ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة - ج2

- الشهيد الأول المزيد...
450 /
5

بقية القطب الأول في العبادات

بقية كتاب الصلاة

بقية أبواب مقدمات الصلاة

بقية الباب الأول

بقية الفصل الأول

بقية المطلب الثاني

بقية القسم الثالث

بقية المقام الخامس في أحكام الميت

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الحكم الخامس: الدفن.

و مطالبه ثلاثة:

الأول: في المدفن،

و فيه مسائل:

الأولى: الواجب حفرة يوجّه الميت فيها

إلى القبلة مضطجعا على جانبه الأيمن، ليستر عن الإنس ريحه و عن السباع بدنه بحيث يعسر نبشها غالبا.

و هاتان الصفتان متلازمتان في الغالب، و لو قدّر وجود إحداهما بدون الأخرى وجب مراعاة الأخرى، للإجماع على وجوب الدّفن و لا تتم فائدته إلّا بهما، و أمر النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) به (1).

و امّا كيفيّته، فلأنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) دفن كذلك، و فعله (2) و عليه الصحابة و التابعون. و قد ذكر هذه الكيفية: الصدوقان (3) و الشيخان (4) و ابن البراج (5).

و في رواية معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام)، قال: «مات البراء ابن معرور الأنصاري بالمدينة و رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) بمكة، فأوصى أنّه إذا دفن يجعل وجهه الى وجه رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) إلى القبلة، فجرت به السّنة، و كانت الصلاة حينئذ إلى بيت المقدس» (6).

و ابن حمزة جعل استقبال القبلة بالميت في الدفن مستحبّا (7) لأصالة البراءة،

____________

(1) مسند أحمد 4: 19، سنن أبي داود 3: 214 ح 3215، سنن النسائي 4: 80، السنن الكبرى 4: 34.

(2) الإرشاد للشيخ المفيد: 101.

(3) الفقيه 1: 108، الهداية: 27.

(4) المقنعة: 18، المبسوط 1: 186.

(5) المهذب 1: 63.

(6) علل الشرائع: 1: 301.

(7) الوسيلة: 68.

8

و يعارض بما تقدّم.

و يجب كون الحفرة في مكان مملوك للمتصرّف أو مباح، خالية عن ميت طمّ بها، لتحريم التصرّف في ملك الغير، و تحريم نبش القبور لأدائه إلى المثلة و الهتك، و على تحريمه إجماع المسلمين، و قول الشيخ في المبسوط: يكره (1) الظاهر أنّه أراد التحريم، لأنّه قال بعد: و لو حفر فوجد عظاما ردّ التراب و لم يدفن فيه شيئا (2)، قال المحقق: لأن القبر صار حقّا للأول بدفنه فيه، فلم يجز مزاحمته بالثاني (3).

أمّا دفن ميتين فصاعدا في قبر ابتداء فيكره، قال في المبسوط: لقولهم (عليهم السلام): «لا يدفن في قبر واحد اثنان» (4) و لأنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أفرد كلّ واحد بقبر (5) و مع الضرورة تزول الكراهية، بأن تكثر الموتى و يعسر الإفراد، لما روي أنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) قال للأنصار يوم أحد: «احفروا، و أوسعوا، و عمّقوا، و اجعلوا الاثنين و الثلاثة في القبر الواحد و قدّموا أكثرهم قرآنا» (6).

فرعان:

الأول:

المراد بالتقديم جعله في قبلة اللحد، فالرجل، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة، كذا قاله الشيخ (7).

و لو تساوت الطبقة قدّم الأفضل كما تضمّنه الخبر، إلّا في الأب و ابنه، فإن الأب مقدّم مطلقا لحرمة الأبوة. و كذا تقدّم الام على البنت، و لا تقدّم على الابن.

____________

(1) المبسوط 1: 187.

(2) المبسوط 1: 188.

(3) المعتبر 1: 306.

(4) المبسوط 1: 155.

(5) قال في تلخيص الحبير 5: 245. لم أره هكذا لكنه معروف بالاستقراء.

(6) مسند أحمد 4: 19، سنن أبي داود 3: 214 ح 3215، السنن الكبرى 3: 413، 4: 34.

(7) المبسوط 1: 184.

9

و ينبغي ان لا يجمع بين الرجال و النساء إلّا مع شدّة الحاجة، و لتراع المحرميّة إن أمكن. قال في المعتبر: يجعل بين كل اثنين حاجز ليكون كالمنفرد (1).

و اعتبر ابن البرّاج الحاجز بين الرجل و الخنثى و بين الخنثى و المرأة (2) و الظاهر أنّه أراد غير المحارم. و ليكن الحاجز من تراب أو غيره.

الثاني:

لو اتخذ سرب للدفن جاز الجمع فيه ابتداء على كراهية، و استدامة كذلك على الأقوى، لأنّه لا يعد نبشا و لا يحصل به هتك.

المسألة الثانية: يسقط الاستقبال عند التباس القبلة،

و عند تعذّره، كمن مات في بئر و تعذّر إخراجه و صرفه إليها، كما مر (3).

و في الذميّة الحامل من مسلم، إذ يستدبر بها لما قيل: أنّ وجه الولد الى ظهر امه، و المقصود بالذات دفنه و هي كالتابوت له، و لهذا دفنت في مقبرة المسلمين إكراما للولد، لأنّه لو سقط لم يدفن إلّا في مقابر المسلمين، قال في التذكرة: و هو وفاق (4) يعني: استدبارها.

و قد روى أحمد بن أشيم عن يونس، عن الرضا (عليه السلام)، في الأمة الكتابيّة تحمل من المسلم ثم تموت مع ولدها، أ يدفن معها على النصرانيّة، أو يخرج منها و يدفن على فطرة الإسلام؟ فكتب: «يدفن معها» (5).

قال في المعتبر: و لا حجّة فيها، لضعفها بابن أشيم، و عدم تضمّنها الدفن في مقبرة المسلمين (6). قال: و الوجه انّ الولد لمّا حكم بإسلامه لم يجز دفنه بين الكفّار، و إخراجه مع موتها غير جائز فتدفن تبعا له، و لأنّ عمر أمر به و لم ينكر

____________

(1) المعتبر 1: 338.

(2) المهذب 1: 65.

(3) تقدم في ص 416، التنبيه 9.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 54.

(5) التهذيب 1: 334 ح 980.

(6) المعتبر 1: 292.

10

عليه (1).

الثالثة: من مات في البحر وجب نقله الى البر،

فان تعذّر لم يتربّص به، بل يوضع في خابية. و يوكى رأسها و تطرح في الماء، لخبر أيوب بن الحر عن الصادق (عليه السلام) (2) أو يثقل، لمرسلة أبان عنه (عليه السلام) (3) و هو في مرفوع سهل بن زياد اليه (عليه السلام): «يكفّن، و يحنّط، في ثوب و يلقى في الماء» (4).

و الأقرب وجوب استقبال القبلة به حالة الإلقاء- كما قاله ابن الجنيد- لأنّه دفن، لحصول مقصود الدفن به.

و لا يجعل بين لوحين رجاء لوصوله البر فيدفنه المسلمون، لأنّ فيه تعريضا لهتك معلوم بإزاء أمر موهوم.

الرابعة: يراعى في موضع الدفن الأقرب

- استحبابا- لقول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «عجّلوهم الى مضاجعهم» (5).

و يكره نقله إلى غير مشهد إجماعا و لو كان بقرب أحد المشاهد استحبّ نقله إليها ما لم يخف هتكه، لإجماع الإمامية عليه من عهد الأئمة الى ما بعده، قال في المعتبر: و لأنه يقصد بذلك التمسّك بمن له أهلية الشفاعة، و هو حسن بين الأحياء توصّلا إلى فوائد الدنيا، فالتوصّل إلى فوائد الآخرة أولى (6).

قلت: و روى الصدوق عن مولانا الصادق (عليه السلام): انّ موسى (عليه السلام) استخرج عظام يوسف (عليه السلام) من شاطئ النيل، و حمله الى

____________

(1) المعتبر 1: 292.

(2) الكافي 3: 213 ح 1، الفقيه 1: 96 ح 442، التهذيب 1: 340 ح 996، الاستبصار 1: 215 ح 762.

(3) الكافي 3: 214 ح 2، التهذيب 1: 339 ح 993، الاستبصار 1: 215 ح 759.

(4) الكافي 3: 214 ح 3، التهذيب 1: 339 ح 994، الاستبصار 1: 215 ح 760.

(5) الكافي 3: 137 ح 1، التهذيب 1: 427 ح 1359.

(6) المعتبر 1: 307.

11

الشام (1).

قال في التذكرة: و لأنّ موسى (عليه السلام) لمّا حضرته الوفاة سأل اللّٰه عزّ و جلّ ان يدنيه إلى الأرض المقدّسة رمية حجر، قال النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله):

لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر (2).

قال المفيد في العزّية: و قد جاء حديث يدلّ على رخصة في نقل الميت الى بعض مشاهد آل الرسول (عليهم السلام) إن وصّى الميت بذلك.

و قال صاحب الجامع: لو مات بعرفة فالأفضل نقله الى الحرم (3). و الظاهر أنّه وقف على نصّ فيه.

و لو كان هناك مقبرة بها قوم صالحون أو شهداء، استحبّ الحمل إليها، لتناله بركتهم و بركة زيارتهم.

و لو كان بمكة أو بالمدينة فبمقبرتيهما.

أمّا الشهيد، فالأولى: دفنه حيث قتل، لما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «ادفنوا القتلى في مصارعهم» (4).

و يستحبّ جمع الأقارب في مقبرة، لأنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لمّا دفن عثمان بن مظعون، قال: «أدفن إليه من مات من أهله» (5) و لأنّه أسهل لزيارتهم.

فيقدّم الأب ثم من يليه في الفضل، و الذكر على الأنثى.

____________

(1) الفقيه 1: 123 ح 594، علل الشرائع: 296.

(2) تذكرة الفقهاء: 1: 53.

و الرواية في مسند أحمد 2: 269، صحيح البخاري 2: 113، سنن النسائي 4: 119.

(3) الجامع للشرائع: 56.

(4) سنن ابن ماجة 1: 486 ح 1516، سنن النسائي 4: 79، السنن الكبرى 4: 57.

(5) سنن أبي داود 3: 212 ح 3206، السنن الكبرى 3: 412.

12

فروع خمسة:

الأول: الدفن في المقبرة أفضل من البيت،

لأنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أمر بالدفن في البقيع (1)، و لإطباق النّاس عليه، و لأنّه أجلب للترحّم و الدعاء، و أشبه بمساكن الآخرة، و أقلّ ضررا على ورثته. و دفن النبي في بيته من خصوصيّاته أو خصوصيّات الأنبياء، أو لأنّه قبض في أشرف البقاع فدفن فيها، و نقل ذلك عن علي (عليه السلام) (2) فاتّبعه الصحابة.

الثاني:

لو أوصى بدفنه في بيته أو ملكه اعتبر الإجازة أو الثلث، و لا يخالف بالدفن في المسبّلة، لعموم إنفاذ وصيّة الميت بالمعروف.

الثالث:

لو اختلف الوراث في الدفن في ملكه أو المسبّلة، قدّم اختيار المسبّلة، إذ لا ضرر فيه على الورثة.

و لو أراد أحدهما دفنه في ملك نفسه و أراد الآخر المسبّلة، فإن كان فيها قوم صالحون أو ترجّحت ببعض الأسباب أجيب، و إلّا ففي الترجيح نظر، لاشتماله على منّة على الوارث أو لأنّه يضرّ بوارثه، و من إمكان تعلّق غرض الوارث به لدوام زيارته و شبههه، فيقدم. و يمكن مراعاة الأقرب، و مع التساوي يقرع.

الرابع:

لو سبق وليّان بميتين الى مباح و تعذّر الجمع، فالقرعة. و لو سبق أحدهما فهو أولى، كمقاعد الأسواق و المساجد.

الخامس: لو دفن لم يجز نقله مطلقا،

لتحريم النبش. و سمع الشيخ مذاكرة جوازه (3)، و قد مرّ فعل موسى (عليه السلام) إيّاه (4). و جعله ابن حمزة

____________

(1) المغني لابن قدامة: 2: 383.

(2) أخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى 2: 278 عن أبي يعلى.

(3) المبسوط 1: 187.

(4) انظر صحيفة: 10، المسألة الرابعة.

13

مكروها (1) و ابن الجنيد جوّز النقل، لصلاح يراد بالميت (2). و قطع المفيد- في العزية- و ابن إدريس بتحريم نقله (3) و اختاره الفاضل (4).

المسألة الخامسة: اللّحد أفضل من الشقّ

- عندنا- في غير الأرض الرّخوة، لما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «اللّحد لنا، و الشقّ لغيرنا» (5).

و لرواية الحلبي عن الصادق (عليه السلام): «انّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) لحد له أبو طلحة الأنصاري» (6).

و في رواية إسماعيل بن همام عن الرّضا (عليه السلام)، قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) احفروا لي شقّا، فإن قيل لكم: إنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) لحد له، فصدقوا» (7).

و ليكن اللّحد ممّا يلي القبلة واسعا مقدار ما يجلس فيه.

أمّا في الرخوة، فالشقّ أفضل خوفا من انهدامه. و لو عمل شبه اللّحد من بناء في قبلته كان أفضل، قاله في المعتبر (8)، و يظهر من كلام ابن الجنيد.

و في حفر القبور ثواب عظيم، قال الصادق (عليه السلام): «من حفر لميت قبرا كان كمن بوّأه بيتا موافقا الى يوم القيامة»، رواه سعد بن طريف (9).

____________

(1) الوسيلة: 69.

(2) مختلف الشيعة: 123.

(3) السرائر: 34.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 56، نهاية الإحكام 2: 283.

(5) مسند أحمد 4: 359، سنن ابن ماجة 1: 496 ح 1554، سنن أبي داود 3: 213 ح 3208، الجامع الصحيح 3: 363 ج 1045.

(6) الكافي 3: 166 ح 3، التهذيب 1: 451 ح 1467.

(7) الكافي 3: 166 ح 2، التهذيب 1: 451 ح 1468.

(8) المعتبر 1: 296.

(9) في الكافي 3: 165 ح 1، و التهذيب 1: 450 ح 1462، عن الباقر (عليه السلام)، و في الفقيه 1: 92 ح 419 مرسلا عن الصادق (عليه السلام).

14

السادسة: يستحبّ تعميقه قامة أو الى الترقوة،

لقول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «و أوسعوا و عمّقوا» (1).

و عن الصادق (عليه السلام): «حدّ القبر إلى الترقوة» أرسله الصدوق (2).

و عن ابن أبي عمير عنه (عليه السلام): «حدّ القبر إلى الترقوة»، و قال بعضهم: الى الثديين، و قال بعضهم: قامة الرجل حتى يمد الثوب على رأس من في القبر (3) و الظاهر أنّ هذا من محكي ابن أبي عمير، لأنّ الإمام لا يحكي قول أحد.

و في الكليني أسنده إلى سهل بن زياد، قال: روى أصحابنا أنّ حدّ القبر .. الى آخره (4).

و روى السكوني عن الصادق (عليه السلام): «أنّ النبي نهى أن يعمّق القبر فوق ثلاث أذرع» (5). و الظاهر أنّه نهي كراهة.

و في خبر ابن أبي عمير المرسل عن الصادق (عليه السلام): «انّ زين العابدين قال: احفروا لي حتى تبلغوا الرّشح» (6). و يمكن حمله على الثلاث، لأنّها قد تبلغ الرّشح في البقيع.

السابعة: لو تعذّر الحفر

لصلابة الأرض أو تحجّرها، و أمكن نقله إلى ما يمكن حفره، وجب. و ان تعذّر أجزأ البناء عليه بما يحصل الغرضين المذكورين، لأنّه في معنى الدفن. و لو فعل ذلك اختيارا، فالأقرب المنع، لأنّه

____________

(1) مسند أحمد 4: 19، سنن أبي داود 3: 214 ح 3215، السنن الكبرى 3: 413، 4: 34.

(2) الفقيه 1: 107 ح 498.

(3) التهذيب 1: 451 ح 1469.

(4) الكافي 3: 165 ح 1.

(5) الكافي 3: 166 ح 4، التهذيب 1: 451 ح 1466.

(6) التهذيب 1: 451 ح 1469.

و الرشح: عرق الأرض و نداوتها. مجمع البحرين- مادة رشح.

15

مخالف لما أمر به النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) من الحفر.

و كذا لا يجزئ جعله في تابوت من صخر أو غيره، مكشوفا أو مغطى، و ان حصل الغرضان، لعدم مسمّى الدفن، و يجزئ مع التعذّر. نعم، لو دفن بالتابوت في الأرض جاز، لكنه مكروه إجماعا، نقله في المبسوط (1) و لا فرق في الكراهية بين أنواع التابوت.

____________

(1) المبسوط 1: 187.

16

المطلب الثاني: في الكيفية،

و فيه مسائل:

الأولى:

يستحبّ إذا قرّب الرجل من القبر وضعه عند رجليه، و الصبر هنيئة، ثم نقله في ثلاث دفعات يصبر فيها عليه، و ينزّل في الثالثة سابقا برأسه- قال المفيد: كما سبق الى الدّنيا في خروجه من بطن امه (1)- لخبر عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام): «ينبغي أن يوضع دون القبر هنيئة، ثمّ واره» (2).

و عن محمد بن عجلان عنه (عليه السلام): «لا تفدحه بقبره، و لكن ضعه دون قبره بذراعين أو ثلاثة، و دعه حتى يتأهّب للقبر» (3).

و تؤخذ المرأة عرضا في دفعة واحدة.

و يسلّ الميت سلّا في إنزاله القبر، لما روي أنّ النبي سلّ من قبل رأسه سلّا (4)، و ليكن رفيقا، لخبر الحلبي و ابن عجلان عن الصادق (عليه السلام) (5).

و لم يزد ابن الجنيد في وضعه على مرة، و هو ظاهر المعتبر، عملا بمدلول الحديث (6).

الثانية: يستحبّ لملحده

حلّ أزراره، و كشف رأسه، و حفاؤه، إلّا لضرورة، لخبر أبي بكر الحضرمي عن الصادق (عليه السلام): «لا تنزل القبر و عليك عمامة، و لا قلنسوة، و لا رداء، و لا حذاء، و حلّ أزرارك». قلت: فالخف؟

قال: «لا بأس بالخف في وقت الضرورة و التقية، و ليجتهد في ذلك جهده» (7).

____________

(1) المقنعة: 12.

(2) التهذيب 1: 313 ح 908.

(3) التهذيب 1: 313 ح 909.

(4) السنن الكبرى 4: 54.

(5) الكافي 3: 194 ح 1، 195 ح 4، علل الشرائع: 306، التهذيب 1: 315 ح 915، 317 ح 922.

(6) المعتبر 1: 298.

(7) الكافي 3: 192 ح 3، التهذيب 1: 313 ح 911، الاستبصار 1: 213 ح 751.

17

و يقرب منه خبر سيف بن عميرة عنه (عليه السلام)، و قال: «لا بأس بالخفّ، فإنّ في خلعه شناعة» (1).

و في خبر ابن أبي يعفور عنه (عليه السلام): «لا ينبغي دخول القبر في نعلين، و لا خفين، و لا رداء، و لا قلنسوة» (2).

و ليس ذلك واجبا، إجماعا، و لخبر محمد بن بزيع: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) دخل القبر، و لم يحلّ أزراره (3).

قال الفاضلان: يستحبّ أن يكون متطهّرا، لقول الصادق (عليه السلام): «توضّأ إذا دخلت القبر»، و هو في سياق خبر محمد بن مسلم و الحلبي عنه (عليه السلام) (4).

و ابن الجنيد أطلق نفي البأس عن الخفين (5). و الأقرب تقييده كما ذكر، و عليه الأكثر (6).

ثمّ إن استقلّ الواحد بحمله لصغره و شبهه و إلّا ضمّ إليه غيره، و لا يعتبر الوتر عندنا- كثلاثة، أو خمسة- لخبر زرارة عن الصادق (عليه السلام): و سأله عن القبر كم يدخله؟ قال: «ذاك إلى الولي، إن شاء أدخل وترا، و ان شاء شفعا» (7).

الثالثة: يستحبّ الدعاء باتّفاق العلماء.

فعند معاينة القبر: اللّهم اجعلها روضة من رياض الجنة، و لا تجعلها حفرة

____________

(1) التهذيب 1: 313 ح 910.

(2) الكافي 3: 192 ح 1، التهذيب 1: 314 ح 913.

(3) التهذيب 1: 314 ح 912، الاستبصار 1: 213 ح 752.

(4) المعتبر 1: 302، تذكرة الفقهاء 1: 52.

و الخبر في التهذيب 1: 321 ح 934.

(5) مختلف الشيعة: 121.

(6) راجع: المبسوط 1: 186، مختلف الشيعة 1: 121.

(7) الكافي 3: 193 ح 4، التهذيب 1: 314 ح 914.

18

من حفر النّار.

و عند تناوله: بسم اللّٰه و باللّه، و على ملة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله).

اللهم إيمانا بك، و تصديقا بكتابك، هذا ما وعد اللّٰه و رسوله و صدق اللّٰه و رسوله.

اللّهم زدنا إيمانا و تسليما.

و بعد وضعه في اللحد يستحبّ قراءة الفاتحة و الإخلاص و المعوذتين و آية الكرسي، لخبر محمد بن عجلان عن الصادق (عليه السلام) (1).

و ليقل أيضا بعد وضعه ما رواه الحلبي عنه (عليه السلام): «بسم اللّٰه، و في سبيل اللّٰه، و على ملّة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله). (اللهم عبدك نزل بك، و أنت خير منزول به) (2). اللّهم افسح له في قبره، و ألحقه بنبيّه (صلّى اللّٰه عليه و آله). اللهم إن كان محسنا فزد في حسناته، و ان كان مسيئا فاغفر له و ارحمه و تجاوز عنه. و ليستغفر له ما استطاع» (3). قال- و الظاهر أنّه الصادق (عليه السلام)-:

«و كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا دخل القبر، قال: اللهم جاف الأرض عن جنبيه، و صاعد عمله، و لقّه منك رضوانا» (4).

أو ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «إذا وضعه في لحده، فقل: بسم اللّٰه، و في سبيل اللّٰه، و على ملّة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) (5). اللهم إنّا لا نعلم منه (6) إلّا خيرا و أنت أعلم به، فإذا وضعت اللبن فقل: اللهم صل وحدته، و آنس وحشته، و أسكن إليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك. فإذا خرجت من قبره، فقل: إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ،

____________

(1) الكافي 3: 195 ح 4، علل الشرائع: 306، التهذيب 1: 317 ح 922.

(2) العبارة ليست في المصدرين.

(3) الكافي 3: 194 ح 1، التهذيب 1: 315 ح 915.

(4) الكافي 3: 194 ح 1، التهذيب 1: 315 ح 915.

(5) في المصدرين زيادة: «اللهم عبدك نزل بك، و أنت خير منزول به، اللّهم افسح له في قبره، و الحقه بنبيّه».

(6) ليست في م، س.

19

و الحمد للّٰه ربّ العالمين. اللهم ارفع درجته في أعلى عليّين، و اخلف على عقبه في الغابرين، و عندك نحتسبه يا ربّ العالمين» (1).

و في رواية ابن عجلان عن الصادق (عليه السلام): «ليكن أولى الناس به مما يلي رأسه، ليذكر اسم اللّٰه، و يصلّي على النبي و آله، و يتعوّذ من الشيطان، و ليقرأ: فاتحة الكتاب، و المعوذتين، و التوحيد، و آية الكرسي» (2).

و روى ابن عمر: أنّه سمع من رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنّه يقال عند الوضع: «بسم اللّٰه، و في سبيل اللّٰه، و على ملّة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)». و عند تسوية اللبن: «اللهم أجره من الشّيطان و من عذاب القبر. اللّهم جاف الأرض عن جنبيه، و صعّد روحه، و لقّه منك رضوانا» (3).

الرابعة: يستحبّ أن يلقّنه الشهادتين و أسماء الأئمة (عليهم السلام)،

و به أخبار تكاد تبلغ التواتر.

كخبر ابن عجلان هذا عن الصادق (عليه السلام): «يلقّنه الشهادتين، و يذكر له ما يعلم واحدا واحدا» (4).

و خبر محفوظ الإسكاف عن الصادق (عليه السلام): «ليكن أعقل من ينزل في قبره عند رأسه، و ليكشف عن خدّه الأيمن حتى يفضي به الى الأرض، و يدني فاه الى سمعه، و يقول: اسمع افهم- ثلاثا- اللّٰه ربك، و محمد نبيك، و الإسلام دينك، و فلان (5) اسمع افهم، و أعدها عليه ثلاثا» (6).

و خبر أبي بصير عنه (عليه السلام): «ضع فاك على أذنه، فقل: اللّٰه ربّك،

____________

(1) الكافي 3: 196 ح 6، التهذيب 1: 316 ح 920.

(2) الكافي 3: 195 ح 4، علل الشرائع: 306، التهذيب 1: 317 ح 922.

(3) سنن ابن ماجة 1: 495 ح 1553، السنن الكبرى 4: 55. باختلاف يسير.

(4) التهذيب 1: 313 ح 909.

(5) في المصدرين زيادة: «امامك».

(6) الكافي 3: 195 ح 5، التهذيب 1: 317 ح 923.

20

و الإسلام دينك، و محمّد نبيك، و القرآن كتابك، و عليّ إمامك» (1).

و خبر إسحاق بن عمار عنه (عليه السلام): «تضع يدك اليسرى على عضده الأيسر، و تحرّك تحريكا شديدا، ثمّ تقول: يا فلان بن فلان إذا سئلت فقل: اللّٰه ربّي، و محمد نبيّي، و الإسلام ديني، و القرآن كتابي، و عليّ إمامي، حتى تستوفي الأئمة. ثم تعيد القول، ثم تقول: افهم (2) يا فلان، فإنّه يقول: نعم. ثم تقول:

ثبّتك اللّٰه بالقول الثابت، هداك اللّٰه الى صراط مستقيم، عرّف اللّٰه بينك (3) و بين أوليائك في مستقر من رحمته» (4).

و أورد الصدوق فيه وضع يده اليمنى تحت منكبه الأيمن، و يحرّكه تحريكا شديدا، و يقول: «يا فلان اللّٰه ربك، و محمد نبيك» .. الى آخره (5).

و خبر زرارة عن الباقر (عليه السلام): «اضرب بيدك على منكبه الأيمن، ثم قل: يا فلان قل رضيت باللّه ربّا، و بالإسلام دينا، و بعلي إماما، و يسمي إمام زمانه» (6).

الخامسة: يستحبّ أن يجعل له وسادة من تراب،

و يجعل خلف ظهره مدرة و شبهها لئلا يستلقي، رواه سالم بن مكرم عن الصادق (عليه السلام) (7). و حل عقد الأكفان، و رواه إسحاق بن عمار، و أبو بصير عنه (عليه السلام) (8) و أبو حمزة عن أحدهما (عليهما السلام)، و زاد: «و يبرز وجهه» (9).

____________

(1) الكافي 3: 195 ح 2، التهذيب 1: 318 ح 924.

(2) في المصدر: «أ فهمت».

(3) في س زيادة: «و بين نبيك»، و هي ليست في المصدر.

(4) التهذيب 1: 457 ح 1492.

(5) الفقيه 1: 108 ح 500.

(6) الكافي 3: 196 ح 7، التهذيب 1: 457 ح 1490.

(7) الفقيه 1: 108 ح 500.

(8) التهذيب 1: 450 ح 1463، 457 ح 1492.

(9) التهذيب 1: 457 ح 1491.

21

و في خبر حفص بن البختري، و ابن أبي عمير عن غير واحد، عن الصادق (عليه السلام): «يشقّ الكفن من عند رأسه» (1). قال في المعتبر: هذا مخالف لما عليه الأصحاب، و لأنّ فيه إفسادا للمال على وجه لم يتحقّق شرعه، و الصّواب:

الاقتصار على حلّ عقده (2).

قلت: يمكن أن يراد بالشقّ: الفتح، ليبدو وجهه فان الكفن كان منضمّا، فلا مخالفة و لا إفساد.

السادسة: يستحبّ وضع التربة معه،

قاله الشيخان (3) و لم نعلم مأخذه، و التبرّك بها كاف في ذلك.

و الأحسن جعلها تحت خدّه، كما قاله المفيد في المقنعة (4). و في العزيّة: في وجهه، و كذا في اقتصاد الشيخ (5). و قيل: تلقاء وجهه (6) و قيل: في الكفن. و في المختلف: الكل جائز (7).

و قد نقل أنّ امرأة قذفها القبر مرارا لفاحشة كانت تصنع، فأمر بعض الأولياء بوضع تراب من قبر صالح معها فاستقرت، قال الشيخ نجيب الدين يحيى ابن سعيد في درسه: يصلح أن يكون هذا متمسكا. و نقل الفاضل أنّها كانت تزني و تحرق أولادها، و إنّ أمها أخبرت الصادق (عليه السلام)، فقال: «إنّها كانت تعذّب خلق اللّٰه بعذاب اللّٰه، اجعلوا معها شيئا من تربة الحسين (عليه السلام)

____________

(1) الكافي 3: 196 ح 9، التهذيب 1: 317 ح 921، 458 ح 1493.

(2) المعتبر 1: 301.

(3) المبسوط 1: 186، و عن المفيد في السرائر: 33، مختلف الشيعة: 121.

(4) قال في مفتاح الكرامة- بعد نقله ما في المقنعة عن الذكرى- 1: 498: و لم أجده فيها، و يؤيد عدم وجوده اني لم أجد أحدا سواه نسبه إليها، و في السرائر: 33، و المعتبر 1: 301 نسباه إلى المفيد من دون ذكر المقنعة.

(5) الاقتصاد: 250.

(6) نسبه في السرائر: 33 إلى الشيخ الطوسي.

(7) مختلف الشيعة: 121.

22

فاستقرّت» (1).

السابعة: ينبغي تشريج اللّحد،

أي: تنضيده باللبن و شبهه، و إن سوّاه بالطّين كان ندبا، لما روي أنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) رأى في قبر ابنه خللا فسوّاه بيده، ثم قال: «إذا عمل أحدكم عملا فليتقن» (2). و هو في رواية إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام): «تضع الطين و اللبن، و تقول ما دمت تضعه: اللّهم صل وحدته، و آنس وحشته، و آمن روعته، و أسكن إليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك، فإنّما رحمتك للظالمين» (3).

قال الراوندي: عمل العارفين من الطائفة على ابتداء التشريج من الرأس، ثم يخرج من القبر و يقول: إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ، اللّهم ارفع درجته في علّيين، و اخلف على أهله في الغابرين، عندك نحتسبه يا ربّ العالمين (4)، و قد تقدّم هذا برواية أخرى (5).

الثامنة: يستحبّ في المرأة نزول الزوج أو المحارم،

و في الرجل: الأجانب، لخبر السكوني عن الصادق (عليه السلام): «قال علي (عليه السلام): مضت السّنة من رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) انّ المرأة لا يدخل قبرها إلّا من كان يراها في حال حياتها» (6).

و خبر عبد اللّٰه بن محمد بن خالد، عن الصادق (عليه السلام): «الوالد لا ينزل في قبر ولده، و الولد لا ينزل في قبر والده» (7).

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 53، منتهى المطلب 1: 461.

(2) الكافي 3: 262 ح 45.

(3) التهذيب 1: 457 ح 1492.

(4) الدعوات: 266.

(5) تقدم في ص 19 الهامش 1.

(6) الكافي 3: 193 ح 5، التهذيب 1: 325 ح 948.

(7) و كذا نقله المصنف في روض الجنان: 318، و لكن في التهذيب 1: 320 ح 929 بلفظ: (و الولد ينزل).

قال في مفتاح الكرامة- بعد ذكره لصيغة الرواية عند المصنف- 1: 495: و في التهذيب و كثير من كتب الاستدلال تركها- أي لفظة: لا- في الشق الأخير.

23

و لا ينافيه خبر عبد اللّٰه العنبري عنه (عليه السلام): «لا يدفن ابنه، و لا بأس بدفن الابن أباه» (1) لأنّ المكروه لا بأس به، و هو مشعر بأنّ الكراهة في جانب الأب الدافن أشدّ.

و علّل الأصحاب كراهة نزول الرحم بالقسوة. و قد روى عبيد بن زرارة أنّ الصادق (عليه السلام) رأى والدا يطرح على ابنه التراب، فأخذ بكفّيه و قال: «لا تطرح عليه التراب، و من كان منه ذا رحم فلا يطرح عليه التراب». ثمّ قال: «أنهاكم أن تطرحوا التراب على ذوي الأرحام، فإنّ ذلك يورث القسوة في القلب، و من قسا قلبه بعد من ربّه» (2).

فرع:

الزوج أولى من المحرم بالمرأة، لما تقدم في الصلاة. و لو تعذّر فامرأة صالحة، ثم أجنبي صالح، و إن كان شيخا فهو أولى، قاله في التذكرة (3). يدخل يده من قبل كتفيها، و آخر يدخل يده تحت حقويها، قاله ابن حمزة (4).

التاسعة: يكره فرش القبر بساج أو غيره،

إلّا لضرورة كنداوة القبر، لمكاتبة علي بن بلال إليه: ربّما مات عندنا الميت فتكون الأرض ندية، فنفرش القبر بالساج، أو نطيّن عليه؟ فكتب: «ذلك جائز» (5) و الظاهر أنّه الإمام مع الاعتضاد بفتوى الأصحاب (6).

____________

(1) الكافي 3: 194 ح 8، التهذيب 1: 320 ح 930.

(2) الكافي 1: 199 ح 5، علل الشرائع: 304، التهذيب 1: 319 ح 928.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 52.

(4) الوسيلة: 68.

(5) الكافي 3: 197 ح 1، التهذيب 1: 456 ح 1488.

(6) راجع: المبسوط 1: 187، المهذب 1: 65، الوسيلة: 69، المعتبر 1: 304، نهاية الإحكام 2: 283.

24

أمّا وضع الفرش عليه و المخدة فلا نصّ فيه. نعم، روى ابن عبّاس من طريقهم أنّه جعل في قبر النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) قطيفة حمراء (1). و الترك أولى، لأنّه إتلاف للمال فيتوقّف على اذن، و لم يثبت.

و قال ابن الجنيد: لا بأس بالوطاء في القبر، و إطباق اللحد بالساج.

العاشرة:

اختلفت عبارة الأصحاب في تغشية القبر بثوب عند إنزال الميت.

ففي الخلاف: نعم، محتجّا بالإجماع على جوازه، و الاحتياط على استعماله (2) و لرواية جعفر بن كلاب عن الصادق (عليه السلام): «يغشّى قبر المرأة بالثوب، و لا يغشّى قبر الرجل»، قال: «و قد مدّ على قبر سعد بن معاذ ثوب، و النبي (عليه السلام) شاهد فلم ينكر ذلك» (3). و هو يدل على أهمّية تغطية الثوب للمرأة و على إباحته للرجل، و لما ذكر في خبر ابن أبي عمير السالف: حتى يمدّ الثوب على رأس من في القبر (4). فإنّه كما يجوز حمله على الإمكان يجوز حمله على الوقوع، و لأنّه أنسب بستر الميت لما يخشى من حدوث حادث فيه، و أقلّه بدو شيء ممّا ينبغي ستره عند حلّ العقد.

و قال المفيد- في أحكام النساء- و ابن الجنيد: يجلّل قبر المرأة الى أن يغشى باللبن دون الرّجل (5) لمناسبته للستر، و لما روي أنّ عليا (عليه السلام) مرّ بقوم دفنوا ميتا و بسطوا على قبره الثوب، فجذبه و قال: «إنّما يصنع هذا بالنساء» (6)، و هو الذي ارتضاه في المعتبر (7).

____________

(1) مسند أحمد 1: 328، صحيح مسلم 2: 665 ح 967، الجامع الصحيح 3: 365 ح 1048، سنن النسائي 4: 81.

(2) الخلاف 1: 728 المسألة: 552.

(3) التهذيب 1: 464 ح 1519.

(4) تقدم في ص 14 الهامش 3.

(5) حكاه عن المفيد ابن إدريس في السرائر: 34، و العلامة في مختلف الشيعة: 121 عن بعض نسخ احكام النساء، و النسخة التي تحت أيدينا خالية منه.

(6) السنن الكبرى 4: 54.

(7) المعتبر 1: 335.

25

و ابن إدريس أنكر استحباب التغشية في الرّجل، و أحال المرأة على ثبوت ذلك بنص (1).

قلنا: ما ذكر كاف في هذا المطلوب.

الحادية عشر: يستحبّ الخروج من قبل الرجلين،

لخبر عمار عن الصادق (عليه السلام): «لكل شيء باب، و باب القبر ممّا يلي الرجلين» (2). و مثله رواية الأصحاب عن جبير بن نفير الحضرمي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) (3).

و روى السكوني عن الباقر (عليه السلام) عن أبيه: «من دخل القبر، فلا يخرج منه إلّا من قبل الرّجلين» (4).

و الظاهر انّ هذا النهي أو النفي للكراهية.

و وافق ابن الجنيد(رحمه اللّٰه) في الرجل، و قال في المرأة: يخرج من عند رأسها (5) لإنزالها عرضا، أو للبعد عن العورة، و الأحاديث مطلقة.

الثانية عشرة: يستحبّ إهالة الحاضرين عليه التراب بظهور الأكف،

لخبر محمد بن الأصبغ عن بعض أصحابنا، قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام).

و هو في جنازة فحثى التراب على القبر بظهور كفيه (6).

و أقلّه ثلاث حثيات باليدين جميعا، لفعل النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) ذلك (7)، و في خبر محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام): انه حثا على ميت ممّا

____________

(1) السرائر: 34.

(2) التهذيب 1: 316 ح 919.

(3) التهذيب 1: 316 ح 918.

(4) الكافي 3: 193 ح 4 عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و في التهذيب 1: 316 ح 917 عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام).

(5) مختلف الشيعة: 121.

(6) التهذيب 1: 318 ح 925، عن احمد بن محمد الأصبغ.

(7) السنن الكبرى 3: 410.

26

يلي رأسه ثلاثا بكفّيه (1).

و ليدع بما دعا به الباقر (عليه السلام)- في هذه الرواية- باسطا كفّيه على القبر: «اللّهم جاف الأرض عن جنبه، و صعّد إليك روحه، و لقّه منك رضوانا، و أسكن قبره من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك» (2).

أو يدعو بما رواه السكوني بسند الخبر الأول الى علي (عليه السلام):

«سمعت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) يقول: من حثا على ميت و قال: إيمانا بك، و تصديقا بنبيّك، هذا ما وعد اللّٰه و رسوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) أعطاه اللّٰه بكل ذرّة حسنة» (3).

و ليقولوا: إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ.

قال الأصحاب: و لا يهيل ذو الرّحم (4) لما مرّ.

و يرفع القبر عن الأرض مقدار أربع أصابع مفرجات لا أكثر من ذلك، قاله المفيد (5). و ابن زهرة خيّر بينها و بين شبر (6).

و في خبر محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «و يلزق القبر بالأرض، إلّا قدر أربع أصابع مفرجات، و يربّع قبره» (7).

و في خبر سماعة عن الصادق (عليه السلام): «يرفع من الأرض قدر أربع أصابع مضمومة، و ينضح عليه الماء» (8). و عليها ابن أبي عقيل.

و في خبر حماد بن عثمان عنه (عليه السلام): انّ أباه (عليه السلام) أمر أن

____________

(1) الكافي 3: 198 ح 3، التهذيب 1: 319 ح 927.

(2) الكافي 3: 198 ح 3، التهذيب 1: 319 ح 927.

(3) الكافي 3: 198 ح 2، التهذيب 1: 319 ح 926.

(4) راجع: المقنعة: 12، المبسوط 1: 187، المعتبر 1: 300.

(5) المقنعة: 12.

(6) الغنية: 502.

(7) الكافي 3: 195 ح 3، التهذيب 1: 315 ح 916، 458 ح 1494.

(8) الكافي 3: 199 ح 2، التهذيب 1: 320 ح 932.

27

يرفع قبره أربع أصابع، و أن يرشّه بالماء (1).

و في خبر عبيد اللّٰه الحلبي و محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام):

«أمرني أبي أن أجعل ارتفاع قبره أربع أصابع مفرجات، و ذكر أنّ الرشّ بالماء حسن» (2).

قلت: اختلاف الرواية دليل التخيير. و ما رووه عن جابر: أنّ قبر النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) رفع قدر شبر (3) و رويناه عن إبراهيم بن علي عن الصادق (عليه السلام) أيضا (4) يقارب التفريج. و لما كان المقصود من رفع القبر أن يعرف ليزار و يحترم كان مسمّى الرفع كافيا، و ابن البراج: شبر أو أربع أصابع (5).

و رشّ الماء عليه مستحب، لما مر. و صورته ما رواه موسى بن أكيل- بضم الهمزة و فتح الكاف- عن الصادق (عليه السلام): «السنّة في رشّ الماء على القبر أن تستقبل القبلة و تبدأ من عند الرأس إلى الرجلين، ثمّ تدور على القبر من الجانب الآخر، ثمّ ترشّ على وسط القبر» (6). و ليكن متصلا الى أن يرجع الى الرأس، قاله الصّدوق (7).

الثالثة عشرة: يستحبّ تربيع القبر،

لما سلف من خبر محمد بن مسلم (8).

و ليكن مسطّحا بإجماعنا- نقله الشيخ (9)- لأنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) سطح قبر ابنه إبراهيم (10) و قال القاسم بن محمد: رأيت قبر النبي (صلّى اللّٰه عليه

____________

(1) الكافي 3: 200 ح 5، التهذيب 1: 320 ح 933.

(2) التهذيب 1: 321 ح 934.

(3) السنن الكبرى 3: 410.

(4) التهذيب 1: 496 ح 1538.

(5) المهذب 1: 63.

(6) التهذيب 1: 320 ح 931.

(7) الفقيه 1: 109، الهداية: 28.

(8) تقدم في ص 26 الهامش 7.

(9) الخلاف 1: 706 المسألة: 505.

(10) الام 1: 273، مختصر المزني: 37، الخلاف 1: 706، المعتبر 1: 302.

28

و آله) و القبرين عنده مسطّحة لا مشرفة، و لا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء (1) و لأنّ التربيع يدلّ على التسطيح، و لأنّ قبور المهاجرين و الأنصار بالمدينة مسطحة و هو يدلّ على أنّه أمر متعارف.

و احتجّ الشيخ أيضا في الخلاف بما رواه أبو الهياج، قال قال علي (عليه السلام): «أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): لا ترى قبرا مشرفا إلّا سوّيته، و لا تمثالا إلّا طمسته» (2) و فيه أيضا دلالة على عدم رفعه كثيرا.

و في خبر زرارة و جابر عن الباقر (عليه السلام): «و سوّي قبره» (3). «و سوّي عليه» (4) دليل على التسطيح.

الرابعة عشرة: لا يطرح في القبر من غير ترابه،

و نقل فيه في التذكرة الإجماع (5) لنهي النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أن يزاد في القبر على حفيرته، و قال:

«لا يجعل في القبر من التراب أكثر ممّا خرج منه» رواه عقبة بن عامر (6) رويناه عن السكوني عن الصادق (عليه السلام): «أنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) نهى أن يزاد على القبر تراب لم يخرج منه» (7).

و في الفقيه: قال الصادق (عليه السلام): «كلّ ما جعل على القبر من غير تراب القبر، فهو ثقل على الميت» (8).

____________

(1) سنن أبي داود 3: 215 ح 3220، مسند أبي يعلى 8: 53 ح 4571، المستدرك على الصحيحين 1: 369، السنن الكبرى 4: 3.

(2) الخلاف 1: 707 المسألة: 505.

و الرواية في: صحيح مسلم 2: 666 ح 969، سنن أبي داود 3: 215 ح 3218، الجامع الصحيح 3: 366 ح 1049، السنن الكبرى 4: 3.

(3) التهذيب 1: 457 ح 1490.

(4) التهذيب 1: 459 ح 1496.

(5) تذكرة الفقهاء 1: 53.

(6) السنن الكبرى 3: 410.

(7) الكافي 3: 202 ح 4، التهذيب 1: 460 ح 1500.

(8) الفقيه 1: 120 ح 576.

29

و ابن الجنيد: لا يزاد من غير ترابه وقت الدفن، و لا بأس بذلك بعد الدفن.

و عن السكوني عن الصادق (عليه السلام): «لا تطيّنوا القبر من غير طينه» (1).

و يستحبّ كثرة الدعاء له و الاستغفار في كلّ حال، و يسأل اللّٰه تثبيته عند الفراغ من دفنه.

الخامسة عشرة:

يستحبّ أن يوضع عند رأسه حجر أو خشبة علامة، ليزار و يترحّم عليه، كما فعل النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، حيث أمر رجلا بحمل صخرة ليعلم بها قبر عثمان بن مظعون، فعجز الرجل فحسر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن ذراعيه، فوضعها عند رأسه، و قال: «اعلم بها قبر أخي، و أدفن اليه من مات من أهله» (2).

و روينا عن يونس بن يعقوب، قال: لما رجع الكاظم (عليه السلام) من بغداد إلى المدينة ماتت ابنة له في رجوعه بفيد (3) فأمر بعض مواليه أن يجصّص قبرها، و يكتب على لوح اسمها و يجعله في القبر (4).

و قال ابن الجنيد: لا بأس أن يوضع عليه الحصا و الصندوق و العلامة.

و في رواية علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «لا يصلح البناء على القبر، و لا الجلوس، و لا تجصيصه، و لا تطيينه» (5).

فيمكن الجمع بحمل المطلق هنا على المقيّد في خبر السكوني، و حمل التجصيص المكروه على ما كان بعد اندراسه لا ما وقع ابتداء، كما قاله الشيخ

____________

(1) الكافي 3: 201 ح 1، التهذيب 1: 460 ح 1499.

(2) سنن أبي داود 3: 212 ح 3206، السنن الكبرى 3: 412.

(3) فيد: بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة، معجم البلدان 1: 282.

(4) الكافي 3: 202 ح 3، التهذيب 1: 461 ح 1501، الاستبصار 1: 217 ح 767.

(5) التهذيب 1: 461 ح 1503، الاستبصار 1: 217 ح 767.

30

(رحمه اللّٰه) (1).

و في المعتبر قوى الكراهية مطلقا، و حمل خبر يونس على الجواز (2).

و روى العامة: «ان الميت لا يزال يسمع الأذان ما لم يطيّن قبره» (3) و فيه دلالة على إباحة الكتابة على القبر، و قد روي فيه نهي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) من طريق العامة (4) و لو صحّ حمل على الكراهة لأنّه من زينة الدنيا.

السادسة عشرة: يستحب وضع الحصباء عليه، لما مرّ، و لما روي أنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) فعله بقبر إبراهيم ولده (5) و لخبر ابان عن بعض أصحابه، عن الصادق (عليه السلام)، قال: «قبر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) محصب حصباء حمراء» (6).

السابعة عشرة:

يستحب ما رواه زرارة عن الباقر (عليه السلام): «فإذا حثي عليه التراب و سوّي قبره، فضع كفك على قبره عند رأسه، و فرّج أصابعك، و اغمز كفك عليه بعد ما ينضح بالماء» (7) و ليقل ما مرّ في خبر محمد بن مسلم عنه (عليه السلام) (8).

و قال الصدوق: متى زار قبره دعا به مستقبل القبلة (9) و على ذلك عمل الأصحاب

____________

(1) المبسوط 1: 187.

(2) المعتبر 1: 305.

(3) الفردوس بمأثور الخطاب 5: 98 ح 7587، الدعوات للراوندي: 276 ح 797.

(4) سنن ابن ماجة 1: 498 ح 1563، سنن النسائي 4: 86، المستدرك على الصحيحين 1:

370.

(5) السنن الكبرى 3: 411.

(6) الكافي 3: 201 ح 2، التهذيب 1: 461 ح 1502.

(7) التهذيب 1: 457 ح 1490.

(8) تقدم في ص 26 الهامش 2.

(9) الهداية: 28. لم نعثر عليه في كتبه ما عدا الهداية، و فيها: «من يزور القبر يستقبل القبلة».

31

و قد روى إسحاق بن عمار، قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام): انّ أصحابنا يصنعون شيئا إذا حضروا الجنازة و دفن الميت، لم يرجعوا حتى يمسحوا أيديهم على القبر، أ فسنّة ذلك أم بدعة؟ فقال: «ذلك واجب على من لم يحضر الصلاة عليه» (1) و بسند آخر عن محمد بن إسحاق عن الصادق (عليه السلام):

«إنّما ذلك لمن لم يدرك الصلاة عليه، فامّا من أدرك الصلاة فلا» (2).

و روى زرارة- في الحسن- عن الباقر (عليه السلام): «كان رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئا لا يصنعه بأحد من المسلمين، كان إذا صلّى على الهاشمي و نضح قبره بالماء، وضع (صلّى اللّٰه عليه و آله) كفه على القبر حتى ترى أصابعه في الطين، فكان الغريب يقدم أو المسافر فيرى القبر الجديد عليه أثر كفّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فيقول: من مات من آل محمد (صلّى اللّٰه عليه و آله)» (3).

و ليس في هاتين مخالفة للأول، لأنّ الوجوب على من لم يحضر الصلاة لا ينافي الاستحباب لغيره، و المراد به انّه يستحبّ مؤكدا لغير الحاضر للصلاة، و لهذا لم يذكر الوجوب في الخبر الآخر، فهو و ان كان مستحبا للحاضر لكنه غير مؤكد، و إخبار الراوي عن عمل الأصحاب حجّة في نفسه، و تقرير الإمام عليه يؤكّده، و فعل النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) حجّة فليتأس به، و تخصيص بني هاشم لكرامتهم عليه.

و قد روى عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه، قال: سألت الصادق (عليه السلام) كيف أضع يدي على قبور المسلمين؟ فأشار بيده الى الأرض فوضعها عليه و هو مقابل القبلة (4) و هذا يشمل حالة الدفن و غيره.

____________

(1) التهذيب 1: 462 ح 1506.

(2) التهذيب 1: 467 ح 1532، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).

(3) الكافي 3: 200 ح 4، التهذيب 1: 460 ح 1498.

(4) الكافي 3: 200 ح 3، التهذيب 1: 462 ح 1508.

32

الثامنة عشرة:

أجمع الأصحاب على تلقين الولي أو من يأمره الميت (1) بعد انصراف الناس عنه. و قد رواه العامة عن أبي أمامة الباهلي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، قال: «إذا مات أحدكم و سوّيتم عليه التراب، فليقم أحدكم عند رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمع و لا يجيب. ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فيستوي قاعدا فإنّه يقول: أرشدنا يرحمك اللّٰه. فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة ان لا إله إلّا اللّٰه، و انّ محمدا عبده و رسوله، و انك رضيت باللّه ربا، و بالإسلام دينا، و بمحمد نبيا، و بالقرآن إماما، فإن منكرا و نكيرا يتأخر كل واحد منهما، فيقول: انطلق فما يقعدنا عند هذا و قد لقّن حجّته»:

قال يا رسول اللّٰه: فان لم نعرف اسم امّه؟ قال: «انسبه الى حواء» (2).

و روينا عن يحيى بن عبد اللّٰه- بعدّة طرق- قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: «ما على أهل الميت منكم أن يدرءوا عن ميتهم لقاء منكر و نكير».

قلت: كيف نصنع؟ قال: «إذا أفرد الميت، فليتخلّف عنده أولى الناس به، فيضع فمه عند رأسه، و ينادي بأعلى صوته، يا فلان بن فلان أو يا فلانة بنت فلان هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه، من شهادة ان لا إله إلّا اللّٰه وحده لا شريك له، و أنّ محمدا عبده و رسوله سيد النبيين، و انّ عليا أمير المؤمنين و سيد الوصيين، و ان ما جاء به محمد حق، و ان الموت حق، و البعث حق، و ان اللّٰه يبعث من في القبور. قال: فيقول منكر لنكير: انصرف بنا عن هذا فقد لقّن حجّته» (3).

و عن جابر عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «ما على أحدكم إذا دفن ميّته، و سوّى عليه و انصرف عن قبره أن يتخلّف عند قبره، ثمّ يقول: يا فلان ابن فلان أنت على العهد الذي عهدناك به، من شهادة انّ لا إله إلّا اللّٰه، و ان

____________

(1) في س، ط: الولي.

(2) مجمع الزوائد 2: 324، تلخيص الحبير 5: 243، كنز العمال 15: 604 عن الطبراني و ابن عساكر و الديلمي.

(3) الكافي 3: 201 ح 11، الفقيه 1: 109 ح 501، التهذيب 1: 321 ح 935.

33

محمدا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و ان عليا أمير المؤمنين إمامك، و فلان و فلان حتى تأتي على آخرهم، فإنه إذا فعل ذلك قال أحد الملكين لصاحبه: قد كفينا الدخول عليه و مسألتنا إيّاه فإنّه قد لقّن، فينصرفان عنه و لا يدخلان عليه» (1).

فرع:

لم يتعرض الشيخان و الخبران لكيفية الوقوف.

و قد قال ابن إدريس: انّ الملقّن يستقبل القبلة و القبر (2).

و قال ابن البراج (3). و ابن إدريس (4) و الشيخ يحيى (5): يستدبر القبلة و القبر أمامه.

و كلاهما جائز، لإطلاق الخبر الشامل لذلك، و لمطلق النداء عند الرأس على أي وضع كان المنادي.

قال ابن البراج: و مع التقيّة يقول ذلك سرا (6).

تنبيه:

نقل الشيخ المحقق عن الفقهاء الأربعة إنكار التلقين (7). و قال الشيخ

____________

(1) التهذيب 1: 459 ح 1496.

(2) السرائر: 33.

(3) المهذب 1: 64.

(4) تقدم قول ابن إدريس في الهامش 2 بما يخالف هذا، و الظاهر ان ذكره هنا سهو، و المراد منه أبو الصلاح الحلبي كما في كتابه الكافي في الفقه: 239، و كما نسبه اليه ابن إدريس في السرائر: 33.

راجع: الحدائق الناضرة 4: 129، مفتاح الكرامة 1: 501.

(5) الجامع للشرائع: 55.

(6) المهذب 1: 64.

(7) المعتبر 1: 303.

34

الفاضل: خلافا للجمهور (1).

و قد قال الرافعي- من الشافعية-: يستحبّ أن يلقّن الميت بعد الدفن، فيقال: يا عبد اللّٰه بن أمة اللّٰه، اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة ان لا إله إلّا اللّٰه، و ان محمدا رسول اللّٰه، و ان الجنّة حق، و انّ النار حق، و ان الساعة آتية لا ريب فيها، و ان اللّٰه يبعث من في القبور، و أنك رضيت باللّه ربا، و بالإسلام دينا، و بمحمد نبيا، و بالقرآن إماما، و بالكعبة قبلة، و بالمؤمنين إخوانا. قال: ورد الخبر به عن النبي ((صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)) (2).

و قال صاحب الروضة (3): هذا التلقين استحبه جماعة من أصحابنا، منهم:

القاضي حسين، و صاحب التتمة، و نصر المقدسي في كتابه التهذيب و غيرهم، و نقله القاضي حسين عن أصحابنا مطلقا. و الحديث الوارد فيه ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم، و قد اعتضد بشواهد من الأحاديث الصحيحة، كحديث: «اسألوا اللّٰه له التثبيت»، و وصية عمرو بن العاص: أقيموا عند قبري قدر ما ينحر جزور. قال: و لم يزل أهل الشام على العمل بهذا التلقين من العصر الأول و في زمن من يقتدى به. قال: قال أصحابنا:

و يقعد الملقّن عند رأس القبر، و الطفل لا يلقّن (4).

قلت: و لا ينافي هذا صحة نقل الفاضلين، لأنّ المنقول انّما هو عن أصحاب الشافعي لا عن نفسه.

و اما الطفل، فظاهر التعليل يشعر بعدم تلقينه، و يمكن أن يقال يلقّن، إقامة للشعار و خصوصا المميز، و كما في الجريدتين.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 53.

(2) فتح العزيز 5: 242.

(3) الروضة في الفروع- روضة الطالبين و عمدة المتقين- لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، المتوفّى سنة 676، و قد اختصره من شرح الوجيز للرافعي- لاحظ. كشف الظنون 1: 929.

(4) أورده- و باختلاف يسير- النووي في مصنف آخر، هو المجموع 5: 304. و الحديث النبوي في:

سنن أبي داود 3: 315 ح 3221، المستدرك على الصحيحين 1: 370 و وصية عمرو في صحيح مسلم 1: 112 ح 121.

35

المطلب الثالث: في التوابع

، و فيه ثمانية مباحث.

الأول: في الأحكام،

و فيه مسائل:

الأولى:

لو اجتمع أموات، و لم يمكن الجمع بين تجهيزهم في وقت واحد، بدئ بمن يخشى فساده. فلو تساووا في ذلك، أو في عدم الفساد، قال الشيخ: يقدّم الأب، ثم الابن و ابن الابن، ثم الجد. و ان كان أخوان في درجة واحدة قدم أسنهما، و ان تساويا أقرع بينهما، و ان كان أحدهما أقوى سببا قدّم. و الزوجتان تقدّم أسنّهما، فان تساوتا أقرع بينهما (1).

قال المحقق: لست أعرف وجه ما ذكره مع التساوي، إذ ليس هنا إشكال فيخرج بالقرعة، و الأقرب: تخيير الولي في البدأة (2).

قلت: لا ريب ان التعجيل مستحب (كما مر، فالمعجّل مرجّح في هذا الاستحباب) (3) فيحتاج الى مرجّح. و تخيير الولي لا شك في جوازه، و انما الكلام في تخصيص الولي أحد المتساويين بالاستحباب، هل هو مستند الى اختياره أو هو مرجّح بما جعله الشارع مرجّحا؟ فيمكن الترجيح بخصال دينية أو بالذكورية، كما سبق. و يمكن القرعة، لإطلاق الأخبار في استعمالها عند الاشتباه. و مع التساوي في المرجحات فالقرعة، لأن ترجيح اللّٰه تعالى أولى من ترجيح الولي.

و الظاهر: ان هذا كلّه على سبيل الاستحباب إلّا مع خشية الفساد، لأنّ الغرض التجهيز و هو يحصل، و لم يفت الا التعجيل و هو مستحب.

الثانية:

المشهور كراهة البناء على القبر و اتخاذه مسجدا، و كذا يكره القعود على القبر. و في المبسوط نقل الإجماع على كراهة البناء عليه (4). و في النهاية: يكره

____________

(1) المبسوط 1: 176.

(2) المعتبر 1: 346.

(3) العبارة ساقطة من س.

(4) المبسوط 1: 187.

36

تجصيص القبور و تظليلها (1).

و كذا يكره المقام عندها، لما فيه من إظهار السخط لقضاء اللّٰه، أو الاشتغال عن مصالح المعاد و المعاش، أو لسقوط الاتعاظ بها.

و قد روى يونس بن ظبيان عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه، قال:

«نهى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) ان يصلّى على قبر، أو يقعد عليه، أو يبنى عليه» (2).

و في صحاح العامة عن جابر: نهى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) ان يجصّص القبر، أو أن يبنى عليه، و أن يقعد عليه (3).

و قال (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لا تجلسوا على القبور، و لا تصلّوا إليها» (4).

و خبر علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «لا يصلح البناء عليه، و لا الجلوس» (5) و ظاهره الكراهية، فيحمل النهي الأول و غيره عليها، كما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنّه قال: «لا تبنوا على القبور، و لا تصوّروا سقوف البيوت»، رواه جراح المدائني، عن الصادق (عليه السلام) عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) (6).

و عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لان يجلس أحدكم على جمر، فتحرق ثيابه فتصل النار الى بدنه، أحبّ إليّ من أن يجلس على قبر» (7) و هو في صحيح مسلم بنحو هذه العبارة (8). و هذا مبالغة في الزجر عن ذلك لاحترام القبر، «فإنّ

____________

(1) النهاية: 44.

(2) المقنع: 21، التهذيب 1: 461 ح 1504 و 3: 201 ح 469، الاستبصار 1: 482 ح 1869.

(3) صحيح مسلم 2: 667 ح 970، الجامع الصحيح 3: 368 ح 1052، سنن النسائي 4: 87.

(4) صحيح مسلم 2: 668 ح 972، سنن أبي داود 3: 217 ح 3229، السنن الكبرى 4: 79.

(5) التهذيب 1: 461 ح 1503، الاستبصار 1: 217 ح 767.

(6) المحاسن 612، التهذيب 1: 461 ح 1505.

(7) مسند أحمد 4: 79، سنن ابن ماجة 1: 499 ح 1566، سنن أبي داود 3: 217 ح 3228، سنن النسائي 4: 95، السنن الكبرى 4: 79.

(8) صحيح مسلم 2: 667 ح 971.

37

حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا» (1) كما سبق.

و زاد الشيخ في الخلاف: كراهة الاتكاء عليه و المشي (2)، و نقله في المعتبر عن العلماء (3). و قد نقل الصدوق في الفقيه عن الكاظم (عليه السلام): «إذا دخلت المقابر فطأ القبور، فمن كان مؤمنا استروح الى ذلك، و من كان منافقا وجد ألمه» (4). و يمكن حمله على القاصد زيارتهم بحيث لا يتوصل الى قبر إلّا بالمشي على آخر، أو يقال: تختصّ الكراهية بالقعود لما فيه من اللبث المنافي للتعظيم.

و روى الصدوق عن سماعة، انّه سأله (عليه السلام) عن زيارة القبور و بناء المساجد فيها، قال: «زيارة القبور لا بأس بها، و لا يبنى عندها مساجد» (5).

قال الصدوق: و قال النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لا تتخذوا قبري قبلة، و لا مسجدا، فان اللّٰه تعالى لعن اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (6).

قلت: هذه الأخبار رواها الصدوق و الشيخان و جماعة المتأخّرين في كتبهم، و لم يستثنوا قبرا، و لا ريب انّ الإمامية مطبقة على مخالفة قضيتين من هذه: إحداهما البناء، و الأخرى الصلاة، و تانك ما في المشاهد المقدسة. فيمكن القدح في هذه الأخبار لأنها آحاد، و بعضها ضعيف الاسناد، و قد عارضها أخبار أشهر منها، و قال ابن الجنيد: لا بأس بالبناء عليه، و ضرب الفسطاط يصونه و من يزوره (7). أو تخصّص هذه العمومات بإجماعهم في عهود كانت الأئمة ظاهرة فيهم و بعدهم من غير نكير، و بالأخبار الدالة على تعظيم قبورهم و عمارتها و أفضلية الصلاة عندها، و هي كثيرة منها:

____________

(1) التهذيب 1: 419 ح 1324، 465 ح 1522.

(2) الخلاف 1: 707 المسألة 507، المبسوط 1: 188.

(3) المعتبر 1: 305.

(4) الفقيه 1: 115 ح 539.

(5) الكافي 3: 288 ح 2، الفقيه 1: 114 ح 531.

(6) الفقيه 1: 114 ح 532.

(7) مختلف الشيعة: 122.

38

ما رواه الشيخ في التهذيب عن عامر البناني، عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه، عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، انه قال لعلي (عليه السلام): «يا أبا الحسن انّ اللّٰه جعل قبرك و قبر ولدك بقاعا من بقاع الجنة، و عرصة من عرصاتها.

و انّ اللّٰه جعل قلوب نجباء من خلقه، و صفوة من عباده تحنّ إليكم، و تحتمل المذلّة و الأذى فيكم، فيعمرون قبوركم و يكثرون زيارتها، تقرّبا منهم الى اللّٰه، و مودّة منهم لرسوله، أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي، و الواردون حوضي، و هم زوّاري (1) غدا في الجنة.

يا علي، من عمر قبوركم و تعاهدها فكأنّما أعان سليمان على بناء بيت المقدس، و من زار قبوركم عدل له ثواب سبعين حجّة بعد حجّة الإسلام، و خرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمّه، فأبشر و بشّر أوليائك و محبيك من النعيم و قرّة العين بما لا عين رأت، و لا اذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر.

و لكن حثالة من الناس يعيّرون زوّار قبوركم بزيارتكم كما تعيّر الزانية بزناها، أولئك شرار أمتي لا تنالهم شفاعتي و لا يردون حوضي» (2). و قد روى كثيرا من أهل (3) الحديث، و ذكر تعيير الحثالة الحافظ ابن عساكر من علماء العامة (4).

قال المفيد(رحمه اللّٰه): و قد روي انّه لا بأس بالصلاة إلى قبلة فيها قبر إمام، و يصلّي الزائر ممّا يلي رأس الامام، و هو أفضل (5).

و قال الشيخ: و قد روي جواز الصلاة الى قبور الأئمة (عليهم السلام)، خاصة في النوافل (6).

____________

(1) في المصدر زيادة: «و جيراني».

(2) التهذيب 6: 107 ح 189.

(3) في «م» و «س»: أهل.

(4) انظر: 111- 112 من هذا الجزء.

(5) المقنعة: 25.

(6) المبسوط 1: 85.

39

قلت: الذي رواه في التهذيب بإسناده الى محمد بن عبد اللّٰه الحميري، قال: كتبت الى الفقيه أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة، هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ و هل يجوز للمصلّي أن يقوم وراء القبر و يجعله قبلة؟ فأجاب: «أمّا السجود على القبر فلا يجوز في نافلة، و لا فريضة، و لا زيارة، و لكن يضع خدّه الأيمن على القبر. و أمّا الصلاة فإنّها خلفه، و لا يجوز أن يصلّي بين يديه، لأنّ الإمام لا يتقدّم، و يصلّى عن يمينه و شماله» (1).

و قد روى المفيد عن ابن قولويه، بسنده الى ابن أبي عمير، عمن روى عن الباقر (عليه السلام): «انّ الصلاة الفريضة عند قبر الحسين تعدل عمرة» (2).

و بسنده الى أبي علي الحراني، عن الصادق (عليه السلام): «من أتاه وزارة، و صلّى عنده ركعتين أو أربع ركعات، كتبت له حجّة و عمرة». قال: و كذلك لكلّ من أتى قبر إمام مفترض الطاعة، قال: «نعم» (3).

و بسنده الى شعيب العقرقوفي، عن الصادق (عليه السلام): «ما صلّى عنده أحد صلاة إلّا قبلها اللّٰه منه، و لا دعا عنده أحد دعوة إلّا استجيبت له عاجلة و آجلة» (4).

و الأخبار في ذلك كثيرة، و مع ذلك فقبر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) مبنيّ عليه في أكثر الأعصار، و لم ينقل عن أحد من السلف إنكاره بل جعلوه أنسب لتعظيمه. و أمّا اتخاذ القبور مسجدا، فقد قيل هو لمن يصلّي فيه جماعة، أمّا فرادى فلا.

الثالثة:

روى الأصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «من حدّد قبرا، أو مثّل مثالا، فقد خرج من الإسلام» (5).

____________

(1) التهذيب 2: 228 ح 898.

(2) المزار للمفيد 116 ح 1.

(3) المزار للمفيد 117 ح 3.

(4) المزار للمفيد 118 ح 4.

(5) المحاسن: 612، الفقيه 1: 120 ح 579، التهذيب 1: 459 ح 1497.

40

و قد نقل الصدوق في الفقيه اختلافا في لفظه: فعن محمد بن الحسن الصفار: جدد- بالجيم- فحكى ابن الوليد عنه: عدم جواز تجديده و تطيين جميعه بعد مرور الأيام عليه، و يجوز ابتداء، و يجوز الرم من غير تجديد. و عن سعد بن عبد اللّٰه: حدّد- بالحاء المهملة- أي سنّم قبرا. و عن أحمد بن أبي عبد اللّٰه البرقي:

جدّث- بالثاء المثلثة أخيرا. قال الصدوق (رحمه اللّٰه): الجدث: القبر، و لا ندري ما عني به.

و الذي أذهب اليه أنّه جدّد- بالجيم- و معناه: نبش قبرا، لأنّ من نبش قبرا فقد جدّده، أو أحوج إلى تجديده. و أقول: انّ المعاني الثلاثة في الحديث، و انّ من خالف الإمام في التجديد و التسنيم و النبش و استحلّ شيئا من ذلك فقد خرج من الإسلام (1).

قال: و معنى مثّل مثالا: أبدع بدعة دعا إليها، و وضع دينا. ثم قال: فإن أصبت فمن اللّٰه على ألسنتهم، و ان أخطأت فمن عند نفسي (2).

و نقل الشيخ في التهذيب عن شيخه المفيد: خدّد- بالخاء المعجمة و الدالين- من قوله تعالى قُتِلَ أَصْحٰابُ الْأُخْدُودِ. و الخدّ هو: الشق، فالمعنى: شقّ القبر ليدفن فيه، أو على جهة النبش. قال: و يمكن أنّ معنى جدث: جعل القبر دفعة اخرى قبرا لآخر، لأنّ الجدث: القبر، فيؤخذ الفعل منه، و الكلّ محتمل، و اللّٰه أعلم بالمراد و الذي صدر الخبر عنه (عليه السلام) (3).

قلت: اشتغال هؤلاء الأفاضل بتحقيق هذه اللفظة، مؤذّن بصحة الحديث عندهم و ان كان طريقه ضعيفا، كما في أحاديث كثيرة اشتهرت و علم موردها و ان ضعف اسنادها، فلا يرد ما ذكره في المعتبر من ضعف محمد بن سنان و أبي الجارود

____________

(1) الفقيه 1: 121.

(2) الفقيه 1: 121.

(3) التهذيب 1: 459.

41

راوييه (1).

على انه قد ورد نحوه من طريق أبي الهياج السالف (2) و قد نقله الشيخ في الخلاف (3) و هو من صحاح العامة، و هو يعطي صحة الرواية بالحاء المهملة لدلالة الاشراف و التسوية عليه، و يعطي انّ المثال هنا هو التمثال هناك، و هو: الصورة، و قد ورد في النهي عن التصوير و في إزالة التصاوير أخبار مشهورة (4).

و اما الخروج من الإسلام بهذين، فاما على طريقة المبالغة زجرا عن الاقتحام على ذلك، و اما لأنّه فعل ذلك مخالفة للإمام (عليه السلام).

الرابعة: يكره الحدث بين القبور،

لتأذى المترحمين به، و لما روي ان النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) قال: «لا أبالي، أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق» (5).

و يكره الضحك بينها، قال الصدوق: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): «انّ اللّٰه تعالى كره لي ست خصال، فكرهتهن للأوصياء من بعدي و اتباعهم: العبث في الصلاة، و الرفث في الصوم، و المنّ بعد الصدقة، و إتيان المساجد جنبا، و التطلّع في الدور، و الضحك بين القبور» (6).

الخامسة: يجوز الدفن ليلا

، لما مرّ في الصلاة (7)، و قد فعله النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) بذي النجادين (8) و علي (عليه السلام) بفاطمة (9) و الحسنان بعلي (عليه

____________

(1) المعتبر 1: 304.

(2) تقدم في 28 الهامش 2.

(3) الخلاف 1: 707 المسألة 505.

(4) لاحظ: صحيح مسلم 2: 666 ح 969، سنن السنائي 4: 89، السنن الكبرى 4: 3.

(5) سنن ابن ماجة 1: 499 ح 1568.

(6) الفقيه 1: 120 ح 575، أمالي الصدوق: 60.

(7) تقدم في ص 413 الهامش 3.

(8) أخرجه ابن قدامة في المغني 2: 417 عن الخلال في الجامع.

(9) المصنف لعبد الرزاق 3: 521 ح 6553- 655، المصنف لابن أبي شيبة 3: 346.

42

السلام) (1) و الصحابة بالأولين (2) و بعائشة (3). و ما روي انّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) زجر عن الدفن ليلا إلّا لضرورة (4) لا يمنع الجواز، و غايته انّ النهار أفضل تكثيرا للمصلين و المترحّمين، و للتمكّن من اتباع السّنة في وظائفه نهارا.

السادسة:

أجمع العلماء على أنّه لا يجوز أن يدفن في مقبرة المسلمين كافر، لئلّا يتأذّى المسلمون بعذابهم، و لأنّها إن كانت وقفا ففيه إخراج له عن شرطه، و لأنّه أنسب بتعظيم المسلم، و قد سبق استثناء الحامل من مسلم (5).

فعلى هذا، لو دفن نبش ان كان في الوقف، و لا يبالي بالمثلة فإنه لا حرمة له. و لو كان في غيره، أمكن صرفا للأذى عن المسلمين، و لأنّه كالمدفون في الأرض المغصوبة.

____________

(1) ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر 3: 312 ح 1416، 1417.

(2) المصنف لعبد الرزاق 3: 510 ح 6553، المصنف لابن أبي شيبة: 3: 346، صحيح البخاري 2: 113.

(3) مختصر تأريخ دمشق لابن عساكر 2: 278، أسد الغابة 6: 192، تذكرة الفقهاء 1: 54.

(4) صحيح مسلم 2: 651 ح 943، سنن ابن ماجة 1: 487 ح 1521، سنن النسائي 4: 82.

(5) تقدم في ص: 9، المسألة الثانية.

43

البحث الثاني: في التعزية.

و هي تفعلة من العزاء، أي: الصبر، يقال: عزّيته فتعزّى، أي: صبّرته فتصبّر. و المراد بها طلب التسلّي عن المصاب، و التصبّر عن الحزن و الاكتئاب، بإسناد الأمر الى اللّٰه عزّ و جلّ و نسبته الى عدله و حكمته، و ذكر لقاء وعد اللّٰه على الصبر، مع الدعاء للميت و المصاب لتسليته عن مصيبته. و هي مستحبّة إجماعا، و لا كراهة فيها بعد الدفن عندنا، و الدفن خاتمة أمره لا أمر أهله.

و قد روى إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام)، قال: «ليس التعزية إلّا عند القبر ثم ينصرفون، لا يحدث في الميت حدث فيسمعون الصوت» (1)، و يظهر من كلام ابن البراج.

لنا: عموم قول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «من عزّى مصابا فله مثل أجره»، رواه العامّة (2) و رواه الكليني بزيادة: «من غير أن ينتقص من أجر المصاب شيء» عن وهب، عن الصادق (عليه السلام)، عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) (3).

و عنه (صلّى اللّٰه عليه و آله): «ما من مؤمن يعزّي أخاه بمصيبته إلّا كساه اللّٰه من حلل الكرامة» (4) رواه عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.

و روى الكليني، عن إسماعيل الجزري، عن الصادق (عليه السلام)، عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): «من عزّى حزينا كسي في الموقف حلّة يحبى بها» (5) و روي: «يحبر بها» (6) أي: يسر.

____________

(1) الكافي 3: 203 ح 1، التهذيب 1: 463 ح 1511.

(2) سنن ابن ماجة 1: 511 ح 1602، الجامع الصحيح 3: 385 ح 1073.

(3) قرب الاسناد: 25، الكافي 3: 205 ح 2، ثواب الأعمال: 236.

(4) سنن ابن ماجة 1: 511 ح 1601، السنن الكبرى 4: 59.

(5) الكافي 3: 226 ح 2، و فيه: عن إسماعيل الجوزي.

(6) الكافي 3: 205، ح 1، ثواب الأعمال: 235.

44

و قال (صلّى اللّٰه عليه و آله): «التعزية تورث الجنة» (1).

و قال هشام بن الحكم: رأيت الكاظم (عليه السلام) يعزّي قبل الدفن و بعده (2).

و خبر إسحاق ليس بصريح في كونه قبل الدفن، و لو سلّم حمل على تعزية خاصّة كأقلّ التعزية، كما قال الصادق (عليه السلام): «كفاك من التعزية أن يراك صاحب المصيبة» (3)، و لا تحمل على الأفضل، لأنّ ابن أبي عمير أرسل عن الصادق (عليه السلام): «التعزية لأهل المصيبة بعد ما يدفن» (4) و ظاهره: أنها الكاملة، و لأن ابن بابويه روى عنه (عليه السلام): «التعزية الواجبة بعد الدفن» (5). و من ثم حكم الشيخ بأفضليتها بعد الدفن (6) و تبعه الفاضلان (7)، لاشتغال المعزّى قبل دفنه بتجهيزه، و اشتداد جزعهم بعده بمفارقته.

و لا حدّ لزمانها، عملا بالعموم. نعم، لو أدّت التعزية إلى تجديد حزن قد نسي كان تركها أولى. و يمكن القول بثلاثة أيام، لنقل الصدوق عن أبي جعفر (عليه السلام): «يصنع للميت مأتم ثلاثة أيام من يوم مات» (8). و نقل عن الصادق (عليه السلام): «انّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أمر فاطمة (عليها السلام) أن تأتي أسماء بنت عميس و نساؤها، و ان تصنع لهم طعاما ثلاثة أيام، فجرت بذلك السنّة» (9).

____________

(1) ثواب الأعمال: 235.

(2) الكافي 3: 205 ح 9، الفقيه 1: 110 ح 503، التهذيب 1: 463 ح 1516، الاستبصار 1:

217 ح 769.

(3) الفقيه 1: 110 ح 505.

(4) الكافي 3: 204 ح 2 التهذيب 1: 463 ح 1512، الاستبصار 1: 217 ح 770.

(5) الفقيه 1: 110 ح 504.

(6) الخلاف 1: 729 المسألة 556.

(7) المعتبر 1: 342، تذكرة الفقهاء: 1: 58.

(8) الكافي 3: 217 ح 2، الفقيه 1: 116 ح 545.

(9) المحاسن: 149، الكافي 3: 217 ح 1، الفقيه 1: 116 ح 549.

45

قال: و قال الصادق (عليه السلام): «ليس لأحد ان يحدّ أكثر من ثلاثة أيام، إلّا المرأة على زوجها حتى تنقضي عدتها» (1). قال: و اوصى أبو جعفر (عليه السلام) بثمانمائة درهم لمأتمه، و كان يرى ذلك (2) السنة، لأنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أمر باتخاذ طعام لآل جعفر (عليه السلام) (3).

و في كلّ هذه إيماء الى ذلك، و الشيخ أبو الصلاح قال: من السنّة تعزية أهله ثلاثة أيام، و حمل الطعام إليهم (4).

و الشيخ في المبسوط نقل الإجماع على كراهية الجلوس للتعزية يومين أو ثلاثة (5). و ردّه ابن إدريس بأنّه اجتماع و تزاور (6). و انتصر المحقّق بأنّه لم ينقل عن أحد من الصحابة و الأئمة الجلوس لذلك، فاتخاذه مخالف لسنّة السلف، و لا يبلغ التحريم (7).

قلت: الأخبار المذكورة مشعرة به، فلا معنى لاغترام حجّة التزاور، و شهادة الإثبات مقدّمة، إلّا أن يقال: لا يلزم من عمل المأتم الجلوس للتعزية بل هو مقصور على الاهتمام بأمور أهل الميت لاشتغالهم بحزنهم، لكن اللغة و العرف بخلافه، قال الجوهري: المأتم: النساء يجتمعن، قال: و عند العامّة:

المصيبة (8)، و قال غيره: المأتم: المناحة (9) و هما مشعران بالاجتماع.

____________

(1) الفقيه 1: 116 ح 550.

(2) في المصدرين زيادة: «من».

(3) الفقيه 1: 116 ح 546، الكافي 3: 217 ح 4.

(4) الكافي في الفقه: 240.

(5) المبسوط 1: 189.

(6) السرائر: 34.

(7) المعتبر 1: 344.

(8) الصحاح 5: 1857.

(9) قاله ابن بري كما في لسان العرب- مادة أتم.

46

تنبيه

الإجماع على استحباب إطعام أهل الميت، لما سبق. و يكره الأكل عندهم، لقول الصادق (عليه السلام): «الأكل عند أهل المصيبة من عمل الجاهلية» (1). نعم، لو أوصى الميت بذلك نفّذت وصيته، لأنّه نوع من أنواع البرّ يلحقه ثوابه بعد موته، و لكن لو فوّض الى غير أهله لكان أنسب، لاشتغالهم بمصابهم عن ذلك كما دلّ عليه الخبر.

و ليقل المعزّي ما قاله الصادق (عليه السلام) لقوم: «جبر اللّٰه وهنكم، و أحسن عزاكم، و رحم متوفاكم» (2).

و عزّى (عليه السلام) آخر بابن له، فقال: «اللّٰه خير لابنك منك، و ثواب اللّٰه خير لك منه»، فلمّا بلغه شدّة جزعه عاد اليه، فقال له: «قد مات رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أ فما لك به أسوة». فقال: انه كان مرهقا، أي: يظن به السوء. قال: «انّ أمامه ثلاث خصال: شهادة ألّا إله إلّا اللّٰه، و رحمة اللّٰه، و شفاعة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فلن تفوته واحدة منهنّ ان شاء اللّٰه» (3).

و عن زين العابدين: «لمّا توفّي رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) سمعوا قائلا يقول: انّ في اللّٰه عزاء من كلّ مصيبة، و خلفا من كلّ هالك، و دركا ممّا فات، فباللّه فثقوا، و إيّاه فارجوا، فان المصاب من حرم الثواب» (4).

____________

(1) الفقيه 1: 116 ح 548.

(2) الفقه 1: 110 ح 506.

(3) الكافي 3: 204 ح 7، الفقيه 1: 110 ح 508، ثواب الأعمال: 235، التهذيب 1: 468 ح 1537.

(4) كمال الدين: 392.

47

البحث الثالث: في البكاء و توابعه.

و هو جائز إجماعا، قبل خروج الروح و بعده، لما روي انّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): قبّل عثمان بن مظعون و هو ميت، و رفع رأسه و عيناه تهرقان (1).

و في البخاري و مسلم عن أنس: دخلنا على رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و إبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف: و أنت يا رسول اللّٰه. فقال: «يا بن عوف انّها رحمة» ثم أتبعها بأخرى. فقال: «انّ العين تدمع، و القلب يحزن، و لا نقول إلّا ما يرضي ربّنا، و انّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (2).

و في الكليني: عن ابن القداح عن الصادق (عليه السلام): «لما مات إبراهيم هملت عينا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) بالدموع، ثم قال (صلّى اللّٰه عليه و آله): تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول ما يسخط الرب، و انّا بك يا إبراهيم لمحزونون» (3).

و عن ابن عمر: عاد النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) سعد بن عبادة فوجده في غشيته، فبكى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فلما رأى القوم بكاء النبي بكوا. فقال:

«الا تسمعون انّ اللّٰه لا يعذّب بدمع العين، و لا بحزن القلب، و لكن يعذّب بهذا» و أشار الى لسانه «أو يرحم» (4).

و روينا عن الحارث بن يعلى بن مرّة، عن أبيه، عن جده، قال: قبض

____________

(1) المصنف لعبد الرزاق 3: 596 ح 6775، مسند أحمد 6: 43، سنن ابن ماجة 1: 468 ح 1456، سنن أبي داود 3: 201 ح 3163، الجامع الصحيح 3: 314 ح 989، المستدرك على الصحيحين 1: 361.

(2) صحيح البخاري 2: 105، صحيح مسلم 4: 1807 ح 2315.

(3) الكافي 3: 262 ح 45.

(4) صحيح البخاري 2: 106، صحيح مسلم 2: 636 ح 924.

48

رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فستر بثوب و عليّ عند طرف ثوبه، و قد وضع خدّيه على راحتيه، و الريح تضرب طرف الثوب على وجه عليّ، و الناس على الباب و في المسجد ينتحبون و يبكون (1).

قال الصدوق: لما انصرف رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) من وقعة أحد إلى المدينة، سمع من كل دار قتل من أهلها قتيل نوحا و بكاء، و لم يسمع من دار حمزة عمّه، فقال (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لكنّ حمزة لا بواكي له». فآلى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميت و لا يبكوه، حتى يبدءوا بحمزة فينوحوا عليه و يبكوه، فهم الى اليوم على ذلك (2).

و لما مرّ من بكاء أمير المؤمنين (عليه السلام) على فاطمة (3).

و عن الصادق (عليه السلام): «من خاف على نفسه من وجد بمصيبة، فليفض من دموعه، فإنّه يسكّن عنه» (4).

و عنه (عليه السلام): «انّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) و زيد بن حارثة رضي اللّٰه عنه كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدا، و يقول: كانا يحدّثاني و يؤنساني فذهبا جميعا» (5).

و روى الشيخ في التهذيب بالسند الى محمد بن الحسن الواسطي، عن الصادق (عليه السلام): «ان إبراهيم خليل الرحمن سأل ربّه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته» (6).

و لا يكره عندنا البكاء بعد الموت. و قول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «فإذا

____________

(1) التهذيب 1: 468 ح 1535.

(2) الفقيه 1: 116 ح 553، السنن الكبرى 4: 70.

(3) مصادرة كثيرة للمثال انظر: الكافي 1: 459، روضة الواعظين: 151، كشف الغمة 1:

501، البحار 43: 178.

(4) الفقيه 1: 119 ح 568.

(5) الفقيه 1: 113 ح 527.

(6) التهذيب 1: 465 ح 1524.

49

وجبت فلا تبكينّ باكية» (1) يحمل على رفع الصوت بالبكاء، لأنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لما بكى و قال عبد الرحمن: أو لم تكن نهيت عن البكاء، قال: «لا، و لكن نهيت عن صوتين فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه، و شق جيوب.

و رنّة شيطان» (2) و في صحيح مسلم: ان النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) زار قبر امّه، فبكى و أبكى من حوله (3).

و يستحبّ الاسترجاع عند المصيبة، للآية (4) و لقول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «أربع من كنّ فيه كان في نور اللّٰه الأعظم: من كان عصمة أمره شهادة أنّ لا إله إلّا اللّٰه و أنّي رسول اللّٰه، و من إذا أصابته مصيبة قال إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ و من إذا أصاب خيرا قال: الحمد للّٰه، و من إذا أصاب خطيئة قال استغفر اللّٰه و أتوب اليه» (5).

و قال الباقر (عليه السلام): «ما من مؤمن يصاب بمصيبة في الدنيا، فيسترجع عند المصيبة، و يصبر حين تفجؤه المصيبة، إلّا غفر اللّٰه ما مضى من ذنوبه إلّا الكبائر التي أوجب اللّٰه عليها النار. و كلّما ذكر مصيبته فيما يستقبل من عمره، فاسترجع عندها و حمد اللّٰه عزّ و جلّ، إلّا غفر اللّٰه له كل ذنب اكتسبه فيما بين الاسترجاع الأول إلى الاسترجاع الأخير، إلّا الكبائر من الذنوب» (6).

رواهما ابن بابويه، و أسند الكليني الثاني إلى معروف بن خربوذ عن الباقر (عليه السلام) و لم يستثن منه الكبائر.

و روى الكليني بالإسناد الى داود بن زربي- بكسر الزاء ثم الراء الساكنة-

____________

(1) الموطأ 1: 108 ح 302، سنن النسائي 4: 13.

(2) الجامع الصحيح 3: 328 ح 1005.

(3) صحيح مسلم 2: 671 ح 976، سنن ابن ماجة 1: 501 ح 1572، سنن أبي داود 3: 218 ح 3234، سنن النسائي 4: 90.

(4) سورة البقرة: 156.

(5) المحاسن: 7، الفقيه 1: 111 ح 514 الخصال: 222، ثواب الأعمال: 198.

(6) الكافي 3: 224 ح 5، الفقيه 1: 111 ح 515، ثواب الأعمال: 234.

50

عن الصادق (عليه السلام): «من ذكر مصيبته و لو بعد حين، فقال: إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ، و الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ. اللّهم أجرني على مصيبتي، و اخلف عليّ أفضل منها، كان له من الأجر مثلما كان عند أول صدمة» (1).

و روى مسلم عن أم سلمة رضي اللّٰه عنها: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): «ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره اللّٰه به: انّا للّٰه و انّا إليه راجعون. اللّهم آجرني في مصيبتي، و اخلف لي خيرا منها، إلّا أخلف اللّٰه له خيرا منها». فلمّا مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر الى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)؟ ثم اني قلتها فاخلف لي رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) (2).

و في الترمذي عن أبي موسى عبد اللّٰه بن قيس: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) «إذا مات ولد العبد قال اللّٰه تعالى لملائكته: أقبضتم ولد عبدي.

فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده. فيقولون: نعم. فيقول: ما ذا قال عبدي. فيقولون: حمدك و استرجع. فيقول اللّٰه: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، و سموه: بيت الحمد» (3).

و نحوه رواه الكليني بسنده إلى السكوني، عن الصادق (عليه السلام)، عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) (4). و كذا رواه ابن بابويه (5).

و في البخاري: «فيقول اللّٰه عزّ و جلّ: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيّة من أهل الدنيا ثم احتسبه إلّا الجنة» (6).

و عن ابن عباس: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): «من كان له فرطان

____________

(1) الكافي 3: 224 ح 6.

(2) صحيح مسلم 2: 631 ح 918.

(3) الجامع الصحيح 3: 241 ح 1021.

(4) الكافي 3: 218 ح 4.

(5) الفقيه 1: 112 ح 523.

(6) صحيح البخاري 8: 112.

51

من أمتي أدخله اللّٰه بهما الجنة». فقيل: فمن كان له فرط؟ قال: «و من كان له فرط». فقيل: فمن لم يكن له فرط؟ فقال: «فانا فرط أمتي لن يصابوا بمثلي» (1).

و روى ابن بابويه عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، انه قال: «لا يدخل الجنة رجل ليس له فرط». فقال له رجل: فمن لم يولد له و لم يقدم ولدا؟ فقال:

«إنّ من فرط الرجل أخاه في اللّٰه» (2) و عن الصادق (عليه السلام): «الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل، و أفضل من ذلك الصبر عند ما حرّم اللّٰه عزّ و جلّ عليك فيكون لك حاجزا» (3).

و عن الصادق (عليه السلام): «من قدّم ولدا، كان خيرا له من سبعين يخلفونه من بعده، كلّهم قد ركب الخيل و قاتل في سبيل اللّٰه» (4).

قال: و عنه (عليه السلام): «ثواب المؤمن من ولده إذا مات الجنة، صبر أو لم يصبر» (5).

و عنه (عليه السلام): «من أصيب بمصيبة، جزع عليها أو لم يجزع، صبر عليها أو لم يصبر، كان ثوابه من اللّٰه الجنة» (6).

و يلحق بذلك فوائد شتى أوردت في الكافي و غيره:

منها: عن سليمان النخعي عن الصادق (عليه السلام): «من أصيب بمصيبة، فليذكر مصابه بالنبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فإنّها من أعظم المصائب» (7).

و منها: عن عمرو بن سعيد الثقفي عن الباقر (عليه السلام): «فاذكر

____________

(1) مسند أحمد 1: 334، الجامع الصحيح 3: 376 ح 1062.

(2) الفقيه 1: 112 ح 520.

(3) الفقيه 1: 118 ح 565، و في الكافي 2: 174 ح 11.

(4) الفقيه 1: 112 ح 519، و في الكافي 3: 218 ح 1.

(5) الفقيه 1: 112، 518، و في الكافي 3: 219 ح 8.

(6) الفقيه 1: 111، ح 517.

(7) الكافي 3: 220 ح 1.

52

مصابك برسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فإنّ الخلائق لم يصابوا بمثله» (1).

و منها: عن عبد اللّٰه بن الوليد بإسناده: لما أصيب علي (عليه السلام) بعثني الحسن الى الحسين (عليهما السلام) و هو بالمدائن: فلمّا قرأ الكتاب قال: «يا لها من مصيبة ما أعظمها، مع انّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) قال: من أصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابي، فإنّه لن يصاب بمصيبة أعظم منها» (2).

و منها: عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لما مات النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) سمعوا صوتا و لم يروا شخصا، يقول: «كلّ نفس ذائقة الموت» إلى قوله: «فقد فاز». و قال: انّ في اللّٰه خلفا من كلّ هالك، و عزاء من كلّ مصيبة، و دركا ممّا فات، فباللّه فثقوا و إياه فارجوا، فإنّما المحروم من حرم الثواب» (3).

و منها: عن الحسين بن مختار، عنه (عليه السلام): «لما قبض رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) جاء جبرئيل (عليه السلام) و النبي مسجّى، و في البيت علي و فاطمة و الحسن و الحسين (صلّى اللّٰه عليهم)، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّمٰا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ. الآية، انّ في اللّٰه جلّ و عزّ عزاء من كل مصيبة، و خلفا من كلّ هالك، و دركا لمن فات، فباللّه عزّ و جلّ فثقوا و إياه فارجوا، فانّ المصاب من حرم الثواب. هذا آخر وطئي من الدنيا» (4).

و منها: عن زيد الشحام عنه (عليه السلام): «لما قبض رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أتاهم آت، يسمعون حسّه و لا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّٰه و بركاته كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ الْمَوْتِ الآية، في اللّٰه عزاء من كلّ مصيبة، و خلف من كل هالك، و دركا لما فات، فباللّه فثقوا و إياه

____________

(1) الكافي 3: 220 ح 2.

(2) الكافي 3: 220 ح 3.

(3) الكافي 3: 221 ح 4، تفسير العياشي: 210.

(4) الكافي 3: 221 ح 5، تفسير العياشي: 209.

53

فارجوا، فانّ المحروم من حرم الثواب، و السلام عليكم» (1).

و منها: عن عبيد بن الوليد عن الباقر (عليه السلام) مثله، و في آخره:

«و السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته. فقال بعضهم: هذا ملك من السماء بعثه اللّٰه عزّ و جلّ ليعزيكم. و قال بعضهم: هذا الخضر» (2).

و منها: عن جابر عن الباقر (عليه السلام): «أشدّ الجزع: الصراخ بالويل و العويل، و لطم الوجه و الصدر، و جزّ الشعر. و من اقام النواحة فقد ترك الصبر، و من صبر و استرجع و حمد اللّٰه جلّ ذكره، فقد رضي بما صنع اللّٰه و وقع أجره على اللّٰه جلّ و عزّ، و من لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء و هو ذميم، و أحبط اللّٰه عزّ و جلّ أجره» (3).

و منها: عن ربعي بن عبد اللّٰه عن الصادق (عليه السلام)، قال: «ان الصبر و البلاء يستبقان إلى المؤمن، يأتيه البلاء و هو صبور. و انّ الجزع و البلاء يستبقان الى الكافر، فيأتيه البلاء و هو جزوع» (4).

و منها: عن السكوني عنه (عليه السلام): «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): ضرب المسلم يده على فخذه عند المصيبة إحباط لأجره» (5).

و منها: عن موسى بن بكر عن الكاظم (عليه السلام)، قال: «ضرب الرجل يده على فخذه عند المصيبة إحباط أجره» (6).

و منها: عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام): «يا إسحاق: لا تعدّن مصيبة أعطيت عليها الصبر و استوجبت عليها من اللّٰه عزّ و جلّ الثواب، انّما

____________

(1) الكافي 3: 221 ح 6، تفسير العياشي: 210.

(2) الكافي 3: 222 ح 8، عن عبد اللّٰه بن الوليد عن الباقر (عليه السلام).

(3) الكافي 222 ح 1.

(4) الكافي 3: 223 ح 3، الفقيه 1: 113 ح 528.

(5) الكافي 3: 224 ح 4.

(6) الكافي 3: 225 ح 9.

54

المصيبة التي يحرم صاحبها أجرها و ثوابها إذا لم يصبر عند نزولها» (1).

و منها: عن (أبي ميسرة) (2)، قال: كنا عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، فجاءه رجل و شكا إليه مصيبة، فقال له: «اما انّك ان تصبر تؤجر، و إلّا تصبر يمضي عليك قدر اللّٰه عزّ و جلّ الذي قدّر عليك» (3).

تتمة:

يستحبّ تعزية جميع أهل الميت، و يتأكّد في النساء، لضعف صبرهنّ.

و روى أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «فيما ناجى به موسى (عليه السلام) ربه تعالى: يا رب ما لمن عزّى الثكلى؟ فقال: أظلّه في ظلّي يوم لا ظلّ إلا ظلّي» (4).

و عن عبد اللّٰه العمري عن علي (عليه السلام): «من عزّى الثكلى أظلّه اللّٰه في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ الا ظلّه» (5).

و روى أبو داود عن أبي برزة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «من عزّى ثكلى كسي بردا في الجنة» (6).

نعم، لا تعزّى الشابة الأجنبية خوف الفتنة.

و يعزّى الصغير، للعموم.

و قال ابن بابويه: إن كان المعزى يتيما مسح يده على رأسه، فقد روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «من مسح يده على رأس يتيم ترحما له، كتب اللّٰه له

____________

(1) الكافي 3: 224 ح 7.

(2) في المصدر: فضيل بن ميسر.

(3) الكافي 3: 225 ح 10، و تمامه: «و أنت مأزور».

(4) الكافي 3: 226 ح 1، ثواب الأعمال: 231.

(5) الكافي 3: 227 ح 3، عن عيسى بن عبد اللّٰه العمري، عن أبيه، عن جده، عن أبيه، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ..

(6) الجامع الصحيح 3: 387 ح 1076.