه يبحث عنها من حيث تصح و تفسد و من حيث تحل و تحرم، أما من حيث يكون متعلق الثواب أم لا فانّ ذلك من غرض العبادة، و إن كان لا محذور فيه، لأنّ الشيء الواحد قد يكون معاملة و بضميمة شيء آخر يكون عبادة.

قوله: (فمنه واجب).

(1) حق هذا الضمير أن يكون مؤنثا، ليعود إلى الأقسام.

قوله: (و هو ما يحتاج إليه الإنسان لقوته و قوت عياله).

(2) كان عليه أن يدرج مطلق المؤنة من قوت و كسوة و سكنى، و أن يبين أن المراد بمؤنته: القدر الضروري في قوام بدنه- و أما قوت عياله فيراد به: ما يجب شرعا و إن زاد على قدر الضرورة- و أن يدرج فيه ما يدفع به حاجة المضطر مما يجب على الكفاية، و أن يدرج فيه أيضا مطلق التجارة التي بها يتحقق نظام النوع، فانّ ذلك من الواجبات الكفائية و إن زاد على ما ذكرناه.

قوله: (و لا وجه له سوى المتجر).

(3) كان حقه أن يقول: و ليس عنده ما يدفع به الحاجة، لأنه إذا لم يكن عنده ما يدفع به الحاجة، و له وجوه في تحصيله- أحدها التجارة- تكون التجارة حينئذ واجبا مخيرا، و هو أحد أقسام الواجب، فلا يجوز إخراجه بهذا القيد، إلا أن

7

[و مندوب]

و مندوب، و هو: ما يقصد به التوسعة على العيال، أو نفع المحاويج مع حصول قدر الحاجة بغيره. (1)

[و مباح]

و مباح، و هو: ما يقصد به الزيادة في المال (2) لا غير، مع الغنى عنه.

____________

يراد بالتجارة: جميع أنواع الاكتساب على الإطلاق، و هو بعيد، و إن كان الباب جامعا لمعظم هذه الأقسام، فانّا نظنّ أن ذكر كثير منها من قبيل الاستطراد.

قوله: (و مندوب، و هو: ما يقصد به التوسعة على العيال، أو نفع المحاويج مع حصول قدر الحاجة بغيره).

(1) التقييد بالقصد يقتضي أن من قصد التوسعة بتجارته و ليس عنده ما يموّن به عياله تكون تجارته مندوبة، و ليس بشيء، فينبغي إسقاط القصد، و يقال: هو ما به التوسعة، لأن القصد معتبر في مطابقة فعل المكلف لما يطلب منه.

و يستفاد من قوله: (التوسعة) أن قدر الواجب مندفع بغير هذه التجارة، و لا فائدة في التقييد بالمحاويج، فان مطلق نفع المؤمنين مستحب، فالتجارة له كذلك.

و احترز ب(حصول قدر الحاجة بغيره) عن الاكتساب لدفع ضرورتهم، فإنه واجب حينئذ، فيكون قيدا في المحاويج خاصة.

و اعلم أنه بعد حصول قدر الحاجة لا يعدّون محاويج، و لعله يريد الحاجة التي لا ينافيها الغنى، فيكون المعنى: و نفع المحاويج الى النفع إلى آخره، فيندفع عن العبارة ذلك، و لا بد من التقييد بعدم منافاته شيئا من الواجبات.

قوله: (و مباح، و هو: ما يقصد به الزيادة في المال).

(2) لو قال: و هو ما يكون زيادة في المال فقط لكان أولى، إلا أن يراد ما من شأنه ذلك.

8

[و مكروه]

و مكروه، و هو: ما اشتمل على وجه نهى الشرع عنه نهي تنزيه، كالصرف، و بيع الأكفان و الطعام و الرقيق، (1) و اتّخاذ الذبح و النحر صنعة، و الحياكة و النساجة، (2) و الحجامة مع الشرط، (3)

____________

قوله: (و مكروه، و هو: ما اشتمل على وجه نهى الشرع عنه نهي تنزيه، كالصرف، و بيع الأكفان و الطعام و الرقيق).

(1) تعليل كراهة الصرف في الاخبار: بكون الصيرفي لا يكاد يسلم من الربا، و كراهة بيع الأكفان: بان صاحبه يسره الوباء، و كراهة بيع الطعام: بأنه لا يسلم من الاحتكار، و كراهة بيع الرقيق: بأن شرّ الناس من باع الناس، و كراهة كونه جزارا: بسلب الرحمة (1)، يشعر بأن المراد: كراهة اتخاذ هذه الأشياء صنعة، فلو عرض فعل شيء منها نادرا لم يكن مكروها، كما لو احتاج إلى صرف دينار و نحو ذلك.

قوله: (و الحياكة و النساجة).

(2) إنما كرهتا لضعتهما و سقوط صاحبهما عند الناس، و الظاهر أنه لا تفاوت بينهما في المدلول، و يمكن اختصاص إحداهما ببعض الأنواع، كأن تكون الحياكة للغليظة، و النساجة لضده و نحو ذلك.

قوله: (و الحجامة مع الشرط).

(3) أي: مع اشتراط الحجّام الأجرة، فلا يكره لو فعل و لم يشترطها و إن بذلت له، و لا بأس بأكلها حينئذ كما وردت به الأخبار (2).

و يستحب لمن يحتجم أن يشترط قبل الفعل، لأنه أبعد عن النزاع، و له أن يماكس، فكراهة الاشتراط من قبل الحجّام خاصة.

____________

(1) الكافي 5: 114 حديث 4، 5، الفقيه 3: 96 حديث 369، التهذيب 6: 361- 363 حديث 1037، 1038، 1041، الاستبصار 3: 62- 64 حديث 208، 209، 212.

(2) الكافي 5: 115 حديث 1، التهذيب 6: 354 حديث 1008، الاستبصار 3: 58 حديث 190.

9

و القابلة معه، و اجرة الضراب، و كسب الصبيان، و غير المجتنب للحرام، و اجرة تعليم القرآن،

____________

قوله: (و القابلة معه).

(1) أي: مع الشرط كما قلناه في الحجّام.

قوله: (و اجرة الضراب).

(2) و حرّمها بعض العامة (1)، محتجا بحديث تضمّن النهي (2)، و عندنا أنه مكروه، و لم يثبت ما يقتضي التحريم. و لو دفع إلى صاحب الفحل هدية أو كراية فلا بأس.

و ينبغي أن يوقع العقد على العمل، و يقدره بالمرة و المرتين لا مدة معلومة كما ذكره بعض العامة (3)، إلّا أن يكتري لماشية كثيرة، فإنّ إجارته حينئذ تقدّر بالمدة. و لو غصب فحلا فأنزاه فلصاحبه الأجرة، و الولد لصاحب الأنثى.

قوله: (و كسب الصبيان).

(3) إذا لم يعلم أنه من موضع حلال. في الحديث: النهي عن كسب الصبي الذي لا صنعة له، فإنه إن لم يجد سرق- فعلى المصنف التقييد- و كذا الأمة التي لا صنعة لها، فإنها إذا لم تجد زنت (4)، و كذا كسب من لا يجتنب الحرام (5).

قوله: (و اجرة تعليم القرآن).

(4) و قيل بتحريمها (6)، و الأصح الكراهة، إلا فيما يجب تعلّمه عينا، أو تخيير

____________

(1) ذهب إليه الشافعي و أبو حنيفة و أحمد و غيرهم، راجع فتح العزيز 8: 191، المجموع 15: 4، الوجيز 1: 138، 231، المغني لابن قدامة 6: 148، المبسوط للسرخسي 15: 83.

(2) صحيح البخاري 3: 122- 123، صحيح مسلم 3: 1197 حديث 35، سنن الترمذي 2: 372 حديث 1291، 1292، مسند أحمد 2: 14.

(3) نسبه ابن قدامة الى القيل، راجع المغني 6: 148- 149.

(4) الكافي 5: 128 حديث 8، التهذيب 6: 367 حديث 1057.

(5) الكافي 5: 311 حديث 34.

(6) قاله أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 283.

10

و تعشير المصحف بالذهب، (1) و الصياغة، (2) و القصابة، (3) و ركوب البحر للتجارة (4)، و خصاء الحيوان، (5) و معاملة الظالمين و السفلة (6) و الأدنين و المحارفين

____________

و هما: الحمد و السورة، أو كفاية كالمعتبر في الاجتهاد، أو ما يكون به بقاء تواتر القرآن.

قوله: (و تعشير المصحف بالذهب).

(1) و لا يحرم للرواية (1)، و كتابة القرآن بالذهب أشد كراهة، و الظاهر أن كتبة الأحزاب بالذهب و جدوله به و نقشه كالتعشير.

قوله: (و الصياغة).

(2) للنهي عن اتخاذها صنعه في الحديث (2).

قوله: (و القصابة).

(3) للنهي أيضا عنها (3)، و الفرق بينها و بين الذبح و النحر معلوم.

قوله: (و ركوب البحر للتجارة).

(4) لورود النص بذلك (4)، و هذا إذا غلب السلامة، حيث لا يكون محل هيجان البحر.

قوله: (و خصاء الحيوان).

(5) و قيل بتحريمه (5)، و في حكمه الجبّ و الوجاء.

قوله: (و معاملة الظالمين و السفلة).

(6) هو بكسر السين و سكون الفاء، أو فتحه مع كسر الفاء: أسافلهم و إسقاطهم، و هم قريب من الأدنين.

____________

(1) الكافي 2: 460 حديث 8، التهذيب 6: 367 حديث 1056.

(2) التهذيب 6: 362 حديث 1038، الاستبصار 3: 63 حديث 209.

(3) المصدر السابق.

(4) الكافي 5: 256 باب ركوب البحر للتجارة، التهذيب 6: 388 حديث 1158- 1160.

(5) ذهب إليه أبو الصلاح في الكافي في الفقه: 281، و ابن البراج في المهذب 1: 345.

11

و ذوي العاهات (1) و الأكراد- و مجالستهم و مناكحتهم- (2) و أهل الذمة. (3)

[و محظور]

و محظور، و هو: ما اشتمل على وجه قبح، و هو أقسام:

[الأول: كلّ نجس لا يقبل التطهير]

الأول: كلّ نجس لا يقبل التطهير: (4) سواء كانت نجاسته ذاتية

____________

و قد فسّر: بمن لا يبالي بما قال و لا بما قيل له، أو الذي يضرب بالطنبور، أو الذي لم يسرّه الإحسان و لم تسؤه الإساءة، أو الذي ادّعى الأمانة و ليس لها بأهل. و لا ريب أنّ من اجتمعت فيه هذه الخصال، أو وجد فيه بعضها اجتنبت مخالطته (1). و في الحديث: النهي عن مخالطة من لم ينشأ في الخير (2).

قوله: (و ذوي العاهات).

(1) في الأخبار النهي عن ذلك، و التعليل بأنهم أظلم شيء (3).

قوله: (و الأكراد و مجالستهم و مناكحتهم).

(2) في الحديث: النهي عن ذلك، و التعليل بأنهم حيّ من الجن كشف عنهم الغطاء (4).

قوله: (و أهل الذمة).

(3) للنهي عن ذلك (5).

قوله: (الأول: كل نجس لا يقبل التطهير).

(4) أي: الأول من أقسام المحظور من التجارة: الاكتساب ب(كل نجس

____________

(1) قال الصدوق في الفقيه 3: 100: قال مصنف هذا الكتاب- رضي اللّه عنه-: جاءت الأخبار في معنى السفلة على وجوه: فمنها: أن السفلة هو الذي لا يبالي ما قال و لا ما قيل له، و منها: ان السفلة من يضرب بالطنبور، و منها: ان السفلة من لم يسره الإحسان و لا تسوؤه الإساءة. و السفلة: من ادعى الامانة و ليس لها بأهل، و هذه كلها أوصاف السفلة من اجتمع فيه بعضها أو جميعها وجب اجتناب مخالطته.

(2) الكافي 5: 158 حديث 5، الفقيه 3: 100 حديث 388، التهذيب 7: 10 حديث 36.

(3) الكافي 5: 158 حديث 6، الفقيه 3: 100 حديث 389، التهذيب 7: 10 حديث 35.

(4) الكافي 5: 158 حديث 2، الفقيه 3: 100 حديث 390، التهذيب 7: 11 حديث 42.

(5) الفقيه 3: 100 حديث 391.

12

- كالخمر، و النبيذ، (1) و الفقاع، (2) و الميتة، و الدم، و أبوال ما لا يؤكل لحمه و أرواثها، و الكلب و الخنزير (3) و أجزائهما- (4) أو عرضية، كالمائعات النجسة التي لا تقبل التطهير، إلّا الدهن النجس لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصة. (5)

____________

لا يقبل التطهير). و أراد ب(النجس): ما كان عين نجاسة، أو منجّسا بأحد الأعيان النجسة، و لهذا قسّمه إلى: ما نجاسته ذاتية، و ما نجاسته عرضية، و غاية ما فيه أن يريد باللفظ حقيقته و مجازه معا، و مدار جواز البيع للأعيان و عدمه على وجود المالية المترتبة على كونه في العادة ذا نفع غالب مقصود.

و احترز بعدم قبول التطهير عن المتنجس الذي يقبله، جامدا كان كالثوب، أو مائعا كالماء، فإنه يجوز بيعه كما سيأتي.

قوله: (كالخمر و النبيذ).

(1) ضابطه: كل مسكر مائع بالأصالة، و الخمر من العنب، و النبيذ من التمر.

قوله: (و الفقاع).

(2) قد سبق تعريفه.

قوله: (و الكلب و الخنزير).

(3) و فرعهما مع حيوان آخر إذا عدّ كلبا و خنزيرا.

قوله: (و أجزائهما).

(4) و إن لم تحلها الحياة، لأنها نجسة، خلافا للمرتضى (1) على ما سبق.

قوله: (إلّا الدهن النجس لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصة).

(5) أراد بقوله خاصة: بيان حصر جواز الاستصباح به تحت السماء، فلا يجوز تحت الظلال على الأصح، و ليس لنجاسة دخانه على الأصح، بل هو تعبد،

____________

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 218.

13

و لو كانت نجاسة الدهن ذاتية، كالألية المقطوعة من الميتة أو الحية لم يجز الاستصباح به و لا تحت السماء. (1)

و يجوز بيع الماء النجس لقبوله الطهارة. (2)

و الأقرب في أبوال ما يؤكل لحمه التحريم للاستخباث، إلّا بول الإبل

____________

و ليس المراد ب(خاصة): بيان حصر الفائدة كما هو ظاهر.

و قد ذكر شيخنا الشهيد في بعض حواشيه: أنّ في رواية: جواز اتخاذ الصابون من الدهن النجس، و صرّح مع ذلك بجواز الانتفاع به فيما يتصور من فوائده كطلي الدواب.

قيل: إن العبارة تقتضي حصر الفائدة، لأن الاستثناء في سياق النفي يفيد الحصر، فانّ المعنى في العبارة: إلا الدهن النجس لهذه الفائدة.

قلنا: ليس المراد ذلك، لأن الفائدة بيان لوجه الاستثناء، أي: إلا الدهن النجس لتحقق فائدة الاستصباح، و هذا لا يستلزم الحصر، و يكفي لصحة ما قلناه تطرق الاحتمال في العبارة المقتضي لعدم الحصر.

قوله: (لم يجز الاستصباح به و لا تحت السماء).

(1) في حواشي الشهيد نقل عن المصنف: بجواز ذلك في الدهن الذي هو نجاسة، محتجا بالعموم. و هو بعيد، لثبوت النهي عن الانتفاع بالميتة.

قوله: (و يجوز بيع الماء النجس لقبوله الطهارة).

(2) و كذا كلّ ما عرض له التنجيس إذا أمكن التطهير، و إنما اقتصر على ذكر الماء مع أن الحكم يعم غيره، اكتفاء بإفادة ثبوت الحكم في كل موضع يثبت.

قوله: (و الأقرب في أبوال ما يؤكل لحمه التحريم للاستخباث، إلّا بول الإبل للاستشفاء).

14

للاستشفاء. (1)

و الأقرب جواز بيع كلب الصيد و الماشية و الزرع و الحائط، (2) و إجارتها، (3)

____________

(1) و مال المصنف في المنتهى (1) و المختلف (2) إلى جواز بيعها، و حكاه عن المرتضى مدعيا فيه الإجماع (3)، و الأصح الجواز إن فرض لها نفع مقصود محلّل، أما بول الإبل فيجوز بيعه إجماعا.

و يجوز بيع أرواث ما يؤكل لحمه، لأنه عين مملوكة طاهرة ينتفع بها في الزرع و غيره، و به صرح في المنتهى (4).

قوله: (و الأقرب جواز بيع كلب الصيد و الماشية و الزرع و الحائط).

(2) الخلاف فيما عدا كلب الصيد، صرح به في المنتهى (5)، و الأصح الجواز، و لعل مقصود العبارة: ثبوت الخلاف في المجموع من حيث هو هو، و في حكمها كلب البيت إذا اتخذ لحراسته، كما صرح به في المنتهى (6)، و الحائط: هو البستان.

قوله: (و إجارتها).

(3) أي: إجارتها و كذا و كذا جائزة، فهو من عطف جملة على جملة.

____________

(1) المنتهى 2: 1008.

ملاحظة: في المنتهى: (. أما البول: فان كان بول ما لا يؤكل لحمه فكذلك حرام بيعه و ثمنه و شراؤه لأنه نجس كالدم، و اما بول ما لا يؤكل لحمه فإنه طاهر، فيجوز بيعه حينئذ، قال السيد المرتضى: و ادعي عليه الإجماع).

فالظاهر أن في النسخة اشتباه، إذ الصحيح: و أما بول ما يؤكل لحمه بقرينة ما قبله.

(2) المختلف: 340.

(3) حكاه في المنتهى عن السيد المرتضى، و لم نعثر على قول السيد بجواز بيع أبوال ما يؤكل لحمه، لكن في الانتصار: 201، و الناصريات (الجوامع الفقهية): 216، الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه، فيحتمل ان ما نقله العلامة في المنتهى عن السيد هو الإجماع على طهارة ما يؤكل لحمه لا جواز بيعه، و استفاد من الطهارة جواز البيع، فتأمل.

(4) المنتهى 2: 1008.

(5) المنتهى 2: 1009.

(6) المنتهى 2: 1010.

15

و اقتناؤها- و إن هلكت الماشية- (1) و التربية. (2)

و يحرم اقتناء الأعيان النجسة، (3) إلّا لفائدة، كالكلب، و السرجين لتربية الزرع، و الخمر للتخليل، و كذا يحرم اقتناء المؤذيات، كالحيات و السباع.

[الثاني: كلّ ما يكون المقصود منه حراما]

الثاني: كلّ ما يكون المقصود منه حراما: (4)

____________

قوله: (و اقتناؤها و إن هلكت الماشية).

(1) أراد: و إن حصد الزرع و إن باع الحائط، اكتفاء بما ذكره.

و لا إشكال في ذلك إذا كان في نيته العود إلى شيء منها، أما إذا لم يكن فالظاهر الجواز للقنية، استصحابا لما ثبت.

قوله: (و التربية).

(2) أي: تربية الجر و الصغير، و إن لم يكن له أحد هذه الأمور بالفعل، لرجاء أحدها.

قوله: (و يحرم اقتناء الأعيان النجسة.).

(3) أما البيع فلا يجوز على كل حال كما سبق، لأن الفائدة الموجودة في شيء منها لا تصيرها مالا يقابل بمال.

و السرجين: بكسر السين، نص عليه في القاموس (1).

قوله: (الثاني: كلّ ما يكون المقصود منه حراما).

(4) أي: ما المراد منه على حالته التي هو فيها الأمر المحرم، فان آلات اللهو الغرض الأصلي منها على هذا الوضع المخصوص هو المحرم، و إن أمكن الانتفاع بها على حالتها في أمر آخر فهو مع ندرته أمر غير مقصود بحسب العادة، و لا أثر لكون رضاضها بعد تكسيرها مما ينتفع به في المحلل و يعد مالا، لأن بذل المال في مقابلها و هي على هيئتها بذل له في المحرم الذي لا يعدّ مالا عند الشارع.

____________

(1) القاموس 4: 234 و فيه: السرجين و السرقين بكسرهما: الزبل معربا سركين بالفتح.

16

كآلات اللهو (1) كالعود، و آلات القمار كالشطرنج، و هياكل العبادة كالصنم،

____________

نعم لو باع رضاضها الباقي بعد كسرها قبل أن يكسرها، و كان المشتري موثوقا بتقواه و أنه يكسرها، أمكن القول بصحة البيع.

و مثله: باقي الأمور المحرمة، مثل أواني النقدين و الصنم، و هل يلحق بذلك بيع نحو الدبس النجس، على ان يمزج بالماء إلى أن يصير ماء؟ يحتمل ذلك، لوجود المقتضي، و لا أعلم فيه تصريحا لأحد.

و هل الصور المعمولة من هذا القبيل؟ ألحقها به بعض العامة (1)، و لم أجد مثله في كلام أصحابنا، و يمكن عدم اللحاق، نظرا إلى أن الصور و إن حرم عملها فلا دليل يدل على تحريم اقتنائها، إذ ليس المقصود منها محض التحريم، و لو حرم الاقتناء لحرم حفظ ما هي فيه من ستر و نحوه و لم يجز بيعه، و في بعض الأخبار ما يدل على خلافه، نعم لو كانت تعبد فهي أصنام.

إذا تقرر هذا، فتقدير العبارة: الثاني من أقسام المحظور من التجارة:

الاكتساب بكل ما يكون إلى آخره.

و قوله: (كآلات اللهو).

(1) تقديره: كالاكتساب بآلات اللهو، و إنما احتجنا إلى هذا التكلف، لأن قوله فيما بعد: (و بيع السلاح) إن قرئ بالجر عطفا على آلات اللهو كان من الأعيان التي المقصود منها الحرام لا من أقسام الاكتساب، و هو معلوم البطلان، أو بالضم على أنه محذوف الخبر لم يكن من القسم الذي المقصود منه الحرام، إلّا أن يقال: هذا ليس مما لا يقصد منه إلا الحرام باعتبار شأنه، فإنه يقصد به كل من الحرام و الحلال، و لكن بالعارض يقصد به الحرام، فلا حاجة إلى التكلّف السابق في التقدير، و يقرأ: (و بيع السلاح) و ما عطف عليه من: (بيع العنب ليعمل

____________

(1) حكي عن الشافعي في بعض الوجوه التي رويت عنه حرمة بيع الصور المعمولة من الذهب و الفضة و غيرهما. و قال الرافعي- من أصحاب الشافعي-: و المذهب البطلان مطلقا، قال: و به قطع عامة الأصحاب. راجع المجموع 9: 256، و فتح العزيز 8: 120.

17

و بيع السلاح لأعداء الدين و إن كانوا مسلمين، (1) و إجارة السفن و المساكن للمحرمات، (2)

____________

خمرا) و ما بعده بالرفع، على تقدير الخبر لفظ: كذلك و نحوه.

قوله: (و بيع السلاح لأعداء الدين و إن كانوا مسلمين).

(1) لا مانع من أن يراد بالمسلمين: المسلمون حقيقة، و الخوارج و الغلاة و نحوهم داخلون في أعداء الدين، و يدخل في قوله: (و إن كانوا مسلمين) قطّاع الطريق و المحاربون و نحوهم، لأنهم أعداء الدين باعتبار المخالفة، و كونهم حربا و استحقاقهم القتل- و إن كان لا يخلو من تكلّف- يبعث عليه ثبوت تحريم البيع عليهم على الأصح.

و هذا الحكم إنما هو في حال عدم الهدنة كما دلت عليه الرواية (1)، بشرط أن لا يعلم منهم إرادة دفع الكفار به، فان علم ذلك جاز كما وردت به الرواية (2) أيضا، و هذا إنما هو فيما لا يعد جنّة: كالدرع، و البيضة، و الخف، و التجفاف- بكسر التاء: و هو ما يلبس للخيل- فلا يحرم نحو هذه، و سيأتي في آخر هذا المبحث في كلام المصنف، و قد كان موضعه اللائق به هنا.

قوله: (و إجارة السفن و المساكن للمحرمات).

(2) أي: بهذا القيد، فلو أجرها ممن يتعاطاها لم يحرم على الأصح، للأصل و لعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (3) و لأنه المفهوم من حسنة عمر بن أذينة، حيث كتب إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) يسأله عن بيع الخشب ممن يعمله صلبانا، فقال:

«لا» (4) فان المتبادر منها البيع على هذا الوجه، أعني: اتخاذه صلبانا، نعم، هو مكروه لأنه مظنّة ذلك. و متى باع في شيء من هذه المواضع التي يحرم فيها البيع، أو فعل شيئا من أنواع الاكتسابات بهذه الأشياء المحرمة حيث يحرم كان باطلا،

____________

(1) الكافي 5: 112 حديث 1، التهذيب 6: 354 حديث 1005، الاستبصار 3: 57 حديث 187.

(2) الكافي 5: 113 حديث 3، التهذيب 6: 354 حديث 1006، الاستبصار 3: 58 حديث 188.

(3) المائدة: 1.

(4) الكافي 5: 226 حديث 2، التهذيب 6: 373 حديث 1082 و 7: 134 حديث

590.

18

و بيع العنب ليعمل خمرا، و الخشب ليعمل صنما- (1) و يكره بيعهما على من يعمله (2) من غير شرط- و التوكيل في بيع الخمر (3) و إن كان الوكيل ذميا.

و ليس للمسلم منع الذمي المستأجر داره من بيع الخمر فيها سرا، و لو اجره لذلك حرم. (4)

و لو استأجر دابة لحمل الخمر جاز إن كان للتخليل أو الإراقة، و إلّا حرم، و لا بأس ببيع ما يكن من آلة السلاح. (5)

[الثالث: بيع ما لا ينتفع به]

الثالث: بيع ما لا ينتفع به: (6) كالحشرات، كالفأر

____________

نظرا إلى أن النهي راجع إما إلى أحد العوضين، أو إلى أحد المتعاقدين.

قوله: (و بيع العنب ليعمل خمرا، و الخشب ليعمل صنما).

(1) أي: بهذا القيد، و إلا فلا يحرم على الأصح، لانتفاء المقتضي كما سبق.

قوله: (و يكره بيعهما على من يعمله).

(2) أي: على من يعمل كلّا من الخمر و الصنم.

قوله: (و التوكيل في بيع الخمر).

(3) أي: من المسلم، لعدم جواز هذا الفعل منه، و كذا الاستنابة فيه، لأن يد الوكيل يد الموكل، و من ثم لم يفترق الحال بكون الوكيل ذميا.

قوله: (و لو اجره لذلك حرم).

(4) لأن إظهار ذلك للمسلمين ممنوع منه، فكيف يجوز اشتراطه؟

قوله: (و لا بأس ببيع ما يكن من آلة السلاح).

(5) أي: لأعداء الدين، و هذا ما أشرنا إليه سابقا.

قوله: (الثالث: بيع ما لا ينتفع به).

(6) ليست هذه العبارة بتلك الحسنة، و كان الأولى أن يسكت عن البيع، ليكون هذا أيضا من أقسام الاكتسابات المحرمة.

قوله: (كالحشرات كالفأر و الحياة.).

19

و الحياة (1) و الخنافس و العقارب، و السباع مما لا يصلح للصيد: كالأسد و الذئب و الرخم و الحدأة و الغراب (2) و بيضها، و المسوخ برية: كالقرد و إن قصد به حفظ المتاع (3) و الدّب، أو بحرية: كالجري (4) و السلاحف و التمساح.

و لو قيل بجواز بيع السباع جمع لفائدة الانتفاع بذكاتها إن كانت مما تقع عليها الذكاة كان حسنا. (5)

____________

(1) المراد بها: ما يتحشر و يتحجر في الأرض، و في حواشي شيخنا الشهيد: أنّ فيه دقيقة يعلم منها عدم وقوع الذكاة على الحشرات، و لعله أراد باعتبار ما سيأتي من تعليل جواز بيع السباع لفائدة الانتفاع بذكاتها، و الظاهر أنّ عدم وقوع الذكاة على الحشرات موضع إجماع.

قوله: (و الغراب).

(2) لا بد من أن يراد بما لا يجوز بيعه: ما لا يؤكل لحمه، أمّا ما يحل، و هو:

غراب الزرع و نحوه فيجب القول بجواز بيعه للنفع المحلل.

قوله: (و المسوخ برية كالقرد و إن قصد به حفظ المتاع).

(3) لأن هذا القصد ليس مما يعتد به، و لا يوثق بحصوله ليعد مقصودا نفعه بحسب العادة، و الظاهر أنّ المسوخ مضمومة الميم، مثل: دروس و دروب و بحور و نحوها.

قوله: (أو بحرية كالجرّيّ).

(4) هو بكسر الجيم و تشديد الراء و الياء: سمك طويل أملس لا فلس له.

قوله: (و لو قيل بجواز بيع السباع أجمع لفائدة الانتفاع [بذكاتها] (1) إن كانت مما تقع عليها الذكاة كان حسنا).

(5) ما حسنه المصنف حسن، و قوله: (إن كانت.) احتاط به، لإمكان أن يكون في السباع البحرية ما لا يقع عليه الذكاة و إن كان غير معلوم الآن.

____________

(1) لم ترد في «س» و «م»، و أثبتناها من خطية القواعد لاقتضاء الشرح لها.

20

و يجوز بيع الفيل (1) و الهرة، و ما يصلح للصيد كالفهد، (2) و بيع دود القزّ، (3)

____________

و هكذا ينبغي القول في المسوخ، و هو الذي يفهم من كلام المصنف في المختلف (1) و المنتهى (2)، و هو اختيار ابن إدريس (3)، و قوّته ظاهرة، إذ لا مانع من وقوع الذكاة عليها، و إنكار الشيخ ضعيف (4)، و حينئذ فالانتفاع بجلودها و شحومها لا مانع منه، لطهارتها على ذلك التقدير.

قوله: (و يجوز بيع الفيل).

(1) أي: و إن منعنا بيع المسوخ، لورود النص على الانتفاع بعظامه (5).

قوله: (و الهر، و ما يصلح للصيد كالفهد).

(2) أي: و إن منعنا بيع السباع.

قوله: (و بيع دود القزّ).

(3) لانه حيوان طاهر ينتفع به في المحلل، و كذا بزره، لكن يراعى في بزره الوزن، و يكفي فيه المشاهدة إن كان يباع عادة جزافا اتّباعا للعرف، و سيأتي

____________

(1) المختلف: 341.

قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 43: و قد جوز هو- أي العلامة في المختلف- بيع الجميع، و عبارته كأنها صريحة في ذلك، لكن كلام جامع المقاصد يعطي انه ليس بتلك الصراحة حيث قال:

يفهم من المختلف.

(2) ذهب العلامة في المنتهى 2: 1016 الى تحريم بيع المسوخ برية كانت كالقرد و الدب أم بحرية كالجري و المارماهي و السلاحف و الرفاف. و في ص 1017 ذهب الى جواز بيع الفيل، و هو من المسوخ، فما نسبه اليه المحقق الكركي من القول بجواز بيع المسوخ أجمع غير موجود في المنتهى الذي بين أيدينا، و اللّه أعلم.

(3) السرائر: 207.

قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 43: و أول من خالف ابن إدريس في خصوص الفيلة و الذئبة فجوز بيعها، فنسبة الخلاف إليه في الجميع- كما في جامع المقاصد- لم تصادف محلها كما يظهر ذلك لمن لحظ جميع كلامه و جمع بين أطرافه.

(4) النهاية: 364.

(5) الكافي 5: 226 حديث 1، التهذيب 7: 133 حديث 585.

21

و بيع النحل مع المشاهدة و إمكان التسليم، (1) و بيع الماء و التراب (2) و الحجارة و إن كثر وجودها.

و يحرم بيع الترياق (3) لاشتماله على الخمر و لحم الأفاعي، و لا يجوز شربه للتداوي، إلّا مع خوف التلف. (4)

____________

ضابطه إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (و بيع النحل مع المشاهدة و إمكان التسليم).

(1) المراد بالمشاهدة له: من حيث الجملة، بحيث يعلم قلّته من كثرته، و ترتفع الجهالة عن قدره، و إن لم يشاهد كل واحدة واحدة، فلو ستر بعضه ببعض فلم ير ذلك البعض، لكن شاهد الجملة كفى في صحة البيع، و لو بيعت في كوّاراتها (1) صح مع المشاهدة، و يدخل ما فيها من العسل تبعا، كاللبن في الضرع إذا بيعت الشاة، و كأساس الحائط مع بيعه، كذا ذكره المصنف في المنتهى (2). و لا بد من إمكان التسليم كغيره من المبيعات.

قوله: (و بيع الماء و التراب.).

(2) و لو على الشاطئ، و حيث يحفر التراب، لأنهما متمولان.

قوله: (و يحرم بيع الترياق).

(3) هو بكسر التاء: مركب معروف يشتمل على الخمر و لحوم الأفاعي، فيحرم بيعه لذلك، فانّ هذا المركب لا يعد مالا، لأن بعضه من الأعيان النجسة و المحرمة فلا يقابل بالمال، لكن الترياق عند الأطباء قد يخلو من هذين فيجوز بيعه قطعا، بخلاف ما اشتمل على أحدهما و إن أمكن الانتفاع به في المحلل، كالطّلاء و الضماد الضروري، لكن لو اضطر إليه فلم يمكن تحصيله إلّا بعوض، كان افتداء لا بيعا.

قوله: (و لا يجوز شربه للتداوي إلّا مع خوف التلف).

(4) لاشتماله على الخمر، و لا يجوز شربها للتداوي و نحوه، إنما يجوز عند خوف التلف.

____________

(1) قال الجوهري في الصحاح 2: 810 (كور): كوّارة النحل: عسلها في الشمع.

(2) المنتهى 2: 1017.

22

أما السمّ من الحشائش و النبات، فيجوز بيعه إن كان مما ينتفع به، و إلّا فلا. (1)

و في جواز بيع لبن الآدميات نظر، أقربه الجواز. (2)

و لو باعه دارا لا طريق إليها و لا مجاز جاز مع علم المشتري، و إلّا تخير. (3)

[الرابع: ما نصّ الشرع على تحريمه عينا]

الرابع: ما نصّ الشرع على تحريمه عينا: (4) كعمل الصور

____________

قوله: (أما السّم من الحشائش و النبات، فيجوز بيعه إن كان مما ينتفع به، و إلّا فلا).

(1) النبات أعمّ من الحشائش، لصدقه على ما له ساق، و لا وجه لتقييد السّم بكونه من الحشائش و النبات، لأن السم من المعادن أيضا كذلك.

قوله: (و في جواز بيع لبن الآدميات نظر، أقربه الجواز).

(2) ما قربه أقرب، لأنه عين طاهرة على الأصح، ينتفع بها نفعا محللا مقصودا.

قوله: (و لو باعه دارا لا طريق إليها و لا مجاز جاز مع علم المشتري، و إلا تخير).

(3) قيل: لا دخل لهذه المسألة هنا.

قلنا: بل علاقتها توهم كون مثل هذه الدار مما لا ينتفع بها، فأراد دفع هذا التوهم، لأنها في حدّ ذاتها ينتفع بها، و إن تعذر أو تعسّر النفع باعتبار أمر عارضي، و هو: فقد المسلك، مع إمكان تحصيله من الجيران بنحو عارية و استئجار. و أراد المصنف بقوله: (جاز) اللزوم، بقرينة قوله: (و إلّا تخير).

قوله: (الرابع: ما نص الشارع على تحريمه عينا).

(4) أي: بخصوص عينه لا باعتبار مقصوده.

قوله: (كعمل الصور المجسمة).

23

المجسمة، (1) و الغناء (2) و تعليمه (3) و استماعه، و أجر المغنية، و قد وردت

____________

(1) المتبادر من المجسمة: ما يكون لها جسم يحصل له ظلّ إذا وقع عليه ضوء، و لا ريب في تحريم هذا القسم إذا كان من صور ذوات الأرواح، و إن كانت عبارة الكتاب مطلقة.

و هل يحرم غير المجسمة كالمنقوشة على الجدار و الورق؟ عمّم التحريم بعض الأصحاب (1)، و في بعض الأخبار ما يؤذن بالكراهية (2)، و لا ريب أنّ التحريم أحوط، و هذا فيما له روح، أما غيره كالشجر، فيظهر من كلام بعض الأصحاب التحريم، حيث حرم التماثيل و أطلق (3). و المعتمد العدم، و الظاهر عدم الفرق فيه بين المجسّم و غيره، فتكون الأقسام أربعة: أحدها: محرم إجماعا، و باقي الأقسام:

مختلف فيها، لا كما يوجد في بعض الحواشي (4).

قوله: (و الغناء).

(2) هو: ممدود، و المراد به على ما في الدروس: مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب (5). و ليس مطلق مد الصوت محرما و إن مالت القلوب إليه، ما لم ينته إلى حيث يكون مطربا بسبب اشتماله على الترجيع المقتضي لذلك، و استثني من الغناء: الحداء، و فعل المرأة له في الأعراس بشروطه الآتية، و استثنى بعضهم مراثي الحسين (عليه السلام) كذلك.

قوله: (و تعليمه).

(3) و كذا تعلّمه.

قوله: (و قد وردت رخصة.).

____________

(1) منهم: ابن البراج في المهذب 1: 344، و ابن إدريس في السرائر: 206.

(2) التهذيب 6: 381 حديث 1122.

(3) منهم: أبو الصلاح في الكافي في الفقه: 281، و ابن البراج في المهذب 1: 344.

(4) قال السيد العاملي في المفتاح 4: 47: في حاشية الإرشاد و حاشية الميسي. ان الصور خاصة بالحيوان، و ان التمثال يشمل الحيوان و الأشجار، و الأكثر لم يفرقوا.

(5) الدروس: 190.

24

رخصة في إباحة (1) أجرها في العرس، إذا لم تتكلم بالباطل، و لم تلعب بالملاهي، و لم يدخل الرجال عليها.

و يحرم أجر النائحة بالباطل، و يجوز بالحق. (2)

و القمار حرام، (3) و ما يؤخذ به حتى لعب الصبيان بالجوز (4) و الخاتم،

____________

(1) العمل على الرخصة و موردها، فلا يرخص في غناء الرجال، و المراد من عدم دخول الرجال عليها: عدم سماعهم صوتها- للقطع بالتحريم- و إن لم يدخلوا عليها، و ذلك إذا كانوا أجانب، و يحتمل العموم لإطلاق النص (1).

و إنما يحرم من الملاهي ما لا يجوز مثله في العرس، فالدّف الذي لا صنج فيه و لا جلاجل له يجوز لعبها به على الظاهر، لاستثنائه.

قوله: (و يحرم أجر النائحة بالباطل، و يجوز بالحق).

(2) بشرط عدم آلات اللهو، و عدم سماع الرجال الأجانب صوتها.

قوله: (و القمار حرام).

(3) أي: عمله، و هو: اللعب بالآلات المعدة له على اختلاف أنواعها، من الشطرنج و النرد و غير ذلك، و أصل القمار: الرهن على اللعب بشيء من هذه الأشياء، و ربما أطلق على اللعب بها مطلقا، و لا ريب في تحريم اللعب بذلك و إن لم يكن رهن، و الاكتساب به، و بعمل آلاته.

قوله: (و ما يؤخذ به حتى لعب الصبيان بالجوز).

(4) أي: و يحرم ما يؤخذ به كما ذكرنا، حتى ما يؤخذ بلعب الصبيان بالجوز و الخاتم، فلا يجوز لوليّهم التصرف فيه، بل و لا تمكينهم من أخذه، بل يجب عليه دفعه إلى مالكه، لبقائه على ملكه.

و يمكن أن يكون مراد العبارة: و يحرم القمار حتى لعب الصبيان إلى آخره،

____________

(1) الكافي 5: 119 حديث 1، الفقيه 3: 98 حديث 376، التهذيب 6: 358 حديث 1024، الاستبصار 3: 62 حديث 207.

25

و الغش بما يخفى كمزج اللبن بالماء، (1) و تدليس الماشطة، (2) و تزيين الرجل بالحرام، (3) و معونة الظالمين في الظلم، (4)

____________

فتكون حتى عاطفة على القمار، و العبارة على هذا المعنى أدلّ، إلّا أنّ إطلاق التحريم على هذا القسم مشكل، لأن فعل الصبي لا يوصف بالحرمة و لا بغيرها من الأحكام الشرعية، إلا أن يأوّل: بأنّ تكليف التحريم و غيره في ذلك يتعلق بالوليّ.

قوله: (و الغش بما يخفى كمزج اللبن بالماء).

(1) للنهي عنه (1)، و احترز به عن الغش بما لا يخفى، كخلط رديء الحنطة بجيدها، فإنه لا يحرم و إن كره. و أما حال البيع في الفرض الأول فيمكن صحته، لأن المحرّم هو الغش، و أما المبيع فإنه عين منتفع بها يعد مالا، فيصح.

و يمكن الحكم بالبطلان، لأن المقصود بالبيع هو اللبن، و الجاري عليه هو المشوب، و في الذكرى في باب الجماعة ما حاصله: لو نوى الاقتداء بإمام معين على أنه زيد فظهر عمرا، أنّ في الحكم نظر، قال: و مثله ما لو قال: بعتك هذا الفرس فإذا هو حمار، و جعل منشأ التردد تغليب الإشارة أو الوصف (2).

قوله: (و تدليس الماشطة).

(2) بتحمير الوجه، و تزيين الخد، و نقش اليد و الرجل، و وصل الشعر، و لو أذن الزوج فليس تدليسا.

قوله: (و تزيين الرجل بالحرام).

(3) و تزيين المرأة به أيضا كذلك، كما لو لبس كل منهما زينة الآخر، و تزين كل منهما كتزيين غيره إياه، و لعل مراد العبارة ما يشمله، بأن يكون المراد: تزيين نفسه و تزيين غيره إياه.

قوله: (و معونة الظالمين في الظلم).

(4) حتى في بري القلم، لا في غير الظلم.

____________

(1) الكافي 5: 160 باب الغش، التهذيب 7: 12 حديث 52، 53.

(2) الذكرى: 271.

26

و حفظ كتب الضلال (1) و نسخها لغير النقض أو الحجة، (2) و نسخ التوراة و الإنجيل و تعليمهما، (3) و أخذ الأجرة عليهما، و هجاء المؤمنين، (4)

____________

قوله: (و حفظ كتب الضلال).

(1) أي: حفظها في الصدر، أو حفظها بمعنى: صيانتها عن أسباب التلف، و الظاهر عدم الفرق في كتب الضلال بين كتب الأصول و الفروع، لأن ابتناء فروعها على الأصول الفاسدة. و يجوز إتلاف ما كان موضع الضلال من الكتاب دون غيره، مع المحافظة على بقاء ما يعدّ مالا من الورق و الجلد، إذا كان من أموال المسلمين أو المنتمين إلى الإسلام، دون إتلاف الجميع قطعا.

قوله: (لغير النقض أو الحجّة).

(2) أي: نقض مسائل الضلال، أو الحجة على مسائل الحق من كتب الضلال، و ظاهره حصر جواز الحفظ و النسخ في الأمرين، و الحق أن فوائده كثيرة، فلو أريد: نقل المسائل، أو الفروع الزائدة، أو معرفة بعض أصول المسائل، أو الدلائل، و نحو ذلك جاز الحفظ و النسخ أيضا، لمن له أهلية النقض لا مطلقا، لأن ضعفاء البصيرة لا يؤمن عليهم خلل الاعتقاد.

قوله: (و نسخ التوراة و الإنجيل و تعليمهما.).

(3) هذان من كتب الضلال، بل من رؤوسهما لكونهما محرفين، فكان يغني عنه ما سبق، و كأنه أراد التنبيه على انهما في أصلهما ما كانا ضلالا، أو أنّ المنسوخ بعد النسخ يخرج عن كونه حقا.

قوله: (و هجاء المؤمنين).

(4) هو بكسر الهاء و المد: ذكر المعايب بالشعر، و بقيد المؤمنين يفهم عدم تحريم هجاء غيرهم، و ليس ببعيد، لأن غير المؤمن يجوز لعنه، فكيف تناول عرضه بما يقتضي إهانته؟!

27

و الغيبة، (1) و الكذب عليهم، (2) و النميمة، و سب المؤمنين، (3) و مدح من يستحق الذم و بالعكس، (4)

____________

قوله: (و الغيبة).

(1) هي: بكسر الغين المعجمة، و حدّها على ما في الأخبار: أن يقول المرء في أخيه ما يكرهه- لو سمعه- مما فيه (1)، و كذا ما في حكم القول: من الإشارة باليد و غيرها من الجوارح، أو التحاكي بفعله أو قوله كمشية الأعرج. و قد يكون بالتعريض، مثل قول القائل: أنا لا أفعل كذا معرضا بمن يفعله، و لو قال ذلك فيه بحضوره فتحريمه أغلظ، و إن كان ظاهرهم أنه ليس غيبة.

و ضابط الغيبة: كل فعل يقصد به هتك عرض المؤمن و التفكه به، أو إضحاك الناس منه. فأما ما كان لغرض صحيح فلا يحرم: كنصيحة المستشير، و التظلم و سماعه، و الجرح و التعديل، ورد من ادّعى نسبا ليس له، و القدح في مقالة أو دعوى باطلة خصوصا في الدين، و غير ذلك.

و يوجد في كلام بعض الفضلاء: أن من شرطها أن يكون متعلّقها محصورا، و إلّا فلا تعد غيبة، فلو قال عن أهل بلدة غير محصورة ما لو قاله عن شخص واحد مثلا يعد غيبة، لم يحتسب غيبة.

قوله: (و الكذب عليهم).

(2) فان الكاذب ملعون، و على المؤمنين أشد، و على اللّه و رسوله و الأئمة (عليهم السلام) أعظم. و لو اقتضت المصلحة الكذب وجبت التورية.

قوله: (و سبّ المؤمنين).

(3) و ذلك بإسناد ما يقتضي نقصه، مثل الوضيع و الناقص و نحو ذلك، إلّا لمن يستحق الإهانة، كما سيجيء في باب القذف.

قوله: (و مدح من يستحق الذم و بالعكس).

(4) المراد: مدح من يستحق الذم من الوجه الذي يستحق به الذم، و كذا

____________

(1) أمالي الشيخ الطوسي 2: 150.

28

و التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة، (1) و تعلّم السحر و تعليمه. (2)

____________

عكسه، أما إعطاء الشخص الواحد حقه من المدح و الذم باعتبار مقتضاهما فإنه يحسن، و لا يبعد أن يقال بتحريم مدح من يستحق الذم و إن لم يكن من الوجه الذي يستحق به الذم إذا فهم السامع منه كونه ممدوحا، لما فيه من إيهام الباطل، و إنما ذكر هذا بخصوصه و إن كان نوعا من الكذب، لأنه أغلظ من غيره، و لما في ذم من يستحق المدح من زيادة إيذائه (1).

قوله: (و التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة).

(1) المراد به: ذكر محاسنها و شدة حبها و نحو ذلك بالشعر، و يقال: النسيب أيضا، و انما يحرم بقيود:

أ: كونها معينة معروفة و إن لم يعرفها السامع إذا علم أنه قصد معينة، لما فيه من هتك عرضها، أما إذا لم يقصد مخصوصة فلا بأس.

ب: كونها مؤمنة، فلا يحرم بنساء أهل الحرب، و أما نساء أهل الذمة فظاهر التقييد بالمؤمنة يقتضي الحلّ، و الظاهر العدم، لأن النظر إليهنّ بريبة حرام، فهذا أولى، و نساء أهل الخلاف أولى بالتحريم، لأنهن مسلمات.

ج: كونها محرّمة، أي: في الحال و إن لم يكن مؤبدا، و لم يذكره المصنف.

فمتى انتفى واحد من الثلاثة لم يحرم، و إذا شك في حصولها لا يحرم الاستماع، و اما التشبيب بالغلام فحرام على كل حال، لأنه محض فحش مقرب للمفسدة.

قوله: (و تعلّم السحر و تعليمه).

(2) قال في الدروس: إن تعلّمه للاحتراز منه و للفرق بينه و بين المعجز جائز، و ربما وجب (2). و ليس ببعيد إن لم يلزم منه التكلم بمحرم أو فعل ما يحرم.

____________

(1) هذه الفقرة من (و مدح من) الى هنا كانت مقدمة على قوله: (و سب المؤمنين.)، فرتبناها حسب ما في القواعد.

(2) الدروس: 327، و فيه:. اما علمه ليتوقى أو لئلا يعتريه فلا، و ربما وجب على الكفاية ليدفع المتنبئ بالسحر.

29

و هو: كلام يتكلّم به أو يكتبه، أو رقية، أو يعمل شيئا يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة، (1) و الأقرب أنه لا حقيقة له و إنما هو تخييل، (2) و على كلّ تقدير لو استحلّه قتل.

____________

قوله: (و هو: كلام يتكلم به أو يكتبه، أو رقية، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة).

(1) الرقية بضم الراء: العوذة، و اعلم أن قوله: (يؤثر في بدن المسحور) إن كان قيدا في الجميع، يخرج عن التعريف كثير من أقسام السحر التي لا تحدث شيئا في بدن أو قلب أو عقل، أو بالأخير، أعني قوله: (أو يعمل شيئا) يخرج عنه السحر بالعمل حيث لا يؤثر في شيء من المذكورات.

و من السحر: عقد الرجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطئها، و إلقاء البغضاء بينهما و نحو ذلك.

قوله: (أو يعمل شيئا.).

(2) يندرج في ذلك: العقد، و النفث، و الدخنة، و التصوير. قال في الدروس: و من السحر: الاستخدام للجن و الملائكة، و الاستنزال للشياطين (1).

قوله: (و الأقرب أنه لا حقيقة له، و إنما هو تخييل).

(3) المتبادر إلى الفهم أنّ المراد: كون المفعول المعدود سحرا- مثل: عمل الحياة، و إظهار الطيران و نحو ذلك- لا حقيقة له في الواقع، و إنما يخيل إلى الناظرين كونه واقعا.

و الذي يستفاد من عبارة الشارح (2) و المنتهى (3) و كلامهم في باب الجنايات، أن المراد به: أن ترتب شيء في بدن الإنسان و عقله و التفريق بين المرء و زوجه و نحو ذلك من الأمور المطلوبة بالسحر لا حقيقة لها، و هو المفهوم من

____________

(1) الدروس: 327.

(2) إيضاح الفوائد 1: 405- 407.

(3) المنتهى 2: 1014.

30

و يجوز حلّ السحر (1) بشيء من القرآن أو الذكر أو الأقسام، لا بشيء منه.

____________

قولهم: لا تأثير للسحر.

و الأول أوجه، لأن تأثر الإنسان بالسحر غير موقوف على أنّ له حقيقة موجودة في الواقع، لأن الأمور المخيلة ربما أثّرت بتوسط الوهم، فان فعل الوهم أمر مقطوع به.

و الحق: عدم القطع بأن له حقيقة أو لا حقيقة له، و الدلائل التي ذكروها من الجانبين لا دلالة فيها، فان قوله تعالى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ) (1) دال على ثبوت السحر، و تخيل السعي لا على تخيل حقيقة السحر، و مع ذلك فهذا لا يدل على أن جميع أفراد السحر، إنما يحصل بها التخيل، و قوله تعالى (وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ) (2) لا دلالة فيه أيضا، لأن المراد من الإذن ليس هو الترخيص قطعا، إذ لا معنى له في هذا المقام، بل المراد منه: العلم و الاطلاع، كما يتبادر إلى الفهم، و لا يضر كونه مجازا مع القرينة، و مع ذلك فلا يدل على أنه لا حقيقة له، و بناء الفقهاء [في] (3) ثبوت القصاص على أنّ للسحر حقيقة غير ظاهر، لجواز حدوث شيء في بدن الإنسان بسبب التخيل بتوسط الوهم، فما قرّبه المصنف غير واضح.

و لا استبعاد في أن يكون لبعض أفراده حقيقة و وجود، فانّا نرى عقد الشخص عن زوجته يمنعه من وطئها منعا ظاهرا، و حينئذ فلو قتل إنسانا بسحره مقرّا بذلك قتلناه به، إذ لا أقل من أن يكون ذلك بتسبّبه إلى فعل الوهم فيه ذلك.

قوله: (و يجوز حل السحر.).

(1) الأقسام: بفتح الهمزة جمع قسم، و لا تمتنع قراءته بكسرها، على أنه

____________

(1) طه: 66.

(2) البقرة: 102.

(3) لم ترد في «م» و وردت في الحجري و أثبتناها للسياق.

31

و تعلّم الكهانة (1) حرام، و الكاهن: هو الذي له رئيّ من الجن يأتيه بالأخبار، (2) و يقتل ما لم يتب.

و التنجيم حرام، و كذا تعلّم النجوم مع اعتقاد تأثيرها بالاستقلال، أو لها مدخل فيه. (3)

____________

مصدر أقسم.

قوله: (و تعلم الكهانة).

(1) الظاهر أنها بكسر الكاف، قال في الصحاح: يقال: كهن يكهن كهانة، مثل: كتب يكتب كتابة، إذا تكهن. و إذا أردت أنّه صار كاهنا قلت: كهن بالضم، كهانة بالفتح (1).

قوله: (و الكاهن: هو الذي له رئيّ من الجن يأتيه بالأخبار).

(2) رئيّ بوزن كميّ، و هو: التابع للإنسان يتراءى له، أي: هو موضع رأيه، و قد تكسر راؤه اتباعا لما بعدها. قال ابن الأثير في النهاية: يقال للتابع من الجن:

رئيّ بوزن كميّ، و هو فعيل أو فعول، سمي به لأنه يتراءى لمتبوعه، [أو] (2) هو من الرّأي، من قولهم: فلان رئيّ قومه، إذا كان صاحب رأيهم، و قد تكسر راؤه لاتباعها ما بعدها (3). و مثله قال في الفائق (4).

قوله: (و التنجيم حرام و كذا تعلم النجوم مع اعتقاد تأثيرها بالاستقلال أو لها مدخل فيه).

(3) قوله: (مع اعتقاد تأثيرها) قيد في التنجيم و تعلم النجوم، و المراد من التنجيم: الإخبار عن أحكام النجوم باعتبار الحركات الفلكية و الاتصالات الكوكبية التي مرجعها إلى القياس و التخمين، فان كون الحركة معينة و الاتصال

____________

(1) الصحاح (كهن) 6: 2191.

(2) في نسخة «م» و الحجري: (أي)، و ما أثبتناه من النهاية، و هو الصحيح.

(3) النهاية 2: 178.

(4) الفائق 2: 22.

32

و الشعبذة حرام، و هي: الحركات السريعة جدا، بحيث يخفى على الحسّ الفرق بين الشيء و شبهه، لسرعة انتقاله من الشيء إلى شبهه.

____________

المعين سببا لوجود ذلك، إنما يرجع المنجمون فيه الى مشاهدتهم وجود مثله عند وجود مثلهما، و ذلك لا يوجب العلم بسببيتهما له، لجواز وجود أمور أخرى لها مدخل في سببيّته لم تحصل الإحاطة بها، فإنّ القوة البشرية لا سبيل لها إلى ضبطها، و لهذا كان كذب المنجمين و خطؤهم أكثريّا. و قد ورد من صاحب الشرع النهي عن تعلم النجوم بأبلغ وجوهه، حتى قال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه: «إياكم و تعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بحر أو بر، فإنها تدعو إلى الكهانة، [و] (1) المنجم كالكاهن، و الكاهن كالساحر، و الساحر كالكافر، و الكافر في النار» (2).

إذا تقرر ذلك فاعلم: أن التنجيم- مع اعتقاد أنّ للنجوم تأثيرا في الموجودات السفلية و لو على جهة المدخلية- حرام، و كذا تعلّم النجوم على هذا الوجه، بل هذا الاعتقاد كفر في نفسه، نعوذ باللّه منه.

أما التنجيم لا على هذا الوجه مع التحرز من الكذب فإنه جائز، فقد ثبت كراهية التزوج و سفر الحج و القمر في العقرب، و ذلك من هذا القبيل. نعم هو مكروه، لأنه ينجرّ إلى الاعتقاد الفاسد، و قد ورد النهي عنه مطلقا حسما للمادة، و تحريم الأجرة و عدمه تابع للفعل.

و حكى في الدروس عن بعض الأصحاب القول بتحريمه، لما فيه من التعرض للمحظور، و لأن أحكامه [تخمينية] (3) لا تخلو من الكذب، و أما علم الهيئة فلا كراهة فيه، بل ربما كان مستحبا، لما فيه من الاطّلاع على عظم قدرة اللّه تعالى، و لا يحرم الرّمل إذا لم يقطع فيه بالمطابقة، لأن ذلك غير مقطوع به، فلا

____________

(1) الواو لم ترد في «م» و الحجري، و أثبتناها من نهج البلاغة، و هو الصحيح.

(2) نهج البلاغة- تحقيق صبحي الصالح-: 105 خطبة 79، و فيه: «إياكم و تعلم النجوم الا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنها تدعو إلى الكهانة.».

(3) في «م»: تخيلية، و ما أثبتناه من الدروس، و هو الأصح.

33

و القيافة حرام. (1)

و يحرم بيع المصحف، (2) بل يباع الجلد و الورق، و لو اشتراه الكافر فالأقرب البطلان، (3) و يجوز أخذ الأجرة على كتابة القرآن.

و تحرم السرقة و الخيانة و بيعهما، و لو وجد عنده سرقة ضمنها، إلّا أن يقيم البينة بشرائها، فيرجع على بائعها مع جهله. (4)

____________

يجوز اعتقاده، و إنما يجوز إذا عدّه قالا، و قد كان النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) يحب الفال و يكره الطيرة (1) (2).

قوله: (و القيافة حرام).

(1) و هي: إلحاق الأنساب بما يزعم أنه يعلمه من العلامات، أو إلحاق الآثار إذا رتّب عليه محرّما، أو جزم بنسبه من زعم علمه بكونه أثره.

قوله: (و يحرم بيع المصحف.).

(2) للنصوص في الكتاب و السنة (3).

قوله: (و لو اشتراه الكافر فالأقرب البطلان).

(3) هذا أصح، لانتفاء الصلاحية في أحد أركان البيع فيفسد، و قيل: يصح و يؤمر ببيعه (4).

قوله: (و لو وجد عنده سرقة ضمنها، إلّا أن يقيم بينة بشرائها، فيرجع على بائعها مع جهله).

(4) هذا قول الشيخ (5)، معوّلا على ما رواه أبو عمرو السراج، عن أبي عبد اللّه

____________

(1) الدروس: 327.

(2) راجع سفينة البحار 2: 102، و حياة الحيوان الكبرى للدميري 2: 98.

(3) الكافي 5: 121 باب بيع المصاحف، التهذيب 6: 365 حديث 1049، 1051.

(4) قال العاملي في المفتاح 4: 83: و لم أجد القائل بصحة البيع و إجباره على بيعه، نعم قد قيل ذلك في العبد المسلم فتأمل، و لعل الفرق ان القرآن أعظم حرمة.

(5) النهاية: 401.

34

و لو اشترى به جارية أو ضيعة، فإن كان بالعين بطل البيع، و إلّا حلّ له وطء الجارية و عليه وزر المال. (1)

و لو حجّ به مع وجوب الحج بدونه برئت ذمته، إلّا في الهدي إذا ابتاعه بالعين المغصوبة، أما لو اشتراه في الذمة جاز.

و لو طاف أو سعى في الثوب المغصوب، أو على الدابة

____________

(عليه السلام) (1)، و قال ابن إدريس: الضمان ثابت على كل حال بعد ثبوت كونها سرقة، و لكن الرجوع على بائعها مشروط بثبوت كونه بائعا و عدم علمه بكونها سرقة (2)، و نزّل كلام الشيخ على ذلك، و حسّنه المصنف في المنتهى (3).

و تحرير المسألة: أنّ المراد من ضمانها إن كان: ردّها إلى مالكها، فلا كلام في وجوب ردّها على كل حال، سواء علم بكونها سرقة أولا، و إن كان المراد: ضمان قيمتها إذا تلفت و كانت قيمية، فكذلك، و ليس له الرجوع بها، لأن التلف في يده و هو مضمون، و إن كان المراد: رجوعه بالثمن، فمع بقاء العين يرجع، سواء كان عالما أو جاهلا، و مع تلفها يرجع بعوضها إذا لم يكن عالما بالحال.

و أما ما يتبع العين من المنافع التي استوفاها من لبن و نحوه، ففي رجوعه بها مع الجهل قولان، أصحهما الرجوع معه لا مع العلم، و كذا القول في الأجرة.

قوله: (و عليه وزر المال).

(1) أي: ضمانه و الإثم.

قوله: (و لو حج به مع وجوب الحج بدونه برئت ذمته، إلّا في الهدي إذا ابتاعه بالعين المغصوبة.).

____________

(1) الكافي 5: 229 حديث 7.

(2) السرائر: 233.

(3) المنتهى 2: 1015.

35

المغصوبة (1) بطلا.

و التطفيف حرام في الكيل و الوزن، و يحرم الرّشا في الحكم (1) و إن حكم على باذله بحق أو باطل.

[الخامس: ما يجب على الإنسان فعله يحرم الأجر عليه]

الخامس: ما يجب على الإنسان فعله يحرم الأجر عليه، كتغسيل الموتى و تكفينهم و دفنهم، نعم لو أخذ الأجر على المستحب منه فالأقرب جوازه. (2)

____________

(1) إنما قيد بوجوب الحج بدونه، لانتفاء أصل الوجوب بدون ذلك، إذ المغصوب لا تتحقق معه الاستطاعة، فلا يحصل به وجوب الحج، فلا يسقط فعل وجوب الحج بالاستطاعة المتجددة، و إنما لا تبرأ ذمته من الهدي إذا اشتراه بعين المغصوب، لانه نسك و عبادة، و النهي في العبادة يقتضي الفساد، و مثله الطواف و السعي في الثوب المغصوب، أما الإحرام فيه فلا، لأن لبس الثوبين ليس شرطا فيه، و على القول باشتراطه يتجه الفساد.

قوله: (و يحرم الرّشا في الحكم.).

(2) أجمع أهل الإسلام على تحريم الرّشا في الحكم، سواء حكم بحق أو باطل، للباذل أو عليه، و في الأخبار عن أئمة الهدى صلوات اللّه عليهم: انه الكفر باللّه عز و جل و برسوله (صلّى اللَّه عليه و آله) (1).

قوله: (ما يجب على الإنسان فعله يحرم الأجر عليه، كتغسيل الموتى و تكفينهم و دفنهم، نعم لو أخذ الأجرة على المستحب منها فالأقرب جوازه).

(3) أي: من هذه الأمور، كتكفين القدر المندوب، و حفر ما زاد على الواجب، للأصل، و لأنه فعل سائغ، فجاز أخذ الأجرة عليه كالحج و الصلاة. و قال ابن

____________

(1) الكافي 7: 409 حديث 3، التهذيب 6: 222 حديث 526.

36

و تحرم الأجرة على الأذان و على القضاء، (1) و يجوز أخذ الرزق عليهما من بيت المال.

____________

البراج: لا يجوز لإطلاق النهي (1)، و عن المرتضى: جواز الأجرة على الواجب، بناء على اختصاص الوجوب بالولي (2).

قوله: (و تحرم الأجرة على الأذان و على القضاء).

(1) أمّا الأذان، ففي بعض الأخبار ما يقتضي تحريمه (3)، و للإجماع، و لا فرق في التحريم بين أخذ ذلك من أهل البلد أو المحلة و من السلطان، و هل يحرم بذلك أذانه؟ قال ابن البراج: يحرم (4)، و وجّهه المصنف في المختلف بأنّ الأذان على هذا الوجه غير مشروع فيكون بدعة (5).

و أما القضاء، فللنص (6)، و الإجماع، و لا فرق بين أخذ الأجرة من المتحاكمين أو من السلطان أو أهل البلد، عادلا كان أو جائرا، سواء كان المأخوذ بالإجارة أو الجعالة أو الصلح، و أطلق بعض الأصحاب جواز الأخذ (7)، و المصنف في المختلف قال: إن تعين القضاء عليه، إما بتعيين الامام (عليه السلام)، أو بفقد غيره، أو بكونه الأفضل و كان متمكّنا لم يجز الأجر عليه، و إن لم يتعين،

____________

(1) المهذب 1: 345، و عبارته مطلقه.

و قال فخر المحققين في الإيضاح 1: 408: أطلق ابن البراج القول بالتحريم لعموم النهي عن أخذ أجرة التغسيل، و هو يشمل الواجب و المندوب. و في المفتاح 4: 95:. ثم ان حكاية جامع المقاصد و المسالك عن القاضي غير صحيحة حيث قالا: و خلافا لابن البراج، و الموجود من كلامه في المختلف انما هو الإطلاق كما حكى في الإيضاح. راجع المختلف: 342 في نقله عبارة ابن البراج.

(2) نقله عنه في مفتاح الكرامة 4: 92.

(3) الفقيه 3: 109 حديث 461، التهذيب 2: 283 حديث 1119، و 6: 376 حديث 1099، الاستبصار 3: 65 حديث 215.

(4) المهذب 1: 345.

(5) المختلف: 342.

(6) الكافي 7: 409 حديث 1، التهذيب 6: 222 حديث 527.

(7) منهم: المفيد في المقنعة: 90.

37

و يجوز أخذ الأجرة على عقد النكاح (1) و الخطبة في الإملاك، (2) و يحرم الأجر على الإمامة و الشهادة (3) و أدائها.

[خاتمة تشتمل على أحكام]

خاتمة تشتمل على أحكام:

[أ: تلقي الركبان]

أ: تلقي الركبان مكروه على رأي، (4)

____________

أو كان محتاجا فالأقرب الكراهة (1). هذا لفظه، فان أراد بالأجرة المأخوذة: ما يعمّ المتحاكمين فمشكل، لأنه رشوة، و كذا إن أراد: عدم الأخذ من بيت المال مع التعيّن مطلقا، و الأقوى المنع مطلقا، إلّا من بيت المال خاصة، فيتقيد بالحاجة.

قوله: (و يجوز أخذ الأجرة على عقد النكاح).

(1) إنما يجوز إذا كان وكيلا لأحد الزوجين أو لهما، فيتولى الصيغة و يكون وكيلا بجعل، أما إلقاء الصيغة على المتعاقدين فلا يجوز أخذ الأجرة عليه إجماعا، لأنه من الواجبات الكفائية، و كذا باقي العقود.

قوله: (و الخطبة في الإملاك).

(2) الخطبة بالضم: ما اشتمل على حمد اللّه و الصلاة على رسوله و آله صلوات اللّه عليهم، و الإملاك بكسر الهمزة: التزويج، و الزوج مملك بفتح اللّام. و أما الخطبة بكسر الخاء: فهو طلب المرأة من وليّها و نحوه.

قوله: (و تحرم الأجرة على الإمامة و الشهادة.).

(3) المراد: إمامة الناس في الصلوات من غير فرق بين الواجبة و المندوبة، و يجوز الارتزاق من بيت المال. و أمّا الشهادة تحمّلا و إقامة، فلأنها من الواجبات إما العينية أو الكفائية.

قوله: (خاتمة تشتمل على أحكام: الأول: تلقي الركبان مكروه على رأي).

(4) هي: جمع ركب، و الأصح التحريم، لثبوت النهي في النصوص (2).

____________

(1) المختلف: 342.

(2) الكافي 5: 168 حديث 1، 2، 4، التهذيب 7: 158 حديث 696، 697، 699.

38

و هو: الخروج إلى الرّكب القاصد إلى بلد للشراء منهم من غير شعور منهم بسعر البلد، (1) و ينعقد. (2)

و مع الغبن الفاحش يتخير المغبون (3) على الفور على رأي، (4) و لا فرق بين الشراء منهم و البيع عليهم. (5)

____________

قوله: (و هو: الخروج إلى الرّكب القاصد إلى بلد للشراء منهم، من غير شعور منهم بسعر البلد).

(1) لا يخفى أنّه ليس المراد بالخروج مطلقه، بل ما كان أربعة فراسخ فما دون، لما سنذكره، و كذا القول في التقييد بالشراء منهم، فانّ الحكم يعمّ البيع عليهم و الشراء منهم كما سنذكره، و هل يعم التلقي الصلح و غير ذلك من العقود المملكة؟ لا أعلم فيه تصريحا لأحد بشيء، و التعليل يقتضي التحريم.

قوله: (و ينعقد).

(2) هذا قول أكثر علماء الإسلام، فإن النهي عن وصف خارج عن أركان البيع.

قوله: (و مع الغبن الفاحش يتخير المغبون).

(3) المراد به: ما لا يتغابن به في العادة، أي: لا يتسامح بمثله، و الخيار للبائع إن اشتري منهم، و للمشتري إن باع عليهم.

قوله: (على الفور على رأي).

(4) اقتصارا على مقدار الضرورة في مخالفة لزوم البيع، و الاستصحاب يقتضي (1) عدم الفورية، و الأول أولى، لأن العموم في أفراد العقود يستتبع عموم الأزمنة، و إلّا لم ينتفع بعمومه.

قوله: (و لا فرق بين الشراء منهم، و البيع عليهم).

(5) أي: في الأحكام كلها.

____________

(1) وردت في «م» بعد (يقتضي) كلمة (لزوم) و حذفناها لعدم مناسبتها المقام.

39

و لا يكره لو وقع اتّفاقا، و لا إذا كان الخروج لغير المعاملة، (1) و حدّه أربعة فراسخ، فان زاد لم يكن تلقيا.

و النجش حرام، (2) و هو: الزيادة لزيادة من واطاه البائع، (3) و مع الغبن الفاحش يتخير المغبون (4) على الفور (5) على رأي.

____________

قوله: (و لا يكره لو وقع اتفاقا، و لا إذا كان الخروج لغير المعاملة).

(1) نفي الكراهة هنا ملحوظ فيه أنه مختار المصنف في أصل المسألة.

قوله: (و النجش حرام).

(2) بالإجماع، و هو: بالنون المفتوحة و الجيم الساكنة.

قوله: (و هو: الزيادة لزيادة من و واطاه البائع).

(3) ليس هذا التعريف بجيد، لأن النجش هو: الفعل الذي تحصل به الزيادة في المثمن لا نفس الزيادة، فإنّها لا تحرم قطعا، بل التعريف الصحيح: أنّه الزيادة في السلعة ممن لا يريد شراءها، بمواطاة البائع له على ذلك لإيقاع غيره، و هو:

غش و خداع، و حقه أن تحرم الزيادة لذلك، و إن لم تكن بمواطاة البائع للغش و الخداع.

و هل المواطاة على ترك الزيادة في السلعة ليشتريها بالثمن القليل مثلها؟ لا أعلم فيه شيئا، و الأصل العدم، نعم يثبت الخيار لو ظهر غبن.

قوله: (و مع الغبن الفاحش يتخير المغبون).

(4) لا فرق في ثبوت الخيار مع الغبن، بين أن يكون النجش بمواطاة البائع، أو لم يكن، و كذا لو قال البائع: أعطيت في هذه السلعة كذا فصدّقه المشتري، فانّ له الخيار و لا يأثم البائع، إلّا أن يكون كاذبا.

قوله: (على الفور.).

(5) الحكم كما سبق.

40

[ب: يحرم الاحتكار على رأي]

ب: يحرم الاحتكار على رأي، (1) و هو: حبس الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن و الملح، (2)

____________

قوله: (يحرم الاحتكار على رأي).

(1) هذا مذهب الصدوق في البيع (1) و ابن البراج (2)، و هو الأصح، لقوله (عليه السلام): «المحتكر ملعون» (3). و ذهب الشيخ في المبسوط (4) و المفيد (5) [إلى] (6) أنه مكروه، و هو أحد قولي أبي الصّلاح في الكافي (7)، لقول الصادق (عليه السلام): «يكره أن يحتكر الطعام» (8) الحديث، و جوابه: القول بالموجب، لأن المكروه أحد معاني الحرام، و قد دلّ استحقاق اللعن على التحريم، و كذا قوله (عليه السلام) في السند الصحيح: «لا يحتكر الطعام إلّا خاطئ» (9) فانّ المفهوم من الخاطئ فاعل المحرّم.

قوله: (و هو: حبس الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن و الملح).

(2) في رواية: «و الزيت» (10)، و لا بأس بها، و لا يتحقق الاحتكار في غير ذلك، نعم لو اضطرّ الناس إلى ما سواها كان الحكم كما في المخمصة، و ما دام لا يبلغ حد الضرورة فلا يحرم و لا إثم.

____________

(1) المقنع: 125.

(2) المهذب 1: 346.

(3) الكافي 5: 165 حديث 6، الفقيه 3: 169 حديث 751، التهذيب 7: 159 حديث 702، الاستبصار 3: 114 حديث 404.

(4) المبسوط 2: 195.

(5) المقنعة: 96.

(6) لم ترد في «م» و الحجري، و أثبتناها لعدم استقامة العبارة بدونها.

(7) الكافي في الفقه: 283.

(8) الكافي 5: 165 حديث 5، التهذيب 7: 160 حديث 708، الاستبصار 3: 115 حديث 411.

(9) الفقيه 3: 169 حديث 749، التهذيب 7: 159 حديث 701، الاستبصار 3: 114 حديث 403.

(10) الكافي 5: 164 حديث 1، الفقيه 3: 168 حديث 744، التهذيب 7: 159 حديث 704.

41

بشرطين: الاستبقاء للزيادة، و تعذر غيره، (1) فلو استبقاها لحاجته أو وجد غيره لم يمنع.

و قيل: ان يستبقيها ثلاثة أيام في الغلاء و أربعين في الرخص. (2)

____________

قوله: (بشرطين: الاستبقاء للزيادة، و تعذر غيره).

(1) لا بدّ من قيد آخر، و هو: الاحتياج إلى شرائها، فلو استبقاها لحاجته إليها و لو في زمان مستقبل، إما لمؤنته أو لدينه فلا يحرم، و الظاهر أنه لو أراد أداء دينه عند الحلول بثمنها، أو عند حضور مالكه، و خشي من بيعها حالا تلفها أو تشتتها، لا يعد ذلك احتكارا، للإجماع على أنّ الاحتكار إنما يتحقق إذا استبقاها للزيادة.

أما لو كان ثمنها لا يفي بدينه، و مع الاستبقاء تتحقق الزيادة و التوفية، فإنه يحرم الاستبقاء، لإطلاق النهي عن ذلك.

و هل يفرق في الاحتكار بين شراء الغلة، و كونها من غلته التي استنماها، و كونه جالبا؟

ظاهر المصنف في المنتهى: أن الاحتكار إنما يتحقق إذا اشترى الطعام و حبسه (1)، و حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) حيث قال: «الحكرة: أن يشتري الطعام ليس في المصر غيره فيحتكره» (2) تدلّ عليه. إذا عرفت هذا، فلو وجد باذل غيره تندفع به حاجة الناس لم يحرم الحبس.

قوله: (و قيل: أن يستبقيها ثلاثة أيام في الغلاء و أربعين في الرخص) (3).

(2) الظاهر أن الشرطين معتبران عند هذا القائل، لدلالة الخبر على أنه مع

____________

(1) المنتهى 2: 1007.

(2) الكافي 5: 164 حديث 3، الفقيه 3: 168 حديث 746، التهذيب 7: 160 حديث 706 باختلاف يسير.

(3) ذهب اليه ابن حمزة في الوسيلة: 300، و الشيخ في النهاية 374- 375.

42

و يجبر على البيع لا التسعير على رأي. (1)

____________

وجود باذل غيره لا يحرم الاستبقاء (1)، و الإطباق على انتفاء التحريم لو استبقاها للحاجة.

و الذي دلت عليه رواية السكوني: أن الاحتكار يتحقق بالزيادة على الأربعين في الخصب، و على الثلاثة في الغلاء (2)، و هو مقتضى عبارة المصنف.

و الأول أصح، لأن الحكم منوط بالحاجة، كما هو المستفاد من الأخبار (3)، فلا يتقيد بزمان معين، و لعل رواية السكوني بني فيها الأمر على مقتضى ذلك الزمان، و إلّا فقد تدعو الحاجة إلى الطعام قبل الثلاثة و الأربعين إذا لم يوجد بائع أصلا.

و اعلم أنّ ما ذكر في الاحتكار ثابت بمجرد حصول الحاجة إلى الطعام، و إن لم يبلغ حد الضرورة.

أما لو احتاج الناس إلى الأرز و الدخن و الذرة مثلا و نحو ذلك، فإنما يحرم حبسه عند الضرورة الشديدة، و بدون ذلك لا يجب بذله، و إن كان قوتا و لم يوجد غيره، اقتصارا على مورد النص (4).

و إن كان الاشتراك فيما يظن كونه العلة التي قد تقتضي التحريم، كما لو كان استبقاء الطعام لحاجة، فإنه لا يجب بذله إلا عند الضرورة.

قوله: (و يجبر على البيع لا التسعير على رأي).

(1) هذا أصح، لأن الناس مسلطون على أموالهم، إلّا أن يجحف في طلب الثمن، أو يمتنع من تعيينه.

____________

(1) الكافي 5: 164 حديث 3، الفقيه 3: 168 حديث 746، التهذيب 7: 160 حديث 706 باختلاف يسير.

(2) الكافي 5: 165 حديث 7، الفقيه 3: 169 حديث 753، التهذيب 7: 159 حديث 703، الاستبصار 3: 114 حديث 405.

(3) الكافي 5: 164 حديث 3، الفقيه 3: 168 حديث 746، التهذيب 7: 160 حديث 706 باختلاف يسير.

(4) الكافي 5: 164 حديث 1، الفقيه 3: 168 حديث 744، التهذيب 7: 159 حديث 704، الاستبصار 3: 114 حديث 406.

43

[ج: لو دفع إليه مالا ليفرقه في قبيل و كان منهم]

ج: لو دفع إليه مالا ليفرقه في قبيل و كان منهم، فإن عين (1) اقتصر عليه، فان خالف ضمن و إن أطلق فالأقرب تحريم أخذه منه، (2) و يجوز أن يدفع إلى عياله (3) إن كانوا منهم.

[د: يجوز أكل ما ينثر في الأعراس مع علم الإباحة]

د: يجوز أكل ما ينثر في الأعراس (4) مع علم الإباحة، إما لفظا أو بشاهد الحال.

و يكره انتهابه، فان لم يعلم قصد الإباحة حرم.

[ه: الولاية من قبل العادل مستحبة]

ه: الولاية من قبل العادل مستحبة، و قد تجب إن الزم، أو افتقر في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

____________

قوله: (لو دفع إليه مالا ليفرقه في قبيل [و كان منهم] (1) فان عين.).

(1) فرع: لا تشترط العدالة في المفرّق، إلّا أن يكون التفريق واجبا.

قوله: (و إن أطلق فالأقرب تحريم أخذه منه).

(2) هذا أصح، للرواية (2)، و لأن المتبادر أن المدفوع إليه غير الدافع، إلّا أن تدل قرينة حالية أو مقالية على رضاه بأخذه منه جاز الأخذ، و يأخذ كأحدهم لا أزيد.

قوله: (و يجوز أن يدفع إلى عياله.).

(3) يجوز ذلك على كل واحد من القولين، لانتفاء المانع.

قوله: (يجوز أكل ما ينثر في الأعراس).

(4) مثله: ما ينثر في غيره من الولائم، كالختان و العقيقة و غيرهما، اعتمادا على شاهد الحال، و لو اعتيد أخذه و استقر العرف بذلك جاز الأخذ.

قوله: (و قد تجب إن الزم، أو افتقر في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إليها).

____________

(1) لم ترد في «م»، و أثبتناه من خطية القواعد لأن السياق يقتضيها.

(2) التهذيب 6: 352 حديث 1000، الاستبصار 3: 54 حديث 176.

44

إليها. (1)

و تحرم من الجائر، إلّا مع التمكن من الأمر بالمعروف (2) و النهي عن المنكر، أو مع الإكراه بالخوف على النفس أو المال أو الأهل أو بعض المؤمنين، فيجوز حينئذ اعتماد ما يأمره، إلّا القتل الظلم.

و لو خاف ضررا يسيرا بترك الولاية، كره له الولاية حينئذ.

[و: جوائز الجائر إن علمت غصبا حرمت]

و: جوائز الجائر إن علمت غصبا حرمت، و تعاد على المالك إن قبضها، فان جهله تصدق بها عنه، (3) و لا تجوز إعادتها إلى الظالم اختيارا. (4)

____________

(1) ظاهره قصر الوجوب على الأمرين، و ليس كذلك، فلو لم يعلم به الامام و كان أعلم من في القطر، وجب إعلامه بنفسه، لوجوب ذلك على الكفاية و انحصاره فيه.

قوله: (و تحرم من الجائر، إلّا مع التمكن من الأمر بالمعروف.).

(2) إذا علم ذلك علما يقينيّا، كما صرح به في المنتهى (1)، و أمن إدخال الجائر له فيما لا يجوز، و بدون ذلك يحرم.

قوله: (فان جهله تصدق بها عنه).

(3) ينبغي أن يكون ذلك بعد اليأس من الوصول إليه و إلى وارثه بعد موته، و هذا إذا لم يلتبس بجماعة محصورين، فإنه حينئذ يوقف حتى يصطلحوا.

قوله: (و لا تجوز إعادتها إلى الظالم اختيارا).

(4) أما اضطرارا فلا حرج، و الظاهر أنه يضمن على التقديرين، و لو علم بعد الأخذ و لم يقصر في الدفع إلى المالك و لا في الحفظ، و اتفق التلف أو أخذها الظالم كرها، ففي الضمان نظر.

____________

(1) المنتهى 2: 1024.

45

و الذي يأخذه الجائر من الغلات باسم المقاسمة، و من الأموال باسم الخراج (1) عن حقّ الأرض، و من الأنعام باسم الزكاة (2) يجوز شراؤه و اتّهابه، و لا تجب إعادته على أصحابه و إن عرفوا.

____________

قوله: (و الذي يأخذه الجائر من الغلّات باسم المقاسمة، و من الأموال باسم الخراج).

(1) المقاسمة هي: مقدار معين يؤخذ من حاصل الأرض نسبته إليه بالجزئية، كالنصف و الثلث. و الخراج: مقدار معين من المال يضرب على الأرض أو على البستان، كأن يجعل على كل جريب كذا درهما. و عبّر بقوله: (باسم المقاسمة) و (باسم الخراج) لأن ذلك لا يعد مقاسمة و لا خراجا حقيقة، إذ تحقق ذلك إنما يكون بأمر الإمام (عليه السلام). و لا فرق بين قبض الجائر إياها و إحالته بها إجماعا.

و لا يعتبر رضا المالك قطعا، لأن ذلك حق عليه لا يجوز له منعه بحال.

و الجائر و إن كان ظالما بالتصرف فيه، إلّا أن الإجماع من فقهاء الإمامية، و الأخبار المتواترة عن أئمة الهدى (1) دلت على جواز أخذ أهل الحق لها عن قول الجائر، تقصّيا من الحرج العظيم، فانّ حقّ التصرف في ذلك لأهل البيت (عليهم السلام)، و قد رفعوا الحجر من قبلهم. نعم لا يجوز أخذها بغير أمر الجائر قطعا.

و كذا ثمرة الكرم و البستان، صرّح به شيخنا الشهيد في حواشيه.

قوله: (و من الأنعام باسم الزكاة).

(2) خصّ الزكاة بالأنعام، و الظاهر أن زكاة الغلات و الأموال كذلك، و عبارة الدروس تتناولهما (2)، و في بعض الأخبار ما قد يتناولهما، و لا يخفى أن ذلك إنما يكون حيث لا يأخذ الجائر أزيد من الواجب. و هل يجوز أخذ الزكاة من الجائر لكل أحد و إن كان غنيا؟ ظاهر الأخبار و العبارات الإطلاق.

و هل تبرأ ذمة المالك من إخراج الزكاة مرة أخرى؟ يلوح- من تجويز

____________

(1) التهذيب 6: 337 حديث 937، 938.

(2) الدروس: 329.

46

[ز: إذا امتزج الحلال بالحرام و لا يتميز يصالح أربابه]

ز: إذا امتزج الحلال بالحرام و لا يتميز يصالح أربابه، فإن جهلهم أخرج خمسه إن جهل المقدار (1) و حلّ الباقي.

[ح: لا يحلّ للأجير الخاص العمل لغير من استأجره إلّا باذنه]

ح: لا يحلّ للأجير الخاص العمل لغير من استأجره إلّا باذنه، و يجوز للمطلق. (2)

____________

الأخذ، و التعليل بكون دفع ذلك حقا واجبا على المالك- ذلك، كما في الخراج و المقاسمة بغير فرق، فتعتبر هاهنا النية كما يعتبر في إخراج مطلق الزكاة. و يحتمل العدم، لأن الجائر ليس نائب الفقراء، فتتعذر النية، و لا يصح الإخراج بدونها.

قوله: (فان جهلهم أخرج خمسه إن جهل المقدار).

(1) يراعي في الجهل ما تقدم، و لو علم زيادته على الخمس أخرج بعد الخمس ما به تتحقق البراءة، و لو امتنع اليقين كفى غلبة الظن، و الخمس لأربابه، و الزيادة يتصدق بها.

قوله: (لا يحلّ للأجير الخاص العمل لغير من استأجره إلا بأذنه، و يجوز للمطلق).

(2) سيأتي إن شاء اللّه تعالى أن الأجير الخاص هو: الذي يستأجر لعمل مدة معينة بحيث يباشره بنفسه، و المطلق بخلافه. و إنما لم يجز للخاص أن يعمل بدون إذن المستأجر، لأن منافعه في [تلك المدة] (1) قد صارت مملوكة له، بخلاف المطلق. و إنما ذكر هذه هاهنا و إن كانت من مسائل الإجارة، لأنها من جملة الاكتسابات المحرمة.

فعلى هذا لو عمل بدون الإذن تبرعا، تخيّر المستأجر بين مطالبته بالمسمى مع دفعه إليه، و بأجرة المثل. و إن عمل بأجرة، فإن أجاز الإجارة الثانية فله المسمى الثاني، فإن رضي بالقبض أخذ من الأجير، و إلّا فمن المستأجر، و إن لم يجز تخير بين مطالبة الأجير بالمسمى و اجرة المثل و بين مطالبة مستأجره بأجرة المثل.

____________

(1) في «م»: ملك، و ما أثبتناه من الحجري، و هو الصحيح.

47

[ط: لو مرّ بثمرة النخل و الفواكه لا قصدا]

ط: لو مرّ بثمرة النخل و الفواكه لا قصدا، قيل: جاز الأكل دون الأخذ، و المنع أحوط. (1)

و لا يجوز مع الإفساد إجماعا، و لا أخذ شيء منها، و لو أذن المالك مطلقا جاز.

[ي: يحلّ ثمن الكفن]

ي: يحلّ ثمن الكفن، و ماء تغسيل الميت، و أجرة البدرقة. (2)

[يا: يحرم على الرجل أن يأخذ من مال ولده البالغ شيئا إلّا بإذنه]

يا: يحرم على الرجل أن يأخذ من مال ولده البالغ شيئا إلّا بإذنه، إلّا مع الضرورة المخوف معها التلف، مع غنائه أو إنفاق ولده عليه. (3)

و لو كان صغيرا أو مجنونا فالولاية له، (4)

____________

قوله: (قيل: جاز الأكل دون الأخذ، و المنع أحوط).

(1) الحق أنه لا يجوز، تمسكا بالدلائل القاطعة على تحريم مال المسلم إلّا عن طيب نفس منه، سوى بيوت من تضمنت الآية الأكل من بيوتهم (1). و القائل بالجواز الشيخ (2)، استنادا إلى بعض الأخبار (3) التي لا تنهض معارضا لدلائل التحريم.

قوله: (و اجرة البدرقة).

(2) هي: الخفارة.

قوله: (مع غنائه، أو إنفاق ولده عليه).

(3) أي: و يحرم ذلك مع أحد الأمرين، إلا عند خوف التلف، لأنه بمنزلة الأجنبي حينئذ، و مع انتفائهما يجوز أخذ مقدار النفقة على ما سيأتي.

قوله: (أو مجنونا فالولاية له).

(4) هذا إذا كان جنونه متّصلا بالحجر الواقع في صغره، فلو بلغ و صار رشيدا ثم جن، فإنّ الولاية عليه للحاكم.

____________

(1) النور: 61.

(2) قاله في النهاية: 370، و التهذيب 7: 92- 93.

(3) التهذيب 7: 93 حديث 393- 394، الاستبصار 3: 90 حديث 305، 306.

48

فله الاقتراض مع العسر و اليسر. (1)

و يجوز له أن يشتري من مال ولده الصغير لنفسه بثمن المثل- فيكون موجبا قابلا- (2) و أن يقوّم جاريته عليه و يطأها حينئذ. (3)

و للأب المعسر التناول من مال ولده (4) الموسر قدر مؤنته.

و يحرم على الولد أن يأخذ من مال والده شيئا، إلّا باذنه. (5)

و يحرم على الام أن تأخذ من مال ولدها شيئا و بالعكس، (6) إلّا مع الاذن، و ليس لها أن تقترض من مال ولدها الصغير.

____________

قوله: (فله الاقتراض مع العسر و اليسر).

(1) هل الجد كالأب في جواز الاقتراض مع العسر؟ يحتمل ذلك، لأنه أب.

قوله: (فيكون موجبا قابلا).

(2) الظاهر: أن هذا الحكم اتفاقي، و الجدّ في موضع يجوز له الاقتراض كالأب.

قوله: (و أن يقوّم جاريته عليه، و يطأها حينئذ).

(3) فيوقع البيع لنفسه هو متوليا طرفيه، و لا يحلّ وطؤها قبل ذلك.

قوله: (و للأب المعسر التناول من مال ولده.).

(4) لا فرق بين كون الولد صغيرا أو كبيرا، لكن لا بدّ في الكبير من إذنه، و مع امتناعه يستقل بالأخذ، و كذا كلّ من تجب نفقته يأخذ باذن المنفق، فان تعذّر فالحاكم، فان تعذّر استقل بالأخذ.

قوله: (و يحرم على الولد أن يأخذ من مال والده شيئا، إلّا بإذنه).

(5) إنما يحرم بالشرطين السابقين في الأب، إلّا عند الضرورة.

قوله: (و يحرم على الام أن تأخذ من مال ولدها شيئا و بالعكس).

(6) لا يخفى أن هذا بالقيود السابقة.

49

و يحرم على الزوجة أن تأخذ من مال زوجها بغير إذنه شيئا و إن قلّ، و يجوز لها أن تأخذ المأدوم و تتصدق به (1) ما لم تجحف، (2) إلّا أن يمنعها فيحرم. (3)

و ليس للبنت و لا للأخت و لا للام (4) و لا للأمة تناول المأدوم، إلّا مع الاذن.

و يحرم على الزوج أن يأخذ من مال زوجته شيئا، إلّا باذنه.

و لو دفعت إليه مالا لينتفع به، (5) كره له أن يشتري به جارية يطأها، إلّا مع الاذن.

____________

قوله: (و يجوز لها أن تأخذ المأدوم و تتصدق به، ما لم تجحف).

(1) هذا الحكم إجماعي، و به وردت النصوص (1). المأدوم هو: ما يؤتدم به، مثل: اللحم و الخل و الدهن، و ليس ببعيد دخول الفاكهة، و في بعض الأخبار من طرق العامة جواز الرطب (2).

قوله: (ما لم تجحف).

(2) يختلف الإجحاف باختلاف الحال.

قوله: (إلا أن يمنعها فيحرم).

(3) و لو ظهرت أمارات الكراهة فليس ببعيد القول بالتحريم.

قوله: (و ليس للبنت و لا للأخت و لا للام.).

(4) و إن كانت إحداهنّ متصرفة في أمور المنزل، لعدم النص على غير الزوجة.

قوله: (لو دفعت إليه مالا لينتفع به.).

(5) إنما كره ذلك، لأن فيه مقابلة نفعها له بإضراره بها، و لقول الصادق (عليه السلام)، و قد سأله الحسين بن المنذر: دفعت إليّ امرأتي مالا أعمل به،

____________

(1) المحاسن: 416 حديث 173، الكافي 6: 277 حديث 2، التهذيب 9: 95 حديث 413.

(2) سنن أبي داود 2: 131 حديث 1686.

50

[الفصل الثاني: في الآداب]

الفصل الثاني: في الآداب:

يستحب لطالب التجارة: أن يتفقه فيها أولا، و الإقالة للمستقيل، و إعطاء الراجح، و أخذ الناقص، و التسوية، (1) و ترك الربح للموعود بالإحسان (2) و للمؤمن- إلّا اليسير مع الحاجة- و التسامح في البيع و الشراء و القضاء و الاقتضاء، و الدعاء عند دخول السوق، و سؤال اللّه تعالى أن يبارك له فيما يشتريه و يخير له فيما يبيعه، و التكبير و الشهادتان عند الشراء. (3)

____________

فاشتري من مالها الجارية أطؤها، قال: فقال: «لا، أرادت أن تقرّ عينك و تسخن عينها» (1). أما مع الاذن فلا كراهية.

قوله: (يستحب لطالب التجارة: أن يتفقه فيها أولا، و الإقالة للمستقيل، و إعطاء الراجح، و أخذ الناقص، و التسوية).

(1) أي: بين المتبايعين على هذا الوجه، و هو: أن يجعل المماكس مثل غيره، و الصغير مثل الكبير، فلا يجعل سبب المفاوتة هي: المماكسة و نحوها. أما لو جعل سببها رعاية دينه، كرعاية الايمان و الفضل و التدين و نحو ذلك فهو حسن.

قوله: (و ترك الربح للموعود بالإحسان).

(2) أي: إذا قال لشخص: هلمّ أحسن إليك، يستحب له ترك الربح عليه.

قوله: (و التكبير و الشهادتان عند الشراء).

(3) يستحب: التكبير ثلاثا، و الدعاء عند الشراء، و ظاهر الحديث (2): أن ذلك بعد الشراء، و يظهر منه أن ذلك للمشتري، و أما الشهادتان فلم أجد التصريح بسنده.

____________

(1) الفقيه 3: 121 حديث 520، التهذيب 6: 347 حديث 976.

(2) الكافي 5: 156 حديث 1، الفقيه 3: 125 حديث 545، التهذيب 7: 9 حديث 33.

51

و يكره: الدخول أولا إلى السوق، و مدح البائع، و ذم المشتري، و كتمان العيب، (1) و اليمين على البيع، و السوم بين طلوع الفجر و الشمس، (2) و تزيين المتاع، و البيع في الظلمة، و التعرض للكيل و الوزن مع عدم المعرفة، و الاستحطاط بعد العقد، و الزيادة وقت النداء، (3) و الدخول في سوم المؤمن، (4) و أن يتوكل حاضر لباد. (5)

____________

قوله: (و كتمان العيب).

(1) إذا لم يكن خفيّا، و إلّا حرم، كالماء في اللبن، و قد سبق.

قوله: (و السوم بين طلوع الفجر و الشمس).

(2) لأنه وقت الدعاء و طلب الرزق.

قوله: (و الزيادة وقت النداء).

(3) أي: وقت نداء المنادي على السلعة، كما يظهر من الرواية (1)، بل يزيد إن شاء إذا سكت المنادي، و المعنى فيه وراء النص: ما يظهر منه من زيادة الحرص.

قوله: (و الدخول في سوم المؤمن).

(4) و قيل: يحرم (2)، و هو الأصح، لنهي النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) عنه (3)، و موضع الكراهة أو التحريم: ما إذا وقع التصريح من البائع بالرضى بالبيع، أو ظهرت امارته و سكنت نفسه.

قوله: (و أن يتوكل حاضر لباد).

(5) المراد به: أن يقول الحاضر للبادي و قد جلب السلعة: أنا أبيع لك، مريدا بذلك الاستقصاء بالثمن، و قد روي عن الباقر (عليه السلام)، أن رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله) قال: «لا يتلقّى أحدكم تجارة خارجا من المصر، و لا يبيع

____________

(1) الكافي 5: 305 حديث 8، الفقيه 3: 172 حديث 769، التهذيب 7: 237 حديث 994.

(2) ذهب اليه الشيخ في المبسوط 2: 160، و الراوندي في فقه القرآن 2: 45.

(3) الفقيه 4: 3.

52

و نهى النبي (عليه السلام): عن بيع حبل الحبلة و هو: البيع بثمن مؤجل إلى نتاج نتاج الناقة، و عن المجر و هو: بيع ما في الأرحام، و عن بيع عسيب الفحل و هو: نطفته، (1) و عن بيع الملاقيح و هي: ما في بطون الأمهات، و المضامين و هي: ما في أصلاب الفحول، و عن الملامسة و هو: أن يبيعه غير

____________

حاضر لباد، ذروا المسلمين يرزق اللّه بعضهم من بعض» (1). و الأصح التحريم، لظاهر النهي، و هو أحد قولي الشيخ (2)، و الآخر الكراهية (3)، للأصل.

و شرط المصنف في المنتهى للتحريم شروطا ثلاثة: أن يقصد الحاضر البادي ليتولى البيع له، و أن يكون البادي جاهلا بالسعر، و أن يكون قد جلب السلعة للبيع (4). و في اشتراط الأخيرين نظر، لإطلاق النص، نعم اشتراط الأول صحيح، فإنه لو لا ذلك لم تجز السمسرة له بحال، و قد قال في الدروس: لا خلاف في جواز السمسرة في الأمتعة المجلوبة من بلد الى بلد (5). و القروي كالبدوي في ذلك، بل البلدي إذا قدم من خارج، نظرا إلى العلة المومى إليها في الحديث، و هل يحرم الشراء له؟ قال في المنتهى بعدمه (6)، و هو قوي، للأصل.

قوله: (و عن بيع عسيب الفحل، و هو: نطفته (7)).

(1) الموجود في كلام المعتمدين: عسب (8) الفحل، قال في الجمهرة:

____________

(1) الكافي 5: 168 حديث 1، التهذيب 7: 158 حديث 697، و فيهما:. و لا يبيع حاضر لباد، و المسلمون يرزق اللّه بعضهم من بعض، الفقيه 3: 174 حديث 778،

(2) قاله في المبسوط 2: 160.

(3) قاله في النهاية: 375.

(4) المنتهى 2: 1005.

(5) الدروس: 333.

(6) المنتهى 2: 1005.

(7) صحيح البخاري 3: 122، 123، سنن أبي داود 3: 267 حديث 3429، سنن ابن ماجة 2: 731 حديث 2160، سنن الترمذي 2: 272 حديث 1291، مسند أحمد 1: 147.

(8) في «م» و الحجري: عسيب، و الصحيح ما أثبتناه للسياق.

53

مشاهد على أنه متى لمسه صحّ البيع، و عن المنابذة و هو: أن يقول إن نبذته إليّ فقد اشتريته بكذا، و عن بيع الحصاة و هو: أن يقول ارم هذه الحصاة فعلى أيّ ثوب وقعت فهو لك بكذا.

و قال (عليه السلام): لا بيع بعضكم على بعض، (1) و معناه: أن لا يقول الرجل للمشتري في مدة الخيار: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بأقل من الثمن، أو خيرا منها بالثمن، أو أقلّ.

____________

و العسب عسب (1) الفحل، إلى أن قال: و في الحديث: نهى عن عسب (2) الفحل: أي لا يؤخذ لضرابه كراء.

و في نهاية ابن الأثير: أنه نهى عن عسب (3) الفحل، عسب (4) الفحل:

ماؤه، فرسا كان أو بعيرا أو غيرهما، و عسبه أيضا: ضرابه، إلى أن قال: و إنما أراد النهي عن الكراء (5).

و في فائق الزمخشري: أن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) نهى عن عسب (6) الفحل، أي: عن كراء قرعه، و العسب: القرع، يقال: عسب الفحل الناقة يعسبها عسبا (7).

و الفرق بينه و بين الملاقح: أن المراد بها: النطفة بعد استقرارها في الرحم، و العسب هي: قبل استقرارها، و المجر أعم من كلّ منهما.

قوله: (و قال: لا يبع بعضكم على بعض).

(1) الحديث: «لا يبع أحدكم على بيع بعض» (8)، و هو للتحريم.

____________

(1) في «م»: عسيب، و ما أثبتناه من الجمهرة، و هو الصحيح.

(2) في «م»: عسيب، و ما أثبتناه من الجمهرة، و هو الصحيح.

(3) في «م»: عسيب، و ما أثبتناه من النهاية، و هو الصحيح.

(4) في «م»: عسيب، و ما أثبتناه من النهاية، و هو الصحيح.

(5) النهاية (عسب) 3: 234.

(6) في «م»: عسيب، و ما هنا عن الفائق، و هو الصحيح.

(7) الفائق (عسب) 2: 448.

(8) صحيح البخاري 3: 95، سنن أبي داود 3: 269 حديث 3436، مسند أحمد 2: 7، و نقله أيضا الشيخ في المبسوط 2: 160، و ابن أبي جمهور في العوالي 1: 133 حديث 22 باختلاف يسير.

54

و كذا لا ينبغي أن يقول للبائع (1) في مدة خياره: أنا أزيدك في الثمن.

و بيع التلجئة باطل، و هو: المواطاة على الاعتراف بالبيع من غير بيع خوفا من ظالم.

[المقصد الثاني في البيع]

المقصد الثاني في البيع:

و فصوله ثلاثة: (2) الصيغة، و المتعاقدان، و العوضان.

[الفصل الأول: الصيغة]

الفصل الأول: الصيغة: (3) البيع: انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مقدّر على وجه التراضي.

____________

قوله: (و كذا لا ينبغي أن يقول للبائع.).

(1) محصّله: الشراء على شراء غيره، و هو أيضا محرم، قال في المنتهى: المقتضي للنهي في البيع قائم في الشراء، و لأن أحدا من المسلمين لم يفرق بين الصورتين (1).

قوله: (و أركانه ثلاثة).

(2) ينبغي أن يكون مرجع الضمير في أركانه: هو المقصد لا البيع، لأن هذه ليست أركانا للبيع، إذ العوضان و المتعاقدان خارجة، نعم هي معتبرة كاعتبار الأركان.

قوله: (الأول: الصيغة).

(3) أي: بيان الصيغة، و لمّا كان الخوض في بيان صيغة البيع مسبوقا بمعرفة البيع، عرفه بقوله: (انتقال عين.) و هذا تعريف الشيخ في المبسوط (2)، و تبعه ابن إدريس (3)، و ردّه في المختلف (4) و اختار تعريف ابن حمزة، و هو: أن البيع عقد يدل على انتقال عين إلى آخره، محتجّا بأن المتبادر من البيع هو هذا (5)، و اعتذر

____________

(1) المنتهى 2: 1004.

(2) المبسوط 2: 76.

(3) السرائر: 212.

(4) المختلف: 347.

(5) الوسيلة: 270.