ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة - ج3

- الشهيد الأول المزيد...
472 /
5

بقية القطب الأول في العبادات

بقية كتاب الصلاة

بقية أبواب مقدمات الصلاة

الباب الرابع: في الستر.

و فيه فصول ثلاثة:

الأول: فيما يجب ستره.

و فيه مسائل:

الاولى [في وجوب ستر العورة في الصلاة]

أجمع العلماء على وجوب ستر العورة في الصلاة، و عندنا و عند الأكثر انّه شرط في الصحة؛ لقوله تعالى يٰا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (1) قيل: اتفق المفسرون على انّ الزينة هنا ما توارى به العورة للصلاة و الطواف لأنهما المعبر عنهما بالمسجد، و الأمر للوجوب.

و يؤيده قوله تعالى يٰا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمْ لِبٰاساً يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ (2). أمر تعالى باللباس المواري للسوأة، و هي: ما يسوء الإنسان انكشافه، و يقبح في الشاهد إظهاره، و ترك القبيح واجب.

قيل: و أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان انكشاف العورة، و لهذا ذكره تعالى في سياق قصة آدم (عليه السلام).

و لقول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لا يقبل اللّٰه صلاة حائض إلا بخمار» (3) و هي البالغ، فغيرها كذلك إذ لا قائل بالفرق.

و روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يصلي في

____________

(1) سورة الأعراف: 31.

(2) سورة الأعراف: 26.

(3) مسند احمد 6: 150، 259، سنن ابن ماجة 1: 215 ح 655، سنن أبي داود 1: 173 ح 641، الجامع الصحيح 2: 215 ح 377، الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان 3: 106 ح 1708، المستدرك على الصحيحين 1: 251.

6

قميص واحد: «إذا كان كثيفا فلا بأس به» (1)، و مفهوم الشرط حجة.

و روى زرارة عن الباقر (عليه السلام) فيمن يخرج من سفينة عريانا و لم يجد شيئا يصلي فيه، فقال: «يصلي إيماء، و ان كانت امرأة جعلت يديها على فرجها، و ان كان رجلا وضع يده على سوأته، ثم يجلسان فيومئان إيماء، و لا يركعان و لا يسجدان» (2).

و عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في العريان: «إن أصاب حشيشا يستر منه عورته أتمّ صلاته بالركوع و السجود، و ان لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ و هو قائم» (3).

فترك أعظم أركان الصلاة صريح في شرطية الستر في الصحة.

الثانية [في وجوب ستر العورة في غير الصلاة و الطواف]

يجب الستر في غير الصلاة و الطواف عن الناظر إجماعا؛ لقول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لعن اللّٰه الناظر و المنظور اليه» (4).

و عن زين العابدين (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): عورة المؤمن على المؤمن حرام» (5).

اما في الخلوة فلا يجب؛ لقضية الأصل، و لانه لا ناظر فلا يتناوله اللعن.

و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لا تكشف فخذك، و لا تنظر الى فخذ حي و لا ميت» (6) محمول على الناظر.

____________

(1) الكافي 3: 394 ح 2، التهذيب 2: 217 ح 855.

(2) الكافي 3: 396 ح 16، التهذيب 2: 364 ح 1512، 3: 178 ح 403.

(3) التهذيب 2: 365 ح 1515، 3: 296 ح 900.

(4) تحف العقول: 11، السنن الكبرى 7: 99.

(5) الكافي 6: 497 ح 8، الفقيه 1: 66 ح 252.

(6) مسند أحمد 1: 146، سنن ابن ماجة 1: 469 ح 1460، سنن أبي داود 3: 196 ح 3140، مسند أبي يعلى 1: 277 ح 331، سنن الدار قطني 1: 225، المستدرك على الصحيحين 4:

180.

7

قالوا: الجن و الملائكة ناظرون، و اللّٰه أحقّ أن يستحيي منه (1).

قلنا: الستر هاهنا غير ممكن، على انّ الفخذ ليس من العورة- كما يأتي إن شاء اللّٰه- فيحمل على الاستحباب.

الثالثة [في تحديد العورة]

اختلف الأصحاب في العورة، فالمشهور انها السوأتان، فالقبل:

القضيب و الأنثيان، و الدبر: نفس المخرج، و ليست الأليتان و الفخذ منها. هذا في الرجل، و اما في المرأة الحرة فجميع بدنها و رأسها، إلّا الوجه و ظاهر الكفين و القدمين؛ اقتصارا على المتفق عليه فيهما بين جميع العلماء، و أصالة البراءة من وجوب غيره، و لأنّ أنسا روى: انّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) حسر الإزار عن فخذه يوم خيبر، حتى اني لأنظر إلى بياض فخذه (عليه السلام) (2).

و عن عائشة: كان رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) كاشفا عن فخذيه و أذن للشيخين في الدخول (3).

و روى الصدوق: ان الباقر (عليه السلام) كان يطلي عانته و يلف الإزار على الإحليل، فيطلي غيره سائر بدنه (4).

و عن الصادق (عليه السلام): «الفخذ ليس من العورة» (5).

و روى الميثمي، عن محمد بن حكيم: ان الصادق (عليه السلام) رئي و هو متجرّد و على عورته ثوب، فقال: «ان الركبة ليست من العورة» (6).

____________

(1) صحيح البخاري 1: 78، الجامع الصحيح 5: 97 ح 2796، سنن ابن ماجة 1: 618 ح 1920.

(2) مسند أحمد 3: 102، صحيح البخاري 1: 103، صحيح مسلم 2: 1043 ح 1365، سنن النسائي 6: 131، السنن الكبرى 2: 330.

(3) صحيح مسلم 4: 1866 ح 2401، السنن الكبرى 2: 231.

(4) الفقيه 1: 65 ح 250، و في الكافي 6: 497 ح 7.

(5) الفقيه 1: 67 ح 253.

(6) التهذيب 1: 374 ح 1150، و فيه: «ان الفخذ».

8

و روى زرارة عن الباقر (عليه السلام): أدنى ما تصلي فيه المرأة: «درع و ملحفة فتنشرها على رأسها و تجلّل بها» (1).

و اجمع العلماء على عدم وجوب ستر وجهها- إلا أبا بكر بن هشام (2)- و على عدم وجوب ستر الكفين- إلا أحمد و داود (3)- لقوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا (4)، قال ابن عباس: هي الوجه و الكفان (5).

و اما القدمان فالمشهور عندنا انهما ليستا من العورة؛ لبدوهما غالبا، و لقضية الأصل. و يظهر من كلام الشيخ- في الاقتصار- و كلام أبي الصلاح منع كشف اليدين و القدمين (6) لعموم قول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «المرأة عورة» (7).

قلنا: خرج ذلك بدليل، و لأنّ الباقر (عليه السلام) جوّز الصلاة للمرأة في الدرع و المقنعة إذا كان كثيفا (8) و هما لا يستران القدمين غالبا.

و لا فرق بين ظاهر الكفين و باطنهما، و كذا القدمان، لبروز ذلك كلّه غالبا، و حدّ اليدين الزند، و القدم مفصل الساق. نعم، يجب ستر شيء من اليد و القدم؛ لتوقف الواجب عليه.

و هنا أقوال نادرة للأصحاب:

____________

(1) التهذيب 1: 217 ح 853، الاستبصار 1: 338 ح 1478.

(2) المغني 1: 672.

(3) المغني 1: 672.

(4) سورة النور: 31.

(5) الدر المنثور 5: 41 عن ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و ابن أبي حاتم.

(6) الاقتصاد: 258، الكافي في الفقه: 139.

(7) الجامع الصحيح 3: 476 ح 1173، الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان 7: 445 ح 5569، مجمع الزوائد 2: 35، عن الطبراني في الكبير.

(8) الفقيه 1: 243 ح 1081.

9

أحدها: قول ابن البراج: انّ العورة من السرة إلى الركبة (1).

و الثاني: قول أبي الصلاح: إنّها من السرة الى نصف الساق (2).

و الثالث: قول ابن الجنيد: انّ الرجل و المرأة سواء في ان العورة هي القبل و الدبر (3).

لرواية أبي أيوب الأنصاري عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «أسفل السرة، و فوق الركبة، من العورة» (4).

و روي عنه (صلّى اللّٰه عليه و آله) انه قال: «الركبة من العورة» (5).

و روى ابن بكير منا: «لا بأس بالمرأة المسلمة الحرة مكشوفة الرأس» (6).

و الجواب: يحمل الخبران الأول على الندب توفيقا، و الخبر الآخر ضعيف السند، مخالف للمشهور و لما هو أصحّ (7) سندا، و تأوّله الشيخ بالحمل على الضرورة أو الصغيرة (8).

الرابعة [في جواز صلاة الأمة و الصبية مكشوفتا الرأس]

يجوز للأمة أن تصلّي مكشوفة الرأس، و كذا الصبية، بإجماع العلماء الا الحسن البصري (9). و هو محجوج بسبق الإجماع و تأخّره.

و روى محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام): «ليس على الأمة قناع» (10).

____________

(1) المهذب 1: 83.

(2) الكافي في الفقه: 139.

(3) مختلف الشيعة: 83.

(4) سنن الدار قطني 1: 231، السنن الكبرى 2: 229.

(5) سنن الدار قطني 1: 231.

(6) التهذيب 2: 218 ح 857، الاستبصار 1: 389 ح 1481.

(7) في س: أوضح.

(8) راجع الهامش 6.

(9) المجموع 3: 169، المغني 1: 674.

(10) الكافي 3: 394 ح 2، التهذيب 2: 217 ح 855.

10

و روى عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام): «ليس على الإماء أن يتقنّعن في الصلاة» (1).

و هل يستحب للأمة القناع؟ أثبته في المعتبر و نقله عن عطاء، و عن عمر انّه نهى عن ذلك، و ضرب أمة لآل أنس رآها بمقنعة.

قال: لنا: انّه أنسب بالخفر و الحياء، و هما مرادان من الأمة كالحرة، و فعل عمر جاز أن يكون رأيا (2).

قلت: روى البزنطي بإسناده إلى حماد اللحام عن الصادق (عليه السلام) في المملوكة تقنع رأسها إذا صلت، قال: «لا، قد كان أبي إذا رأى الخادمة تصلّي مقنّعة ضربها، لتعرف الحرة من المملوكة» (3).

و روى علي بن إسماعيل الميثمي في كتابه عن أبي خالد القماط، قال:

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الأمة، أتقنّع رأسها؟ فقال: «إن شاءت فعلت، و ان شاءت لم تفعل. سمعت أبي يقول: كن يضربن، فيقال لهن: لا تشبّهن بالحرائر».

و أوجب الحسن البصري الخمار على الأمة المتزوجة و السرية (4) و هو مدفوع بالإجماع.

فروع:

المعتق بعضها كالحرة في وجوب الستر؛ تغليبا للحرية، ذكره الشيخ

____________

(1) التهذيب 2: 217 ح 854، الاستبصار 1: 389 ح 1479.

(2) المعتبر 2: 103، و راجع: المغني 1: 674.

(3) رواه الصدوق في علل الشرائع: 345 بإسناده عن البزنطي عن حماد بن عثمان عن حماد الخادم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

و رواه البرقي في المحاسن: 318 بسند آخر عن حماد اللحام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

(4) راجع المغني 1: 674.

11

و الفاضل (1).

و قد روى الصدوق عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام): «ليس على الأمة قناع في الصلاة، و لا على المدبرة، و المكاتبة إذا اشترط عليها مولاها حتى يؤدي جميع مكاتبتها» (2) و هو يشعر بما قالوه؛ للتخصيص بالمشروطة.

و الأقرب إلحاق الخنثى بالمرأة في وجوب الستر، أخذا بالمبرئ للذمة.

و لو اعتقت الأمة في الأثناء وجب عليها الستر، فان افتقرت الى فعل كثير استأنفت مع سعة الوقت، و أتممت لا معه؛ لتعذّر الشرط حينئذ فتصلي بحسب المكنة.

و في الخلاف: تستمر المعتقة و أطلق (3)؛ لأن دخولها كان مشروعا و الصلاة على ما افتتحت عليه.

لنا: ان الستر شرط و قد أمكن فتجب مراعاته.

أما الصبية فتستأنف لو بلغت في الأثناء؛ لان النفل لا يجزئ عن الفرض. و لو ضاق الوقت عن الركعة و الطهارة أتمّت مستترة إن أمكن.

و المشروطة إذا لم تؤد شيئا كالقن، و ان أدّت سترت.

و يجب على الأمة ستر ما عدا الرأس؛ عملا بالدليل، و اقتصارا على موضع الرخصة. و في المعتبر لما حكى هذا عن الشيخ، قال: و يقرب عندي جواز كشف وجهها و يديها و قدميها؛ لما قلناه في الحرة (4).

قلت: ليس هذا موضع التوقّف؛ لانه من باب كون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، و لا نزاع في مثله.

و الأقرب وجوب ستر الأذنين و الشعر من المرأة؛ لرواية الفضيل عن الباقر

____________

(1) المبسوط 1: 87، تذكرة الفقهاء 1: 93.

(2) الفقيه 1: 244 ح 1085، علل الشرائع: 346.

(3) الخلاف 1: 396 المسألة: 146.

(4) المعتبر 2: 103، و لاحظ: المبسوط 1: 88.

12

(عليه السلام)، قال: «صلت فاطمة (عليها السلام) و خمارها على رأسها، ليس عليها أكثر ممّا وارت به شعرها و أذنيها» (1).

و في الصدغين و ما لم يجب غسله من الوجه نظر، من تعارض العرف اللغوي و الشرعي. أما العنق فلا شك في وجوب ستره من الحرة، و اما الأمة فالأقرب تبعيته للرأس؛ لعسر ستره من دون الرأس.

الخامسة [في استحباب لبس المرأة ثلاثة أثواب في الصلاة]

الأفضل للحرة الصلاة في ثلاثة أثواب: درع و خمار و ملحفة؛ لخبر جميل بن دراج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2)، و خبر ابن أبي يعفور عنه (عليه السلام) بلفظة «الإزار» مكان «الملحفة» (3).

و الأفضل للرجل ستر ما بين السرة و الركبة و إدخالهما في الستر؛ للخروج من الخلاف، و لأنّه ممّا يستحيى منه. و ستر جميع البدن أفضل، و الرداء أكمل، و التعمّم و التسرول أتمّ؛ لما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «إذا صلّى أحدكم فليلبس ثوبيه، فان اللّٰه أحقّ أن يتزيّن له» (4).

و روي: «ركعة بسراويل تعدل أربعا بغيره» و كذا روي في العمامة.

و التحنّك بالعمامة مستحب على الأصح. و قال ابن بابويه(رحمه اللّٰه):

لا يجوز تركه (5) لمرسل ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام): «من تعمّم فلم يتحنّك فأصابه داء لا دواء له، فلا يلومنّ الا نفسه» (6) و مثله رواية عيسى بن حمزة عنه (عليه السلام) (7).

____________

(1) الفقيه 1: 167 ح 785.

(2) التهذيب 2: 218 ح 860، الاستبصار 1: 390 ح 1484.

(3) الكافي 3: 395 ح 11، التهذيب 2: 217 ح 856، الاستبصار 1: 389 ح 1480.

(4) السنن الكبرى 2: 236، كنز العمال 7: 331 ح 1920 عن الطبراني في الأوسط.

(5) الفقيه 1: 172.

(6) الكافي 6: 460 ح 1، التهذيب 2: 215 ح 846.

(7) المحاسن: 378، الكافي 6: 461 ح 7، التهذيب 1: 215 ح 847.

13

و جوابه: منع الدلالة.

و يجزئ مسمى الرداء، روى زرارة عن الباقر (عليه السلام): «أدنى ما يجزئك أن تصلي فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحي خطاف» (1).

و روى عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) في رجل ليس معه الا سراويل قال: «يحل التكة منه و يطرحها على عاتقه و يصلي، و ان كان معه سيف و ليس معه ثوب فليتقلد السيف» (2).

و روى الكليني عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام): «إذا لبس السراويل فليجعل على عاتقه شيئا و لو حبلا» (3).

و روى عن جميل، قال: سأل مرازم أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)- و انا معه حاضر- عن الرجل يصلي في إزار مرتديا به؟ قال: «يجعل على رقبته منديلا أو عمامة يتردّى به» (4).

تنبيه:

استحباب التحنّك عام.

قال الصدوق: روى عمار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، انّه قال: «من خرج في سفره فلم يدر العمامة تحت حنكه، فأصابه ألم لا دواء له، فلا يلومنّ الا نفسه» (5).

و قال الصادق (عليه السلام): «ضمنت لمن خرج من بيته معتما أن يرجع إليهم سالما» (6).

____________

(1) الفقيه 1: 166 ح 783.

(2) الفقيه 1: 166 ح 782، التهذيب 2: 366 ح 1519.

(3) الكافي 3: 393 ح 1، التهذيب 2: 216 ح 852.

(4) الكافي 3: 395 ح 6، التهذيب 2: 366 ح 1518.

(5) الفقيه 1: 173 ح 814.

(6) الفقيه 1: 173 ح 815.

14

و قال (عليه السلام): «اني لأعجب ممّن يأخذ في حاجة و هو على وضوء كيف لا تقضى حاجته، و اني لأعجب ممّن يأخذ في حاجة و هو معتم تحت حنكه كيف لا تقضى حاجته» (1).

و قال النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «الفرق بين المسلمين و المشركين التلحي» (2).

و روى العامة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنه أمر بالتلحي، و نهى عن الاقتعاط (3).

قال صاحب الغريبين: يقال: جاء الرجل مقتعطا، إذا جاء معتما طابقيا لا يجعلها تحت ذقنه.

و في الصحاح: الاقتعاط: شدّ العمامة على الرأس من غير إدارة تحت الحنك. و التلحي: تطويق العمامة تحت الحنك (4).

فرع:

الأقرب تأدّي هذه السنّة بكون جزء من العمامة تحت الحنك، سواء كان بالذؤابة أو بالطرف أو بالوسط؛ لصدق التحنك، و ان كان المعهود أفضل.

و في الاكتفاء بالتلحي بغيرها بحيث يضمها نظر، من مخالفة المعهود، و من إمكان كون الغرض حفظ العمامة من السقوط و هو حاصل. و لكن خبر الفرق بين المسلمين و المشركين مشعر باعتبار التحنّك المعهود.

المسألة السادسة [في ان شرطية الستر في الصلاة مع الإمكان هل هي مطلقة أو مقيدة]

هل الستر شرط في الصحة مع الإمكان على الإطلاق، أو انّ شرطيته مقيّدة بالعمد؟

____________

(1) الفقيه 1: 173 ح 816.

(2) الفقيه 1: 173 ح 817. و فيه «التلحي بالعمائم».

(3) رواه في الفائق و النهاية مادة لحي، و لم نجده في كتب الأحاديث. و قد أورده عن العامّة في الفقيه 1:

173 ح 817.

(4) الصحاح، مادتي قعط، لحي.

15

قال ابن الجنيد: لو صلّى و عورتاه مكشوفتان غير عامد أعاد في الوقت فقط (1).

و قال الشيخ في المبسوط: فان انكشفت عورتاه في الصلاة وجب عليه سترهما و لا تبطل صلاته، سواء كان ما انكشف عنه قليلا أو كثيرا، بعضه أو كله (2).

و قال المحقق في المعتبر: لو انكشفت العورة و لم يعلم، سترها و لم تبطل صلاته، تطاولت المدة قبل علمه أو لم تطل، كثيرا كان الكشف أو قليلا؛ لسقوط التكليف مع عدم العلم (3).

و الذي رواه علي بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام) في الرجل يصلي و فرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة؟ قال: «لا إعادة عليه و قد تمّت صلاته» (4).

و الفاضل(رحمه اللّٰه) في المختلف مال الى كلام الشيخ و حمله على عدم العلم مع انه مطلق، و احتجّ بالرواية. و احتجّ لابن الجنيد: بانّ الستر شرط إجماعا و قد انتفى، فينتفي المشروط، و أجاب: بمنع كون الستر شرطا مطلقا، انّما هو شرط مع الذكر (5).

و كلام الشيخ و المحقّق ليس فيهما تصريح بأن الإخلال بالستر غير مبطل مع النسيان على الإطلاق؛ لأنّه يتضمن انّ الستر حصل في بعض الصلاة، فلو انتفى في جميع الصلاة لم يعرضا له، بخلاف كلام ابن الجنيد، فإنّه صريح في الأمرين.

____________

(1) مختلف الشيعة: 83.

(2) المبسوط 1: 87.

(3) المعتبر 2: 106.

(4) التهذيب 2: 216 ح 851.

(5) مختلف الشيعة: 83.

16

و الرواية تضمّنت الفرج و جاز كونه للجنس- فيشمل الفرجين- و للوحدة، فإن كان للجنس ففيه مخالفة في الظاهر لكلام ابن الجنيد، و ان كان للوحدة ففيه موافقة في الظاهر لكلام الجماعة.

و ليس بين الصحة مع عدم الستر بالكلية، و بينها مع عدمه ببعض الاعتبارات، تلازم. بل جاز أن يكون المقتضي للبطلان انكشاف جميع العورة في جميع الصلاة، فلا يحصل البطلان بدونه. و جاز أن يكون المقتضي للصحة ستر جميعها في جميعها، فتبطل بدونه.

و اما تخصيص ابن الجنيد بالإعادة في الوقت فوجهه: انّ القضاء انّما يجب بأمر جديد، و لم يوجد هنا. و لقائل أن يقول: إذا كان الستر شرطا على الإطلاق فهو كالطهارة التي لا يفترق الحال فيها بين الوقت و خارجه.

و لو قيل: بأن المصلي عاريا مع التمكّن من الساتر يعيد مطلقا، و المصلي مستورا و يعرض له التكشّف في الأثناء بغير قصد لا يعيد مطلقا، كان قويا. نعم، يجب عليه عند الذكر الستر قطعا، فلو أخلّ به بطلت حينئذ لا قبله.

السابعة [حكم ما لو وجد ساتر إحدى العورتين]

لو وجد ساتر إحداهما وجب؛ لعموم: «فأتوا منه ما استطعتم» (1) و لأصالة عدم اشتراط إحداهما بالأخرى. و حينئذ فالأولى صرفه الى القبل لبروزه و استقبال القبلة به، و الآخر مستور بالأليتين، الّا انّه يومئ؛ لبقاء العورة.

و لو صرفه الى الآخر فالأولى البطلان؛ لتحقّق المخالفة.

و الشيخ قال: ان وجد ما يستر بعض عورته وجب عليه ستر ما قدر عليه (2) و أطلق.

أما الخنثى المشكل، فإن أمكنه ستر القبلين وجب و قدّم على الدبر، و الّا

____________

(1) مسند أحمد 2: 247، صحيح مسلم 2: 975 ح 1337، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 6: 7 ح 3696، السنن الكبرى 1: 215.

(2) المبسوط 1: 88.

17

فالأقرب ستر الذكر لبروزه. و قال بعض العامة: يستر ما ليس للمطّلع، فان كان عنده رجل ستر آلة النساء، و ان كان عنده امرأة ستر آلة الرجل؛ لزيادة الفحش (1).

و لو كان في الثوب خرق، فان لم يحاذ العورة فلا بحث، و ان حاذاها بطل. و لو جمعه بيده بحيث يتحقّق الستر بالثوب صحّ.

و لو وضع يده عليه فالأقرب البطلان؛ لعدم فهم الستر ببعض البدن من إطلاق اللفظ.

و لو وضع غير المصلي يده عليه في موضع يجوز له الوضع أمكن الصحة، لحصول الستر و خروجه عن المصلّي. و الوجه البطلان أيضا؛ لمخالفة الستر المعهود، و الّا لجاز ستر جميع العورة ببدن الغير.

[في ذكر مسائل مرتبطة بالمقام:]

و يلحق بذلك الاحكام، و هي مسائل:

الاولى [عدم سقوط الصلاة مع فقد الساتر]

لا تسقط الصلاة بعدم الساتر إجماعا. و يكفي في الستر مسمّاه و لو بورق الشجر أو الحشيش؛ لرواية علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «إن أصاب حشيشا يستر منه عورته أتمّ صلاته بالركوع و السجود» (2).

و لو لم يجده، و أمكن وضع طين بحيث يستر الحجم و اللون، وجب.

و الأقرب انّه لا يجزئ مع إمكان الستر بغيره؛ لعدم انصراف اللفظ اليه. و وجه الإجزاء حصول مقصود الستر. نعم، لو خاف تناثره لجفافه لم يجز مع وجود الثوب قطعا.

و لو ستر اللون فقط لا مع إمكان ستر الحجم وجب؛ لما روى ابن بابويه عن عبيد اللّٰه الرافقي، عن قيّم حمام الباقر (عليه السلام)، انه قال: «النورة سترة» (3). و في سقوط الإيماء هنا نظر، من حيث إطلاق الستر عليه، و من إباء

____________

(1) المجموع 3: 182.

(2) التهذيب 2: 365 ح 1515.

(3) الفقيه 1: 65 ح 250 عن عبيد اللّٰه المرافقي، و في نسخة، الواقفي، و في الكافي 6: 497 ح 7 عبيد اللّٰه الدابقي.

18

العرف.

و لو كان الثوب رفيقا يبدو منه الحجم لا اللون فالاكتفاء به أقوى؛ لأنه يعدّ ساترا، و في رواية تأتي انه إذا وصف لم يجز (1).

و لو وجد وحلا و لا ضرر فيه تلطّخ به. و لو لم يجد الّا ماء كدرا استتر به مع إمكانه، و في المعتبر: لا يجبان؛ للمشقة و الضرر (2).

و لو وجد حفيرة ولجها، و الأقرب: انّه يصلي قائما؛ لإمكانه مع استتار العورة، و به أفتى الشيخ (3).

و هل يركع و يسجد؟ قطع به المحقق؛ لحصول الستر، و لم يثبت شرطية التصاقه بالبدن (4) فيجب إتمام الأركان. و في مرسل أيوب بن نوح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها فسجد فيها و ركع» (5).

و الشيخ لم يصرّح بالركوع و السجود.

و أولى بالجواز الفسطاط الضيق إذا لم يمكن لبسه، اما الحب و التابوت فمرتب على الفسطاط و الحفيرة؛ لعدم التمكّن من الركوع و السجود فيه، الّا أن تكون صلاة الجنازة و الخوف.

الثانية [عدم وجوب زر الثوب إذا لم تبدو العورة منه حينا ما]

لا يجب زرّ الثوب إذا كان لا تبدو العورة منه حينا ما، أفتى به الشيخ (6) و هو في رواية زياد بن سوقة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لا بأس بان يصلي أحدكم في الثوب الواحد و أزراره محلولة، انّ دين محمد صلّى

____________

(1) الكافي 3: 402 ح 24، التهذيب 2: 214 ح 837.

(2) المعتبر 2: 106.

(3) المبسوط 1: 87.

(4) المعتبر 2: 105.

(5) التهذيب 2: 365 ح 1517، 3: 179 ح 405.

(6) المبسوط 1: 88.

19

اللّٰه عليه و آله حنيف» (1). و اشترطنا عدم بدو العورة و لو في حين ما لاختلال الشرط. و في رواية محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «إذا كان القميص صفيقا، أو القباء ليس بطويل الفرج، فلا بأس» (2).

و لو برزت العورة حين الركوع للناظرين بطلت الصلاة حينئذ. و قال بعض العامة: تبطل من أصلها إذ لم يصلّ في ساتر العورة (3). و يترتّب: ما لو استدرك الستر، أو اقتدى به عالم قبل الركوع ثم نوى الانفراد، فعلى ما قلناه يصحّ، و على ما قاله لا يصحّ.

و لو برزت للمصلّي لا لغيره، فالأقرب البطلان إذا قدّر رؤية الغير لو حاذى الموضع، و أطلق في المعتبر الصحة إذا بانت له حالة الركوع (4)، و الأقرب الاجتزاء بكثافة اللحية المانعة من الرؤية، و وجه المنع انّه غير معهود في الستر كما مرّ.

فان قلت: روى غياث بن إبراهيم، عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، انه قال: «لا يصلي الرجل محلول الأزرار إذا لم يكن عليه إزار» (5).

قلت: حملها الشيخ على الاستحباب، مع إمكان حملها على ما تبدو معه العورة. و يؤيد حمل الشيخ ما رواه إبراهيم الأحمري عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل يصلي و أزراره محلولة؟ قال: «لا ينبغي ذلك» (6).

و اما ما رواه العامة عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول اللّٰه اني أصيد،

____________

(1) الكافي 3: 395 ح 8، الفقيه 1: 174 ح 74، التهذيب 2: 216 ح 850، 357 ح 1477، الاستبصار 1: 392 ح 1492.

(2) الكافي 3: 393 ح 1، التهذيب 2: 216 ح 852، باختصار في الألفاظ.

(3) لاحظ: المجموع 3: 174.

(4) المعتبر 2: 106.

(5) التهذيب 2: 326 ح 1334، 357 ح 1476، الاستبصار 1: 392 ح 1495.

(6) التهذيب 2: 369 ح 1535، الاستبصار 1: 392 ح 1496.

20

فأصلي في القميص الواحد؟ قال: «نعم، و ازرره بشوكة» (1) فان صحّ فيحمل على الحملين المذكورين.

الثالثة [وجوب شراء الساتر بثمن مثله مع المكنة]

يجب شراء الساتر بثمن مثله مع المكنة، أو استئجاره. و لو زاد عن المثل و تمكن منه، فالأقرب أنّه كماء الطهارة.

و لو أعير وجب القبول إذ لا كثير منّة فيه.

و لو وهب منه قطع الشيخ بوجوب القبول أيضا (2) و هو قوي لتمكّنه من الستر. و الفاضل يمنعه للمنّة (3)، و هو بناء على انّه ليس للموهوب ردّه بعد الصلاة إلا بعقد جديد، لاتصال الهبة بالتصرف. و لو قلنا بجواز الرد فهو كالعارية.

و لو وجد الساتر في أثناء الصلاة فكما مر في المعتقة. و لو طال زمان حمله اليه و لم يخرج عن كونه مصليا انتظر، و ان خرج بطلت، و حينئذ ليس له الاشتغال بشيء من أفعال الصلاة. و يحتمل البطلان؛ لانّه مصل أمكنه الستر و لم يفعل، و فيه منع ظاهر.

الرابعة [وجوب مراعاة الستر من الجوانب و من فوق]

الستر يراعى من الجوانب و من فوق، و لا يراعى من تحت. فلو كان على طرف سطح ترى عورته من تحته أمكن الاكتفاء؛ لأنّ الستر انما يلزم من الجهة التي جرت العادة بالنظر منها. و عدمه- و هو الذي اختاره الفاضل (4)- لأنّ الستر من تحت انما لا يراعى إذا كان على وجه الأرض؛ لعسر التطلع حينئذ، اما صورة الفرض فالأعين تبتدر لإدراك العورة.

و لو قام على مخرم لا يتوقع ناظر تحته، فالأقرب أنه كالأرض؛ لعدم

____________

(1) ترتيب مسند الشافعي 1: 63 ح 187، مسند احمد 4: 49، صحيح البخاري 1: 99، سنن أبي داود 1: 170 ح 632، سنن النسائي 2: 70، شرح معاني الآثار 1: 380.

(2) المبسوط 1: 88.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 94.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 94.

21

ابتدار الأعين.

الخامسة: لو احتاج الى شراء الثوب و الماء، و معه ثمن أحدهما قدّم الثوب؛

لأنّ للماء بدلا. و تخصّ المرأة بالثوب الموصى به لأولى الناس به في موضع معين، أو المنذور و شبهه؛ لان عورتها أفحش، ثم الخنثى، ثم الرجل.

و مع التساوي يمكن تقديم الصالح للإمامة منهم، ثم الأفضل بخصال دينية؛ ثم القرعة. و لو أمكن التناوب فعل، و يقدّم بالقرعة.

السادسة [حكم الصلاة مع فقد الساتر]

لو فقد الساتر صلّى عاريا مع سعة الوقت عند الشيخ (1). و عند المرتضى و سلار يجب التأخير (2) بناء على أصلهما في أصحاب الأعذار.

و مال في المعتبر الى تفصيل التيمم بالرجاء المظنون و عدمه (3) و هو قريب، امّا مجرد الرجاء فلا؛ لعموم الأمر بالصلاة عند الوقت.

قال الأكثر: و يصلي قائما إن لم يره أحد و الّا فجالسا (4) لمرسل ابن مسكان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قالوا: و يومئ بالركوع و السجود في الحالين (6).

و المرتضى: يصلّي جالسا مومئا مطلقا (7)؛ لرواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في العاري: «ان كان امرأة جعلت يدها على فرجها، و ان كان رجلا وضع يده على سوأته، يجلسان فيومئان إيماء، و لا يركعان و لا يسجدان فيبدو ما

____________

(1) النهاية: 130.

(2) جمل العلم و العمل 3: 49، المراسم: 62.

(3) المعتبر 2: 108.

(4) راجع: النهاية: 130، المبسوط 1: 130، الخلاف 1: 399 المسألة 151، المراسم: 77، مختلف الشيعة: 84.

(5) التهذيب 2: 365 ح 1516.

(6) راجع: المقنعة: 36، السرائر: 80، المعتبر 2: 104، مختلف الشيعة: 83.

(7) جمل العلم و العمل 3: 49.

22

خلفهما، تكون صلاتهما إيماء برءوسهما» (1). و رواه العامة عن عبد اللّٰه بن عمر، قالوا: و لم يخالفه أحد (2).

و في رواية علي بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام) إطلاق القيام و الإيماء (3) و اختارها ابن إدريس (4).

و في المعتبر احتمل التخيير بين القيام و القعود؛ لتعارض الروايتين، و ضعّف المفصّلة بالإرسال، و نقل التخيير عن ابن جريج من العامّة (5).

قلت: و هو مذهب أبي حنيفة قال: و القعود أولى؛ لأنّ الإيماء خلف عن الأركان، و لا خلف عن ستر العورة (6).

و اما المراسيل فإذا تأيّدت بالشهرة صارت في قوة المسانيد، و خصوصا مع ثقة المرسل، و عبد اللّٰه بن مسكان من أجلّ الثقات من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، و روى قليلا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

قال الشيخ الجليل أبو النضر محمد بن مسعود العياشي- قدس اللّٰه روحه-: كان ابن مسكان لا يدخل على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) شفقة أن لا يوفيه حق إجلاله، و كان يسمع من أصحابه و يأبى أن يدخل عليه (7).

قلت: لعلّه انما دخل على الكاظم (عليه السلام) مع امتناعه عن الدخول على أبيه (عليه السلام)؛ لترقيه في قوتي العلم و العمل، حتى صار في زمن الكاظم (عليه السلام) أهلا للدخول عليه.

____________

(1) الكافي 3: 396 ح 16، التهذيب 2: 364 ح 1512، 3: 178 ح 403.

(2) المغني 1: 665.

(3) التهذيب 2: 365 ح 1515، 3: 296 ح 900.

(4) السرائر: 55.

(5) المعتبر 2: 105.

(6) الهداية 1: 44، المغني 1: 664، شرح العناية 1: 230- 231، الاختيار 1: 58، المجموع 3: 183.

(7) حكاه عنه الكشي في اختيار معرفة الرجال: 382 رقم 716.

23

فروع:

هل يومئ القائم للسجود قائما أم قاعدا؟ أطلق الأصحاب و الرواية. و كان شيخنا عميد الدين- نضّر اللّٰه وجهه- يقوّي جلوسه؛ لأنه أقرب الى هيئة الساجد فيدخل تحت: «فاتوا منه ما استطعتم» (1).

و يشكل: بأنّه تقييد للنص، و مستلزم للتعريض لكشف العورة في القيام و القعود، فان الركوع و السجود انّما سقطا لذلك، فليسقط الجلوس الذي هو ذريعة إلى السجود، و لانّه يلزم القول: بقيام المصلي جالسا ليومئ للركوع لمثل ما ذكره، و لا أعلم به قائلا، فالتمسّك بالإطلاق أولى.

و يجب الإيماء هنا بالرأس لخبر زرارة (2) لما فيه من قرب الشبه بالراكع و الساجد. و قد قال الفاضلان- في المعتبر و التذكرة و النهاية-: يومئ المريض برأسه فإن تعذّر فبالعينين (3) فهذا أولى.

قال الأصحاب: و ليكن السجود أخفض هنا و في المريض (4) بمعنى زيادة الانخفاض في السجود الايمائي عن الانخفاض في الركوع الايمائي، كما كان الانخفاض في السجود الحقيقي أزيد. و الظاهر انّ ذلك واجب؛ ليفترقا، و ليقرب من الأصل.

و هل يجب أن يبلغ في الإيماء إلى حدّ لو زاد عليه لبدت العورة؟ الأقرب ذلك؛ استصحابا للأصل. و يمكن الاجتزاء بمسمى الإيماء بالرأس، لظاهر

____________

(1) مسند احمد 2: 247، صحيح مسلم 2: 975 ح 1337، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 6: 7 ح 3696، السنن الكبرى 1: 215.

(2) تقدم في ص 22 الهامش 1.

(3) المعتبر 2: 160، تذكرة الفقهاء 1: 110، نهاية الإحكام 1: 441.

(4) راجع: المقنعة: 36، المبسوط 1: 130، جمل العلم و العمل 3: 49، تذكرة الفقهاء 1:

123.

24

الرواية.

و هل يجب في الإيماء للسجود وضع اليدين و الركبتين و إبهامي الرجلين على المعهود؟ يحتمل ذلك، لما قلناه. و عدمه؛ لصدق مسمّى الإيماء.

و كذا، هل يجب وضع شيء يسجد عليه بجبهته مع الإيماء؟ لم يعرض له الأصحاب هنا. فان قلنا به، و أمكن تقريب مرتفع اليه، وجب و سجد عليه.

و ان لم يمكن، و كان هناك من يقرب إليه شيئا، فعل. و ان تعذّر الا بيده، سقط السجود عليها و قرّب المسجد بها؛ لأنّ الجبهة أشرف أعضاء السجود.

و لم أظفر في هذه كلها بكلام سابق في هذا الباب. نعم، ما ذكره الشيخ في المبسوط- في المريض- انّه لو عجز عن كمال الركوع حتى رأسه و ظهره، فان لم يقدر عليه أومأ برأسه و ظهره. و ان عجز عن كمال السجود وضع شيئا ثم سجد عليه (1) قال: و ان رفع إليه شيئا و سجد عليه كان أيضا جائزا (2).

و في التذكرة- في المريض-: يدني جبهته من الأرض إلى أقصى ما يقدر عليه، و لو افتقر الى نصب مخدّة و شبهها جاز (3).

و في المعتبر- في المريض أيضا-: لو عجز عن السجود جاز أن يرفع اليه ما يسجد عليه و لم يجز الإيماء؛ لانه أتم.

قال: و به روايات، منها: رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال سألته عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا فيسجد عليه؟ فقال: «لا، الّا ان يكون مضطرا ليس عنده غيرها، و ليس شيء ممّا حرّم اللّٰه الّا و قد أحلّه لمن اضطر اليه» (4).

____________

(1) المبسوط 1: 110.

(2) المبسوط 1: 110.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 122.

(4) المعتبر 2: 161- 162.

و رواية أبي بصير في التهذيب 3: 177 ح 397.

25

قلت: و روى سماعة، قال: سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس؟

قال: «فليصل و هو مضطجع، و ليضع على جبهته شيئا إذا سجد فإنه يجزئ عنه» (1). و هذا يدلّ على انّ وضع المسجد معتبر في غير هذه الصورة بطريق الأولى.

السابعة [استحباب الصلاة جماعة للعراة و كيفيتها]

يستحبّ للعراة الصلاة جماعة- رجالا كانوا أو نساء- إجماعا لعموم شرعية الجماعة و أفضليتها. و منع بعض العامة من الجماعة إلّا في الظلمة حذرا من بدو العورة (2) ساقط، لأنّا نتكلم على تقدير عدمه.

ثم الذي دلّ عليه خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قوم قطع عليهم الطريق و أخذت ثيابهم، فبقوا عراة و حضرت الصلاة كيف يصنعون؟ فقال: «يتقدّمهم إمامهم فيجلس و يجلسون خلفه، فيومئ الامام بالركوع و السجود و يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم» (3). و بها عمل الشيخ في النهاية (4).

و قال المرتضى و المفيد: يومئ الجميع كالصلاة فرادى (5) و هو اختيار ابن إدريس مدعيا للإجماع (6).

و في المعتبر رجّح مضمون الرواية؛ لجودة سندها (7).

و يشكل بانّ فيه تفرقة بين المنفرد و الجامع، و قد نهي المنفرد عن الركوع و السجود- كما تقدم- لئلا تبدو العورة. و قد روى عبد اللّٰه بن سنان عن أبي

____________

(1) التهذيب 3: 306 ح 944.

(2) كمالك و أبي حنيفة و الأوزاعي، راجع: المغني 1: 668.

(3) التهذيب 2: 365 ح 1514.

(4) النهاية: 130.

(5) المقنعة: 36، جمل العلم و العمل 3: 49.

(6) السرائر: 80.

(7) المعتبر 2: 107.

26

عبد اللّٰه (عليه السلام): «يتقدمهم الامام بركبتيه و يصلي بهم جلوسا و هو جالس» (1) و أطلق.

و بالجملة يلزم من العمل برواية إسحاق أحد أمرين: اما اختصاص المأمومين بهذا الحكم، و اما وجوب الركوع و السجود على كل عار إذا أمن المطلع، و الأمر الثاني لا سبيل اليه، و الأمر الأول بعيد.

فروع:

الأول:

الظاهر انّ هذا الحكم مخصوص بأمنهم المطّلع؛ لأنّ فحوى إيماء الإمام يشعر به، فلو كان المطلع فالإيماء لا غير، و اطلاع بعضهم على بعض غير ضائر؛ لأنّهم في حيّز التستر باعتبار التضام و استواء الصف.

و لكن يشكل بانّ المطلع هنا ان صدق وجب الإيماء و الّا وجب القيام.

و يجاب بانّ التلاصق في الجلوس أسقط اعتبار الاطلاع بخلاف القيام، فكأنّ المطلع موجود حالة القيام، و غير معتدّ به حالة الجلوس.

الثاني:

لو احتاجوا الى صفّين فالصف الأول كالإمام، و الصف الثاني يركعون و يسجدون، و كذا لو تعدّدت الصفوف. نعم، لو كانوا في مكان مظلم أمكن وجوب الركوع و السجود على الجميع.

الثالث:

لو جامعهم ذو ثوب و هو أهل للإمامة أمّهم متما و الّا صلّى فيه، و استحبّ إعارته غيره؛ لانّه تعاون على البر و التقوى. و لو أمكن إعارته الجميع فعل، و وجب عليهم القبول. و ليعر من يصلح للإمامة مع ضيق الوقت، و مع سعته ليس لهم الائتمام مع إمكان استعارة الثوب، و لا يجوز تأخّر الصلاة عن الوقت انتظارا لهذا الساتر، و ليس لصاحب الثوب الائتمام بأحدهم؛ لأنّ القائم لا يأتم بالقاعد.

الرابع:

لو اجتمعت النساء و الرجال تعذّرت الإمامة للجميع ان قلنا

____________

(1) التهذيب 2: 365 ح 1513، 3: 178 ح 404.

27

بتحريم المحاذاة، فليصلّ كلّ على حدته جماعة، و الّا جاز. و لو كان هناك حائل صح، و كذا مع الظلمة أو الآفة المانعة من الرؤية.

الخامس:

يجب عليهم غضّ البصر مع إمكان الرؤية، فلو تركوه أثموا.

و في بطلان صلاة المنظور وجه بعيد؛ لأنّ الرؤية ليس من فعله. و لا تبطل صلاة الناظر؛ لانّه نهي عن خارج من الصلاة.

28

الفصل الثاني: في الساتر

تجوز الصلاة في كل ما يستر العورة عدا أمور:

أحدها: جلد الميتة

و لو دبغ بإجماعنا- الا من شذ (1)- لما مرّ، و لما رووه عن جابر عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) انه قال: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» (2).

و عنه عليه الصلاة و السلام: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب و لا عصب» (3).

و هو شامل لحالتي الدباغ و عدمه.

و روينا عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا، و لو دبغ سبعين مرة» (4).

و في مرسل ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام): «لا تصل في شيء منه و لا شسع» (5).

و لأنّ الميتة نجسة، و الدباغ غير مطهر.

و المبطل للصلاة فيه علم كونه ميتة، أو الشك إذا وجد مطروحا لأصالة عدم التذكية، أو في يد كافر عملا بالظاهر من حاله، أو في سوق الكفر.

____________

(1) قال في جواهر الكلام 8: 49 بعد حكاية هذا الاستثناء عن المصنف: لم نتحقق ذلك، و لعله الشلمغاني الذي حكي عن ظاهره الجواز، لكن لم يثبت انه منا .. و اما احتمال انه الصدوق و الكاتب ففيه انهما و ان قالا بطهارته إلا أنهما وافقا على المنع من الصلاة، و من هنا حكي عن المجمع الإجماع من أصحابنا حتى القائلين بطهارته.

(2) شرح معاني الآثار 1: 468، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 2: 286 ح 1276، نيل الأوطار 1: 78 عن البخاري في تاريخه.

(3) مسند احمد 4: 310، سنن أبي داود 4: 67 ح 4127، الجامع الصحيح 4: 222 ح 1729، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 2: 286 ح 1274، السنن الكبرى 1: 15.

(4) الفقيه 1: 160 ح 750، التهذيب 2: 203 ح 794.

(5) التهذيب 2: 203 ح 793.

29

و لو وجد في يد مستحل بالدبغ ففيه صور ثلاث:

أ: ان يخبر بأنّه ميتة، فليجتنب؛ لاعتضاده بالأصل من عدم الذكاة.

ب: أن يخبر بأنّه مذكّى، فالأقرب القبول؛ لأنّه الأغلب، و لكونه ذا يد عليه فيقبل قوله فيه، كما يقبل في تطهير الثوب النجس. و يمكن المنع؛ لعموم: «فتثبّتوا» (1) و لأنّ الصلاة في الذمة بيقين فلا تزول بدونه.

ج: أن يسكت، ففي الحمل على الأغلب من التذكية، أو على الأصل من عدمها، الوجهان.

و قد روى في التهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج، قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): اني أدخل سوق المسلمين- أعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام- فاشتري منها الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها: أ ليس هي ذكية؟

فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على انّها ذكية؟ فقال: «لا، و لكن لا بأس أن تبيعها، و تقول: قد شرط الذي اشتريتها منه انّها ذكية». قلت: و ما أفسد ذلك؟ قال: «استحلال أهل العراق للميتة، و زعموا انّ دباغ جلد الميت ذكاته، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك الّا على رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)» (2).

و في هذا الخبر إشارة إلى انّه لو أخبر المستحلّ بالذكاة لا يقبل منه؛ لان المسئول في الخبر إن كان مستحلا فذاك، و الا فبطريق الأولى.

و عن أبي بصير عنه (عليه السلام): «كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا فلا يدفئه فراء الحجاز، لان دباغها بالقرظ. و كان يبعث الى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي

____________

(1) كذا في النسخ، و الظاهر انها إشارة إلى الآية 6 من سورة الحجرات، و انظر مجمع البيان 5: 131.

(2) الكافي 3: 398 ح 5، التهذيب 2: 204 ح 798.

30

يليه، و كان يسأل عن ذلك، فيقول: انّ أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة، و يزعمون انّ دباغه ذكاته» (1).

قلت: الصّرد- بفتح الصاد و كسر الراء-: من يجد البرد سريعا. يقال:

صرد الرجل يصرد صردا، فهو صرد و مصراد.

و في هذا دلالة على جواز لبسه في غير الصلاة، و كذا في مفهوم خبر محمد بن مسلم السالف؛ لأنّ فيه: سألته عن الجلد الميت، أ يلبس في الصلاة إذا دبغ؟ (2). و يمكن حمل هذا على ما لم يعلم كونه ميتة، و يكون فعل الامام احتياط للدين، و المفهوم في السالف ضعيف؛ لان تحريم الميتة يستلزم تحريم وجوه الانتفاع.

تنبيه:

هذه الصور الثلاث آتية في غير المستحل، و القبول إذا أخبر بالذكاة أقوى منه في الأول و ان كان فاسقا، و إذا سكت فأولى أيضا.

اما ما يشترى من سوق الإسلام، فيحكم عليه بالذكاة إذا لم يعلم كون البائع مستحلا؛ عملا بالظاهر، و نفيا للحرج.

و يكفي في سوق الإسلام أغلبية المسلمين؛ لرواية إسحاق بن عمار، عن العبد الصالح (عليه السلام)، قال: «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام». قلت له: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: «إن كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس» (3).

و عن البزنطي، قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أ ذكية هي أم لا، أ يصلي فيها؟ فقال: «نعم، ليس عليكم المسألة انّ أبا

____________

(1) الكافي 3: 397 ح 2، التهذيب 2: 203 ح 796.

(2) تقدم في ص 28 الهامش 4.

(3) التهذيب 2: 368 ح 1532، باختلاف يسير.

31

جعفر (عليه السلام) كان يقول: انّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، انّ الدين أوسع عليهم من ذلك» (1). و رواه في الفقيه عن سليمان بن جعفر الجعفري، عن العبد الصالح موسى بن جعفر (عليه السلام): عن الرجل يأتي السوق، الحديث (2).

قال ابن بابويه: و سأل إسماعيل بن عيسى أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الجلود و الفراء تشترى، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟

قال: «عليكم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتموهم يصلون فلا تسألوهم» (3).

و عن علي بن أبي حمزة، انّ رجلا سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)- و انا عنده- عن الرجل يتقلد السيف يصلّي فيه، قال: «نعم». فقال الرجل: انّ فيه الكيمخت. فقال: «و ما الكيمخت؟» فقال: جلود دواب منه ما يكون ذكيا و منه ما يكون ميتة. فقال: «ما علمت أنّه ميتة فلا تصلّ فيه» (4). و فيه دلالة على تغليب الذكاة عند الشك، و هو يشمل المستحلّ و غيره.

و عن البزنطي، عن الرضا (عليه السلام): سألته عن الخفاف تأتي السوق فيشترى الخفّ لا يدرى أ ذكي هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه أ يصلّي فيه؟

قال: «نعم، أنا أشتري الخف من السوق و يصنع لي فأصلّي فيه، و ليس عليكم المسألة» (5).

قلت: و هذا يدلّ على الأخذ بظاهر الحال على الإطلاق، و هو شامل للأخذ من المستحلّ و غيره.

____________

(1) التهذيب 2: 368 ح 1529.

(2) الفقيه 1: 167 ح 787.

(3) الفقيه 1: 167 ح 788، التهذيب 2: 371 ح 1544.

(4) التهذيب 2: 368 ح 1530.

(5) قرب الاسناد: 170، التهذيب 2: 371 ح 1545.

32

و يؤيده انّ أكثر العامة لا يراعي في الذبيحة الشروط التي اعتبرناها (1)، مع الحكم بحل ما يذكّونه، بناء على الغالب من القيام بتلك الشرائط. و أيضا فهم مجمعون على استحلال ذبائح أهل الكتاب و استعمال جلودها (2)، و لم يعتبر الأصحاب ذلك (3)؛ أخذا بالأغلب في بلاد الإسلام من استعمال ما ذكّاه المسلمون.

و ثانيها: جلد غير المأكول و صوفه و شعره و وبره

- عدا الخز و السنجاب- ذكّي أو لا، دبغ أو لا؛ لما رووه عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) بطريق المقدام ابن معديكرب: انّه نهى عن جلود السباع و الركوب عليها (4) و هو شامل لغير الصلاة لكنه خرج بدليل آخر.

و روينا عن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): انّه أخرج كتابا زعم انّه إملاء رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): «انّ الصلاة في كل شيء حرم أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتى تصلى في غيره» (5).

قال في المعتبر: و لأنّ خروج الروح من الحي سبب الحكم بموته الذي هو سبب المنع من الانتفاع بالجلد، و لا تنهض الذباحة مبيحة ما لم يمكن المحل قابلا. و اعترض على نفسه بجواز استعماله في غير الصلاة، و أجاب:

بإمكان استعداده بالذبح لذلك دون الصلاة، لعدم تمامية الاستعداد له (6).

قلت: هذا تحكّم محض؛ لأنّ الذكاة إن صدقت فيه أخرجته عن الميتة

____________

(1) المغني 11: 43، المجموع 9: 75.

(2) المغني 11: 36، المجموع 9: 78.

(3) راجع: النهاية: 97، شرائع الإسلام 2: 78، تذكرة الفقهاء 1: 94.

(4) سنن أبي داود 4: 68 ح 4131، سنن النسائي 7: 176، السنن الكبرى 1: 21.

(5) الكافي 3: 397 ح 1، التهذيب 2: 209 ح 818، الاستبصار 1: 383 ح 1454.

(6) المعتبر 2: 79- 80.

33

و الّا لم يجز الانتفاع، و لأنّ تمامية الاستعداد عنده بكونه مأكول اللحم فيتخلف عند انتفاء أكل لحمه، فليسند المنع من الصلاة فيه الى عدم أكل لحمه من غير توسط نقص الذكاة فيه.

هذا كله فيما يقع عليه الذكاة- كالسباع- و ان اختلف فيها، اما الذي لا يقع عليه الذكاة- كالكلب و الخنزير- فبطريق الأولى، لأنّه ميتة و دباغه لا يطهره عند أكثر العامة؛ لنجاسة عينه (1). و اما الحشرات فقد جزم كثير من الأصحاب بعدم وقوع الذكاة عليها (2) فهي من هذا القبيل، و على وقوع الذكاة هي من قبيل الأول.

و اختلفوا أيضا في المسوخ، و قد بينّا في شرح الإرشاد وقوع الذكاة عليها (3) فالمانع إذن عدم أكل اللحم.

و قد روى محمد بن الحسن الأشعري عن الرضا (عليه السلام)، قال:

«الفيل كان ملكا زنا، و الذئب كان أعرابيا ديوثا، و الأرنب كانت امرأة تخون زوجها و لا تغتسل من حيضها، و الوطواط كان يسرق تمور الناس، و القردة و الخنازير قوم من بني إسرائيل اعتدوا في السبت، و الجريث و الضب فرقة من بني إسرائيل حيث نزلت المائدة على عيسى (عليه السلام) لم يؤمنوا فتاهوا، فوقعت فرقة في البحر و فرقة في البر، و الفأرة هي الفويسقة، و العقرب كان نمّاما، و الدب و الوزغ و الزنبور كان لحاما يسرق في الميزان» (4).

و روى الصدوق في الخصال بإسناده إلى مغيرة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، عن أبيه، عن جده: «المسوخ من بني آدم ثلاثة عشر صنفا: القردة، و الخنازير، و الخفاش، و الضب، و الدب، و الفيل، و الدعموص، و الجريث

____________

(1) المجموع 1: 215، المغني 1: 84.

(2) راجع: المعتبر 2: 80 شرائع الإسلام 3: 210.

(3) راجع: شرح الإرشاد: 273، و قد اختار هناك عدم وقوع الذكاة عليها.

(4) الكافي 6: 246 ح 14، علل الشرائع: 485، التهذيب 9: 39 ح 166.

34

و العقرب، و سهيل، و الزهرة، و العنكبوت، و القنفذ» و ذكر في القرد و الخنزير ما مر «و الخفاش امرأة سحرت ظئرها، و الضب أعرابي يقتل كل من مرّ به، و الفيل ناكح البهائم، و الدعموص زان» و هو دويبة تغوص في الماء و جمعه دعاميص، «و الجريث نمّام، و العقرب همّاز، و الدب سارق الحاج، و سهيل عشار صاحب مكس، و الزهرة امرأة افتتن بها الملكان (1)، و العنكبوت امرأة سيئة الخلق عاصية لزوجها، و القنفذ رجل سيئ الخلق» (2).

و ذكر بسند آخر إلى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «انّ الفيل لوطي لا يدع رطبا و لا يابسا، و الدب مخنّث، و الجريث ديوث يدعو الى زوجته، و الضبّ أعرابي يسرق الحاج بمحجنه، و الوطواط سارق الثمار من رءوس النخل، و الدعموص نمام يفرق بين الأحبة، و العقرب لدّاغ (3) لا يسلم على لسانه أحد، و العنكبوت امرأة خانت زوجها، و الأرنب امرأة لا تتطهر من حيض و لا غيره، و سهيل عشار باليمن و الزهرة نصرانية افتتن بها الملكان و اسمها ناهيل» (4).

قال الصدوق: الزهرة و سهيل دابتان في البحر و ليسا نجمين، و لكن سمي بهما النجمان كالحمل و الثور.

قال: و المسوخ جميعها لم تبق أكثر من ثلاثة أيام ثم ماتت و لم تتوالد، و هذه الحيوانات على صورها سميت مسوخا استعارة (5).

____________

(1) في المصدر زيادة: «هاروت و ماروت».

(2) الخصال: 493.

(3) في المصدر و س: لذاع.

(4) الخصال: 494 ح 2.

(5) الخصال: 494.

35

تنبيهات:

الأول [في جواز الصلاة في وبر الخز الخالص]

أجمع الأصحاب على جواز الصلاة في وبر الخز الخالص. و قد روى معمر بن خلاد عن الرضا (عليه السلام)، انّه سأله عن الصلاة في الخز، فقال: «صل فيه» (1).

و عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «لا بأس به» (2).

و روى سليمان بن جعفر الجعفري: انّه رأى الرضا (عليه السلام) يصلي في جبّة خز (3).

و الظاهر انّ ذكاته إخراجه حيا؛ لما رواه ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أنّه كان عنده و دخل عليه رجل من الخزازين، فقال له: جعلت فداك، ما تقول في الصلاة في الخز؟ فقال: «لا بأس بالصلاة فيه». فقال له الرجل: جعلت فداك انّه ميت و هو علاجي و أنا أعرفه فقال له أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنا أعرف به منك». فقال له الرجل: انّه علاجي و ليس أحد أعرف به مني! فتبسّم أبو عبد اللّٰه (عليه السلام)، ثم قال: «تقول انّه دابة تخرج من الماء، أو تصاد من الماء، فإذا فقد الماء مات». فقال الرجل: صدقت جعلت فداك هكذا هو! فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «فإنك تقول: انّه دابة تمشي على أربع و ليس هو في حدّ الحيتان، فتكون ذكاته خروجه من الماء». فقال الرجل:

أي و اللّٰه هكذا أقول! فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «فان اللّٰه تعالى أحلّه، و جعل ذكاته موته، كما أحلّ الحيتان و جعل ذكاتها موتها» (4).

____________

(1) التهذيب 2: 212 ح 829.

(2) التهذيب 2: 212 ح 830، الاستبصار 1: 387 ح 1464.

(3) الفقيه 1: 170 ح 802، التهذيب 2: 212 ح 832.

(4) الكافي 3: 399 ح 11، التهذيب 2: 211 ح 828.

36

قال في المعتبر: عندي في هذه الرواية توقّف؛ لأنّ في طريقها محمد ابن سليمان الديلمي و هو ضعيف. و لتضمّنها حلّه، مع اتفاق الأصحاب على انّه لا يحلّ من حيوان البحر الا ماله فلس من السمك، مع إجماعنا على جواز الصلاة فيه، مذكّى كان أو ميتا، لانّه طاهر في حال الحياة و لم ينجس بالموت (1).

قلت: مضمونها مشهور بين الأصحاب فلا يضرّ ضعف الطريق.

و الحكم بحلّه جاز ان يستند الى حلّ استعماله في الصلاة و ان لم يذك، كما أحل الحيتان بخروجها من الماء حية، فهو تشبيه للحل بالحل لا في جنس الحلال.

و كأنّ المحقق(رحمه اللّٰه) يرى انّه لا نفس له سائلة، فلذلك حكم بطهارته لا باعتبار الرواية، قال: حدثني جماعة من التجار انه القندس و لم أتحققه (2).

قلت: لعلّه ما يسمى في زماننا بمصر: وبر السمك، و هو مشهور هناك.

و من الناس من زعم انّه كلب الماء، و على هذا يشكل ذكاته بدون الذبح؛ لأنّ الظاهر انّه ذو نفس سائلة، و اللّٰه أعلم.

اما جلده فالأصح جواز الصلاة فيه؛ لقول الرضا (عليه السلام) في خبر سعد بن سعد: «إذا حلّ وبره حلّ جلده» (3). و أنكره ابن إدريس (4) و لا وجه له؛ لعدم افتراق الأوبار و الجلود في الحكم غالبا.

و اما المغشوش منه بالحرير فجائز، إذ الحرام انما هو الحرير المحض، و هو مروي عن الباقر (عليه السلام) في الحرير المخلوط بالخز، و لحمته أو سداه

____________

(1) المعتبر 2: 84.

(2) المعتبر 2: 84.

(3) الكافي 6: 452 ح 7، التهذيب 2: 372 ح 1547

(4) السرائر: 56.

37

خز أو كتان، أو قطن، جائز (1).

و لا يجوز ما غش بوبر الأرانب و الثعالب على الأشهر، و ادعى فيه بعض الأصحاب الإجماع (2) و هو مروي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) بطريقين الا انّ فيهما انقطاعا (3).

و لا تعارضهما رواية داود الصرمي عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) بجوازه (4) لاشتهارهما دونها، و إمكان حملها على التقية.

الثاني [في جواز الصلاة في السنجاب و الحواصل]

قال الشيخ في المبسوط: لا خلاف في جواز الصلاة في السنجاب و الحواصل (5).

و قيدها ابن حمزة و بعضهم بالخوارزمية (6) تبعا لما ذكره في التهذيب عن بشير بن بشار، قال سألته عن الصلاة في الفنك و السنجاب، الى قوله (عليه السلام): «صل في السنجاب و الحواصل الخوارزمية» (7).

و منع منه في النهاية (8) و رواية زرارة السالفة تدلّ على المنع من حيث عدم أكل لحمه (9)- و هو ظاهر الأكثر (10)- و لأن في صدر الرواية انه سأله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب.

و يعارضها صحيحة أبي علي بن راشد، عن أبي جعفر (عليه السلام):

____________

(1) التهذيب 2: 367 ح 1524، الاستبصار 1: 386 ح 1468.

(2) كابن زهرة في الغنية: 493.

(3) التهذيب 2: 212 ح 830، 831، الاستبصار 1: 387 ح 1469، 1470.

(4) الفقيه 1: 170 ح 805، التهذيب 2: 213 ح 834، الاستبصار 1: 387 ح 1471.

(5) المبسوط 1: 83.

(6) الوسيلة: 87، الفقيه 1: 172، المقنع: 24.

(7) التهذيب 2: 210 ح 823، و في الاستبصار 1: 384 ح 1458 عن بشير بن يسار.

(8) النهاية: 587.

(9) تقدمت في ص 32 الهامش 5.

(10) راجع: الفقيه 1: 170، المهذب 1: 75، مختلف الشيعة: 79.

38

«صل في الفنك و السنجاب، فامّا السمور فلا تصل فيه» (1). و رواية مقاتل عن أبي الحسن (عليه السلام) في الصلاة في السمور و السنجاب و الثعالب: «لا خير في ذا كلّه ما خلا السنجاب، فإنّه دابة لا تأكل اللحم» (2).

قال المحقق: الخاص مقدم على العام. (3).

قلت: يدفع عمومه و يجعله خاصا معارضا ما في صدره. نعم، هو أسلم سندا؛ لأنّ في طريق الأول ابن بكير (4) و هو فاسد العقيدة و ان كان ثقة.

و الأقرب الجواز، و الخبر الأول لعلّه محمول على الكراهية في السنجاب و ان حرم الباقي، و يجوز استعمال المشترك في معنييه بقرينة.

فرع:

انما يجوز الصلاة فيه مع تذكيته؛ لانّه ذو نفس قطعا، و الدباغ غير مطهر عندنا. و قد اشتهر بين التجار و المسافرين انّه غير مذكّى، و لا عبرة بذلك؛ حملا لتصرف المسلمين على ما هو الأغلب. نعم، لو علم ذلك حرم استعماله.

الثالث [في عدم جواز الصلاة في جلد الأرنب و الثعلب و الفنك و السمور و لا في وبره]

لا تجوز الصلاة في جلد الثعلب و الأرنب و الفنك و السمور، و لا في وبره، على الأشهر في الروايات و الفتاوى، لعدم حل اللحم، و لتضمّن خبر زرارة ذلك (5) و رواية ابن أبي زيد عن الرضا (عليه السلام) في الثعالب: «لا تصل فيها» (6) و رواية علي بن مهزيار عن أبي الحسن الماضي كذلك (7).

و روى سعد بن سعد الأشعري عن الرضا (عليه السلام): النهي عن

____________

(1) الكافي 3: 400 ح 14، التهذيب 2: 210 ح 822، الاستبصار 1: 384 ح 1457.

(2) الكافي 3: 401 ح 16، التهذيب 2: 210 ح 821، الاستبصار 1: 384 ح 1456.

(3) المعتبر 2: 86.

(4) تقدم في ص 32 الهامش 5.

(5) تقدم في ص 32 الهامش 5.

(6) التهذيب 2: 206 ح 807، 210 ح 824، الاستبصار 1: 381 ح 1445.

(7) الكافي 3: 399 ح 8، التهذيب 2: 206 ح 808، الاستبصار 1: 381 ح 1446.

39

الصلاة في السمور، و ذكر السائل انّه يأخذ الدجاج و الحمام (1).

و يعارضها خبر عمار عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، سألته عن الفراء السمور و السنجاب و الثعلب و أشباهه؟ قال: «لا بأس بالصلاة فيه» (2). و خبر علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) في السمور و الفنك و الثعالب و جميع الجلود؟ قال: «لا بأس بذلك» (3).

و أذعن بهذين الخبرين المحقق لوضوح سندهما، و قال: لو عمل بهما عامل جاز، و ان كان الاحتياط للعبادة المنع (4).

قلت: هذان الخبران مصرحان بالتقية؛ لقوله في الأول: (و أشباهه)، و في الثاني: و (جميع الجلود)، و هذا العموم لا يقول به الأصحاب.

و هذه الاخبار لم تتضمن الأرنب، لكن رواية الخز المغشوش دالة عليها (5). و قد روى علي بن مهزيار قال: كتب إليه إبراهيم بن عقبة:

عندنا جوارب و تكك تعمل من وبر الأرانب، فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة و لا تقية؟ فكتب: «لا تجوز الصلاة فيها» (6).

و في المقنع: لا بأس بالصلاة في السنجاب و السمور و الفنك (7) لما روي في ذلك من الرخص.

الرابع [عدم جواز الصلاة في قلنسوة أو تكة متخذين من جلد غير المأكول]

لا تجوز الصلاة في قلنسوة أو تكة متخذين من جلد غير المأكول

____________

(1) التهذيب 2: 211 ح 827، الاستبصار 1: 385 ح 1461.

(2) التهذيب 2: 210 ح 825، الاستبصار 1: 384 ح 1459، عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

(3) التهذيب 2: 211 ح 826، الاستبصار 1: 385 ح 1560.

(4) المعتبر 2: 87.

(5) تقدمت في ص 37 الهامش 4.

(6) الكافي 3: 399 ح 9، التهذيب 2: 206 ح 806، الاستبصار 1: 383 ح 1451.

(7) المقنع: 24.

40

لتناول الأدلة لهما.

و في التهذيب حمل رواية جميل بجواز الصلاة في جلود الثعالب الذكية على القلنسوة و التكة و شبههما مما لا تتم به الصلاة (1). فقضية كلامه الجواز، و الأشبه المنع، و استثناء ذلك انما ثبت في النجاسة و هي مانع عرضي، و مثل ذلك ما لو اتخذتا من وبر غير المأكول؛ لما قلناه من العموم.

و في رواية محمد بن عبد الجبار انّه كتب الى أبي محمد (عليه السلام) يسأله: هل يصلّي في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه، أو تكة حرير، أو تكة من وبر الأرانب؟ فكتب: «لا تحل الصلاة في الحرير المحض، و ان كان الوبر ذكيا حلّت الصلاة فيه» (2).

و أجيب بضعف المكاتبة، و لأنّها تضمّنت قلنسوة عليها وبر فلا يلزم منه جوازها من الوبر.

و ثالثها: الحرير المحض للرجل في غير الحرب و الضرورة،

و عليه إجماع علماء الإسلام. و تبطل الصلاة فيه عندنا؛ للنهي الدالّ على فساد العبادة، سواء كان هو الساتر للعورة أو غيره.

و الأخبار بتحريم لبسه متظافرة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام). و عن أبي الحرث عن الرضا (عليه السلام) النهي عن الصلاة فيه (3) و قد تقدّمت المكاتبة (4).

و اما رواية محمد بن بزيع، عن الرضا (عليه السلام) في الصلاة في ثوب ديباج: «لا بأس ما لم يكن فيه التماثيل» (5) فحملها الشيخ على الحرب، أو

____________

(1) التهذيب 2: 206.

(2) التهذيب 2: 207 ح 810، الاستبصار 1: 383 ح 1453.

(3) التهذيب 2: 208 ح 810، الاستبصار 1: 386 ح 1464.

(4) راجع الهامش 2.

(5) التهذيب 2: 208 ح 815، الاستبصار 1: 386 ح 1465.

41

على غير المحض.

و اما رواية يوسف بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «لا بأس بالثوب ان يكون سداه و زرّه و علمه حريرا، و انما كره الحرير المبهم للرجال» (1) فمن باب إطلاق المكروه على الحرام.

و كذا رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «و انما يكره الحرير المحض للرجال و النساء» (2) و فيه ما مرّ من استعمال المشترك في معنييه.

و كذا رواية جراح المدائني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): انّه كان يكره القميص المكفوف بالديباج، و يكره لباس الحرير (3).

و اما القلنسوة و التكة فقد دلّت الرواية السابقة على المنع، و قد روى عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الثوب علمه ديباج: «لا تصل فيه» (4).

و يمكن الحمل على الكراهية؛ لما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «كل شيء لا تتم الصلاة فيه وحده، فلا بأس بالصلاة فيه، مثل: تكة الإبريسم، و القلنسوة، و الخف، و الزنار يكون في السراويل و يصلّى فيه» (5) و لانّه لا يزيد عن الكف بالحرير كما يجعل في الذيل و رءوس الأكمام، و قد رووا عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): انه نهى عن الحرير، الا موضع إصبعين، أو ثلاث، أو أربع (6) و روينا عن جراح المدائني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): انّه كان يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج (7)، و الأصل في الكراهية استعمالها

____________

(1) الفقيه 1: 171 ح 808، التهذيب 2: 209 ح 817، الاستبصار 1: 386 ح 1467.

(2) التهذيب 2: 367 ح 1524، الاستبصار 1: 386 ح 1468.

(3) الكافي 3: 403 ح 27، 6: 454 ح 6، التهذيب 2: 364 ح 1510.

(4) التهذيب 2: 372 ح 1548.

(5) التهذيب 2: 357 ح 1478.

(6) صحيح مسلم 3: 1643 ح 2069، سنن ابن ماجة 2: 1188 ح 3593، سنن أبي داود 4:

47 ح 4042، مسند أبي يعلى 1: 189 ح 213، شرح معاني الآثار 4: 244.

(7) راجع الهامش 3.

42

في بابها. و به أفتى الأصحاب (1).

و وردت أسماء- في الصحاح-: انه كان للنبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) جبّة كسروانية لها لبنة ديباج، و فرجاها مكفوفان بالديباج، و كان النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) يلبسها، قالت أسماء: فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها (2).

قلت: اللبنة: الجيب.

ثم هنا مسائل:

الأولى: يجوز افتراش الحرير و الصلاة عليه و التكأة؛

لرواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام): «تفترشه و تقوم عليه، و لا تسجد عليه» في سؤال علي له أ يصلح للرجل النوم عليه و التكأة (3)؟ و ظاهر الكلام شمول الجواب.

و تردد فيه المحقق، قال: لعموم تحريمه على الرجال (4).

قلت: الخاص مقدم على العام مع اشتهار الرواية، مع انّ أكثر الأحاديث تتضمن اللبس.

الثانية: يجوز لبس الحرير للنساء إجماعا؛

لما تقدم من تخصيص الرجال، و لما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) انه قال: «حرام على ذكور أمتي» (5).

____________

(1) راجع: المبسوط 1: 84، النهاية 98، المعتبر 2: 89، تذكرة الفقهاء 1: 95.

(2) المصنف لابن أبي شيبة 8: 170، مسند احمد 6: 347، صحيح مسلم 3: 1641 ح 2069، سنن ابن ماجة 2: 1188 ح 3594، سنن أبي داود 4: 49 ح 4054.

(3) قرب الاسناد: 86، التهذيب 2: 373 ح 1553.

(4) المعتبر 2: 89.

(5) المصنف لابن أبي شيبة 8: 163، مسند احمد 1: 96، 115، سنن ابن ماجة 2: 1189.

ح 3595، سنن أبي داود 4: 50 ح 4057، سنن النسائي 8: 160، مسند أبي يعلى 1: 235 ح 272.

43

و في صحيح مسلم عن علي (عليه السلام)، قال: «أهديت لرسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) حلة سيراء فبعث بها اليّ و أمرني فاطرتها بين نسائي» (1).

و في خبر آخر عن علي (عليه السلام): «انّ أكيدر دومة أهدى الى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) ثوب حرير، فقال: شققه خمرا بين الفواطم» (2).

قلت: السّيراء- بالسين المهملة المكسورة، و الياء المثناة تحت المفتوحة- هي الحلة فيها خطوط صفر. و معنى أطرتها: شققتها؛ لما في العبارة الأخرى، امّا من قولهم: أطرت المال بين القوم فطار لفلان كذا، أي: قدر، و اما من أطرت الشيء أطره إذا عطفته. و دومة: موضع بالشام قرب تبوك، و المشهور فيها ضمّ الدال و أجاز جماعة فتحها، و أنكره ابن دريد و نسبه الى خطأ المحدثين (3).

و اما صلاتهن فيه فالمشهور الجواز؛ لجواز اللبس لهن، و الأمر بالصلاة مطلق فلا يتقيد الا بدليل.

و منعه محمد بن بابويه (4) لأنّ زرارة سمع الباقر (عليه السلام): ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء، الا ما كان من خز مخلوط في لحمته أو سداه، أو كتان أو قطن، و انما يكره الحرير المحض للرجال و النساء (5). قال: و ورد الرخصة لهن يلبسه لا يلزم منها جواز الصلاة فيه، فيبقى النهي العام بحاله (6).

قلنا: طريق الخبر فيه موسى بن بكر و هو واقفي، مع معارضته بأشهر منه

____________

(1) المصنف لابن أبي شيبة 8: 159، مسند احمد 1: 139، صحيح البخاري 7: 195.

صحيح مسلم 3: 1644 ح 2071، سنن أبي داود 4: 47 ح 4043، سنن النسائي 8: 197.

(2) مسند احمد 1: 130، صحيح مسلم 3: 1645 ح 2071، سنن ابن ماجة 2: 1189 ح 3596، مسند أبي يعلى 1: 343 ح 437، شرح معاني الآثار 4: 253.

(3) جمهرة اللغة 3: 301.

(4) الفقيه 1: 171.

(5) التهذيب 2: 367 ح 1524، الاستبصار 1: 386 ح 1468.

(6) الفقيه 1: 171.

44

و أصح طريقا (1) و فتوى الأصحاب (2). و لو صحّ أوّل بحمل النهي على معنييه لقرينة، و تحمل الكراهية كذلك.

قال المحقق: هذه الرواية لا تبلغ حجة في تقييد إطلاق الأوامر القرآنية (3). و في المبسوط؛ تنزههن عنه أفضل (4).

الثالثة: انما يحرم الحرير المحض

اما الممتزج بغيره فلا: لما سبق. و لا فرق بين كون الحرير أكثر أو أقل- و لو كان الخليط عشرا، قاله المحقق (5) لما رووه عن ابن عباس ان النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) انما نهى عن الثوب الحرير المصمت (6) و لأصالة الحل، الا مع صدق الثوب من الحرير، و هو غير صادق مع المزج.

نعم، لو استهلك الحرير الخليط حتى أطلق عليه الحرير حرم، و لذا لو خيط الحرير بغيره لم يخرج عن التحريم، و أظهر في المنع ما لو كانت البطانة حريرا وحدها أو الظهارة.

أما الحشو بالحرير فقد قطع المحقق بمنعه؛ لعموم النهي، و للسرف (7) و هو ظاهر ابن بابويه (8). و بعض العامة جوّزه؛ لانّه لا خيلاء فيه (9).

و قد قال الحسين بن سعيد: قرأت في كتاب محمد بن إبراهيم الى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن الصلاة في ثوب حشوه قز، فكتب اليه

____________

(1) التهذيب 2: 208 ح 817، الاستبصار 1: 386 ح 1467.

(2) راجع: الوسيلة: 87، المراسم: 64، الغنية: 493.

(3) المعتبر 2: 89.

(4) المبسوط 1: 83.

(5) المعتبر 2: 90.

(6) مسند احمد 1: 313، سنن أبي داود 4: 50 ح 4055، شرح معاني الآثار 4: 255.

(7) المعتبر 2: 91.

(8) الفقيه 1: 171، المقنع: 24.

(9) المجموع 4: 438.

45

- و قرأته-: «لا بأس بالصلاة فيه»، أورده الشيخ في التهذيب (1) و اوله ابن بابويه بقز الماعز دون قز الإبريسم (2).

قال المحقق: و لأنّ الراوي لم يسمعه من محدّث و انما وجده في كتاب (3).

قلت: يضعف الأول بأنه خلاف الحقيقة الظاهرة، و الثاني بان إخبار الراوي بصيغة الجزم، و المكاتبة المجزوم بها في قوة المشافهة، مع انّ الخاص مقدم على العام، فلو قيل بالعمل برواية الحسين لم يكن بعيدا.

و يؤيده ما ذكره الصدوق في الفقيه: انه كتب إبراهيم بن مهزيار الى أبي محمد (عليه السلام) في الرجل يجعل في جبته بدل القطن قزا، هل يصلي فيه؟

فكتب: «نعم، لا بأس به» (4) أورده الصدوق بصيغة الجزم أيضا.

الرابعة: يجوز لبس الحرير المحض للرجال في الحرب

باتفاق علمائنا.

و قد رواه سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «و ان كان فيه تماثيل» (5).

و روى العامة: انه كان لعروة يلمق من ديباج بطانته من سندس محشو قزا، و كان يلبسه في الحرب (6) بمحضر التابعين، و لم ينكر عليه ذلك.

قلت: اليلمق: القباء، فارسي معرب.

قالوا: و لأنّ لبسه انما منع للخيلاء، و هو سائغ في الحرب؛ لما روي انّ

____________

(1) التهذيب 2: 364 ح 1509.

(2) الفقيه 1: 171 ح 807.

(3) المعتبر 2: 91.

(4) الفقيه 1: 171 ح 807.

(5) الكافي 6: 453 ح 3، الفقيه 1: 171 ح 807، التهذيب 2: 208 ح 816، الاستبصار 1:

386 ح 1466.

(6) المصنف لعبد الرزاق 11: 71 ح 19943، سنن سعيد بن منصور 2: 207 ح 2531، المصنف لابن أبي شيبة 8: 166.

46

النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) رأى رجلا من أصحابه يختال في مشيته بين الصفّين، فقال (عليه السلام): «انها لمشية يبعضها اللّٰه الا في هذه المواطن» (1).

قال المحقق: و لانّه تحصل به قوة القلب، و منع لضرر الزرد عند حركته، فجرى مجرى الضرورة (2).

الخامسة: يجوز لبسه مع الضرورة إجماعا،

كالبرد الشديد المانع من نزعه، أو الحر مع عدم غيره، و كدفع القمل.

و في صحيح مسلم عن أنس: انّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) رخّص لعبد الرحمن بن عوف و الزبير بن العوام في القمص الحرير في السفر من حكّة كانت بهما، أو وجع كان بهما (3)، و في رواية أخرى عنه عنه و لم يذكر السفر (4).

و في رواية أخرى عنه عنه (صلّى اللّٰه عليه و آله): انهما شكوا القمل، فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما (5). و الظاهر تعدّي هذه الرخصة؛ لأن مناطها الضرورة.

السادسة: يحرم على الخنثى لبسه؛

أخذا بالاحتياط.

أما الصبي، فهل يحرم على الولي تمكينه منه؟ نحتمله (6) لعموم (الذكر) (7) و لقول جابر: كنا ننزعه عن الصبيان و نتركه على الجواري (8). و قوّى في المعتبر

____________

(1) سيرة ابن هشام 3: 71، كنز العمال 4: 317 ح 10685 عن الطبراني في الكبير.

(2) المعتبر 2: 88.

(3) مسند احمد 3: 215، صحيح مسلم 3: 1646 ح 2076، سنن أبي داود 4: 50 ح 4056، السنن الكبرى 3: 268.

(4) المصنف لابن أبي شيبة 8: 167، صحيح البخاري 4: 50، 7: 195، صحيح مسلم 3:

1646 ح 2076، سنن ابن ماجة 2: 188 ح 3592، سنن النسائي 8: 202.

(5) مسند احمد 3: 192، صحيح البخاري 4: 50، صحيح مسلم 3: 1647 ح 2076، الجامع الصحيح 4: 218 ح 1722، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 395 ح 5408.

(6) في س: يحتمل.

(7) تقدم في ص 42 الهامش 5.

(8) سنن أبي داود 4: 50 ح 4059.

47

الكراهية؛ لعدم تناول التكليف الصبي، و فعل جابر و الصحابة تورّع (1)، و تبعه الفاضل في التذكرة (2) و لعله الأقرب؛ تمسكا بالأصل، و عدم قاطع يخرج عنه.

السابعة [حكم المصلي إذا لم يجد غير الحرير ساترا]

لو لم يجد المصلّي إلّا الحرير، و لا ضرورة (3) في التعري، صلّى عاريا عندنا؛ لأنّ وجوده كعدمه مع تحقق النهي عنه. و جوّزه العامة بل أوجبوه؛ لأنّ ذلك من الضرورات (4).

و لو وجد النجس و الحرير، و اضطر إلى أحدهما للبرد أو الحر، فالأقرب لبس النجس؛ لأنّ مانعة عرضي.

و رابعها: الذهب،

و الصلاة فيه حرام على الرجال، فلو موّه به ثوبا و صلّى فيه بطل، بل لو لبس خاتما منه و صلّى فيه بطلت صلاته، قاله الفاضل؛ لقول الصادق (عليه السلام): «جعل اللّٰه الذهب حلية لأهل الجنة، فحرّم على الرجال لبسه و الصلاة فيه»، رواه موسى بن أكيل النميري (5) عنه. و فعل المنهي عنه مفسد للعبادة.

و قوّى في المعتبر عدم الابطال بلبس خاتم من ذهب؛ لإجرائه مجرى لبس خاتم مغصوب (6) و النهي ليس عن فعل من أفعال الصلاة، و لا عن شرط من شروطها.

فرع:

لوموه الخاتم بذهب فالظاهر تحريمه؛ لصدق اسم الذهب عليه. نعم، لو تقادم عهده حتى اندرس و زال مسماه جاز. و مثله الاعلام على الثياب من

____________

(1) المعتبر 2: 91.

(2) تذكرة الفقهاء: 96.

(3) كذا في النسخ و لعل الصحيح: و لا ضرر.

(4) المجموع 3: 142، 180، فتح العزيز 4: 104.

(5) التهذيب 2: 227 ح 894.

(6) المعتبر 2: 92.

48

الذهب، أو المموه به، في المنع من لبسه و الصلاة فيه.

قال أبو الصلاح: تكره الصلاة في الثوب المصبوغ، و آكده كراهية الأسود، ثم الأحمر المشبع، و المذهب، و الموشّح، و الملحم بالحرير و الذهب (1).

قال: و أفضل الثياب البياض من القطن و الكتان (2).

و خامسها: المغصوب،

فتبطل الصلاة فيه مع العلم بالغصب عند جميع الأصحاب؛ لتحقق النهي المفسد للعبادة، و لاشتمال العبادة على قبيح فلا تكون مأمورا بها.

و في المعتبر أسند التحريم الى جميع الأصحاب، و البطلان إلى الأكثر، و اختار البطلان إن ستر العورة به أو سجد عليه أو قام فوقه؛ لأنّه منهي عن تلك الحركة المخصوصة مع انّها جزء من الصلاة، و لو لم يكن كذلك لم تبطل كما لو لبس خاتما مغصوبا (3).

قال: لأني لم أقف على نصّ عن أهل البيت (عليهم السلام) بإبطال الصلاة (4).

و التزم الفاضل البطلان بالخاتم المغصوب و غيره مما يستصحب في الصلاة، لتحقق النهي عن ذلك. و لو لم يستصحب صحت صلاته في آخر الوقت (5).

و هذا كله بناء على ان الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، و ان النهي في العبادة مفسد، سواء كان عن أجزائها أو عن وصف لا تنفك منه. و لا تخلو

____________

(1) الكافي في الفقه: 140.

(2) الكافي في الفقه: 140.

(3) المعتبر 2: 92.

(4) المعتبر 2: 92.

(5) تذكرة الفقهاء 1: 96، نهاية الإحكام 1: 378.

49

هذه المقدمات من نظر، فقول المحقق لا يخلو من قوة، و ان كان الاحتياط للدين الابطال كيف كان.

اما لو جهل الغصبية فلا تحريم و لا إبطال؛ لعدم توجّه النهي هنا.

و لو جهل الحكم لم يعذر؛ لانّه جمع بين الجهل و التقصير في التعليم.

و لو نسي الحكم فكذلك؛ لاستناده الى تقصيره في التحفظ.

و لو نسي الغصب فوجهان، من رفع القلم عن الناسي، و اختاره ابن إدريس، و استناده الى عدم التكرار المتضمّن للتذكار (1). و يمكن القول بالإعادة في الوقت؛ لقيام السبب و عدم تيقن الخروج عن العهدة، بخلاف ما بعد الوقت لزوال السبب، و القضاء انما يجب بأمر جديد و هو غير معلوم التوجه هنا. و هو خيرة المختلف (2).

و سادسها: أن لا يكون نجسا،

و قد مرّ حكمه.

و سابعها [الصلاة في نعل ساتر لظهر القدم ليس له ساق]:

أن لا يصلي في نعل ساتر ظهر القدم ليس له ساق، كالشمشك و النعل السندي. و أسنده في المعتبر الى الشيخين، استنادا الى فعل النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و عمل الصحابة و التابعين و الأئمة الصالحين (3).

و المعتمد ضعيف، فإنه شهادة على النفي غير المحصور، و من الذي أحاط علما بأنّهم كانوا لا يصلون فيما هو كذلك.

و منع سلار من الصلاة في الشمشك و النعل السندي إلا صلاة الجنازة (4).

و كرهه الشيخ- في المبسوط- و ابن حمزة، و جوزوا ذا الساق كالخفين و الجرموقين (5)- و الجرموق خف واسع قصير يلبس فوق الخف- استنادا إلى

____________

(1) السرائر: 58.

(2) مختلف الشيعة: 82.

(3) المعتبر 2: 93، راجع: المقنعة: 25، النهاية: 98.

(4) المراسم: 65.

(5) المبسوط 1: 83، الوسيلة: 88.

50

فعل من ذكرناه.

و قد روى البزنطي- فيما سلف- عن الرضا (عليه السلام) جواز الصلاة في الخف (1) و مثله روى الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) و رواية الحسن بن الجهم عنه (عليه السلام) أيضا (3) و رواية إبراهيم بن مهزيار قال: سألته عن الصلاة في جرموق و بعثت اليه به، فقال: «يصلّى فيه» (4).

و ثامنها: أن لا يكون رقيقا يحكي البشرة،

فلو حكاها لم يكف في الستر؛ لعدم صدق اسمه. و في مرفوع أحمد بن حماد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «لا تصل فيما شف أو وصف» يعني الثوب المصقل (5).

قلت: معنى شف: لاحت منه البشرة، و وصف: حكى الحجم، و في خط الشيخ أبي جعفر في التهذيب «أو صف» بواو واحدة، و المعروف بواوين من الوصف.

و تاسعها [كون الساتر ثقيلا يمنع بعض الأفعال في غير الضرورة]

أن لا يكون ثقيلا يمنع بعض الأفعال مع القدرة على غيره الّا لضرورة؛ لمنافاته الواجب المقصود بالذات. فلو لم يجد سواه صلّى عاريا و لو قلنا بجواز الصلاة في النجس اختيارا؛ إذ النجس يمكن معه استيفاء الافعال مع الفوز بالستر بخلاف الثقيل. و كذا لو كان صلبا كالحديد المانع من بعض الافعال.

____________

(1) التهذيب 2: 371 ح 1545.

(2) الكافي 3: 4903 ح 28، التهذيب 2: 234 ح 920.

(3) الكافي 3: 404 ح 31، التهذيب 2: 234 ح 921.

(4) الكافي 3: 404 ح 32، التهذيب 2: 234 ح 923.

(5) التهذيب 2: 214 ح 837.

51

الفصل الثالث: فيما تكره فيه الصلاة أو تستحب.

و فيه مسائل.

الأولى: تكره في الثوب الذي يلاصق وبر الأرانب أو الثعالب،

سواء كان فوقه أو تحته؛ لاستبعاد تخلصه منهما، و قد قيل بنجاستهما (1) فلا أقل من الكراهية.

و عليه يحمل ما رواه أبو علي بن راشد عن أبي جعفر (عليه السلام): و سألته عن الصلاة في الثوب الذي يلي الثعالب، فقال: «لا» (2).

و كذا ما رواه في التهذيب عن علي بن مهزيار، عن رجل سأله الماضي (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب، فنهى عن الصلاة فيها و في الثوب الذي يليه، فلم أدر أي الثوبين: الذي يلصق بالوبر أو الذي يلصق بالجلد؟ فوقّع بخطه: «الذي يلصق بالجلد»، و ذكر أبو الحسن (3) انّه سأله عن هذه المسألة، فقال: «لا تصل في الذي فوقه، و لا في الذي تحته» (4) كما حمله الشيخ في المبسوط، قال: الا أن يكون أحدهما رطبا؛ لان ما هو نجس إذا كان يابسا لا تتعدى منه النجاسة إلى غيره (5).

قلت: هذا بناء على نجاسة الثعلب، أو على عدم وقوع الذكاة عليه، و كلام الشيخ صريح في انّ نجاسة الميتة لا تتعدى الا بالرطوبة، الا ان يريد به نفس الوبر، لكن الرواية مصرّحة بالجلد.

____________

(1) أبو الصلاة في الكافي في الفقه: 110.

(2) الكافي 3: 400 ح 14، التهذيب 2: 210 ح 822، الاستبصار 1: 384 ح 1457.

(3) في الكافي و التهذيب زيادة «(عليه السلام)».

(4) الكافي 3: 399 ح 8، و في التهذيب 2: 206 ح 808، و الاستبصار 1: 381 ح 1446 عن الرضا (عليه السلام).

(5) المبسوط 1: 83.

52

و قول ابن بابويه: إياك أن تصلي في ثعلب، و لا في الثوب الذي يليه من تحته و فوقه (1) يحمل أيضا على الكراهية. و يمكن أيضا حمل كلام الشيخ في النهاية: لا يجوز (2) على ذلك.

و لو وجد على الثوب وبر، فالظاهر عدم وجوب الإزالة؛ لطهارته على الأصح، و كذا شعر ما لا يؤكل لحمه.

و في التهذيب انّ علي بن الريان كتب الى أبي الحسن (عليه السلام): هل تجوز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الإنسان و أظفاره من قبل ان ينفضه و يلقيه عنه؟ فوقّع: «يجوز» (3).

و في مكاتبة محمد بن عبد الجبار الى أبي محمد (عليه السلام) في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه: «ان كان الوبر ذكيا حلّت الصلاة فيه ان شاء اللّٰه» (4).

الثانية: تكره في الرقيق الذي لا يحكي،

تباعدا من حكاية الحجم، و تحصيلا لكمال الستر. نعم، لو كان تحته ثوب آخر لم يكره إذا كان الأسفل ساترا للعورة.

أما الثوب الواحد الصفيق، فظاهر الأصحاب عدم الكراهية للرجل، لما رواه البخاري عن جابر، قال: رأيت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) يصلي في ثوب واحد متوشحا به (5).

و قد روى الأصحاب عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه: انّه رآه

____________

(1) الفقيه 1: 170.

(2) النهاية: 97.

(3) الفقيه 1: 172 ح 812، التهذيب 2: 367 ح 1526.

(4) التهذيب 2: 207 ح 810، الاستبصار 1: 383 ح 1453.

(5) المصنف لعبد الرزاق 1: 350 ح 1366، مسند احمد 3: 294، صحيح البخاري 1: 102، صحيح مسلم 1: 369 ح 518، السنن الكبرى 2: 237.

53

يصلي في إزار واحد قد عقده على عنقه (1).

و روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل يصلي في ثوب واحد: «إذا كان صفيقا فلا بأس» (2).

و الشيخ في المبسوط: يجوز إذا كان صفيقا، و يكره إذا كان رقيقا (3).

و في الخلاف: يجوز في القميص و ان لم يزرّه و لا يشدّ وسطه، سواء كان واسع الجيب أو ضيّقه (4).

و روى زياد بن سوقة عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا بأس ان يصلّي في الثوب الواحد و أزراره محلولة، ان دين محمد حنيف»، و قد مرّ (5).

و لا يعارضه رواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر عن أبيه، قال: «لا يصلّي الرجل محلول الأزرار إذا لم يكن عليه إزار» (6) للحمل على الكراهية.

و بعض العامة: الفضل في ثوبين (7) لما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما» (8) و لا بأس به، و الاخبار الأول لا تنافيه لدلالتها على الجواز. و يؤيده عموم قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (9)، و دلالة الاخبار: «انّ اللّٰه أحق أن يتزيّن له» (10) و أورد هذا في التذكرة

____________

(1) الكافي 3: 394 ح 2، التهذيب 2: 217 ح 855.

(2) الكافي 3: 393 ح 1، التهذيب 2: 216 ح 852.

(3) المبسوط 1: 83.

(4) الخلاف 1: 401 المسألة: 152.

(5) تقدم في ص 19 الهامش 1.

(6) التهذيب 2: 326 ح 1334، 357 ح 1476، الاستبصار 1: 392 ح 1495.

(7) قاله احمد، راجع: المغني 1: 657، الشرح الكبير 1: 494.

(8) سنن أبي داود 1: 172 ح 635، السنن الكبرى 2: 236.

(9) سورة الأعراف: 31.

(10) شرح معاني الآثار 1: 378، السنن الكبرى 2: 236.

54

عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و افتى به (1).

فيكون مع القميص إزار أو سراويل مع الاتفاق على انّ الامام يكره له ترك الرداء، و قد رواه سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «لا ينبغي الا ان يكون عليه رداء، أو عمامة يرتدي بها» (2).

و الظاهر انّ القائل بثوب واحد من الأصحاب انما يريد به الجواز المطلق، و يريد به أيضا على البدن، و الّا فالعمامة مستحبة مطلقا، و كذا السراويل، و قد روي تعدّد الصلاة الواحدة بالتعمّم و التسرول.

أما المرأة فلا بد من ثوبين: درع و خمار، الا ان يكون الثوب يشمل الرأس و الجسد، و عليه حمل الشيخ رواية عبد اللّٰه بن بكير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في جواز صلاة المسلمة بغير قناع (3).

و يستحب ثلاث للمرأة، لرواية جميل بن دراج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): درع، و خمار، و ملحفة (4). و رواية عبد اللّٰه بن أبي يعفور عنه (عليه السلام): «إزار، و درع، و خمار». قال: «فان لم تجد فثوبين تأتزر بأحدهما و تقنّع بالآخر». قلت: فان كان درعا و ملحفة ليس عليها مقنعة؟ قال: «لا بأس إذا تقنّعت بالملحفة» (5).

الثالثة: تكره الصلاة في الثياب السود،

لما رواه الكليني عمن رفعه الى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «يكره السواد إلا في ثلاثة: الخف، و العمامة، و الكساء» (6).

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 93.

(2) الكافي 3: 394 ح 3، التهذيب 2: 366 ح 1521.

(3) التهذيب 2: 218، الاستبصار 1: 389، و الحديث فيهما برقم 858، 1482.

(4) التهذيب 2: 218 ح 860، الاستبصار 1: 390 ح 1484.

(5) الكافي 3: 395 ح 11، التهذيب 2: 217 ح 856، الاستبصار 1: 389 ح 1480.

(6) الكافي 3: 403 ح 29، الفقيه 1: 163 ح 767، الخصال: 148، علل الشرائع: 347، التهذيب 2: 213 ح 835.