عدة الداعي و نجاح الساعي

- جمال الدين أحمد بن محمد الحلي المزيد...
339 /
11

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله سامع الدعاء و دافع البلاء و مفيض الضياء و كاشف الظلماء و باسط الرجاء و سابغ النعماء و مجزل العطاء و مردف الآلاء- سامك السماء و ماسك البطحاء.

و الصلاة على خاتم الأنبياء و سيد الأصفياء- محمد المخصوص بعموم الدعاء و خصوص الاصطفاء و الحجة على من في الأرض و السماء و على آله الفائزين بخلوص الانتماء و وجوب الاقتداء ما أظلت الزرقاء و أقلت الغبراء صلاة باقية إلى يوم البعث و الجزاء.

و بعد فإن الله تعالى من وفور كرمه علم الدعاء و ندب إليه و ألهم

12

السؤال و حث عليه و رغب في معاملته و الإقدام عليه و جعل في مناجاته سبب النجاة و في سؤاله مقاليد العطايا و مفاتيح الهبات و جعل لإجابة الدعاء أسبابا من خصوصيات الدعوات و أصناف الداعين و الحالات و الأمكنة و الأوقات.

فوضعنا هذه الرسالة على ذلك و سميناه عدة الداعي و نجاح الساعي و فيها مقدمة و ستة أبواب- أما المقدمة ففي تعريف الدعاء و الترغيب فيه.

و هذا أوان الشروع فنقول الدعاء لغة النداء و الاستدعاء- تقول دعوت فلانا إذا ناديته و صحت به و اصطلاحا طلب الأدنى للفعل من الأعلى على جهة الخضوع و الاستكانة.

و لما كان المقصود من وضع هذا الكتاب الترغيب في الدعاء و الحث عليه و حسن الظن بالله و طلب ما لديه فاعلم أنه قد ورد في الأخبار عن الأئمة الأطهار ما يؤكد ذلك و يدل عليه و يرغب فيه و يهدي إليه.

رَوَى الصَّدُوقُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بِطُرُقِهِ إِلَى الْأَئِمَّةِ(ع)

أَنَّ مَنْ بَلَغَهُ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ فَعَمِلَ بِهِ كَانَ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ مَا بَلَغَهُ-

13

وَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا نُقِلَ إِلَيْهِ.

وَ رَوَى أَيْضاً بِإِسْنَادِهِ إِلَى صَفْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

أَنَّ مَنْ بَلَغَهُ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ فَعَمِلَ بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ ذَلِكَ وَ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَقُلْهُ.

وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَنْ سَمِعَ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ عَلَى شَيْءٍ فَصَنَعَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا بَلَغَهُ

. وَ مِنْ طَرِيقِ الْعَامَّةِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْحُلْوَانُ مَرْفُوعاً إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

مَنْ بَلَغَهُ عَنِ اللَّهِ فَضِيلَةٌ فَأَخَذَهَا وَ عَمِلَ بِمَا فِيهَا إِيمَاناً بِاللَّهِ وَ رَجَاءَ ثَوَابِهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.

فصار هذا المعنى مجمعا عليه عند الفريقين

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الباب الأول في الحث على الدعاء و يبعث عليه العقل و النقل

أما العقل

فلأن دفع الضرر عن النفس مع القدرة عليه و التمكن منه واجب و حصول الضرر ضروري الوقوع لكل إنسان في دار الدنيا إذ كل إنسان لا ينفك عما يشوش نفسه و يشغل عقله و يضر به إما من داخل كحصول عارض يغشي مزاجه أو من خارج كأذية ظالم أو مكروه يناله من خليط أو جار و لو خلا من الكل بالفعل فالعقل يجوز وقوعه فيها و اعتلاقه بها.

كيف لا و هو في دار الحوادث التي لا تستقر على حال ففجائعها لا ينفك عنها آدمي إما بالفعل أو بالقوة فضررها إما حاصل واقع أو متوقع الحصول و كلاهما يجب إزالته مع القدرة عليه و الدعاء محصل لذلك و هو مقدور فيجب المصير إليه.

16

و قد نبه أمير المؤمنين و سيد الوصيين(ص)على هذا المعنى حيث قال

- مَا مِنْ أَحَدٍ ابْتُلِيَ وَ إِنْ عَظُمَتْ بَلْوَاهُ بِأَحَقَّ بِالدُّعَاءِ مِنَ الْمُعَافَى الَّذِي لَا يَأْمَنُ مِنَ الْبَلَاءِ

. فقد ظهر من هذا الحديث احتياج كل أحد إلى الدعاء معافى و مبتلى- و فائدته رفع البلاء الحاصل و دفع السوء النازل أو جلب نفع مقصود- أو تقرير خير موجود و دوامه و منعه من الزوال لأنهم(ع)وصفوه بكونه سلاحا و السلاح مما يستجلب [يجلب] به النفع و يستدفع به الضرر و سموه أيضا ترسا و الترس جنة يتوقى بها من المكاره.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى سِلَاحٍ يُنْجِيكُمْ مِنْ أَعْدَائِكُمْ وَ يُدِرُّ أَرْزَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تَدْعُونَ رَبَّكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فَإِنَّ سِلَاحَ الْمُؤْمِنِ الدُّعَاءُ

. وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ

الدُّعَاءُ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ وَ مَتَى تُكْثِرْ قَرْعَ الْبَابِ يُفْتَحْ لَكَ

. وَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)

الدُّعَاءُ أَنْفَذُ مِنَ السِّنَانِ الْحَدِيدِ.

وَ قَالَ الْكَاظِمُ

إِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ مَا قُدِّرَ وَ مَا لَمْ يُقَدَّرْ قَالَ

17

قُلْتُ وَ مَا قَدْ قُدِّرَ فَقَدْ عَرَفْتُهُ فَمَا لَمْ يُقَدَّرْ قَالَ حَتَّى لَا يَكُونَ.

وَ قَالَ(ع)

عَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ وَ الطَّلَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَرُدُّ الْبَلَاءَ وَ قَدْ قُدِّرَ وَ قُضِيَ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا إِمْضَاؤُهُ فَإِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَ سُئِلَ صَرْفُهُ صَرَفَهُ.

وَ رَوَى زُرَارَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)

قَالَ أَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَسْتَثْنِ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قُلْتُ بَلَى قَالَ الدُّعَاءُ يَرُدُّ الْقَضَاءَ وَ قَدْ أُبْرِمَ إِبْرَاماً وَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ.

وَ عَنْ سَيِّدِ الْعَابِدِينَ(ع)

إِنَّ الدُّعَاءَ وَ الْبَلَاءَ لَيَتَوَافَقَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ الدُّعَاءَ لَيَرُدُّ الْبَلَاءَ وَ قَدْ أُبْرِمَ إِبْرَاماً.

وَ عَنْهُ(ع)

الدُّعَاءُ يَرُدُّ الْبَلَاءَ النَّازِلَ وَ مَا لَمْ يَنْزِلْ.

18

فقد صح بهذه الأحاديث و ما في معناها و هو كثير لم نورده حذر الإطالة ظن دفع الضرر بل علمه للقطع بصحة خبر الصادق [الصادقين].

و أما النقل

فمن الكتاب و السنة أما الكتاب فآيات منها قوله تعالى- قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لٰا دُعٰاؤُكُمْ.

و قوله تعالى وَ قٰالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ فجعل الدعاء عبادة و المستكبر عنها بمنزلة الكافر.

و قوله تعالى وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً.

و قوله تبارك و تعالى وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ

19

دَعْوَةَ الدّٰاعِ إِذٰا دَعٰانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.

و اعلم أن هذه الآية قد دلّت على أمور- الأول تعريضه تعالى لعباده بسؤاله بقوله- وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.

الثاني غاية عناية بمسارعة إجابته و لم يجعل الجواب موقوفا على تبليغ الرسول بل قال فَإِنِّي قَرِيبٌ و لم يقل قل لهم إني قريب.

الثالث خروج هذا الجواب بالفاء المقتضي للتعقيب بلا فصل.

الرابع تشريفه تعالى لهم برد الجواب بنفسه لينبه بذلك على كمال منزلة الدعاء و شرفه عنده تعالى و مكانه منه.

قَالَ الْبَاقِرُ(ع)لى

وَ لَا تَمَلَّ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ.

وَ قَالَ(ع)لِبُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ وَ قَدْ سَأَلَهُ كَثْرَةُ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ أَمْ كَثْرَةُ الدُّعَاءِ فَقَالَ(ع)كَثْرَةُ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ ثُمَّ قَرَأَ

قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لٰا دُعٰاؤُكُمْ

.

الخامس دلّت هذه الآية على أنه تعالى لا مكان له إذ لو كان له مكان لم يكن قريبا من كل من يناجيه.

السادس أمره تعالى لهم بالدعاء في قوله- فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي أي فليدعوني.

السابع قوله تعالى وَ لْيُؤْمِنُوا بِي

وَ قَالَ الصَّادِقُ

أَيْ

20

وَ لْيَتَحَقَّقُوا أَنِّي قَادِرٌ عَلَى إِعْطَائِهِمْ مَا سَأَلُوهُ فَأَمَرَهُمْ بِاعْتِقَادِهِمْ قُدْرَتَهُ عَلَى إِجَابَتِهِمْ.

و فيه فائدتان إعلامهم بإثبات صفة القدرة له و بسط رجائهم في وصولهم إلى مقترحاتهم و بلوغ مراداتهم و نيل سؤالاتهم فإن الإنسان إذا علم قدرة معامله و معاوضه على دفع عوضه كان ذلك داعيا له إلى معاملته و مرغبا له في معاوضته كما أن علمه بعجزه عنه على الضد من ذلك و لهذا تراهم يجتنبون معاملة المفلس.

الثامن تبشيره تعالى لهم بالرشاد الذي هو طريق الهداية المؤدي إلى المطلوب فكأنه بشرهم بإجابة الدعاء.

وَ مِثْلُهُ قَوْلُ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)

مَنْ تَمَنَّى شَيْئاً وَ هُوَ لِلَّهِ رِضًى لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يُعْطَاهُ.

و يروى هذا الحديث عن النبي ص.

وَ قَالَ(ع)

إِذَا دَعَوْتَ فَظُنَّ حَاجَتَكَ بِالْبَابِ.

فإن قلت نرى كثيرا من الناس يدعون الله فلا يجيبهم فما معنى قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّٰاعِ.

فالجواب سبب منع الإجابة الإخلال بشرطها [بشروطها] من طرف السائل إما بأن يكون قد سأل الله عز و جل غير متقيد بآداب الدعاء

21

و لا جامع لشرائطه و للدعاء آداب و شروط لا بد منها تأتي إن شاء الله تعالى.

رَوَى عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ

قُلْتُ آيَتَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَطْلُبُهُمَا وَ لَا أَجِدُهُمَا قَالَ(ع)مَا [وَ مَا] هُمَا قُلْتُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

فَنَدْعُوهُ فَلَا [وَ لَا] نَرَى إِجَابَةً قَالَ(ع)أَ فَتَرَى اللَّهَ أَخْلَفَ وَعْدَهُ قُلْتُ لَا- قَالَ فَلِمَ [فَمِمَّ] ذَلِكَ قُلْتُ لَا أَدْرِي.

فَقَالَ(ع)وَ لَكِنِّي [لَكِنِّي] أُخْبِرُكَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُ ثُمَّ دَعَاهُ مِنْ جِهَةِ الدُّعَاءِ أَجَابَهُ قُلْتُ وَ مَا جِهَةُ الدُّعَاءِ قَالَ(ع)تَبْدَأُ فَتَحْمَدُ اللَّهَ وَ تَذْكُرُ نِعَمَهُ عِنْدَكَ ثُمَّ تَشْكُرُهُ ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ(ص)ثُمَّ تَذْكُرُ ذُنُوبَكَ فَتُقِرُّ بِهَا ثُمَّ تَسْتَغْفِرُ اللَّهَ [تَسْتَغْفِرُ] مِنْهَا فَهَذِهِ [فَهَذَا] جِهَةُ الدُّعَاءِ.

ثُمَّ قَالَ(ع)وَ مَا الْآيَةُ الْأُخْرَى قُلْتُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرّٰازِقِينَ

وَ إِنِّي لَأُنْفِقُ وَ لَا أَدْرِي خَلَفاً قَالَ أَ فَتَرَى اللَّهَ أَخْلَفَ وَعْدَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَلِمَ [فَمِمَّ] ذَلِكَ قُلْتُ لَا أَدْرِي قَالَ(ع)لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمُ اكْتَسَبَ الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ وَ أَنْفَقَهُ فِي حَقِّهِ [حِلِّهِ] لَمْ يُنْفِقْ رَجُلٌ دِرْهَماً إِلَّا أُخْلِفَ عَلَيْهِ.

و إما أن يكون قد سأل ما لا صلاح فيه و يكون مفسدة له أو لغيره إذ ليس أحد يدعو الله سبحانه و تعالى على ما توجبه الحكمة فيما فيه صلاحه إلا أجابه و على الداعي أن يشترط ذلك بلسانه أو يكون منويا في قلبه- فالله يجيبه البتة إن اقتضت المصلحة إجابتها أو يؤخر له إن اقتضت

22

المصلحة التأخير.

قال الله تعالى- وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللّٰهُ لِلنّٰاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجٰالَهُمْ بِالْخَيْرِ- لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ.

وَ فِي دُعَائِهِمْ(ع)

يَا مَنْ لَا يُغَيِّرُ حِكْمَتَهُ الْوَسَائِلُ.

و لما كان علم الغيب منطويا عن العبد و ربما تعارض عقله القوى الشهوية و تخالطه الخيالات النفسانية فيتوهم أمرا فيه فساده صلاحا فيطلبه من الله سبحانه و يلح في السؤال عليه و لو يعجل الله إجابته و يفعله به لهلك البتة.

و هذا أمر ظاهر العيان غني عن البيان كثير الوقوع فكم نطلب أمرا ثم نستعيذ منه و كم نستعيذ من أمر ثم نطلبه-

وَ عَلَى هَذَا خَرَجَ قَوْلُ عَلِيٍّ(ع)

رُبَّ أَمْرٍ حَرَصَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنْ لَمْ يَكُنْ أَدْرَكَهُ.

و كفاك قوله تعالى وَ عَسىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ فإن الله تعالى من وفور كرمه و جزيل نعمه لا يجيبه إلى ذلك إما لسابق رحمته به فإنه هو الذي سبقت رحمته غضبه و إنما أنشأه رحمة به و تعريضا [تعرضا] لإثابته و هو الغني عن خلقه و معاقبته.

أو لعلمه سبحانه بأن المقصود للعبد من دعائه هو إصلاح حاله-

23

فكأن ما طلبه ظاهرا غير مقصود له مطلقا بل بشرط نفعه له فالشرط المذكور حاصل في نيته و إن لم يذكره بلسانه بل و إن لم يخطر بقلبه حالة الدعاء هذا الشرط فهو كالأعجمي الذي لقن لفظا لا يعرف معناه أو سمع لفظا توهمه علما على شيء ثم طلبه من عارف يقصده فإنه يعطيه ما علم قصده إليه لا ما دل ظاهر لفظه عليه و هذا هو معنى الدعاء الملحون- الذي لا يقبله الله على ما ورد في بعض الأخبار.

فإن قلت

قَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْجَوَادِ(ع)

أَنَّهُ قَالَ مَا اسْتَوَى رَجُلَانِ فِي حَسَبٍ وَ دِينٍ قَطُّ إِلَّا كَانَ أَفْضَلُهُمَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ آدَبَهُمَا قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ عَلِمْتُ فَضْلَهُ عِنْدَ النَّاسِ فِي النَّادِي وَ الْمَجَالِسِ فَمَا فَضْلُهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ(ع)بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَمَا أُنْزِلَ وَ دُعَائِهِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ حَيْثُ لَا يَلْحَنُ وَ ذَلِكَ أَنَّ الدُّعَاءَ الْمَلْحُونَ لَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

و يقرب منه؛

قول الصادق ع

- نَحْنُ قَوْمٌ فُصَحَاءُ إِذَا رَوَيْتُمْ عَنَّا فَأَعْرِبُوهَا.

فإن كان المراد من هذين الحديثين ما دل عليه ظاهرهما فكثيرا ما نرى من إجابة الدعوات غير المعربات و كثيرا ما نشاهد من أهل الصلاح و الورع و من يرجى إجابة دعائهم لا يعرفون شيئا من النحو.

و أيضا إذا لم يكن دعاؤه مسموعا فلا فائدة فيه فلا يكون مأمورا به

24

لانتفاء فائدته حينئذ و لا يتوجه الأمر بالدعاء إلا إلى حذاق النحاة بل النحوي أيضا ربما يلحن في بعض الأدعية لافتقارها إلى الإضمار و التقدير و الحذف و اشتغاله حالة الدعاء بالخشوع و التوجه إلى الله تعالى عن استحضار أدلة النحو و قوانينه و كل هذه الأمور باطلة خلاف المشاهد من العالم [العلم] و ضد المعلوم من أخبارهم(ع)و وصاياهم فإنهم دلوا على كل شيء يتعلق بمصالح العباد و قد ذكروا في آداب الدعاء و شروطه أمورا كثيرة ستقف عليها في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى و لم يذكروا الإعراب و لا معرفة النحو فيها و إذا لم يكن المراد منهما ذلك فما معناهما.

فاعلم أيدك الله أنه لما كان الواقع خلاف ما دل عليه ظاهر الخبرين- عدل الناس إلى تأويلهما فبعض قال الدعاء الملحون دعاء الإنسان على نفسه في حالة ضجرة بما فيه ضررها و استشهد على ذلك بقوله تعالى- وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللّٰهُ لِلنّٰاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجٰالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ قال المفسرون أي وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللّٰهُ لِلنّٰاسِ الشَّرَّ أي إجابة دعائهم في الشر إذا دعوا به على أنفسهم و أهليهم عند الغيظ و الضجر مثل قول الإنسان- رفعني الله من بينكم اسْتِعْجٰالَهُمْ بِالْخَيْرِ أي كما يعجل لهم إجابة الدعوة بالخير إذا استعجلوه بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ لفرغ من إهلاكهم و لكن سبحانه تعالى لا يعجل لهم الهلاك بل يمهلهم حتى يتوبوا.

و قال بعضهم الدعاء الملحون دعاء الوالد على ولده في حال ضجره منه

لأن النبي(ص)سأل الله عز و جل أن لا يستجيب دعاء محب على حبيبه.

25

و بعضهم قال الذي لا يكون جامعا لشرائطه و الكل بمعزل عن التحقيق- لأن مقدمة الخبر لا تدل على ذلك لأن الكلام قد ورد في معرض مدح النحو.

بل التحقيق أن نقول أما الخبر الأول فالمراد من قوله(ع)إن الدعاء الملحون لا يصعد إلى الله عز و جل أي لا يسمعه ملحونا و يجازي عليه جاريا على لحنه مقابلا له بما دل ظاهر لفظه عليه بل يجازي على قصد الإنسان من دعائه.

كما سمع من بعضهم يقول عند زيارته المعصوم ع- و أشهد أنك قتلت و ظلمت و غصبت بفتح أول الكلمة و من المعلوم بالضرورة أن هذا الدعاء لو سمع منه جاريا على لحنه لحكمنا بارتداده- و وجوب تعزيره و لم يقل به أحد فدل ذلك على أن الدعاء لا يجزي [يجري] على ظاهر لفظه إذا كان المقصود منه غير ذلك و يدل عليه أيضا إجماع الفقهاء أعلى الله تعالى درجاتهم على أن الإنسان [إنسانا] لو قذف آخر بلفظ لا يفيد القذف في عرف القائل لم يكن قاذفا و لم يتوجه عليه عقوبة و إن كان ذلك اللفظ مفيدا للقذف في عرف غيره فعلم أن إعراب الألفاظ في الدعاء ليس شرطا في إجابته و الإثابة عليه بل هو شرط في تمامية فضيلته و كمال منزلته و علو مرتبته.

و خرج قول 9 الجواد(ع)و دعائه الله من حيث لا يلحن مخرج المدح و ذلك أن الدعاء إذا لم يكن ملحونا كان ظاهر الدلالة في معناه- و الألفاظ الظاهر الدلالة في معانيها أفضل من الألفاظ المتأولة و لهذا كانت الحقيقة أفضل من المجاز و المبين أولى من المجمل.

26

و أيضا فإنه أفصح و الفصاحة مرادة في الدعاء و خصوصا إذا كان منقولا عن الأئمة(ع)ليدل على فصاحة المنقول عنه و فيه إظهار لفضيلة المعصوم.

و أيضا فإن اللفظ إذا كان معربا لم ينفر عنه طبع السامع إذا كان نحويا و إذا سمعه ملحونا نفر طبعه عنه و ربما تألم منه

قيل

سمع الأعمش رجلا يتكلم و يلحن في كلامه فقال من هذا الذي يتكلم و قلبي منه يتألم.

و روي

أن رجلا قال لرجل أ تبيع هذا الثوب فقال لا عافاك الله فقال لقد علمتم لو تعلمون قل لا و عافاك الله.

و روي

أن رجلا قال لبعض الأكابر و قد سأله عن شيء فقال لا و أطال الله بقاك فقال ما رأيت واوا أحسن موقعا من هذه.

و قَوْلُهُ(ع)

إِنَّ الدُّعَاءَ الْمَلْحُونَ لَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ

أي لا يصعد ملحونا إليه يشهد عليه الحفظة بما يوجبه اللحن إذا كان مغيرا للمعنى- و يجازي عليه كذلك بل يجازيه على قدر قصده و مراده من دعائه.

و يؤيد ذلك مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)

إِنَّ الرَّجُلَ الْأَعْجَمِيَّ مِنْ أُمَّتِي لَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِعَجَمِيَّةٍ فَتَرْفَعُهُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى عَرَبِيَّتِهِ.

مع أنا نجد في أدعية أهل البيت(ع)ألفاظا لا تعرف معانيها و ذلك كثير فمنه أسماء و أقسامات و منه أغراض و حاجات

27

و فوائد و طلبات فنسأل عن الله بالأسماء و نطلب منه تلك الأشياء و نحن غير عارفين بالجميع و لم يقل أحد أن مثل هذا الدعاء إذا لم يكن معربا يكون مردودا مع أن فهم العامي لمعاني الألفاظ الملحونة أكثر من فهم النحوي لمعاني دعوات عربية و لم يقف على تفسيرها و لغاتها بل عرف مجرد إعرابها بل الله يجازيه على قدر قصده و يثيبه على نيته.

لِقَوْلِهِ(ص)

الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.

وَ قَوْلِهِ(ص)

نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ

و هذا نص في هذا الباب لأن الجزاء وقع على النية فانتفع به الداعي و لو وقع على العمل الظاهر لهلك.

وَ لِقَوْلِهِ(ص)

إِنَّ سِينَ بِلَالٍ عِنْدَ اللَّهِ شِينٌ.

وَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بِلَالًا كَانَ يُنَاظِرُ الْيَوْمَ فُلَاناً فَجَعَلَ يَلْحَنُ فِي كَلَامِهِ وَ فُلَاناً يُعْرِبُ وَ يَضْحَكُ مِنْ بِلَالٍ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّمَا يُرَادُ إِعْرَابُ الْكَلَامِ وَ تَقْوِيمُهُ لِتَقْوِيمِ الْأَعْمَالِ وَ تَهْذِيبِهَا مَا يَنْفَعُ فُلَاناً إِعْرَابُهُ وَ تَقْوِيمُهُ لِكَلَامِهِ إِذَا كَانَتْ أَفْعَالُهُ مَلْحُونَةً أَقْبَحَ لَحْنٍ وَ مَا ذَا يَضُرُّ بِلَالًا لَحْنُهُ فِي كَلَامِهِ إِذَا كَانَتْ أَفْعَالُهُ مُقَوَّمَةً أَحْسَنَ تَقْوِيمٍ وَ مُهَذَّبَةً أَحْسَنَ تَهْذِيبٍ.

فقد ثبت بهذا الحديث أن اللحن قد يدخل في العمل كما يدخل في اللفظ و أن الضرر فيه عائد إلى وقوعه في العمل دون اللفظ.

28

و أما الخبر الثاني فالمراد به في الأحكام.

وَ هَذَا مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ ص-

رَحِمَ اللَّهُ [نَضَرَ اللَّهُ] مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ حَامِلِ عِلْمٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ.

وَ هُوَ قَوْلُ الصَّادِقِ(ع)

إِذَا رَوَيْتُمْ عَنَّا فَأَعْرِبُوهَا لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْإِعْرَابِ فِي الْكَلَامِ.

أَ لَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ(ص)

حِينَ سُئِلَ أَنَّا نَذْبَحُ النَّاقَةَ وَ الْبَقَرَةَ وَ الشَّاةَ- وَ فِي بَطْنِهِ الْجَنِينُ أَ نُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ قَالَ(ص)كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ- فَإِنَّ ذَكَاةَ الْجَنِينِ ذَكَاةُ [ذَكَاةَ أُمِّهِ.

فبعض الناس يروي ذكاة الثاني بالرفع فيكون معناه أن ذكاة أمه تبيحه و هي كافية عن تذكيته و بعض رواها بالنصب فيكون معناه أن ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه فلا بد فيه من تذكية له بانفراده و لا تبيحه ذكاة أمه فافهم ذلك فإنه من مغاص الفهم و رقيق العلم.

فإن قلت قد ظهر أن الباري سبحانه لا يفعل خلاف مقتضى الحكمة و أنه الذي لا تبدل حكمته الوسائل فما اشتمل على خلاف المصلحة لا يفعله مع الدعاء و ما اشتمل على المصلحة فإنه يفعله و إن لم يسأل لأنه إنما أنشأ الإنسان و خلقه رحمة به و إحسانا إليه فما معنى الدعاء إذا انتفت فائدته- فالجواب من وجوه الأول لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله إنما صار

29

مصلحة بعد الدعاء و لا يكون مصلحة قبله.

وَ قَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الصَّادِقُ(ع)فِي قَوْلِهِ لِمُيَسِّرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ

يَا مُيَسِّرُ ادْعُ اللَّهَ وَ لَا تَقُلْ إِنَّ الْأَمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ إِنَّ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً لَا تُنَالُ إِلَّا بِمَسْأَلَةٍ وَ لَوْ أَنَّ عَبْداً سَدَّ فَاهُ وَ لَمْ يَسْأَلْ لَمْ يُعْطَ شَيْئاً فَاسْأَلِ تُعْطَ يَا مُيَسِّرُ إِنَّهُ لَيْسَ يُقْرَعُ بَابٌ إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لِصَاحِبِهِ.

وَ رَوَى عَمْرُو بْنُ جُمَيْعٍ عَنْهُ(ع)

مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ افْتَقَرَ.

وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)

مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْتَحَ بَابَ الدُّعَاءِ وَ يُغْلِقَ عَنْهُ [عَلَيْهِ] بَابَ الْإِجَابَةِ.

وَ قَالَ(ع)

مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ.

الثاني أن الدعاء عبادة في نفسه تعبد الله عباده به لما فيه من إظهار الخشوع و الافتقار إليه و هو أمر مطلوب لله عز و جل من عبيده.

قال الله تعالى وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ و العبادة في اللغة هي الذلة يقال طريق معبد أي مذلل بكثرة الوطء عليه و في الاصطلاح العبادة أوفى ما يكون من التذلل و الخشوع للمعبود.

وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ

الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ

30

وَ فِيمَا وَعَظَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِيسَى(ع)

يَا عِيسَى أَذِلَّ لِي قَلْبَكَ وَ أَكْثِرْ ذِكْرِي فِي الْخَلَوَاتِ وَ اعْلَمْ أَنَّ سُرُورِي أَنْ تُبَصْبِصَ إِلَيَّ وَ كُنْ فِي ذَلِكَ حَيّاً وَ لَا تَكُنْ مَيِّتاً.

الثالث

روي

أن دعاء المؤمن يضاف إلى عمله و يثاب عليه في الآخرة كما يثاب على عمله.

الرابع أن الإجابة إن كانت مصلحة و المصلحة في تعجيلها عجلت و إن اقتضت المصلحة تأخيرها إلى وقت أجلت إلى ذلك الوقت- و كانت الفائدة من الدعاء مع حصول المقصود زيادة الأجر بالصبر في هذه المدة و إن لم يوصف بالمصلحة في وقت ما و كان في الإجابة مفسدة استحق بالدعاء الثواب أو يدفع عنه من السوء مثلها و يدل على هذه الجملة.

مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا مِنْ مُؤْمِنٍ دَعَا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى دَعْوَةً لَيْسَ فِيهَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ وَ لَا إِثْمٌ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى [أَحَدَ] خِصَالٍ ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ دَعْوَتَهُ وَ إِمَّا أَنْ يُؤَخِّرَ لَهُ وَ إِمَّا أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَنْ نُكْثِرُ- قَالَ اللَّهُ [أكثروا] أَكْثَرُ.

وَ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَكْثَرُ وَ أَطْيَبُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنِ الْعَبْدِ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ لِيَكُونَ

31

أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ وَ أَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ.

الخامس بما أخرت الإجابة عن العبد لزيادة صلاحه و عظم منزلته عند الله عز و جل إن الله إنما أخر إجابته لمحبته سماع صوته.

رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)

إِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو اللَّهَ وَ هُوَ يُحِبُّهُ فَيَقُولُ لِجَبْرَئِيلَ اقْضِ لِعَبْدِي هَذَا حَاجَتَهُ وَ أَخِّرْهَا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ لَا أَزَالَ أَسْمَعُ صَوْتَهُ وَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ يُبْغِضُهُ- فَيَقُولُ يَا جَبْرَئِيلُ اقْضِ لِعَبْدِي هَذَا حَاجَتَهُ وَ عَجِّلْهَا فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ.

<تنبيه> و أنت إذا دعوت فلا يخلو إما أن ترى آثار الإجابة أو لا- فإن رأيت آثار الإجابة فمهلا لا تعجب بنفسك و تظن أن دعوتك إنما أجيبت لصلاحك و طهارة نفسك فلعلك ممن كره الله نفسه و أبغض صوته و الإجابة حجة عليك يوم القيامة يقول لك أ لم تكن دعوتني و أنت مستحق للإعراض عنك فأجبتك.

بل ينبغي أن يكون همك بالشكر و الزيادة في العمل و الصلاح لما أولاك الله من ألطافه الباسطة لرجائك المرغبة لك في دعائك و تسأل الله أن يجعل ما عجله لك بابا من أبواب لطفه و نفحة من نفحات رحمته- و أن يلهمك زيادة الشكر على ما أولاك من تعجيل إجابة لست لها بأهل و هو أهل لذلك و أن لا يكون ذلك منه استدراجا و عليك بالإكثار من الحمد و الاستغفار فالحمد مقابل النعمة و المنة إن كان سبب الإجابة الرحمة و الاستغفار إن كان سببها الاستدراج و البغضة.

32

و إن لم تر آثار الإجابة فلا تقنط و ابسط رجاءك في كرم مولاك فإنه ربما أخرت إجابتك لأن الله تعالى يحب أن يسمع دعاءك و صوتك فعليك بالإلحاح.

أما أولا فلتحوز نصيبا من دعائه حيث يقول-

رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً طَلَبَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [حَاجَةً] فَأَلَحَّ عَلَيْهِ.

و أما ثانيا فلتصادف محبة الله تعالى لأنه إنما أخرك بحبه سماع صوتك فلا تقطع ذلك.

و أما ثالثا فلتعجيل قضاء الحاجة بتكرار الدعاء على ما ورد و اقبض نفسك الأمارة بالخوف من الله تعالى جل جلاله.

و قل لعلي إنما لم يستجب لي جل جلاله لأن دعائي محجوب و عملي لا ترفعه الملائكة لكثرة ذنوبي أو لكثرة المظالم و التبعات قبلي- أو لأن قلبي قاس أو لاه أو ظني غير حسن بربي و كل هذه الأمور حاجبة للدعاء على ما سيجيء أو لأن هذا الكمال لست له أهلا فمنعته و لو كنت له أهلا لأفاضه الكريم الرحيم عليك من غير سؤال فإذن يحصل لك الخوف تعرف أنك في محل التقصير و أن مقامك مقام العبد الحقير الذي أبعدته

33

عيوبه و طردته ذنوبه و قعدت به أعماله و حبسته آماله و حرمته شهواته و أثقلته تبعاته و منعته من الجري في ميدان السالكين و عاقته عن الترقي إلى درجات الفائزين.

و تحقق أنك مع هذا البعد و الحقارة عن مولاك و قعودك بأثقالك متخلفا عن السابقين و منفردا عن المخذولين إن تخاذلت ساكتا عن الاستغاثة بمولاك و متقاعسا عن الاستقامة في طلب هداك يوشك أن ينهز بك الشيطان فرصة الظفر فتعلق بك مخالبه فتنشب في حبائله- فلا تقدر على الخلاص و تلحق بالأشقياء المعذبين.

بل عليك بكثرة الاستغاثة و الصراخ قبل أن تعلق بك الفخاخ و لازم قرع الباب عسى أن يرفع بك الحجاب و قل بلسان الخجل و الانكسار في مناجاة ملك الجبار إلهي و سيدي و مولاي إن كان ما طلبته من جودك و سألته من كرمك غير صالح لي في ديني و دنياي و إن المصلحة لي في منع إجابتي فرضني مولاي بقضائك و بارك لي في قدرتك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت و لا تأخير ما عجلت و اجعل نفسي راضية مطمئنة بما يرد علي منك و خر لي و اجعله أحب إلي من غيره و آثر عندي مما سواه.

و إن كان منعك إجابتي و إعراضك عن مسألتي لكثرة ذنوبي و خطاياي- فإني أتوسل إليك بأنك ربي و بمحمد نبيي و بأهل بيته الطيبين الطاهرين

34

ساداتي و بغناك عني و بفقري إليك و بأني عبدك و إنما يسأل العبد سيده- و إلى من حينئذ منقلبنا عنك و إلى أين مذهبنا عن بابك و أنت الذي لا يزيده المنع و لا يكيده الإعطاء و أنت أكرم الأكرمين و أرحم الراحمين.

ثُمَّ تَذَكَّرْ مَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ(ع)فِي مُنَاجَاتِهِ- وَ تَفَكَّرْ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ بَسْطِ الرَّجَاءِ

إِلَهِي وَ عِزَّتِكَ وَ جَلَالِكَ لَوْ قَرَّنْتَنِي فِي الْأَصْفَادِ وَ مَنَعْتَنِي سَيْبَكَ مِنْ بَيْنِ الْأَشْهَادِ وَ دَلَلْتَ عَلَى فَضَائِحِي عُيُونَ الْعِبَادِ وَ أَمَرْتَ بِي إِلَى النَّارِ وَ حُلْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَ الْأَبْرَارِ مَا قَطَعْتُ رَجَائِي مِنْكَ- وَ لَا صَرَفْتُ تَأْمِيلِي لِلْعَفْوِ عَنْكَ وَ لَا خَرَجَ حُبُّكَ عَنْ قَلْبِي أَنَا لَا أَنْسَى أَيَادِيَكَ عِنْدِي وَ سَتْرَكَ عَلَيَّ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ حُسْنَ صَنِيعِكَ إِلَيَّ.

و تبسط بهذا و أمثاله رجاك لئلا يميل به جانب الخوف فيؤدي إلى القنوط و لا يقنط مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضّٰالُّونَ و لا يميل به جانب الرجاء فتبلغ الغرور و الحمق.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

الْكَيِّسُ دَانَ نَفْسَهُ وَ عَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ- وَ الْأَحْمَقُ وَ الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ.

و عنهم(ع)

إنما المؤمن كالطائر و له جناحان الرجاء و الخوف.

وَ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ نَامَانَ [مَاثَانَ] يَا بُنَيَّ لَوْ شُقَّ جَوْفُ الْمُؤْمِنِ لَوُجِدَ

35

عَلَى قَلْبِهِ سَطْرَانِ مِنْ نُورٍ لَوْ وُزِنَا لَمْ يَرْجَحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَحَدُهُمَا الرَّجَاءُ وَ الْآخَرُ الْخَوْفُ.

نعم

في حالة المرض خصوصا مرض الموت ينبغي أن يزيد الرجاء على الخوف

ورد بذلك الأثر عنهم (ع)

<مناجاة لدفع الفقر و الشدائد->

يا من يرى ما في الضمير و يسمع * * * أنت المعد لكل ما يتوقع

يا من يرجى للشدائد كلها * * * يا من إليه المشتكى و المفزع

يا من خزائن ملكه في قول كُنْ* * * * امنن فإن الخير عندك أجمع

ما لي سوى فقري إليك وسيلة * * * بالافتقار إليك فقري أدفع

ما لي سوى قرعي لبابك حيلة * * * و لئن رددت فأي باب أقرع

و من الذي أدعو و أهتف باسمه * * * إن كان فضلك عن فقير يمنع

حاشا لمجدك إن تقنط عاصيا * * * و الفضل أجزل و المواهب أوسع

- <مناجاة أخرى->

أجلك عن تعذيب مثلي على ذنبي * * * و لا ناصر لي غير نصرك يا رب

أنا عبدك المحقور في عظم شأنكم * * * من الماء قد أنشأت أصلي و ترب

و نقلتني من ظهر آدم نطفة * * * أحدر في قعر جريح من الصلب

و أخرجتني من ضيق قعر بمنكم * * * و إحسانكم أهوى من الواسع الرحب

36

فحاشاك في تعظيم شأنك و العلى * * * تعذب محقورا بإحسانكم ربي

لأنا رأينا في الأنام معظما * * * يخلى عن المحقور في الحبس و الضرب

و أرفده مالا و لو شاء قتله * * * لقطعه بالسيف إربا على إرب

و أيضا إذا عذبت مثلي و طائعا * * * تنعمه فالعفو منك لمن تحبي

فما هو إلا لي فمنذ رأيته * * * لكم شيمة أعددته المحو للذنب

و أطمعتني لما رأيتك غافرا * * * و وهاب قد سميت نفسك في الكتب

فإن كان شيطاني أعان جوارحي * * * عصتكم فمن توحيدكم ما خلا قلبي

فتوحيدكم فيه و آل محمد * * * سكنتم به في حبة القلب و اللب

و جيرانكم هذا الجوارح كلها * * * و أنت فقد أوصيت بالجار ذي الجنب

و أيضا رأينا العرب تحمي نزيلها * * * و جيرانها التابعين من الخطب

فلم لا أرجى فيك يا غاية المنى * * * حما مانعا إن صح هذا من العرب

37

<نصيحة> و ينبغي لك مع تأخر الإجابة الرضا بقضاء الله تعالى و أن تحمل عدم الإجابة على الخيرة و أن الحاصل بك هو عين الصلاح لك فإنه غاية التفويض إلى الله تعالى و حق له عليك.

فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ

لَا تَسْخَطُوا نِعَمَ اللَّهِ وَ لَا تَقْتَرِحُوا عَلَى اللَّهِ وَ إِذَا ابْتُلِيَ أَحَدُكُمْ فِي رِزْقِهِ وَ مَعِيشَتِهِ فَلَا يُحْدِثَنَّ شَيْئاً يَسْأَلُهُ- لَعَلَّ فِي ذَلِكَ حَتْفَهُ وَ هَلَاكَهُ وَ لَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ بِجَاهِ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ إِنْ كَانَ مَا كَرِهْتُهُ مِنْ أَمْرِي هَذَا خَيْراً لِي وَ أَفْضَلَ فِي دِينِي فَصَبِّرْنِي عَلَيْهِ وَ قَوِّنِي عَلَى احْتِمَالِهِ وَ نَشِّطْنِي بِثِقْلِهِ وَ إِنْ كَانَ خِلَافُ ذَلِكَ خَيْراً لِي- فَجُدْ عَلَيَّ بِهِ وَ رَضِّنِي بِقَضَائِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَكَ الْحَمْدُ.

و في هذا المعنى مَا رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ(ع)

يَا مُوسَى مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ- وَ إِنِّي إِنَّمَا ابْتَلَيْتُهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أُعَافِيهِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا يَصْلُحُ عَبْدِي عَلَيْهِ فَلْيَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَ لْيَشْكُرْ عَلَى نَعْمَائِي أُثْبِتْهُ فِي الصِّدِّيقِينَ عِنْدِي إِذَا عَمِلَ بِرِضَائِي وَ أَطَاعَ أَمْرِي.

وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ

يَا عِبَادِي أَطِيعُونِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَ لَا تُعَلِّمُونِي بِمَا يُصْلِحُكُمْ فَإِنِّي أَعْلَمُ بِهِ وَ لَا أَبْخَلُ عَلَيْكُمْ بِمَصَالِحِكُمْ.

وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)

يَا عِبَادَ اللَّهِ أَنْتُمْ كَالْمَرْضَى وَ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَالطَّبِيبِ فَصَلَاحُ الْمَرْضَى بِمَا يَعْلَمُهُ الطَّبِيبُ وَ يُدَبِّرُهُ لَا فِيمَا يَشْتَهِيهِ الْمَرِيضُ وَ يَقْتَرِحُهُ أَلَا فَسَلِّمُوا اللَّهَ أَمْرَهُ تَكُونُوا مِنَ الْفَائِزِينَ.

وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)

عَجِبْتُ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لَا يَقْضِي اللَّهُ [لَهُ] بِقَضَائِهِ-

38

إِلَّا كَانَ خَيْراً لَهُ [وَ] إِنْ قُرِّضَ بِالْمَقَارِيضِ كَانَ خَيْراً لَهُ وَ إِنْ مَلَكَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا كَانَ خَيْراً لَهُ.

وَ عَنْهُ(ع)يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ

لِيَحْذَرْ عَبْدِيَ الَّذِي يَسْتَبْطِئُ رِزْقِي أَنْ أَغْضِبَ فَأَفْتَحَ عَلَيْهِ بَاباً مِنَ الدُّنْيَا.

وَ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ مَنِ انْقَطَعَ إِلَيَّ كَفَيْتُهُ وَ مَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَ مَنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَ إِنَّمَا أُؤَخِّرُ دَعْوَتَهُ وَ هِيَ مُعَلَّقَةٌ وَ قَدِ اسْتَجَبْتُهَا لَهُ حَتَّى يَتِمَّ قَضَائِي فَإِذَا تَمَّ قَضَائِي أَنْفَذْتُ مَا سَأَلَ قُلْ لِلْمَظْلُومِ إِنَّمَا أُؤَخِّرُ دَعْوَتَكَ وَ قَدِ اسْتَجَبْتُهَا لَكَ عَلَى مَنْ ظَلَمَكَ حَتَّى يَتِمَّ قَضَائِي لَكَ عَلَى مَنْ ظَلَمَكَ لِضُرُوبٍ كَثِيرَةٍ غَابَتْ عَنْكَ وَ أَنَا أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ.

إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ ظَلَمْتَ رَجُلًا فَدَعَا عَلَيْكَ فَتَكُونَ هَذِهِ بِهَذِهِ لَا لَكَ وَ لَا عَلَيْكَ وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لَكَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَبْلُغُهَا عِنْدِي إِلَّا بِظُلْمِهِ لَكَ لِأَنِّي أَخْتَبِرُ عِبَادِي فِي أَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ رُبَّمَا أَمْرَضْتُ الْعَبْدَ فَقَلَّتْ صَلَاتُهُ وَ خِدْمَتُهُ وَ لَصَوْتُهُ إِذَا دَعَانِي فِي كُرْبَتِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ صَلَاةِ الْمُصَلِّينَ وَ لَرُبَّمَا صَلَّى الْعَبْدُ فَأَضْرِبُ بِهَا وَجْهَهُ وَ أَحْجُبُ عَنِّي صَوْتَهُ أَ تَدْرِي مَنْ ذَلِكَ يَا دَاوُدُ ذَلِكَ الَّذِي يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ إِلَى حُرَمِ الْمُؤْمِنِينَ بِعَيْنِ الْفِسْقِ وَ ذَلِكَ الَّذِي حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ لَوْ وَلِيَ أَمْراً لَضَرَبَ فِيهِ الْأَعْنَاقَ ظُلْماً.

يَا دَاوُدُ نُحْ عَلَى خَطِيئَتِكَ كَالْمَرْأَةِ الثَّكْلَى عَلَى وَلَدِهَا لَوْ رَأَيْتَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ النَّاسَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ قَدْ بَسَطْتُهَا بَسْطَ الْأَدِيمِ وَ ضَرَبْتُ نَوَاحِيَ أَلْسِنَتِهِمْ

39

بِمَقَامِعَ مِنْ نَارٍ ثُمَّ سَلَّطْتُ عَلَيْهِمْ مُوَبِّخاً لَهُمْ يَقُولُ يَا أَهْلَ النَّارِ هَذَا فُلَانٌ السَّلِيطُ فَاعْرِفُوهُ كَمْ رَكْعَةٍ طَوِيلَةٍ فِيهَا بُكَاءٌ بِخَشْيَةٍ قَدْ صَلَّاهَا صَاحِبُهَا لَا تُسَاوِي عِنْدِي فَتِيلًا حِينَ [حَيْثُ] نَظَرْتُ فِي قَلْبِهِ فَوَجَدْتُهُ- إِنْ سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ وَ بَرَزَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا أَجَابَهَا وَ إِنْ عَامَلَهُ مُؤْمِنٌ خَاتَلَهُ [خَانَهُ].

و أما ما دل عليه من السنة فكثير يفضي استقصاؤه إلى إسهاب و إضجار فلنقتصر منه على أخبار- الأول

رَوَى حَنَانُ بْنُ سَدِيرٍ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَيُّ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ فَقَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ [أَفْضَلَ] إِلَى اللَّهِ [عِنْدَ اللَّهِ] مِنْ أَنْ يُسْأَلَ وَ يُطْلَبَ مَا [مِمَّا] عِنْدَهُ وَ مَا أَحَدٌ أَبْغَضَ إِلَى اللَّهِ مِمَّنْ يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ وَ لَا يَسْأَلُ مَا عِنْدَهُ.

الثاني

رَوَى زُرَارَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ-

إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ

قَالَ هُوَ الدُّعَاءُ وَ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الدُّعَاءُ قَالَ قُلْتُ

إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ لَأَوّٰاهٌ حَلِيمٌ

قَالَ الْأَوَّاهُ هُوَ الدَّعَّاءُ.

الثالث

رَوَى ابْنُ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ فِي الْأَرْضِ الدُّعَاءُ وَ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْعَفَافُ قَالَ وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)رَجُلًا دَعَّاءً.

40

الرابع

رَوَى عُبَيْدُ بْنُ زُرَارَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ-

إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي

الْآيَةَ ادْعُ اللَّهَ [ادْعُ] وَ لَا تَقُلْ إِنَّ الْأَمْرَ قَدْ فُرِغَ [مِنْهُ].

الخامس

رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

الدُّعَاءُ كَهْفُ الْإِجَابَةِ كَمَا أَنَّ السَّحَابَ كَهْفُ الْمَطَرِ.

السادس

رَوَى هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَ تَعْرِفُونَ طُولَ الْبَلَاءِ مِنْ قِصَرِهِ قُلْنَا لَا قَالَ إِذَا أُلْهِمَ أَحَدُكُمُ الدُّعَاءَ [عِنْدَ الْبَلَاءِ] فَاعْلَمُوا أَنَّ الْبَلَاءَ قَصِيرٌ.

السابع

وَلَّادٌ قَالَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)

مَا مِنْ بَلَاءٍ يَنْزِلُ عَلَى عَبْدٍ مُؤْمِنٍ فَيُلْهِمُهُ اللَّهُ الدُّعَاءَ إِلَّا كَانَ كَشْفُ ذَلِكَ الْبَلَاءِ وَشِيكاً وَ مَا مِنْ بَلَاءٍ يَنْزِلُ عَلَى عَبْدٍ مُؤْمِنٍ فَيُمْسِكُ عَنِ الدُّعَاءِ إِلَّا كَانَ الْبَلَاءُ طَوِيلًا فَإِذَا نَزَلَ الْبَلَاءُ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ وَ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

الثامن

عَنِ النَّبِيِّ(ص)

أَفْزِعُوا إِلَى اللَّهِ فِي حَوَائِجِكُمْ وَ أَلْجِئُوا إِلَيْهِ فِي مُلِمَّاتِكُمْ وَ تَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَ ادْعُوهُ فَإِنَّ الدُّعَاءَ مُخُّ الْعِبَادَةِ وَ مَا مِنْ

41

مُؤْمِنٍ يَدْعُو اللَّهَ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ يُؤَجِّلَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَ إِمَّا أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا دَعَا مَا لَمْ يَدْعُ بِمَأْثَمٍ.

التاسع

عَنْهُ(ص)

أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الدُّعَاءِ وَ أَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ.

العاشر

وَ عَنْهُ(ص)

أَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَبْخَلِ النَّاسِ وَ أَكْسَلِ النَّاسِ وَ أَسْرَقِ النَّاسِ وَ أَجْفَى النَّاسِ وَ أَعْجَزِ النَّاسِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَمَّا أَبْخَلُ النَّاسِ فَرَجُلٌ يَمُرُّ بِمُسْلِمٍ وَ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ وَ أَمَّا أَكْسَلُ النَّاسِ فَعَبْدٌ صَحِيحٌ فَارِغٌ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ بِشَفَةٍ وَ لَا بِلِسَانٍ وَ أَمَّا أَسْرَقُ النَّاسِ فَالَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ تُلَفُّ كَمَا تُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلَقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ وَ أَمَّا أَجْفَى النَّاسِ فَرَجُلٌ ذُكِرْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ وَ أَمَّا أَعْجَزُ النَّاسِ فَمَنْ يَعْجِزُ [عَجَزَ] عَنِ الدُّعَاءِ.

الحادي عشر

عَنْهُ(ص)

أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ الدُّعَاءُ وَ إِذَا أَذِنَ اللَّهُ لِلْعَبْدِ [لِعَبْدٍ] فِي الدُّعَاءِ فَتَحَ لَهُ بَابَ الرَّحْمَةِ إِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ.

الثاني عشر

مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي الرَّجُلَيْنِ افْتَتَحَا الصَّلَاةَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَلَا هَذَا الْقُرْآنَ فَكَانَتْ تِلَاوَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ دُعَائِهِ وَ دَعَا هَذَا [أَكْثَرَ] فَكَانَ دُعَاؤُهُ أَكْثَرَ [مِنْ تِلَاوَتِهِ] ثُمَّ انْصَرَفَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ كُلٌّ فِيهِ فَضْلٌ وَ كُلٌّ حَسَنٌ قُلْتُ [فَقُلْتُ] إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ كُلًّا حَسَنٌ وَ أَنَّ كَلًّا فِيهِ فَضْلٌ لَكِنْ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ فَقَالَ الدُّعَاءُ أَفْضَلُ أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ قٰالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ

42

جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ

هِيَ وَ اللَّهِ الْعِبَادَةُ هِيَ وَ اللَّهِ أَفْضَلُ [هِيَ وَ اللَّهِ أَفْضَلُ- أَ لَيْسَتْ هِيَ الْعِبَادَةَ هِيَ وَ اللَّهِ الْعِبَادَةُ] هِيَ وَ اللَّهِ الْعِبَادَةُ [أَ لَيْسَتْ هِيَ أَشَدَّهُنَّ هِيَ وَ اللَّهِ أَشَدُّهُنَّ هِيَ وَ اللَّهِ أَشَدُّهُنَّ] هِيَ وَ اللَّهِ أَشَدُّهُنَّ.

الثالث عشر

يَعْقُوبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى آدَمَ(ع)أَنِّي سَأَجْمَعُ لَكَ الْكَلَامَ [الْخَيْرَ كُلَّهُ] فِي أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ قَالَ يَا رَبِّ [وَ] مَا هُنَّ قَالَ وَاحِدَةٌ لِي [وَ] وَاحِدَةٌ لَكَ [وَ] وَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكَ [وَ] وَاحِدَةٌ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ آدَمُ(ع)بَيِّنْهُنَّ لِي يَا رَبِّ [حَتَّى أَعْلَمَهُنَّ] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَّا الَّتِي هِيَ لِي فَتَعْبُدُنِي وَ لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً وَ أَمَّا الَّتِي لَكَ فَأَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ- وَ أَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فَعَلَيْكَ الدُّعَاءُ وَ عَلَيَّ الْإِجَابَةُ وَ أَمَّا الَّتِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَ النَّاسِ فَتَرْضَى لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى [تَرْضَاهُ] لِنَفْسِكَ.

الرابع عشر

مِنْ كِتَابِ الدُّعَاءِ لِمُحَمَّدِ بْنِ حَسَنٍ الصَّفَّارِ يَرْفَعُهُ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ سَيْفٍ مِنْ أَخِيهِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَمَّنْ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلَانِ كَانَا يَعْمَلَانِ عَمَلًا وَاحِداً فَيَرَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَوْقَهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ بِمَا أَعْطَيْتَهُ وَ كَانَ عَمَلُنَا وَاحِداً فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سَأَلَنِي وَ لَمْ تَسْأَلْنِي ثُمَّ قَالَ(ص)اسْأَلُوا اللَّهَ وَ أَجْزِلُوا فَإِنَّهُ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ.

الخامس عشر

بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ عَمَّنْ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)

لَيُسْأَلَنَّ اللَّهُ [لتسلن الله] أَوْ لَيَقْضِيَنَّ [لَيَغْضَبَنَّ]

43

عَلَيْكُمْ إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَعْمَلُونَ فَيُعْطِيهِمْ وَ آخَرِينَ يَسْأَلُونَهُ صَادِقِينَ فَيُعْطِيهِمْ- ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ الَّذِينَ عَمِلُوا رَبَّنَا عَمِلْنَا فَأَعْطَيْتَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ عِبَادِي أَعْطَيْتُكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لَمْ أَلِتْكُمْ

مِنْ أَعْمٰالِكُمْ شَيْئاً

وَ سَأَلَنِي هَؤُلَاءِ فَأَعْطَيْتُهُمْ وَ [أَغْنَيْتُهُمْ] وَ هُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الباب الثاني في أسباب الإجابة

و ينقسم إلى سبعة أقسام لأنها إما أن ترجع إلى نفس الدعاء أو إلى زمان الدعاء أو إلى مكانه أو الحالات و هي قسمان حالات الداعي و حالات يقع فيها الدعاء فهذه خمسة أقسام و ما يتركب من المكان و الدعاء و ما يتركب من الزمان و الدعاء صارت سبعة أقسام

القسم الأول ما يرجع إلى الوقت

- كليلة الجمعة و يومها.

قَالَ الصَّادِقُ(ع)

مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ بِيَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ يوْمِ الْجُمُعَةِ- وَ إِنَّ كَلَامَ الطَّيْرِ فِيهِ إِذَا لَقِيَ بَعْضُهَا بَعْضاً سَلَامٌ سَلَامٌ يَوْمٌ صَالِحٌ.

وَ رُوِيَ

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ فِي دُخُولِ الصَّيْفِ خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عِنْدَ دُخُولِ الشِّتَاءِ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ

كَانَ يَخْرُجُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَ يَدْخُلُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ.

وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)

إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَأَخِّرْهُ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ.

وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)[أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ]

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُنَادِي كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ أَ لَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُونِي لِدِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ [لِآخِرَتِهِ وَ دُنْيَاهُ] قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأُجِيبَهُ أَ لَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَتُوبُ إِلَيَّ مِنْ ذُنُوبِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَتُوبَ إِلَيْهِ أَ لَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ قَدْ قُتِّرَ

46

عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَيَسْأَلُنِي الزِّيَادَةَ فِي رِزْقِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَزِيدَهُ وَ أُوَسِّعَ عَلَيْهِ أَ لَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ سَقِيمٌ فَيَسْأَلُنِي أَنْ أَشْفِيَهُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأُعَافِيَهُ أَ لَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ مَحْبُوسٌ مَغْمُومٌ فَيَسْأَلُنِي أَنْ أُطْلِقَهُ مِنْ سِجْنِهِ [حَبْسِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ- فَأُطْلِقَهُ مِنْ حَبْسِهِ] فَأُخَلِّيَ سَرْبَهُ أَ لَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ مَظْلُومٌ يَسْأَلُنِي أَنْ آخُذَ بِظُلَامَتِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَنْتَصِرَ لَهُ وَ آخُذَ لَهُ بِظُلَامَتِهِ قَالَ فَلَا [فَمَا] يَزَالُ يُنَادِي بِهَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ.

وَ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)

أَنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ يَسْأَلُ [لَيَسْأَلُ] اللَّهَ الْحَاجَةَ- فَيُؤَخِّرُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَضَاءَ حَاجَتِهِ الَّتِي سَأَلَ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ [لِيَخُصَّهُ بِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ].

وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)

أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّامِ وَ أَعْظَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى [وَ هُوَ] وَ أَعْظَمُ [عِنْدَ اللَّهِ] مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَ يَوْمِ الْأَضْحَى وَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ وَ أَهْبَطَ [اللَّهُ] فِيهِ آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ وَ فِيهِ تَوَفَّى اللَّهُ آدَمَ وَ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَاماً [مُحَرَّماً] وَ مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَ لَا سَمَاءٍ وَ لَا أَرْضٍ وَ لَا رِيَاحٍ وَ لَا جِبَالٍ وَ لَا شَجَرٍ إِلَّا وَ هُوَ يشفق [مُشْفِقٌ مِنْ] يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ [الْقِيَامَةُ] فِيهِ.

وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)

فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ(ع)لِبَنِيهِ-

سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي

قَالَ(ع)أَخَّرَهُ [أَخَّرَهُمْ] إِلَى السَّحَرِ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ.

و في نهار الجمعة ساعتان ما بين فراغ الخطيب من الخطبة إلى أن تستوي الصفوف بالناس و أخرى من آخر النهار و روي إذا غاب نصف القرص.

47

وَ قَالَ الْبَاقِرُ(ع)

أَوَّلُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ سَاعَةَ تَزُولُ [زَوَالِ] الشَّمْسُ- إِلَى أَنْ تَمْضِيَ سَاعَةٌ يُحَافَظُ [فَحَافِظْ] عَلَيْهَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ- لَا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا عَبْدٌ خَيْراً إِلَّا أَعْطَاهُ.

رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ

دَعَا النَّبِيُّ(ص)عَلَى الْأَحْزَابِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ وَ اسْتُجِيبَ لَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَ الْعَصْرِ فَعُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ قَالَ جَابِرٌ فَمَا نَزَلَ بِي أَمْرٌ غَائِظٌ فَتَوَجَّهْتُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَّا وَجَدْتُ الْإِجَابَةَ.

وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)

مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ فَلْيَطْلُبْهَا فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ- فَإِنَّهَا لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ يَعْنِي الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ.

وَ فِي رِوَايَةٍ فِي السُّدُسِ الْأَوَّلِ مِنَ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ اللَّيْلِ.

و يعضدها ما ورد من الترغيب و الفضل لمن صلى الليل و الناس نيام- و في الذكر في الغافلين.

و لا شك في استيلاء النوم على غالب الناس في ذلك الوقت بخلاف النصف الأول فإنه ربما يستصحب الحال فيه النهار و آخر الليل ربما انتشروا فيه لمعايشهم [لمعاشهم] و أسفارهم و إنما مخ الليل هو وقت الغفلة- و فراغ القلب للعبادة و لاشتماله على مجاهدة النفس و مهاجرة الرقاد و مباعدة وثير المهاد و الخلوة بمالك العباد و سلطان الدنيا و المعاد و هو المقصود من جوف الليل.

و هي

مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ أُذَيْنَةَ قَالَ

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنَّ فِي اللَّيْلِ سَاعَةً [لَسَاعَةً] مَا يُوَافِقُ فِيهَا [لَا يُوَافِقُهَا] عَبْدٌ

48

مُؤْمِنٌ [مُسْلِمٌ] [ثُمَّ] يُصَلِّي وَ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا إِلَّا اسْتَجَابَ [اسْتُجِيبَ] لَهُ [فِي كُلِّ لَيْلَةٍ] قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ وَ أَيُّ سَاعَةِ اللَّيْلِ هِيَ [فَأَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ مِنَ اللَّيْلِ] قَالَ إِذَا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ وَ بَقِيَ [وَ هِيَ] السُّدُسُ الْأَوَّلُ مِنْ أَوَّلِ النِّصْفِ [الثَّانِي].

و أما الثلث الأخير فمتواتر.

قَالَ(ص)

إِذَا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ سُؤْلَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ.

وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مَحْمُودٍ قَالَ

قُلْتُ لِلرِّضَا(ع)مَا تَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَقَالَ(ع)لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَرِّفِينَ

الْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ*

وَ اللَّهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَلِكَ إِنَّمَا قَالَ(ص)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يُنْزِلُ مَلَكاً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثَيِ الْأَخِيرِ وَ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ مِنْ [فِي] أَوَّلِ اللَّيْلِ فَيَأْمُرُهُ فَيُنَادِي هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ سُؤْلَهُ- هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ

49

يَا طَالِبَ الشَّرِّ أَقْصِرْ فَلَا يَزَالُ يُنَادِي بِهَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِذَا طَلَعَ عَادَ إِلَى مَحَلِّهِ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص.

<نصيحة> ينبغي لذي الإيمان الصريح و الاعتقاد الصحيح في تصديق الرسول و أبناء الزهراء البتول فيما يخبرون به من معالم التنزيل و يؤدونه عن الرب الجليل أن يبعث في تلك الساعات مع ذلك المنادي حوائجه في جواب ندائه كما لو وقف على بابه رسول ملك من ملوك الدنيا و استعرض حوائجه.

و قال إن الملك قد أذن لي في إعلامك برفع حوائجك إليه ليقضيها لك فإنه يغتنم ذلك الاستعراض و يذكر ما أهمه من الحوائج و الأغراض- و لا يبقى له حاجة و لا لأهل عناية و إلا ذكرها على التفصيل خصوصا إذا كان ذلك الملك موصوفا بالعطاء الجزيل و معروفا بالثناء [بالفعل] الجميل- و لا يعرض عن منادي الملك مع حاجته إلى مرسله و ينفصل عنه بغير جواب- و يضيع المقصود من هذا الخطاب إعراض المتهاونين فيستحق سخط الملك و يبوء بجواب- إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ أو إعراض الغافلين فيقع في عساكر المحرومين و يبوء بثقله و ما وزر و ما ورد و من ترك مسألة الله افتقر.

قال رضي الدين علي بن موسى بن الطاوس (قدس الله روحه الزكية) و إن شئت فقل في ذلك الوقت اللهم قد صدقت بربوبيتك-

50

و بمحمد خاتم رسالتك و بهذا المنادي عن جودك و إن لم تسمعه أذني فقد سمعه عقلي المصدق بالأخبار المتضمنة لوعدك.

فأنا أقول أيها الملك الوارد علينا من مالك الحكيم الكريم الجواد- المحسن إلينا قد سمعنا بلسان حال عقولنا قولك عن معدن نجاح مسئولنا- هل من سائل فأعطيه سؤله و أنا سائل لكل ما أحتاج إليه مما يقتضي به دوام إقباله علي و دوام توفيقي للإقبال له و تمام إحسانه إلي و كمال أدبي بين يديه و أن يحفظني و يحفظ علي كلما أحسن به إلي.

و سمعنا قولك عن سيدنا و مولانا الذي هو أهل لبلوغ مأمولنا هل من تائب فأتوب إليه و أنا تائب اختيارا و اضطرارا لأني عاجز ضعيف عن غضبه و عقابه و مضطر إلى مرضاه و ثوابه.

فإن صدقت نفسي في التوبة على التحقيق و إلا فلسان حال عقلي تائب إليه بكل طريق من طرق التوفيق و سمعنا قولك أيها الملك عن سيدنا و سلطاننا الذي هو أهل لرحمتنا و قبولنا هل من مستغفر فأغفر له- و أنا مملوكه المستغفر من كل ما يكرهه مني المستجير به في العفو عني فإن صدق قلبي و لساني في الاستغفار و إلا فلسان حال عقلي و ما أنا عليه بالاضطرار و الإعسار و الانكسار يستغفر عني بين يدي جلالته و عفوه و رحمته و أنا ذليل حقير بين عزته و رأفته.

و قد جعلت أيها الملك ما قد ذكرته من سؤالي و توبتي و استغفاري- و افتقاري و ذلي و انكساري أمانة مسلمة إليك تعرضها من باب الحلم و الكرم و الرحمة و الجود على من أنعم علينا و بعثك و أرسلك إلينا و فتح بين يدينا أبواب التوصل إليه فيما تعرضه إليه.

51

قال و إن لم تحفظ ما ذكرناه و لا تهيأ لك أن تتلوه من هذا فاكتبه في رقعة و تكون معك أو تحت رأسك و تحفظها كما تحفظ عزيز قماشك فإذا كان في الثلث الأخير من كل ليلة تخرجها بين يديك و تقول أيها الملك المنادي عن أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين هذه قصتي قد سلمتها إليك ما لي لسان و لا جنان يصلح لكلام أعرضه عليك و هذا آخر كلامه و رحمة الله عليه.

و أنا أقول إن تيسر لك أن تدعو في ذلك الوقت بما وظفه أهل البيت(ع)و علموك من أدعيتهم فبخ بخ و إن لم يتفق لك ذلك فقل اللهم إني آمنت بك و صدقت رسولك و آل رسولك (صلواتك عليه و عليهم) فيما أخبروا به عن مكارم لطفك و أوانس عفوك اللهم فصل على محمد و أهل بيته و أشركني في صالح [صلاح] ما دعيت به في هذه الليلة من عاجل الدنيا و آجل الآخرة ثم افعل بي ما أنت أهله و لا تفعل بي ما أنا أهله يا أرحم الراحمين و صل على محمد و آله الطاهرين.

و اعلم أنه

قَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ

لَا تُعْطُوا الْعَيْنَ حَظَّهَا [مِنَ النَّوْمِ] فَإِنَّهَا أَقَلُّ شَيْءٍ شُكْراً.

وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)

إِذَا قَامَ الْعَبْدُ مِنْ لَذِيذِ مَضْجَعِهِ وَ النُّعَاسُ

52

فِي عَيْنَيْهِ لِيُرْضِيَ رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِصَلَاةِ لَيْلِهِ بَاهَى اللَّهُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ فَقَالَ [فَيَقُولُ] أَ مَا تَرَوْنَ عَبْدِي هَذَا قَدْ قَامَ مِنْ [لَذِيذِ] مَضْجَعِهِ [وَ تَرَكَ لَذِيذَ مَنَامِهِ] إِلَى [مَا لَمْ أَفْرِضْهُ] صَلَاةٍ لَمْ أَفْرِضْهَا عَلَيْهِ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ.

<فائدة> قد عرفت أن النهار اثنتا عشرة ساعة يتوجه كل ساعة منها- و يتوسل إلى الله تعالى بإمام من أئمة الهدى(ع)على ما رواه شيخنا في المصباح بالدعاء المأثور لذلك.

و ذكر السيد رضي الدين (رحمه الله) أن كل يوم من الأسبوع يختص بضيافة أحد من الأئمة(ع)و إجارته و لكل يوم منه زيارة يختص ظهور الضيافة و الإجارة عنه- فيوم السبت للنبي(ص)و يوم الأحد لمولانا علي(ع)و يوم الإثنين للحسن و الحسين(ع)و يوم الثلاثاء لعلي بن الحسين و الباقر و الصادق و يوم الأربعاء للكاظم و الرضا و الجواد و الهادي(ع)و يوم الجمعة للمهدي ع.

53

و ليلة القدر و هي مجهولة في شهر رمضان و ربما انحصرت في ليالي الإفراد الثلاث و تأكدت في ليلة الجهني و هي ليلة ثلاث و عشرين منه.

و ليالي الإحياء و هي أول ليلة من رجب و ليلة النصف من شعبان-

54

و ليلتا العيدين فإن أمير المؤمنين(ع)كان يعجبه أن يفرغ نفسه في هذه الليالي.

و يوم عرفة فإنه يوم دعاء و مسألة و لهذا كان الفطر فيه أفضل من الصوم لمن يضعفه عن الدعاء مع ما ورد من الترغيب العظيم في صيامه.

و عند هبوب الرياح و زوال الأفياء و نزول المطر و أول قطرة من دم الشهيد.

لِرِوَايَةِ: زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ

اطْلُبُوا الدُّعَاءَ فِي أَرْبَعِ سَاعَاتٍ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيَاحِ وَ زَوَالِ الْأَفْيَاءِ وَ نُزُولِ الْمَطَرِ وَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِ الْقَتِيلِ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفَتَّحُ عِنْدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.

وَ عَنْهُ(ع)

إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ أَبْوَابُ الْجِنَانِ وَ قُضِيَتِ الْحَوَائِجُ الْعِظَامُ فَقُلْتُ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ فَقَالَ(ع)مِقْدَارَ [بِمِقْدَارِ] مَا يُصَلِّي الرَّجُلُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مُتَرَسِّلًا.

55

و من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقت إجابة و روي و الفجر طالع.

وَ رَوَى أَبُو الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُجِيبُ [يُحِبُّ] مِنْ عِبَادِهِ [الْمُؤْمِنِينَ] كُلَّ [عَبْدٍ] دَعَّاءٍ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي السَّحَرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ سَاعَةٌ تُفَتَّحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ تُقْسَمُ فِيهَا الْأَرْزَاقُ وَ تُقْضَى فِيهَا الْحَوَائِجُ الْعِظَامُ.

القسم الثاني ما يرجع إلى المكان

كعرفة

وَ فِي الْخَبَرِ

أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَا مَلَائِكَتِي أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى عِبَادِي وَ إِمَائِي جَاءُوا مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ شَعْثَاءَ غَبْرَاءَ أَ تَدْرُونَ مَا يَسْأَلُونَ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّهُمْ يَسْأَلُونَكَ الْمَغْفِرَةَ- فَيَقُولُ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ.

و روي

أن من الذنوب ما لا يعفو [يغفر] إلا بعرفة و المشعر الحرام قال الله تعالى-

فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ

-

56

و ليلة من ليالي الإحياء.

و الحرم و الكعبة.

وَ رُوِيَ عَنِ الرِّضَا(ع)

مَا وَقَفَ أَحَدٌ بِتِلْكَ الْجِبَالِ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيُسْتَجَابُ لَهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ [أُخْرَاهُمْ] وَ أَمَّا الْكُفَّارُ فَيُسْتَجَابُ لَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ.

و المسجد مطلقا فإنه بيت الله و القاصد قاصد إلى الله زائرا له.

وَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ

أَلَا إِنَّ بُيُوتِي فِي الْأَرْضِ الْمَسَاجِدُ فَطُوبَى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي

وَ هُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُخَيِّبَ زَائِرَهُ وَ قَاصِدَهُ.

وَ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

كَانَ [أَبِي] إِذَا طَلَبَ الْحَاجَةَ طَلَبَهَا عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ قَدَّمَ شَيْئاً فَتَصَدَّقَ بِهِ وَ شَمَّ شَيْئاً مِنَ الطِّيبِ وَ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَدَعَا [وَ دَعَا] فِي حَاجَتِهِ بِمَا شَاءَ.

فقد دلت هذه الرواية على أمور أربعة- الأول كون الزوال وقتا لطلب الحوائج الثاني استحباب تقديم الصدقة الثالث شم الطيب الرابع كون المسجد مكانا لطلب الحاجة.

و من أماكن الدعاء بل أشرفها عند قبر الحسين ع.

57

فَقَدْ رُوِيَ

أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَوَّضَ الْحُسَيْنَ(ع)مِنْ قَتْلِهِ- بِأَرْبَعِ خِصَالٍ جَعَلَ الشِّفَاءَ فِي تُرْبَتِهِ وَ إِجَابَةَ الدُّعَاءِ تَحْتَ قُبَّتِهِ وَ الْأَئِمَّةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَ أَنْ لَا يُعَدَّ أَيَّامُ زَائِرِيهِ مِنْ أَعْمَارِهِمْ.

وَ رُوِيَ

أَنَّ الصَّادِقَ(ع)أَصَابَهُ وَجَعٌ فَأَمَرَ مَنْ عِنْدَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرُوا لَهُ أَجِيراً يَدْعُو لَهُ عِنْدَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(ع)فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ مَوَالِيهِ فَوَجَدَ آخَرَ عَلَى الْبَابِ فَحَكَى لَهُ مَا أُمِرَ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا أَمْضِي لَكِنَّ الْحُسَيْنَ(ع)إِمَامٌ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ وَ هُوَ أَيْضاً إِمَامٌ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ فَكَيْفَ ذَلِكَ- فَرَجَعَ إِلَى مَوْلَاهُ وَ عَرَّفَهُ قَوْلَهُ فَقَالَ هُوَ كَمَا قَالَ لَكِنْ مَا عَرَفَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَاعاً يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ فَتِلْكَ الْبُقْعَةُ مِنْ تِلْكَ الْبِقَاعِ.

القسم الثالث ما يرجع إلى الدعاء من أسباب الإجابة

و هو ما كان متضمنا للاسم الأعظم سواء علم بشخصه أم لم يعلم.

و لا يعلم بعينه إلا من أطلعه الله تعالى عليه من أنبيائه و أوليائه(ع)و قد ورد تلويحات عليه و إشارات إليه مثل ما روي في آخر الحشر و ما روي من أنه في آية الكرسي و أول آل عمران فقيل

58

يكون في الْحَيُّ الْقَيُّومُ لأنه الجامع بينهما و الموجود فيهما

وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

أَقْرَبُ إِلَى الِاسْمِ الْأَعْظَمِ مِنْ سَوَادِ الْعَيْنِ إِلَى بَيَاضِهَا.

و قيل هو في قولنا يا حي يا قيوم و قيل يا ذا الجلال و الإكرام- قيل في قولنا يا هو يا من لا هو إلا هو.

و قيل هو الله و هو أشهر أسماء الرب و أعلاها محلا في الذكر و الدعاء و جعل أمام سائر الأسماء و خصت به كلمة الإخلاص و وقعت به الشهادة.

و اعلم أن هذا القول قريب جدا لأن الوارد في هذا المعنى كثير.

59

ثم اعلم أن هذا الاسم المقدس قد امتاز عن سائر الأسماء بخواص- الأولى أنه علم على الذات المقدسة يختص بها فلا يطلق بها على غيره تعالى حقيقة و لا مجازا قال الله تعالى- هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا أي هل تعلم أحدا يسمى الله غيره.

الثانية أنه دال على الذات و باقي الأسماء لا يدل آحادها إلا على آحاد المعاني كالقادر على القدرة و العالم على العلم و غير ذلك.

الثالثة أن جميع الأسماء يتسمى بذلك الاسم المقدس و لا يتسمى هو بها فيقال الصبور اسم من أسماء الله و لا يقال الله اسم من أسماء الصبور أو الرحيم أو الشكور و تقدم ستة فصار امتيازه بتسعة أشياء.

رُوِيَ

أَنَّ سُلَيْمَانَ(ع)لَمَّا عَلِمَ بِقُدُومِ بِلْقِيسَ وَ قَدْ بَقِيَ بَيْنَهُمَا فَرْسَخٌ قَالَ-

أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهٰا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قٰالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ

أَيْ مَارِدٌ قَوِيٌّ دَاهِيَةٌ-

أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقٰامِكَ

أَيْ مِنْ مَجْلِسِكَ الَّذِي تَقْضِي فِيهِ وَ كَانَ يَجْلِسُ غُدْوَةً إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ-

وَ إِنِّي

عَلَى حَمْلِهِ

لَقَوِيٌّ

وَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ

أَمِينٌ

فَقَالَ سُلَيْمَانُ أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ هَذَا-

قٰالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتٰابِ

وَ هُوَ آصَفُ بْنُ بَرْخِيَا وَ كَانَ وَزِيرَ سُلَيْمَانَ وَ ابْنَ أُخْتِهِ وَ كَانَ صِدِّيقاً يَعْرِفُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ-

أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ

- قيل معناه أن يصل إليك-

60

من كان منك على قدر مد البصر و قيل ارتداد إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا فعلى هذا يكون معناه أن سليمان مد بصره إلى أقصاه و يديم النظر فقبل أن ينقلب إليه بصره حسيرا يكون قد أتى بالعرش.

قال الكلبي

فخر آصف ساجدا و دعا باسم الله الأعظم فغار عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان و قيل انخرق مكانه حيث هو و نبع بين يدي سليمان ع- و قيل إن الأرض طويت له

و هو مروي عن أبي عبد الله ع

فقيل إن ذلك الاسم هو الله و الذي يليه الرحمن و قيل هو يا حي يا قيوم بالعبرانية آهيا شراهيا و قيل هو يا ذا الجلال و الإكرام و قيل يا إلهنا و إله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت.