ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة - ج1

- الشهيد الأول المزيد...
465 /
5

[مقدّمة المصنّف: ذكر منهجية الكتاب]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و خير بريّته محمّد المصطفى، و على آله الغرّ الميامين.

تعاقبت على المتن الفقهي الشيعي مراحل عدّة و أدوار مختلفة ساهمت مساهمة فاعلة في بلورة طابعه الذي تميّز به، و خصائصه التي تفرّد بها، حتى اتّخذ أبعاده و موازينه القائمة حاليا.

و لقد كان للكفاح الفكري الدؤوب و الجهود العلمية الهائلة التي بذلها أعلام الطائفة و أساطينها الأفذاذ، الدور المشهود في تثبيت و تطوير و استقلالية الفقه الشيعي.

و لبعض هؤلاء الفطاحل الأمجاد اللمسات البارزة و الدور الأكبر فيما تحقّق له من تكاملية و حيوية، نخصّ منهم:

شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي (م 460).

المحقق الحلّي، جعفر بن الحسن (م 676).

العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف بن المطهّر (م 726).

الشهيد الأول، محمّد بن مكّي العاملي (م 786).

6

الوحيد البهبهاني، محمّد باقر (م 1205).

الشيخ مرتضى الأنصاري (م 1281).

و جماعة من أهل الفن و الاختصاص حصروا هذه المراحل كلها في مرحلتين:

1- مرحلة المتقدّمين.

2- مرحلة المتأخّرين.

و المراد من «المتقدّمين» في المتون الفقهيّة المصنّفة في القرن السادس و السابع:

فقهاء عصر الأئمّة (ع). و «المتأخرين»: ما جاوز منهم فترة حضور الإمام (ع)، أي سنة 260 فما بعد.

و قد يطلق مصطلح «المتقدّمين» على شيخ الطائفة و من تقدّمه، و «المتأخّرين» على من بعده.

و المعروف من المتون الفقهية عموما أنّ المحقّق الحلّي- و لربما العلّامة- هو الحدّ الفاصل و حلقة الوصل بين «المتقدّمين» و «المتأخّرين».

و قد أضيف مصطلح آخر في المتون الفقهية المدوّنة في القرن الثالث عشر بعنوان:

«متأخّري المتأخّرين»، حيث يكون المراد من «متأخّريهم» من هم بعد زمن صاحب المدارك.

و لعلّ هذا التقسيم الثنائي يفتقد الدقّة في الضبط و التثبّت، فهو في الحقيقة أشبه بمصادرة أو غفلة عن كثير من الخطوات العظيمة و الابتكارات العملاقة و الاقتراحات البنّاءة و الآراء السديدة التي صنعت للمتن الفقهي الشيعي كيانا علميا و فكريا مستقلّا.

نعم، يمكن إيفاء المطلب حقّه إن قلنا: إنّ أدوار و مراحل الفقه الشيعي- على ضوء المحاسبات العلمية و التاريخية و ما يقترن بهما من لوازم و عوامل مختلفة- تنشطر إلى ثمان:

1- مرحلة عصر الأئمّة (ع).

2- مرحلة أهل الحديث.

3- مرحلة تفوّق الفقهاء و انحسار مدّ المحدّثين.

7

4- مرحلة الشيخ الطوسي.

5- مرحلة الشهيد الأول.

6- مرحلة المحقّق الكركي.

7- مرحلة الوحيد البهبهاني.

8- مرحلة الشيخ الأنصاري.

و لا يخفى أنّ تفصيل و بيان كل مرحلة بحدّ ذاتها و ما تمتاز به من خصائص و مواصفات، يستدعي بسط البحث و استطالته، مع أنّنا نروم التمحور- بعض الشيء- حول مرحلة الشهيد (قدّس سرّه)، لما لذلك من صلة و ارتباط بما نحن فيه، مسلّطين الضوء بشكل خاطف على جوانب من ملامحها و اطرها، اللذين يمكن استخلاصهما من خلال استعراضنا لمختلف الظروف التي عايشها (رضوان اللّٰه تعالى عليه)- أخذا و عطاء- منذ النشأة و حتى الشهادة.

لذا فنحن نستلّ من تلك المراحل الثمان مرحلة الشهيد (قدّس سرّه)، فنخوض غمارها بنوع من التوسّع الذي يناسب المقام، فنقول:

استطاع الفقه الشيعي في المرحلة الثالثة أن يشكّل بناء خاصا و يشيّد برنامجا مستقلّا عن دور و مرحلة الحديث.

و الملاحظ على المتون الفقهية التي صنّفت في تلك الفترة اتّصافها بالحالة الفقهية التقليدية التي كانت سائدة حينذاك، تلك الحالة التي استلهم منها شيخ الطائفة تشييد أسلوبه و منهجيته في صياغة كتابه «النهاية»، إلّا أنّه (قدّس سرّه) و بتدوينه «المبسوط» و «الخلاف» قد خلق نوعا من التغيير و التحوّل في محتوى و مضمون المتن الفقهي الشيعي، حيث سلك فيهما مسلك الأسلوب السنّي الحاكم آن ذاك، فلا نجازف إن قلنا: إن هيكلية هذا الفقه قد اضطربت بذلك، و أضحت خليطا من نظامين متفاوتين.

و لعلّ هذا كان منشأ التوهم القائل بنسبة الشيخ (رحمه اللّٰه) إلى مذهب الشافعية.

و لقد توغّل هذا المنهج في عمق الواقع الثقافي و الفكري الشيعي حتى ترك لمساته

8

البارزة على شتّى المصنّفات و التأليفات المنجزة حينذاك.

و يتلخّص هذا الأسلوب ب: أنّه يستعرض أقوال و نظريات و استدلالات فقهاء العامّة أولا ثم يطرح أقوال و نظريات و استدلالات فقهاء الشيعة.

و لعلّ الفاضل الآبي (قدّس سرّه) كان أول من انتفض على هذا الأسلوب و تلك المنهجية، فصنّف كتابه «كشف الرموز» ممتنعا فيه عن ذكر أقوال و نظريات و استدلالات فقهاء العامّة.

و شدّ أزره و تابعه على ذلك من تلامذة العلّامة الحلّي: ولده فخر المحقّقين في كتابه «إيضاح الفوائد»، حيث استعاض عن نقل آراء و أدلّة فقهاء العامة بنقل آراء و أدلة فقهاء الشيعة.

و مع كلّ ذلك، لا يمكن لنا أن ننكر النضوج و الترقي اللذين أصابا الفقه الشيعي أبان مرحلة الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، فلا زالت آثاره المباركة إلى يومنا هذا مهوى أفئدة الطائفة بفقهائها و مفكّريها و أساتذتها و تلامذتها، فهو المفخرة التي ساهمت في منح المذهب عزّة و كبرياء و مرتبة و رفعة. و لعلّ تفريعات «المبسوط» خير مصداق و أرفع مثل يحتذي به فيما نحن فيه.

كما لا يمكن تناسي دور العلّامة الحلّي و كل من سبقه و من تلاه في تدعيم و تثبيت أركان المؤسسة الفقهية الشيعية، فلا زالت تفريعاته- لا سيّما في قسم المعاملات، و المستفادة من النمط السنّي- مورد عناية و توجّه أهل الفن و الاختصاص، و التي طبّقها على المتن الشيعي بشكل رائع من حيث الأساس و القواعد و الأصول و المباني.

و شهيدنا الأول، شمس الدين محمّد بن مكّي العاملي، و بفضل نبوغه الذاتي و مؤهّلاته الفريدة، استطاع أن ينقّح الأصول و القواعد الأساسية للفقه الشيعي، مجسّدا ذلك على متونه بشكل عملي قلّ نظيره، و بخطواته الهائلة- التي حقّقها بجهوده العملاقة- تمكّن من أن يحدث فيه انقلابا و تحوّلا مصيريا، مانحا إيّاه شخصيته الحقيقية و هويته المستقلّة.

9

إنّ طرح الشهيد للتفريعات التحقيقية و الفقهية القيّمة ذات الطابع الابتكاري الحديث، و بسطه الفقه الشيعي و فتحه آفاقا جديدة له، أكسبه حلّة بهيّة و ذوقا رفيعا و مكانة شامخة، تجلّت بأنصع الصور و أروعها، فغدت «الألفية» و «النفلية» و «القواعد و الفوائد» و «الدروس» و «الذكرى» و «غاية المراد» و «اللمعة الدمشقية» و غيرها، من مصادر الفقه الشيعي و مراجعة المهمّة، التي تعكس بكلّ وضوح هيبة مدرسة أهل بيت العصمة و الطهارة بأرقى خصائصها و مميّزاتها.

و للمكانة التي نالها دور الشهيد و فكره الوقّاد، فقد سار على دربه و تبع نهجه فقهاء الطائفة و أساطينها، و ذلك زهاء ما يقارب القرن و النصف، و هم و إن طرحوا في آثارهم و مؤلفاتهم بعض المباني الجديدة و الآراء المبتكرة، إلّا أنّ السمة البارزة عليها بيان أفكاره و شرح نظرياته و آرائه.

و من أبرز هؤلاء الفقهاء:

ابن الخازن الحائري، زين الدين علي بن الحسن (م أوائل القرن التاسع).

ابن المتوّج البحراني، أحمد بن عبد اللّٰه (م 820) صاحب النهاية في تفسير الخمسمائة آية.

الفاضل المقداد، المقداد بن عبد اللّٰه السّيوري الحلّي (م 826) صاحب التنقيح الرائع و كنز العرفان.

ابن فهد، أحمد بن محمّد بن فهد الأسدي الحلّي (م 841) صاحب المهذّب البارع و الموجز الحاوي و المقتصد و غيرها.

شمس الدين محمّد بن شجاع القطّان الحلّي (م النصف الأول من القرن التاسع) صاحب معالم الدين في فقه آل ياسين.

المفلح بن الحسن الصيمري (م بعد سنة 887) صاحب كشف الالتباس و غاية المرام و غيرهما.

ابن هلال، علي بن محمّد بن هلال الجزائري (م بعد سنة 909).

10

إبراهيم بن سليمان القطيفي (م بعد سنة 945) صاحب إيضاح النافع.

الشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن أحمد الجبعي العاملي (م 965) صاحب الروضة البهية و روض الجنان و مسالك الافهام و غيرها.

إنّ انتساب مرحلة من مراحل تطور متن الفقه الشيعي إلى الشهيد (قدّس سرّه) يعدّ بلا ريب أغلى و سام ناله جرّاء كفاحه المرير، ذلك الكفاح الذي ما ترك معه بابا من أبواب العلم و المعرفة إلّا و طرقه و ارتوى من نميره بما يكفيه و يسدّ حاجته، فكانت سيرة عطرة و حياة مباركة غذّت شرايين الفكر و الثقافة بأبهى الآراء و أجمل المقترحات و ملأت سوح الفضيلة جلالة و فخرا، متوّجا إيّاها بدماء زاكيات سالت على ثرى المبدأ و العقيدة الحقّة، بعد أن أباحت هدرها فئة ضالّة قادها الحقد الدفين و التعصّب الأعمى إلى ارتكاب تلك الجريمة النكراء، التي لا زال جبين الإنسانية يندى لها خجلا و حياء، و لا عجب من ذلك، فإنّ له في السبط الشهيد (ع) أسوة حسنة و نموذجا رائعا.

غاية المراد و تمام المقصود: أنّ الشهيد بما خلّفه من مخزون علمي خالد و تراث فكري فذّ، شاد معهما أرسى القواعد و أمتن المباني و أعمق النظريات، إنّما كان حصيلة إحاطته الفائقة بالعقليات و النقليات، فجمع شتّى العلوم و ألوان الفنون، حتى غدى بحدّ ذاته مرحلة من مراحل الفقه الشيعي الثمان، رفدت متونه بأغنى المفاهيم و أرقى الابتكارات.

هذا هو المدّعى، أمّا إثباته فلنا أن نقول: إنّ إثبات كلّ مدّعى يحتاج- كما لا يخفى- الى المئونة الدليلية اللازمة مع القرائن المقبولة و الشواهد المناسبة و صيغ الطرح الملاءمة و سائر اللوازم الأخرى، التي تصونه من النقض و الردّ و تقوّي فيه جانب الإبرام و الثبوت، فكم من المدّعيات التي ألغيت أو أسقطت لافتقادها لما يمكن أن تكادح به المنافيات و تقاوم معه المعارضات.

و لعلّ كلّ زاوية من زوايا سيرة الشهيد العلمية و الفكرية لها اللياقة في تحقّق المدّعى و إثباته، فالأدلّة على ذلك متزاحمة، مضافا إلى ما يدعمها من مؤيّدات و قرائن

11

و شواهد، و لتيسير الطريق فإنّنا نستعرض حياته بشكل سريع، بما فيها: نشأته، و رحلاته، و أساتذته، و تلامذته، و ما قيل فيه، و آثاره، و جملة من آرائه و مقترحاته و ابتكاراته و ملامح مدرسته و خصائصها، ثم شهادته (رضوان اللّٰه تعالى عليه). حينذاك سيتجلّى ثبوت المدّعى بكل وضوح و شموخ.

ولد (قدّس سرّه) في جزّين إحدى قرى جبل عامل من جنوب لبنان، سنة 734 ه، جبل عامل ذلك المكان الذي تخرّج منه خمس علماء الشيعة، مع أنّه لا يساوي عشر عشر بلاد الشيعة مساحة، فكانت حركة العلم و مجالس الفكر و المعرفة مزدهرة آن ذاك، فأطلّ الشهيد على الحياة الثقافية من أوسع منافذها، حتى جالس منذ نعومة أظفاره- و بدافع من والده العالم الفاضل الشيخ مكّي جمال الدين- علماءها، و خالط فقهاءها، و ارتاد ندواتها العلمية، و شارك في حلقات الدرس، التي كانت تعقد في المساجد و المدارس و البيوت، و كثيرا ما كان يساهم في المناقشات التي كانت تدور بين الأساتذة و الطلّاب أو الطلّاب أنفسهم، فمنذ البدء تعوّد أن يبني لنفسه آراء مختصّة به في مختلف مسائل الفقه و الأدب و غيرهما، حتى أصبح- مع صغره- يشار له بالفضل و العلم و يتوقّع له مستقبل زاهر و مشرق.

شدّ الرحال- و هو في أوائل ربيعة السابع عشر، أي في حدود سنة 761- إلى حيث يمكنه تلقّي العلوم و المعارف، فارتاد الحلّة و كربلاء المشرّفة و بغداد و مكّة المكرّمة و المدينة المنوّرة و الشام و القدس، و تركّز استقراره في الحلّة التي كانت آن ذاك عامرة بأساطين الفقه و علماء المعرفة، حتى أضحت قطبا حيويّا و مدرسة رائدة من مدارس الفقه الشيعي، و في ظلّ هذا الازدهار و تلك الحيوية روّى الشهيد ضمأه من أصفى منابع العلم و أنقاها.

فتلمّذ على ولد العلّامة فخر المحققين (م 771) الذي كان من أجلّ مشايخه و أعظم أساتذته و أكثرهم دراسة عليه، فأولاه من العناية ما لم يولها لغيره، لما رأى فيه من النبوغ المبكر و المواصفات الفريدة، حتى قال فيه: «استفدت منه أكثر ممّا استفاد منّي».

12

و قرأ على الفقيهين الكبيرين الأخوين: عميد الدين، السيّد عبد المطّلب بن السيّد مجد الدين بن الفوارس (م 754)، و ضياء الدين السيّد عبد اللّٰه، ابني شقيقة العلّامة، قدّس اللّٰه أرواحهم الزكية.

و تلمّذ أيضا على تاج الدين، السيّد أبو عبد اللّٰه محمّد بن القاسم المعروف ب: «ابن معيّة»، الذي كان من كبار علماء الحلّة حينذاك.

و في دمشق، قرأ على قطب الدين، محمّد بن محمّد الرازي البويهي (م 766)، الكلامي الكبير، و الفيلسوف النحرير، صاحب شرح المطالع و الشمسية و غيرهما.

أمّا أساتذته و مشايخه من العامّة فهم كثيرون، منهم: القاضي برهان الدين إبراهيم بن جماعة، قاضي القضاة عزّ الدين عبد العزيز بن جماعة، جمال الدين- أبو أحمد- عبد الصمد بن الخليل البغدادي، محمّد بن يوسف القرشي الكرماني الشافعي المعروف ب«شمس الأئمّة»، ملك النحاة شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن الحسن الحنفي النحوي، شرف الدين محمّد بن بكتاش التستري البغدادي الشافعي، ملك القرّاء و الحفّاظ شمس الدين محمّد بن عبد اللّٰه البغدادي الحنبلي، فخر الدين محمّد بن الأعزّ الحنفي، شمس الدين أبو عبد الرحمن محمّد بن عبد الرحمن المالكي.

قال (قدّس سرّه) في إجازته لابن الخازن: و أمّا مصنّفات العامّة و مرويّاتهم فإنّي أروي عن نحو من أربعين شيخا من علمائهم بمكّة و المدينة و دار السلام بغداد و مصر و دمشق و بيت المقدس و مقام إبراهيم الخليل (عليه السلام) (1).

و شرف التلمّذ عليه و الرواية عنه فهما لكثير، نخصّ بالذكر منهم: الفاضل المقداد السّيوري، ابن نجدة الكركي، ابن الخازن الحائري، ابن الضحّاك الشامي، الشقراوي الحنّاط، الكرواتي، عزّ الدين العاملي، ابن هلال الكركي، ابن زهرة الحسيني الحلبي، عزّ

____________

(1) نقول: إنّ هذا لدليل جلي من دلائل عدّة، و شاهد بارز من شواهد كثيرة، على سموّ فكر علماء الشيعة و نقاء سريرتهم و عدم إبائهم من تلقّي شتّى العلوم و المعارف عن طريق علماء سائر المذاهب، مجرّدين أذهانهم بذلك عن كلّ حقد و تعصّب. بل لم يمنعهم علوّ مرتبتهم و جلالة مقامهم- باعتراف أكابر هذه المذاهب و فضلائها- من القيام بذلك.

13

الدين الحلّي، بنته العالمة أم حسن، فاطمة، الملقّبة ب: «ستّ المشايخ».

و لو تأمّلنا في مدّة عمره الشريف- القصيرة نسبيّا- و رحلاته الى تلك البلاد و تلك، و ما خلّفه من تصانيف رائعة في شتى العلوم و الفنون، و إنظاره الدقيقة، و مقترحاته العميقة، يعلم أنّه من الذين اختارهم اللّٰه تعالى لتكميل عباده و عمارة بلاده، و كلّ ما قيل أو يقال في حقّه فهو دون مقامه و مرتبته.

و إليك بعض الخصائص التي ميّزته (رضوان اللّٰه تعالى عليه):

- أول من هذّب متن الفقه الشيعي من أقاويل المخالفين.

- من فقهاء الشيعة الخمسة الذين أحاطوا بأقوال العامّة و الخاصّة، أولهم زمانا:

المحقق الحلّي، ثم العلّامة الحلّي، ثم ولده فخر المحقّقين، ثم الشهيد الأول، ثم الشهيد الثاني.

- رجحان كفّته في كثير من الموازنات التي كان يعقدها كبار علمائنا بينه و بين فطاحل الطائفة و عظمائها.

- أفقه الفقهاء باعتقاد جماعة من الفقهاء و الأساتيذ.

- تأليفه كتابه الشهير «اللمعة الدمشقية» في سبعة أيّام فقط.

- تمكّنه من أن يضيف إلى مدرسة العلّامة- في الفقه و الكلام- و منهجيتها أشياء، و يطوّرها، و يحدّد المفاهيم، بما لم يستطع عليه أساتذته و شيوخه.

- أول من بادر الى تشكيل و تأسيس نظام خاصّ بجباية الخمس، و توزيع العلماء في المناطق المختلفة، و شبكة الوكلاء القائمة حاليا هي ثمرة جهوده المباركة.

- إنّه عصارة و رمز مرحلة من مراحل تطور الفقه الشيعي بأكملها، حتى سميّت باسمه، و هذا مقام لم ينله إلّا نوادر عظماء الطائفة و أساطينها.

قيل الكثير في نعته و الإطراء عليه، و أثنى عليه أعاظم الفريقين، نختار بعضا منه هنا

14

- مولانا الإمام العلّامة الأعظم، أفضل علماء العالم، سيد فضلاء بني آدم ..

(أستاذه فخر المحققين)- مولانا الشيخ الإمام، العالم الفاضل، شمس الملّة و الحقّ و الدين ..

(أستاذه ابن معيّة)- شيخ الشيعة و المجتهد في مذهبهم .. و إمام في الفقه و النحو و القراءة، صحبني مدّة مديدة فلم أسمع منه ما يخالف السنّة ..

(شمس الدين الجزري)- المولى الأعظم الأعلم، إمام الأئمّة، صاحب الفضلين، مجمع المناقب و الكمالات الفاخرة، جامع علوم الدنيا و الآخرة ..

(أستاذه شمس الأئمّة الكرماني القرشي الشافعي)- الشيخ الإمام العلّامة، الفقيه البارع الورع، الفاضل الناسك الزاهد ..

(أستاذه عبد الصمد بن الخليل البغدادي شيخ دار الحديث ببغداد)- الشيخ الفقيه، و إمام المذهب، خاتمة الكلّ، مقتدى الطائفة المحقّة، و رئيس الفرقة الناجية .. الشهيد المظلوم ..

(تلميذه ابن الخازن الحائري)- ملك العلماء، علم الفقهاء، قدوة المحقّقين و المدقّقين، أفضل المتقدّمين و المتأخّرين .. الرئيس الفائق بتحقيقاته على جميع المتقدمين، مهذّب المذهب ..

(المحقّق الكركي)- خاتمة المجتهدين، محيي ما درس من سنن المرسلين، البدل، النحرير، المدقّق، الجامع بين منقبة العلم و السعادة و مرتبة العمل و الشهادة ..

(الشهيد الثاني)- الشيخ الإمام الأعظم، محيي ما درس من سنن المرسلين، محقّق حقائق الأولين و الآخرين ..

15

(العلّامة محمّد تقي المجلسي)- شيخ الطائفة و علّامة وقته، صاحب التدقيق و التحقيق، من أجلّاء هذه الطائفة و ثقاتها، نقيّ الكلام، جيّد التصانيف ..

(التفرشي صاحب نقد الرجال)- كان عالما ماهرا، فقيها، محدّثا، مدقّقا، متبحّرا، كاملا، جامعا لفنون العقليات و النقليات، زاهدا، عابدا، ورعا، شاعرا، أديبا، منشئا، فريد دهره، عديم النظير في زمانه ..

(الحرّ العاملي)- علّامة العلماء العظام، مفتي طوائف الإسلام .. مهذّب مسائل الدين الوثيق ..

العارج إلى أعلى مراتب العلماء و الفقهاء المتبحّرين و أقصى منازل الشهداء السعداء المنتجبين ..

(المحقّق أسد اللّٰه التستري)- أفقه جميع فقهاء الآفاق، و أفضل من انعقد على كمال خبرته و استاديّته اتفاق أهل الوفاق، و توحّده في حدود الفقه و قواعد الأحكام مثل تفرّد شيخنا الصدوق في نقل أحاديث أهل البيت الكرام (ع)، و مثل شيخنا المفيد و سيّدنا المرتضى في الأصول و الكلام و إلزام أهل الجدل و الألدّ من الخصام ..

(صاحب روضات الجنّات)- تاج الشريعة و فخر الشيعة .. أفقه الفقهاء عند جماعة من الأساتيد، جامع فنون الفضائل .. و قد أكمل اللّٰه تعالى عليه النعمة ..

(المحدّث النوري)- كان (رحمه اللّٰه) بعد مولانا المحقّق على الإطلاق أفقه جميع فقهاء الآفاق ..

(صاحب الكنى و الألقاب)- كهف الشيعة و علم الشريعة، لم يزل فقهه مستقى علماء الإمامية في نظرياتهم،

16

و كتبه مرجع فقهائهم، و إنظاره العلمية مرتكز آرائهم .. فلا أطيل بتنسيق عقود الثناء فأكون كناقل التمر إلى هجر ..

(العلّامة الأميني) فليس من الهيّن حقّا أن يطري عليه (قدّس سرّه) بكل هذا الإطراء و ينعت بكل هذه النعوت الناصعة، بل ما كان أن يكون ذلك لو لا همّته العالية و سعيه الهائل و مثابرته الدؤوبة و فضائله الروحية و الأخلاقية، حيث لم يأل جهدا و لم يضيّع فرصة من أجل الوصول الى هدفه المنشود، فكان يقول في ذلك:

معدود من الخسران إن صرف الزمان في المباح و إن قلّ، لأنّه ينقص من الثواب و يخفض من الدرجات، و ناهيك خسرانا بأن يتعجّل ما يفنى، و يخسر زيادة نعيم سيبقى.

و قصّة تناظره مع ابن المتوّج البحراني معروفة، فكان الشهيد قد غلبه مرّتين في ذلك و أفحمه، فسأله ابن المتوّج عن السرّ فقال (قدّس سرّه): سهرنا و أضعتم.

أنّ الفترة التي عاشها (رضوان اللّٰه تعالى عليه) هي فترة توغّل و تعمّق فقه المحقّق و العلّامة، و مع ذلك فما نراه قد تأثّر بمدرسيتهما، بل ابتعد عنهما إلى حدّ كبير، و هذا ممّا هيّأ له الأرضية الخصبة لعرض ابتكاراته البنّاءة و مناهجه الجديدة على صعيد الاستدلال و توسيع المسائل الفقهية، بتبويب الفقه و تقسيمه على نحو لم يسبقه إليه غيره، و قد تجلّى ذلك في مختلف مصنّفاته، كاللمعة، و القواعد و الفوائد، و الذكرى، و الألفية و النفلية، و غاية المراد، و الدروس، و غيرها.

أمّا آثاره و مصنّفاته و تأليفاته (قدّس سرّه)، فسنستعرضها بنوع من التفصيل و التوسعة، حيث هي المحور الأساسي من بحثنا هذا، فمنها استنبط أغلب ما قيل فيه و في منهجيته و أسلوبه و مقترحاته و برامجه التي أعانت المتن الفقهي الشيعي على أن يقفز قفزته

17

المشهورة آن ذاك، و منها استطاع الشهيد أن يكوّن بفكره و معارفه مرحلة من مراحل التطور و الازدهار، و منها يتألّق دليلنا التامّ بكلّ شموخ و رقي كي يثبت المدّعى الآنف الذكر على غاية من القوّة و المتانة.

و الحق أنّ آثار الشهيد كانت و لا زالت مراجع أساسية و مصادر مهمة من مصادر الدين و المذهب، فلا يمكن الاستغناء عنها مطلقا، لا سيّما و أنّها- إضافة الى كل ما أشرنا إليه- تتمتّع بسلاسة التعبير و رشاقة البيان و الخلوّ من التعقيد و الإبهام على نهج من الإيجاز و الاختصار.

و ننوّه الى أنّنا أثناء طرحنا لمؤلّفاته (قدّس سرّه) سنشير الى قبسات من آرائه و ابتكاراته و مقترحاته التي أتحف الفقه الشيعي بها، و فتح من جرّائها منافذ و آفاقا جديدة لا زالت مورد المداولة و الانتفاع.

1- اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية:

مختصر لطيف و شريف، و مؤلّف منيف، مشتمل على أمّهات المسائل الشرعية، جمع فيه أبواب الفقه و لخّص أحكامه.

ألّفه- كما قال ولده المبرور أبو طالب محمّد- بدمشق في سبعة أيام بالتماس من شمس الدين الآوي أحد أصحاب السلطان علي بن مؤيّد ملك «سربداران» في خراسان، الذي طلب من المصنّف (رحمه اللّٰه) التوجّه الى بلاده في مكاتبة شريفة أكثر فيها من التلطّف و التعظيم و الحثّ على ذلك، لكنّه أبى و اعتذر إليه و صنّف له هذا الكتاب.

و أخذ شمس الدين الآوي نسخة الأصل، و لم يتمكّن أحد من نسخها منه لضنّته بها، و إنّما نسخها بعض الطلبة و هي في يد الرسول، تعظيما لها، و سافر بها قبل المقابلة، فوقع فيها بسبب ذلك خلل، ثم أصلحه المصنّف بعد ذلك بما يناسب المقام، و ربما كان مغايرا للأصل بحسب اللفظ، و ذلك في سنة 782 ه.

و نقل عن المصنّف (رحمه اللّٰه) أنّ مجلسه بدمشق ذلك الوقت ما كان يخلو غالبا من علماء الجمهور، لخلطته بهم و صحبته لهم، قال: فلمّا شرعت في تصنيف هذا الكتاب كنت

18

أخاف أن يدخل عليّ أحد منهم فيراه، فما دخل عليّ أحد منذ شرعت في تصنيفه إلى أن فرغت منه، و كان ذلك من خفيّ الألطاف.

و هذا ما يضعف قول الحرّ العاملي و من تبعه في أنّه ألّفه في الحبس في السنّة الأخيرة من عمره الشريف حينما كان لم يحضره من كتب الفقه غير المختصر النافع.

مضافا إلى ذلك فإنّ الشهيد قد اعتقل لمدّة عام ثم استشهد، بينما كان قد ذكر اللمعة في إجازته لابن الخازن عام 784، أي حوالي سنتين قبل استشهاده. كما و أنّ الشهيد الثاني قد ذكر في مقدّمة الروضة البهية ما يدلّ على أنّه- أي الشهيد الأول- قد ألّف اللمعة قبل استشهاده بأربع سنوات تقريبا.

و على أيّة حال، فهذا الكتاب من أشهر مصنّفات الشهيد و متون الشيعة الفقهية، و كتبت عليه العديد من الشروح و الحواشي.

2- الدروس الشرعية في فقه الإمامية:

يشتمل على أغلب أبواب الفقه، و يعدّ من أدقّ تأليفاته و أشهرها.

ابتكر فيه ترتيبا و نظما جديدين لم يسبقه فيهما أحد غيره، حيث أضاف فيه عناوين جديدة للكتب (الأبواب) الفقهية، مثل كتب: المزار، الحسبة، المحارب، القسمة، المشتركات، الربا، تزاحم الحقوق.

كما و نقل فيه آراء كثير من الفقهاء الذين لم تصلنا كتبهم، كابن بابويه، و العماني، و ابن الجنيد، و الجعفي، و غيرهم.

لم ينقل فيه من آراء العامّة شيئا.

و لم يوفّق لإتمامه، لاستشهاده.

خرج منه من الطهارة إلى الرهن.

3- البيان، في الفقه:

مختصر يخلو من الاستدلال، جمع فيه بين سهولة العبارة و متانتها، مشتمل على كثير من الأقوال.

19

خرج منه كتب: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الخمس.

استشهد (قدّس سرّه) قبل إتمامه.

قال (رضوان اللّٰه تعالى عليه) في مقدّمته: أمّا بعد، فإنّ الأدلّة العقلية و النقلية متطابقة على شرف العلوم، و من أهمّها معرفة شرع الحيّ القيّوم، و هذا «البيان» كافل بالمهم منه و المحتوم على طريق العترة الطاهرة أولي الفهوم، الذين نقلهم إسناد معصوم عن معصوم، و استعنت على إتمامه باللّه القادر العالم على كلّ مقدور و معلوم.

4- غاية المراد في شرح الإرشاد، في الفقه:

من آثار القيّمة، حسن النظم، دقيق في تقسيم المسائل، و هو شرح «إرشاد الأذهان» للعلّامة، بل شرح للموارد الصعبة و المشكلة منه، من أوله الى آخره .. فما قيل:

إنّه إلى كتاب الأيمان، لا وجه له.

و يمتاز بتكامل أبوابه على خلاف سائر مصنّفاته، كالدروس و البيان و غيرهما.

بذل فيه غاية جهده للعناية بالمسائل الخلافية بين فقهاء الشيعة، و خاض فيها خوضا عميقا و مسهبا.

و نقل فيه مطالب من الفقهاء و أساتذته- كفخر الدين و عميد الدين- كانوا قد ذكروها مشافهة و لم يوردوا في مصنّفاتهم.

و تتبّعه و متابعته للنصوص تعدّ من خصائص هذا الكتاب.

حكى فيه مطالب كثيرة من كتب و رسائل قدماء الأصحاب التي لم تصل إلينا و لم ينقلها الآخرون في مصنّفاتهم، و ذلك لأنّه قد توفّرت لديه آثار و مؤلّفات القدماء و الأولين أكثر ممّا توفّر عند المحقّق و العلّامة.

و من هذه الكتب و الرسائل: الكامل و الروضة و الموجز لابن البرّاج، البشرى لابن طاوس، الفاخر للجعفي، الواسطة لابن حمزة، المنهج الأقصد لنجيب الدين، المفيد في التكليف للبصروي، غاية الأحكام للعلّامة، النيّات للراوندي، النيّات للمصري، الرافع و الحاوي للجرجاني، رسالة في المضايقة لورّام، رسالة في المضايقة لأبي الحسن

20

الحلبي، رسالة في قضاء الفوائت ليحيى بن سعيد، رسالة في الإيراد على تعريف القواعد و الطهارة للقاشي.

كما و نقل عن الكثير من كبار العلماء دون أن يسنده الى كتاب خاصّ منهم، و من هؤلاء العلماء: ابن الغضائري، ابن جهيم، الصهرشتي، البزنطي، ابن الفاخر، الصوري، الحمصي، أبو صالح الحلبي، الجعفي المعروف بالصابوني.

أشار فيه إلى بعض الأخطاء الواردة في أسناد روايات كتاب التهذيب و عدد من الكتب الفقهية.

و نستلّ من آرائه التي ضمّها هذا الكتاب عددا منها:

- التبعيض في حجّية الخبر، أي لو سقطت حجّية قسم من الحديث- للمعارضة أو لسبب آخر- فإن باقي الحديث لا يسقط عن الحجّية.

- تطرّقه أحيانا إلى بعض رجال الحديث:

كقوله: و هذه في طريقها السكوني، و هو عامّي .. و كفى بمذهبه جارحا.

و قوله: الطريق الى مسمع ضعيف جدّا.

و قوله: في الطريق أبان بن عثمان، و فيه ضعف.

و قوله: و في طريقها سهل بن زياد، و ضعّفه الشيخ في مواضع و النجاشي و ابن الغضائري ..

و في أصول الفقه، فقد احتوى الكتاب على العديد من آرائه، نذكر منها:

- العمدة فتوى مشاهير الأصحاب .. و الأولى العمل بفتوى الأصحاب، و هو الحجّة هنا و لا تعويل على الرواية، و لهذه عمل بها من طرح أخبار الآحاد بالكلّية.

- المعتبر إفادة الظنّ الذي اعتبره الشارع.

- الإجماع المنقول بخبر الواحد حجّة.

- التكليف يكفي فيه الظنّ الغالب.

- مفهوم الحصر حجّة.

21

- الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه، و النهي مفسد.

- إنّ المذهب قد يعرف بخبر الواحد الضعيف لاشتماله على القرائن.

5- القواعد و الفوائد، في الفقه:

مختصر يشتمل على ضوابط كلّية أصولية و فرعية، يستنبط منها أحكام شرعية، لم يعمل مثله.

يضمّ ما يناهز الثلاثمائة و ثلاثين قاعدة، و فوائد تقارب المائة فائدة، مضافا إلى الكثير من التنبيهات و الفروع .. و بذلك فهو يحتوي أغلب المسائل الشرعية.

و هذه القواعد و الفوائد و إن طغى عليها الطابع الفقهي إلّا أنّ بعضها أصولية و اخرى في العربية.

و أسلوبه في الكتاب: إيراده القاعدة أو الفائدة، ثم يستعرض ما ينضوي تحتها من فروع فقهية، و ما قد يرد عليها من استثناءات إن كانت. و اتّخذ فيه أسلوب المقارنة بين فقه العامّة و الخاصة في أغلب الفروع الفقهية، فيعرض ما قيل من الوجوه، سواء كان القائل عامّيا أم شيعيا. و هذا ليس بعزيز عليه (قدّس سرّه)، فهو من جملة فقهائنا الخمسة الذين أحاطوا بآراء و أقوال الفقهاء على مختلف مذاهبهم.

و يعدّ هذا الأثر من جملة ابتكاراته (رضوان اللّٰه تعالى عليه).

6- الرسالة الألفية:

رسالة مختصرة في فرض الصلاة، تضمّ مقدّمة و ثلاثة فصول و خاتمة.

تشتمل على ألف واجب في الصلاة.

قال الشهيد الثاني في شرحه عليها- المقاصد العليّة-: .. المشتملة على الألفاظ الموجزة الجزيلة الآخذة بمجامع البلاغة و معاقد الفصاحة.

7- الرسالة النفلية:

رسالة كبيرة تشتمل على ثلاثة آلاف نافلة تقريبا في الصلاة.

مرتّبة أيضا على مقدّمة و ثلاثة فصول و خاتمة.

22

للشهيد الثاني شرح عليها سمّاه «الفوائد الملية».

قال الشهيد الأول (قدّس سرّه) في مقدّمتها: .. لمّا وقفت على الحديثين المشهورين عن أهل بيت النبوّة أعظم البيوتات، أحدهما عن الإمام الصادق أبي عبد اللّٰه جعفر بن محمّد عليه و على آبائه و أبنائه أكمل التحيات: «للصلاة أربعة آلاف حدّ» و الثاني عن الإمام الرضا أبي الحسن عليّ بن موسى عليهما الصلوات المباركات: «الصلاة لها أربعة آلاف باب»، و وفّق اللّٰه سبحانه لإملاء «الرسالة الألفية» في الواجبات، ألحقت بها بيان المستحبّات، تيمّنا بالعدد تقريبا، و إن كان المعدود لم يقع في الخلد تحقيقا، فتمّت الأربعة من نفس المقارنات، و أضيف إليها سائر المتعلّقات. و اللّٰه حسبي في جميع الحالات.

8- المزار (منتخب الزيارات):

يشتمل على بابين:

الأوّل: في الزيارات، و هو مرتب على ثمانية فصول و خاتمة.

الثاني: يشتمل على سبعة فصول و خاتمة.

قال (قدّس سرّه) في مقدّمته: .. و بعد، فهذا المنتخب موضوع لبيان ما ينبغي أن يعمل في المشاهد المقدّسة و الأمكنة المشرّفة من الأفعال المرغّبة و الأقوال المروية.

9- أجوبة مسائل ابن نجم الدين الأطراوي:

مسائل سألها منه (قدّس سرّه) العالم الجليل و الفقيه الكبير تلميذه السيد حسن بن أيّوب الشهير بابن نجم الدين الأطراوي، و أجابه عنها.

و هي خمس و ستّون مسألة فقهية من أبواب متفرّقة.

10- أجوبة مسائل الفاضل المقداد:

سبع و عشرون مسألة، سألها الفاضل المقداد بن عبد اللّٰه السّيوري من أستاذه الشهيد، فكتب هو جواباتها.

طبعت محقّقة لأول مرّة في مجلّة «تراثنا» التي تصدرها مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.

23

11- جامع البين في فوائد الشرحين:

جمع لشرحي الأخوين العالمين الفاضلين السيد عميد الدين و السيّد ضياء الدين على كتاب خالهما العلّامة الحلّي «تهذيب الوصول الى علم الأصول».

أضاف الشهيد إليه مطالب جديدة.

قال المحقّق الكنتوري: هذّبه و أصلحه الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي (1).

و قال المحقّق التستري: و نقل فيه- أي الشهيد في الجمع بين الشرحين- اتّفاق الفرقة على كون مذهب الصحابي ليس حجّة على غيره من الصحابة (2).

12- جواز إبداع السفر في شهر رمضان:

رسالة مبسوطة تعرّض فيها إلى مسألة السفر في شهر رمضان و الآراء و الأقوال المطروحة فيها.

قال (قدّس سرّه): الظاهر من مذاهب العلماء في سائر الأعصار و الأمصار جوازه مع إجماعنا على كراهة ذلك .. لنا عشرون طريقا ..

13- المسائل الأربعينيّة:

رسالة في علم الكلام، ذكر فيها أربعين مسألة على ترتيب المعارف الخمسة.

14- المسائل في الفقه:

مسائل مرتّبة على ترتيب أبواب الفقه، و هي من ضمن ما جمعه ابن طيّ من فتاوى جماعة من العلماء في كتابه المعروف ب«مسائل ابن طيّ».

15- تفسير الباقيات الصالحات:

شرح مختصر للتسبيحات الأربع.

قال في آخره: فهذه الكلمات تشتمل على الأصول الخمسة: التوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة و المعاد، فمن حصّلها حصّل الإيمان و هي الباقيات الصالحات.

____________

(1) كشف الحجب: 151- 152.

(2) كشف القناع: 363.

24

أورده الشيخ الكفعمي بتمامه في حاشية الفصل الثامن و العشرين من مصباحه الكبير الموسوم ب: «جنّة الأمان الواقية».

16- الوصيّة:

وصيّته لبعض إخوانه.

17- الوصيّة بأربع و عشرين خصلة:

رسالة مختصرة و وصية حسنة للإخوان.

18- أحكام الأموات من الوصيّة إلى الزيارة:

مرتّب على ثلاثة فصول، يقرب من سبعمائة بيت.

نسبه إليه صاحب الذريعة (1).

19- الأربعون حديثا:

كتاب صغير يشتمل على أربعين حديثا في العبادات العامّة البلوى، أورد أكثرها بلا شرح أو توضيح، و اقتصر على ذكر السند تفصيلا إلى المعصوم (ع).

قال الشهيد: و الداعي إلى تأليفه ما اشتهر في النقل الصحيح عن النبيّ (ص) أنّه قال: «من حفظ على أمّتي أربعين حديثا ينتفعون بها بعثه اللّٰه يوم القيامة فقيها عالما» فرأيت أنّ أكثر الأشياء نفعا و أهمّها العبادات الشرعية، لعموم البلوى إليها، و شدّة الحثّ عليها، فخرّجت أكثرها فيها و باقيها في مسائل غيرها.

20- المقالة التكليفية:

رسالة في الكلام و العقائد:

قال الشهيد في مقدّمتها: .. فهذه «المقالة التكليفية» مرتّبة على خمسة فصول:

الفصل الأول في ماهيته و توابعها، الفصل الثاني في متعلّقه، الفصل الثالث في غايته، الفصل الرابع في الترغيب، الفصل الخامس في الترهيب ..

و القول بأنّها في الأخلاق أو رسالة حديثية- لذكره في الفصل الرابع و الخامس

____________

(1) الذريعة 1: 294- 295.

25

روايات في الترغيب و الترهيب- غير صحيح.

21- شرح قصيدة الشهفيني:

الشهفيني هو أبو الحسن علي بن الحسين. و قد قيل: إنّه عاملي، و قيل: إنّه حلّي.

و على أيّة حال، فقصيدته كانت في مدح أمير المؤمنين (ع)، و هي من جملة ديوانه الكبير.

قال المحقّق التستري: .. لمّا اطّلع الناظم- أي الشهفيني- على هذا الشرح و رأى اعتناء الشهيد بقصيدته، أعجب بالشرح و مدح الشهيد بعشرة أبيات شكره فيها على ذلك (1).

22- العقيدة الكافية:

رسالة صغيرة جدّا في الاعتقادات.

23- المجموعة:

قال المحدّث النوري: .. و هي ثلاث مجلّدات، كالبساتين النضرة و الحدائق الخضرة، التي فيها ما تشتهيه الأنفس و تلذّ الأعين، مشتملة على رسائل مستقلّة في الأحاديث و العلوم الأدبية و الأشعار و الأخبار المستخرجة من الأصول و الحكايات و النوادر و غيرها، خالية عن الهزليات التي توجد في أمثالها، نعم يوجد فيها بعض اللطائف و الطرائف (2).

24- خلاصة الاعتبار في الحجّ و الاعتمار:

رسالة حسنة مختصرة في مناسك الحجّ.

قال الشهيد: .. فهذه الرسالة في فرض الحجّ و العمرة، مجرّدة عن دليل، مبنيّة على مقدّمة و مقالتين و تكميل.

أوردها العلّامة السيّد الأمين في كتابه «معادن الجواهر» (3).

____________

(1) مجالس المؤمنين 2: 571- 572.

(2) خاتمة المستدرك 3: 372- 373.

(3) معادن الجواهر 1: 296- 303.

26

نقول: لا تخلو طبعتها ضمن هذا الكتاب من الكثير من الأخطاء و التصحيفات، بالإضافة الى ما سقط من أولها و آخرها.

25- حاشية القواعد:

قال أحد تلامذة الشهيد الثاني في تعداد مصنّفاته: حاشية على قواعد الأحكام للعلّامة .. مشى فيه مشي الحاشية المشهورة ب«النجّارية» للمولى السعيد الشيخ الشهيد، و غالب المباحث فيها بينه و بينه (1).

قال صاحب الرياض في عدّ مصنّفات الشهيد: و له أيضا حواشي القواعد الى آخر الكتاب، سمّاها: الحواشي النجّارية (2).

و يظهر من ذلك أنّ الحواشي النجّارية هي عين حاشية الشهيد على القواعد.

26- حاشية الذكرى:

نسبها صاحب الذريعة إليه و قال: و حواشي المصنّف نفسه- أي مصنّف الذكرى- إلى صلاة المسافر، كما يظهر من حاشية البويهي (3).

27- ذكري الشيعة في أحكام الشريعة

و هو السفر الماثل بين يدي القارئ اللبيب.

كتاب فقهي استدلالي.

خرج منه الطهارة و الصلاة فقط.

و كان (قدّس سرّه) قد عزم على إتمامه، بدليل قوله في آخره: و ليكن هذا آخر المجلّد الأول من كتاب ذكري الشيعة، و يتلوه إن شاء اللّٰه تعالى في المجلّد الثاني كتاب الزكاة.

و قوله في ص 80 (الحجري)- الفصل الرابع، في واجبات الوضوء، في بحث النية

____________

(1) الدرّ المنثور لعليّ بن محمّد الجبعي العاملي 2: 186.

(2) تعليقة أمل الآمل: 368- 369.

(3) الذريعة 6: 87 و ج 10: 40.

27

-: .. إلّا ما سنذكر في الحجّ و العتق إن شاء اللّٰه تعالى.

لكن استشهاده (رضوان اللّٰه تعالى عليه) حال دون ذلك.

و على أيّة حال، فهو فقه الشهيد الاستدلالي.

و قد جاء ناظرا في الأغلب إلى كتب المحقّق و العلّامة، كالمعتبر و المختلف و القواعد و التحرير.

و وضعه على أساس أقوى الأدلة- في رأيه- من الكتاب و الروايات و من الإجماعات، و من هنا فقد كانت إجماعاته و استدلالاته موضع اهتمام الفقهاء من بعده، و مع ذلك فقد حاول التعرض للفروع الفقهية و أدلّتها بأقلّ ما يمكنه من الألفاظ.

كما و يمتاز بأسلوبه الجميل و ترتيبه البديع، و قد أشار إلى ذلك في مقدّمته فقال: ..

أمّا بعد فهذا كتاب ذكري الشيعة في أحكام الشريعة أوردت فيه ما صدر عن سيّد المرسلين بواسطة خلفائه المعصومين، ممّا دلّ عليه الكتاب المبين و إجماع المطهّرين و الحديث المشهور و الدليل المأثور، تجديدا لمعاهد العلوم و تأكيدا لمعاقد الرسوم و تأييدا للمسائل الفقهية و تخليدا للوسائل الشرعية، تقرّبا إلى اللّٰه بارئ البرية .. و تنتظمه مقدّمة و أقطاب أربعة، أمّا المقدّمة ففيها إشارات سبع: الاولى: الفقه لغة: الفهم ..

الإشارة الثانية: يجب التفقّه .. الإشارة الثالثة: يعتبر في الفقيه أمور ثلاثة عشر ..

الإشارة السابعة: يجب التمسك بمذهب الإمامية لوجوه تسعة: الأول: قد تقرّر في الكلام عصمة الإمام، و المعصوم أولى بالاتّباع. الثاني: قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ و غير المعصوم لا يعلم صدقه .. الثالث: قوله تعالى إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ..

و أمّا الأقطاب فأربعة: أولها العبادات .. و ثانيها العقود .. و ثالثها الإيقاعات ..

و رابعها السياسات (الأحكام) .. القطب الأول في العبادات. كتاب الصلاة .. و شروط ستّة في ستّة أبواب. الباب الأول: الطهارة .. فهاهنا فصول أربعة، الفصل الأول ..

هذا، و تعدّ المباحث الأصولية القيّمة التي ذكرها في المقدمة من مميّزات هذا

28

الكتاب و إحدى خصائصه النفيسة.

و قد أشار الشهيد إلى كتاب «الذكرى» في عدّة من كتبه، كاللمعة و الدروس و أجوبة مسائل الفاضل المقداد، بعبارات مختلفة، مثل: حقّقناه في الذكرى، بيّناه في الذكرى، بيّنا مأخذه في الذكرى، فكتبنا في ذلك ما تيسّر في الذكرى، بسطت المسألة في الذكرى، و قد ذكرنا الروايات الدالّة على القضاء عن الميت لما فاته من الصلوات و أحكام ذلك في الذكرى. إلى غير ذلك من الألفاظ و العبارات.

قال في الذريعة: و فرغ منه في 21 صفر 784 (1).

فما في مقدّمة الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية من أنّه فرغ منه بسنة 786- أي في سنة استشهاده، فيكون آخر مؤلفاته- في غير محلّه، لا سيما و قد جاء التصريح في مقدّمة الدروس بأنّه ألّفه- أي الدروس- بعد الذكرى و البيان.

و هناك أيضا مصنّفات و آثار يشكّ في نسبتها إليه أو أنّها له و لكن بعناوين آخر، نذكرها- لضيق المجال- على عجالة:

1- الخلل في الصلاة.

2- أحكام الصلاة.

3- قصر صلاة المسافر.

4- الاستدراك.

5- الدّرة الباهرة من الأصداف الطاهرة.

6- منظومة في مقدار نزح ما يقع في البئر.

7- اللوامع.

8- شرح مبادئ الأصول.

9- غاية القصد في معرفة الفصد.

10- تقريب المبادئ.

____________

(1) الذريعة 10: 40.

29

11- خلاصة الإيجاز.

12- المعتبر.

13- النيّة.

14- مجموعة الإجازات.

15- المنسك الكبير.

16- مسائل تزاحم الحقوق.

17- حاشية الشرائع.

18- التهذيب في الأصول.

19- أربع مسائل فقهية.

20- أجوبة مسائل محمّد بن مجاهد.

أمّا إجازاته لتلامذته، فهي كثيرة، إلّا أنّ الموقوف على نصّه منها خمس إجازات:

1- الإجازة لابن الخازن.

2- الإجازة لابن نجدة.

3- الإجازة لجماعة من العلماء.

4- الإجازة لولده الثلاثة.

5- الإجازة لولديه.

و لا يخفى أنّ الشهيد كان كاتبا و أديبا و شاعرا، فشعره مع قلّته يمتاز بجمال التعبير و دقّة التصوير و الرقّة و جودة الأداء، و قد عدّ البعض من جملة مؤلّفاته: ديوان صغير يشتمل على نحو عشرين مقطوعة و قصيدة (1).

توّج حياته الشريفة و سيرته العظيمة بأفضل الموت و أحسنه، شهادة دوّنها التاريخ بأحرف من نور، فنال من المنزلة ما يغبطه عليها الصدّيقون و المؤمنون.

____________

(1) محمّد رضا شمس الدين في «حياة الإمام الشهيد الأول»: 65.

30

قال الحرّ العاملي في أمل الآمل:

و كانت وفاته سنة 786، اليوم التاسع من جمادى الاولى، قتل بالسيف، ثم صلب، ثم رجم، ثم أحرق بدمشق، في دولة بيدر و سلطنة برقوق، بفتوى القاضي برهان الدين المالكي و عباد بن جماعة الشافعي، بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام ..

و كان سبب حبسه و قتله أنّه وشى به رجل من أعدائه و كتب محضرا يشتمل على مقالات شنيعة عند العامّة من مقالات الشيعة و غيرهم، و شهد بذلك جماعة كثيرة و كتبوا عليه شهاداتهم، و ثبت ذلك عند قاضي صيدا، ثم أتوا به إلى قاضي الشام، فحبس سنة، ثم أفتى الشافعي بتوبته و المالكي بقتله، فتوقّف عن التوبة خوفا من أن يثبت عليه الذنب، و أنكر ما نسبوه إليه للتقية، فقالوا: قد ثبت ذلك عليك و حكم القاضي لا ينقض و الإنكار لا يفيد، فغلب رأي المالكي لكثرة المتعصّبين عليه، فقتل، ثم صلب و رجم، ثم أحرق (قدّس اللّٰه روحه). سمعنا ذلك من بعض المشايخ و رأينا بخطّ بعضهم، و ذكر أنّه وجده بخطّ المقداد تلميذ الشهيد (1).

و هناك تفصيلات اخرى لقضية استشهاده (قدّس سرّه)، تعرّض لها الكثير من أصحاب التراجم و غيرهم.

كانت هذه لمحة خاطفة عن أحوال الشهيد و نشأته و رحلاته و مكانته و سيرته و مصنّفاته و خصائصه و ما قيل فيه، لو تأمّلنا فيها قصيرا لأدركنا الداعي لأن يكون (قدّس سرّه) صاحب مرحلة كاملة من مراحل تطوّر الفقه الشيعي.

النسخ المعتمدة في التحقيق:

اعتمدنا في تحقيقنا لكتاب «الذكرى» على ما يلي:

1- مصوّرة النسخة المخطوطة المحفوظة في مكتبة جامعة طهران المركزية، برقم 1906، بخطّ حسن بن محمود، من أول الكتاب إلى آخره، فرغ منها في 8 ربيع الثاني

____________

(1) أمل الآمل: 182- 183.

31

784. تشتمل على حواشي و بلاغات. و عليها ختم و إمضاء حجّة الإسلام السيّد محمّد باقر الموسوي الشفتي (قدّس سرّه).

قال في الذريعة: و الظاهر أنّ الكاتب كان تلميذ الشهيد، و كان كلّما يخرج من قلم الشهيد يستنسخه التلميذ تدريجا، حتى فرغ الشهيد في التاريخ المذكور- 21 صفر 784- و فرغ التلميذ في نيف و أربعين يوما بعد تأليف الشهيد (1).

رمزنا لها في الهامش بحرف «م».

2- مصوّرة النسخة المخطوطة المحفوظة في مكتبة مدرسة سليمان خان التابعة للمكتبة الرضوية المقدّسة في مشهد، برقم 36، بخطّ أحمد بن علي بن حيدر، من أول الكتاب إلى آخره، فرغ من كتابتها في مدينة دامغان سنة 883، مصحّحة و مقابلة و عليها بلاغات، يلحظ عليها خطّ الشيخ البهائي و والده (قدّس سرّهما).

رمزنا لها في الهامش بحرف «س».

3- النسخة الحجرية المطبوعة بطهران سنة 1271، و هي من أول الكتاب إلى آخره.

ضمّ إليها في آخرها كتاب «تمهيد القواعد» للشهيد الثاني.

أشرنا لها في الهامش بلفظة «الحجرية».

منهجيّة التحقيق:

اتّبعت المؤسّسة في تحقيقها لهذا السفر المبارك منهجية العمل الجماعي، فانبثقت اللجان التالية لإنجازه:

1- لجنة المقابلة: و مهمّتها مقابلة النسخ المخطوطة و تثبيت الاختلافات الواردة بينها.

و قد تألّفت من الأخوين الفاضلين: الحاج عزّ الدين عبد الملك و صاحب ناصر.

____________

(1) الذريعة 10: 40.

32

2- لجنة التخريج: و مهمّتها تخريج الآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة و الأقوال الفقهية و اللغوية و سائر ما يحتاج إلى ذلك.

و قد تألّفت من أصحاب السماحة حجج الإسلام: الشيخ جعفر مجاهدي، الشيخ عطاء اللّٰه رسولي، الشيخ محمد التبريزي، السيّد حمزة لو.

3- لجنة تقويم النصّ: و هي من أهم المراحل، حيث يتمّ بها تمييز الراجح و المرجوح من الاختلافات الموجودة بين النسخ المخطوطة، و توزيع النص و تجريده من الأخطاء العلمية و النحوية و الإملائية، مع التعليق و بيان الموارد الغامضة و المبهمة و غيرها.

و قد قام بمهمّتها سماحة العلّامة الحجّة الشيخ محمّد الباقري و الأستاذ الفاضل عصام عبد السيّد.

4- المراجعة النهائية: و هي لتفادي ما قد يكون حدث من سهو أو غفلة في المراحل السابقة، و توحيد الجهود المبذولة أثناء مراحل العمل المختلفة، و إضافة ما يمكن إضافته من استدراكات و تعديلات على المتن و الهامش.

و قد قام بهذه المهمّة سماحة حجة الإسلام و المسلمين السيّد علي الخراساني.

و لا يفوتنا أن نخصّ بالشكر سماحة العلّامة حجّة الإسلام و المسلمين السيّد علي الميلاني لما أبداه من ملاحظات قيّمة و آراء سديدة.

سائلين المولى عزّ و جلّ حسن القبول و التوفيق لبذل المزيد.

و آخر دعوانا أن الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله العترة الميامين.

مؤسّسة آل البيت (ع) لإحياء التراث

33

مصادر المقدّمة

1- أمل الآمل- للحر العاملي.

2- أعيان الشيعة- للعلّامة الأمين.

3- بحار الأنوار- للعلّامة المجلسي.

4- تاريخ العلماء عبر العصور المختلفة- للحكيمي.

5- تعليقة أمل الآمل- للميرزا عبد اللّٰه الأفندي.

6- تكملة الأمل- للسيّد حسن الصدر.

7- تنقيح المقال- للشيخ المامقاني.

8- الحقائق الراهنة في المائة الثامنة (طبقات أعلام الشيعة)- لآقا بزرگ الطهراني.

9- حياة الإمام الشهيد الأول- للشيخ محمّد رضا شمس الدين.

10- خاتمة المستدرك- للمحدّث النوري.

11- روضات الجنّات- للسيّد محمّد باقر الخوانساري.

12- رياض العلماء- للميرزا عبد اللّٰه الأفندي.

13- ريحانة الأدب- لمحمّد علي التبريزي المدرّس.

14- الدرّ المنثور- لعلي بن محمّد الجبعي العاملي.

15- الذريعة إلى تصانيف الشيعة- لآقا بزرگ الطهراني.

16- شهداء الفضيلة- للعلّامة الأميني.

17- الفوائد الرضوية- للمحدّث القمّي.

18- قصص العلماء- للميرزا محمّد التنكابني.

19- كشف الأستار و الحجب- للمحقّق الكنتوري.

20- الكنى و الألقاب- للمحقّق القمّي.

34

21- لؤلؤة البحرين- للشيخ يوسف البحراني.

22- مجالس المؤمنين- للقاضي نور اللّٰه التستري.

23- مجلّة تراثنا- التي تصدر عن مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.

24- مقابس الأنوار- للمحقّق التستري.

25- معادن الجواهر- للعلّامة الأمين.

26- معجم رجال الحديث- للسيّد الخوئي.

27- مقدّمة بر فقه شيعة- لحسين المدرّسي الطباطبائي.

28- مقدّمة الروضة البهية- للشيخ محمّد مهدي الآصفي.

29- مقدّمة رياض المسائل- للشيخ محمّد هادي اليوسفي الغروي.

30- مقدّمة غاية المراد- للشيخ رضا مختاري.

31- مقدّمة القواعد و الفوائد- للسيّد عبد الهادي الحكيم.

32- منتهى المقال- لأبي علي الحائري.

33- نقد الرجال- للتفرشي.

35

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

[المقدّمة: و تحوي على إشارات سبع:]

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم الحمد للّٰه الذي شرع الإسلام، فسهّل شرائعه للواردين، و أوضح أعلامه للمرتادين، و أعزّ أركانه على المغالبين، و ذلّل سبيله للطالبين. أحمده على عظيم إحسانه، و نيّر برهانه، و أشكره على جميل إفضاله، و بيّن امتنانه. حمدا يكون لحقّه قضاء، و إلى ثوابه مقربا، و شكرا يصير لفرضه أداء، و لحسن مزيده موجبا.

و أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وحده لا شريك له، شهادة يواطئ فيها السر الإعلان، و يوافق القلب اللسان.

و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله الى الخلق، و داعية بإذنه إلى الحقّ، اختاره من شجرة الأنبياء، و مشكاة الضياء، و ذؤابة العلياء، و سرة البطحاء. صلّى اللّٰه عليه و على أهل بيته النجباء، موضع سرّه، و لجأ أمره، و عيبة علمه، و موئل حكمه، و كهوف كتبه، و جبال دينه، صلاة لا انقطاع لأمدها، و لا إحصاء لعددها (1).

أما بعد، فهذا كتاب ذكري الشيعة في أحكام الشريعة، أوردت فيه ما صدر عن سيد المرسلين بواسطة خلفائه المعصومين، ممّا دلّ عليه الكتاب المبين

____________

(1) في خطبة المصنف- (قدّس سرّه)- مقتطفات من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، لاحظ نهج البلاغة، الخطبة رقم 2 108.

40

و إجماع المطهّرين، و الحديث المشهور و الدليل المأثور، تجديدا لمعاهد العلوم، و تأكيدا لمعاقد الرسوم، و تأييدا للمسائل الفقهية، و تخليدا للوسائل الشرعية، تقرّبا إلى بارئ البرية، و اللّٰه المسئول أن ينفع به الطالبين، و يرشد اليه الراغبين، و يجزل لنا من عطائه العميم، و فضله الجسيم، إنّه الجواد الكريم ذو الفضل العظيم.

و تنتظمه مقدمة و أقطاب أربعة.

أمّا المقدمة ففيها إشارات سبع:

[الإشارة الاولى: تعريف بعض المصطلحات]

الاولى: الفقه لغة: الفهم، و هو: العلم، أو جودة الذهن من حيث استعداده لاكتساب العلوم.

و عرفا: العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلّتها التفصيلية لتحصيل السعادة الأخروية.

و من هذا يعلم موضوعه، و هو ما عليه دليله، أعني: فعل المكلّف من حيث هو مكلّف. و مبادئه، و هي: ما منه دليله، أعني: الكلام، و الأصول، و العربية.

و مسائله، و هي: ما لها الدليل، أعني: مطالبه المثبتة فيه. و غايته.

و المراد ب(الأحكام): ما اقتضاه الخطاب وجودا أو عدما- مانعين من النقيض أو لا- أو تخييرا، و هي: الوجوب، و الحرمة، و الندب، و الكراهة، و الإباحة.

و منه يعلم رسومها.

و السببية و الشرطية و الصحة و الفساد يرجع إلى الاقتضاء و التخيير إن جعلت أحكاما.

و المراد ب(الشرعية): ما استفيد من الشرع إما بالنقل عن حكم الأصل، أو بالتقرير عليه، فيدخل في ذلك ما علم بالدليل العقلي.

و المراد ب(العملية): ما يتعلّق بالعمل من الفروع.

و المراد ب(الأدلّة التفصيلية): المختصّة بكل حكم على حدته، و يقابلها الإجمالية، كقول المقلّد: هذا أفتى به المفتي، و كل ما أفتى به فهو حكم اللّٰه في حقي.

41

و لا حاجة الى إضافة (غير الضرورية) إلى التعريف، لخروجها بالأدلة من حيث إنّ الضروري يقابل الاستدلالي، أو أنّ العلم بها وحدها لا يكون فقها، لا من حيث كونها ضرورية بل من حيث إنّ الكل لا يصدق على الجزء.

و إذا فسّر العلم ب: الاعتقاد الجازم عن موجبه، خرج سؤال الظنون لدخولها فيه.

و إذا قيل: بتجزؤ الاجتهاد، لم تكن لام الاحكام للاستغراق. و لا يدخل المقلد، لعدم استدلاله على الأعيان.

الإشارة الثانية [وجوب التفقه و كونه كفائي]

يجب التفقّه، لتوقّف معرفة التكليف الواجب عليه. و لا يرد الندب و المكروه و المباح على عموم وجوب التفقّه، لأنّ امتياز الواجب و الحرام انما يتحقّق بمعرفة كل الأحكام، إذ التكليف باعتقادها على ما هي عليه، و هو موقوف على معرفتها.

و وجوبه كفاية، لقوله تعالى فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ (1).

و للزوم الحرج المنفي بالقرآن العزيز (2).

و عليه أكثر الإمامية، و خالف فيه بعض قدمائهم (3) و فقهاء حلب (4)- (رحمة اللّٰه عليه)م- فأوجبوا على العوام الاستدلال، و اكتفوا فيه: بمعرفة الإجماع الحاصل من مناقشة العلماء عند الحاجة إلى الوقائع، أو النصوص الظاهرة، أو أن الأصل في المنافع الإباحة و في المضار الحرمة، مع فقد نص قاطع في متنه و دلالته و النصوص محصورة.

و يدفعه: إجماع السلف و الخلف على الاستفتاء من غير نكير و لا تعرض لدليل بوجه من الوجوه، و ما ذكروه لا يخرج عن التقليد عند التحقيق، و خصوصا

____________

(1) سورة التوبة: 122.

(2) إشارة إلى قوله تعالى وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، سورة الحج: 78.

(3) كالسيد المرتضى في جوابات المسائل الرسية الأولى 2: 320.

(4) كابن زهرة الحلبي في الغنية: 486.

42

عند من اعتبر حجية خبر الواحد، فان في البحث عنه عرضا عريضا.

الإشارة الثالثة [الشرائط المعتبر تحقّقها في الفقيه، و هي ثلاثة عشر شرطا]

يعتبر في الفقيه أمور ثلاثة عشر، قد نبّه عليها في مقبول عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق (عليه السلام): «انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا و لم يقبله منه، فإنما بحكم اللّٰه استخف، و علينا ردّ، و هو رادّ على اللّٰه (1)، و هو على حدّ الشرك باللّه، فإذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما» (2).

الأمر الأول: الإيمان، لقوله: «منكم»، لأن غير المؤمن يجب التثبّت عند خبره، و هو ينافي التقليد.

الثاني: العدالة- لذلك أيضا- و عليه نبّه بقوله: «أعدلهما».

الثالث: العلم بالكتاب.

الرابع: العلم بالسنّة، و يكفي منهما ما يحتاج إليه و لو بمراجعة أصل صحيح.

الخامس: العلم بالإجماع و الخلاف لئلّا يفتي بما يخالفه.

السادس: العلم بالكلام.

السابع: العلم بالأصول.

الثامن: العلم باللغة و النحو و الصرف و كيفيّة الاستدلال، و على ذلك دلّ بقوله: «و عرف أحكامنا»، فإن معرفتها بدون ذلك محال.

التاسع: العلم بالناسخ و المنسوخ، و المحكم و المتشابه، و الظاهر و المؤوّل، و نحوها مما يتوقّف عليه فهم المعنى و العمل بموجبه، كالمجمل و المبين و العام و الخاص.

____________

(1) في الكافي و التهذيب: «و الراد علينا الراد على اللّٰه».

(2) الكافي 1: 54، و قطعة منه في الكافي أيضا 7: 142، و الفقيه 3: 5 ح 18، و التهذيب 6: 128 ح 541.

43

العاشر: العلم بالجرح و التعديل، و يكفي الاعتماد على شهادة الأولين به كما اشتمل عليه كتب الرجال، إذ يتعذّر ضبط الجميع مع تطاول الأزمنة. و في الكافي و من لا يحضره الفقيه و التهذيب بلاغ واف و بيان شاف (1)، و الى ذلك أشار بقوله: «و روى حديثنا» (2).

الحادي عشر: العلم بمقتضى اللفظ لغة و عرفا و شرعا.

الثاني عشر: أن يعلم من المخاطب إرادة المقتضى إن تجرّد عن القرينة، و ارادة ما دلّت عليه القرينة ان وجدت ليثق بخطابه، و هو موقوف على ثبوت الحكمة.

الثالث عشر: أن يكون حافظا، بمعنى: أنّه أغلب عليه من النسيان، لتعذّر درك الأحكام من دونه.

و الأولى جواز تجزّئ الاجتهاد، لأنّ الغرض الاطلاع على مأخذ الحكم و ما يعتبر فيه و هو حاصل، و يندر و يبعد تعلّق غيره به فلا يلتفت اليه، لقيام هذا التجويز في المجتهد المطلق، و عليه نبّه في مشهور أبي خديجة عن الصادق (عليه السلام): «أنظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم فانّي قد جعلته قاضيا» (3).

الإشارة الرابعة [وجوب اجتهاد العامّي لتحصيل المفتي]

يجب اجتهاد العامي و من قصر عن الاستدلال في تحصيل المفتي بإذعان العلماء له و اشتهار فتياه. فان تعدّد وجب اتباع الأعلم الأورع- كما تضمّنه الحديث- لزيادة الثقة بقوله. فان تقابل الأعلم و الأورع، فالأولى: تقليد الأعلم، لأنّ القدر الذي فيه من الورع يحجزه عن الاقتحام على ما لا يعلم، فيبقى ترجيح العلم (4) سالما عن المعارض.

____________

(1) هذا إشارة إلى القول بكفاية اتفاق المشايخ الثلاثة- الكليني و الصدوق و الطوسي- على إخراج رواية الرجل في وثاقته و الاعتماد على خبره.

(2) تقدم في: 42 الهامش 2.

(3) الكافي 7: 412 ح 5، الفقيه 3: 10 ح 1، التهذيب 6: 219 ح 516.

(4) في ط: الأعلم.

44

و إن استويا في العلم و الورع، فالأولى: التخيير، لفقد المرجّح، و ان بعد وقوعه حتى منعه بعض الأصوليين، لامتناع اجتماع أمارتي الحرمة و الحلّ.

فإذا اتّبع عالما في حكم فله اتباع الآخر في غيره، و ليس له اتّباعه في نقيضه، و ربّما قيل: بجوازه مع تساويهما في واقعة اخرى.

الإشارة الخامسة [عدم اشتراط مشافهة المفتي في العمل بقوله 44]

لا يشترط مشافهة المفتي في العمل بقوله، بل يجوز بالرواية عنه ما دام حيا، للإجماع على جواز رجوع الحائض إلى الزوج العامي إذا روى عن المفتي، و للعسر اللازم بالتزام السماع منه.

و ما يوجد في بعض العبارات: لا يجوز الإفتاء للعامي بقول المفتي، محمول على تصرّفه في الحكم تصرّف المفتي.

و هل يجوز العمل بالرواية عن الميت؟

ظاهر العلماء المنع منه، محتجّين بأنّه لا قول له، و لهذا انعقد الإجماع مع خلافه ميتا.

و جوّزه بعضهم، لإطباق الناس على النقل عن العلماء الماضين، و لوضع الكتب من المجتهدين، و لأن كثيرا من الأزمنة أو الأمكنة تخلو عن المجتهدين و عن التوصّل إليهم، فلو لم تقبل تلك الرواية لزم العسر المنفي.

و أجيب: بأن النقل و التصنيف يعرّفان طريق الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث و الإجماع و الخلاف لا التقليد، و بمنع جواز الخلو عن المجتهد في زمان الغيبة.

و الأولى: الاكتفاء بالكتابة مع أمن التزوير، للإجماع على العمل بكتب النبي و الأئمة عليهم الصلاة و السلام في أزمنتهم، و لأنّ المعتبر ظنّ الإفتاء و هو حاصل بذلك.

الإشارة السادسة [بسط الكلام في الأدلة الشرعية الأربعة]

الإشارة السادسة: في قول وجيز في الأصول يبعث الهمّة على طلبه من مظانّه، و هي أربعة:

أحدها الكتاب،

و هو: الكلام المنزل لمصالح الخلق، و الإعجاز بسورة

45

منه. و ينقسم لفظه إلى:

حقيقة، و هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب، كالسماء و الدابة و الصلاة.

و مجاز، و هو: اللفظ المستعمل فيما لم يوضع له في اصطلاح التخاطب للعلاقة، مثل جِدٰاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ (1).

و مضمر، و هو: ما دلّ الدليل على إرادته و تقديره في الكلام، مثل:

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (2).

و مشترك، و هو: ما وضع لحقيقتين فصاعدا وضعا أولا من حيث هو كذلك كالقرء، و يسمى: مجملا بالنسبة إلى كل واحد من معنييه.

و منفرد، و هو: ما يقابل المشترك.

و منقول، و هو: المستعمل في غير موضوعه لا لعلاقة مع الأغلبية، و يسمّى: المرتجل.

و أمر، و هو: اللفظ الدال على طلب (3) الفعل مع الاستعلاء، مثل:

وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ (4)، فَكٰاتِبُوهُمْ (5)، وَ اسْتَشْهِدُوا (6).

و نهي، و هو: اللفظ الدال على طلب الكفّ مع الاستعلاء، مثل وَ لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ (7)، وَ لٰا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً (8).

و مطلق، و هو: اللفظ الدال على الماهية لا بقيد، مثل:

____________

(1) سورة الكهف: 77.

(2) سورة يوسف: 82.

(3) «طلب» ساقطة من م، س.

(4) سورة البقرة: 43.

(5) سورة النور: 33.

(6) سورة البقرة: 282.

(7) سورة الإسراء: 32.

(8) سورة الإسراء: 37.

46

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا (1).

و مقيّد، و هو مقابله، مثل وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (2).

و عامّ، و هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد، مثل:

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3).

و خاصّ، و هو مقابله، مثل يٰا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلّٰا قَلِيلًا (4).

و مبيّن، و هو: المستغنى عن البيان، مثل فَآمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ (5)، و ما لحقه البيان، مثل: الصلاة.

و ناسخ، و هو: الرافع حكما شرعيا بخطاب شرعي متراخ عنه على وجه لولاه لكان ثابتا، مثل يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً (6).

و منسوخ، مثل مَتٰاعاً إِلَى الْحَوْلِ (7).

ثم دلالة اللفظ على معناه: أمّا خالية عن الاحتمال و هو النصّ، مثل:

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ (8)، و يقابله المجمل المذكور. و أمّا مع الاحتمال الراجح على المنطوق و هو المأوّل، مثل وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ (9). و أمّا مع احتمال مرجوح و هو الظاهر.

و أنواعه أربعة: الراجح بحسب الحقيقة الشرعية كدلالة الحجّ على المناسك المخصوصة، و الراجح بحسب الحقيقة العرفية كدلالة

____________

(1) سورة المجادلة: 3.

(2) سورة النساء: 92.

(3) سورة التوبة: 5.

(4) سورة المزمل: 2.

(5) سورة النساء: 136.

(6) سورة البقرة: 234.

(7) سورة البقرة: 240.

(8) سورة محمد: 19.

(9) سورة الرحمن: 27.

47

أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ (1) على الحدث، و المطلق و العام بالنسبة إلى مدلولهما.

تنبيه:

قد يتّفق اجتماع النصّ و المجمل باعتبارين، مثل وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ (2)، فإنّه نصّ في دلالته على الاعتداد، و مجمل بالنسبة إلى قدر العدّة و تعيين المعتدّة.

الأصل الثاني: السنّة،

و هي: طريقة النبي أو الإمام المحكية عنه، فالنبي بالأصالة و الإمام بالنيابة، و هي ثلاثة: قول، و فعل، و تقرير.

أمّا القول فأقسامه المذكورة في الكتاب.

و الفعل إذا علم وجهه، أو وقع بيانا، فيتبع المبيّن في وجوبه و ندبه و إباحته، سواء كان البيان مستفادا من الصريح، مثل قوله (عليه السلام): «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (3)، و «خذوا عني مناسككم» (4) أو من القرينة كقطع يد السارق اليمنى.

و يشترط في الفعل أن لا يعلم أنّه من خواصه عليه الصلاة و السلام، كتجاوز الأربع في النكاح، و الوصال في الصيام.

و ما لم يعلم وجهه، فالوقف بين الواجب و الندب إن علم قصد القربة فيه، و إلّا فللقدر المشترك بينهما و بين الإباحة.

و التقرير يفيد الجواز، لامتناع التقرير على المنكر إن علمه (عليه السلام)، و إلّا فلا حجة فيه، مثل: كنا نجامع و نكسل فلا نغتسل (5)، إذ مثله قد يخفى،

____________

(1) سورة المائدة: 6.

(2) سورة البقرة: 228.

(3) مسند أحمد 5: 53، سنن الدارمي 1: 286، صحيح البخاري 1: 162، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 3: 85 ح 1656، سنن الدار قطني 1: 273، السنن الكبرى 3: 120.

(4) مسند أحمد 3: 318، صحيح مسلم 2: 943 ح 1297، سنن أبي داود 2: 201 ح 1970، سنن النسائي 5: 270. مسند أبي يعلى 4: 111 ح 2147.

(5) المصنف لابن أبي شيبة 1: 87.

48

و المفهوم من «كنا» مطابقة المتكلم وحده، أو هو مع جماعة قد يخفى حالهم.

ثم من السنّة:

متواتر، و هو: ما بلغ رواته الى حيث يحصل العلم بقولهم، كخبر الغدير.

و آحاد، و هو بخلافه.

و منه المشهور، و هو: ما زادت رواته عن ثلاثة، و يسمى: المستفيض، و قد يطلق على ما اشتهر العمل به بين العلماء.

و الصحيح، و هو: ما اتّصلت روايته الى المعصوم بعدل إمامي، و يسمّى:

المتّصل و المعنعن، و إن كان كل منهما أعمّ منه. و قد يطلق الصحيح على سليم الطريق من الطعن و ان اعتراه إرسال أو قطع.

و الحسن، و هو: ما رواه الممدوح من غير نصّ على عدالته.

و الموثّق: ما رواه من نصّ على توثيقه مع فساد عقيدته، و يسمّى: القوي.

و قد يراد بالقوي مرويّ الإمامي غير المذموم و لا الممدوح، أو مروي المشهور في التقدم عن (1) الموثّق.

و الضعيف يقابله. و ربما قابل الضعيف الصحيح و الحسن و الموثق. و يطلق الضعيف بالنسبة إلى زيادة القدح و نقصانه.

و المقبول، و هو: ما تلقوه بالقبول و العمل بالمضمون.

و المرسل: ما رواه عن المعصوم من لم يدركه بغير واسطة، أو بواسطة نسيها أو تركها. و قد يسمى: منقطعا و مقطوعا بإسقاط واحد، و معضلا بإسقاط أكثر.

و الموقوف: ما روي عن مصاحب المعصوم، و قد يطلق عليه الأثر ان كان الراوي صحابيا للنبي (صلّى اللّٰه عليه و آله).

و الشاذّ و النادر: ما خالف المشهور، و يطلق على مرويّ الثقة إذا خالف

____________

(1) في س، ط: غير.

و في الرواشح السماوية: 42: و في عدّة نسخ من الذكرى معوّل على صحتها مكان «غير الموثق»: «عن الموثق».

49

المشهور. و المتواتر قطعي القبول، لوجوب العمل بالعلم.

و الواحد مقبول بشروطه المشهورة، و شرط اعتضاده بقطعي: كفحوى الكتاب، أو المتواتر، أو عمومهما، أو دليل العقل، أو كان مقبولا، حتى عدّه الشيخ أبو جعفر(رحمه اللّٰه) من المعلوم المخبر (1)، أو كان مرسله معلوم التحرّز عن الرواية عن مجروح. و لهذا قبلت الأصحاب مراسيل ابن أبي عمير، و صفوان ابن يحيى، و أحمد بن أبي نصر البزنطي (2) لأنّهم لا يرسلون إلّا عن ثقة، أو عمل الأكثر.

و أنكره جلّ الأصحاب (3) كأنّهم يرون أنّ ما بأيديهم متواتر أو مجمع على مضمونه و ان كان في حيّز الآحاد.

و يردّ الخبر لمخالفة مضمونه القاطع من الكتاب و السنّة و الإجماع لامتناع ترجيح الظنّ على العلم، أو باعراض الأكثر عنه، أو معارضة أقوى إسنادا أو متنا، أو مرجّحا لوجوه المرجّحات. و يأوّل ما يمكن تأويله.

و قد كفانا السلف (رحمهم اللّٰه) مئونة نقد الأحاديث و بيان هذه الوجوه، فاقتصرنا على المقصود منها بإيراد طرف من الحديث، أو الإشارة إليه ايجازا، و اللّٰه الموفق.

الأصل الثالث: الإجماع،

و هو: اتّفاق علماء الطائفة على أمر في عصر، و جدواه (4) لا مع تعيين المعصوم فإنه يعلم به دخوله، و الطريق إلى معرفة دخوله أن يعلم إطباق الإماميّة على مسألة معينة، أو قول جماعة فيهم من لا يعلم نسبه بخلاف قول من يعلم نسبه، فلو انتفى العلم بالنسب في الشطرين فالأولى

____________

(1) الاستبصار 1: 4.

(2) راجع: عدة الأصول: 386.

(3) راجع: جواب المسائل التبانيات 1: 21، السرائر: 4، الغنية: 537.

(4) في الحجرية هكذا: عصر واحد لا مع.

50

التخيير كالخبرين المتعارضين، و لوجوب التبيين على الإمام لو كان أحدهما باطلا.

و قيل: بالرجوع الى دليل العقل (1) لأنّ غيبة الإمام لخوفه تمنع من تبيينه الحق، و اللوم فيه على المكلّف.

سؤال: جاز في كل واحد من علماء الأمة المجهولي النسب أن يكون هو الإمام، فلم خصّصتم بالإمامية؟

قلنا: لما قام البرهان العقلي و النقلي على تضليل من خالف أصول الطائفة امتنع كون الإمام منهم.

قيل: جاز أن يظهر تلك الأحوال تقية.

قلنا: قد يقطع بكونه متدينا بذلك، و مع التجويز للتقية نلتزم باعتبار قوله في الإمامية فلعلّه الإمام، و استبعاد انحصار علماء الإمامية يستلزم أولوية استبعاد حصر غيرهم، و الجواب واحد.

و الحقّ أن أعصار الأئمة الطاهرين تحقّق فيها ذلك بالقطع في أكثر خصوصيات المذهب- كالمسح على الرجلين، و ترك الماء الجديد و الكتف، و التأمين، و بطلان العول و العصبة- و ان لم يتواتر الخبر بقول معصوم بعينه، و من ثم ضعف الشك في الثلاثة الأول بل اضمحل.

فروع:

الأول: الإجماع السكوتي

ليس إجماعا و لا حجّة، لاحتماله غير الرضا.

الثاني: يثبت الإجماع بخبر الواحد

ما لم يعلم خلافه، لأنّه أمارة قوية كروايته. و قد اشتمل كتاب الخلاف، و الانتصار، و السرائر، و الغنية، على أكثر هذا الباب، مع ظهور المخالف في بعضها حتى من الناقل نفسه.

____________

(1) قاله السيد المرتضى في جوابات المسائل التبانيات 1: 2.

51

و العذر: إمّا بعدم اعتبار المخالف المعلوم المعين، كما سلف. و إمّا تسميتهم لما اشتهر إجماعا. و إمّا بعدم ظفره حين ادعى الإجماع بالمخالف. و إمّا بتأويل الخلاف على وجه يمكن مجامعته لدعوى الإجماع و ان بعد، كجعل الحكم من باب التخيير. و إمّا إجماعهم على روايته، بمعنى تدوينه في كتبهم منسوبا إلى الأئمة (عليهم السلام).

الثالث:

يمنع احداث ثالث إذا استلزم رفع الإجماع، أو مخالفة المعصوم، و الا جاز، لامتناع مخالفه القطعي.

الرابع:

إذا أفتى جماعة من الأصحاب، و لم يعلم لهم مخالف، فليس إجماعا قطعا و خصوصا مع علم العين، للجزم بعدم دخول الإمام حينئذ. و مع عدم علم العين لا يعلم أن الباقي موافقون، و لا يكفي عدم علم خلافهم، فإن الإجماع هو: الوفاق لا عدم علم الخلاف.

و هل هو حجة مع عدم متمسك ظاهر من حجة نقلية أو عقلية؟ الظاهر ذلك، لأن عدالتهم تمنع من الاقتحام على الإفتاء بغير علم، و لا يلزم من عدم الظفر بالدليل عدم الدليل، خصوصا و قد تطرق الدروس الى كثير من الأحاديث، لمعارضة الدول المخالفة، و مباينة الفرق المنافية، و عدم تطرق الباقين الى الردّ له، مع ان الظاهر وقوفهم عليه و انّهم لا يقرّون ما يعلمون خلافه.

فان قلت: لعل سكوتهم لعدم الظفر بمستند من الجانبين.

قلت: فيبقى قول أولئك سليما عن المعارض، و لا فرق بين كثرة القائل بذلك أو قلته مع عدم معارض. و قد كان الأصحاب يتمسكون بما يجدونه في شرائع الشيخ أبي الحسن بن بابويه- (رحمة اللّٰه عليه)م- عند إعواز النصوص، لحسن ظنهم به، و ان فتواه كروايته، و بالجملة تنزل فتاويهم منزلة روايتهم.

هذا مع ندور هذا الفرض، إذ الغالب وجود دليل دال على ذلك القول عند التأمّل.

الخامس: ألحق بعضهم المشهور بالمجمع عليه،

فان أراد في الإجماع فهو

52

ممنوع، و ان أراد في الحجة فقريب لمثل ما قلناه، و لقوة الظن في جانب الشهرة، سواء كان اشتهارا في الرواية- بأن يكثر تدوينها أو راووها (1) بلفظ واحد، أو ألفاظ متغايرة- أو الفتوى. فلو تعارضا، فالترجيح للفتوى إذا علم اطلاعهم على الرواية، لأن عدولهم عنها ليس الا لوجود أقوى.

و كذا لو عارض الشهرة المستندة إلى حديث ضعيف حديث قوي، فالظاهر: ترجيح الشهرة، لأن نسبة القول الى الإمام قد تعلم و ان ضعف طريقه، كما تعلم مذاهب الفرق بأخبار أهلها و ان لم يبلغوا التواتر، و من ثم قبل الشيخ(رحمه اللّٰه) رواية الموثقين مع فساد مذاهبهم (2).

الأصل الرابع: دليل العقل،

و هو قسمان:

الأوّل: قسم لا يتوقّف على الخطاب،

و هو خمسة:

الأول: ما يستفاد من قضية العقل

- كوجوب قضاء الدين، و رد الوديعة، و حرمة الظلم، و استحباب الإحسان، و كراهية منع اقتباس النار، و إباحة تناول المنافع الخالية عن المضار- سواء علم ذلك بالضرورة أو النظر- كالصدق النافع و الضار-، و ورود السمع في هذه مؤكد.

الثاني: التمسّك بأصل البراءة عند عدم دليل،

و هو عام الورود في هذا الباب- كنفي الغسلة الثالثة في الوضوء، و الضربة الزائدة في التيمم، و نفي وجوب الوتر- و يسمى: استصحاب حال العقل. و قد نبّه عليه في الحديث بقولهم (عليهم السلام): «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه» (3)، و شبه هذا.

الثالث: لا دليل على كذا فينتفي،

و كثيرا ما يستعمله الأصحاب، و هو تام

____________

(1) في س: ورودها.

(2) عدة الأصول: 382.

(3) الكافي 5: 313 ح 40، الفقيه 3: 216 ح 1002، التهذيب 7: 226 ح 988، و 9: 79 ح 337.

53

عند التتبع التام، و مرجعه إلى أصل البراءة.

الرابع: الأخذ بالأقل عند فقد دليل على الأكثر

- كدية الذمي عندنا- لأنّه المتيقن، فيبقى الباقي على الأصل و هو راجع إليها.

الخامس: أصالة بقاء ما كان

- و يسمى: استصحاب حال الشرع و حال الإجماع- في محل الخلاف، كصحة صلاة المتيمم يجد الماء في الأثناء، فنقول:

طهارة معلومة و الأصل عدم طارئ أو: صلاة صحيحة قبل الوجدان فكذا بعده.

و اختلف الأصحاب في حجيته، و هو مقرر في الأصول.

القسم الثاني: ما يتوقّف العقل فيه على الخطاب،

و هو ستة:

أوّلها: مقدمة الواجب المطلق،

شرطا كانت كالطهارة في الصلاة، أو وصلة، كفعل الصلوات الثلاث عند اشتباه الفائتة، و غسل جزء من الرأس في الوجه، و ستر أقل الزائد على العورة، و الصلاة الى أربع جهات، و ترك الآنية المحصورة عند تيقّن نجاسة واحدة منها.

و ثانيها: استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده،

كما يستدل على بطلان الواجب الموسّع عند منافاة حق آدمي.

و ثالثها: فحوى الخطاب،

و هو: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم، كالضرب مع التأفيف.

و رابعها: لحن الخطاب،

و هو: ما استفيد من المعنى ضرورة، مثل قوله تعالى أَنِ اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ (1)، أي: فضرب فانفلق.

و خامسها: دليل الخطاب،

و هو المسمى بالمفهوم، و أقسامه كثيرة:

الوصفي و الشرطي، و هما حجّتان عند بعض الأصحاب، و لا بأس به و خصوصا الشرطي.

و العددي، و له تفصيل معروف بحسب الزيادة و النقصان.

____________

(1) سورة الشعراء: 63.

54

و الغائي، مثل أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (1) و هو راجع الى الوصفي.

و الحصر، و هو حجة.

أمّا اللقبي فليس حجّة، لانتفاء الدلالات الثلاث، و استفادة وجوب التعزير من قوله: (أنا لست بزان) من قرينة الحال لا من المقال.

و سادسها:

ما قيل: ان الأصل في المنافع الإباحة و في المضار الحرمة، و تحقيقه في الأصول.

الإشارة السابعة: يجب التمسّك بمذهب الإمامية لوجوه تسعة:

الأول:

قد تقرّر في الكلام عصمة الإمام، و المعصوم أولى بالاتباع.

الثاني: قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ (2)

و غير المعصوم لا يعلم صدقه، فلا يجب الكون معه.

الثالث [آية التطهير]

قوله تعالى إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (3). و فيه من المؤكدات و اللطائف ما يعلم من علمي المعاني و البيان، و ذهاب الرجس و وقوع التطهير يستلزم عدم العصيان و المخالفة لأوامر اللّٰه و نواهيه. و موردها في النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و علي (عليه السلام) و فاطمة و الحسن و الحسين، اما عند الإمامية و سائر الشيعة فظاهر إذ يروون ذلك بالتواتر.

و أمّا العامة:

فروى مسلم في الصحيح عن عائشة، قالت: خرج النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) ذات غداة، و عليه مرط مرحل (4) من شعر، فجاء الحسن بن علي فادخله فيه،

____________

(1) سورة البقرة: 187.

(2) سورة التوبة: 119.

(3) سورة الأحزاب: 33.

(4) مرط: كساء من صوف أو خز كان يؤتزر به، مرحّل: هو الموشّى عليه صورة رحال الإبل. مجمع البحرين- مادتي مرط، رحل.