جامع المقاصد في شرح القواعد - ج7

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
395 /
7

[تتمة كتاب الغصب و توابعها]

تتمة كتاب الغصب و توابعها

[المقصد الثالث: في إحياء الموات]

المقصد الثالث:

في إحياء الموات (1)

____________

قوله: (المقصد الثالث: في إحياء الموات).

(1) قال في التحرير: الموات: هو ما لا ينتفع به لعطلته، إما لانقطاع الماء عنه، أو لاستيلاء الماء عليه (1) إلى آخره.

و في التذكرة: الموات: هي الأرض الخراب الدارسة، التي باد أهلها و اندرس رسمها، و تُسَمّىٰ ميتةً و مواتاً و مَوَتاً بفتح الميم و الواو (2). فظاهر عبارة التذكرة يقتضي أنّ كون الأرض مواتاً لا يتحقق إلا إذا اندرس رسمها، فعلىٰ هذا لو بقيت آثار الأنهار أو المروز لم تكن مواتاً.

و ظاهر أكثر العبارات أن كونها مواتاً دائر مع حصول العطلة عن الانتفاع.

و الذي ينساق إليه النظر أن موت الأرض معنى عرفي يرجع فيه إلى أهل العرف العام، كما أن الإِحياء أمر عرفي على الأصح، خلافاً لبعض متأخري الأصحاب حيث عَدَّ التحجير إحياءً (3)، و السرُّ فيه أن كل معنى لم يعيّنه الشارع، و لم يميزه عن غيره بحيث يُستفاد شرعاً عند إطلاق اللفظ الموضوع بإزائه، فإن المرجع فيه إلى المعهود عند الناس المتعارف بينهم.

و منه القبض، فإنه ورد في الشرع مطلقاً، و لم يُنَصّ له على معنىٰ، فيرجع الفقهاء فيه إلى الاستعمال المتعارف بين الناس، و كذا الحرز و نظائره

____________

(1) تحرير الأحكام 2: 130.

(2) التذكرة 2: 400.

(3) ذهب اليه الشيخ نجيب الدين ابن نما و نقله عنه الشهيد في الدروس: 291.

8

المشتركات أربعة، ينظمها أربعة فصول:

[الأول: الأراضي]

الأول: الأراضي، و الميت منها يملك بالإِحياء (1)، و نعني بالميت: ما خلا عن الاختصاص،

____________

فعلىٰ هذا يرجع في معنى موت الأرض إلى العرف، و العرف يقتضي عدم اعتبار بقاء صورة الأنهار و السواقي، مع حصول العطلة و اندراس أكثر رسوم العمارة و ذهاب الملاك.

فإن قيل: بقاء ما ذكر كافٍ في ثبوت الأولوية لمن يريد الإحياء، فلا أقل من بقاء الأولوية.

قلنا: إنما اعتبرت الأولوية بما ذكر، لوجود اليد الحاصلة فعلًا، المقترنة بعلامات قصد العمارة، فاعتبر الشارع سببيتها في الأولوية ثم لما قلنا من وجود المقارنات و هي منتفية هنا.

و بالجملة فإطلاق النص بالإذن في تملك الموات بالإحياء مُنَزّل على مقتضى العرف، و لا شبهة في اقتضاء العرف في تسمية ما هذا شأنه مواتاً، فإذا ثبتت الأولوية بالمرور و نحوها لمن يريد العمارة لم يُعترض على أحدهما بالآخر.

قوله: (المشتركات أربعة: تنظمها أربعة فصول: الأول:

الأراضي، و الميت منها يملك بالإحياء).

(1) لا شك أن بحث المياه استطرادي، لعدم صدق اسم الموات عليها.

و لقائل أن يقول: إنَّ هذا بعينه قائم في المعادن و المنافع. و كيف كان فهي أقرب إلى صدق اسم الموات عليها من المنافع كالمساجد و الطرق، فإن البئر و القناة إذا استولى عليهما الخراب و العطلة كانا أشبه شيء بالأرض الخراب، حيث لا يُنتفع فيما يراد منهما.

قوله: (و نعني بالميت ما خلا عن الاختصاص، و لا يُنتفع به

9

و لا ينتفع به إما لعطلته لانقطاع الماء عنه، أو لاستيلاء الماء عليه أو لاستيجامه، أو لغير ذلك. (1)

و هو للإمام خاصة، (2)

____________

إما لعطلته، لانقطاع الماء عنه أو لاستيلاء الماء عليه، أو لاستيجامه، أو لغير ذلك).

(1) احترز بما خلا عن الاختصاص عما كان مختصاً، لكونه حريماً لعامر، أو مقطعاً، و نحو ذلك.

و قوله: (و لا ينتفع به: إما لعطلته).

لا معادل له، فإن جميع ما بعده لتحقيق العطلة، فإنها تكون لكل واحد من الأمور المذكورة، و كان الأولى أن يقول: و لا ينتفع به لعطلته، لانقطاع الماء عنه أو لاستيلاء الماء عليه إلى آخره.

قوله: (و هو للإمام (عليه السلام) خاصة).

(2) بإجماعنا، في صحيح أبي خالد الكابلي، عن الباقر (عليه السلام) قال: «وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) (إِنَّ الْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (1) أنا و أهل بيتي الذين أورثنا الأرض، و نحن المتقون و الأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها، و ليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، و له ما أكل منها، و إن تركها أو خربها فأخذها رجل من المسلمين [من بعده] فعمّرها و أحياها فهو أحق بها من الذي تركها، فليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، و له ما أكل حتى يظهر القائم (عليه السلام) من أهل بيتي بالسيف فيحويها و يخرجهم منها، كما حواها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و منعها، إلا ما كان في أيدي شيعتنا فيقاطعهم

____________

(1) الأعراف: 128.

10

لا يملكه الآخذ و إن أحياه ما لم يأذن له الإمام فيملكه- إن كان مسلماً- بالإحياء، و إلا فلا. (1)

____________

على ما في أيديهم، و يترك الأرض في أيديهم» (1).

قوله: (لا يملكه الآخذ و إن أحياه، ما لم يأذن له الإمام (عليه السلام) فيملكه إن كان مسلماً بالإحياء و إلا فلا).

(1) لا ريب أنه لا يجوز لأحد إحياء الموات إلا بإذن الإمام (عليه السلام)، و هذا الحكم مجمع عليه عندنا، و حديث ما وجد في كتاب علي (عليه السلام) دال عليه فيشترط إذنه في الإحياء، و كذا يشترط كون المحيي مسلماً، فلو أحياه الكافر لم يملك عند علمائنا و إن كان الإحياء بإذن الإمام (عليه السلام).

و في الشرائع: لو قيل يملكه مع إذن الإمام (عليه السلام) كان حسناً (2).

و يظهر من عبارة الدروس تنزيله على ما إذا أذن له في الإحياء للتملك (3)، و العبارة مطلقة. و الحق أن الإمام لو أذن له في الإحياء للتملك قطعنا بحصول الملك له، و إنما البحث في أن الإمام (عليه السلام) هل يفعل ذلك أم لا؟

نظراً إلى أن الكافر أهل له أم لا؟.

و الذي يفهم من الأخبار (4)، و كلام الأصحاب العدم، و ليس مرادهم أن الإمام (عليه السلام) يرخصه في التملك ثم لا يملّك قطعاً، و لا يخفى أن اشتراط إذن الإمام (عليه السلام) إنما هو مع ظهوره، أما في غيبته فلا، و إلّا لامتنع الإحياء.

____________

(1) الكافي 5: 279 حديث 5، التهذيب 7: 152 حديث 674، و ما بين المعقوفتين من المصدرين.

(2) شرائع الإسلام 3: 271.

(3) الدروس: 291.

(4) الكافي 5: 279 حديث 5، التهذيب 7: 148، 152 حديث 658 و 659، 674.

11

[و أسباب الاختصاص ستة]

و أسباب الاختصاص ستة:

[الأول: العمارة]

الأول: العمارة، فلا يملك معمور بل هو لمالكه، و إن اندرست العمارة (1) فإنها ملك لمعيّن أو للمسلمين، (2)

____________

و هل يملك الكافر بالإحياء في حال الغيبة؟ وجدت في بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا الشهيد على القواعد في بحث الأنفال من الخمس: أنه يملك به و يحرم انتزاعه منه. و هو محتمل، و يدل عليه أن المخالف و الكافر يملكان في زمان الغيبة حقهم من الغنيمة، و لا يجوز انتزاعه من يده إلّا برضى. و كذا القول في حقهم (عليهم السلام) من الخمس عند من لا يرى إخراجه بل حق باقي الأصناف المستحقين للخمس لشبهة اعتقاد حل ذلك، فالأرض الموات أولى، و من ثم لا يجوز انتزاع أرض الخراج من يد المخالف و الكافر، و لا يجوز أخذ الخراج و المقاسمة إلا بأمر سلطان الجور، و هذه الأمور متفق عليها.

و لو باع أحد أرض الخراج صح باعتبار ما ملك فيها و إن كان كافراً، فحينئذ فتجري العمومات- مثل قوله (عليه السلام) «من أحيى أرضاً ميتة فهي له» (1)- على ظاهرها في حال الغيبة، و يقصر التخصيص على حال ظهور الإمام (عليه السلام)، فيكون أقرب إلى الحمل على ظاهرها، و هذا متجه قوي متين.

قوله: (و أسباب الاختصاص ستة: الأول: العمارة، فلا يملك معمور بل هو لمالكه، و إن اندرست العمارة).

(1) المراد به ما جرى عليه العمارة و إن خرب الآن، و هو صريح قوله:

(و إن اندرست).

قوله: (فإنها ملك لمعيَّن أو للمسلمين).

(2) فإن العمارة أو الأرض

____________

(1) الكافي 5: 279 حديث 3، 4، التهذيب 7: 152 حديث 673 و فيها: (مواتا)، الكافي 5: 280 حديث 6، الاستبصار 3: 107 حديث 379 و فيهما: (ميتة).

12

إلا أن تكون عمارة جاهلية و لم يظهر أنها دخلت في يد المسلمين بطريق الغنيمة فإنه يصح تملكها بالإحياء. (1)

و لا فرق في ذلك بين الدارين، إلا أن معمور دار الحرب يملك

____________

المعمورة لأن المعمور أرض فيعاد الضمير إليه مؤنثاً بتأويل الأرض. و كون الملك لمعيّن من واحد و جماعة مخصوصين ظاهر، و كونه للمسلمين يتحقق في المفتوحة عنوة، أما غيرها فإنها مع موت صاحبها المعين يكون حقاً لورثته، و مع عدمهم لا تنتقل إلى المسلمين، بل إلى الإمام (عليه السلام)، كما صرح به الشيخ في المبسوط (1)، و المصنف في التحرير (2) و التذكرة (3).

قوله: (إلا أن تكون عمارة جاهلية و لم يظهر أنها دخلت في أيدي المسلمين بطريق الغنيمة فإنه يصح تملكها بالإحياء).

(1) لأنها إن علم دخولها في أيديهم بطريق الغنيمة كانت ملكاً لجميع المسلمين، سواء أخذت بالسيف أو بالصلح، على أن الأرض للمسلمين فلا يملكها المحيي بعد خرابها. أما إذا لم يعلم ذلك فالأصل عدم استحقاق جميع المسلمين لها، فيملكها المحيي لعموم «من أحياء أرضاً ميتة فهي له» (4). و أراد ب(العمارة الجاهلية) ما كان قبل أن تثبت يد المسلمين على تلك الأرض.

قوله: (و لا فرق في ذلك بين الدارين، إلا أنّ معمور دار

____________

(1) المبسوط 3: 269.

(2) تحرير الأحكام 2: 130.

(3) التذكرة 2: 403.

(4) الكافي 5: 279، 280 حديث 3، 4، 6، التهذيب 7: 152 حديث 673، الاستبصار 3: 107 حديث 379.

13

بما يملك به سائر أموالهم (1) و مواتها، التي لا يذب المسلمون عنها، فإنها تملك بالإحياء للمسلمين و الكفار، (2)

____________

الحرب يملك بما يملك به سائر أموالهم).

(1) المشار إليه ب(ذلك) هو عدم جواز ملك المعمور و إن اندرست العمارة. و لا ريب أن المعمور في دار الحرب تأتي فيه الأقسام الأربعة:

الأول: أن يكون معموراً في الحال.

الثاني: أن لا يجري عليه أثر العمارة ثم يخرب و مالكه موجود.

الثالث: أن يكون كذلك و لا مالك له لانقراض المالك و وارثه.

الرابع: أن يكون كذلك و لا يعرف له مالك.

ففي القسمين الأولين الحكم بعدم حصول الملك بالعمارة ظاهر كما في دار الإسلام، و لكن يملك ذلك بما يملك به سائر أموال الكفار من القهر و الغلبة و غير ذلك. و أما الثالث و الرابع فإن الأرض فيها للإمام (عليه السلام)، لا يجوز لأحد التصرف فيها إلا بإذنه عند علمائنا.

إذا تقرر هذا، فالمعمور في قول المصنف: (إلا أن معمور دار الحرب): إما أن يريد به المعمور في الحال، أو ما جرت عليه العمارة.

فإن أراد الأول دخل باقي الأقسام في حكم الموات، و ليس بجيد، و إن أراد الثاني شمل القسمين الأخيرين فيخرجان من حكم الموات، و ليس بجيد أيضاً.

قوله: (و مواتها التي لا يذب المسلمون عنها فإنها تملك بالإحياء للمسلمين و الكفار).

(2) المراد: أن الموات

14

بخلاف موات الإسلام فإن الكافر لا يملكها بالإحياء. (1)

و لو استولى طائفة من المسلمين على بعض مواتهم ففي اختصاصهم بها من دون الإحياء نظر، ينشأ من انتفاء أثر الاستيلاء فيما ليس بمملوك. (2)

____________

الذي لا يذب الكفار المسلمين عنه و لا يمنعونهم منه، و هو في دار الحرب تملك بالإحياء للكافر و المسلم، لكن ينبغي (1) أن يقيد إحياء المسلم له بكونه بإذن الإمام (عليه السلام)، لأن حكم موات بلاد الكفار حكم موات بلاد الإسلام، نعم ينبغي أن لا يشترط ذلك في حق الكافر، فيعتبر إحياؤه قبل الفتح كما يعتبر أصل أحيائهم للأرضين. و يمكن عدم اعتباره من دون الإذن، لأن الإحياء إنما يثمر الملك في من لم يكلف باستئذان الإمام (عليه السلام) و هو من لم تبلغه الدعوة، أما من بلغته فلا.

و إطلاق عبارة التذكرة يقتضي الاشتراط، فإنه قال في أرض بلاد الكفار: و إن لم تكن معمورة فهي للإمام (عليه السلام)، لا يجوز لأحد التصرف فيها إلا بإذنه عند علمائنا، لكن يلزم على هذا أن لا يجوز تملكها للكافر بالإحياء أصلًا كموات الإسلام (2)، فيظهر من هذا أن مواتهم قبل الفتح إذا أحيوه ملكوه على كل حال و التحق بالمعمور.

قوله: (بخلاف موات الإسلام فإن الكافر لا يملكها بالإحياء).

(1) لما قدمناه، و هذا دليل على عدم اعتبار الإذن في تملكه موات الكفار.

قوله: (و لو استولى طائفة من المسلمين على بعض مواتهم، ففي اختصاصهم بها من دون الإحياء، نظر، ينشأ من انتفاء أثر الاستيلاء فيما ليس بمملوك).

(2) فلا يفيد ملكاً و

____________

(1) في «ه»: لا ينبغي.

(2) التذكرة 2: 401

15

و كل أرض لم يجر عليها ملك لمسلم فهي للإمام، و ما جرى عليها ملك مسلم فهي له و بعده لورثته، و إن لم يكن لها مالك معيّن فهي للإمام.

و لا يجوز إحياؤها إلا بإذنه، فإن بادر و أحياها بغير إذنه لم يملكها، (1)

____________

لا اختصاصاً، و يحتمل إفادته الملك في المعمور، ففي الموات أولى، و يحتمل إفادته الاختصاص لأنه أبلغ من التحجير.

و الاحتمالان الأخيران ضعيفان، لأن حصول الملك أو الاختصاص دائر مع حصول الأثر في الموات، و هو منتفٍ بناءً على أن في هذا البحث من أصله نظراً، فإن الاستيلاء المذكور إما أن يكون بإذن الإمام (عليه السلام)، فتكون الأرض مفتوحة عنوة و مواتها للإمام (عليه السلام)، أو بغير إذنه فهو غنيمة من غزا بغير إذنه، و قد نبه على ذلك شيخنا الشهيد (1). و الاحتمالات الثلاث للشافعية (2).

و اعلم أن قوله: (و لو استولى طائفة.) في مقابلة قوله: (و مواتها التي لا يذب المسلمون عنها.) فإن المراد بالاستيلاء الأخذ بالغلبة و القهر.

قوله: (و كل أرض لم يجر عليها ملك لمسلم فهي للإمام (عليه السلام)، و ما جرى عليها ملك مسلم فهي له، و بعده لورثته، و إن لم يكن لها مالك معين فهي للإمام (عليه السلام)، و لا يجوز إحياؤها إلا بإذنه، فإن بادر و أحياها بغير إذنه لم يملكها).

(1) المراد: أن كل أرض من أراضي بلاد الإسلام، لأن أراضي بلاد الكفر

____________

(1) الدروس: 292.

(2) انظر: مغني المحتاج 2: 362- 363، و الوجيز 1: 241.

16

فإن كان غائباً كان أحق بها ما دام قائماً بعمارتها، فإن تركها فبادت آثارها فأحياها غيره كان الثاني أحق بها، و للإمام بعد ظهوره رفع يده. (1)

____________

إذا جرى عليها ملك الكافر فهي له و إن كان بالإحياء، و لا تكون للإمام (عليه السلام) بل ينظر حالها باعتبار جريان أحكام المسلمين عليها من كونها عنوةً، أو صلحاً، أو أسلموا عليها طوعاً.

قوله: (فإن كان غائباً كان أحق بها ما دام قائماً بعمارتها، فإن تركها فبادت آثارها فأحياها غيره كان الثاني أحق بها، و للإمام بعد ظهوره رفع يده).

(1) أي: فإن كان الإمام غائباً كان المحيي أحق بالأرض ما دام قائماً بعمارتها.

قال في التذكرة: و لا يملكها بذلك، فإن تركها فبادت آثارها كان الثاني أحق بها (1)، و لم يذكر على ذلك دليلًا مع أنه قال قبل ذلك: لو لم تكن الأرض التي من بلاد الإسلام معمورة في الحال، و لكنها كانت قبل ذلك معمورة أجرى عليها ملك مسلم، فإما أن يكون الملك معيناً أو لا، فالمعين: إما ينتقل إليه بالشراء و شبهه، أو بالإحياء، و الأول لا يملك بالإحياء بلا خلاف. و إن ملكها بالإحياء ثم تركها حتى عادت مواتاً: فعند بعض علمائنا أنه كالأول. ثم حكى القول ملكاً للثاني و اختاره (2) فيجيء هنا كلامان:

الأول: أن هذا الموات المحيي في الأصل للإمام (عليه السلام)، فإن كان حال ظهوره فلا بد من إذنه ليملكه المحيي فكيف استحق آخر ملكه بعد عوده خراباً إذا أحياه مع ملك الأول له بإذن الإمام؟ و إن كان في حال الغيبة

____________

(1) التذكرة 2: 401.

(2) التذكرة 2: 401.

17

..........

____________

فكيف يملكه واحد منها خصوصاً الثاني، مع أنه ملك الإمام (عليه السلام)، فإن كان الموت سبباً في التملك بالإحياء فهو قائم في الموضعين، و إن كان المانع حق الإمام (عليه السلام) فهو في الموضعين حق أيضاً مع زيادة أخرى في المتنازع و هو ثبوت ملك مسلم عليها قبل ذلك.

الثاني: إنا لا نجد دليلًا في النصوص يدل على التفرقة التي ادعاها بين الأرض التي انقرض مالكها فخربت، و غيرها من الموات، فإن النصوص دالة على أن الجميع للإمام (عليه السلام)، و تدل بإطلاقها على من أحيا أرضاً ميتة في غير حق مسلم فهي له (1).

إذا عرفت هذا فنعود إلى تحرير هذه المسألة فنقول: الدليل على ثبوت الملك للثاني فيما إذا ملك الأول الموات بالإحياء ثم طرأ الموت بعد ذلك قول الصادق (عليه السلام) «أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها و كرى أنهارها و عمّرها فإن عليه فيها الصدقة، فإن كانت لرجل قبله فغاب عنها و تركها و أخربها ثم جاء بعد فطلبها فإن الأرض للّٰه عز و جل و لمن عمرها» (2).

و هذا القول مشهور بين الأصحاب. قال في التذكرة: و لا بأس به عندي (3). و يلوح من كلام ابن إدريس أن الأول أحق و له انتزاعها (4). و يدل عليه قول الصادق (عليه السلام) في رواية سليمان بن خالد، و قد سأله عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمّرها و يزرعها فما ذا عليه؟ قال: «الصدقة» قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: «فليؤد إليه حقه» (5). و هو ظاهر في أداء الأرض إليه لأنها حقه، و لأنه لو حمل على

____________

(1) نحو ما في الكافي 5: 279 حديث 5، التهذيب 7: 148 حديث 658.

(2) الكافي 5: 279 حديث 2، التهذيب 7: 152 حديث 672.

(3) التذكرة 2: 401.

(4) السرائر: 247.

(5) التهذيب 7: 148 حديث 658.

18

و ما هو بقرب العامر من الموات يصح إحياؤه إذا لم يكن مرفقاً للعامر، و لا حريماً. (1)

____________

الطسق (1) يحصل المراد، لأنه فرع الملك و لإطلاق قوله (عليه السلام) «من أحيا أرضاً ميتةً فهي له». و اللام تقتضي الملك، و خروج الملك يحتاج إلى سبب ناقل و هو محصور، و ليس من جملة الأسباب الخراب، و لأن ما ملك ببيع أو إرث و نحوهما لا يخرج عن الملك بخرابه، صرح به في التذكرة (2) و الظاهر أنه اتفاقي، فكذا ما هنا للاستواء في الملك، و لأن مطلق الملك لا بد أن ينتهي إلى الإحياء، و هذا متين.

و في الدروس: جواز إحياء المملوك إذا خرب، و لم ينتفع به مالكه، و لم يأذن لغيره إذا أذن الحاكم، و للمالك طسقها، قال: فإن تعذر الحاكم فالظاهر جواز الإحياء مع الامتناع من الأمرين و عليه طسقها (3). و لا ريب أن للإمام بعد ظهوره رفع يد المحيي لأنه ملك له. [فإن قيل فكيف يملكها المحيي.

قلنا: لا يمتنع أن يملكها ملكاً متزلزلًا فإذا ظهر (عليه السلام) فسخه] (4).

قوله: (و ما هو بقرب العامر من الموات يصح إحياؤه إذا لم يكن مرفقاً لعامر و لا حريماً).

(1) هذا كالمستدرك، لأنه سيأتي إن من أسباب الاختصاص المانعة من الإحياء كون الموات حريماً لعامر، فإن المرفق- و هو ما يرتفق به- من جملة الحريم.

____________

(1) الطسق: الوظيفة من خراج الأرض. الصحاح 4: 1517 «طسق».

(2) التذكرة 2: 401.

(3) الدروس: 292.

(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في «ه».

19

[الثاني: اليد]

الثاني: اليد، فكل أرض عليها يد مسلم لا يصح إحياؤها لغير المتصرف. (1)

[الثالث: حريم العمارة]

الثالث: حريم العمارة، فإذا قرّر البلد بالصلح لأربابه لم يصح إحياء ما حواليه من الموات من مجتمع النادي، و مرتكض الخيل، و مناخ الإبل، و مطرح القمامة، و ملقى التراب، و مرعى الماشية، و ما يعد من حدود مرافقهم، و كذا سائر القرى للمسلمين، و الطريق، و الشرب، و حريم البئر، و العين. (2)

____________

قوله: (الثاني: اليد، فكل أرض عليها يد مسلم لا يصح إحياؤها لغير المتصرف).

(1) لأن ظاهر اليد يقتضي الملك، و هذا القدر كافٍ في منع الغير من الإحياء و إن لم يعلم وجود سبب الملك، و لكن يشترط أن لا يعلم أن إثبات اليد بغير سبب مملك و لا أولوية، فإن علم ذلك لم تكن تلك اليد معتبرة، فيجب تقييد إطلاق العبارة.

و احتمل في الدروس حصول الملك به أو الأولوية تنزيلًا له منزلة الاستيلاء، ثم استقرب المنع معلّلًا بأن الاستيلاء سبب في ملك المباحات المنقولة و الأرضين المعمورة (1)، و الأمران منتفيان هنا.

قوله: (الثالث: حريم العامرة، فإذا قرر البلد بالصلح لأربابه لم يصح إحياء ما حواليه من الموات من مجتمع النادي، و مرتكض الخيل، و مناخ الإبل، و مطرح القمامة، و ملقى التراب، و مرعى الماشية، و ما يعد من حدود مرافقهم، و كذا سائر القرى للمسلمين، و الطريق، و الشرب، و حريم البئر، و العين).

(2) السبب الثالث من أسباب الاختصاص المانعة من إحياء الموات كونه

____________

(1) الدروس: 292.

20

..........

____________

حريماً للعامر، فإن حريم العامر- كنفس العامر- لا يملك بالإحياء، لأن مالك العامر استحقه لأنه من مرافقه و مما يتوقف كمال انتفاعه عليه، و ذلك مثل مجتمع النادي.

قال في الصحاح: الندي، على وزن فعيل: مجلس القوم و متحدثهم، و كذلك الندوة و النادي و المنتدي، فإن تفرق القوم فليس بندي (1). فعلى هذا إذا أضيف إليه مجتمع أريد بالنادي نفس القوم المتحدثين، و كذا مرتكض الخيل، و هو الموضع المعد لركضها فيه إذا أريد ذلك، و كذا مناخ الإبل بضم أوله من أناخ و كذا مطرح القمامة و هو بضم القاف: الكناسة، ذكره في القاموس (2): و الكناسة بالضم أيضاً، و كذا الطريق للعامر و شربه، و حريم بئره و عينه، و سائر ما يعدّ من مرافقهم عادة، و منه مرعى الماشية، و المحتطب، و المحتش، و ملعب الصبيان، و مطرح الرماد و السماد، و بالجملة فكل ما جرت العادة به. و لا تقدير في المحتطب، و المحتش، و المرعى إلا ما جرت العادة بالوصول إليه، و لو بعد جدّاً بحيث لا يطرقونه إلا نادراً فليس من الحريم.

و إنما يمنع من إحياء قدر ما تندفع به الحاجة، أما ما زاد فلا. و لو أراد أحد إحياء ما يقرب من القرية و يكون الحريم من ورائه فالظاهر الجواز إذا لم يلزم ضيق في الحريم، و لو لا ذلك لم تتصوَّر سعة البلد إلا إذا نزل أهلها دفعة واحدة، و هو غير معلوم الوقوع، و لا فرق في ذلك بين كون القرية لأهل الذمة أو للمسلمين، و إنما صوّر المصنف بتقرير البلد بالصلح لأنه إذا ثبت الحكم هاهنا ثبت في قرى المسلمين بطريق أولى.

و الأصل في عدم جواز إحياء الحريم النص،- مثل قوله (عليه السلام):

____________

(1) الصحاح (ندي) 6: 2505.

(2) القاموس المحيط (فمم) 4: 272.

21

و يجوز إحياء ما قرب من العامر مما لا تتعلق به مصلحته. (1)

و حد الطريق لمن ابتكر ما يحتاج إليه في الأرض المباحة خمس أذرع، و قيل سبع، فيتباعد المقابل ذلك، (2)

____________

«من أحيى أرضاً ميتة في غير حق مسلم فهي له» (1) و هذه حقوق و لهذا يدخل الطريق و الشرب في بيع الأرض و نحو ذلك- و الإجماع.

قال في التذكرة: لا نعلم خلافاً بين فقهاء الأمصار أن كل ما يتعلق بمصالح العامر أو بمصالح القرية كقناتها، و مرعى ماشيتها لا يصح لأحد إحياؤه و لا يملك بالإحياء (2).

قوله: (و يجوز إحياء ما قرب من العامر مما لا يتعلق به مصلحة).

(1) علله في التذكرة بأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أقطع بلال بن الحرث المزني العقيق (3) و هو يعلم أنه بين عامر المدينة (4).

قوله: (و حد الطريق لمن ابتكر ما يحتاج إليه في الأرض المباحة خمسة أذرع، و قيل: سبع، فيتباعد المقابل ذلك).

(2) أي: و حد الطريق في حق من ابتكر ما يحتاج إليه في أرض مباحة من مسكن، و مزرع، و غيرهما إذا دعت الحاجة إلى الطريق لمن سبقه بالإحياء في ذلك الموضع، الذي يريد الإحياء فيه أو بقربه و إن لم يكن قد حصل استطراقهم قدر خمس أذرع عند الأكثر.

____________

(1) صحيح البخاري 3: 139- 140، سنن البيهقي 6: 142، الكافي 5: 279 حديث 5، التهذيب 7: 148 حديث 658.

(2) التذكرة 2: 410.

(3) سنن البيهقي 6: 151.

(4) التذكرة 2: 410.

22

..........

____________

و قال الشيخ (1) و ابن إدريس: سبع أذرع (2)، و اختاره المصنف في المختلف (3) و التذكرة (4)، و شيخنا في الدروس (5). فحينئذ يجب أن لا يحيي نفس الطريق، و يجب على مقابله أن يتباعد عن موضع إحياء الأول ذلك القدر، فيكون أثر تقدير الطريق إنما هو في حق المقابل خاصة، فلذلك فرَّع المصنف قوله: (فيتباعد المقابل ذلك) على قوله: (و حد الطريق لمن ابتكر.) و هذا إنما هو حيث يتأخر إحياء المقابل عن المبتكر، فإن تساويا في زمان الإحياء وجب على كل منهما التباعد عن الآخر بحيث يبقى القدر المذكور سليماً عن الإحياء. و لو استطرق الناس أكثر من النصاب: فالممنوع من إحيائه هو قدر النصاب.

و لا يخفى ما في قوله: (و حدُّ الطريق لمن ابتكر.) من إيهام غير المراد لأن المتبادر منه أن حد الطريق لهذا المحيي، و ليس بمراد قطعاً لأنه بصدد بيان حد الطريق مطلقاً، و لا يستقيم معنى: (فيتباعد المقابل ذلك) إلا بتكلف كثير.

إذا عرفت ذلك فوجه القول الأول رواية أبي العباس البقباق عن الصادق (عليه السلام) حيث قال: «إن الطريق عند التشاحّ خمس أذرع» (6).

و وجه الثاني رواية مسمع بن عبد الملك عن الصادق (عليه السلام) قال:

«قضى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)» إلى أن قال: «و الطريق إذا تشاحَّ أهله

____________

(1) النهاية: 418.

(2) السرائر: 247.

(3) المختلف: 475.

(4) التذكرة 2: 414، و اختار فيها خمس أذرع لا سبع.

(5) الدروس: 294.

(6) التهذيب 7: 130 حديث 570.

23

و حريم الشرب مقدار مطرح ترابه و المجاز على طرفيه.

و لو كان النهر في ملك الغير فتداعيا الحريم قضي له مع يمينه على إشكال. (1)

____________

عليه فحده سبع أذرع» (1). و كذا موثقة السكوني عن الصادق (عليه السلام) (2).

و ننزل الأولى على ما إذا لم تدع الحاجة إلى أزيد من خمس إن لم يلزم منه إحداث قول ثالث، فإن لزم فالعمل على السبع، لأن الضرورة تدعو كثيراً إليها عند ازدحام الأحمال و عبور القوافل.

قوله: (و حريم الشرب: مقدار مطرح ترابه، و المجاز على طرفيه)

(1) أصل الشرب بكسر أوله: الحظ من الماء، في المثل آخرها أقلّها شرباً، و المراد به هنا: النهر، و حريمه ما ذكره، فإنّ حفره و تنقيته و المجاز على جانبيه أمر مطلوب عادة.

قوله: (و لو كان النهر في ملك الغير فتداعيا الحريم قضي له بيمينه على إشكال).

(2) أي: قضي للغير الذي هو صاحب الملك. و المراد به إذا كان نفس النهر- و هو مجرى الماء- مملوكاً لغير صاحب الملك لكنه وقع في ملك الغير.

و منشأ الإشكال: من أن الحريم من جملة الأرض لا النهر، فيكون ملكاً لصاحب الأرض لأنها في يده، فعلى صاحب النهر البينة. و لأن ثبوت الحريم للنهر موقوف على التقدم في الإحياء أو المقارنة، و كلاهما غير

____________

(1) الكافي 5: 295 حديث 2، التهذيب 7: 144 حديث 642.

(2) الكافي 5: 296 حديث 8، التهذيب 7: 145 حديث 643.

24

و حريم بئر المعطن أربعون ذراعاً، و الناضح ستون (1)، و العين ألف في الرخوة و خمسمائة في الصلبة. (2)

____________

معلوم، و من أن الحريم من لوازم النهر لأن انفكاكه عنه إنما يكون عند تأخر مجيئه عن صاحب الملك و الأصل عدمه.

و يضعّف بأن استحقاق الحريم غير معلوم، و لا يد لصاحب النهر إلا على النهر، و إنما ليد صاحب الأرض و هي أقوى من اقتضاء النهر الحريم على بعض الحالات، فلا يترك المعلوم بالمحتمل، و الأقوى تقديم قول صاحب الملك بيمينه.

قوله: (و حريم بئر المعطن أربعون ذراعاً، و الناضح ستون).

(1) العطن و المعطن واحد الأعطان و المعاطن: و هي مبارك الإبل عند الماء تشرب عللا بعد نهل.

و الناضح: البعير يسقى عليه، ذكرهما في الصحاح (1). و لا ريب أن حريم البئر إنما يعتبر في الموات، فلا يجوز إحياء هذا القدر من جميع جوانب البئر بحفر بئر أخرى و لا غيره، و ما ذكره هو المشهور بين الأصحاب، و مستنده النص (2).

و قال ابن الجنيد: روي عن رسول اللّٰه (ص) قال: حريم البئر الجاهلية خمسون ذراعاً، و الإسلامية خمساً و عشرين ذراعاً. و قال: حريم الناضح قدر عمقها ممراً للناضح (3)، و العمل على المشهور.

قوله: (و العين ألف في الرخوة، و خمسمائة في الصلبة).

(2) فليس للغير استنباط

____________

(1) الصحاح (نضح) 1: 411، (عطن) 6: 2165.

(2) الكافي 5: 295، 296 حديث 2، 8، و التهذيب 7: 144 حديث 642، 643.

(3) نقله عنه العلامة في المختلف: 474.

25

و حريم الحائط في المباح مقدار مطرح ترابه لو استهدم (1)، و للدار مطرح ترابها و مصب الميزاب و الثلج و الممر في صوب الباب، (2)

____________

عين أخرى في هذا القدر، و مستنده النص (1) و إطباق الأصحاب. و روي فيمن أراد أن يحدث قناة إلى جنب قناة أنه يتباعد بمقدار أن لا يضر أحدهما بالآخر (2).

و روي أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قضى أن يكون بين القناتين في العرض إذا كانت أرضاً رخوة ألف ذراع، و إن كانت أرضاً صلبة يكون خمسمائة ذراع (3).

و حدّه ابن الجنيد بما ينتفي معه الضرر، و مال إليه المصنف في المختلف (4). و التمسك بالنصوص هو المناط في ذلك.

قوله: (و حريم الحائط في المباح مقدار مطرح ترابه لو استهدم).

(1) لأن الحاجة تمسّ إليه عند سقوطه.

قوله: (و للدار مطرح ترابها، و مصب الميزاب و الثلج، و الممر في صوب الباب).

(2) لا ريب أن مطرح تراب الدار، و رمادها، و الثلج، و مسيل مياها إن احتيج إليهما. و الممر في صوب الباب، أي في الصوب الذي يفتح إليه الباب مما تستدعيه الحاجة عادة.

____________

(1) الكافي 5: 296 حديث 6، الفقيه 3: 58 حديث 207، التهذيب 7: 145 حديث 644، و فيها: (البئر) بدل (العين).

(2) انظر: الكافي 5: 293، 294 حديث 5، 7، الفقيه 3: 58، 150 حديث 205، 659، التهذيب 7: 145، 146 حديث 644، 647.

(3) الفقيه 3: 150 حديث 660.

(4) المختلف: 474.

26

هذا في الموات. و لا حريم في الأملاك لتعارضها. (1)

و لكل واحد أن يتصرف في ملكه كيف شاء، و لو تضرر صاحبه فلا ضمان، فلو جعل ملكه بيت حدّاد، أو قصّار، أو حمّام على خلاف العادة فلا منع. (2)

____________

و ليس المراد من استحقاق في صوب الباب استحقاق الممر في قبالة الباب على امتداد الموات، بل يجوز لغيره إحياء ما قابله الباب إذا بقي له الممر، فإن احتاج إلى ازورار و انعطاف جاز، لأن الحاجة تمس إليه. ذكره في التذكرة (1). لكن ينبغي تقييده بما إذا لم يحصل ضرر كثير عادة، لاستدعائه إفراط طول الطريق و نحوه.

قوله: (هذا في الموات، و لا حريم في الأملاك لتعارضها).

(1) أي: هذا المذكور من تعيين الحريم بجنب كل واحد من المذكورات إنما هو في الموات، أما في الأملاك المتلاصقة فلا حريم لأحدها بالنسبة إلى جاره لتعارضها، فإن كل واحد منها يقتضي حريماً بالنسبة إلى جاره و لا أولوية. و لأنه من الممكن شروعهم في الإحياء دفعة، فلم يكن لواحد على الآخر حريم.

قوله: (و لكل واحد أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، و لو تضرر به صاحبه فلا ضمان).

(2) لأن الناس مسلطون على أموالهم.

قوله: (فلو جعل ملكه بيت حداد، أو قصّار أو حمام على خلاف العادة فلا منع).

(3) قال في التذكرة: هذا إذا احتاط و أحكم الجدران بحيث يليق بما

____________

(1) التذكرة 2: 413.

27

و لو غرس في أرض أحياها ما يبرز أغصانه أو عروقه إلى المباح لم يكن لغيره إحياؤه، و للغارس منعه و إن كان في مبدأ الغرس. (1)

[الرابع: أن يكون مشعراً للعبادة كعرفة، و منى، و جمع]

الرابع: أن يكون مشعراً للعبادة كعرفة، و منى، و جمع و إن كان يسيراً لا يمنع المتعبدين. (2)

____________

يقصده فإن فعل ما يغلب على الظن أنه يؤدي إلى خلل في حيطان جاره ففي منعه تردد، فلو دق دقاً عنيفاً أحدث به نقصاً في جدران جاره، أو حبس الماء بحيث انتشرت منه النداوة إليها أو حصل ذلك من ماء الحمام ففي الضمان تردد (1).

قوله: (و لو غرس في أرض أحياها ما تبرز به أغصانه، أو عروقه إلى المباح لم يكن لغيره إحياؤه، و للغارس منعه و إن كان في مبدأ الغرس).

(1) لثبوت الأولوية للغارس نظراً إلى مقتضى العادة.

قوله: (الرابع: أن لا يكون مشعراً للعبادة كعرفة، و منى، و جمع و إن كان يسيراً لا يمنع المتعبدين).

(2) لأن الشارع وضعها موطناً للعبادة فلا يشرع تملكها لأنه يؤدي إلى تفويت هذا الغرض، و لتعلق حق المكلف به كما في المساجد و نحوها.

و جوّز ابن الجنيد إحياء اليسير الذي لا يضر بالمتعبدين (2)، و هو ضعيف.

____________

(1) التذكرة 2: 414.

(2) في النسخة الحجرية: ابن سعيد، و في النسخة الخطية «ه»: ابن الجنيد، و لم نجد من ينقل القول عن ابن الجنيد، بل ان المحقق الحلي قائل به، انظر شرائع الإسلام 3: 274.

28

[الخامس: التحجير]

الخامس: التحجير، و هو بنصب المروز، أو التحويط بحائط، أو بحفر ساقية محيطة، أو إدارة تراب حول الأرض أو أحجار (1) و لا يفيد ملكاً- فإن الملك يحصل بالإحياء لا بالشروع فيه، و التحجير شروع في الإحياء- بل يفيد اختصاصاً و أولوية (2)، فإن نقله إلى غيره صار أحق به، و كذا لو مات فوارثه أحق (3) به، فإن باعه لم يصح بيعه على إشكال، و يملك به التصرف، فله منع من يروم إحياءه،.

____________

قوله: (الخامس: التحجير: و هو نصب المروز، أو التحويط بحائط أو بحبل ساقية محيطة، أو إدارة تراب حول الأرض أو أحجار).

(1) المروز جمع مرز: و هو جمع التراب حول الموات، فيكون قوله:

(إدارة التراب) مستدركاً. و في عدّ التحويط بحائط من التحجير نظر، بل هو إحياء في نحو الحظيرة، فإن قصدها بالتحويط فلا بحث، و إلا ففيه تردد، و مال في التذكرة إلى أنه إحياء و إن قصد به السكنى (1).

قوله: (و لا يفيد ملكاً، فإنّ الملك يحصل بالإحياء لا بالشروع فيه، و التحجير شروع في الإحياء بل يفيد اختصاصاً و أولوية).

(2) خلافاً لابن نما (2).

قوله: (فإن نقله إلى غيره صار أحق به، و كذا لو مات فوارثه أحق).

(3) و إنما يكون ذلك بالصلح و الهبة، و كذا الحكم في كل ما يفيد أولويته و اختصاصه.

قوله: (فإن باعه لم يصح بيعه على إشكال، و يملك به

____________

(1) التذكرة 2: 412.

(2) نقله عنه الشهيد في الدروس: 292.

29

فإن قهره فأحياها لم يملك (1) ثم المحجر إن أهمل العمارة أجبره الإمام على الإحياء، أو التخلية عنها، فإن امتنع أخرجها السلطان من يده، فإن بادر إليها من أحياها لم يصح ما لم يرفع الإمام يده، أو يأذن في الإحياء. (2)

[السادس: إقطاع الإمام]

السادس: إقطاع الإمام، و هو متبع في الموات، فلا يجوز إحياؤه و إن كان مواتاً خالياً من التحجير، (3)

____________

التصرف، فله منع من يروم إحياءه، فإن قهره فأحياها لم يملك).

(1) ينشأ من أنه حق يقابل بمال، فتجوز المعاوضة عليه، فيجوز بيعه.

و لأن آثار التصرف في أرض الخراج يجوز بيعها، و من أن البيع يقتضي الملك و لا ملك ثمة، لأن التحجير لا يفيد ملكاً و إنما يفيد أولوية و اختصاصاً و الملك بالإحياء، و الأصح عدم الصحة.

قوله: (ثم المحجر إن أهمل العمارة أجبره الإمام (عليه السلام) على الإحياء أو التخلية عنها، فإن امتنع أخرجها السلطان من يده، فإن بادر إليها من أحياها لم يصح ما لم يرفع الإمام يده أو يأذن في الإحياء).

(2) هذا إذا بقيت آثار التحجير، فإن زالت آثاره بطلت الأولوية، و عادت الأرض مواتاً.

قوله: (السادس: إقطاع الإمام و هو متبع في الموات، فلا يجوز إحياؤه و إن كان مواتاً خالياً عن التحجير).

(3) المراد بكونه متبعاً وجوب اتباعه، بمعنى أن المقطع يصير أولى من غيره في الإحياء، كما يصير المحجَّر أولى بما يحجره، و لا يزاحمه الغير.

و لا يصح رفع هذا الاختصاص بالإحياء، و الإقطاع وحده كافٍ في حصول الأولوية و الاختصاص و إن لم يحصل تحجير، و الأصل في ذلك أن

30

كما أقطع النبي (عليه السلام) بلال بن الحارث العقيق، فلما ولي عمر قال له: ما أقطعته لتحجبه، فأقطعه الناس، و أقطع أرضاً بحضرموت، و أقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام فرمى بسوطه، (1)

____________

الموات ملك الإمام (عليه السلام) فيجوز له أن يقطعه الغير.

قوله: (كما أقطع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بلال بن الحارث العقيق، فلما ولي عمر قال له: ما أقطعته لتحجبه، فأقطعه الناس).

(1) العقيق: وادٍ بظاهر المدينة: أقطعه النبي بلال بن الحارث و استمر ذلك إلى ولاء عمر فقال له ما قال، لأنه لم يعمره (1). و أقطع أرضاً بحضرموت (2).

في التذكرة: قد أقطع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و إبل بن حجر أرضاً بحضرموت (3). و في القاموس: حضرموت بضم الميم: بلد: يقال: هذا حضرموت، و يضاف فيقال: هذا حضرموت بضم الراء، و إن شئت لا تنون الثاني (4).

قوله: (و أقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام فرمى بسوطه).

(2) حضر فرسه بالحاء المهملة و الضاد المعجمة: عدوه، يعني مقدار ما جرى، و المراد بقيامه: عجزه عن العدو. و إنما رمى بسوطه طلبا للزيادة.

و في الحديث أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «اقطعوا مرمى سوطه» (5).

____________

(1) سنن البيهقي 6: 145، سنن ابي داود 3: 173 حديث 3061، 3062، مسند أحمد 1:

306.

(2) سنن ابي داود 3: 173 حديث 3058، سنن الترمذي 3: 665 حديث 1381.

(3) التذكرة 2: 411، و انظر: سنن البيهقي 6: 144.

(4) القاموس المحيط (حضر) 2: 10.

(5) سنن البيهقي 6: 144، سنن ابي داود 3: 177 حديث 3072.

31

و هو يفيد الاختصاص. (1)

و ليس للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياؤه كالمعادن الظاهرة على إشكال (2)، و في حكم الإقطاع الحمى، (3)

____________

قوله: (هو يفيد الاختصاص).

(1) كالتحجير، فإن قام بعمارته و إلا فكما سبق في التحجير.

قوله: (و ليس للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياؤه كالمعادن الظاهرة على إشكال).

(2) المراد بالمعادن الظاهرة: ما يكون على وجه الأرض، و لا يتوقف الوصول إليها على عمل، و منشأ الإشكال: من عموم حاجة الناس إليها، و من أن النظر في ذلك إلى الإمام (عليه السلام).

و ربما بنى الحكم في هذا على أن المعادن له (عليه السلام)، و الناس فيها سواء. فعلى القول بأنها له: يجوز إقطاعها، و على الآخر: يحتمل الجواز و عدمه.

و قد يقال: لا يتصور الإقطاع في المعادن الظاهرة و إن قلنا إنها له (عليه السلام)، لأن الإقطاع إذا كان بمنزلة التحجير لا يتصور الإحياء فيها فلا يتصور التحجير، و لعل هذا أقرب.

و لا يقال: لأن الإقطاع قد يتصور في المجالس المتسعة فلم لا يمكن هنا؟

لأنا نقول: الإقطاع فيها للاتفاق في الجلوس و ذلك لا يتصور في المعادن، إذ لا يراد منها إلا التمليك، فينتفي.

قوله: (و في حكم الإقطاع الحمى).

(3) الأحكام التي تتعلق بالموات ثلاثة: التحجير، و الإقطاع، و الحمى.

32

و هو منع الإمام الناس عن رعي كلأ ما حماه في الأرض المباحة ليختص به دونهم (1)، كما حمى النبي (عليه السلام) النقيع (2). و للإمام أن يحمي لنفسه، و لنعم الصدقة و الضوال، و ليس لغيره ذلك. (3)

و لا يجوز نقض ما حماه الإمام و لا تغييره، و من أحيى منه شيئاً لم

____________

قوله: (و هو منع الناس عن رعي كلأ ما حماه في الأرض المباحة ليختص به دونهم).

(1) الرعي بفتح الراء مصدر، و لا ريب أن الحمى وقع من النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، و الإمام عندنا بمنزلته.

قوله: (كما حمى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) النقيع).

(2) بالنون: موضع قريب من المدينة كان يستنقع فيه الماء، أي:

يجتمع، و فيه أول جمعة جمعت في الإسلام بالمدينة في نقيع الخضمات.

و في حواشي الشهيد: النقيع هو ليس بالواسع في قبلة المدينة الشريفة صلوات اللّٰه على مشرفها و كان شجر سمي الغريز. و في الأثر أنه (صلى اللّٰه عليه و آله) حمى غرز النقيع (1). و سمي نقيعاً باستنقاع الماء فيه و الغرز. قال الجوهري: الغرز نبت من الثمام لا ورق له (2).

قوله: (و للإمام أن يحمي لنفسه و لنعم الصدقة و الضوال، و ليس لغيره ذلك).

(3) لأن الكلأ مشترك بين الناس فلا يختص به أحد، و الإمام خرج للدليل، و لأن الضرورة تدعو إلى ذلك لنعم الصدقة و غيرها.

قوله: (و لا يجوز نقض ما حواه الإمام و لا تغيره، و من أحيى منه

____________

(1) سنن البيهقي 6: 146.

(2) لم نعثر عليه في الصحاح، و في القاموس المحيط (غرز) 4: 184: و الغرز، محركة:

ضرب من الثمام، و نباته كنبات الإذخر من شر المرعى.

33

يملكه ما دام الحمى مستمراً (1)، فإن كان الحمى لمصلحة فزالت فالوجه جواز الإحياء. (2)

[الفصل الثاني: المنافع]

الفصل الثاني: المنافع، و هي الطرق، و المساجد، و الوقوف المطلقة كالمدارس، و الربط، و المشاهد. (3)

____________

شيئاً لم يملكه ما دام الحمى مستمراً).

(1) لأن في نقضه نقض حكم الإمام.

قوله: (فإن كان الحمى لمصلحة فزالت فالوجه جواز الإحياء).

(2) المراد: إذا كان الحمى مقصوراً على مصلحة خاصة فزالت، و وجه جواز الإحياء أن الأصل جواز الإحياء، و إنما منع منه الحمى لأمر خاص و قد زال، فلم يبق مانع.

و يحتمل البقاء، لأن حكم ذلك حكم من الإمام فلا يزول إلا بإزالته.

و يضعَّف بأنه حكم مقصور على أمر خاص فينتفي بانتفائه.

فإن قيل: إنما يجوز الإحياء بإذن الإمام، و إذا أذن زال الحمى فلا حاصل لهذا الفرع.

قلنا: قد يأذن الإمام (عليه السلام) في الإحياء مطلقاً فيكون شمول الإطلاق لهذا النوع فرع زوال الحمى، و عدمه فرع عدمه.

قوله: (الفصل الثاني: المنافع، و هي الطرق، و المساجد، و الوقوف المطلقة كالمدارس و الربط، و المشاهد).

(3) هو بضم الراء و الباء جمع رباط بكسر الراء، قال في الصحاح: الرباط واحد الرباطات المبنية (1).

____________

(1) الصحاح (ربط) 3: 1127.

34

و فائدة الطرق الاستطراق، و الجلوس غير المضر بالمارة، فإن قام بطل حقه و إن كان بنية العود قبل استيفاء غرضه، فليس له دفع السابق إلى مكانه. (1)

____________

قوله: (و فائدة الطرق الاستطراق، و الجلوس غير المضر بالمارة فإن قام بطل حقه، و إن كان بنية العود قبل استيفاء غرضه فليس له دفع السابق إلى مكانه).

(1) لإجماع الناس على ذلك في جميع الأصقاع و الأمصار. و لا فرق في الجلوس بين كونه للاستراحة، أو للمعاملة، أو لغيرهما. و لا يتقيد إلا بعدم الإضرار و التضييق على المارة فحينئذ يحرم، لأن حق الاستطراق هو المطلوب الأصلي.

و الظاهر أن هذا الحكم كما يثبت للمسلمين يثبت لأهل الذمة، لأن ما لهم للمسلمين، و به صرح في التذكرة (1).

فرع: قال في التذكرة: إذا جلس واحد في موضع من الشوارع و الأسواق فهو أحق من غيره مع عدم الضرر بالمارة، و ليس لغيره إزعاجه، و لو أزعجه أحد و قعد مكانه فعل حراماً و صار أولى به من الأول (2).

و يشكل بأن الأول قد استحق الانتفاع و صار أولى فكيف يسقط حقه؟

قوله: (فإن قام و رحله باقٍ فهو أحق به).

(2) قال في التذكرة: لو قام عنه بنية العود إليه في ذلك النهار و كان له فيه بساط أو متاع و شبهه لم يكن لأحد إزالته، و كان صاحب البساط و المتاع أولى به إلى الليل، لقول الصادق (عليه السلام): «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

سوق المسلمين كمسجدهم، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل».

____________

(1) التذكرة 2: 405.

(2) المصدر السابق.

35

و لو جلس للبيع و الشراء في الأماكن المتسعة فالأقرب الجواز للعادة، (1)

____________

قال: «و كان لا يؤخذ على بيوت السوق كرى» (1).

قلت: أراد بذلك توجيه الرواية بأن هذا لا يثبت في غير السوق المباح، و الظاهر أن المراد بالسوق: المواضع التي يجلس بها للبيع و الشراء من المباح، و ما جرى مجراه من الأسواق الموقوفة أو المأذون فيها عاماً.

و اعلم أن ظاهر الرواية الاستحقاق إلى الليل مطلقاً، من غير تقييد ببقاء متاع بعد المفارقة و عدمه، بل ليس فيها ذكر للمفارقة. و الذي يستفاد من مفهوم كلام التذكرة أن بقاء المتاع إلى الليل لا يفيد أولوية و هو مشكل، خصوصاً إذا جلس في الليل للبيع و الشراء.

قوله: (و لو جلس للبيع في الأماكن المتسعة فالأقرب الجواز، للعادة).

(1) ظاهر إطلاق (المتسعة) يتناول الطريق الواسع، فإن كانت سعته فوق النصاب فالزائد ليس بطريق، بل هو من جملة الرحاب، و حينئذ فلا وجه لقوله: (فالأقرب) إذ لا يتطرق احتمال المنع من الجلوس في مثل هذه، إذ ليس الغرض منها الاستطراق.

و لعله أراد ب(المتسعة): ما كان من الطرق غير مضر بالمارة، لانتفاء التضييق، فإنه حينئذ متسع للمرور و الجلوس: و فيه تكلف ظاهر، و وجه القرب استمرار العادة بذلك و انتفاء الضرر.

و يحتمل العدم، لأنه غير المنفعة المرادة من الطريق، و هو ضعيف، لأن المحكم في ذلك هو العرف و هو مطرد بما قلناه، و الفرض انتفاء الضرر

____________

(1) التذكرة 2: 405، و انظر الكافي 5: 155 حديث 1، و فيه: الكراء، الفقيه 3: 124 حديث 540، التهذيب 7: 9 حديث 31.

36

فإن قام و رحله باق فهو أحق به (1)، فإن رفعه بنية العود فالأقرب بطلان حقه و إن استضر بتفريق معامليه.

و لو ضاق على المارة، أو استضر به بعضهم منع من الجلوس. (2)

____________

فلا مانع.

قوله: (فإن قام و رحله باق فهو أحق به).

(1) مقتضى كلام التذكرة (1) أن الأحقية إلى الليل فقط لأنه غيَّا الأولوية إلى الليل.

قوله: (فإن رفعه بنية العود فالأقرب بطلان حقه و إن استضر بتفريق معامليه، و لو ضاق على المارة أو استضر به بعضهم منع من الجلوس).

(2) وجه القرب انتفاء الملك، و الأولوية قد زالت بقيامه و رفع متاعه.

و يحتمل بقاء حقه، لأن قطع ألفته من ذلك المكان فيه ضرر، مع أن ذلك قد يقتضي إلى تفرق معامليه حيث لم يجدوه في المكان المعهود، و ذلك من أشد الضرر، و لإطلاق الرواية السابقة.

و يضعّف بأنّ الضرر المنفي هو الذي لم يدل الدليل على عدم اعتباره، و هنا قد دل الدليل على ذلك، لأن منفعة الطرق مشتركة بين المسلمين، و السابق أحق، فإزعاجه ضرر غير مستحق، و الضرر لا يزال بالضرر.

و الرواية لا تدل على شيء بخصوصه، فتقيد بمقتضى غيرها من الدلائل.

و أراد بقوله: (إن استضر بتفريق معامليه) الرد على بعض العامة، حيث أبقى حقه ما دام لا تمتد غيبته إلى أن يقطع معاملوه ألفه معاملته و يستفتحون المعاملة مع غيره (2).

____________

(1) التذكرة 2: 405.

(2) قاله الجويني، انظر: المجموع 15: 225.

37

و ليس للسلطان إقطاع ذلك، و لا إحياؤه، و لا إحياؤه، و لا تحجيره. و له أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من بارية و ثوب، و ليس له بناء دكة. (1)

و لو استبق اثنان فالأقرب القرعة. (2)

____________

قوله: (و ليس للسلطان إقطاع ذلك و لا إحياؤه و لا تحجيره، و له أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من بارية و ثوب، و ليس له بناء دكة).

(1) لأن ذلك لا يجوز تملكه، فلا يجوز تحجيره و لا ما هو في معنى التحجير، لكن قال في التذكرة في خاتمة شروط الإحياء: إن للسلطان أن يقطع الجلوس في المواضع المتسعة في الشوارع، و فائدة الارتفاق بحيث إذا قام لم يكن لغيره الجلوس فيه (1). و أطلق هنا و غيره عدم الجواز (2)، و لا ريب أن جواز ذلك محتمل و إن لم ينقل مثله.

قوله: (و لو استبق اثنان فالأقرب القرعة).

(2) وجه القرب أن الحق الآن دائر بينهما لانحصار الأولوية فيهما، و لا يمكن الجمع بينهما فهو لأحدهما، لأن منعهما معاً باطل قطعاً، فحينئذ يقرع لأن في كل أمر مشكل القرعة.

و يحتمل العدم: لأن القرعة لتبيين المجهول عندنا إذا كان معيناً في نفس الأمر و ليس كذلك هنا، فيكون التعيين إلى الإمام (عليه السلام) بحسب المصلحة من أحوجية و نحوها. كما ذكره احتمالًا لبعض العامة (3) في التذكرة (4)، و وقع في بعض حواشي شيخنا الشهيد، و ليس بشيء، لأنا لا

____________

(1) التذكرة 2: 412.

(2) التحرير 2: 134.

(3) انظر: المجموع 15: 226، مغني المحتاج 6: 179.

(4) التذكرة 2: 405.

38

و أما المسجد فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، فإذا قام بطل حقه و إن قام لتجديد طهارة، أو إزالة نجاسة، و إن نوى العود، إلّا أن يكون رحله باقياً فيه. (1)

____________

نسلم انحصار القرعة فيما ذكر، و عموم الحديث ينافي ذلك، و الأصح القرعة.

قوله: (و أما المسجد فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، فإذا قام بطل حقه، و إن قام لتجديد طهارة أو إزالة نجاسة، أو نوى العود، إلا أن يكون رحله باقياً فيه).

(1) هذا هو المشهور، لانتفاء الملك و الأولوية، و اختار المصنف في التذكرة: أن من فارق مكانه في المسجد لإجابة داع، أو لرعاف، أو لقضاء حاجة، أو تجديد طهارة لا يبطل اختصاصه، للرواية السابقة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1).

قال: و تقييده (عليه السلام) ب(الليل) بناءً على الغالب، و لو أقام ليلًا و نهاراً لم يجز إزعاجه لصدق اسم السبق في حقه.

قال: و لا فرق بين أن يترك إزاره فيه و بين أن لا يتركه، و لا بين أن يطرأ العذر بعد الشروع في الصلاة أو قبله (2).

و فيما اختاره نظر، و الرواية لا دلالة فيها، إذ لا يمكن التمسك بظاهرها، لأنها تتناول من فارق لا بنية العود و لا متاع له فيحمل على أن المراد أحقيته (3) إذا لم يفارق أو إذا بقي رحله.

و اعلم أن المصنف في التحرير قال في كتاب الصلاة: إن الأولوية

____________

(1) الكافي 5: 155 حديث 1، الفقيه 3: 124 حديث 540، التهذيب 7: 9 حديث 31.

(2) التذكرة 2: 406.

(3) في «ه»: حقيقته.

39

و لو استبق اثنان و لم يكن الاجتماع أقرع. (1)

و لا فرق بين أن يعتاد جلوس موضع منه لقراءة القرآن أو لتدريس العلم، أو لا. (2)

و أما المدارس و الربط فمن سكن بيتاً ممن له السكنى لم يجز

____________

لا تحصل بالرحل في المسجد (1)، و هنا حكم بحصولها، و قد جمع بين الكلامين شيخنا الشهيد بحمل الأول على تقديم رحله عليه من غير استقرار، و الثاني على استقراره ثم يخرج (2)، و هو حمل مشكل، لأن من وصل إلى مكان فهو أحق به، نعم لو حمل الأول على من بعث برحله و لم يأت هو أمكن، و حينئذ فيندفع التنافي.

فرع: لو أزعج السابق إلى مكان مزعج فلا شك في إثمه، و هل يصير أولى؟ فيه بعد. فحينئذ هل تبطل صلاته لنهيه عن شغل المكان فإن الأولوية للأول هنا؟ هذا هو الوجه و لم أجد به تصريحاً.

قوله: (و لو استبق اثنان و لم يمكن الاجتماع أقرع).

(1) لا فرق بين الاستباق هنا و فيما قبله، فيجيء الاحتمال.

قوله: (و لا فرق بين أن يعتاد جلوس موضع منه لقراءة القرآن أو لتدريس العلم، أو لا).

(2) و قال بعض الشافعية: أنه إذا جلس لبعض هذه و قام قبل استيفاء غرضه بنية العود كان أولى (3)، و هو مردود.

قوله: (و أما المدارس و الربط فمن سكن بيتاً ممن له السكنى لم

____________

(1) التحرير 1: 43.

(2) الدروس: 296.

(3) انظر المجموع 15: 223، و الوجيز 1: 243.

40

إزعاجه و إن طال زمانه، ما لم يشترط الواقف مدة معينة فيلزم بالخروج عند انقضائها. (1)

و لو شرط على الساكن التشاغل بالعلم، أو قراءة القرآن، أو تدريسه فأهمل أخرج، و له أن يمنع من المشاركة في السكنى ما دام على الصفة (2)، فإن فارق لعذر أو غيره بطل اختصاصه، (3)

____________

يجز إزعاجه و إن طال زمانه، ما لم يشترط الواقف مدة معينة فيلزم بالخروج عند انقضائها).

(1) احتمل في الدروس في الساكن في المدرسة و بيت القرآن جواز الإزعاج عند انقضاء غرضه (1) و لو أدى طول المدة إلى التباس الحال بحيث يمكن لو ادعى الملك (أن يلتبس) (2) على الناس عدم صحة دعواه، احتمل جواز الإزعاج أيضاً لأنه يضر بالوقف.

قوله: (و لو شرط على الساكن التشاغل بالعلم، أو قراءة القرآن، أو تدريسه فأهمل أخرج، و له أن يمنع من المشاركة في السكنى ما دام على الصفة).

(2) لما في المشاركة من الأمور المكروهة.

قوله: (فإن فارق لعذر أو غيره بطل اختصاصه).

(3) احتمل في الدروس احتمالات:

الأول: بقاء حقه مطلقاً، لأنه باستيلائه جرى مجرى المالك.

الثاني: بقاؤه إن قصرت المدة دون ما إذا طالت، لئلا يضر بالمستحقين.

____________

(1) الدروس: 296.

(2) لم ترد في «ه».

41

و هل يصير أولى ببقاء رحله؟ إشكال. (1)

[الفصل الثالث: المعادن]

الفصل الثالث: المعادن، و هي قسمان: ظاهرة، و باطنة.

[أما الظاهرة]

أما الظاهرة: و هي التي لا تفتقر في الوصلة إليها إلى مؤنة كالملح،

____________

الثالث: بقاؤه إن خرج لضرورة و إن طالت المدة، لدعاء الضرورة إلى ذلك.

الرابع: بقاؤه إن بقي رحله أو خادمه، ثم استقرب تفويض الأمر إلى رأي الناظر (1).

قوله: (و هل يصير أولى ببقاء رحله؟ إشكال).

(1) ينشأ: من أنه وضع بحق سابق اقتضى الأولوية على غيره فلا يزال، و من أن المدرسة للسكنى لا لوضع الرحل، و إنما جاز وضعه تبعاً للسكنى، و قد زالت فيزول التابع. و فيه نظر، لأن المتنازع فيه هو زوال السكنى بالخروج مع بقاء الرحل، و من خرج عن بيت مع بقاء متاعه فيه لغرض لا يخرج عن كونه ساكن فيه عادة، و الأقرب بقاء الحق إن لم تطل المدة بحيث تؤدي إلى التعطيل.

و الظاهر أن مفارقته من غير أن يبقي رحله مسقط لأولويته و لو قصر الزمان جدّاً، كما لو خرج لغرض لا ينفك عن مثله عادة، و لا يخرج في العادة عن كونه ساكناً ففي بقاء حقه قوة.

و في التذكرة أنه إذا فارق لعذر أياماً قليلة فهو أحق (2).

قوله: (الفصل الثالث: في المعادن، و هي قسمان: ظاهرة و باطنة. أما الظاهرة: و هي التي لا يفتقر في الوصلة إليها إلى مؤنة

____________

(1) الدروس: 296.

(2) التذكرة 2: 405.

42

و النفط، و الكبريت، و القار، و الموميا، و الكحل، و البرام، و الياقوت (1) فهذه للإمام يختص بها عند بعض علمائنا. و الأقرب اشتراك المسلمين فيها، (2)

____________

كالملح، و النفط، و الكبريت و القار، و الموميا، و الكحل و البرام، و الياقوت).

(1) النفط و النفيط: دهن و الكسر أفصح، ذكره في الصحاح (1).

القير و القار واحد، فيّرت السفينة: طليتها بالقار.

الموميا، بضم الميم و سكون الواو: دواء نافع ذكره في القاموس (2).

و في القانون في الطب للرئيس ابن سينا: مومياي: و هو في قوة الزفت و القير المخلوطين (3).

و في حواشي شيخنا الشهيد: أنه قطرات يتقاطر من الصخر.

و البرام بالكسر جمع برمة: و هي القدر، ذكره في الصحاح (4)، و المراد بها قدر يعمل من حجر مخصوص.

قوله: (فهذه للإمام (عليه السلام) يختص بها عند بعض علمائنا، و الأقرب اشتراك المسلمين فيها).

(2) أشار بهذه إلى المعادن الظاهرة، و ظاهر إطلاقه أنه لا فرق بين كونها في أرض الإمام أو أرض المسلمين، فيكون قوله: (اشتراك المسلمين فيها) أيضاً على العموم.

____________

(1) الصحاح (نفط) 3: 1165.

(2) القاموس المحيط (موو) 4: 392.

(3) القانون 1: 367.

(4) الصحاح (برم) 5: 1870.

43

فحينئذ لا تملك بالإحياء، و لا يختص بها المحجر، و لا يجوز إقطاعها، و لا يختص المقطع بها. (1)

____________

و قد اختلف كلام الأصحاب في كون المعادن الظاهرة و الباطنة له (عليه السلام) أو للمسلمين، فقال الشيخان (1) و جمع (2) أنها له (عليه السلام). و قال ابن إدريس: إن ما في ملكه (عليه السلام) له دون ما في أرض المسلمين (3)، و هو ظاهراً اختيار ابن سعيد في المعتبر (4).

و للشيخ قول بأن الناس فيها شرع (5)، و هو: بإسكان الراء و يحرك و معناه سواء، و هو المشهور بين المتأخرين (6) و مستنده عموم (خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ) (7)، و لا دليل على الاختصاص، و لما فيه من زيادة المشقة بالتوقف في الأخذ منها على إذنه (عليه السلام) إذا كان ظاهراً.

و لا ريب أن المشهور أقوى دليلًا، و لا يلزم من اختصاصه بالأرض اختصاصه بما فيها.

و زعم بعض متأخري أصحابنا أن المعادن التي في ملكه لا خلاف في أنها له و ليس كما زعم.

قوله: (فحينئذ لا تملك بالإحياء، و لا يختص بها المحجر، و لا يجوز إقطاعها، و لا يختص المقطع بها).

(1) أي: حين إذ كان الأقرب اشتراك المسلمين فيها لا تملك بالإحياء

____________

(1) المفيد في المقنعة: 45، و الطوسي في النهاية: 199.

(2) منهم سلار في المراسم: 140، و ابن البراج في المهذب 1: 183، 186.

(3) السرائر: 249.

(4) المعتبر 2: 634- 635.

(5) قاله في المبسوط 3: 274.

(6) منهم فخر المحققين في إيضاح الفوائد 2: 237، و الشهيد في الدروس: 295.

(7) البقرة: 29.

44

و السابق إلى موضع منه لا يزعج قبل قضاء وطره (1)، فإن تسابق اثنان أقرع مع تعذر الجمع، و يحتمل القسمة، و تقديم الأحوج. (2)

____________

و لا يختص بها المحجر كسائر الأموال التي اشترك الناس فيها لئلا يبطل حق الباقين، و في هذا مناقشتان:

الأولى: إن الإحياء في المعدن عبارة عن إظهاره بالعمل، و هذا المعنى غير متصور في المعادن الظاهرة، فلا يتصور فيها إحياء و لا تحجير، لأنه شروع في الإحياء فلا حاصل لقوله: (لا يملك بالإحياء).

الثانية: إن تفريع عدم تملكها بالإحياء على اشتراك المسلمين فيها لا يستقيم، لأن الاشتراك غير مانع من التملك بالإحياء، كما لو حفر نهراً و أجرى فيه الماء من نهر مباح، و لما لم يتصور إحياؤها [لم يتصور إقطاعها] (1) و قد حققناه سابقاً.

قوله: (و السابق إلى موضع منه لا يزعج قبل قضاء وطره).

(1) لثبوت الأحقية بالسبق، و الظاهر عدم الفرق بين طول الزمان و قصره، و لا بين أخذ قدر الحاجة و ما زاد، ما لم يصر مقيماً فإنه يزعج إذا منع غيره على الظاهر.

قوله: (فإن تسابق اثنان أقرع مع تعذر الجمع، و يحتمل القسمة، و تقديم الأحوج).

(2) وجه الأول: أن كل أمر مشكل فيه القرعة.

و وجه الثاني: و هو القسمة، لتساويهما في سبب الاستحقاق و إمكان الجمع بينهما فيه، و إن لم يمكن الجمع بينهما للأخذ في زمان واحد، و هذا إنما يكون في غير المعدن الواسع جدّاً بحيث يزيد على مطلوب كل واحد

____________

(1) لم ترد في «ه».

45

و لو كان إلى جنب المملحة أرض موات فحفر فيها بئراً، و ساق الماء إليها و صار ملحاً صح ملكها، و لم يكن لغيره المشاركة. (1)

____________

منهما و إن كثر، إذ لا معنى للقسمة حينئذ. نعم ما قلّ عن مطلوبهما لا يبعد القول فيه بالقسمة، لإمكانها و استوائهما في سبب الاستحقاق.

و القرعة إنما هي في الأمور المشكلة التي لا طريق إلى معرفة حكمها، أما ما ثبت حكمها بدليل شرعي فلا وجه لإجراء القرعة فيها، فإن تشاحّا في التقدم في النيل لضيق المكان فليس ببعيد القول بالقرعة حينئذ، فمن أخرجته أخذ حقه من المقسوم.

فتلخص من هذا أنه مع السعة بمطلوبهما المرجع إلى القرعة في التقدم، و مع عدمه فالقسمة، فإن تشاحا في التقدم أقرع.

و لو أن أحدهما قهر الآخر و أخذ مطلوبه أثم قطعاً، ثم إن كان المعدن واسعاً ملك ما أخذه بالأخذ، لأنه لم يأخذ ما استحقه الآخر، و إلا لم يملك إلا ما تقتضي القسمة استحقاقه إياه.

و مثله ما لو ازدحم اثنان على الفرات مثلًا فقهر أحدهما صاحبه و حاز ماءً فإن الظاهر أنه يملكه بخلاف ما لو ازدحما على ماء غدير و نحوه مما لا يقطع بكونه وافياً لغرضهما فإن الأولوية لهما، فلا يملك القاهر ما أخذه إلا بعد القسمة.

و وجه الثالث: أن سبب الاستحقاق الحاجة، و من كان سببه أقوى استحق التقديم. و هو ضعيف، لأن الحق لجميع الناس بالأولوية من غير النظر إلى الأحوجية، و عند الازدحام يمتازان عن باقي الناس بالأولوية بالسبق، و الأحوجية لا أثر لها، و ما ذكرناه من التفصيل هو التحقيق.

قوله: (و لو كان إلى جنب المملحة أرض موات، فحفر فيها بئراً و ساق الماء إليها فصار ملحاً صح ملكها، و لم يكن لغيره المشاركة).

(1) الضمير في (صح ملكها) يعود إلى البئر،

46

و لو أقطع الإمام هذه الأرض جاز. (1)

[و أما الباطنة]

و أما الباطنة: فهي التي تظهر بالعمل كالذهب، و الفضة، و الحديد، و النحاس، و الرصاص، و البلور، و الفيروزج. فقيل إنها للإمام أيضاً خاصة، و الأقرب عدم الاختصاص، (2)

____________

و وجهه: أن ذلك إحياء، لأن الانتفاع بها إنما هو بالعمل، و حينئذ فليس لغيره المشاركة فيها لاختصاصه بالملك، أما المملحة فإنها على حكمها.

قوله: (و لو أقطع الإمام هذه الأرض جاز).

(1) لأن الإحياء فيها متصور بالنسبة إلى عمل الملح فيتصور فيها التحجير و الإقطاع.

قوله: (و أما الباطنة: و هي التي تظهر بالعمل كالذهب، و الفضة، و الحديد، و النحاس، و الرصاص، و البلور، و الفيروزج فقيل: إنها للإمام (عليه السلام) أيضاً، و الأقرب عدم الاختصاص).

(2) البلور كتنُّور [و سنَّور] و سبطر، ذكره في القاموس (1). و قد ذكرنا الخلاف في اختصاص الإمام (عليه السلام) بالمعادن و عدمه، و أن المشهور بين الأصحاب المتأخرين استواء الناس فيها، و لا تفاوت بين قوله هنا: (و الأقرب عدم الاختصاص)، و قوله فيما سبق: (و الأقرب اشتراك المسلمين فيها) إلا التفنن في العبارة.

و قال الشارح الفاضل: إنما قال في الظاهر أنها مشتركة، و قال هنا بعدم الاختصاص، لأن هذه ملحقة بالموات، فمن أحيا شيئاً منها فهو أحق به (2). و في استفادة هذا من هذا اللفظ نظر، فإنّ الاشتراك في الأول لا يراد

____________

(1) القاموس (بلر) 1: 377، و ما بين المعقوفتين من المصدر.

(2) إيضاح الفوائد 2: 238.

47

فإن كانت ظاهرة لم تملك بالإحياء (1) أيضاً، و إن لم تكن ظاهرة فحفرها إنسان و أظهرها أحياها، فإن كانت في ملكه ملكها، و كذا في الموات. (2)

____________

به إلا عدم الاختصاص، فإنّ إرادة الاشتراك الحقيقي معلوم البطلان، لأن الناس في المعادن الظاهرة سواء، و أما الملك بالإحياء فإنه تابع لتحقق الإحياء. و حكى في الدروس أقوال الفقهاء في المعادن ثم قال: و الكل ضعيف (1).

قوله: (فإن كانت ظاهرة لم تملك بالإحياء).

(1) المراد إن لم يكن الوصول إليها متوقفاً على الإحياء، و إن كانت مستورة بنحو تراب يسير فإن هذه لا تملك بتنحيته عنها، لأن ذلك لا يعد إحياءً، بخلاف المستورة في الأرض الموات إذا أحياها أحد فإنه يملك المعدن الغير الظاهر و إن لم يكن إظهاره بحيث يعد إحياءً، و الفرق التبعية لما يملك بالإحياء في الأخيرة دون الأولى.

قوله: (فإن كانت في ملكه ملكها و كذا في الموات).

(2) قد يفهم من هذه العبارة أنه يملك ما في ملكه بالإحياء، و ليس كذلك، بل هو مملوك لكونه من أجزاء الأرض، و لهذا لو أراد أحد الحفر من خارج أرضه لم يكن له الأخذ مما كان داخلًا في أرضه، لأنه من أجزاء الأرض المملوكة، إنما يأخذ ما خرج، صرح بذلك في التذكرة (2). لكن يمكن أن تنزّل هذه العبارة على معنى صحيح و هو: إن من أحيا معدناً في أرضه ملكه على حسب ما يقتضيه الحال.

و إن خرج بعضه عن أرضه إلى موات فليس لأحد حينئذ أن يحفر في الموات بحيث يأخذ مما استحقه الأول. و إن لم يكن في أرضه فقوله:

____________

(1) الدروس: 296.

(2) التذكرة 2: 404.

48

و لو لم يبلغ بالحفر إلى النيل فهو تحجير لا إحياء، و يصير حينئذ أحق و لا يملكها بذلك (1)، فإن أهمل أجبر على إتمام العمل أو الترك، و ينظره السلطان إلى زوال عذره ثم يلزمه أحد الأمرين.

و يجوز للإمام إقطاعها قبل التحجير و الإحياء (2)، و لا يقتصر ملك المحيي على محل النيل، بل الحفر التي حواليه و تليق بحريمه يملكها أيضاً. (3)

____________

(ملك بالإحياء) يفيد ذلك، لأنه يملك ما أحياه و يستحق حريمه و إن لم يكن في ملكه، و قد استشكله في التحرير (1).

قوله: (و لو لم يبلغ بالحفر إلى النّيل فهو تحجير لا إحياء و يصير حينئذ أخص و لا يملكها بذلك).

(1) أي: لو لم يبلغ بالحفر إلى إظهار المعدن و نيله فليس بإحياء، لأن المراد بالإحياء: الوصول إليه بالعمل، لكنه تحجير يكون باعتباره أحق من غيره و أخص به.

قوله: (فإن أهمل أجبر على تمام العمل أو الترك و ينظره السلطان إلى زوال عذره ثم يلزمه أحد الأمرين، و يجوز للإمام إقطاعها قبل التحجير و الإحياء).

(2) و ذلك كما سبق في التحجير، و إنظار السلطان إياه إلى زوال عذره إن ذكر عذراً، و يؤجله بما يراه مصلحة إن طلب التأجيل، و لو اعتذر بكونه فقيراً فطلب الإمهال إلى اليسار احتمل عدم الإجابة.

قوله: (و لا يقتصر ملك المحيي على محل النيل، بل الحفر التي حواليه و يليق بحريمه تملكها أيضاً).

(3) المراد بالحفر التي

____________

(1) التحرير 2: 132.

49

و لو أحيى أرضاً ميتة فظهر فيها معدن ملكه تبعاً لها، ظاهراً كان أو باطناً، بخلاف ما لو كان ظاهراً قبل إحيائها. (1)

و لو حفر فبلغ المعدن لم يكن له منع غيره من الحفر من ناحية أخرى (2)، فإذا وصل الى ذلك العرق لم يكن منعه، لأنه يملك.

____________

حواليه: هي ما يحفره بالقوة، و المرجع في حريمه إلى العرف، و قدّره في التذكرة بقدر ما يقف الأعوان و الدواب (1).

و قال شيخنا في الدروس: و من ملك معدناً ملك حريمه، و هو منتهى عروقه عادة، و مطرح ترابه و طريقه (2). و لعله يريد بمنتهى عروقه: إذا كانت غير بعيدة، أما مع البعد فهو غير ظاهر لأن من المعلوم أن المعدن إذا طال كثيراً لا يملك جميعه بالإحياء من بعض أطرافه.

قوله: (و لو أحيى أرضاً ميتة فظهر فيها معدن ملكه تبعاً لها، ظاهراً كان أو باطناً، بخلاف ما لو كان ظاهراً قبل إحيائها).

(1) أراد بالظاهر الأول: ما لا يحتاج في إظهاره إلى عمل بحيث يعدّ إحياء، و بالثاني: ما لم يكن مستوراً بحيث لا يكون لإحياء الأرض دخل في ظهوره.

قوله: (و لو حفر فبلغ المعدن لم يكن له منع غيره من الحفر من ناحية أخرى).

(2) لأنه إنما يختص بما أحياه و حريمه.

قوله: (فإذا وصل إلى ذلك العرق لم يكن له منعه لأنه يملك

____________

(1) التذكرة 2: 404.

(2) الدروس: 296.

50

المكان الذي حفره و حريمه (1) و لو حفر كافر أرضاً فوصل إلى معدن، ثم فتحها المسلمون ففي صيرورته غنيمة أو للمسلمين إشكال. (2)

____________

المكان الذي حفره و حريمه).

(1) أي: فإذا وصل الغير بالحفر من ناحية إلى العرق الذي هو المعدن لم يكن للأول منعه، و قوله: (لأنه يملك المكان الذي حفره و حريمه) يصلح تعليلًا لكل من الحكمين، أعني: عدم جواز منعه من الحفر، و عدم جواز منعه من العروق إذا بلغه، و هو خارج عن الموضع الذي ملكه و حريمه.

و في التحرير: أنه إذا وصل الأول إلى العرق فهل للثاني الأخذ منه من جهة أخرى؟ الوجه المنع، فإن الأول يملك حريم المعدن (1). و الظاهر أنه يريد أنّ أخذ الثاني ممنوع منه إذا كان موضع الأخذ حريماً للأول، و إلا لم يطابق الدليل الدعوى.

قوله: (و لو حفر كافر أرضاً فوصل إلى معدن ثم فتحها المسلمون ففي صيرورته غنيمة أو للمسلمين إشكال).

(2) ينشأ: من أن الإحياء يقتضي ملك المعدن فيكون غنيمة، لأنه ليس من جنس الأرض، و من مشابهة الأرض في كونه لا ينقل. و هو ضعيف، لأنه منقول بالقوة القريبة.

قال المصنف في التحرير: إنه لا يكون غنيمة بل يكون على أصل الإباحة، لأنه لا يعلم هل قصد الجاهل التملك فيغنم؟ أو لا فيبقى على أصل الإباحة (2)؟ و كذا قال في التذكرة (3).

و قال: إن ذلك جارٍ مجرى من حفر بئراً في البادية و ارتحل عنها.

____________

(1) التحرير 2: 132.

(2) التحرير 2: 132.

(3) التذكرة 2: 404.

51

و من ملك معدناً فعمل فيه غيره فالحاصل للمالك، و لا أجرة للغاصب (1). و لو أباحه كان الخارج له (2)، و لو قال له: اعمل و لك نصف الخارج بطل، لجهالة العوض إجارة و جعالة، فالحاصل للمالك و عليه الأجر. (3)

____________

و الفرق ظاهر، لأن القرائن هنا دلت على أنه إنما أراد دفع حاجة حاضرة، إذ لا يقصد أحد غالباً ملك بئر في البادية بخلاف المتنازع. و هو ضعيف، لأن الذي لا يكون إلا للتملك بحسب الغالب كافٍ في حصول الملك، و لا يعتبر العلم بنية التملك و إن شرطناها عملًا بالظاهر، و إلا لكان الحافر للمعدن إلى أن يبلغه لا يختص به لعدم العلم بكونه نوى التملك، فلا يمنع من أراد الأخذ، و هو باطل، و الظاهر أنه غنيمة.

قوله: (و من ملك معدناً فعمل فيه غيره فالحاصل للمالك، و لا اجرة للغاصب).

(1) المراد بعمل الغير فيه بعد الملك: استخراج الجواهر، و ظاهر أنه لا أجرة للغاصب لعدوانه.

قوله: (و لو أباحه كان الخارج له).

(2) أي: لو أباحه المالك، و إنما يملك الخارج إذا ملّكه المالك إياه. فلو أباحه صح تصرفه، و لم يخرج عن ملك المالك ما دامت العين موجودة.

قوله: (و لو قال: اعمل و لك نصف الخارج بطل، لجهالة العوض إجارةً و جعالةً، فالحاصل للمالك و عليه الأجرة).

(3) أما بطلانه إجارة فظاهر، للجهالة. و أما الجعالة فقد احتمل في الدروس صحتها بناء على أن الجهالة التي لا تمنع من تسليم العوض غير مانعة من الصحة (1).

____________

(1) الدروس: 296.

52

[الفصل الرابع: في المياه]

الفصل الرابع: في المياه، و أقسامها سبعة:

[الأول: المحرز في الآنية، أو الحوض، أو المصنع.]

الأول: المحرز في الآنية، أو الحوض، أو المصنع. و هو مملوك لمن أحرزه و إن أخذ من المباح، و يصح بيعه. (1)

[الثاني: البئر]

الثاني: البئر إن حفرت في ملك، أو مباح للتملك اختص بها

____________

و لقائل أن يقول: إن هذه مانعة من التسليم، إذ لا يعلم متعلق المعاملة، لعدم وقوف الحق عند حد تقع المعاملة عليه، فلا يكون الذي بدل العوض في مقابله معلوماً معيناً، بحيث إذا تحقق إثباته به استحق، و يلزم من جهالته جهالة العوض، إذ لا يتعين قدر الخارج بمعين، بخلاف:

من رد عبدي فله نصفه. و المطابق لهذا أن يقول: من أخرج كذا و كذا فله نصفه، أما لو قال له: اعمل فما أخرجته فلنفسك، فإن الحاصل للمالك.

قال الشيخ (رحمه اللّٰه)، و حكاه في التذكرة (1) عنه و عن الشافعي (2)، قال: و لا أجرة له، لأنه لم يعمل للمالك بل عمل لنفسه ما لم يملكه. و ليس هو كالقراض الفاسد، لأن العامل فيه عمل للمالك لا لنفسه، و لما لم يسلم له المشترط رددناه إلى أجرة المثل (3).

قوله: (الفصل الرابع: في المياه: و أقسامها سبعة:

الأول: المحرز في الآنية، أو الحوض، أو المصنع، و هو مملوك لمن أحرزه و إن أخذ من المباح، و يصح بيعه).

(1) المصنع و المصنعة بضم النون: كالحوض يجمع فيه ماء المطر، و لا خلاف في حكم هذا القسم.

قوله: (الثاني: البئر إن حفرت في ملك، أو مباح للتملك

____________

(1) التذكرة 2: 404.

(2) انظر: مغني المحتاج 2: 372.

(3) قاله في المبسوط 3: 279.

53

كالمحجر، فإذا بلغ الماء ملكه، و لا يحل لغيره الأخذ منه إلا بإذنه، و يجوز بيعه كيلًا و وزناً (1)، و لا يجوز بيعه أجمع لتعذر تسليمه، (2)

____________

اختص بها كالمحجر، فإذا بلغ الماء ملكه، و لا يحل لغيره الأخذ منه إلا بإذنه، و يجوز بيعه كيلًا و وزناً).

(1) القول بالملك في هذا القسم هو أصح الوجهين عند الشيخ (1) و الأصحاب (2). و قد صرح في التذكرة بأنه يجب في بيع الماء أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن، سواء كان في مصنع، أو آنية، أو بركة (3).

قوله: (و لا يجوز بيعه أجمع لتعذر تسليمه).

(2) أي: ماء البئر، و إنما تعذر تسليمه لأنه ينبع شيئاً فشيئاً فيختلط المبيع بغيره، و لا يمكن التمييز، و لا منع الاختلاط.

و لو بيع أصواعاً معلومة فقد اختار المصنف في التذكرة الجواز (4)، كما لو باع من صبرة قدراً معلوماً، و يحتمل العدم لتجدد الماء الموجب لاختلاط المبيع، فإن صاعاً من ماء معين مغاير لصاع من ذلك الماء إذا صب عليه ماء آخر فيتعذر التسليم.

و مثله ما لو باع صاعاً من صبرة ثم صب عليها صبرة أخرى قبل التسليم، ذكر هذا الاحتمال في التذكرة أيضاً (5). و أما البيع من ماء القناة فلا يصح، إذ لا يمكن ربط العقد بقدر مضبوط لعدم وقوفه.

____________

(1) المبسوط 3: 280.

(2) منهم ابن سعيد في الجامع للشرائع: 376، و المحقق في الشرائع 3: 279، و العلامة في التحرير 2: 133، و الشهيد في الدروس: 295.

(3) التذكرة 2: 409.

(4) التذكرة 2: 410.

(5) المصدر السابق.

54

و البئر العادية إذا طمت و ذهب ماؤها فاستخرجه إنسان ملكها. (1)

و لو حفر في المباح لا للتمليك، بل للانتفاع فهو أحق مدة مقامه عليها. (2)

و قيل: يجب بذل الفاضل عن مائها عن قدر حاجته، و فيه نظر، فإذا فارق فمن سبق فهو أحق بالانتفاع، و لا يختص بها أحد. (3)

____________

إذا عرفت هذا فالمفهوم من قوله: (و لا يجوز بيعه أجمع) أنه يجوز بيع بعضه، و يجب أن يقيّد بكون البعض مقدراً بالإصبع و نحوها، و لا جزءاً مشاعاً بالنسبة لتعذر التسليم أيضاً.

و يجوز بيع الماء بدون الكيل و الوزن بالمشاهدة إذا كان محصوراً، كما سبق في كتاب البيع، و ذكره في الدروس في هذا الباب (1).

قوله: (و البئر العادية إذا طُمّت و ذهب ماؤها فاستخرجه إنسان ملكها).

(1) المراد بالعادية: القديمة، و هي منسوبة إلى عاد، و العرب ينسبون القديم إليه.

قوله: (و لو حفر في المباح لا للتملك، بل للانتفاع فهو أحق مدة مقامه عليها).

(2) مقامه بضم الميم: إقامته عليها، و إنما كان أحق بها المدة المذكورة، لأن فعله لا ينقص عن التحجير.

قوله: (و قيل: يجب بذل الفاضل من مائها عن قدر حاجته، و فيه نظر، فإذا فارق فمن سبق فهو أحق بالانتفاع، و لا يختص بها أحد).

(3) القائل بذلك الشيخ

____________

(1) الدروس: 295.

55

..........

____________

(رحمه اللّٰه) (1) لقوله (عليه السلام): «الناس شركاء في ثلاثة: النار و الماء و الكلأ» (2) و لا دلالة فيها، لأن الاشتراك في الأصل لا ينافي تجدد الملك، و الاختصاص كالمحرز في الآنية، و لأن المفرد المحلى باللام لا يعم، و ما ورد من الأخبار من النهي عن منع الفاضل من الماء و نحوه (3) فهو محمول على الكراهية.

و وجه النظر: إن تملك المباحات إن لم يحتج إلى نية فقد ملك هذا الماء، فلا يجب عليه بذل فاضله كسائر أمواله، و على القول بالاحتياج في التملك إليها فهذا كالتحجير يفيد الأولوية، و حينئذ فلا دليل على وجوب بذل الزائد.

هذا حكم ما إذا قصد بالحفر التملك أو قصد عدمه، أما لو لم يقصد شيئاً، فقد قال في التذكرة: الأقوى اختصاصه به، لأنه قصد بالحفر أخذ الماء فيكون أحق، و هنا ليس له منع المحتاج عن الفاضل عنه، لا في شرب الماشية و لا الزرع (4).

و فيه نظر، لأن مع الاختصاص لا دليل على وجوب بذل الفاضل عن صاحبه، مع أنه حقق فيما بعد أن الفعل الذي فعله للإحياء لا يفعل في العادة مثله إلا للتملك كبناء الدار، و اتخاذ البستان ملك به و إن لم يوجد منه قصد التملك. و إن كان مما يفعله المتملك و غير المتملك كحفر البئر في الموات،

____________

(1) قاله في المبسوط 3: 281.

(2) الفقيه 3: 150 حديث 662، التهذيب 7: 146 حديث 648، و فيهما: «ان المسلمين.»، مسند أحمد 5: 364.

(3) الكافي 5: 277، 293 حديث 2، 6، الفقيه 3: 150 حديث 661، التهذيب 7: 140 حديث 618، الاستبصار 3: 107 حديث 378.

(4) التذكرة 2: 409.

56

..........

____________

و زراعة قطعة من الموات اعتماداً على ماء السماء افتقر تحقق الملك إلى تحقق قصده، فإن قصد أفاد الملك و إلا فإشكال ينشأ، من أن المباحات هل تملك بشرط النية أم لا؟ و للشافعية وجهان (1).

و ما لا يكتفي به التملك كتسوية موضع النزول، و تنقيته عن الحجارة لا يفيد التملك و إن قصده، و هذا كنصب الأحبولة في طرق الصيد فإنه يفيد الملك في الصيد، و إغلاق الباب إذا دخل الصيد الدار على قصد التملك وجهان.

و توحل الصيد في أرضه التي سقاها لا بقصد الصيد لا يقتضي التملك، و إن قصده (2). هذا كلامه، و إشكاله الذي ذكره ينافي الجزم الذي تقدم، و الذي يقتضيه النظر عدم اشتراط النية في تملك المباحات للأصل، و لعموم قوله (عليه السلام): «من أحيى أرضاً ميتة فهي له» (3).

و اشتراط النية يحتاج إلى مخصص، و الإحياء في كل شيء بحسبه كما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى. فحفر البئر إلى أن يبلغ الماء إحياء، و ليس في الباب ما يدل على الاشتراط مما يعتد به، و غاية ما يدل عليه ما ذكروه: أن قصد عدم التملك مخرج للإحياء عن كونه سبباً للملك، إذ الملك القهري هو الإرث كما صرح به في التذكرة، فإنه قال في قريب أول بحث المياه في جملة كلام له: إن الإنسان لا يملك ما لم يتملك إلا في الميراث (4).

فعلى هذا إن نوى التملك بالإحياء ملك، و كذا ينبغي إذا لم ينو شيئاً

____________

(1) انظر مغني المحتاج 2: 375.

(2) التذكرة 2: 413.

(3) الكافي 5: 279، 280 حديث 3، 6، التهذيب 7: 152 حديث 673، الاستبصار 3:

107 حديث 379.

(4) التذكرة 2: 406.