جامع المقاصد في شرح القواعد - ج10

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
350 /
7

[تتمة كتاب الوقوف و العطايا]

تتمة كتاب الوقوف و العطايا

[المقصد الرابع: في الوصايا]

المقصد الرابع: في الوصايا و فيه فصول:

[الأول: في أركانها]

الأول: في أركانها و مطالبه أربعة:

[الأول: الوصية]

الأول: الوصية تمليك عين أو منفعة بعد الموت، (1)

____________

قوله: (المقصد الرابع: في الوصايا: و فيه فصول:

الأول: في أركانها، و مطالبه أربعة:

الأول: الوصية تمليك عين أو منفعة بعد الموت).

(1) الوصية مأخوذة من وصى يصي وصية، و أوصى يوصي و وصّى يوصّي توصية، يقال: وصى إليه بكذا إذا وصل به، و أرض واصية: أي متصلة النبات. و سمّي هذا التصرف وصية لما فيه من وصلة القربة الواقعة بعد الموت بالقربات المنجزة في الحياة.

و قد عرّفها المصنف بأنها (تمليك عين أو منفعة بعد الموت)، فقوله: (تمليك عين أو منفعة) بمنزلة الجنس، يعم الهبة و الوقف و سائر التصرفات المملّكة. و في ذكر العين و المنفعة تنبيه على متعلّق الوصية، و يندرج فيها العين الموجودة بالفعل، و الموجودة بالقوة كالشجرة و الثمرة المتجددتين، و يندرج في المنفعة: الموقتة، و المؤبدة، و المطلقة.

و قوله: (بعد الموت) كالفصل يخرج به الهبة و غيرها من التصرفات المنجزة في الحياة.

و نقض في عكسه بالوصية بالولاية فإنها ليست تمليك أحد الأمرين، بالوصية بالعتق فإنه فك، و التدبير فإنه وصية عند كثيرين، و وقف المسجد فإنه فك، و ينتقض بالوصية بالمضاربة و المساقات.

فإن قيل: إنهما مملكان لحصة من الربح و الثمرة.

قلنا: قد لا يحصل الربح و لا الثمرة فينتفي التمليك.

8

و تفتقر إلى إيجاب: و هو كل لفظ دال على ذلك القصد نحو: أوصيت بكذا، أو افعلوا كذا، أو أعطوا فلانا بعد وفاتي، أو لفلان كذا بعد وفاتي، أو جعلت له كذا. (1)

و لو قال: هو له، فهو إقرار يؤخذ به في الحال، لا يقبل منه حمله على

____________

و زاد في التذكرة: (تبرعا) (1)، و تشكل هذه الزيادة بورود الوصية بالبيع و نحوه من المعاوضات، لأن ذلك وصية و لا تبرع فيه.

و عرّفها شيخنا الشهيد في حواشيه: بأنها تنفيذ حكم شرعي من مكلّف أو في حكمه بعد وفاته، و يشكل بعدم صدقه على شيء من أقسام الوصية، لأن المنفّذ لها هو الموصى إليه أو الحاكم.

و في الدروس: أنها تمليك العين أو المنفعة بعد الوفاة، أو جعلها في جهة مباحة (2)، و يشكل بأن الجعل في جهة مباحة لا يصدق على الوصية بالولاية، و لا على الوصية بالعتق و نحوه، إذ ليس الوصية بذلك نفس جعل العين أو المنفعة في جهة مباحة، بل الجعل هو التصرف المترتب على الوصية.

قوله: (و تفتقر إلى إيجاب: و هو كل لفظ دال على ذلك القصد، نحو:

أوصيت بكذا، أو افعلوا كذا، أو أعطوا فلانا بعد وفاتي، أو لفلان كذا بعد وفاتي، أو جعلت له كذا).

(1) أشار بذلك القصد إلى ما اقتضاه قوله: (تمليك عين)، و في اعتبار القصد إشعار بأن خصوص اللفظ لا ينظر إليه، فتستوي الكناية و التصريح إذا علم القصد.

قوله: (و لو قال: هو له فهو إقرار في الحال لا يقبل منه حمله على

____________

(1) التذكرة 2: 452.

(2) الدروس: 239.

9

الإيصاء، إلّا أن يقرنه بما يفسد الإقرار كما لو قال: هو من مالي له، فهو وصية. (1)

و لو قال: عيّنت له كذا، فهو كناية ينفذ مع النية. (2)

و لو قال: وهبته و قصد الوصية لا التنجيز فالأقرب صحة التفسير،

____________

الإيصاء إلّا أن يقرنه بما يفسد الإقرار، كما لو قال: هو من مالي له فهو وصية).

(1) إذا قال: هو له فهو إقرار لصراحته في ذلك، و احتمل المصنف في التذكرة انه لو قال: نويت أنّه له بعد الموت يكون وصية، لاحتمال اللفظ له، و هو أعرف بنيته و قصده (1)، و هو ضعيف، لأن ذلك تصرف في اللفظ الصريح في الإقرار بما يقتضي إبطاله.

و إذا قرنه بما يفسد الإقرار كقوله: هو من مالي له، بناء على أن إضافة المال إلى نفسه ينافي الإقرار به للغير، فقد حكم المصنف بكونه وصية. و يشكل بانتفاء ما يدل على ذلك، و فساد الإقرار غير كاف في وجوب صرف اللفظ إلى الوصية. نعم لو وجد في اللفظ ما يقتضي ذلك كقوله: بعد وفاتي فهو وصية، و كذا لو دلت على إرادته قرينة، و بدونه فالمعتمد العدم.

قوله: (و لو قال: عيّنت له كذا، فهو كناية ينفذ مع النية).

(2) و ذلك لأنه لا يدل على قصد الوصية بشيء من الدلالات، فإن التعيين قد يكون للتمليك و للإعارة و لغيرهما، فما لم توجد قرينة تدل على إدارة ذلك لم يحكم بكونه وصية و لا تمليكا.

قوله: (و لو قال: وهبته و قصد الوصية لا التنجيز فالأقرب صحة التفسير، لأنه بمنزلة ملّكت).

____________

(1) التذكرة 2: 452.

10

لأنه بمنزلة ملّكت. (1)

و قبول بعد الموت، و لا أثر له لو تقدّم. (2)

____________

(1) و صحة الوصية بملّكت ثابتة، فكذا وهبت لكونه بمنزلته. و يحتمل العدم، لانتفاء دلالة اللفظ على هذا المعنى لغة و عرفا، بل الهبة و الوصية متباينتان فلا تقع إحداهما على الأخرى، بخلاف ملّكت الذي هو كالجنس للوصية.

و المتجه أن يقال: إن وجدت قرينة حالية أو مقالية تدل على إرادة الوصية بلفظ الهبة تعيّن الحمل على الوصية، لأن غايته أن يكون مجازا و لا يمتنع ذلك في الوصية، و إلّا فإن وجد للفظ نفوذا في موضوعه، و صدر على وجه حقه أن يمتنع اعتبار التفسير من المالك، لوقوع القبول و القبض بالإذن من ذي الرحم، المقتضي لخروج العين عن ملكه على وجه اللزوم لم يلتفت إلى قوله- ما يخالف ذلك- و بدون ذلك فالوجه قبول تفسيره، لبقاء سلطنته على العين، فيقبل قوله في قصده باللفظ الصادر عنه.

قوله: (و قبول بعد الموت، و لا أثر له لو تقدم).

(2) لما كانت الوصية عقدا اعتبر فيها مع الإيجاب القبول كسائر العقود، إلّا أن يكون الموصى له غير معيّن كالفقراء و بني هاشم، أو تكون الوصية في مصلحة كنحو مسجد و قنطرة. ثم إن أصح القولين للأصحاب عدم اعتبار القبول لو وقع في حال الحياة، لأن الإيجاب في الوصية إنما تعلّق بما بعد الوفاة، لأنها تمليك بعد الموت، فلو قبل لم يطابق القبول الإيجاب.

فإن قيل: المراد قبوله التمليك بعد الموت.

قلنا: ما قبل الموت لما لم يكن متعلق الإيجاب وجب أن لا يعتد بالقبول الواقع فيه، كما لو باعه ما سيملكه فقيل، و لأن القبول إما كاشف أو جزء السبب، و على كل تقدير يمتنع اعتباره قبل الموت، أما إذا جعل كاشفا، فلأن الكاشف عن الملك يجب أن يتأخر عنه و يمتنع الملك قبل الوفاة، و أما إذا جعل جزء السبب، فلأنه إذا تم العقد وجب أن يترتب عليه أثره، و هو هنا ممتنع قبل الموت.

و لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الموت شرطا لحصول الملك بالعقد،

11

و بهما ينتقل الملك مع موت الموصي، و لا يكفي الموت بدون القبول، و بالعكس. (1)

و لا يشترط القبول لفظا، بل يكفي الفعل الدال عليه، (2) و لا اتصال

____________

كالبيع فإنه لا يتم الملك إلّا بعد انقضاء مدة الخيار على رأي الشيخ (1)، و جوّز ابن إدريس القبول قبل الموت و بعده (2)، و يلوح من الدروس اختياره (3).

و مختار المصنف أقوى، و إلّا لم يعتبر قبول الوارث و لا رده لو مات الموصى له قبل موت الموصي و قد قبل، و هو باطل، لأن إطلاق الأخبار يقتضي عدم الفرق بين تقدّم قبول الموصى له و عدمه، فيكون قبول الوارث و رده معتبرا.

قوله: (و بهما ينتقل الملك مع موت الموصي، و لا يكفي الموت بدون القبول، و بالعكس).

(1) لما سبق من أن الوصية عقد فلا بد فيها من القبول، و انه لا يعتبر إلّا بعد الموت، إذ لا يؤثر بدونه على اختلاف القولين.

قوله: (و لا يشترط القبول لفظا، بل يكفي الفعل الدال عليه).

(2) كالأخذ و التصرف، و ذلك لأن الوصية غير منجّزة فلم يشترط فيها القبول لفظا، لكونها شرعت على غير نهج العقود اللازمة و اكتفي فيها بالكتابة، و من ثمّ لم يعتبر في القبول اتصاله بالإيجاب على الوجه المعتبر في العقود اللازمة، بل لا يكاد يتفق على القول بأن القبول إنما يعتبر بعد الموت، و إلى ذلك أومأ بقوله: (و لا اتصال القبول)، إلّا أن قوله: (فلو قبل بعد الموت بمدة، أو في الحياة بعد مدة صح ما لم يرد) يقتضي بأمرين:

____________

(1) المبسوط 2: 84.

(2) السرائر: 383.

(3) الدروس: 239.

12

القبول. فلو قبل بعد الموت بمدة، أو في الحياة بعد مدة صح ما لم يرد، فإن ردّ في حياة الموصي جاز أن يقبل بعد وفاته، إذ لا اعتبار بذلك الرد.

____________

أحدهما: أن الاتصال المنفي اشتراطه هو اتصال القبول بالموت، و إلّا لم يتفرّع عليه صحة قبوله بعد الموت بمدة، و ليس كذلك قطعا، إذ المنفي هو الاتصال المعتبر بين الإيجاب و القبول كسائر العقود اللازمة.

فإن قيل: ربما اتصل الموت بالإيجاب فلا يتحقق التراخي حتى يتراخى القبول عنه.

قلنا: أولا: تأخيره إلى ما بعد الموت غالبا يقتضي التراخي، فلا حاجة، إلى اعتبار المدة بعده.

و ثانيا: إن اعتبار المدة بعده يشعر بأن المنافي للاتصال هو هذا التراخي، دون التراخي الواقع بين الموت و الوصية، و لو قال: فلو قبل بعد الموت و لو بمدة لكان أولى.

الثاني: أن حكمه بالصحة لو وقع القبول في الحياة بعد مدة ينافي ما سبق من قوله: (و لا أثر للقبول لو تقدّم). و تأوّله شيخنا الشهيد- بأن المنفي أولا هو أثر خاص-، و هو نقل الملك.

و المراد بالصحة هنا: الاكتفاء به عن القبول بعد الموت، و هو مخالف لمختار المصنف في المختلف (1)، و إن طابق اختياره في التحرير (2) و مقتضى قوله: (ما لم يرد) أنه لو ردّ لم يكن له القبول، سواء كان الرد في الحياة أو بعد الموت، لكنه نقّحه بقوله: (فإن ردّ في حياة الموصي جاز أن يقبل بعد وفاته، إذ لا اعتبار بذلك الرد). و اعلم أن قضية اعتبار القبول في الحياة اعتبار الرد فيها أيضا، لفوات أحد ركني العقد حين اعتباره.

____________

(1) المختلف: 499.

(2) التحرير 1: 292.

13

و لو ردّ بعد الموت قبل القبول بطلت و إن كان بعد القبض، (1) و بعده لا يبطل و إن كان قبل القبض على رأي. (2)

____________

قوله: (و لو ردّ بعد الموت قبل القبول بطلت و إن كان بعد القبض).

(1) أي: بطلت و إن كان الرد بعد القبض، فهو و صلي لما قبله، و اعلم أن أقسام الرد بعد الموت أربعة، هذان قسمان و لا خلاف في حكمهما.

قوله: (و بعده لا تبطل و إن كان قبل القبض على رأي).

(2) أي: و بعد القبول لا تبطل و إن كان قبل القبض على رأي في الأخير، و هو المدلول عليه بجملة إن الوصيلة، و هذان القسمان الباقيان من الأربعة.

و قول المصنف: (و لو كان بعده لم تبطل إجماعا) هو أحد هذين القسمين، و كأنه إنما أعاد ذكره لفائدة الإخبار بالإجماع.

إذا عرفت ذلك فالرأي المشار إليه هو مختار المصنف، و المحقق نجم الدين (1).

و ذهب الشيخ (2)، و ابن حمزة إلى صحة الرد و بطلان الوصية (3)، لأن ملك الموصى له لا يستقر إلّا بالقبض كما في الوقف، و لأن الهبة تبطل بالرد قبل القبض، و هي أقوى من الوصية، لأنها منجّزة و المنجز أقوى من المعلّق، و من ثمّ قيل بتقديم منجّزات المريض فبطلان الوصية بالرد قبله أولى.

و جوابه: إنّ القبض قد ثبت اعتباره في الوقف و الهبة دون الوصية، و إلحاقها بهما قياس، و الأولوية المذكورة ممنوعة، فإنها إنما تكون مع تعقّل العلة و كونها في الفرع أقوى، و لا نسلّم أن المنجّز أقوى من المعلّق على أن الفرق قائم، فإن الملك في الوقف و الهبة إنما يكون بالقبض، بخلاف الوصية فإن القبول إما كاشف أو ناقل. و الأصح

____________

(1) شرائع الإسلام 2: 243.

(2) المبسوط 4: 33.

(3) الوسيلة: 375.

14

و لو كان بعده لم يبطل إجماعا (1).

و لو ردّ بعضا صح فيما قبله، (2) و في ردّ رأس العبد مثلا إشكال، ينشأ من بطلان افراده، فيبطل الرد أو الوصية (3).

____________

مختار المصنف، لأن زوال الملك بعد ثبوته يتوقف على وجود السبب الناقل، و الأصل عدمه، و لعموم قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً (1) و نحوه.

قوله: (و لو كان بعده لم يبطل إجماعا).

(1) هذا و الذي قبله هما القسمان الباقيان من الأربعة.

قوله: (و لو ردّ بعضا صح فيما قبله).

(2) المراد انه ردّ بعضا و قبل بعضا، و حكمه الصحة فيما قبله، و البطلان فيما رده إعطاء لكل منهما حكمه.

و ليست الوصية كالبيع و نحوه يجب فيها مطابقة القبول للإيجاب، لأنها تبرع محض، فلا يتفاوت الحال فيها بين قبول الكل و البعض، و من ثمّ لو زادت على الثلث و قبل الموصى له بطل الزائد خاصة، و لم ينظر إلى التضرر بالشركة لو كان الموصى به شيئا واحدا.

قوله: (و في ردّ رأس العبد مثلا إشكال ينشأ من بطلان افراده فيبطل الرد أو الوصية).

(3) أي: لو ردّ بعضا لا يمكن افراده بالحكم كرأس العبد الموصى به و يده، ففي صحة الرد و بطلانه إشكال ينشأ: من امتناع افراده حتى لو خصه بالرد كان باطلا، فيحتمل بطلان الوصية، لأن الرأس قد يعبّر به عن الجملة، و أقل أحواله أن يكون مجازا.

____________

(1) النساء: 29.

15

و لو مات قبل القبول قام وارثه مقامه في قبول الوصية، و لا يدخل في ملك الميت، (1)

____________

و الأصل في أفعال المكلّف و أقواله الصحة و الصيانة عن الهذر، و لأنه قد ردّ الوصية في الرأس و لا يتم إلّا برد الجميع، و ليس في كلامه ما ينافيه فيجب تحققه تحصيلا لمراده بحسب الممكن.

و يحتمل بطلان الرد، لأن رد الرأس وحده ممتنع، و لم يتعرّض لرد ما سواه فيتمسك فيه بأصالة بقاء الوصية.

و يضعّف بأن ذلك يقتضي إلغاء رده في الجزء المردود مع إمكان تنفيذه، فالبطلان أقرب.

و قد أشار المصنف إلى وجهي الإشكال بقوله: (ينشأ من بطلان إفراده) و في بعض النسخ: إفرازه، بالزاء عوض الدال، فإنه يلزم إما اختصاصه بالبطلان، لامتناع الرد فيه، أو سريانه إلى الباقي، لتوقفه عليه.

قوله: (و لو مات قبل القبول قام وارثه مقامه في قبول الوصية، و لا يدخل في ملك الميت).

(1) أي: لو مات الموصى له قبل قبول الوصية قام وارثه مقامه في ذلك، و حينئذ فلو قبل لم يدخل الموصى به في ملك الميت، و البحث هنا يقع في أمرين:

أحدهما: عدم بطلان الوصية، و هو المشهور بين الأصحاب، سواء كان موت الموصى له قبل موت الموصي أو بعده. و قيل تبطل الوصية، و اختاره المصنف في المختلف (1)، و خصّ نجم الدين البطلان بما إذا مات الموصى له قبل موت الموصي (2) و الأصح الأول، لرواية محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين

____________

(1) المختلف: 513.

(2) الشرائع 2: 255.

16

..........

____________

(عليه السلام) في رجل أوصى لآخر، و الموصى له غائب، فتوفّي الذي أوصى له قبل الموصي، قال: الوصية لوارث الذي أوصى له، إلّا أن يرجع في وصيته قبل موته» (1)، و هي نص في الباب.

و لا منافاة بينها و بين صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) قال: سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي، قال: «ليس بشيء» (2) و مثلها موثقة منصور بن حازم عنه (عليه السلام) (3)، لأنهما إن نزّلتا على أن المراد- ليس بشيء- ينقض الوصية بل هي على حالها فهو ظاهر، و إن نزّلتا على أن المراد بطلان الوصية خصتا بما إذا غيّرها الموصي في حال حياته، أو علم منه تعلّق غرضه بكونها للمورّث، لأن الأولى تدل نصا و هاتان تقبلان التأويل، و حينئذ فلا حجة فيهما للقائل بالبطلان و الاحتجاج بأن الوصية للمورّث- و لا دلالة لذلك على استحقاق الوارث قبولها بشيء من الدلالات- لا ينظر إليه في مقابل النص.

الثاني: إطلاق المصنف عدم دخولها في ملك الميت لو قبل الوارث لا يستقيم، لأنه إن قبل بعد الموت و قلنا: إنّ القبول كاشف- كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى اختياره في كلام المصنف- دخلت في ملك الميت، و سيأتي تحقيقه إن شاء اللّه، و عليه نزّل ما ذكره المصنف في العتق: من أنه لو أوصى له ببعض ولده، فمات قبل القبول، فورثه ولده و قبل الوصية بأخيه انعتق على الأب إن خرج من الثلث، فكأنه القابل. فعلى هذا ينبغي أن ينزّل كلام المصنف هنا على موت الموصى له في حياة الموصي، و ما في العتق على كونه بعد موت الموصي.

____________

(1) الكافي 7: 13 حديث 1، الاستبصار 4: 137 حديث 515.

(2) التهذيب 9: 231 حديث 906، الاستبصار 4: 138 حديث 518.

(3) التهذيب 9: 231 حديث 907، الاستبصار 4: 138 حديث 519.

17

فلو أوصى بالحامل و الحمل من الزوج له، فمات قبل القبول فقبل الوارث لم ينعتق عليه و لا على الوارث، إلّا أن يكون ممن ينعتق عليه، و لا يرث إلّا أن يكونوا جماعة (1).

و لو انعتق على بعضهم، كما لو كان الوارث ابنا و بنتا و الحمل أنثى، انعتق ثلثاها و ورثت ثلثي سهم بنت مما عداها خاصة، بخلاف ما لو انعتق ثلثاه قبل الوفاة (2).

____________

قوله: (فلو أوصى بالحامل و الحمل من الزوج له، فمات قبل القبول، فقبل الوارث لم ينعتق عليه و لا على الوارث، إلّا أن يكون ممن ينعتق عليه، و لا يرث، إلّا أن يكونوا جماعة).

(1) فرّع على ما سبق ما إذا أوصى مالك الجارية الحامل من زوجها بها و بالحمل للزوج، حيث يكون الحمل رقيقا للمولى بشرط و نحوه حيث يصح، ثم مات الزوج قبل القبول و قبل موت الموصي على ما حققناه، ثم قبل الوارث فإنّ الحمل لا ينعتق على الموصى له، إذ لم يدخل في ملكه، و لا على الوارث إلّا أن يكون الوارث ذكرا و الحمل أنثى، فإذا عتق لم يرث إلّا أن يكون الوارث متعددا، ليتحقق زوال المانع من الإرث قبل القسمة.

قوله: (و لو انعتق على بعضهم، كما لو كان الوارث ابنا و بنتا و الحمل أنثى انعتق ثلثاها، و ورثت ثلثي سهم بنت مما عداها خاصة، بخلاف ما لو انعتق ثلثاه قبل الوفاة).

(2) أي: لو كان الحمل بحيث ينعتق على بعض الورثة دون بعض، كما لو كان الوارث ابنا و بنتا و الحمل أنثى انعتق ثلثاها بقبولهما الوصية، و ذلك نصيب الابن و يبقى الثلث و هو نصيب البنت على الرقية، لعدم انعتاقه عليها كما هو ظاهر.

و ترث ثلثي سهم بنت ببعضها الحر مما عداها خاصة- أي دون نفسها-، لأنها

18

و لو قبل أحد الوارثين و ردّ الآخر صح في نصيب القابل، فإن كان ممن ينعتق عليه عتق عليه و قوّم الباقي. (1)

و تصح مطلقة مثل: إن متّ فثلثي للمساكين، و مقيّدة مثل إن متّ في مرضي هذا، أو في سفري هذا، أو في سنتي هذه، أو بلدي فثلثي للمساكين، فإن بريء، أو قدم، أو خرجت السنة عليه حيا، أو خرج من بلده فمات بطلت المقيّدة لا المطلقة (2).

____________

إنما ترث ما جرى عليه ملك الميت و لم تدخل في ملكه، و من ثمّ لا ترث من أمها شيئا، و إن كان قوله: (و ورثت ثلثي سهم بنت مما عداها خاصة) يقتضي إرثها مما سواها خاصة.

و لو اتفق موت الموصى له بعد موت الموصي و قبل القبول فقبل الوارث و الصورة هذه لم ترث من نفسها، لسبق استقرار ملك أخيها و أختها، و لذلك عتق سهم الأخ، فيكون ذلك بمنزلة القسمة، و ترث حينئذ من كل ما عداها.

قوله: (و لو قبل أحد الوارثين و ردّ الآخر صح في نصيب القابل، فإن كان ممن ينعتق عليه عتق عليه و قوّم الباقي).

(1) أي: عتق عليه نصيبه و قوّم عليه نصيب الباقين، و فيه نظر ينشأ: من التردد في ثبوت التقويم في مثل ذلك.

قوله: (و تصح مطلقة مثل: إن متّ فثلثي للمساكين- إلى قوله- فإن بريء، أو قدم، أو خرجت السنة عليه حيا، أو خرج من بلده فمات بطلت المقيّدة لا المطلقة).

(2) الفرق اختصاص الوصية بمحل القيد، فلا وصية بدونه، بخلاف المطلقة، و الأمر ظاهر.

19

و لو عجز عن النطق كفت الإشارة الدالة على المراد، (1) و لا تكفي الكتابة بدون الإشارة أو اللفظ، و إن عمل الورثة ببعضها على رأي، سواء شوهد كاتبا أو اعترف بأنه خطه أو عرف (2).

____________

قوله: (و لو عجز عن النطق كفت الإشارة الدالة على المراد).

(1) لصحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) ان أباه حدّثه «ان امامة بنت أبي العاص بن الربيع توجّعت وجعا شديدا حتى اعتقل لسانها، فأتاها الحسن و الحسين (عليهما السلام) فجعلا يسألانها عن الشيء و هي تشير برأسها نعم أم لا، و أخبر (عليه السلام): أنهما (عليهما السلام) أجازا ذلك» (1). أما مع إمكان النطق فلا تكفي الإشارة، لانتفاء دليل الصحة.

قوله: (و لا تكفي الكتابة بدون الإشارة أو اللفظ و إن عمل الورثة ببعضها على رأي، سواء شوهد كاتبا أو اعترف بأنه خطه، أو عرف).

(2) إذا وجدت وصية بخط الميت و لم يكن أقرّ بها و لا أشهد عليها لم يجب العمل بها على الورثة، سواء شاهدوه يكتب أم لا، و سواء اعترفوا بأنه خطه أو عرف أم لا، و سواء قدر على النطق أو لا، و سواء عمل الورثة ببعض الوصية أو لا.

و قال الشيخ في النهاية: إن عملوا ببعضها لزمهم العمل بجميعها، لما رواه الصدوق عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): رجل كتب كتابا بخطه و لم يقل لورثته هذه وصيتي، و لم يقل إني قد أوصيت، إلّا أنه كتب كتابا فيه ما أراد أن يوصي به، فهل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطه و لم يأمرهم بذلك؟ فكتب (عليه السلام): «إن كان له ولد ينفذون كل شيء يجدون في كتاب أبيهم في وجه البر أو غيره» (2) (3)، و لا دلالة فيها على مراد الشيخ. و الأصح الأول، لأن

____________

(1) التهذيب 8: 258 حديث 936.

(2) النهاية: 622.

(3) الفقيه 4: 146 حديث 507.

20

و لو كتب وصية فقال: اشهدوا عليّ بما في هذه الورقة، أو قال: هذه وصيتي فاشهدوا عليّ بها، لم يجزئ حتى يستمعوا منه ما فيه، أو تقرأ عليه فيقرّ به، (1)

____________

الكتابة قد لا تكون على قصد الوصية، و هو مختار ابن إدريس (1) و أكثر الأصحاب (2).

و يفهم من قول المصنف: (و لا تكفي الكتابة بدون الإشارة) انه لو اقترن بها إشارة مفهمة تدل على المراد كفت، و قد تقدّم في عبارته الاكتفاء بذلك مع العجز عن النطق، و لا شك فيه.

أما مع القدرة فقد احتمل المصنف في التذكرة الاكتفاء، لأن ذلك بمثابة الكتابة و هي كافية في الوصية (3). و يشكل بأن الاكتفاء بالكتابة من الألفاظ لا يقتضي الاكتفاء بما يجري مجراها من الإشارة و الكتابة، و الأسباب الشرعية إنما تثبت بالتلقّي من الشارع، و لا دليل على الثبوت هنا.

قوله: (و لو كتب وصية و قال: اشهدوا عليّ بما في هذه الورقة، أو قال:

هذه وصيتي فاشهدوا عليّ بها لم يجزئ حتى يسمعوا منه ما فيها أو يقرأ عليه فيقر به).

(1) و ذلك لأن الأمر المبهم لا يعقل تحمل الشهادة به، لأن الشهادة مشروطة بالعلم، لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) مشيرا إلى الشمس: «على مثلها فاشهد، و إلّا فدع» (4). و ذهب ابن الجنيد (5)، و بعض العامة إلى الاكتفاء بذلك (6) و ضعفه ظاهر.

____________

(1) السرائر: 392.

(2) منهم المحقق في المختصر النافع: 163، و العلّامة في التذكرة 2: 452، و الشهيد في اللمعة: 176.

(3) التذكرة 2: 452.

(4) رواه المحقق في الشرائع 4: 132.

(5) نقله عنه العلّامة في المختلف: 514.

(6) انظر مغني المحتاج 3: 53.

21

فأما ان قرأه الشاهد مع نفسه فقال له الموصي: قد عرفت ما فيه فاشهد عليّ به فالأقرب القبول، (1) و كذا البحث في المقر (2).

و إذا ردّ الوصية رجع المال إلى التركة، (3)

____________

قوله: (فأما إن قرأه الشاهد مع نفسه فقال له الموصي: قد عرفت ما فيه فاشهد عليّ به فالأقرب القبول).

(1) يجوز في تاء (عرفت) الفتح و الضم على ارادة الموصي نفسه أو الشاهد، و لعل الضم أولى ليكون إخبارا عن علمه بما في الكتاب و انه ليس بمبهم عنده، فإنّ شرط الإشهاد كون المقر عالما بما أقربه.

و وجه القرب: أن ذلك جار في الصراحة مجرى ما لو أخبرهم به تفصيلا، لأن الدلالة على الأمور المتعددة إجمالا كافية كالدلالة عليها تفصيلا. و يحتمل العدم، لبقاء الإبهام مع الإجمال، و هو ممنوع، و ما قرّبه المصنف أقرب.

قوله: (و كذا البحث في المقر).

(2) أي: الحكم في المقر بكتاب الإقرار كالحكم في المقر بكتاب الوصية، فإن أقر بما فيه من غير أن يعلم الشهود بما فيه لم يجز و لم يعد بذلك مقرا. و إن قال: قد عرفت ما فيه فاشهدوا عليّ به، و قد قرأه الشاهد و علم ما فيه، فإنه يكفي ذلك في الشهادة على إقراره على الأقرب.

قوله: (و إذا ردّ الوصية رجع المال إلى التركة).

(3) إذا وقع الرد بعد الموت و قبل القبول من الموصى له، أو من يقوم مقامه بطلت الوصية، و كان الموصى به معدودا من جملة التركة يصرف في مصارفها.

و لا يخفى أن في قوله: (رجع) توسعا، لأنه لم يخرج عن التركة بمجرد الوصية و الموت ليعود إليها و إن قلنا إنّ القبول كاشف عن الملك بالموت، لأن الرد على هذا القول كاشف عن عدمه. نعم على القول بأن الموصى له يملك بالموت ملكا غير ثابت فيستقر بالقبول، و ينتقل بالرد إلى الورثة يستقيم ذلك، إلّا انه قول غير مرضي،

22

فإن عيّن بالرد واحدا و قصد تخصيصه بالمردود لم يكن له ذلك.

أما لو ردّه في موضع يمتنع فيه الرد، فإن له تخصيص من شاء هبة، (1) و يحصل الرد بقوله: رددت الوصية، أولا اقبلها، و ما ادى معناه. (2)

____________

و المصنف ارتكب التوسع في ذلك ليس إلّا.

قوله: (فإن عيّن بالرد واحدا و قصد تخصيصه بالمردود لم يكن له ذلك، أما لو ردّ في موضع يمتنع فيه الرد فإن له تخصيص من شاء هبة).

(1) أي: حيث كان رد الوصية يقتضي رجوع المال إلى التركة، فإن عيّن الموصى له بالرد واحدا من الورثة، قاصدا بذلك تخصيصه بالمردود لم يكن له ذلك و كان للجميع، لأن ردّه امتناع من تملكه فيبقى على ما كان عليه.

و لأنه لا يملك دفعه إلى الأجنبي، فلم يملك دفعه إلى وارث يخصه به، بخلاف ما لو ردّ في موضع يمتنع فيه الرد، لاستقرار ملكه عليه، فإن له أن يخص به من شاء من الورثة و غيرهم، لأنه ابتداء هبة و تمليك.

فلو قال: رددت هذه الوصية لفلان سئل عن مراده، فإن قال: أردت تمليكه إياها فهي له هبة إن قبلها، و ان قال: أردت ردّها على جميع الورثة لرضى فلان فهي هبة للجميع إن قبلوا، و إلّا فإن قبل واحد فله حصته.

قوله: (و يحصل الرد بقوله: رددت الوصية، أو لا أقبلها، أو ما أدى معناه).

(2) مقتضى ذلك أن قصد الرد غير كاف في حصوله، و هو صحيح، كما أن إرادة القبول لا تكفي عنه. و كما أن إرادة الوصية لا تعدّ وصية. و وجهه: أن الأسباب من عقود و إيقاعات و فسوخ بوضع الشارع و تعيينه، فلا بد لها من عبارة متواضع عليها يستدل بها على المراد.

23

و لو كانت الوصية لغير معيّن كفى في التمليك الإيجاب و الموت، و لا يتوقف على القبول، كمن أوصى للفقراء، و كذا لو أوصى للمصالح كعمارة مسجد (1).

و هل القبول كاشف عن انتقال الملك إلى الموصى له بعد الموت، أو سبب؟ فيه إشكال ينشأ: من انتقال الملك عن الميت، و عدم دخوله في ملك الورثة، لقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ، فلو لم ينتقل إلى الموصى له بقي بغير مالك. و من كون القبول إما جزء من السبب أو شرطا- كقبول البيع

____________

قوله: (و لو كانت الوصية لغير معيّن كفى في التمليك الإيجاب و الموت، و لا يتوقف على القبول، كمن أوصى للفقراء، و كذا لو أوصى للمصالح كعمارة مسجد).

(1) و ذلك لأن القبول هنا متعذّر إن اعتبر من الجميع، و ليست الوصية للبعض فيكتفى بقبوله.

و قد سبق في الوقف قول بقبول الحاكم عنهم و عن المسجد و لم يذكروا مثله هنا، و لعله لكون مجال الوصية أوسع، إذ لا يقدح فيها عدم التنجيز، و لا يشترط صراحة الإيجاب، و لا وقوعه بالعربية مع القدرة، و لا فورية القبول، فلم يستهجن عدم اشتراط القبول في الموضع المذكور.

قوله: (و هل القبول كاشف عن انتقال الملك إلى الموصى له بعد الموت، أو سبب؟ فيه إشكال: ينشأ: من انتفاء الملك عن الميت، و عدم دخوله في ملك الورثة، لقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ، فلو لم ينتقل إلى الموصى له بقي بغير مالك.

و من كون القبول إما جزءا من السبب أو شرطا كقبول البيع،

24

و انتفاء الملك عن الميت- ممنوع، كما لو قتل، و كالمديون، و كما لو نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته، و الآية يراد بها من بعد وصية مقبولة و الأول أقرب.

و تمنع سببية القبول، بل هو كاشف عن صحة الوصية و فسادها، و المقتول و المديون لا يملكان، لكن الدين يتعلق بالتركة، و الدية تعلق الرهن، و الصيد لا يملكه الميت، (1)

____________

و انتفاء الملك عن الميت ممنوع كما لو قتل، و كالمديون، و كما لو نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته. و الآية يراد بها: من بعد وصية مقبولة، و الأول أقرب.

و نمنع سببية القبول بل هو كاشف عن صحة الوصية و فسادها، و المقتول و المديون لا يملكان، لكن الدين متعلّق بالتركة، و الدية تعلق الرهن، و الصيد لا يملكه الميت).

(1) اختلف الأصحاب فيما به يملك الموصى له الوصية على أقوال ثلاثة:

الأول: انه بالقبول يتبين دخوله في ملك الموصى له من حين موت الموصي، و بالرد يتبين دخوله في ملك الوارث حينئذ، و يعبّر عنه بكون القبول كاشفا، و هو اختيار الشيخ في بعض كتبه (1)، و ابن الجنيد (2)، و المصنف هنا و في التذكرة (3).

الثاني: أن الملك ينتقل إلى الموصى له بالقبول، فيكون إما جزء السبب، أو شرطا، و هو اختيار الشيخ في كتاب الفطرة من الخلاف (4)، و ابن إدريس (5)، و المصنف في المختلف (6).

____________

(1) المبسوط 4: 33.

(2) نقله عنه العلّامة في التذكرة 2: 454.

(3) التذكرة 2: 454.

(4) الخلاف 1: 213 مسألة 25 كتاب زكاة الفطرة.

(5) السرائر: 387.

(6) المختلف: 500.

25

..........

____________

الثالث: أنه ينتقل بالوفاة ملكا غير مستقر، و بالقبول يتحقق استقراره و يزول بالرد، و هو قول الشيخ في موضع من الخلاف (1)، و حكاه في المبسوط و ضعّفه (2)، و اختاره المصنف في أول المبحث من التذكرة (3)، ثم في آخره نفى البأس عن القول الأول (4). و لا ريب في ضعفه، لأنه يقتضي ثبوت الملك للموصى له على وجه قهري كالإرث، و هو على خلاف الأصل.

و أيضا فإنه لو صح ذلك لم يحتج إلى قبول وارث الموصى له لو مات بعد الموصي و قبل القبول و الرد، و ظاهرهم الإطباق على اعتبار قبول الوارث و ردّه. و فيه نظر، فإن لقائل أن يقول: ينتقل الملك إليه غير مستقر كانتقاله إلى مورثه، و لضعف هذا القول لم يلتفت إليه المصنف هنا، و جعل الاشكال باعتبار القولين الآخرين.

و وجه الأول: أنه لولاه لزم بقاء الملك بغير مالك و اللازم باطل اتفاقا، بيان الملازمة: أن المالك هنا منحصر في الميت و الموصى له و الوارث، و الحصر هنا إجماعي.

أما الميت فيمتنع ملكه، لأنه بالموت يخرج عن أهلية الملك و يصير كسائر الجمادات و تنتقل أمواله عنه، و لهذا لا تتعلق به أحكام المالكين. و كذا الوارث، لظاهر قوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ (5)، و لو كان للقبول دخل في حصول الملك للموصى له لكان المعتبر بعديته في ملك الوارث هو الوصية المقبولة لا مطلقا، فإذا انتفى الملك عنهما و لم يثبت للموصى له لزم المحذور، و هو بقاء الملك بغير مالك.

____________

(1) الخلاف 1: 213 مسألة 26 كتاب الوصايا.

(2) المبسوط 4: 33.

(3) التذكرة 2: 454.

(4) التذكرة 2: 455.

(5) النساء: 11.

26

..........

____________

و وجه الثاني: أن القبول معتبر في حصول الملك، فهو إما جزء السبب أو شرطه كقبول البيع فيمتنع تقدّم الملك عليه، و لأن الموصى له لو ردّ الوصية بطلت، و لو كان قد ملك لم يزل الملك بالرد، و لأن الملك الثابت في الحال لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل، لامتناع تقدّم المشروط على شرطه.

و اعترض على الأول بمنع انتفاء الملك عن الميت، فجاز أن يبقى على ملكه، كما جاز أن يتجدّد له الملك لو مات قتلا، و وجبت الدية فإنها تدخل في ملكه و تؤدى منها ديونه و وصاياه، و كما لو نصب شبكة حيا فوقع فيها صيد بعد موته، و كما لو كان على الميت دين فإن ما يجب صرفه في الدين من التركة باق على ملكه، و كذا ما يحتاج إليه من مؤنة تجهيزه و دفنه.

و لا دلالة في الآية على انتفاء الملك عن الوارث في الوصية، لأن المراد: من بعد وصية مقبولة، بدليل أنه مع عدم القبول يكون الملك للوارث لا محالة، أو أن المراد من قوله تعالى وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ (1)، أي لكم ذلك مستقرا، بدليل أن الدين لا يمنع ثبوت الملك للوارث مع أنه أقوى من الوصية، على أن الآية إنما تدل على عدم ملك الوارث قبل الوصية و الدين بمفهوم المخالفة، و هو ضعيف، و من ثمّ يملك الوارث النماء.

و جوابه: إنّا قد بيّنا أن الموت سبب في انتقال الملك عن الميت و خروجه عن الأهلية، و تعلق الدين و الوصايا بدية المقتول لا يستلزم كونها مملوكة له، إذ يكفي في ذلك تسببها عنه فيثبت التعلق و إن كانت مملوكة للوارث، و ليس في النصوص ما يدل على ثبوت الملك له، و ليس هذا بأعجب من تعلّق الدين بمال الغير إذا رهن.

و تعلق الدين بالتركة لا يقتضي كونها مملوكة للميت، لعدم المنافاة بين تملك الوارث إياها و تعلقه بها، و كذا مؤن التجهيز و الدفن، و لهذا لو فقد الميت أو بذل ذلك

____________

(1) النساء: 12.

27

فعلى الأول النماء المتجدد بين الموت و القبول للموصى له، و للورثة على الثاني. (1)

____________

باذل كان الجميع ملك للوارث، و لو خرج عنه لم يعد إليه إلّا بسبب. و الصيد إنما يملكه الوارث دون الميت لقيامه مقامه، فكان كما لو نصب الشبكة هو بنفسه.

و عدم دلالة الآية على انتفاء الملك في الوصية عن الوارث لا يقدح، لثبوت انتفائه بدليل آخر، و هو انه لو ملك لكان تلقّي الموصى له الملك عنه لا عن الموصي، و هو يقتضي خروج الملك عن المالك لا بسبب من قبله بل على وجه القهر، حتى لو أراد خلافه لم تؤثر إرادته شيئا، و ذلك على خلاف الأصل، فعلى هذا القول بات القبول كاشف قريب.

و يؤيده أن مدخلية القبول في حصول الملك منتفية بالأصل، و اعتباره فيه يكفي فيه كونه كاشفا. و للوصية حكم منفرد عن البيع و سائر العقود، فلا يبعد مخالفتها في حكم القبول. و بطلان الوصية بالرد لا يستلزم كون القبول سببا أو شرطا لجواز كونه كاشفا عن الملك، و الرد كاشف عن عدمه.

و على تقدير كونه كاشفا فليس الملك الثابت في الحال معلّقا بشرط مستقبل، بل انكشاف الحال عندنا هو المشروط. و لا يخفى أن المصنف (رحمه اللّٰه) حكى دليل الجانبين، و أورد المنع على كل منهما، و لم يبيّن صحة واحد منهما.

قوله: (فعلى الأول النماء المتجدد بين الموت و القبول للموصى له، و للورثة على الثاني).

(1) لما فرغ المصنف من دليل القولين شرع في ذكر المسائل المتفرعة عليهما، فمن ذلك حكم النماء المتجدد بين الموت و القبول.

فعلى الأول- و هو القول بأن القبول كاشف- يكون النماء للموصى له، لأن القبول كشف عن أن الموصى له ملك بموت الموصي.

و على الثاني- و هو القول بأن القبول سبب أو شرط- يكون للورثة، فإن

28

و لو أوصى له بزوجته فأولدها بعد الموت و قبل القبول فالولد حر و امه أم ولد على الأول، و على الثاني الولد رق للورثة (1).

و لو مات الموصى له قبل القبول و الرد، فإن قبل وارثه ملك الجارية و الولد و عتق عليه إن كان ممن ينعتق عليه على الثاني على قول الشيخ (رحمه اللّٰه)، و تكون الجارية أم ولد و يرث الولد أباه و يحجب القابل إن كان أخا على الأول (2) و لا دور باعتبار ان توريثه يمنع كون القابل وارثا فيبطل قبوله فيودي توريثه الى عدمه لأنا نعتبر من هو وارث حال القبول لولاه كالإقرار و لا يرث على الثاني و لا تصير امه أم ولد.

____________

الموصى به إما مملوك لهم أو للميت، و كيف كان فالنماء لهم.

قوله: (و لو أوصى له بزوجته فأولدها بعد الموت و قبل القبول فالولد حر و امه أم ولد على الأول، و على الثاني الولد رق للورثة).

(1) هذا من المسائل المتفرعة أيضا، و تحقيقه: أنه إذا أوصى مالك الأمة المزوّجة بها لزوجها فأولدها الزوج بعد الموت و قبل القبول، و كان الولد مشروطا رقه لمولى الأمة، فعلى القول بأن القبول كاشف- و هو الأول- يتبين بالقبول أنه ملك بالموت، و أن علوقها بالولد ثبت في ملكه فيكون الولد حرا فتكون الأمة أم ولد. و على الثاني يملكها من حين القبول، فيكون الولد رقا للورثة و لا استيلاد.

قوله: (و لو مات الموصى له قبل القبول و الرد، فإن قبل وارثه ملك الجارية و الولد، و عتق عليه إن كان ممن ينعتق عليه على الثاني على قول الشيخ (رحمه اللّٰه) تعالى، و تكون الجارية أم ولد، و يرث الولد أباه، و يحجب القابل إن كان أخا على الأول).

(2) المراد: انه في المسألة السابقة- و هي ما إذا أوصى له بزوجته فأولدها- حيث يكون الولد رقا لو مات الموصى له قبل القبول و الرد، فإن قبل الوارث ملك الجارية

29

..........

____________

و الولد، و عتق عليه إن كان ممن ينعتق عليه كما لو كان أنثى و الوارث ابن أو أخ، و يستقر ملكه على الجارية و لا تكون أم ولد له على القول الثاني و هو أن القبول سبب.

و لو كان الوارث ابنا عتقت عليه امه أيضا، و عبارة المصنف خالية من ذلك.

و لا يخفى أن هذا الحكم إنما يستقيم على قول الشيخ: من أن الحمل كالجزء من الام يدخل في بيعها و الوصية بها، أما على القول الآخر- و هو الأصح- فإنه يكون مملوكا للوارث بناء على القول بأن القبول سبب، و على القول بأنه كاشف- و هو القول الأول- فالولد حر و الجارية أم ولد و يرث الولد أباه، لأنه قد تبيّن علوقها به في الملك، و يحجب القابل إن كان أخا و نحوه.

فإن قيل: يلزم من إرث الولد أباه الدور المتعارف عند الفقهاء، و هو استلزام ثبوت الشيء نفيه، و ذلك لأنه يلزم من توريثه كون القابل غير وارث فيبطل قبوله، فلا يكون الولد حرا فلا يرث، و كل ما أدى فرض ثبوته إلى نفيه وجب الحكم بنفيه.

قلنا: لا دور، لأنّا نعتبر قبول من هو وارث حال القبول، و لا وارث سواه لو لا القبول، و لا عبرة بما يتجدد بعد ذلك. كما انا نعتبر في الإقرار بالنسب صدوره ممن هو وارث حين الإقرار و نحكم بتوريثه، و حجبه المقر لو كان أولى، و إلى ذلك أشار المصنف بقوله: (و لا دور باعتبار أن توريثه يمنع كون القابل وارثا فيبطل قبوله فيؤدي توريثه إلى عدمه، لأنّا نعتبر من هو وارث حال القبول لولاه كالإقرار).

و لا يخفى أن الجار في قوله: (باعتبار) متعلّق بمحذوف هو مقدّر بقولنا: كائن، أو ثابت، و نحوهما. و في قوله (لأنّا نعتبر) بما يدل عليه قوله: (و لا دور) و هو نفي لزومه.

و قوله: (و لا يرث على الثاني و لا تصير امه أم ولد) كان حقه أن يكون بعد قوله: (على قول الشيخ) و قبل قوله: (و تكون الجارية أم ولد)، لأنه من فروع ذلك القول في هذه المسألة، فكان حقه أن يكون مذكورا في جملتها.

30

و لو أوصى له بأبيه فمات فقبل ابنه، فعلى الأول تثبت حريته من حين الموت فيرث السدس، و لا دور من حيث أنه لو ورث لاعتبر قبوله.

و لا يجوز اعتبار قبوله قبل الحكم بحريته.

و إذا لم يعتبر لم يعتق، فيؤدي توريثه إلى إبطال توريثه، لأنه أقر جميع الورثة- و هم ابن الابن- بمشارك، فيثبت نسبه و يرث. و على الثاني يعتق الجد على ابن الابن و لا يرث (1).

____________

قوله: (و لو أوصى له بأبيه فمات فقبل ابنه، فعلى الأول تثبت حريته من حين الموت فيرث السدس، و لا دور من حيث أنه لو ورث لاعتبر قبوله، و لا يجوز اعتبار قبوله قبل الحكم بحريته، و إذا لم يعتبر لم يعتق فيؤدي توريثه إلى إبطال توريثه، لأنه أقر جميع الورثة- و هم ابن الابن- بمشارك فيثبت نسبه و يرث، و على الثاني يعتق الجد على ابن الابن و لا يرث).

(1) هذا أيضا من المسائل المتفرعة على القولين، و تحقيق القول فيها: انه إذا أوصى لشخص بأبيه المملوك للموصي، فمات الموصى له بعد الموصي و كان له ابن فقبل الوصية، فعلى الأول- و هو أن القبول كاشف- تثبت حرية الأب من حين الموت، أي: موت الموصي فيرث السدس لتحقق موت الموصى له عن أب و ابن و لا يرد لزوم الدور من حيث لو ورث لاعتبر قبوله في الوصية، لأن المعتبر قبول جميع الورثة، و اعتبار قبوله حينئذ ممتنع، لأنه إذا ذاك رقيق فلا يحكم بعتقه، لتوقفه على قبول جميع الورثة، و هو ممتنع بالنسبة إليه فيلزم عدم توريثه، فيكون توريثه مؤديا إلى إبطال توريثه، و ما هذا شأنه وجب أن يكون باطلا فيحكم ببطلان توريثه.

و وجه عدم لزوم الدور: أن المعتبر قبول جميع الورثة حين القبول، و قد تحقق الانحصار في ابن الابن، فكان كما لو أقر ابن الابن بأب، فإن الوارث حين الإقرار منحصر فيه فيثبت الإرث بإقراره.

31

و لو كان على الموصى له دين فقبل وارثه قضي منه الديون و الوصايا، و يعتق من ينعتق عليه على الأول دون الثاني (1).

و لو وطأ الوارث قبل القبول فعليه المهر، و لا تصير أم ولد لو أحبلها على الأول دون الثاني (2).

____________

و على الثاني- و هو القول بأن القبول سبب- يعتق الجد على ابن الابن، لدخوله في ملكه بالقبول، و لا يرث لسبق استحقاق الابن تركة أبيه على عتق الأب.

و اعلم أن عبارة المصنف لا تخلو من مناقشة، فإنّ ذكر الإقرار في قوله: (لأنه أقر جميع الورثة) لا موضع له، لأن المسألة مفروضة في قبول الوصية لا في الإقرار، إلّا أن يريد محاذاتها بمسألة الإقرار، و فيه تكلّف لا يخفى. و كذا قوله: (فيثبت نسبه) فإن نسبه لا يثبت بمجرد إقراره، إلّا أن يحمل على أن المراد ثبوته في حقه.

قوله: (و لو كان على الموصى له دين و قبل وارثه قضى منه الدين و الوصايا، و يعتق من يعتق عليه على الأول دون الثاني).

(1) هذا أيضا من المسائل المتفرعة على القولين، و تحقيقها: أنه لو كان على الموصى له دين، أو كان له وصايا و مات بعد موت الموصي و قبل القبول فقبل وارثه، فعلى القول بأن القبول كاشف يقضى من الموصى به دين الموصى له و ينفذ وصاياه، و لو كان في الموصى به من ينعتق على الموصى له خاصة كابنه و الوارث ابن آخر عتق.

و على القول بأن القبول جزء السبب يستقر ملك الوارث على الموصى به، و لا يقضى الدين منه، و لا ينفذ منه الوصايا، و لا يحكم بالعتق، لعدم دخوله في ملك الموصى له.

قوله: (و لو وطأ الوارث قبل القبول فعليه المهر، و لا تصير أم ولد لو أحبلها على الأول دون الثاني).

(2) هذا أيضا من الفروع، و بيانه: أنه لو وطأ وارث الموصي الجارية الموصى بها بعد موت الموصى و قبل قبول الموصى له: فعلى القبول بأن القبول كاشف يجب عليه

32

و زكاة الفطرة على الموصى له لو تخلّل الهلال الموت، و القبول على الأول دون الثاني (1).

____________

المهر، لأنه وطأ شبهة، و لا تصير أم ولد، لأنه قد تبيّن دخولها في ملك الموصى له من حين الموت. و على القول الآخر تصير أم ولد لعلوقها منه في ملكه و لا مهر عليه، لكن تقوّم عليه عند القبول.

و قد أطلق المصنف هنا و في التذكرة صيرورتها أم ولد على القول الثاني (1)، و هو إنما يتم إذا قلنا بأن الموصى به ينتقل بالموت إلى الوارث و بالقبول إلى الموصى له، أما إذا قلنا بأن الموصى به قبل القبول باق على ملك الميت فيشكل الحكم بذلك.

قوله: (و زكاة الفطرة على الموصى له لو تخلل الهلال الموت و القبول على الأول دون الثاني).

(1) هذا أيضا من الفروع، و بيانه: أنه لو كان الموصى به عبدا، و مات الموصي قبل هلال شوال و قبل الموصى له بعده، فعلى القول بأن القبول كاشف تجب الفطرة على الموصى له، لأنه قد تبيّن كونه مملوكا له عند الهلال، لأنه دخل في ملكه بالموت، و على القول الآخر لا تجب عليه، لأنه لم يكن مالكا عند الهلال.

فعلى هذا هل تجب على الوارث أم تسقط؟ فيه وجهان مبنيان على أن الموصى به قبل القبول- بناء على أن القبول سبب- هل هو ملك للميت أم للوارث؟ فعلى الثاني يتفرع الوجوب، و على الأول السقوط.

و يحتمل- على القول بأن القبول كاشف- السقوط أيضا، لامتناع تكليف الغافل، لعدم تعيين المالك وقت الوجوب لاحتمال حصول القبول فيكون هو الموصى له، و الرد، فيكون هو الوارث، خصوصا إذا لم يتبيّن الحال إلّا بعد خروج وقت الأداء.

و لقائل أن يقول: إنّ عدم العلم بالمالك وقت الوجوب لا يقتضي السقوط

____________

(1) التذكرة 2: 456.

33

[المطلب الثاني: في الموصي]

المطلب الثاني: في الموصي: و يشترط فيه البلوغ، و العقل، و الحرية.

فلا تنفذ وصية الصبي و إن كان مميزا في المعروف، و غيره على رأي، (1)

____________

أصلا، و لا يستلزم تكليف الغافل، إذ الكلام في الوجوب إنما هو بعد وضوح الأمر و تبيّن المالك بعينه بالقبول و الرد، كما لو ولد له قبل الهلال و لم يعلم إلّا بعده، أو مات مورّثه كذلك فملك عبده، أو ملكه كذلك بشراء وكيله و نحوه، و لم يعلم بالحال إلّا بعد وقت الوجوب، فإن القول بعدم الوجوب في هذه المواضع بعيد، فحينئذ اتجه الوجوب على الموصى له على الأول و على الوارث على الثاني، لأن الميت ليس مالكا. و هذا كله إذا لم يعله أحدهما بأن كان يأكل من كسبه، أما مع العيلولة فإن الفطرة على العائل.

و اعلم أن القول في نفقة العبد الموصى به و مؤنته بعد الموت كالقول في فطرته على ما ذكره المصنف في التذكرة، قال: و إذا توقف الموصى له في القبول و الرد ألزم النفقة، فإن أراد الخلاص رد، قال: و يحتمل إلزام الوارث إن قلنا انه يملك بالقبول خاصة بعد الموت (1).

قوله: (المطلب الثاني: في الموصي: و يشترط فيه البلوغ و العقل و الحرية، فلا تنفذ وصية الصبي و إن كان مميزا في المعروف و غيره على رأي).

(1) قال الشيخ: تصح وصية من بلغ عشرا في المعروف و هبته و عتقه بشرط وضعه الأشياء في مواضعها (2)، و تبعه ابن البراج (3). و جوّز المفيد الوصية و العتق و منع الهبة، و لم يصرح باشتراط وضع الأشياء في مواضعها (4)، و تبعه سلار (5).

____________

(1) التذكرة 2: 455.

(2) النهاية: 611.

(3) المهذّب 2: 119.

(4) المقنعة: 101.

(5) المراسم: 203.

34

و لا وصية المجنون مطلقا، (1) و لا السكران.

و لو جرح الموصي نفسه بما فيه هلاكها ثم أوصى لم تقبل.

و لو قيل بالقبول مع تيقّن رشده بعد الجرح كان وجها، و تحمل الرواية على عدم استقرار الحياة على اشكال (2).

____________

و الحاصل أن المشهور بين الأصحاب تجويز تصرف الصبي في المعروف و إن اختلفوا في تعيين ذلك و شروطه، و منعه ابن إدريس مطلقا (1)، و المصنف منعه تارة و جوّزه اخرى. و الروايات الدالة على الجواز كثيرة، مثل رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق، أو تصدق، أو أوصى على حد معروف و حق فهو جائز» (2)، و غير ذلك من الأخبار الصحيحة و المناسب لأصول المذهب و طريقة الاحتياط، القول بعدم الجواز.

قوله: (و لا وصية المجنون مطلقا).

(1) أي: في المعروف و غيره، لرفع القلم عنه، و مثله المغمى عليه و السكران.

قوله: (و لو جرح الموصي نفسه بما فيه هلاكها ثم أوصى لم يقبل، و لو قيل بالقبول مع تيقن رشده بعد الجرح كان وجها، و تحمل الرواية على عدم استقرار الحياة على اشكال).

(2) المشهور بين الأصحاب أن من جرح نفسه بما فيه هلاكها ثم أوصى لا تقبل وصيته، و جوّز ابن إدريس وصيته إذا كان عقله ثابتا (3).

وجه الأول: انه سفيه فلا ينفذ تصرفه في المال، أما انه سفيه، فلأن إتلاف المال و إفساده يقتضي السفه، فإتلاف النفس أولى. و أما ان السفيه لا ينفذ تصرفه فسيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى، و لقول الصادق (عليه السلام) في رواية أبي ولّاد: «فإن كان

____________

(1) السرائر: 388.

(2) الكافي 7: 28 حديث 1.

(3) السرائر: 386.

35

..........

____________

أوصى بوصية بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو قتل لعله يموت لم تجز وصيته» (1).

و روى أبو ولّاد عنه (عليه السلام): «انه إن كان أوصى قبل أن يحدث حدثا في نفسه من جراحة أو قتل أجيزت وصيته في ثلثه» (2).

احتج ابن إدريس بأنه عاقل رشيد فتنفذ وصيته كغيره، و بعموم النهي عن تبديل الوصية (3)، و المصنف (رحمه اللّٰه) في المختلف نفي البأس عن قول ابن إدريس (4)، و يظهر من كلامه هنا الميل إليه حيث قال: (و لو قيل بالقبول مع تيقن رشده كان وجها).

و أجاب عن الاحتجاج بالرواية بحملها على عدم استقرار الحياة، و مقتضاه أن المريض إذا صار غير مستقر الحياة لا تنفذ وصيته على اشكال في الحمل المذكور ينشأ: من أنه مع كونه خلاف الظاهر فقد يقال: إنه غير صحيح في نفسه، لأنه حي بالغ رشيد فتتناول وصيته الأدلة الدالة على وجوب تنفيذ الوصية، من غير فرق بين وصية مستقر الحياة و غيره، و التخصيص يحتاج إلى دليل.

و من أن من بلغ هذه الحالة صار في حكم الميت، فلا تجري عليه الأحكام الجارية على مستقر الحياة، و من ثمّ لم يحتج إلى تذكية الصيد إذ أزال جرحه استقرار حياته.

و يضعّف ذلك بمنع كونه في حكم الميت، و سنده وجوب الدية على قاتله، و المفتي به هو المشهور.

____________

(1) الكافي 7: 45 حديث 1، الفقيه 4: 150 حديث 522، التهذيب 9: 207 حديث 820.

(2) المصادر السابقة.

(3) السرائر: 386، سورة البقرة: 181.

(4) المختلف: 505.

36

أما لو اوصى ثم قتل نفسه فإنها تمضي، (1) و تصح وصية المبذّر و المفلس (2).

____________

قوله: (أما لو أوصى ثم قتل نفسه فإنها تمضي).

(1) يدل عليه ما سبق من رواية أبي ولّاد، و لو أوصى ثم جن، أو صار سفيها- على القول بعدم صحة وصية السفيه-، هل يقدح ذلك في صحة وصيته؟ في الرواية إيماء إلى أن ذلك لا يقدح، و هو المناسب للحال، فإن حال المريض يؤول إلى ذلك آخر الأمر.

قوله: (و تصح وصية المبذّر و المفلس).

(2) المشهور بين الأصحاب جواز وصية السفيه في البر و المعروف، لصحة عبارته، و منع من ذلك بعض الأصحاب (1)، و حكاه في الدروس عن ظاهر ابن حمزة (2)، و اختاره المصنف في التحرير (3). و يفهم من قول المصنف في المسألة السابقة: (و لو قيل بالقبول مع تيقن رشده.) إن عدم الرشد مانع من صحة الوصية، و إلّا لكان ذكره مستدركا، و عدم صحة وصيته قوي.

و أما المفلّس فإن وصيته نافذة لكماله، إلّا أن تتضمن وصيته التصرف في شيء من الأموال التي تعلّقت بها حقوق الغرماء فإنها غير نافذة. و لو رضوا بالتنفيذ ففي جوازه إشكال ينشأ: من تجويز ظهور غريم آخر.

ينبغي أن تكون صحة وصية المفلس و السفيه بعد زوال المانع، لأنه إن أريد صحة وصيتهما بمعنى النفوذ لم يصح، لانتفاء ذلك بالنسبة إلى كل منهما، إذ كل منهما محجور عليه في التصرف المالي، فلم يبق أن يراد بالصحة إلّا صحة عبارتهما، بحيث إذا زال المانع نفذت، بخلاف عبارة الصبي و المجنون.

و يمكن أن يقال: يتصور وصية المفلس و نفوذها في مثل ما لو أوصى بأرض

____________

(1) منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 364، و سلار في المراسم: 203.

(2) الدروس: 240، الوسيلة: 372.

(3) التحرير 2: 293.

37

و لو اوصى العبد لم تصح، فإن عتق و ملك ففي النفوذ اشكال. (1)

____________

حجرها، فإنه قد صار أولى بها و لم يملكها فلم تتعلق بها حقوق الغرماء، و مثله الوصية بما التقطه، أو الحصة من الغنيمة قبل القسمة، بناء على أنه لم يملك بل ملك ان يملك، بخلاف المبذّر فإن ذلك لا يصح منه، إذ لا يصح منه شيء من التصرف في مال و لا في حكمه.

قوله: (و لو أوصى العبد لم يصح، فإن عتق و ملك ففي النفوذ اشكال).

(1) لا ريب أن وصية العبد- إذا مات على العبودية- لا غية، لأنه لا يقدر على شيء، و لا مال له تنفذ منه وصيته.

أما لو أوصى ثم عتق و ملك و مات ففي نفوذ وصيته إشكال ينشأ: من أن العبد مسلوب الأهلية، لأنها تصرف مالي فلا بد من الملك أو الأهلية فتقع وصيته لاغية، و لأن من شرط صحة الوصية كونه بحيث متى مات لم يكن ثمة مانع من نفوذها، و الشرط منتف هنا، لأنه لو مات قبل العتق لم تنفذ قطعا. و لأن وصيته في حكم المعلقة على شرط، لأن الحكم بالصحة إنما هو على تقدير العتق، و التعليق مناف للصحة.

و من أن الوصية تصرف بعد الموت، و الواقع الآن إنما هو العبارة الدالة على ذلك، و العبد صحيح العبارة، لأن الغرض بلوغه و عقله و رشده، و قد تحقق شرط صحة التصرف قبل الموت فوجب القول بالصحة، لقول الباقر (عليه السلام): «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب قضى نصف ما عليه فأوصى بوصية فأجاز نصف الوصية، و قضى في مكاتب قضى ثلث ما عليه أو أوصى بوصية فأجاز ثلث الوصية» (1).

و لم يستفصل (عليه السلام) عن موته قبل العتق و عدمه، و ترك الاستفصال دليل العموم.

و لقائل أن يقول: إنّ ترك الاستفصال إنما يكون مع حكاية الحال، و هنا

____________

(1) التهذيب 9: 223 حديث 876.

38

و تنفذ وصية الكافر إلّا بخمر أو خنزير لمسلم- و في الذمي إشكال (1)-

____________

لا حكاية، و إنما المروي قضاؤه (عليه السلام) و لا عموم له. و سلب أهلية العبد إن أريد به بالنسبة إلى العبارة فممنوع، و إن أريد به بالنسبة إلى التصرف لم يضر، لأنّا نحاول بصحة الوصية نفوذها بعد الموت على تقدير العتق، و نمنع اشتراط صحة العبارة بكونه متى مات يجب النفوذ، و التعليق المدعى لزومه غير قادح كما لو قال: إن متّ في سفري هذا، و هذا الشرط معتبر بحسب الواقع فلا يعدّ اعتباره تعليقا فالنفوذ لا بأس به، لكن قوله (عليه السلام): «لا وصية لمملوك» (1) ينافي صحة الوصية منه.

قوله: (و تنفذ وصية الكافر إلّا بخمر أو خنزير لمسلم، و في الذمي إشكال).

(1) إنما تنفذ وصية الكافر لاستجماعه شروط الوصية من البلوغ، و العقل، و الحرية، و نفوذ التصرفات، و عدم صحة الوصية بالخمر و الخنزير للمسلم ظاهر، لأنه لا يملك ذلك.

أما الذمي فمنشأ الإشكال فيه: من أن شرط صحة الوصية كون الموصى به مملوكا في نظر الشارع، و ليس الخمر و الخنزير كذلك.

و من أن ذلك يملكه الذمي، و يصح بيعه و سائر العقود المترتبة عليه، و يجوز للمسلم قبض ثمنه منه بمعاوضة و نحوها، و الأصح الصحة.

و العجب أن المصنف جوّز وقف الذمي على مثله الخنزير و توقف هنا، مع أن الوقف آكد من الوصية، لأنه يشترط فيه كونه قربة.

و أعجب منه ان الشارح الفاضل ولد المصنف بنى في هذه المسألة على أن الكافر مخاطب بفروع العبادات (2)، فإنّا نحكم بكونه مخاطبا بها، و تمضي تصرفاته

____________

(1) التهذيب 9: 216 حديث 852، الاستبصار 4: 134 حديث 481.

(2) إيضاح الفوائد 2: 481.

39

أو عمارة كنيسة، (1) و لو أوصى بعمارة قبور أنبيائهم جاز (2).

و تنفذ وصية الأخرس بالإشارة المعقولة.

و لو عقل لسان الناطق، فعرضت عليه وصية فأشار بها و فهمت إشارته صحت وصيته، (3)

____________

الجارية على الخمر و الخنزير، و نمنع من غصبها و إتلافها، و نوجب على المسلم ردها و ضمان القيمة عندهم.

قوله: (أو عمارة كنيسة).

(1) هذا من جملة المستثنى، أي: تنفذ وصية الكافر إلّا في عمارة الكنيسة، لأن ذلك ممنوع منه شرعا، نعم لو أوصى بذلك في موضع لا يمنع منه شرعا جاز، و به صرّح في الدروس (1).

و يشكل ذلك، لأن ذلك معصية في نفسه، إذ هي بيت عبادتهم الفاسدة و موضع مشاتم الرسول (عليه السلام)، و الغرض من صحتها تنفيذنا لها، و لو أريد بصحتها: عدم تعرضنا لهم إذا أرادوا تنفيذها و لم يتحاكموا إلينا كان ما ذكره الشهيد صحيحا.

قوله: (و لو أوصى بعمارة قبور أنبيائهم جاز).

(2) لأن ذلك جائز من المسلم، لما فيه من تعظيم شعائر اللّه و إحياء الزيارة لها و التبرك بها، فلا مانع من الجواز في حق الكافر.

قوله: (و تنفيذ وصية الأخرس بالإشارة المعقولة، و لو عقل لسان الناطق فعرضت عليه وصيته فأشار بها و فهمت إشارته صحت وصيته).

(3) قد تقدّم في الخبر من فعل الحسن و الحسين (عليهما السلام) مع أمامة (2) ما يصلح دليلا لذلك.

____________

(1) الدروس: 240.

(2) الفقيه 4: 146 حديث 506، التهذيب 9: 241 حديث 935.

40

و لو اوصى الفقير ثم استغنى صحت وصيته (1).

و لو قال العبد: متى عتقت ثم متّ فثلثي لفلان فالأقرب الجواز (2).

و كل من عليه حق من مال أو غيره وجب عليه أن يوصي به إذا ظن الموت (3).

____________

قوله: (و لو أوصى الفقير ثم استغنى صحت وصيته).

(1) لأن له أهلية التملك، و هي قائمة مقام الملك في صحة الوصية.

قوله: (و لو قال العبد: متى عتقت ثم متّ فثلثي لفلان فالأقرب الجواز).

(2) وجه القرب: انه تصرّف وارد على حالة الحرية، فيصح لعموم وجوب العمل بالوصية السالم عن معارضة كونه عبدا.

و يشكل بأن المانع عدم الأهلية حين الوصية فتقع لاغية، كما لو أوصى الصبي على تقدير بلوغه ثم موته، و لما فيه من تعليق الوصية و هو مانع، و للرواية السالفة عن الباقر (عليه السلام) (1) إن ثبت العموم المدعى سابقا، لكن ضعف الاشكال معلوم مما سبق فالجواز قريب.

قوله: (و كل من عليه حق من مال أو غيره وجب عليه أن يوصي به إذا ظن الموت).

(3) لا خلاف في الوجوب هنا، و لو كان له حق يخاف ضياعه فليس ببعيد القول بالوجوب، لأن ذلك تضييع للمال على الوارث، و لم أجد التصريح به، لكن إطلاق الأخبار مثل قوله (عليه السلام): «من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية» (2) يتناوله.

____________

(1) التهذيب 9: 223 حديث 876.

(2) المقنعة: 101، مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 3: 46.

41

[المطلب الثالث: في الموصى له]

المطلب الثالث: في الموصى له.

و يشترط فيه أمران: الوجود و صحة التملك، فلو اوصى لمعدوم لم يصح، و كذا للميت، سواء علم بموته أو ظن حياته فبأن ميتا، أو لما تحمله المرأة، أو لمن يوجد من أولاد فلان (1) و تصح للحمل الموجود بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر، أو لأكثر مدة الحمل مع خلوها من زوج و مولى (2).

____________

قوله: (المطلب الثالث: الموصى له: و يشترط فيه أمران: الوجود، و صحة التملك. فلو أوصى لمعدوم لم يصح، و كذا للميت سواء علم بموته أو ظن حياته فبان ميتا، أو لما تحمله المرأة، أو لمن يوجد من أولاد فلان).

(1) لما كان شرط صحة الوصية لمعيّن أن تكون له أهلية التملك، لامتناع تحقق الملك المقصود بالوصية من دونها، لم تصح الوصية للمعدوم، و لا للميت على حال و إن علم بموته، خلافا لمالك مع العلم بموته فإنه حكم بصحة الوصية له، و بكون الموصى به تركته، و كذا ما تحمله المرأة، أو من يتجدد من أولاد فلان (1).

و اعلم أنه قد سبق في الوقف جوازه على المعدوم إذا كان تابعا، كما لو وقف على أولاد فلان و من سيولد له، فأي مانع من صحة الوصية كذلك؟ فإذا أوصى بثمرة بستانه مثلا خمسين سنة لأولاد فلان و من سيولد له فلا مانع من الصحة، بل تجويز ذلك في الوقف يقتضي التجويز هنا بطريق أولى، لأنه أضيق مجالا من الوصية.

قوله: (و يصح للحمل الموجود بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر، أو لأكثر مدة الحمل مع خلوها من زوج و مولى).

(2) يشترط لصحة الوصية للحمل أمران:

____________

(1) المدوّنة الكبرى 5: 35 و 73.

42

و لو كان بينهما و هي ذات زوج أو مولى لم تصح، لعدم العلم بوجوده حين الوصية، (1) و تستقر بانفصاله حيا، فلو وضعته ميتا بطلت (2).

____________

أحدهما: أن يكون موجودا حالة الوصية، لأن الوصية للمعدوم لا تصح إجماعا.

الثاني: انفصاله حيا فتبطل بدون ذلك، و مع الشرطين تصح الوصية له إجماعا، كما يثبت إرثه.

و يتحقق وجوده بأن تأتي به أمّه لأقل من ستة أشهر من حين الوصية، للقطع بوجوده حينئذ، فلو كان لستة فصاعدا و لها زوج أو مولى فليس وجوده حين الوصية بمعلوم، لإمكان تجدده، و الأصل عدمه. نعم لو خلت عن زوج و مولى و أتت به لما دون أكثر مدة الحمل من حين الوصية فإن الوصية تصح أيضا، للحكم بوجوده شرعا حين الوصية، لوجوب إلحاقه بصاحب الفراش.

و لا يخفى أن الأولى أن يقول المصنف: لدون أكثر مدة الحمل، بدل قوله: (أو أكثر مدة الحمل)، لأنه إذا تخلل بين الوصية و الوضع أكثر مدة الحمل حكم بعدم وجوده حين الوصية قطعا.

قوله: (و لو كان بينهما و هي ذات زوج أو مولى لم تصح، لعدم العلم بوجوده حين الوصية).

(1) أي: لو كان الإتيان به بين أقل مدة الحمل من حين الوصية و أكثرها، و هي ذات زوج أو مولى يأتيها لم تصح الوصية، للحكم بكونه معدوما استنادا إلى أصالة عدمه.

قوله: (و يستقر بانفصاله حيا، فلو وضعته ميتا بطلت).

(2) تلوح من هذه العبارة صحة الوصية للحمل قبل الانفصال غير مستقرة، و بانفصاله حيا يتحقق الاستقرار، كما أنها لو وضعته ميتا بطلت.

و على هذا فلو وضعته حيا و تحقق القبول ثبت الملك من حين موت الموصي فيتبعه النماء، و هو صحيح في موضعه. و لا فرق في ذلك كله بين أن يكون قد حلّته الحياة في بطن امه أو لا، لأن الحياة المعتبرة هي ما بعد الانفصال اتفاقا، و لا فرق بين أن يسقط بجناية جان أو لا.

43

و لو مات بعد انفصاله حيا صحت و كانت لورثته، و يسقط اعتبار القبول هنا على اشكال. (1)

و لو ردّ الولي للمصلحة فالأقرب بطلان الوصية إن ردّ بعد الموت، (2)

____________

فرع: لو وضعت أحد التوأمين لأقل من ستة أشهر، ثم ولدت الثاني لأقل من ستة أشهر من الولادة الأولى صحت الوصية لهما، و إن زاد ما بين الثاني و الوصية على ستة أشهر و كانت المرأة فراشا، لأنهما حمل واحد، كذا قال في التذكرة، و ادعى فيه الإجماع (1)، و الحكم واضح.

قوله: (و لو مات بعد انفصاله حيا صحت و كانت لورثته، و يسقط اعتبار القبول هنا على اشكال).

(1) ينشأ: من إطلاق الأصحاب كون الوصية للحمل، و إذا مات بعد الانفصال يكون لوارثه، و لتعذر القبول هنا فجرى مجرى الوصية للجهات العامة في عدم اشتراط القبول.

و من إطباقهم على اعتبار قبول الوارث لو مات الموصى له قبل القبول، و هو متناول محل النزاع، و لثبوت اعتبار القبول فيما عدا الوصية للجهات العامة. و لم يدل دليل على السقوط هنا فيقيّد إطلاقهم في محل النزاع، و الأصح أنه لا بد منه هنا أيضا.

قوله: (و لو ردّ الولي للمصلحة فالأقرب بطلان الوصية إن ردّ بعد الموت).

(2) أي: لو ردّ ولي غير الكامل في موضع يكون الرد أغبط فالأقرب بطلان الوصية إن وقع الرد في موضع يعتبر تأثيره و هو بعد الموت، و وجه القرب: أن الولي قائم مقام المولى عليه في جميع التصرفات، و يحكم بنفوذ ما وقع على وفق الغبطة منها، فيجب الحكم بالنفوذ في محل النزاع.

____________

(1) التذكرة 2: 461.

44

و كذا لو ردّ بعد بلوغه (1) و هل النماء المتجدد بين الوفاة و الرد تابع أو للموصى له؟ اشكال. (2)

____________

و يحتمل ضعيفا العدم، لأن ذلك إزالة ملك بغير عوض فكان بمنزلة الإتلاف، و ليس لأن الولي قائم مقامه ففعله مع المصلحة بمنزلة فعله، و لو رد قبل الموت فلا اعتبار به، كما لا اعتبار برد الموصى له حينئذ.

قوله: (و كذا لو ردّ بعد بلوغه).

(1) أي: و كذا تبطل الوصية لو رد المولى عليه بعد بلوغه قطعا، لأن قبوله و رده حينئذ يقع معتبرا، و هذا إذا لم يسبق قبول الولي عنه للمصلحة.

قوله: (و هل النماء المتجدد بين الوفاة و الرد تابع أو للموصى له؟

إشكال).

(2) أي: هل النماء الحاصل من الموصى به المتجدد بين الوفاة و الرد تابع لحال الموصى به؟- فإن قلنا: إنّ القبول كاشف كان النماء للوارث مع الرد، و إن قلنا: إنه سبب فالنماء للوارث، سواء قلنا إنّ الموصى به في تلك الحال للورثة، أو على حكم مال الميت- أم هذا النماء للموصى له، بناء على أنه يملك بموت الموصي و يستقر بالقبول و يزول بالرد؟ فيه إشكال ينشأ: من تقابل دلائل هذه الأقوال.

و لا يخفى ما في هذه العبارة و هذا الاشكال من الخلل، أما العبارة، فلأن مقتضى

قوله: (و هل النماء تابع أو للموصى له) ينافي الأمرين، و ليس كذلك، لأنّا إذا حكمنا بأنه للموصى له فإنما هو باعتبار تبعيته للعين، و دخولها في ملك الموصى له بالموت من دون اعتبار القبول.

و أما خلل الإشكال، فلأنه قد سبق في كلامه (رحمه اللّٰه) اختيار كون القبول كاشفا، فلا وجه للإشكال في حال النماء بعد ذلك، لوجوب كونه مع الرد للوارث، فيكون رجوعا عن الجزم إلى التردد.

45

و لا تصح لمملوك الأجنبي، و لا لمدبرة، و لا لام ولده، و لا لمكاتبة المشروط على اشكال، و غير المؤدي و إن أجاز مولاه، و لو أعتق عند الاستحقاق، (1) و لا تكون وصية للمولى.

____________

قوله: (و لا تصح لمملوك الأجنبي، و لا لمدبّره، و لا لام ولده، و لا لمكاتبة المشروط على اشكال، و غير المؤدي و إن أجاز مولاه و لو أعتق عند الاستحقاق).

(1) لا تصح الوصية للمملوك الغير سواء كان قنّا أو مدبّرا أو أم ولد عندنا، لأن العبد لا يملك و إن ملّكه سيده، فمع تمليك الغير أولى، فهو بمنزلة المعدوم، و لما رواه عبد الرحمن بن الحجاج عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا وصية لمملوك» (1).

و في الوصية لمكاتب الغير المشروط إشكال ينشأ مما ذكر فإنه مملوك، و تؤيده رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) في مكاتب كانت تحته امرأة حرة فأوصت له عند موتها بوصية، فقال أهل الميراث: لا نجيز وصيتها انه مكاتب لم يعتق و لا يرث، فقضى (عليه السلام) انه يرث بحساب ما أعتق، و يجوز له من الوصية بحساب ما أعتق منه (2).

و من انقطاع سلطنة المولى عنه، و لهذا يصح بيعه و اكتسابه و الهبة له، فأي مانع من الوصية و إنما هي نوع اكتساب؟ و المتبادر في الرواية الاولى من المملوك غير المكاتب، و الثانية واقعة عين فلا عموم لها، و مع ذلك فمحمد بن قيس مشترك بين الثقة و غيره، فصحة الوصية له لا تخلو من قوة.

و المكاتب المطلق الذي لم يؤد شيئا- و هو المراد بقوله: (و غير المؤدي)- يطّرد فيه الاشكال السابق و أولى بالصحة من المشروط، لأن استعداده للحرية أشد منه.

____________

(1) التهذيب 9: 216 حديث 852، الاستبصار 4: 134 حديث 506.

(2) الكافي 7: 28 حديث 1.

46

و لو ادى المطلق البعض صحت بنسبة الحرية، (1) و في الوصية للجزء الحر اشكال. (2)

و تصح بالجزء الشائع لعبد الموصى و مدبره و مكاتبه و أم ولده، ثم يعتبر ما وصّى به بعد خروجه من الثلث، فإن كان بقدر قيمته عتق و لا شيء

____________

و قوله: (و إن أجاز مولاه) و صلي لقوله: (و لا تصح لمملوك الأجنبي)، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى حكم الوصية لمملوك نفسه. و كذا قوله: (و إن أعتق عند الاستحقاق)، أي:

استحقاق الوصية، و ذلك عند الموت، و قوله: (و لا تكون وصية للمولى) ردّ به على العامة القائلين بذلك إذا استمر رقه.

قوله: (و لو أدى المطلق البعض صحت بنسبة الحرية).

(1) كما يصح إرثه بنسبتها.

قوله: (و في الوصية للجزء الحر إشكال).

(2) ينشأ: من أن صحة الوصية إنما هي باعتباره فتصح له، و من أن المالك هو من تحرر بعضه لا البعض الحر، و بذلك وردت الأخبار، و جرى عليه كلام الفقهاء.

و حقق الشارح الفاضل أن المالكية من الأعراض النفسانية و المملوكية من الأعراض الجسمانية، و حصول الأول للنفس الإنسانية كاملا مشروط بانتفاء الثانية عن البدن، فإن انتفت عن بعضه ثبت الملك بالنسبة (1).

و ما ذكره صحيح، و لا يرد عليه أنه لو كان المالك النفس لما زال الملك بالموت، لما عرفت من أن لاتصال النفس بالبدن دخلا في ذلك، و كيف كان فالظاهر عدم صحة الوصية.

قوله: (و يصح بالجزء المشاع لعبد الموصي، و مدبّره، و مكاتبه، و أم ولده. ثم يعتبر ما أوصى به بعد خروجه من الثلث، فإن كان بقدر قيمته عتق

____________

(1) إيضاح الفوائد 2: 484.

47

له و كان الموصى به للورثة، و إن كانت قيمته أقل أعتق و اعطي الفاضل، و إن كانت أكثر سعى للورثة في الباقي و إن بلغت الضعف على رأي، (1)

____________

و لا شيء له، و كان الموصى به للورثة، و إن كانت قيمته أقل أعتق و اعطي الفاضل، و إن كانت أكثر سعى للورثة في الباقي و إن بلغت الضعف على رأي).

(1) إذا أوصى لعبد نفسه بجزء مشاع في التركة كثلثها و ربعها صحت الوصية، سواء كان قنا أم لا.

ثم ينظر فإن كان الموصى به بعد خروجه من الثلث بقدر قيمة العبد عتق و لا شيء له، و يكون باقي التركة للورثة، و جرى ذلك مجرى ما إذا قال: أعتقوا عبدي من ثلثي.

و إن كانت قيمته أقل أعتق و اعطي الفاضل، و إن كانت قيمته أكثر عتق منه بقدر الوصية إن كانت الثلث فما دون، أو بقدر ما يحتمله الثلث إن زادت، و استسعى للورثة في الباقي، سواء كانت قيمته ضعف الوصية أم لا، ذهب إلى ذلك الشيخ في الخلاف (1)، و علي بن بابويه (2)، و أبو الصلاح (3)، و ابن إدريس (4)، و أكثر المتأخرين.

و قال المفيد: إذا بلغت القيمة ضعف الوصية بطلت (5)، و هو اختيار الشيخ في النهاية (6)، و ابن البراج (7)، لما رواه الحسن بن صالح بن حي عن أبي عبد اللّه عليه

____________

(1) الخلاف 2: 185 مسألة 48 كتاب الوصايا.

(2) نقله عنه العلّامة في المختلف: 505.

(3) الكافي في الفقه: 365.

(4) السرائر: 386.

(5) المقنعة: 102.

(6) النهاية: 610.

(7) المهذب: 2: 107.

48

و في المعيّن اشكال. (1)

____________

السلام في رجل أوصى لمملوك له بثلث ما له فقال: «يقوّم المملوك بقيمة عادلة ثم ينظر ما ثلث الميت، فإن كان الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة، و إن كان الثلث أكثر من قيمة العبد أعتق العبد و دفع إليه الفاضل» (1).

و هي دالة بمفهوم الشرط لقوله: «فإن كان الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة»، و هو حجة عند الأكثر، و يضعّف ذلك بوجوه:

الأول: ضعف سند الرواية.

الثاني: إنّ مفهوم الرواية- إن سلم-: عدم الاستسعاء إذا كان الثلث أقل من قيمة العبد بزيادة على ربع القيمة، و هم لا يقولون به، و التحديد بالضعف لا دليل عليه.

الثالث: منع كون المفهوم ذلك، بل المفهوم، عدم كون الاستسعاء في ربع القيمة إن كان الثلث أقل بزيادة عن الربع، و نحن نقول بموجبه، و دعواهم عدم الاستسعاء، حينئذ مطلقا لا عدم الاستسعاء على هذا الوجه، و الأصح الأول، لعموم الدلائل الدالة على صحة الوصية الشاملة لمحل النزاع بغير معارض، و تدل على الأحكام الباقية السالفة مع هذه العمومات و إجماع الأصحاب الرواية المذكورة.

قوله: (و في المعيّن إشكال).

(1) أراد بالمعيّن هنا: ما ليس جزءا مشاعا في التركة و إن كان مشاعا من معيّن كنصف دار أو فرس، و معناه: أنه لو أوصى لعبده بما ليس جزءا مشاعا في التركة ففي صحة الوصية إشكال ينشأ: من أنه إنما تصح في المشاع، لأنه متناول من حيث الصلاحية لرقية العبد، فصار كأنه موصى بعتقه، و ذلك منتف في محل النزاع. و لعموم

____________

(1) التهذيب: 9: 194 حديث 782، الاستبصار 4: 120 حديث 456.

49

و لو أوصى للدابة فإن قصد التملك أو أطلق بطلت. (1)

و لو قصد الصرف الى علفها فالأقرب الجواز، (2)

____________

قول أحدهما (عليهما السلام): «لا وصية لمملوك» (1)، و لأن تنفيذ الوصية بالمعيّن محال، لامتناع تملك العبد هنا، و التخطي إلى رقبة العبد يقتضي تبديل الوصية.

و من عموم الرواية السالفة المتضمّنة الوصية لمملوك بثلث المال (2)، فإنها أعم من المعيّن و غيره، فإنّ ترك الاستفصال في حكاية الحال يدل على العموم، و عموم:

فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ (3)، و غير ذلك من دلائل صحة الوصية، و لإطلاق كلام الأصحاب المتناول لمحل النزاع، و لأنه إنما صحت الوصية في المشاع لتناول رقبة العبد.

و لم لا يجوز لكونه وصية لا لأمر غير ذلك، و التبديل غير لازم، لأن ذلك تنفيذ للوصية بحسب الممكن، و لو منع من ذلك لمنع مع الإشاعة، لأن التخصيص برقبة العبد خروج عن الإشاعة التي هي مناط الوصية، و الأصح الصحة في المعيّن أيضا.

فرع: وصية الإنسان لعبده لا تتوقف على القبول، لعدم اعتباره من العبد، و لتنزيل اعتقاده فكانت كالوصية بعتقه.

قوله: (و لو أوصى للدابة، فإن قصد التملك أو أطلق بطل).

(1) أي: بطل ما فعل من الوصية، و لا بحث في البطلان مع قصد التملك، فأما مع الإطلاق فوجه البطلان: أن المتبادر من إطلاق اللفظ التمليك، و ذلك ممتنع في الدابة.

و اللفظ عند الإطلاق إنما يحمل على المعنى المستفاد منه بالوضع.

قوله: (و لو قصد الصرف إلى علفها فالأقرب الجواز).

(2) وجه القرب: أن ذلك في الحقيقة وصية للمالك، لأن علفها واجب عليه. و يحتمل

____________

(1) التهذيب 9: 216 حديث 852، الاستبصار 4: 134 حديث 506.

(2) التهذيب 9: 194 حديث 782، الاستبصار 4: 120 حديث 456.

(3) البقرة: 181.

50

و الأقرب التوقف على قبول المالك، (1) و حينئذ ففي الدفع إليه إشكال، (2) فإن دفع ففي جواز الصرف إلى غير العلف اشكال. (3)

____________

المنع، لأن الذي دل عليه اللفظ كون الوصية للدابة و ذلك ممتنع. و يضعف بأن المراد منه المجاز، إذ المراد على ما قلناه إنما هو الوصية للمالك على الوجه المخصوص، و المختار الجواز.

قوله: (و الأقرب التوقف على قبول المالك).

(1) وجه القرب: انها وصية لمعيّن، فيعتبر قبوله كما في غيرها من الوصايا، على حدّ ما لو أوصى له بعمارة داره. و يحتمل العدم، لأنها وصية في وجه قربة، لقوله (عليه السلام):

«على كل كبد حرى أجر» (1). و يضعف بأنه و إن كان قربة، إلّا أنه وصية لمعيّن، و حدوث الملك له من غير رضاه على وجه قهري خلاف الأصل، فالأقرب قريب.

قوله: (و حينئذ ففي الدفع إليه إشكال).

(2) أي: و حين إذا كان الأقرب توقف هذه الوصية على قبول المالك، لكونها في الواقع وصية له، ففي دفعها إليه إشكال ينشأ: من أنه المالك لها، و كونها معتبرة بقبوله.

و من أنها وصية في وجه خاص فيتولاها الولي أو الحاكم، و الأصح جواز الدفع إلى المالك ليصرفها في العلف، و لا يجوز الصرف إلى غيره، فينبغي أن يكون عدلا، لأن الدفع في ذلك حقا للّه تعالى.

قوله: (فإن دفع ففي جواز الصرف إلى غير العلف إشكال).

(3) ينشأ: من أنها وصية للمالك فيصنع بها ما شاء، و من أنها وصية على وجه مخصوص فلا يجوز تبديلها. و ربما تعلّق غرض الموصي بخصوص هذه القربة، و قد بينا سابقا أنه لا يجوز الصرف في غيره.

فإن قيل: لم لم تجز الوصية للعبد إذا قصد بها الصرف إلى مؤنته، كما جاز في

____________

(1) عوالي اللآلي 1: 95 حديث 2 و 3.

51

و الأقرب صحة الوصية للذمي و إن كان أجنبيا، و البطلان للحربي و المرتد، (1)

____________

الدابة ذلك.

قلنا: الظاهر أنه إذا علم ارادة ذلك لا مانع من الجواز، و المبحوث عنه في العبد إنما هو إذا قصد هو بالوصية، أو لم توجد قرينة تدل على شيء، و ذلك لأن خلاف العامة القائلين بأنه إن أعتق فالوصية له، و إلّا فلمولاه، إنما هو هنا، فلا يستقيم فرض المسألة فيما ذكر، لأنه خروج عن محل النزاع.

قوله: (و الأقرب صحة الوصية للذمي و إن كان أجنبيا، و البطلان للحربي و المرتد).

(1) اختلف الأصحاب في جواز الوصية للكافر على أقوال:

الأول: المنع مطلقا، و هو مختار ابن البراج (1).

الثاني: الجواز مطلقا، و هو مختار المفيد (2) و ابن إدريس (3).

الثالث: جواز الوصية للكافر القريب دون غيره، و هو مختار الشيخ في المبسوط (4)، و جماعة.

الرابع: جواز الوصية للذمي دون الحربي، و هو مختار الشيخ في الخلاف (5)، و المصنف.

وجه الأول: أن الوصية تستلزم المودّة و هي محرّمة بالنسبة إلى الكافر، و يضعف

____________

(1) نقله عنه العلّامة في المختلف: 500.

(2) المقنعة: 101.

(3) السرائر: 386.

(4) المبسوط 4: 4.

(5) الخلاف 2: 181 مسألة 26 كتاب الوصايا.

52

..........

____________

بمعارضته بقوله تعالى لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ (1) و بقوله (عليه السلام):

«على كل كبد حرى أجر» (2)، و برواية محمد بن مسلم الآتية، و ينتقض بجواز هبة الذمي و إطعامه.

و وجه الثاني: عموم قوله (عليه السلام): «على كل كبد حرى أجر»، و ضعفه ظاهر مما سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

و وجه الثالث: ما ورد من الحث على صلة الرحم مطلقا.

و وجه الرابع: يستفاد مما ذكر، لأن فيه جمعا بين الدلائل، و هو أولى من الجمع بينها باشتراط كونه ذا رحم، لأن مطابقته لقوله تعالى لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ الآية إنما يتحقق بحيث يجري على ظاهره.

فإن قيل ينتقض ذلك بالنساء و الصبيان من أهل الحرب، فإنهم لم يقاتلوا و لا هم بصدد ذلك، و على التخصيص بالذمي لا تجوز الوصية لهم.

قلنا: لا نسلم انهم لبسوا بصدد ذلك، لأنهم من توابع أهل الحرب و الممدين لهم.

فإن قيل: كيف جازت الهبة للحربي و لم تجز الوصية له.

قلنا: قد حقق المصنف في المختلف وجه الفرق: بأن ملك الحربي غير لازم، و ماله غير معصوم، و لا يجب دفع ماله إليه بخلاف الذمي، فلو جازت الوصية للحربي لكان إما أن يجب الدفع إليه إذا قيل و هو باطل، أو لا و هو المراد من بطلان الوصية له، لأنا لا نريد من الباطل في العقود إلّا ما لا يترتب أثره عليه، و أثر الوصية اتباع أمر الموصي (3).

و يزيده بيانا ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام): في رجل أوصى

____________

(1) الممتحنة: 8.

(2) عوالي اللآلي 1: 95 حديث 2 و 3.

(3) المختلف: 501.

53

و تصح الوصية للأجنبي و الوارث، سواء أجاز بقية الورثة أو لا. (1)

____________

بماله في سبيل اللّه، قال: «أعط لمن أوصى له و إن كان يهوديا أو نصرانيا، فإن اللّه تعالى يقول فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1). و فيه إيماء إلى عدم صحة الوصية للحربي، من حيث أنه عطف بأن الوصيلة ما إذا كان يهوديا أو نصرانيا، و لو كان المعطوف عليه شاملا للحربي لكان المناسب أن يعطف بالفرد الأخفى، و هو الحربي الوثني دون حربي أهل الكتاب، فاقتصاره على اليهودي و النصراني يشعر بأنه يريد الذمي.

و أما المرتد، فإن كان عن غير فطرة أو كان امرأة فلا مانع من الوصية له، و إن كان عن فطرة و كان ذكرا لم يصح، إلّا إذا قلنا بأنه يملك الكسب المتجدد، كما اختاره في الدروس (2). و سيأتي إن شاء اللّه تعالى انا لا نقول به، لأنه صار في نظر الشارع مقتولا بدليل خروج أمواله عنه.

قوله: (و تصح الوصية للأجنبي و الوارث، سواء أجازت بقية الورّاث أو لا).

(1) المراد: أنه لا فرق بين الوصية للوارث و غيره في صحتها إذا كانت ثلثا فما دون، و لا اعتبار بإجازة باقي الورثة بلا خلاف في ذلك عندنا. و قالت العامة: لا تصح الوصية للوارث (3)، و بعضهم جعل الحكم في الوصية له كالحكم فيما لو أوصى بزيادة على الثلث (4).

____________

(1) الكافي 7: 14 حديث 2، الفقيه 4: 148 حديث 514، التهذيب 9: 201 حديث 804، الاستبصار 4: 128 حديث 484.

(2) الدروس: 243.

(3) المغني لابن قدامة 6: 450، الشرح الكبير (المطبوع مع المغني) 6: 462.

(4) المغني لابن قدامة 6: 450، الشرح الكبير (المطبوع مع المغني) 6: 462.

54

و لو اوصى لأم ولده فالأقرب أنها تعتق من الوصية لا من النصيب على رأي (1).

____________

قوله: (و لو أوصى لأم ولده فالأقرب أنها تعتق من الوصية لا من النصيب على رأي).

(1) لا خلاف في أن وصية الإنسان لأم ولده صحيحة إلّا أن الأصحاب مع اتفاقهم على صحتها اختلفوا في عتقها هل هو من الوصية أم من نصيب ولدها على أقوال أربعة:

الأول: عتقها من الوصية، فإن ضاقت فالباقي من نصيب ولدها، اختاره ابن إدريس (1)، و نجم الدين في الشرائع (2)، و المصنف هنا و في الإرشاد (3)، لتأخر الإرث عن الوصية و الدين بمقتضى قوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ (4)، و قد علم ضعفه مما سبق، و ان الآية لا دلالة لها على ذلك، و إن دلت فإنما تدل على أن المتأخر هو استقرار الملك لا نفسه.

الثاني: أنها تعتق من نصيب ولدها و تأخذ الوصية، و اختاره الشيخ في النهاية (5)، و نجم الدين في النكت (6)، و المصنف في المختلف (7) و هو الأصح، لأن التركة تنتقل إلى الوارث من حين الموت، فيستقر ملك ولدها على جزء منها، فتعتق عليه و تستحق الوصية.

____________

(1) السرائر: 386.

(2) الشرائع 2: 254.

(3) الإرشاد 1: 458.

(4) النساء: 11.

(5) النهاية: 611.

(6) نكت النهاية (الجوامع الفقهية): 670.

(7) المختلف: 506.

55

..........

____________

فإن قيل: الوصية للمملوك لا تتوقف على القبول، و حينئذ فيحكم بالعتق بحسب الوصية من حين الموت، فلا يتحقق دخول أم الولد في ملك الولد، إلّا أن يفضل منها شيء عن الوصية.

قلنا: ليس كذلك، لأن تنفيذ الوصية موقوف على معرفة القيمة و وصول التركة إلى الوارث، و ملك الوارث لا يتوقف على شيء.

و فيه نظر، لإمكان القول بالانكشاف عن العتق بالتقويم و قبض الوارث التركة، نعم يمكن أن يقال: إنّه لو لا الانعتاق من النصيب لزم التوزيع إذ لا مرجّح للوصية، و هو باطل إجماعا.

و قد روى أبو عبيدة في الصحيح قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل كانت له أم ولد له منها غلام، فلما حضرته الوفاة أوصى لها بألفي درهم أو بأكثر، للورثة أن يسترقوها؟ قال: فقال «لا، بل تعتق من ثلث الميت و تعطى ما أوصى لها به» (1). قال المصنف في التذكرة و المختلف و غيره: و في كتاب العباس (2): تعتق من نصيب ابنها و تعطى من ثلثه ما أوصى لها به (3)، و هذا الموجود في كتاب العباس نص في الباب (4).

أقول: و هذا هو الجاري على الأصول، لأن إعتاقها من ثلث الميت و اعطاءها الوصية لا مخرج له، على أنه لا اختلاف في المروي في إعطائها الوصية، فيبقى

____________

(1) الكافي 7: 29 حديث 4، التهذيب 9: 224 حديث 880.

(2) هو العباس بن معروف، كما قاله السيد محمد جواد العاملي في مفتاح الكرامة 9: 410. و قال النجاشي: العباس ابن معروف، أبو الفضل، مولى جعفر بن [عمران بن] عبد اللّه الأشعري، قمي، ثقة. له كتاب الآداب، و له نوادر.

رجال النجاشي: 281.

(3) ورد كلام العباس في ذيل صحيحة أبي عبيدة المروية في الكافي و التهذيب.

(4) التذكرة 2: 463، المختلف 506.

56

و إطلاق الوصية يقتضي التساوي في المتعدد، فلو أوصى لأولاده و هم ذكور و إناث تساووا، إلّا أن يفضل، و كذا لو اوصى لأعمامه و أخواله. (1)

____________

انعتاقها من نصيب الولد ثابتا بالدلائل القاطعة، بل يكون شاهدا على ما في كتاب العباس.

الثالث: أنها تعتق من ثلث الميت، اختاره محمد بن بابويه (1)، لرواية أبي عبيدة السالفة (2). و قد أسلفنا بيان ترجيح ما في كتاب العباس، و حملت على كون نصيب ولدها مقدار الثلث، و هو بعيد.

الرابع: أنها تعتق من الوصية أو نصيب الولد و تعطى بقية الوصية، و هو قول ابن الجنيد حكاه المصنف (3) و غيره عنه.

قوله: (و إطلاق الوصية يقتضي التساوي في المتعدد، فلو أوصى لأولاده و هم ذكور و إناث تساووا إلّا أن يفضّل، و كذا لو أوصى لأعمامه و أخواله).

(1) هذا هو الشهور بين متأخري الأصحاب، لاستواء نسبة الوصية إليهم، و انتفاء ما يدل على التفضيل في كلام الموصي فيجب الاستواء.

و قال الشيخ (4)، و ابن البراج (5)، و ابن الجنيد: للأعمام الثلثان و للأخوال الثلث (6)، و قد روى ذلك في الصحيح (7) و غيره، و العمل على الأول. و الرواية منزّلة على ما إذا أوصى على كتاب اللّه تعالى. و مكاتبة سهل بن زياد في الوصية للأولاد: «انها

____________

(1) الفقيه 4: 160 حديث 559.

(2) الكافي 7: 29 حديث 4، التهذيب 9: 224 حديث 880.

(3) المختلف: 506.

(4) النهاية: 614.

(5) نقله عنه العلّامة في المختلف: 508.

(6) نقله عنه العلّامة في المختلف: 508.

(7) الكافي 7: 45 حديث 3، الفقيه 4: 154 حديث 535، التهذيب 9: 214 حديث 845.