جامع المقاصد في شرح القواعد - ج9

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
374 /
7

[كتاب الوقوف و العطايا]

كتاب الوقوف و العطايا و فيه مقاصد:

[المقصد الأول: الوقف]

المقصد الأول: الوقف، و فيه فصول:

[الأول في أركانه]

الأول في أركانه و هي ثلاثة مطالب:

[المطلب الأول: الصيغة]

المطلب الأول:

الصيغة، الوقف: عقد يفيد تحبيس الأصل و إطلاق المنفعة (1) و لفظه الصريح: وقفت و حبّست و سبّلت على رأي (2)

____________

قوله: (الوقف: عقد يفيد تحبيس الأصل و إطلاق المنفعة).

(1) المراد ب(تحبيس الأصل): المنع من التصرّف فيه تصرّفا ناقلا، و هذا التعريف يصدق على الحبس فإنّه عقد يفيد ذلك إلّا أن يراد بالحبس: التأبيد، إلّا أنّ اللّفظ لا يدل عليه.

و عرفه في الدروس: بأنّه الصدقة الجارية (1)، و هذا صادق على نذر الصدقة كذلك و الوصية بها. و الأصل فيه قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): «حبس الأصل و سبّل الثمرة» (2)، و غير ذلك من الأخبار الكثيرة (3).

قوله: (و لفظه الصريح: وقفت و حبست و سبلت على رأي).

(2) أمّا وقفت- و قد يقال في شذوذ اللّغة لا في فصيحها: أوقفت- فلا خلاف في دلالتها بالصريح على معنى الوقف و ربما حكي عن بعض أقوال الشافعي أنّها

____________

(1) الدروس: 228.

(2) سنن البيهقي 6: 162، سنن ابن ماجة 2: 801 حديث 2397.

(3) انظر: الوسائل 13: 303 باب عدم جواز بيع الوقف، سنن البيهقي 6: 158، كتاب الوقف سنن ابن ماجة 2:

801 باب 4 كتاب الوقف.

8

و غيره: حرّمت، و تصدّقت، و أبّدت. فإن قرن أحد هذه الثلاثة بإحدى الثلاثة السابقة، أو بما يدل على المعنى مثل: لا يباع و لا يوهب و لا يورث، أو صدقة مؤبدة أو محرّمة، أو بالنية صار كالصريح، (1)

____________

كناية لا تدل إلّا مع النية (1).

و أمّا حبست- و يقال: أحبست- و سبّلت فقد ذهب الشيخ في الخلاف (2) و جماعة إلى صراحتهما كوقفت، نظرا الى استعمالها العرفي في ذلك (3) و ذهب في المبسوط الى أنّ الصريح وقفت خاصة و ما عداه يحتاج إلى النية (4)، و هو الأصح اعتبارا لأصل الوضع، و الأصل عدم النقل، و الأصل بقاء الملك على مالكه حتى يحصل الناقل الشرعي.

و ما وقع من استعمالها في الوقف في كلام الشارع لا دلالة فيه على المراد، لوجود القرائن المعينة للمطلوب، [و] (5) مع وجود القرينة لا دلالة على كون الاستعمال حقيقيا مثل ما وقع في كلام أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): «هذا ما تصدّق به علي بن أبي طالب و هو حي سوي صدقة لاتباع و لا توهب حتى يرثها اللّه الّذي يرث السموات و الأرض» (6).

قوله: (و غيره: حرّمت و تصدّقت و أبّدت، فإن قرن أحد هذه الثلاثة بإحدى الثلاثة السابقة، أو بما يدل على المعنى مثل: لاتباع و لا توهب و لا تورث، أو صدقة مؤبدة أو محرمة أو بالنية صار كالصريح).

(1) أي: و غير الصريح- و هو

____________

(1) انظر: مغني المحتاج 2: 382.

(2) الخلاف 2: 129 مسألة 1 كتاب الوقف و الصدقات.

(3) منهم يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 369، و السيد ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 540.

(4) المبسوط 3: 292.

(5) لم ترد في نسختي «ك»، «ه».

(6) الفقيه 4: 183 حديث 642، التهذيب 9: 131 حديث 560، الاستبصار 4: 98 حديث 380.

9

..........

____________

ما عدا الألفاظ الثلاثة على ما اختاره- ألفاظ ثلاثة أخرى و هي: حرّمت و تصدّقت و أبّدت، و هذه كناية عن الوقف، لاشتراكها في الاستعمال بينه و بين غيره، فإن انضم إليها ما يخصصها بالوقف و يجعلها دليلا عليه كانت كالصّريح و إلّا فلا.

و الضميمة: إمّا لفظ أو نية، فاللّفظ: أمّا أحد الألفاظ السابقة مثل صدقة موقوفة، أو محبسة- على القول بأنّ التحبيس صريح- أو مثل صدقة لا تباع و لا تورث و لا توهب، و أمّا إذا اقترن أحدها بالنية فإنّه يحكم بالوقف باطنا دون الظاهر إلّا أن يعترف بما نواه، و يقبل قوله في نية الوقف و عدمها.

و قال في التذكرة: انّه إذا أتى بالكناية بنية الوقف: أمّا أن يضيف اللفظ إلى جهة عامة كأن قال: تصدّقت بهذا على المساكين بنية الوقف فالأقرب إلحاقه بالصّريح في صيرورته وقفا، أو يضيفه الى معين لم يكن وقفا على الأقوى، نعم مع النية يصير وقفا فيما بينه و بين اللّه تعالى و لا يصير وقفا في الحكم، قاله الشيخ (1)، فإذا أقرّ أنّه نوى الوقف صار وقفا في الحكم (2).

هذا محصّل كلامه، و في الفرق بين الصيغتين نظر، و وجه الفرق غير ظاهر، و أسند في الدروس الى ظاهر الأصحاب إن تصدّقت و حرّمت صيغة واحدة فلا تغني الثانية عن الاولى و تغني الأول مع القرينة، و لو قال: جعلته وقفا أو صدقة مؤبدة محرّمة كفى (3).

هذا كلامه، و الظاهر من إطلاقه: إن جعلته صدقة مؤبّدة محرّمة يكفي بدون النية كجعلته وقفا، و كلام التذكرة يوافقه لكنه قال في آخر البحث: و أمّا حرّمت هذه البقعة أو أبدتها، أو داري محرّمة أو مؤبدة فالأقرب أنّها كناية، و إن انضمت إليها قرينة

____________

(1) المبسوط 3: 291.

(2) التذكرة 2: 427.

(3) الدروس: 228.

10

و إلّا لم يحمل على الوقف، و يدين بنيته لو ادعاه أو ادعى ضده (1)، و يحكم عليه بظاهر إقراره بقصده. (2)

____________

تدل على الوقف صارت كالصريح و إلّا فلا (1)، و هو يقتضي الفرق بين ضميمة بعض الكنايات الى بعض و إفرادها. و اعلم أنّ في عبارته مناقشة، لأنّ (إحدى) مؤنثة فحقه أن يقول: الثلاث بغير تاء لعدم جواز إلحاقها مع التأنيث.

قوله: (و إلّا لم يحمل على الوقف و يديّن بنيته لو ادعاه، أو ادعى ضدّه).

(1) أي: أن لم يقترن غير الصريح بأحد الألفاظ الثلاثة، و لا بما يدل على المعنى، و لا بالنية لم يحمل على الوقف و لا وجه لاشتراط عدم النية في عدم الحمل على الوقف، لأنّا إنّما نحكم بالظاهر و النية أمر قلبي لا يطلع عليه، فإذا جرد اللفظ عن القرينة لم يحكم بالوقف إلّا أن يعترف بأنّه نواه فيحكم عليه بإقراره ظاهرا.

و كذا لو ادعى عدم نية الوقف فإنّه يحكم عليه ظاهرا بعدم الوقف، و يجب عليه فيما بينه و بين اللّه تعالى مراعاة الواقع، فان لم يكن نوى الوقف و ادعى النية فهو باق على ملكه، فيجب عليه العمل بما يقتضيه بقاؤه على ملكه بحسب مقدوره بالنسبة إلى دين قد طولب به و هو عاجز عن أدائه إلّا من هذا الملك، و وصول حق الورثة إليهم منه.

و ينعكس الحكم لو ادعى عدم نية الوقف و الحال إنّه قد نواه. و قوله: (يديّن)- بضم الياء الاولى، و تشديد الثانية مفتوحة- اسم مفعول معناه: يوكّل الى دينه ليعمل بنيته لو ادعى الوقف في قصده أو ضدّه، لعدم العلم بما قصده إلّا من قبله.

و قوله: (و يحكم عليه بظاهر إقراره بقصده).

(2) معناه: إنّه إذا أقر بقصد الوقف حكم عليه ظاهرا بإقراره لا باطنا.

____________

(1) التذكرة 2: 472.

11

أمّا الموقوف عليه فيشترط قبضه في صحة الوقف، و لو رده بطل (1)، و لو سكت ففي اشتراط قبوله إشكال أقربه ذلك،

____________

قوله: (أمّا الموقوف عليه فيشترط قبضه في صحة الوقف و لو ردّه بطل).

(1) قد تقدم ما يعتبر من قبل الواقف من النطق بالصيغة صريحا، أو كناية مع القرينة أو النية، و هذا بيان ما يعتبر من قبل الموقوف عليه و هو اشتراط قبضه في الصحة، و لا خلاف في ذلك و كذا اشتراط عدم ردّه، فلو ردّ بطل كما في الوصية، سواء قلنا باشتراط القبول أم لا، خلافا لبعض الشافعية (1) محتجا بأنّه دخل في ملكه بمجرد الإيقاع و لزومه لمن لا يشترط القبول ظاهر لكن ينبغي أن يكون ذلك مع تحقق القبض.

و أمّا اشتراط القبول فقد أشار إليه المصنف بقوله: (و لو سكت ففي اشتراط قبوله إشكال أقربه ذلك) و لا يخفى إنّه لو سكت عن قوله: (لو سكت) لكان أولى، لأنّ اشتراط القبول و عدمه لا يختلف بسكوته و عدمه.

و تحقيق المسألة: إنّه هل يشترط لصحة الوقف القبول أم لا فيه إشكال ينشأ:

من إطلاقهم صحة الوقف و انعقاده عند وجود لفظ الوقف و الإقباض من غير تقييد بالقبول، و لأنّه إزالة ملك فكفى فيه صيغة الإيجاب كالعتق، و استحقاق الموقوف عليه للمنفعة كاستحقاق العتيق منفعة نفسه.

و من اطباقهم على أنّه عقد فيعتبر فيه الإيجاب و القبول كسائر العقود، و لأن إدخال شيء في ملك الغير موقوف على رضاه، لأن الأصل عدم الانتقال بدونه، و حصول الملك على وجه قهري كالإرث يتوقف على نصّ الشارع، و هو منتف هنا، و لا دلالة في النصوص الواردة في هذا الباب على عدم حصول القبول، و للشك في تمامية السبب بدونه فيستصحب ثبات الملك على المالك، و رجحان هذا الوجه هو وجه القرب

____________

(1) انظر: الوجيز 1: 247، مغني المحتاج 2: 383، المجموع 15: 340.

12

و كذا الولي. (1)

____________

الذي ذكره المصنف.

و الأصح اشتراط القبول فيعتبر فيه و في الإيجاب ما يعتبر في سائر العقود اللازمة: من وقوعهما بالعربية، و فورية القبول و غير ذلك.

و في التذكرة اشترط القبول إلّا أن يكون الوقف على جهة عامة كالفقراء أو المسجد فلا يشترط (1) و هو مطابق لما سيأتي هنا إن شاء اللّه تعالى.

ثم قال- بعد أن حكى ذلك عن الشافعية (2)-: و لم يجعلوا الحاكم نائبا في القبول كما جعل نائبا عن المسلمين في استيفاء القصاص و الأموال، و لو صاروا إليه كان وجها (3)، و هذا يشعر بالميل الى اشتراط القبول هنا، و لا ريب أنّه أولى قال: ثم ما ذكرناه مفروض في الوقف، أمّا إذا قال: جعلت هذا للمسجد فهو تمليك لا وقف، فيشترط قبول القيم و قبضه كما لو وهب شيئا من صبي (4) هذا كلامه، و نحن لا نجد فرقا بين الهبة و الوقف في ذلك نعم قد بنى بعضهم القول باشتراط القبول و عدمه، على أنّ الملك ينتقل الى الموقوف عليه أو الى اللّه سبحانه؟ فعلى الأول يشترط، لا على الثاني إلحاقا له بالإعتاق و لا ريب أنّ هذا البناء أقرب من طرد القولين مع القول بانتقال الملك الى الموقوف عليه، و إن كان إطلاقهم على الوقف إنّه عقد ينافي عدم اشتراط القبول على كل حال، لأنّ العقد ما يركب من الإيجاب و القبول.

قوله: (و كذا الولي).

(1) أي: القول في اشتراط قبضه و قبوله بالولاية- لو كان الوقف على صبي مثلا- كالموقوف عليه سواء.

____________

(1) التذكرة 2: 427.

(2) انظر: الوجيز 2: 383.

(3) التذكرة 2: 427.

(4) التذكرة 2: 427- 428.

13

أمّا البطن الثاني فلا يشترط قبوله، و لا يرتد عنه برده بل برد الأول. (1)

و لو كان الوقف على المصالح لم يشترط القبول، نعم يشترط القبض (2)، و يشترط أهلية الواقف للتصرف.

و لا يحصل الوقف بالفعل كبناء مسجد و إن أذن في الصلاة فيه أو صلى فيه ما لم يقل: جعلته مسجدا. (3)

____________

قوله: (أمّا البطن الثاني فلا يشترط قبوله و لا يرتد عنه برده بل برد الأول).

(1) لأنّ استحقاقه لا يتصل بالإيجاب و قد تم الوقف و لزم بقبول الأول، و قطعه يحتاج الى دليل. و في وجه للشافعية: أنّه يرتد برد البطون المتجددة (1) أمّا ردّ الأول فلا شك في تأثيره.

قوله: (و لو كان الوقف على المصالح لم يشترط القبول، نعم يشترط القبض).

(2) هذا كالتقييد لإطلاق كلامه السابق، و قد حققنا ذلك فيما مضى و بيّنا أنّ اشتراط القبول مطلقا أولى.

قوله: (و لا يحصل الوقف بالفعل كبناء مسجد و إن أذن في الصلاة أو صلى فيه ما لم يقل جعلته مسجدا).

(3) لا يحصل الوقف بالفعل عندما و إن حف بالقرائن، مثل أن يبني مسجدا سواء أذن في الصلاة فيه أم لا، و سواء صلى فيه أم لا، و كذا إذا اتخذ مغيرة و أذن للناس فيها أو سقاية و يأذن في دخولها، خلافا لأبي حنيفة (2) و احمد (3)، لأنّ الوقف عقد يفتقر

____________

(1) مغني المحتاج 2: 383.

(2) المغني لابن قدامة 6: 213، اللباب 2: 186.

(3) المغني لابن قدامة 6: 213.

14

و إذا تم الوقف بالإقباض كان لازما لا يقبل الفسخ و إن تراضيا. (1)

و يشترط: تنجيزه، و دوامه و إقباضه، و إخراجه عن نفسه، و نية التقرب. (2)

____________

الى الإيجاب و القبول، و له شرائط لا تكفي فيها القرائن ما لم يكن هناك لفظ يدل عليه.

و الفرق بينه و بين تقديم الطعام للضيف، و وضع ماء في حب على قارعة الطريق، و نثار شيء على الناس و نحو ذلك: إنّ هذه إنّما تستفاد منها الإباحة بخلاف الوقف فإنّه يقتضي نقل الملك.

و أعلم أنّ قوله: (ما لم يقل جعلته مسجدا) ليس المراد منه إنّه بهذا تتحقق مسجديته، بل الغرض إنّ له دخلا في حصولها، إلّا أنّ هذا اللفظ كاف في الصيغة، و اختار المصنف في التذكرة عدم الاكتفاء بها ما لم يضم إليها ما يدل على إنشاء الوقف مثل: جعلته مسجدا للّه، لأنّه وصفه بما هو موصوف به، فقد قال (عليه السلام): «جعلت لي الأرض مسجدا» (1)، و ما ذكره متجه.

قوله: (و إذا تم الوقف بالإقباض كان لازما لا يقبل الفسخ و إن تراضيا).

(1) لأنّ الوقف قربة فيه حق للّه تعالى، و إن قلنا بانتقاله الى الموقوف عليه فلا يملكان إبطال ذلك الحق بتراضيهما.

قوله: (و يشترط: تنجيزه، و دوامه، و إقباضه، و إخراجه عن نفسه و نية التقرب).

(2) يشترط في الوقف أيضا أمور اخرى:

أحدها: تنجيزه، فلو علّق بشرط أو صفة مثل أن يقول: إذا جاء زيد فقد

____________

(1) التذكرة 2: 427، و انظر: صحيح البخاري 1: 91، سنن النسائي 2: 56، سنن ابن ماجة 1: 88 حديث 567، مسند احمد 5: 145 و 148 و 161، سنن الدارمي 2: 224.

15

فلو علّقه بصفة، أو بشرط، أو قرنه بمدة لم يقع.

و لو وقفه على من ينقرض غالبا و لم يذكر المصرف، كما لو وقف على أولاده و اقتصر، أو ساقه الى بطون تنقرض غالبا فالأقرب أنّه حبس يرجع اليه أو الى ورثته بعد انقراضهم. (1)

____________

وقفت داري، أو إذا جاء رأس الشهر وقفت عبدي لم يصحّ، لعدم الجزم به، كما لا يصحّ تعليق البيع و الهبة و استثنى في الدروس ما إذا كان المعلق عليه واقعا و الواقف علم بوقوعه كقوله: وقفت إن كان اليوم الجمعة (1) و قد سبق في الوكالة مثل ذلك و المراد بالشرط: ما جاز وقوعه و عدمه بالنسبة إلى العادة، و الصفة: ما كان محقق الوقوع عادة.

الثاني: دوامه، لأنّ الوقف لا بد من تأبيده على ما سيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى.

الثالث: الإقباض، و هو غير القبض الذي تقدم اشتراطه، لأنّ القبض لا يعتد به من دون اقباض الواقف و تسليطه عليه.

الرابع: إخراجه عن نفسه، لأنّه لا يعقل وقف الإنسان على نفسه.

الخامس: نية التقرب: و ظاهر العبارة اشتراطها لصحة الوقف و يشكل بانتفاء دليل الاشتراط، و لعل الشرط هو كون الوقف قربة في نفسه. قال في الدروس:

و في اشتراطها وجه فيترتب وقف الكافر، و الأقرب صحته (2).

قوله: (فلو علقه بصفة أو بشرط أو قرنه بمدة لم يقع، و لو وقف على من ينقرض غالبا و لم يذكر المصرّف، كما لو وقف على الولادة و اقتصر، أو ساقه الى بطون تنقرض غالبا فالأقرب أنّه حبس يرجع اليه أو الى ورثته بعد انقراضهم).

(1) هذا تفريع على الشروط المتقدمة و قد ساقه على الترتيب، فعدم الوقوع لو

____________

(1) الدروس: 229.

(2) الدروس: 229.

16

..........

____________

علّقه بصفة أو شرط فرع اشتراط التنجيز، و عدم وقوعه لو قرنه بمدة فرع اشتراط الدوام.

وفقه المسألة: أنّه لو وقف ملكه مدة- كسنة- فهل يبطل أصلا، أم يبطل كونه وقفا و يصحّ حبسا؟ قولان.

أحدهما: البطلان، و هو ظاهر عبارة الكتاب حيث حكم في هذه المسألة بعدم الوقوع، و في التي بعدها بصحته حبسا.

و الثاني: صحته حبسا، و اختاره المصنف في التحرير (1)، و شيخنا الشهيد في الدروس (2)، لوجود المقتضي و هو الصيغة الصالحة للحبس، لأنّ بين الوقف و الحبس اشتراكا في المعنى، فإذا اقترن الوقف بما يقتضي عدم التأبيد كان كما لو اقترن الحبس بما يقتضي التأبيد، فيكون وقفا.

و يشكل: بأنّ الوقف حقيقة في المعنى المتضمن لإخراج الملك عن مالكه فيكون مجازا في الحبس.

و يمكن الجواب: بأنّ هذا المجاز شائع الاستعمال في هذا الباب، و إلّا لم يصحّ في المسائل الآتية، و فيه قوة، و تردد المصنف في التذكرة (3).

و ينبغي الجزم بالبطلان لو قصد بالوقف هنا معناه الحقيقي، لامتناعه.

و يتفرع على اشتراط الدوام أيضا ما لو وقف على من ينقرض غالبا و لم يذكر المصرف بعده، كما لو وقف على أولاده و اقتصر أو ساقه الى بطون تنقرض غالبا ففي صحته وقفا أو حبسا و بطلانه من رأس أقوال، ثم على القول بصحته وقفا فهل يرجع الى ورثة الواقف أم الى ورثة الموقوف عليه أم يصرّف في وجوه البر؟ أقوال أيضا.

____________

(1) التحرير 1: 285.

(2) الدروس: 230.

(3) التذكرة 2: 433.

17

..........

____________

فأمّا القول بالصحة فهو مختار الشيخين (1) و أكثر الأصحاب (2) و المصنف في المختلف (3) و التذكرة (4)، لأنّه نوع تمليك و صدقة فيستتبع اختيار المالك في التخصيص و غيره و لأصالة الصحة و عموم أَوْفُوا (5) و لأنّ تمليك الأخير ليس شرطا في تمليك الأول و إلّا لزم تقدم المعلول على العلة، و لرواية أبي بصير عن الباقر (عليه السلام):

«إنّ فاطمة (عليها السلام) أوصت بحوائطها السبعة الى علي (عليه السلام) ثم الى الحسن (عليه السلام) ثم الى الحسين (عليه السلام) ثم إلى الأكبر من ولدها (صلوات اللّه عليهم)» (6)، و لعموم ما روي من توقيع العسكري (عليه السلام): «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها إن شاء اللّه تعالى» (7).

و يردّ على الاولى: إنّ التمليك لا يعقل موقتا و كذا الصدقة، و لا أصل يرجع إليه في المدعى، لأنّ كون الوقف مؤبدا أو مؤقتا إنّما يستفاد من الشرع.

و الجواب عن الآية: لا دلالة فيها بالقول بالموجب، فانّ الوفاء بعقد الوقف لازم حيث يعقل معنى الوقف، و لا يلزم من القول بعدم صحة الوقف كون تمليك الأخير شرطا في تمليك الأول و إنّما الشرط بيان المصرف الأخير ليتحقق معنى الوقف.

و الرواية لا حجة فيها، لأنّ فاطمة (عليها السلام) علمت تأبيد ولدها للنص على الأئمة (عليهم السلام)، و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): «حبلان متصلان لن يفترقا

____________

(1) المفيد في المقنعة: 102، و الطوسي في المبسوط 3: 292 و الخلاف 2: 131 مسألة 9 كتاب الوقف.

(2) منهم ابن الجنيد كما نقله العلامة عنه في المختلف: 492 و سلار في المراسم: 198، و ابن إدريس في السرائر: 379، و المحقق في الشرائع 2: 216.

(3) المختلف: 492.

(4) التذكرة 2: 433.

(5) المائدة: 1.

(6) الكافي 7: 48 حديث 5، الفقيه 4: 180 حديث 632.

(7) الكافي 7: 37 حديث 34، الفقيه 4: 176 حديث 620، التهذيب 9: 129 حديث 555.

18

..........

____________

حتى يردا عليّ الحوض» (1) و غير ذلك ممّا لا يتناهى، و لأنّه لا تصريح في كلامها (عليها السلام) بالوقف، و الوصية لا بحث فيها، و نقول بموجب توقيع العسكري (عليه السلام) مع عدم الدلالة، فإنّ معنى الوقف لا يتحقق إلّا مع انتقال الملك.

و أمّا القول بالبطلان فنقله الشيخ عن بعض الأصحاب، و حجته إنّ الوقف شرطه التأبيد فإذا لم يردّه الى ما يدوم كان كما لو وقف سنة، و لأنّه يكون منقطعا فيصير على مجهول (2).

و أجيب: بأنّ اشتراط التأبيد محل النزاع، و صيرورته وقفا على مجهول ممنوع، فانّ المصرف ممنوع.

و لقائل أنّ يقول: ان الوقف يقتضي انتقال الملك عن الواقف قطعا، و إلّا فهو الحبس، و حينئذ فيجب ألّا يعود أصلا إلّا بسبب شرعي، فظهر أنّه يقتضي التأبيد ما لم يحصل السبب، و معلومية المصرف غير واضحة، فإنّ الفرض أنّه ليس في كلام الواقف ما يدل عليه، و العود بعد انقراض الموقوف عليه الى ورثته، أو الى وجوه البر فرع صحة الوقف فيمتنع كونه مصححا.

و قول العسكري (عليه السلام) ينافي ذلك، لأنّ صرف الوقف الى غير من عيّنه الواقف يقتضي أنّ لا يكون على حسب ما وقفه الواقف فيتحصل هنا قياس صورته:

لو صح الوقف غير المؤبد لم يكن الوقوف على حسب ما وقفها أهلها، و التالي باطل بالرواية، و بيان الملازمة: إنّه لا بدّ من مصرف له يعيّنه المالك و لم يدل كلامه عليه.

و أما القول بالحبس فهو قول ابن حمزة (3)، و مقرب المصنف هنا، و شيخنا

____________

(1) الخصال: 65 حديث 97.

(2) المبسوط 3: 292.

(3) الوسيلة: 440.

19

..........

____________

الشهيد في الدروس (1)، و جمع (2) و وجهه مستفاد ممّا قدمناه في المسألة السابقة، و لأنّه إذا شاع استعمال الكناية في الوقف ففي الحبس أولى- فعلى هذا لا يخرج عن ملك الواقف و ينتقل الملك عنه بعد موته الى ورثته.

و أمّا على القول بصحة الوقف فقال المفيد (3)، و ابن إدريس يرجع الى ورثة الموقوف عليهم، لانتقال الملك الى الموقوف عليهم (4)، و قال ابن زهرة: يرجع الى وجوه البرّ، لخروج الملك عن الواقف فلا يعود اليه، و أقرب شيء إلى مقصوده وجوه البرّ (5)، و ضعفهما ظاهر.

و قال الشيخ: يرجع الى ورثة الواقف (6)، و اختاره جماعة (7)، لما روي عن الصادق (عليه السلام): رجل وقف عليه و على قرابته و اوصى لرجل ليس بينه و بينه قرابة من تلك الغلة بثلاثمائة درهم كل سنة، و ساق الحديث الى أن قال: «فان انقطع ورثته و لم يبق منهم أحد كانت الثلاثمائة درهم لقرابة الميت» (8)، و الظاهر أنّ الوصية بالوقف و إلّا لم يكن لورثة الموصى شيء، كذا قيل و لا حجة فيه على صحته وقفا، و لم لا يجوز أن يكون حبسا بلفظ الوقف.

فان قيل: الأصل في الاستعمال الحقيقة.

قلنا: قد تعذرت ها هنا، لأنّه لو انتقل عن الملك لم يرجع الى الوارث أصلا، و الأصح مختار المصنف هنا. (قال في التذكرة: نمنع كون مطلق الوقف ناقلا، بل الناقل

____________

(1) الدروس: 229.

(2) منهم الشيخ في المبسوط 3: 291، و ابن البراج في المهذب 2: 87، و ابن سعيد في الجامع للشرائع: 369.

(3) المقنعة: 100.

(4) السرائر: 379.

(5) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 541.

(6) المبسوط 3: 293.

(7) منهم ابن فهد في المهذب البارع 2: 93، و السيوري في التنقيح 2: 304.

(8) الكافي 7: 35 حديث 29، الفقيه 4: 179 حديث 630، التهذيب 9: 123 حديث 565.

20

و لو أبّد على أحد تقديرين دون الآخر، مثل أن يقف على أولاده و عقبهم ما تعاقبوا، فان انقرض العقب و لا عقب له فعلى الفقراء و لو انقرض الأولاد و لا عقب لهم فعلى إخوته و اقتصر كان حبسا على التقدير الثاني، و في الأول إشكال. (1)

____________

منه المؤبد خاصة (1).

قلنا: فعلى هذا تكون بعض أقسام الوقف حبسا، و حينئذ فالنزاع راجع الى التسمية فقط) (2).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ قوله: (فالأقرب أنّه حبس يرجع اليه أو الى ورثته بعد انقراضهم) لا يخلو من تسامح، لأنّه لم يخرج عن ملكه فكيف يتصور رجوعه اليه؟.

قوله: «و لو أبّد على أحد تقديرين دون الآخر، مثل أن يقف على أولاده و عقبهم ما تعاقبوا، فإذا انقرض العقب و لا عقب له فعلى الفقراء، و لو انقرض الأولاد و لا عقب لهم فعلى إخوته و اقتصر كان حبسا على التقدير الثاني، و في الأول إشكال).

(1) المتبادر من سياق العبارة أنّ الاشكال في أنّه على التقدير الأول هل هو حبس أو وقف؟ إلا أنّه لا محصل له، إذ لا ريب في كونه وقفا على ذلك التقدير، لأنّه بلفظ الوقف و قد حصل فيه التأبيد فلا يعقل كونه حبسا.

أمّا على التقدير الثاني فإنّه و إن كان بلفظ الوقف إلا أنّه في معنى الحبس فينبغي أن يكون الإشكال في الصحة و الفساد، إلا أنّه إن تطرق احتمال الفساد على التقدير الأول وجب أن يتطرق على التقدير الثاني، لأنّ المانع من الصحة إن كان تعليقه على شرط- كما ذكره الشارح الفاضل (3)- فهو مشترك بين التقديرين على

____________

(1) التذكرة 2: 433.

(2) لم ترد في «ك».

(3) إيضاح الفوائد 2: 380.

21

و لو وقف على من سيولد له، ثم على المساكين أو على عبده، ثم على المساكين فهو منقطع الأول فيحتمل الصحة كمنقطع الآخر، و البطلان إذ لا مقر له في الحال. (1)

____________

أنّه لا تعليق هاهنا، و إنّما هو حكم على تقدير، و إنّما التعليق ما لا يتخير معه، و لو تم ذلك لكان عدم الصحة هنا من فروع اشتراط التنجيز لا من فروع اشتراط التأبيد.

و لو علل الفساد على التقدير الأول بانتفاء التأبيد، لإمكان انقراض الأولاد و لم يوجد لهم عقب فلا ينتقل الى الفقراء، أجيب بأنّ التأبيد إنّما هو على تقدير كونه وقفا خاصة، و من تأمل كلام الشارح الفاضل لم يجد له كثير محصل فالأصح الصحة، لعموم قول العسكري (عليه السلام): «الوقوف على حسب ما وقفها أهلها» (1)، و لحصول شرط الوقف و هو التأبيد على التقدير الّذي جعل به وقفا، و هو مختار الدروس (2).

قوله: (و لو وقف على من سيولد له، ثم على المساكين أو على عبده، ثم على المساكين فهو منقطع الأول فيحتمل الصحة كمنقطع الأخير، و البطلان إذ لا مقر له في الحال).

(1) اختلف كلام الأصحاب في الوقف المنقطع الأول، فقال الشيخ في المبسوط (3) و الخلاف (4) بالصحة، مع إنّه قال في المبسوط الذي يقتضيه مذهبنا عدم الصحة (5).

و اختار المصنف في المختلف البطلان (6) و هو الأصح، لأنّه لو صحّ لزم.

أما صحة الوقف مع انتفاء الموقوف عليه، أو عدم جريان الوقف على حسب ما شرطه الواقف، لأنّه في حال الوقف إن لم يكن ثمة موقوف عليه لزم الأول، و إن كان

____________

(1) الكافي 7: 37 حديث 34، الفقيه 4: 176 حديث 620، التهذيب 9: 129 حديث 555.

(2) الدروس: 229.

(3) المبسوط 3: 293.

(4) الخلاف 2: 131 مسألة 10 كتاب الوقوف.

(5) المبسوط 3: 293.

(6) المختلف: 495.

22

و القبض شرط في صحته، فلو وقف و لم يسلّم الوقف ثم مات كان ميراثا. (1)

و لو وقف على أولاده الأصاغر كان قبضه قبضا عنهم، و كذا الجد و الوصي. (2)

____________

فليس هو من ذكر أولا فيجب أن يكون غيره فيلزم الأمر الثاني، و التالي بقسميه باطل و على القول بالصحة فهل يصرف الوقف في الحال الى من صحّ الوقف عليه؟ فصّل الشيخ في المبسوط فقال: إن كان الّذي بطل الوقف في حقه لا يمكن الوقف على بقائه و اعتبار انقراضه، مثل أن يقف على مجهول أو معدوم فإن منفعة الوقف تصرف الى من صح في حقهم في الحال، و يكون أولئك بمنزلة المعدوم الذي لم يذكر في الوقف.

و إن كان الموقوف عليه أولا يمكن اعتبار انقراضه كالعبد: منهم من قال:

يصرف إليهم في الحال، لأنه لا مستحق غيرهم، و هو الصحيح، و منهم من قال: يصرف الى الفقراء و المساكين مدّة بقاء الموقوف عليه أولا، ثم إذا انقرض رجعت إليهم (1).

إذا عرفت ذلك فقول المصنف: (إذ لا مقر له في الحال) إشارة إلى دليل البطلان، و توضيحه: إنّه لو صحّ لكان الوقف بغير موقوف عليه، و التالي باطل، و الملازمة ظاهرة.

قوله: (و القبض شرط في صحته، فلو وقف و لم يسلم الوقف ثم مات كان ميراثا).

(1) لبطلان الوقف بانتفاء شرطه، و قد ورد التصريح به في رواية عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2).

قوله: (و لو وقف على أولاده الأصاغر كان قبضه قبضا عنهم، و كذا الجد و الوصي).

(2) المتبادر من

____________

(1) المبسوط 3: 293 و 294.

(2) الفقيه 4: 182 حديث 639، التهذيب 9: 137 حديث 577.

23

و في اشتراط فوريته إشكال (1)، و إنّما يشترط القبض في البطن الأول. (2)

و لو كان الوقف على الفقراء فلا بد من نصب قيّم يقبض الوقف، (3)

____________

قوله: (كان قبضه قبضا عنهم) أنّ مجرد كونه مقبوضا في يده كاف في حصول القبض عنهم و إن لم يقصد القبض عنهم. و يشكل بأنّ القبض إنّما يحسب لذي اليد ما لم يقصده لغيره ممن له ولاية عليه، و نحوه.

قوله: (و في اشتراط فوريته إشكال).

(1) ينشأ: من أنّه ركن في العقد فجرى مجرى القبول، خصوصا على القول بعدم اشتراط القبول، و من أصالة عدم الاشتراط و انتفاء دليل يدل عليه، بل رواية عبيد ابن زرارة دالة على عدم الاشتراط حيث علق فيها البطلان بعدم القبض الى أن يموت فانّ مقتضاه الاكتفاء به قبل الموت متى حصل (1)، و الأصح عدم الاشتراط.

قوله: (و إنّما يشترط القبض في البطن الأول).

(2) لتحقق اللزوم بقبضه قطعا، فلو شرط قبض البطن الثاني لا نقلب جائزا و هو معلوم البطلان.

قوله: (و لو كان الوقف على الفقراء فلا بد من نصب قيّم يقبض الوقف).

(3) المراد: نصب القيّم من قبل الحاكم، و لو قبض الحاكم جاز قطعا، لأنّه نائب عن الموقوف عليه.

و مقتضى قوله: (فلا بد) انحصار القبض في الحاكم، فلو قبض أحد الفقراء لم يصحّ، و يدلّ عليه أنّ الوقف هنا إنّما هو على وجهة، لأن الواقف ينظر إلى جهة الفقر

____________

(1) الفقيه 4: 182 حديث 639، التهذيب 9: 137 حديث 577.

24

و لو كان على مصلحة تولّى القبض الناظر فيها. (1)

و لو وقف مسجدا أو مقبرة لزم إذا صلى فيه واحد أو دفن صلاة صحيحة، للإقباض، (2)

____________

و المسكنة، و يقصد سد خلة موصوف بهذه الصفة و لا يقصد شخصا بعينه، و من ثم ينتقل الوقف في نحو ذلك الى اللّه تعالى.

قوله: (و لو كان على مصلحة تولّى القبض الناظر فيها).

(1) أي: على مصلحة من مصالح المسلمين كقنطرة، و إنّما يتولى الناظر فيها القبض لأنّه مقدّم على الحاكم، نعم لو لم يكن لها ناظر خاص كان القبض الى الحاكم.

قوله: (و لو وقف مسجدا أو مقبرة لزم إذا صلى فيه واحد أو دفن صلاة صحيحة للإقباض).

(2) الجار و المجرور. قد ينازعه كل من: (صلى) و (دفن)، و المراد: إنّه يحصل لزوم وقف البقعة مسجدا أو مقبرة بصلاة واحد صلاة صحيحة للإقباض، أو دفن ميت كذلك، فلو صلى قبل العلم بالوقف، أو بعده قبل الاذن في الصلاة، أو بعدهما لا قصدا للإقباض إمّا لذهوله أو غير ذلك لم يلزم، و كذا القول في الدفن.

فان قيل: على ما ذكرت يلزم اشتراط النية في القبض. قلنا: لا يلزم ذلك في مطلق القبض و إنما يشترط هنا، لأنّ مطلق قبض المصلي غير كاف، لأنّه إذا تجرّد عن القصد المقتضى عن تعيين كون القبض لجهة الوقف لم ينصرف إليها، لأنّ القبض مع عدم القصد الصارف إنّما يحسب بالإضافة إلى القابض لا لغيره، و المطلق هنا صرفه إلى الجهة فاحتيج الى القصد.

و لا كذلك لو وقف واقف على زيد و العين مقبوضة في يده، أو وهب منه كذلك، أو رهن عنده كذلك أيضا، لأنّ القبض محسوب له فلا حاجة الى قصد تعيينه، نعم لو كان القابض وكيلا في قبول الوقف أو الرهن أو الهبة مثلا فلا بدّ من قصد القبض عن الغير.

25

و الأقرب أن قبض الحاكم كذلك. (1)

و لو وقف على نفسه بطل (2)، و لو وقف على نفسه ثم على غيره فهو منقطع الأول، (3)

____________

لكن يردّ عليه: إنّ الإقباض فعل الواقف لا فعل المصلي، و يمكن الحمل على ذلك، و المعنى صحيح، لأنّ المراد حينئذ: إذا صلى واحد لإقباض الواقف إياه، أي: إذا أوقع الصلاة لأنّ الواقف قد أذن له في القبض فكان إقباضه هو اذنه فيه و حمله عليه. و حينئذ فتكون الصلاة مقصودا بها لقبض، و مأذونا فيها لأجله من الواقف فيتحقق ما به اللزوم، لأنّك قد عرفت أنّه لا بد من القبض بعد الإقباض فلا يعتد به من دونه.

و هذا الذي ذكره المصنف يدل على أنّ المقبوض بيد الولي إذا وقفه مالكه على الطفل و لم يعلم الولي، أو علم و ذهل عن قصد كون القبض للطفل لا يعتد به. و كذا لو وقف الولي ما بيده و ذهل عن القبض للطفل، لانّ القبض محسوب للواقف فما لم يحصل قصد يقتضي صرّفه الى الطفل لم ينصرف اليه، و كذا القول في الوكيل.

قوله: (و الأقرب أنّ قبض الحاكم كذلك).

(1) أي: الأقرب أنّ قبض الحاكم للمسجد و المقبرة بالتخلية المعتبرة في نظائرها مثل الصلاة و الدفن للإقباض، و وجه القرب: أنّه نائب للمسلمين و هو في الحقيقة وقف عليهم، و لأنّ الوالي للمصالح العامة هو فيعتبر قبضه. و يحتمل العدم، لعدم النص، و لم يذكر إلّا الأول، و ضعفه ظاهر، و الأصحّ الاكتفاء به.

قوله: (و لو وقف على نفسه بطل).

(2) لأنّه لا بد من إخراج الوقف عن ملكه، فلا يعقل وقفه على نفسه.

قوله: (و لو وقف على نفسه ثم على غيره فهو منقطع الأول).

(3) حيث أنّ العطف ب(ثم) المقتضية للترتيب، و قد سبق في كلام المصنف التردد فيه، و اخترنا نحن البطلان.

26

و لو عطف بالواو فالأقرب اختصاص الغير بالنصف و بطلان النصف في حقه. (1)

____________

قوله: (و لو عطف بالواو فالأقرب اختصاص الغير بالنصف و بطلان النصف في حقه).

(1) وجه القرب: أنّ العطف يقتضي التساوي و التشريك بين المعطوف و المعطوف عليه فيكون قد وقف على كل منهما النصف، و حيث بطل الوقف في أحدهما كان ذلك النصف باقيا على ملك المالك، لعدم صحته فيما عيّن له فيبقى على ملك المالك.

و يحتمل ان يكون الكل للغير، لأنّ الموقوف بالنسبة الى كل من المعطوف و المعطوف عليه هو المجموع من حيث هو مجموع، و الحكم بالتنصيف إنّما نشأ من امتناع كون المجموع وقفا على كل منهما، فإذا امتنع الوقف على أحدهما انصرف وقف المجموع الى الآخر، و فيه نظر، لأنّه إنّما وقف عليهما و إن كان وقف المجموع على كل منهما، لأن مقتضى هذه الصيغة التنصيف، لأنّ مقتضاها أن يكون لكل منهما حصة في الوقف، فإذا بطل بالنسبة إلى أحدهما لم يجز صرّف الموقوف كله الى الآخر، لأنّه خلاف مدلول الصيغة و خلاف مراد الواقف، و العقود تابعة للقصود.

فان قيل: هذا الوقف منقطع الأول، لأنّ الموقوف عليه هو المجموع و قد بطل الوقف بالنسبة إلى البعض فيبطل بالنسبة إلى المجموع، لأنّ انتفاء الجزء يقتضي انتفاء الكل.

قلنا: ليس كذلك، لأنّ المراد بمنقطع الأول: من ليس في الطبقة الاولى من يصحّ الوقف عليه كما لو وقف على نفسه ثم على الفقراء، و هنا ليس كذلك، لأنّ الطبقة الاولى هو نفسه و الغير فإذا بطل في البعض بقي بعض الطبقة. نعم يرد عليه انتفاء الموقوف عليه بانتفاء بعضه، و يجاب:

أولا: بأنّا لا نسلّم أنّ الموقوف عليه المجموع من حيث المجموعية بل كل منهما.

و ثانيا: بأنّ الوقف تحبيس و ليس معاوضة، فإذا أخرج الواقف عن نفسه

27

و لو شرط قضاء ديونه، أو إدرار مؤنة، أو الانتفاع به بطل الوقف (1) بخلاف ما لو وقف على الفقهاء و هو منهم، أو على الفقراء فصار فقيرا فإنّه يشارك. (2)

____________

أمرين فبطل إخراج أحدهما لا يجب بطلان الآخر، بل يجب أن يصحّ بطريق أولى، لأنّ من رضي بإخراج قدر من ماله بغير عوض فهو راض بإخراج ما دونه بطريق أولى، بخلاف المعاوضات فإن الأغراض تتعلق بمقابلة المجموع بالمجموع لأنّها مبنية على ذلك، فلا يلزم من الرضى بالمعاوضة على المجموع الرضى بالمعاوضة على البعض.

و مثله ما لو أقر بأمرين أو لشخصين فبطل في أحدهما، أو أعتق عبدين فبطل في أحدهما فإنّه في الآخر نافذ، و الأصح ما قرّبه المصنف.

قوله: (و لو شرط قضاء ديونه، أو إدرار مؤنته، أو الانتفاع به بطل الوقف).

(1) لأنّ الشرط مناف لمقتضاه، فإنّه لا بدّ من إخراجه عن نفسه بحيث لا يبقى له استحقاق فيه، لأنّ الوقف يقتضي نقل الملك و المنافع عن نفسه، فإذا شرط قضاء ديونه، أو إدرار مؤنته، أو نحو ذلك فقد شرط ما ينافي مقتضاه فيبطل الشرط و الوقف معا.

قوله: (بخلاف ما لو وقف على الفقهاء و هو منهم، أو على الفقراء فصار فقيرا فإنّه يشارك).

(2) و الفرق أنّ ذلك ليس وقفا على نفسه و لا على جماعة منهم، فانّ الوقف على الفقهاء ليس وقفا على الأشخاص المتصفين بهذا الوصف، بل على هذه الجهة المخصوصة، و لهذا لا يشترط قولهم و لا قبول بعضهم و إن أمكن، بل و لا يعتد به، و كذا القبض و لا ينتقل الملك إليهم، و لا يجب صرّف نماء الوقف الى جميعهم، و إنّما ينتقل الملك في مثل ذلك الى اللّه سبحانه، و يكون الوقف على الجهة مرجعه الى تعيين المصرّف.

28

و لو شرط عوده اليه عند الحاجة صحّ الشرط و صار حبسا و بطل وقفا، بل يرجع اليه مع الحاجة و يورّث. (1)

____________

و كذا القول في جميع الوقوف العامة، كما لو وقف مسجدا فانّ له أن يصلّي فيه، أو بئرا فإنّ له أن يشرب منها، و نحو ذلك.

و لا فرق في الصحة بين أن يكون في وقت الوقف متصفا بالصفة التي هي مناط الوقف- كما لو كان فقيها حين الوقف على الفقهاء- أو لا، كما لو وقف على الفقراء ثم افتقر. و منع ابن إدريس من انتفاع الواقف بالوقف في مثل ذلك، لخروجه عنه فلا يعود اليه، و امتناع وقفه على نفسه (1)، و هو ضعيف، لما بيناه.

و يوجد في حواشي شيخنا الشهيد: أنّه يشارك ما لم يقصد منع نفسه أو إدخالها، و هو حسن. فإذا قصد إدخال نفسه فقد وقف على نفسه، فلا يصحّ الوقف من رأس، و إذا قصد منع نفسه فانّ تخصيص العام بالنية جائز، و كذا تقييد المطلق فيجب اتباع ما شرطه لحديث العسكري (عليه السلام) (2).

قوله: (و لو شرط عوده اليه عند الحاجة صحّ الشرط و صار حبسا و بطل وقفا، بل يرجع اليه مع الحاجة و يورث).

(1) إذا شرط في الوقف عوده اليه عند الحاجة طلقا ففي صحة الشرط و العقد و بطلانهما، و صحة الشرط على أن يكون حبسا و يبطل كونه وقفا ثلاثة أقوال للأصحاب:

الأول: صحتهما، فإن حصلت الحاجة و رجع صحّ الرجوع و عاد ملكا. و إن لم يرجع حتى مات كان وقفا نافذا، و هو مختار السيد المرتضى في ظاهر كلامه (3)،

____________

(1) السرائر: 377.

(2) الكافي 7: 37 حديث 34، التهذيب 9: 129 حديث 555.

(3) الانتصار: 226.

29

..........

____________

و صريح كلام المصنف في المختلف عملا بمقتضى العقل (1).

الثاني: بطلانهما، و هو مختار الشيخ (2) و ابن إدريس (3)، لأنّ هذا الشرط خلاف مقتضى الوقف، لأنّ الوقف إذا تمّ لم يعد الى المالك على حال فيكون فاسدا و يفسد به العقد.

الثالث: صحة الشرط على أن يكون حبسا لا وقفا، و اختاره المصنف هنا و في التذكرة (4) و التحرير (5)، لما بينهما من الاشتراك، و لما رواه إسماعيل بن الفضل عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير، قال: إن احتجت إلى شيء من المال فأنا أحق به ترى ذلك له و قد جعله اللّه يكون له في حياته فإذا هلك الرجل يرجع ميراثا أو يمضي صدقة؟ قال: «يرجع ميراثا على أهله» (6).

و المراد بالصدقة في الرواية: الوقف، بدليل باقيها، فيكون دليلا على الصحة، و حيث علم أنّ الوقف لا بد فيه من التأبيد فلا يكون ذلك إلّا حبسا، فلا يخرج عن ملك المالك بل يورث عنه بعد موته.

نعم هنا إشكال و هو: إنّه قد جعل نهاية الحبس حصول الحاجة، فإذا مات قبل حصولها و رجوعه وجب أن يبقى الحبس على ما كان.

و جوابه: أنّ الحاجة تتحقق بالموت فانّ الميت فقير، و أيضا فإنّ الحبس لا بد أن يكون له نهاية، و حيث لم تكن له نهاية في هذه الصورة جعل موته النهاية، لأنّه محل

____________

(1) المختلف: 490.

(2) المبسوط 3: 300.

(3) السرائر: 377.

(4) التذكرة 2: 434.

(5) التحرير 1: 285.

(6) التهذيب 9: 135 حديث 568.

30

و لو شرط الخيار في الرجوع عنه بطل الشرط و الوقف (1)، و يجب اتّباع كل شرط لا ينافي مقتضى العقد. (2)

____________

انتقال الملك الى الوارث، و لا دليل على بقاء الحبس بعد الموت، و الرواية نصّ في ذلك.

و لا يخفى أنّ القول الأول مبني على أنّ الوقف لا يشترط فيه التأبيد، و الأصحّ هو الثالث.

و أعلم أنّ قول المصنف: (و يورث) المراد به: إنّه يورث بموته و إن لم يرجع فيه قبل الموت، لأنّه باق على ملكه على القول بأنّه حبس و أعلم أيضا أن المراد بالحاجة هو الفقر، نظرا الى المتعارف بين أهل الشرع، إذ لا شك في أنّ مستحق الزكاة محتاج شرعا و عرفا.

قوله: (و لو شرط الخيار في الرجوع عنه بطل الشرط و الوقف).

(1) لأن ثبوت الخيار مناف لمقتضى الوقف المبني على اللزوم التام الذي لا يقبل الفسخ بحال.

فان قيل: اشتراط عوده عند الحاجة أيضا مناف فلم جوزتموه.

قلنا: هو مناف للوقف لا للحبس، و لهذا حكمنا بصحته حبسا فان قيل: فلم لا يصحّ هذا حبسا.

قلنا: لأنّ الحبس لازم إلى أمد، و مشروط الخيار ليس كذلك فلا يكون وقفا و لا حبسا.

قوله: (و يجب اتباع كل شرط لا ينافي مقتضى العقد).

(2) لعموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، و عموم قوله: (المسلمون عند شروطهم) (2).

____________

(1) المائدة: 1.

(2) الكافي 5: 404 حديث 8، التهذيب 7: 371 حديث 1503، الاستبصار 3: 232 حديث 835، صحيح البخاري 3: 120، سنن الترمذي 2: 403 حديث 1363.

31

و لو شرط إخراج من يريد بطل. (1)

و لو شرط إدخال من يولد، أو من يريد مع الموقوف عليهم جاز، سواء كان الوقف على أولاده أو غيرهم. (2)

____________

قوله: (و لو شرط إخراج من يريد بطل).

(1) و ذلك، لأنّ بناء الوقف على اللزوم، فإذا شرط إخراج من يريد من الموقوف عليهم كان منافيا لمقتضى الوقف، إذ هو بمنزلة اشتراط الخيار.

قوله: (و لو شرط إدخال من يولد، أو من يريد مع الموقوف عليهم جاز سواء كان الوقف على أولاده أو غيرهم).

(2) لا ريب أنّه لو وقف و شرط إدخال من سيولد من أولاده و غيرهم في الوقف صحّ تبعا للموجودين.

أمّا لو شرط إدخال من يولد، أو من يريد مع الموقوف عليهم فإنّه يصحّ عند المصنف، لأنّه شرط لا ينافي مقتضى الوقف، لأنّه يصحّ اشتراط دخولهم فيصحّ اشتراط إدخاله إياهم، سواء كان الوقف على أولاده الأصاغر أو غيرهم، بخلاف ما إذا أطلق و لم يشترط ذلك، إلّا على قول من جوز ذلك إذا كان الوقف على أولاده الأصاغر على ما سيأتي عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

و يظهر من عبارة الدروس: أنّ اشتراط ذلك في العقد يقتضي البطلان (1)، و هو بعيد، لعدم المنافاة، و لعموم قوله (عليه السلام): «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (2)، و الأصحّ الصحة.

فإن قيل: هذا مناف للوقف من حيث أنّ إدخال من سيوجد يقتضي نقصان حصة الموقوف عليهم، فيكون إبطالا للوقف في ذلك البعض بالنسبة إليهم.

____________

(1) الدروس: 232.

(2) الكافي 7: 37 حديث 34، من لا يحضره الفقيه 4: 176 حديث 620، التهذيب 9: 129 حديث 555.

32

و لو شرط نقله عن الموقوف عليهم الى من سيوجد بطل على إشكال (1)

____________

قلنا: أولا: إنّ العقد لما تضمن هذا الشرط لم يكن لهم حق إلّا معه، فلم يستحقوا شيئا إلّا بالشرط.

و ثانيا: إنّ الوقف يجب لزومه في حق الموقوف عليهم في الجملة، أما في قدر النصيب فلا قطعا، لأنّه لو وقف عليهم و على عقبهم لكان نصيب الموقوف عليهم بعد حصول العقب أنقص قطعا.

قوله: (و لو شرط نقله عن الموقوف عليهم الى من سيوجد بطل على إشكال).

(1) ينشأ: من أنّ وضع الوقف على اللزوم، فإذا شرط نقله فقد شرط خلاف مقتضاه فيبطل الشرط و العقد، و من عموم الرواية عن العسكري (عليه السلام) (1)، و إنّه يجوز الوقف على أولاده سنة ثم على المساكين.

و ادعى المصنف في التذكرة على صحته الإجماع (2)، و ذلك يقتضي منع منافاة الشرط لمقتضى الوقف، و لأنّه يصحّ الوقف باعتبار صفة للموقوف عليهم، كما لو وقف على أولاده الفقراء فإذا زالت انتقل الوقف الى من بعدهم قطعا. و ذهب الشيخ الى البطلان بذلك مدعيا الإجماع (3)، و هو الأصحّ. و يمكن الفرق بين ما هنا و بين إناطة الوقف بصفة في الموقوف عليهم، مثل فقراء أولاده أو فقهائهم: بأنّ الوقف في الثاني لم يكن على الأولاد بل على الفقراء منهم، فإذا زال الفقر انتفى الموقوف عليهم، فكان ذلك جاريا مجرى موتهم و عدمهم، بخلاف ما إذا ثبت الوقف لهم و شرط نقله عنهم باختياره فانّ ذلك إبطال للوقف باختياره.

____________

(1) الكافي 7: 37 حديث 34، الفقيه 4: 176 حديث 620، التهذيب 9: 129 حديث 555.

(2) التذكرة 2: 434.

(3) المبسوط 3: 293.

33

و كذا الإشكال لو قال: على أولادي سنة ثم على الفقراء. (1)

و لو وقف على أصاغر أولاده لم يجز له أن يشارك غيرهم مع الإطلاق على رأي، (2)

____________

قوله: (و كذا الاشكال لو قال: على أصاغر أولادي سنة ثم على الفقراء).

(1) منشأ الاشكال هنا قريب من الذي قبله، فانّ ثبوت الملك للأولاد بالوقف يقتضي أن لا ينتقل عنهم إلّا بسبب ناقل شرعا، فهذا الشرط مناف لمقتضى الوقف فيبطل. و من أنّه وقف مؤبد متصل الابتداء و الانتهاء و الوسط.

و ادعى المصنف في التذكرة على صحة هذا الوقف الإجماع (1)، و أفتي بذلك في كتبه (2)، فلا سبيل الى القول بالبطلان، لأنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة.

قال: و كذا لو قال: هذا وقف على ولدي مدة حياتي، ثمّ هو بعد موتي للمساكين صحّ إجماعا (3).

و أعلم أنّ بين هذه المسألة و التي قبلها فرقا: من حيث أنّه في تلك شرط نقله على الموقوف عليهم الى من سيوجد، و في هذه وقفه على أولاده سنة، ثم بعد مضيها هو وقف على المساكين فينتقل إليهم من غير أن ينقله هو.

قوله: (و لو وقف على أصاغر أولاده لم يجز له أن يشارك غيرهم مع الإطلاق على رأي).

(2) ذهب الشيخ في النهاية إلى جواز ذلك (4)، و كذا ابن البراج (5)، لكنه منع من

____________

(1) التذكرة 2: 434.

(2) تحرير الأحكام 1: 286.

(3) التذكرة 2: 434.

(4) النهاية: 596.

(5) المهذب 2: 89.

34

و يجوز أن يشترط النظر لنفسه، و للموقوف عليه، و لأجنبي (1)، فان لم يعيّن كان الى الموقوف عليه إن قلنا بالانتقال اليه. (2)

____________

ذلك إذا كان قد شرط قصره على الموجودين، محتجين برواية عبد اللّه بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام): في الرجل يجعل لولده شيئا و هم صغار، ثم يبدو له يجعل معهم غيرهم من ولده، قال: «لا بأس» (1) و قريب منها رواية محمد بن سهل، عن أبيه عن أبي الحسن (عليه السلام): عن الرجل يصدّق على بعض ولده الحديث (2).

و لا دلالة فيهما على أنّ ذلك وقع على سبيل الوقف، لأنّ الجعل و الصدقة أعمّ منه، بل ربما لم يكن السبب مقتضيا للزوم، و الأصح عدم الجواز وفاقا لباقي الأصحاب و وقوفا مع ظاهر النص.

قوله: (و يجوز أن يشترط النظر لنفسه، و للموقوف عليه، و لأجنبي).

(1) لا ريب أنّ كل شرط لا ينافي مقتضى الوقت يجوز اشتراطه في العقد، و يجب الوفاء به حينئذ.

و لا شبهة في أن اشتراط النظر للواقف لا ينافي الوقف، بل ربما كان أدخل في جريانه على جهة الوقف و كذا غيره، و عموم الكتاب و السنة يقتضي وجوب العمل بهذا الشرط. نعم لو لم يكن الاشتراط في متن العقد لم يعتد به، و منع ابن إدريس من جواز اشتراط الواقف النظر لنفسه (3)، و هو ضعيف.

قوله: (فان لم يعين كان الى الموقوف عليه إن قلنا بالانتقال إليه).

(2) سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيان انتقال الوقف الى ملك الموقوف عليه إن كان معينا، و الى اللّه سبحانه إن كان غير معيّن، فحينئذ إن لم يعيّن الواقف من اليه النظر

____________

(1) الكافي 7: 31 حديث 9، التهذيب 9: 136 حديث 572، الاستبصار 4: 100 حديث 385. و فيها عن عبد الرحمن بن الحجاج.

(2) التهذيب 9: 136 حديث 574، الاستبصار 4: 101 حديث 388.

(3) السرائر: 377.

35

و لو شرط بيعه متى شاء، أو هبته، أو الرجوع عنه بطل الوقف (1) و لو شرط أكل أهله منه صحّ الشرط. (2)

____________

كان النظر الى الموقوف عليه، لأنّه المالك حقيقة.

و إن قلنا بانتقال الملك الى اللّه سبحانه فالنظر الى الحاكم.

و إن قلنا ببقاء الملك للواقف فالنظر له و احتمل بعضهم كون النظر له مع عدم اشتراطه لغيره.

و إن قلنا بانتقال الملك عنه، نظرا الى أنّ الملك و النظر كانا له فإذا زال أحدهما بقي الآخر.

قوله: (و لو شرط بيعه متى شاء، أو هبته، أو الرجوع فيه بطل الوقف).

(1) لمنافاة ذلك كله مقتضى الوقف، و في الفرق بين هذه و بين اشتراط الخيار فالرجوع عنه تأمل، فيكون تكرارا.

قوله: (و لو شرط أكل أهله منه صحّ الشرط).

(2) لأنّه شرط لا ينافي مقتضى الوقف فلا يبطل به، و لأنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) شرطه (1)، و شرطته فاطمة (عليها السلام) (2). و لا فرق بين كون الأهل واجبي النفقة و عدمه، فتسقط نفقتهم بذلك إن استغنوا، إلّا الزوجة فانّ نفقتها كالدين، بخلاف نفقة القريب فإنّها لدفع حاجته.

و توقف في الدروس في جواز اشتراط أكل الزوجة (3)، و يظهر منه التردد في بقاء نفقتها معه، و ليس بجيد، لأنّ نفقتها ليست تابعة لفقرها، حتى لو شرط نفقتها الواجبة عليه من الوقف بطل قطعا، كما لو شرط نفقة نفسه فلا وجه لما ذكره، و لم

____________

(1) الكافي 7: 47 باب صدقات النبي (ص).

(2) الكافي 7: 48 حديث 5، الفقيه 4: 180 حديث 632، التهذيب 9: 144 حديث 603.

(3) الدروس: 230.

36

[المطلب الثاني: في المتعاقدين]

المطلب الثاني: في المتعاقدين:

[أمّا الواقف]

أمّا الواقف فيشترط فيه: البلوغ، و العقل، و جواز التصرف فلا يصحّ وقف الصبي و إن بلغ عشرا (1)، و لا المجنون، و لا المحجور عليه لسفه أو فلس (2)، و لا المكره (3)، و لا الفضولي. (4)

____________

يتعرضوا لتفسير الأهل هاهنا.

قوله: (فلا يصحّ وقف الصبي و إن بلغ عشرا).

(1) قد ورد في عدة أخبار جواز صدقته إذا بلغ عشرا (1)، و ذلك يؤذن بجواز وقفه إذ الوقف صدقة، و الأصح عدم الجواز، لأنّ عبارته لا يعتد بها، لرفع القلم عنه، و الحجر عليه في التصرّف المالي ثابت، و مثل هذه الأخبار لا تنهض معارضا للمتواتر.

قوله: (و لا المحجور عليه لسفه أو فلس).

(2) ذكر الشهيد أنّه إذا أجاز الغرماء يصحّ، و على هذا فإذا أجاز الولي وقف السفيه صح مع المصلحة لصحة عبارته.

قوله: (و لا المكره).

(3) لا شك في عدم وقوعه من المكره، لعدم القصد، لكن لو رضي بعد فهل ينفذ؟

لم يصرحوا بشيء هنا، و إنّما ذكر في البيع، و يجيء على اشتراط القربة عدم النفوذ، لانتفاء الشرط، و قصدها بعد قد يتخيل كونه غير مؤثر، و يتحقق الإكراه بالخوف على النفس أو المال و إن قلّ، أو العرض إن كان من أهل الاحتشام.

قوله: (و لا الفضولي).

(4) سيأتي في كلامه إنّ الأقرب لزومه مع الإجازة فيكون رجوعا عن هذا، إلّا أن يحمل على أنّ المراد: عدم صحته بنفسه من دون الإجازة.

____________

(1) الكافي 7: 28 باب وصية الغلام، الفقيه 4: 145 حديث 501- 503، التهذيب 9: 181 حديث 726 و ما بعده.

37

و يصحّ وقوعه من المالك و وكيله. (1)

و لو وقف في مرض الموت خرج من الثلث مع عدم الإجازة (2)، و كذا لو جمع بينه و بين غيره (3) و يبدأ بالأول فالأول. (4)

و لو قال: هو وقف بعد موتي احتمل البطلان، لأنّه تعليق، و الحكم بصرفه إلى الوصية بالوقف. (5)

____________

قوله: (و يصح وقوعه من المالك و وكيله).

(1) إنّما يصح التوكيل فيه، لأنّه فعل لم يتعلق غرض الشارع بإيقاعه من مباشر معيّن.

قوله: (و لو وقف في مرض الموت خرج من الثلث مع عدم الإجازة).

(2) لأنّ الوقف من التبرعات، اللهم إلّا أن ينذره في حال الصحة.

قوله: (و كذا لو جمع بينه و بين غيره).

(3) أي: يخرج مع ذلك الغير من الثلث إذا كان تبرعا بأن لم يكن واجبا ماليا.

قوله: (و يبدأ بالأول فالأول).

(4) أي: لو ضاق الثلث عن التبرعات و رتب بينها بدئ بالأول ثم الذي بعده فيختص البطلان بما ضاق عنه الثالث مما وقع آخرا، و لو نسي الأول احتمل التوزيع و القرعة، و الثاني قريب.

قوله: (و لو قال: هو وقف بعد موتي احتمل البطلان لأنّه تعليق، و الحكم بصرفه إلى الوصية بالوقف).

(5) لا ريب أنّه لا يراد بهذه الصيغة الخبر قطعا، فبقي أن يراد بها الإنشاء، و هي بنفسها إنّما يدل مطابقه على إنشاء الوقف بعد الموت بهذه الصيغة المأتي بها الآن و ذلك يقتضي البطلان، لإخلاله بكون الصيغة سببا تاما في حصول الوقف، بل يكون لحصول الموت دخل في ذلك، و ذلك معنى التعليق فيكون باطلا، لأنّ العقود إنّما تصح

38

[و أمّا الموقوف عليه]

و أمّا الموقوف عليه فيشترط فيه أمور أربعة: الوجود، و التعيين، و صحة التملك، و تسويغ الوقف عليه. فلو وقف على المعدوم ابتداء، أو على الحمل كذلك لم يصحّ، (1)

____________

إذا كانت سببا تاما في إنشاء ما يطلب بها، و إلّا لم يترتب عليها أثرها و ذلك هو معنى البطلان.

و لا دلالة لها على الوصية إلّا بتكلف تقدير ما لا يدل عليه اللفظ، و لا يدل عليه دليل بإن ينزل على أنّ المراد أريد جعله وقفا بعد الموت، و ارتكاب مثل ذلك تعسف محض.

و إجراء الأحكام الشرعية على أمثال هذه الألفاظ التي لا دلالة لها على المراد من الأمور المستبعدة جدا، فقد سبق إنّه لو قال قائل لآخر: اقبض ديني الذي على فلان لك لم يصح و إن كان المأمور ذا دين على الآمر.

و قد سبق في الوكالة أنّه لو قال: اشتر لي بمالك كذا لم يصحّ، مع أنّ المراد معلوم و التقدير ممكن، و الاحتجاج بأنّ ذلك مستعمل في الوصية كثيرا، و بأنّ الأصل الصحة، و لا يتحقق إلّا بالحمل ضعيف، لمنع الاستعمال المدعى، و التزام عدم تأثيره ما لم يصرّ معنى اللفظ حقيقة أو مجازا، و أصالة الصحة في الصيغة المذكورة لا يقتضي جعلها وصية ما لم ينضم إليها ما يدل على ذلك.

و في حواشي شيخنا الشهيد: أنّ هذا إذا لم يعلم القصد فإن علم فلا بحث و فيه نظر، لأنّ مجرد القصد لا تأثير له ما لم يوجد اللفظ الدّال عليه حقيقة أو مجازا، و الذي يقتضيه النظر و سبق الحكم به في نظائره البطلان. نعم لو شاع استعمال ذلك في الوصية و اشتهر لم يبعد القول بصحة وصيته.

قوله: (فلو وقف على المعدوم ابتداء، أو على الحمل كذلك لم يصحّ).

(1) المراد بقوله: (كذلك): كونه ابتداء، و المراد بكونه ابتداء: أن يكون هو الطبقة الأولى. فأمّا المعدوم فظاهر، و أمّا الحمل، فلأنّه لم يثبت تملكه إلّا في الوصية،

39

و لو وقف عليهما تبعا للموجود صحّ.

و لو وقف على أحد الشخصين، أو إحدى القبيلتين، أو على رجل غير معيّن، أو امرأة بطل. (1)

و لو وقف على قبيلة عظيمة كقريش و بني تميم صحّ. (2)

____________

و لعدم القطع بحياته. و الفرق بين الوصية و الوقف: إنّ الوصية تتعلق بالمستقبل، و الوقف تسليط في الحال.

و احترز بقوله: (ابتداء) عمّا لو وقف على المعدوم، أو الحمل تبعا لغيره فإنّه يصحّ، كما لو وقف على أولاده و من سيولد له لوجود من يصحّ الوقف به. و قد صرّح بهذا المحترز بقوله: (و لو وقف عليهما تبعا للموجود صحّ).

قوله: (و لو وقف على أحد الشخصين، أو إحدى القبيلتين، أو على رجل غير معيّن أو امرأة بطل).

(1) أي: امرأة غير معيّنة، و وجه البطلان انتفاء الموقوف عليه، لأنّ ما ليس بمعيّن في نفسه ليس بموجود، و لأنّ الوقف يقتضي التمليك و لا يعقل تمليك من ليس معيّنا.

قوله: (و لو وقف على قبيلة عظيمة كقريش و بني تميم صحّ).

(2) أسند القول بالصحة في التذكرة إلى علمائنا (1)، و ظاهره الإجماع على ذلك، و وجه الصحة ظاهر، فإنّ انتشار القبيلة لا يمنع صحة الوقف كالوقف على الفقراء و المساكين فإنّه يصحّ اتفاقا.

و قال ابن حمزة من أصحابنا (2)، و الشافعي: لا يصح الوقف على من لا يمكن استيعابهم و حصرهم (3)، و هو منقوض بالوقف على الفقراء، و لو وقف على أهل بلد

____________

(1) التذكرة 2: 430.

(2) الوسيلة: 441.

(3) المغني لابن قدامة 6: 261.

40

و لو قال: وقفت أو هذه صدقة موقوفة و لم يذكر المصرف بطل. (1)

و لو وقف على المسلمين فهو لمن صلى إلى القبلة، (2)

____________

كبغداد، أو أهل قطر كالعراق، أو على كافة بني آدم صحّ عندنا.

قوله: (و لو قال: وقفت أو هذه صدقة موقوفة و لم يذكر المصرف بطل).

(1) لأنّ الموقوف عليه أحد أركان العقد و قد أخل به، و لا يحمل ذلك على ارادة عموم الوقف، لانتفاء ما يدل على ذلك. و قال ابن الجنيد: إذا قال صدقة للّه و لم يسمّ صرف في مستحقي الزكاة (1)، و هو ضعيف.

قوله: (و لو وقف على المسلمين فهو لمن صلى إلى القبلة).

(2) أي: لمن دان بذلك و كان شأنه باعتبار معتقده أن يفعله، و هذا هو مذهب أكثر الأصحاب، نظرا الى عموم اللّفظ. و يندرج في المسلمين من كان بحكمهم من أطفالهم و مجانينهم، صرّح به ابن حمزة (2)، و المصنف في المختلف (3)، لاندراجهم فيهم باعتبار الاستعمال الشائع و دخولهم تبعا كما يدخل الإناث في صيغة الذكور.

و قال ابن إدريس: إنّه إذا وقف المسلم المحق شيئا على المسلمين كان ذلك للمحقين من المسلمين، لدلالة فحوى الخطاب و شاهد الحال عليه، كما لو وقف الكافر وقفا على الفقراء كان ذلك ماضيا في فقراء أهل نحلته خاصة بشهادة دلالة الحال عليه (4).

و يضعّف بأنّ تخصيص عام لا يقتضي تخصيص عام آخر، و ما ادعاه من دلالة فحوى الخطاب و شاهد الحال على ذلك ممنوع، و الفرق بين المسلمين و الفقراء قائم،

____________

(1) المختلف: 496.

(2) الوسيلة: 442.

(3) المختلف: 493.

(4) السرائر: 378.

41

و يحرم الخوارج و الغلاة. (1)

و لو وقف على المؤمنين فهو للاثني عشرية، و قيل: لمجتنبي الكبائر. (2)

____________

فانّ إرادة الوقف على جميع الفقراء على اختلاف آرائهم و مقالاتهم و تباين معتقداتهم أمر تشهد العادات بنفيه، فلما لم يكن دليل على التخصيص تمسكنا بقرينة النحلة و الدين فأمّا الوقف على جميع المسلمين فهو أمر راجح في نظر الشارع مطلوب، و مثله واقع كثير فيجب إجراؤه على ظاهره.

قوله: (و يحرم الخوارج و الغلاة).

(1) أي: يحرمون من الوقف، فلا يكون إطلاق الوقف على المسلمين متناولا لهم، لأنّهم كفّار، و لا وجه لتخصيصهم بالذكر، بل كل من ارتكب ما يقتضي كفره لا يندرج فيهم، و لا يخفى أنّ العبارة لا تتناول الجميع، و استثنى في الدروس من حرمانهم ما إذا كان الواقف منهم (1)، و فيه قوة.

قوله: (و لو وقف على المؤمنين فهو للاثني عشرية، و قيل لمجتنبي الكبائر).

(2) إطلاق (المؤمنون) على الاثني عشرية هو المتعارف بين الأصحاب، و القائل باشتراط مجانبة الكبائر هو الشيخ في النهاية (2)، و هو ضعيف، لأنّ الفاسق مندرج في المؤمنين.

قال المصنف في المختلف: التحقيق إنّ الايمان إنّ جعلناه مركبا من الاعتقاد القلبي و العمل بالجوارح لم يكن الفاسق مؤمنا، و إن جعلناه عبارة عن الأول كان مؤمنا (3)، و الحاصل أنّ قول الشيخ ضعيف، و عنه قول آخر في التبيان يقتضي دخول

____________

(1) الدروس: 232.

(2) النهاية: 597.

(3) المختلف: 494.

42

و الشيعة: كل من قدّم عليا (عليه السلام) كالإمامية، و الجارودية من الزيدية و الكيسانية، و غيرهم. (1)

____________

الفساق (1)، حكاه في التذكرة (2)، و هو صحيح.

قوله: (و الشيعة كلّ من قدّم عليا (عليه السلام) كالإمامية، و الجارودية من الزيدية، و الكيسانية، و غيرهم).

(1) إنّما قيّد ب(الجارودية من الزيدية) ليخرج البترية منهم و قد صرّح بذلك الشيخان (3)، و غيرهما (4)، و البترية ينسبون إلى المغيرة بن سعيد و لقبه الأبتر، و ربّما وجد بخط بعضهم أنّه بتير الثومي (5).

و قال ابن إدريس: إذا كان الواقف من إحدى فرق الشيعة حمل كلامه العام على شاهد حاله و فحوى قوله، و خصص به و صرف الى أهل نحلته دون من عداهم (6)، و نفى عنه البأس في التذكرة (7) و المشهور الأول.

و ينبغي أن يقال: إن كان الواقف يعتقد وقوع اسم الشيعة على الجميع كما هو المتعارف فالعمل بعموم اللفظ كما في المسلمين هو المختار، و إلّا حمل اللفظ على مراد قائله.

و أعلم أنّ الكيسانية- ينسبون الى كيسان مولى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و يقال أنّه تلميذ محمد بن الحنفية- يقولون بغيبة محمد رضي اللّه عنه، و إنّما استثنى

____________

(1) التبيان 2: 81.

(2) التذكرة 2: 430.

(3) الشيخ المفيد في المقنعة: 100، و الشيخ الطوسي في النهاية: 598.

(4) كابن حمزة في الوسيلة: 442، و ابن البراج في المهذب 2: 89.

(5) في النسخة الحجرية: بتر العوقي، و في الخطية: الفرقي. و ما أثبتناه هو الصحيح. انظر: كتاب التعريفات للجرجاني: 19 معجم الفرق الإسلامية لشريف يحيى الأمين: 51.

(6) السرائر: 378.

(7) التذكرة 2: 430.

43

و الزيدية: كل من قال بإمامة زيد بن علي. (1)

و الهاشميون: كل من انتسب الى هاشم من ولد أبي طالب و الحارث و العباس، و أبي لهب.

و الطالبيون: من ولده أبو طالب.

و إذا وقف على قبيلة، أو علّق بالنسبة إلى أب دخل فيهم الذكور و الإناث بالسوية، إلّا أن يعيّن أو يفضّل. (2)

____________

الأصحاب البترية من الزيدية لأنّهم يخالفون قول أكثر الباقين في أنّ الإمامة لعلي (عليه السلام) بالنص، بل قالوا إنّها شورى، و جوزوا تقديم المفضول، و قريب منهم السليمانية.

قوله: (و الزيدية: كل من قال بإمامة زيد بن علي).

(1) هو علي بن الحسين (عليهما السلام)، و يقولون بإمامة كل من خرج بالسيف بعده من ولد فاطمة (عليها السلام) من ذوي الرأي و العلم و الصلاح، فإذا وقف عليهم صحّ و استحقه أهل هذه المقالة عند أكثر الأصحاب، و شرط ابن إدريس في صحته كون الواقف زيديا، فلو كان إماميا لم يصحّ عنده (1)، و هو ضعيف.

قوله: (و إذا وقف على قبيلة، أو علقه بالنسبة إلى أب دخل فيهم الذكور و الإناث بالسوية، إلّا أن يعيّن أو يفضّل).

(2) الوقف على القبيلة مثل الوقف على همدان و بجيلة، و تعليق الوقف بالنسبة إلى أب مثل الوقف على الهاشمي و العلوي و الحسيني، و إنّما دخل فيه الذكور و الإناث، لأنّه يتناول كلا منهما، لأنّ المراد من كان هاشميا، و لفظ الذكور يتناول الإناث تغليبا، و يكونون سواء بإسواء الإطلاق بالنسبة إليهم نعم لو عيّن الوقف لأحدهم تعيّن، و كذا لو فضّل أحدهما على الآخر وجب اتباعه عملا بالشرط.

____________

(1) السرائر: 379.

44

و يندرج فيهم كل من انتسب بالأب دون الأم خاصة كالعلوية، فإنّه يندرج تحته كل من انتسب الى على (عليه السلام) من جهة الأب و لا يعطي من انتسب إليه بالأم خاصة على رأي. (1)

و لو وقف على من اتصف بصفة، أو دان بمقالة اشترك فيه كل من تصدق عليه النسبة، كالشافعية يندرج فيهم كل من اعتقد مذهب الشافعي من الذكور و الإناث.

و لو وقف على الجيران فهو لكل من يصدق عليه عرفا أنه جار، و قيل: لمن يلي داره أربعين ذراعا من كل جانب، و قيل: أربعين دارا. (2)

____________

قوله: (و يعطى من انتسب بالأب دون الأم خاصة، كالعلوية فإنّه يندرج تحته كل من انتسب الى علي (عليه السلام) من جهة الأب، و لا يعطى من انتسب إليه بالأم خاصة على رأي).

(1) لأنّ ولد البنت لا ينتسب إلى أبيها عند أكثر الأصحاب، و قد سبق تحقيق المسألة في الخمس، و المخالف في الموضعين واحد، و الأصح ما عليه الأكثر.

قوله: (و لو وقف على الجيران فهو لكل من يصدق عليه عرفا إنّه جار، و قيل: لمن يلي داره أربعين ذراعا من كل جانب، و قيل: أربعين دارا).

(2) الأول: هو مختار المصنف و جماعة من الأصحاب (1)، و هو الأصح، لأنّ الحقيقة العرفية هي المرجع عند انتفاء الشرعية.

و الثاني: قول أكثر الأصحاب، (2) و هو المشهور بينهم، و إن كانت عبارة ابن البراج تؤدي ما ليس مرادا له (3)، ذكرها المصنف في المختلف و بيّن ما فيها (4).

____________

(1) منهم المحقق في الشرائع 2: 215.

(2) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 100، و الشيخ الطوسي في النهاية: 599، و سلار في المراسم: 198.

(3) المهذب 2: 91.

(4) المختلف: 494.

45

و لو وقف على من لا يملك بطل كالمملوك القن، و لا ينصرف الوقف الى مولاه (1)، و لا على أم الولد، و لا المدبر، و لا الميت، و لا على الملك، و لا الجن (2)، و لا المكاتب و لو عتق بعضه صحّ فيما قابل الحرية (3)

____________

و الثالث: قول لبعض الأصحاب (1)، لرواية عائشة عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إنّه سئل عن حدّ الجواز فقال: «إلى أربعين دارا» (2).

قوله: (و لو وقف على من لا يملك بطل كالمملوك القن، و لا ينصرف الوقف الى مولاه.).

(1) في قوله: (و لو وقف على من لا يملك) إيماء إلى علّة عدم صحة الوقف على العبد.

و تحقيقه: إنّ الوقف تمليك عين أو منفعة، و أصح القولين عندنا امتناع ملكية العبد، و يجيء على القول بصحة تملكه جواز الوقف عليه، و على المنع لو وقف على عبد غيره بطل، و في أحد قولي الشافعي أنّه يكون وقفا على سيده (3)، و لا فرق في ذلك بين القن و أم الولد و المدبر.

قوله: (و لا الميت، و لا على الملك، و لا الجن، و لا الشياطين).

(2) لعدم صلاحيتهم للتملك.

قوله: (و لا المكاتب، و لو عتق بعضه صحّ فيما قابل الحرية).

(3) لا ريب أنّ المكاتب رق و إن انقطعت سلطنة المولى عنه، فلا يصحّ الوقف عليه سواء كان مطلقا أو مشروطا، نعم لو تحرر من المطلق شيء بأداء بعض مال الكتابة صحّ الوقف في نصيب الحرية.

____________

(1) الدروس: 232.

(2) كنز العمال 9: 52 حديث 24895، الجامع الصغير 1: 570 حديث 3687.

(3) الوجيز 1: 245، مغني المحتاج 2: 379.

46

و لو وقف على المصالح كالقناطر و المساجد و المشاهد صحّ، لأنّه في الحقيقة وقف على المسلمين، لكن هو صرف الى بعض مصالحهم (1)، بخلاف الوقف على البيع فإنّه لا ينصرف الى مصالح أهل الذمّة (2) و لو وقف على البيع و الكنائس، أو معونة الزناة، أو قطّاع الطريق، أو على كتبة التوراة و الإنجيل لم يصحّ.

____________

قوله: (و لو وقف على المصالح كالقناطر، و المساجد، و المشاهد صحّ، لأنّه في الحقيقة وقف على المسلمين، لكن هو صرف الى بعض مصالحهم).

(1) لمّا كان الوقف على المصالح- و القرب في الحقيقة- وقفا على المسلمين لأنهم المنتفعون به لم يرد لزوم بطلانه من حيث أنّ الموقوف عليه لا يملك، غاية ما هناك أنّه وقف على المسلمين في مصلحة خاصة، فإذا وقف على المسجد كان وقفا على المسلمين، لأنّهم المنتفعون بالمسجد و التردد إليه للعبادة و اقامة شعار الدين، لكن على هذا الوجه المخصوص و المصلحة المعيّنة، و كذا القول في الوقف على القناطر، و المشاهد، و أكفان الموتى، و مؤنة الغسّالين و الحفّارين.

قوله: (بخلاف الوقف على البيع فإنّه لا ينصرف الى مصالح أهل الذمة).

(2) المراد: أن الوقف على المساجد و نحوها جائز، لأنّه في الحقيقة وقف على المسلمين، بخلاف الوقف على البيع و الكنائس و نحوها فإنّه لا يجوز و ان كان في الحقيقة وقفا على أهل الذمة و قلنا بجواز الوقف عليهم، لأنّ الوقف على المساجد وقف على المسلمين في جهة خاصة هي طاعة و قربة، و أمّا الوقف على البيع فإنه وقف على أهل الذمة في جهة خاصة هي معصية، فإنّ اجتماعهم فيها للعبادات المحرّمة (1) و الكفر و شتم الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و الوقف عليها معونة على ذلك، هذا هو مقصود المصنف، و إن كانت العبارة لا تؤدي هذا المعنى على الوجه المراد.

____________

(1) في «ك»: المحرفة.

47

..........

____________

و إن أمكن تكلّف حمل قوله: (فإنّه لا ينصرف الى مصالح أهل الذمّة) على أنّه لا يصرف الى مطلق مصالحهم، بل الى ما يعد من مصالحهم معصية لكن في قوله:

(و لو وقف على البيع و الكنائس.) تكرار لا فائدة فيه، لأنّ المنع من ذلك قد استفيد من قوله: (بخلاف الوقف على البيع) لأنّ المتبادر منه أنّ مخالفته لما قبله في عدم الصحة، إذ لو حمل على أنّ المراد: المخالفة باعتبار أنّه لا ينصرف الى مصالح أهل الذمّة لكان كلاما مع فساده عريا عن الفائدة، لأنّ البحث عن انصرافه الى مصالحهم و عدمه هاهنا إنّما هو بفرض صحة الوقف و فساده.

و أمّا الوقف على معونة الزناة و قطاع الطريق، أو على كتبة التوراة و الإنجيل، و نحو ذلك فإنّه فاسد، لأنّ ذلك كله محرّم، لأنّ الإعانة على فعل المعصية معصية، و من شرط صحة الوقف كونه قربة، و أمّا التوراة و الإنجيل فإنّهما منسوخان، محرّفان، فيحرم كتبهما و النظر إليهما، و قد روى العامة أنّ رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) خرج الى المسجد فرأى في يد عمر صحيفة فيه شيء من التوراة فغضب النبي صلي اللّه عليه و آله و سلّم لمّا رأى الصحيفة في يد عمر و قال له: «أ في شك أنت يا ابن الخطاب؟

أ لم آت بها بيضاء نقية؟ و لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلّا اتباعي» (1) و لو لا أن ذلك معصية ما غضب منه.

قال الشيخ: إنّ العلّة في التحريم إنّهما محرّفان، لأنّ النسخ لا يذهب بحرمتهما كالمنسوخ من القرآن، و قال و هذا لا خلاف فيه (2) و يشكل بأنّ في كتبهما فساد آخر لمخالفة الملتين لملتنا بخلاف منسوخ القرآن، و قد سبق في البيع جواز حفظهما و غيرهما من كتب الضلال لغرض النقض و الحجة، فلا مانع من جواز الوقف على ذلك، و لم يذكروه.

____________

(1) نقله ابن قدامة في المغني 6: 268.

(2) المبسوط 3: 295.

48

و يصحّ من الكافر، (1)

____________

قوله: (و يصح من الكافر).

(1) هذا مناف لما سبق من اشتراطه في الوقف التقرب، إلّا أن يريد به كونه ممّا يتقرب به فيصح حينئذ وقف الكافر إذا كان في نفسه قربة.

لكن يرد أنّ المصنف جوز صدور الوقف من الكافر على نحو البيع و الكنائس لا على نحو بيوت النيران محتاجا بأنّ الأول بيت عبادة للّه سبحانه بخلاف الثاني، مع أنّه قد تقرر أنّ الوقف عليها معصية، و كأنّه نظر الى تأثير اعتقاد الواقف ففرّق بين المسلم و الكافر في ذلك و في الفرق نظر، لأنّ ذلك لو أثّر لأثّر بالنسبة إلى الوقف على بيوت عبادة النيران.

اعلم أنّه قد سبق في كتاب الجهاد عند بحث البيع و الكنائس: إنّه لا تصح وصية الكافر ببناء بيعة أو كنيسة، و لا يخفى أنّ الحكم بصحة وقف الكافر عليهما مناف لما هنا.

ثم اعلم أنّ المراد بالصحة: ان كان هو الصحة عندهم فلا وجه لما ذكره و البحث عنه، لأنّ البحث إنّما هو عن أحكام الإسلام و مع ذلك لا فرق بين الوقف و الوصية للبيع و الكنائس و غيرهما، نظرا الى معتقد الواقف و الموصي.

و إن كان المراد عندنا فيشكل ذلك، لأنّ الحكم بصحته عندنا يقتضي تنفيذه، و إلزام الوارث و الوصي و ناظر الوقف بالصرف إلى الوصية و الموقوف عليهم لو امتنعوا، و ذلك محرّم و منكر فكيف يجوز لحاكم الإسلام الإلزام بتنفيذه؟.

و إن حمل على أنّ المراد: أن لا نعرض إليهم فيه فهو خروج عن حقيقة الصحة إلى المجاز، و مع ذلك فلا يفرّق بين الوقف و الوصية، و لا تكون المسألة على ذلك ذات قولين، فإنّه القائل بعدم الصحة لا يمكنه أن يريد بها منع الكافرين من صرف الموصى به و الموقوف على البيع و الكنائس من الكافر حيث لا يقر أهلها عليها، و القائل بالصحة لا يمكنه أن يريد بها الإلزام بالتنفيذ شرعا من الحاكم إذا رفع الأمر

49

و في وقفه على الذمّي خلاف.

و الأقرب المنع في الحربي، و الصحة في المرتد عن غير فطرة. (1)

____________

اليه على نهج حكم بصحته.

قوله: (و في وقفه على الذمي خلاف، و الأقرب المنع في الحربي و الصحة في المرتد عن غير فطرة).

(1) اختلف الأصحاب في جواز الوقف على الذمي على أقوال:

الأول: المنع مطلقا، و هو قول سلّار (1)، و ابن البراج (2)، لقوله تعالى لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ (3) الآية، و الوقف نوع مودة فيكون منهيا عنه فلا يكون طاعة.

الثاني: الجواز مطلقا، حكاه الشيخ في المبسوط (4)، و اختاره نجم الدين بن سعيد (5)، لقوله تعالى لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ (6) الآية، و لقوله (عليه السلام): «على كل كبد حرّى أجر» (7).

الثالث: الجواز إذا كان الموقوف عليه قريبا دون غيره، و هو مختار الشيخين (8)، و أبي الصلاح (9)، و ابن حمزة (10)، لقوله تعالى:

____________

(1) المراسم: 198.

(2) المهذب 2: 88.

(3) المجادلة: 22.

(4) المبسوط 3: 295.

(5) شرائع الإسلام 2: 214.

(6) الممتحنة: 8.

(7) عوالي اللئالي 1: 95 حديث 2 و 3.

(8) الشيخ المفيد في المقنعة: 100، و الشيخ الطوسي في النهاية 597 و المبسوط 3: 294.

(9) الكافي في الفقه: 326.

(10) الوسيلة: 441.

50

..........

____________

وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً (1) و وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً (2) و الأوامر كثيرة في صلة الرحم، و هذا القول ليس بعيدا من الصواب.

فإن قيل: قوله تعالى لٰا تَجِدُ قَوْماً الآية نص في المنع من ذلك، لأن الوقف على الإنسان موادة له.

قلنا: أولا نمنع ذلك، فإن المفهوم من الموادة غير ذلك، و يؤيده قوله سبحانه في حق الأبوين الكافرين وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً، فإنه ليس من الصحبة بالمعروف ترك صلتهما مع حاجتهما.

و لا يبعد أن يكون المراد من الآية: المباعدة لأعداء اللّه، و التصلب في مجانبتهم على وجه لا يمنع صلة الرحم و حسن المصاحبة للوالدين المأمور بهما، و يكون كل من الأمرين جاريا على ظاهره.

أو يقال: إن المباعدة بالنسبة الى كل شخص بحسب حاله، ففي الوالدين و الأقارب ما وراء الصلة المأمور بها بخلاف غيرهم.

و الجواب عن قوله تعالى لٰا يَنْهٰاكُمُ الآية: أنه لا دلالة فيها على المواد، و ظاهرها يقتضي جواز الوقف على بعض الحربيين، و المنع من بعض أهل الذمة الذين سبق منهم القتال.

و لعل المراد بها: النساء و الصبيان، إذ ليس من شأنهم القتال، و هو قول بعض المفسرين، بل قد قيل أنها منسوخة، و يشكل بأنّه يلزم جواز الوقف على النساء و الصبيان مطلقا، و كيف كان فالأولى الاقتصار على الرحم، و هو المشهور.

و وجه القرب في المنع من الوقف على الحربي: إنّ ذلك مناف للمباعدة و المجانبة المأمور بها، لانتفاء القرابة المقتضية للصلة فيكون الوقف نوع مودة و يحتمل

____________

(1) لقمان: 15.

(2) العنكبوت: 8.

51

و يصحّ الوقف على الفاسق و الغني. (1)

و لو وقف على أقاربه اشترك الذكور و الإناث بالسوية، الأقرب و الأبعد، و يحمل على من يعرف بأنّه قرابة له (2)

____________

ضعيفا الجواز لعموم قوله (عليه السلام): «على كل كبد حرى أجر» (1).

و وجه القرب في الصحة على المرتد عن غير فطرة إنّه بحكم المسلم و يشكل بأنّ ذلك في لحوق الأحكام له لا في جواز مودته و الأصح أنّ المرتد كغيره من الكفّار أمّا المرتد عن فطرة فلا يجوز الوقف عليه أصلا إذا كان رجلا لوجوب قتله، و أمّا المرأة فهي كالمرتد عن غيره فطرة.

قوله: (و يصحّ الوقف على الفاسق و الغني).

(1) المراد: صحة الوقف على الشخص الفاسق لكن لا من حيث كون وصف الفسق مناط الوقف، لأنّه من هذه الجهة معصية فلا يصح.

قال المصنف في التذكرة: إذا وقف على الكفّار و الفسّاق: فان كان ذلك لإعانتهم على فسقهم و كفرهم بطل الوقف قطعا، و ان كان لنفعهم في بقائهم فقد بيّنا الخلاف فيه (2) فساوى بين الكفّار و الفسّاق في الحكم، و مقتضى عبارته أنّ في الوقف على الفسّاق لنفعهم في بقائهم خلافا، و هو موضع تأمل، اللّهم إلّا أن يريد بذلك الخلاف للعامة.

قوله: (و لو وقف على أقاربه اشترك الذكور و الإناث بالسويّة، الأقرب و الأبعد، و يحمل على من يعرف بأنّه قرابة له).

(2) أمّا اشتراك الذكور و الإناث فقد سبق ما يصلح أن يكون بيانا له، و أمّا اشتراك الأقرب و الأبعد فلأنّ الفرض شمول اسم القرابة لهما. و يستوون في القسمة،

____________

(1) عوالي اللآلئ 1: 95 حديث 3.

(2) التذكرة 2: 431.

52

و لو شرط الترتيب، أو التفضيل، أو الاختصاص لزم. (1)

و لو وقف على أخواله و أعمامه تساووا.

و لو وقف على أقرب الناس اليه ترتبوا كالميراث، لكن يتساوون في الاستحقاق، إلا أنّ يفضل.

و لو وقف في وجوه البر و أطلق فهو للفقراء، و المساكين، و كل مصلحة يتقرب بها الى اللّه تعالى. (2)

____________

لانتفاء المقتضي للتفضيل.

و قوله: (و يحمل.) إشارة إلى معنى الأقارب و من يراد بهم و تحقيقه: أنّ الأقارب من صدق عليه عرفا اسم القرابة ممّن اشترك معه في النسب، فلو بعد الشخص جدا بحيث يكون الاشتراك بينه و بين الواقف في حد لا يعد مثله قريبا لم يدخل، لأنّ المعتبر في ذلك العرف، و لأنّه لو كان مطلق الاشتراك في النسب موجبا للقرابة لكان جميع الناس أقرباء لاشتراكهم في آدم.

قوله: (و لو شرط الترتيب، أو التفضيل، أو الاختصاص لزم).

(1) لو شرط الترتيب في الأقارب بين الأقارب و الأبعد، أو بين الطبقة الاولى و الثانية مثلا، أو تفضيل الأقرب على الأبعد مثلا، أو اختصاصه من دونه وجب اتباع الشرط، لأنه شرط لا ينافي مقتضى الوقف فيجب الوفاء به.

قوله: (و لو وقف على وجوه البر و أطلق فهو للفقراء و المساكين، و كل مصلحة يتقرب بها الى اللّه تعالى).

(2) البر، بكسر الباء: الصلة و الخير و الاتساع في الإحسان، ذكر نحو ذلك في القاموس (1)، فالوقف على وجوه البر أو على وجوه الخير وقف على وجوه القربات كلها

____________

(1) القاموس المحيط 1: 370.

53

و يصرف الوقف على المنتشرين الى من يوجد منهم. (1)

و لو وقف المسلم على الفقراء اختص بفقراء المسلمين، و لو وقف الكافر اختص بفقراء نحلته. (2)

____________

كبناء القناطر، و عمارة المساجد و المشاهد، و اعانة الحاج و الزائرين، و أكفان الموتى و الحج و العمرة، و الغزو، و نحو ذلك.

قوله: (و يصرف الوقف على المنتشرين الى من يوجد منهم).

(1) لما كان الوقف على المنتشرين الّذين ليسوا بمنحصرين ليس وقفا على جملة أشخاصهم، بل هو وقف على جهة مخصوصة و مصرفها أولئك المنتشرون، فإذا وقف على بني هاشم مثلا- كان مصرف الوقف من كان هاشميا- لم يجب تتبع جميع المنتشرين في إيصال نماء (1) الوقف عليهم، بل يجب صرفه الى من كان موجودا في البلد، لرواية علي بن سليمان النوفلي، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام): أنّه كتب إليه في مثل ذلك فأجاب: بأنّ الوقف لمن حضر البلد الذي هو فيه، و ليس لك أن تتبع من كان غائبا (2).

و في التذكرة اكتفى بالصرف إلى ثلاثة منهم في أول كلامه، ثم قال: هكذا قال بعض الشافعية، و الأولى الصرف الى جميع من يحضر البلد منهم، و احتج بالرواية المذكورة (3).

و أعلم أنّه لا فرق في ذلك بين كون الوقف على من لا ينحصر في ابتداء الوقف و انتهائه، و به صرّح في التذكرة (4)، و ظاهر الرواية يتناوله.

قوله: (و لو وقف المسلم على الفقراء اختص بفقراء المسلمين، و لو وقف الكافر اختص بفقراء نحلته).

(2) عملا بشاهد

____________

(1) في «ك»: جميع.

(2) الكافي 7: 38 حديث 37، الفقيه 4: 178 حديث 627، التهذيب 9: 133 حديث 563.

(3) التذكرة 2: 445.

(4) التذكرة 2: 445.

54

و لو وقف على مصلحة فبطل رسمها صرف في وجوه البر. (1)

[المطلب الثالث: الموقوف]

المطلب الثالث: الموقوف، و شروطه أربعة: أن يكون عينا، مملوكة يصحّ الانتفاع بها مع بقائها (2)، و يمكن إقباضها

____________

الحال، فإنّه قاض بعدم إرادة فقراء كل ملّة و نحلة فيحمل على فقراء المسلمين، لانتفاء ما يدلّ على غيرهم.

قوله: (و لو وقف على مصلحة فبطل رسمها صرف في وجوه البر).

(1) هذا إذا لم يمكن صرف الوقف إليها بعد بطلان رسمها، فلو أمكن تعيّن، و إنّما يصرف الى وجوه البر حيث لا يمكن ذلك، لأنّ عوده ملكا بعد خروجه عن ملك المالك على وجه الحبس باطل، و أقرب شيء إلى مراد الواقف صرفه في وجوه القربات، لاشتراكها في القربة.

فإن قيل: صرفه في قربة تشابه تلك المصلحة التي بطل رسمها أقرب.

قلنا: لمّا بطل رسم المصلحة المخصوصة، و امتنع عود الوقف ملكا كانت وجوه البر كلها بالنسبة الى عدم تعلق الوقف بها كلها على حد سواء، لا أولوية لبعض على البعض الآخر، و المشابهة و غيرها سواء في عدم شمول العقد لها، و مجرد المشابهة لا دخل لها في تعلّق الوقف بها، فيبطل القيد و يبقى أصل الوقف من حيث القربة.

قوله: (يصحّ الانتفاع بها مع بقائها).

(2) لو قال: يصحّ الانتفاع بها دائما مع بقائها، ليخرج الرياحين و ما أشبهها لكان أحسن، فقد صرّح المصنف بعدم جواز وقفها في التذكرة (1)، و تردد الشهيد في الدروس (2)، و عدم الجواز لا يخلو من قوة، لأنّ المفهوم من النصوص كون الوقف ذا

____________

(1) التذكرة 2: 431.

(2) الدروس: 230.

55

فلا يصحّ وقف الدين (1)، و لا المطلق كفرس غير معيّن و عبد في الذمة أو ملك مطلق (2)، و لا ما لا يصحّ تملكه كالخنزير، نعم لو وقفه الكافر على مثله فالأقرب الصحة. (3)

____________

بقاء (1)، و صحة غيره تحتاج الى دليل.

قوله: (و لا يصح وقف الدين).

(1) إجماعا، سواء كان على موسر أو معسر، حالا أو مؤجلا.

قوله: (و لا المطلق كفرس غير معين، و عبد في الذمّة، أو ملك مطلق).

(2) أي: و كذا لا يصحّ وقف الشيء المطلق الّذي ليس بعين من الأعيان، كما لو وقف فرسا و لم يعين و إن وصفها، أو عبدا كذلك.

و المراد بقوله: (غير معيّن) إنّه غير مشخّص لا أنّه غير موصوف.

و قوله: (في الذمّة) لو اعتبر في كل من الفرس و العبد أمكن.

و المراد بقوله: (أو ملك مطلق) أن يقف ملكا من الأملاك أيّها كان و لا يشخصه، و يجوز أن يراد به: أن يقول: وقفت ملكا و يقتصر على ذلك فإنّ الوقف لا يصح في شيء من هذه المواضع اتفاقا.

قوله: (و لا ما لا يصحّ تملكه كالخنزير، نعم لو وقفه الكافر على مثله فالأقرب الصحة).

(3) وجه القرب: أنّه مملوك للكافر يصحّ نقله بالبيع، و نحوه من أسباب النقل فجاز وقفه: لأن المانع من وقفه في حق المسلم إنّما هو عدم كونه مملوكا له، و يحتمل العدم لامتناع التقرب به.

و لا ريب أن البحث في هذه المسألة فرع صحة الوقف من الكافر، و إنّما تتحقق صحته إذا لم يشترط فيه التقرب، أو اكتفينا بتقرب الكافر بحسب معتقده و إن

____________

(1) في «ك»: واقعا.

56

و لا الحر نفسه (1)، و لا ما لا يملكه الواقف كملك الغير و ان أجاز المالك فالأقرب اللزوم. (2)

____________

كان بعيدا، لأن التقرب إنّما يكون بالفعل المثمر للقرب، و لهذا لا يصحّ من الكافر شيئا من العبادات.

ثم إنّه لا دليل ينهض على اشتراط قصد التقرب أزيد من إطلاق اسم الصدقة عليه، و لا يخفى أنّ اشتراط التقرب في صدق اسم الصدقة محل نظر. نعم قد يقال: لمّا كان للّه تعالى فيه حق اشترط كونه قربة في نفسه، فإذا تحقق إنّه ما لم تثبت صحة وقف الكافر لا يمكن الخوض في هذه المسألة فاعلم أنّه بناء على الصحة لا ريب أنّ الخنزير إذا لم يتظاهر به أهل الذمّة معدود مالا لهم كسائر الأموال، و المعتبر كونه قربة بالنسبة إلى الوقف إنّما هو المصرف دون نفسه المال، إذ لا يعتبر فيه إلّا عده مالا في نظر الشارع، فلا فرق حينئذ بين وقف الكافر الشاة أو الخنزير، و هذا إنّما هو إذا ترافعوا إلينا، و إلّا فلا نتعرض لهم فيما يجري بينهم إلّا المناكير إذا تظاهروا بها، فما قرّبه المصنف هو الأصحّ.

قوله: (و لا الحر نفسه).

(1) يجوز في: (نفسه) أن يقرأ منصوبا على أنّ المعنى: و لا أن يقف الحر نفسه، و مجرورا على أنّه مؤكد للمجرور، (و وجه عدم الصحة: إن شرط الوقف الملك و هو منتف هنا) (1).

قوله: (و لا ما لا يملكه الواقف كملك الغير، و إن أجاز المالك فالأقرب اللزوم).

(2) أي: لا يصحّ وقف ما لا يملكه الواقف، و المراد بعدم الصحة: عدم اللزوم، و إلّا لكان منافيا لقوله: (و إن أجاز فالأقرب اللزوم)، و وجه القرب: أنّه عقد صدر من

____________

(1) لم ترد في «ك».