غاية المراد في شرح نكت الإرشاد - ج1

- الشهيد الأول المزيد...
511 /
1

غاية المراد في شرح نكت الإرشاد تأليف:

الشهيد الأوّل (734- 786) الجزء الأوّل مركز الأبحاث و الدّراسات الإسلاميّة

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

[مقدمة المصنف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

(1) الحمد للّه المتفرّد بالقدم و الدوام، المتنزّه عن مشابهة الأعراض و الأجسام، المتفضّل بسوابغ الأنعام، المتطوّل بالفواصل الجسام، أحمده على ما فضّلنا به من الإكرام، و أشكره على جميع الأقسام.

و صلّى الله على سيّدنا محمّد النبيّ المبعوث إلى الخاصّ و العامّ، و على عترته الأماجد الكرام.

أمّا بعد، فإنّ الله تعالى كما أوجب على الولد طاعة أبويه، كذلك

____________

(1)

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الله أحمد على سوابغ الأنعام (1) و ترادف (2) الأقسام (3)، كما أشكره على جميل الإكرام و الهداية إلى الإسلام، حمدا يبلغنا أعلى دار السلام، و شكرا يلحقنا بأوليائه الكرام، و أصلّي على سيّدنا محمّد النبيّ المرسل لتبيين الأحكام و تفصيل الحلال و الحرام، و على آله المنزّهين عن الأوصام (4)، المبرّئين عن الآثام، صلاة لا انقطاع لها و لا انفصام.

أمّا بعد، فإنّ كتاب إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان من مصنّفات مولانا و شيخنا

____________

(1) أي الأنعام السوابغ، جمع السابغة: التامّة الكاملة، يقال: «شيء سابغ، أي كامل واف» ( «الصحاح» ج 4، ص 1321، «سبغ»).

(2) «الترادف: التتابع» ( «الصحاح» ج 4، ص 1364، «ردف»).

(3) «جمع القسم: النصيب و الحظّ» ( «لسان العرب» ج 12، ص 478، «المعجم الوسيط» ج 2، ص 735، «قسم»).

(4) جمع الوصم: العيب و العار. انظر «لسان العرب» ج 12، ص 639، «وصم».

4

أوجب عليهما الشفقة عليه، بإبلاغ مراده في الطاعات، و تحصيل مئاربه من القربات.

و لمّا كثر طلب الولد العزيز محمّد (أصلح الله تعالى أمر داريه، و وفّقه للخير و أعانه عليه، و مدّ الله له في العمر السعيد و العيش الرغيد) لتصنيف كتاب يحوي النكت البديعة في مسائل الشريعة، على وجه الإيجاز و الاختصار، خال عن التطويل و الإكثار، فأجبت مطلوبه، و صنّفت هذا الكتاب الموسوم بإرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان مستمدّا من الله تعالى حسن التوفيق و هداية الطريق.

و التمست منه المجازاة على ذلك، بالترحّم عليّ عقيب الصلوات

____________

الإمام العلامة أفضل المجتهدين، جمال الحقّ و الملّة و الدين، أبي منصور الحسن بن المطهّر (أسكنه الله أعلى غرفات الجنان) قد احتوى من النكت الفقهية على اللؤلؤ و المرجان، و اشتمل على المسائل الشرعية ذوات الأفنان، إلّا أنّه لا يخلو من رمز محتو على كنز، أو تركيب محتاج إلى تهذيب، فسألني جماعة من الطلبة (أيّدهم الله تعالى بالرشد و التوفيق، و هداهم إلى سواء الطريق) إخراج ما فيه من كنوز، و الإشارة إلى ما تضمّنها من رموز، و إيضاح مشكلاته و كشف معضلاته (1)، فأجبتهم إلى مسألتهم، و سارعت إلى بغيتهم (2)، و صنّفت هذا الكتاب الموسوم بغاية المراد في شرح نكت الإرشاد مشتملا على أسراره و دقائقه، هاديا إلى أغواره (3) و حقائقه، طالبا من الله عزّ و جلّ حسن التسديد و جميل التأييد، راجيا منه جزيل الثواب و حسن المآب.

____________

(1) «أمر معضل: لا يهتدى لوجهه» ( «لسان العرب» ج 11، ص 542، «عضل»).

(2) «البغية و البغيّة: ما ينبغي، يقال: ليكن بغيتك ثواب الآخرة، و ليكن الحقّ بغيتك» ( «المعجم الوسيط» ج 1، ص 65، «بغي»).

(3) الأغوار: جمع الغور، و «غور كلّ شيء: قعره» ( «الصحاح» ج 2، ص 773، «لسان العرب» ج 5، ص 33، «غور»).

5

و الاستغفار لي في الخلوات، و إصلاح ما يجده من الخلل و النقصان، فإنّ السهو كالطبيعة الثانية للإنسان، و مثلي لا يخلو من تقصير في اجتهاد، و الله الموفّق للسداد، و ليس المعصوم إلّا من عصمه الله تعالى من أنبيائه و أوصيائه (عليهم أفضل الصلوات و أكمل التحيّات).

و نبدأ في الترتيب بالأهمّ فالأهمّ.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[كتاب الطهارة] [و النظر في أمور ستّة:] [النظر الأوّل في أقسامها] [النظر الثاني في أسباب الوضوء و كيفيّته] [النظر الثالث في أسباب الغسل] [النظر الرابع في أسباب التيمّم و كيفيّته] [النظر الخامس فيما به تحصل الطهارة] [النظر السادس فيما يتبع الطهارة]

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[كتاب الطهارة]

كتاب الطهارة (1) و النظر في أقسامها و أسبابها و ما تحصل به، و توابعها

[ [النظر] الأوّل في أقسامها]

[النظر] الأوّل في أقسامها و هي وضوء و غسل و تيمّم. و كلّ منها واجب و ندب.

فالوضوء يجب للصلاة و الطواف الواجبين، و مسّ كتابة القرآن إن وجب.

____________

(1) كتاب الطهارة (1) الكتاب لغة: فعال من الكتب و هو الجمع (2)، و منه كتب القربة إذا جمعتها

____________

(1) قال العلامة التستري في «النجعة» ج 1، ص 17: «طهر. فعل لازم، و مثله مصدره: طهارة، فقولهم:

«كتاب الطهارة» مريدين به الوضوء و الغسل و التيمّم غير صحيح، فإنّ الطهارة هي نقاء المرأة من الحيض، كالطهر. فالصواب أن يقال: «كتاب الطهارة»، أي ما يتطهّر به من الحدث و الخبت، أو:

«كتاب التطهّر». و ليس في كتب الصدوق. «كتاب الطهارة»، و ليس في صحيحي مسلم و البخاري أيضا، و لم نقف في كتاب لغة على من يقول: الطهارة يجيء بمعنى التطهير سوى مصباح الفيّومي، و لا عبرة به، فقاله استنادا إلى قول المتأخّرين في الكتب الفقهية. و كذلك لم نقف في خبر على التعبير بالطهارة عن الحديث و الخبث.».

(2) قال التستري في «النجعة» ج 1، ص 16- بعد بحث دقيق: «. و من أين أنّ الأصل في «الكتب» ليس الكتابة التي منّ الله تعالى بها على الإنسان كما منّ عليه بالبيان.؟ و أيّ معنى للجمع في قوله تعالى:

«كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» [البقرة (2): 183] و في قوله جلّ و علا:

«وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي الزَّبُورِ.» [الأنبياء (21): 105]؟ و لم لا نضع «الكتب» في اللغة العربية. للكتابة التي وصلت الأزمنة آخرها بأوّلها، و الأمكنة شرقها بغربها، و نخصّه بمعنى لا ينطبق إلّا على كتاب ألّف إلّا مع التكلّف؟!».

10

و يستحبّ لمندوبي الأوّلين، و دخول المساجد، و قراءة القرآن، و حمل المصحف، و النوم، و صلاة الجنائز، و السعي في حاجة، و زيارة المقابر،

____________

بالخرز (1).

و هو هنا يحتمل أمرين:

أ: أن يكون مصدرا سمّي المفعول به كقوله تعالى هٰذٰا خَلْقُ اللّٰهِ (2) أي مخلوق الله، و كقولهم: «رجل رضا» أي مرضيّ (3)، فيكون على هذا بمعنى «المكتوب في الطهارة».

ب: أنّه بمعنى ما يفعل به كالنظام لما ينظم به (4)، فيكون على هذا «الشيء الذي تجمع به الطهارة»، و هو هنا خبر مبتدإ.

____________

(1) في «الصحاح» ج 1، ص 208، «كتب»: «الكتب: الجمع، تقول منه:. كتبت القربة كتبا، إذا خرزتها، فهي كتيب».

(2) لقمان (31): 11.

(3) «أساس البلاغة» ص 166، «القاموس المحيط» ص 1662، «رضو»، «لسان العرب» ج 14، ص 324:

«رضي».

(4) في «لسان العرب» ج 12، ص 578، «نظم»: «النظام: الخيط الذي ينظم به لؤلؤ أو غيره، فهو نظام، و جمعه: نظم».

11

و نوم الجنب، و جماع المحتلم، و ذكر الحائض، و الكون على طهارة، و التجديد.

و الغسل يجب لما وجب له الوضوء، و لدخول المساجد و قراءة العزائم

____________

و عرفا: كلام جامع بين مسائل متّحدة جنسا مختلفة نوعا. و ربما شكّ في كون مسائل الطهارة كذلك، فيجاب باختلاف نوعها لاختلاف صورها و متعلّقاتها، و بذكر توابعها.

و أمّا الطهارة فهي مصدر طهر بضمّ العين و فتحها و هو أفصح، و الاسم الطهر (1).

و معناها لغة النظافة و النزاهة (2)، قال الله سبحانه و تعالى إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (3). قال المفسّرون: معناه ينزّهكم و يرفع درجاتكم (4).

و قال امرؤ القيس:

ثياب بني عوف طهارى نقيّة * * * و أوجههم بيض المسافر غرّان (5)

____________

(1) «الصحاح» ج 2، ص 727، «طهر».

(2) «لسان العرب» ج 4، ص 504، «تاج العروس» ج 12، ص 442، «طهر».

(3) الأحزاب (33): 33.

(4) في «مقدّمات ابن رشد» ج 1، ص 42: «و أصل الطهارة في اللغة: النظافة و النزاهة. و منه قول الله عزّ و جلّ إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ. أي ينزّهكم عن الدناءة و يبعدكم عنها و يعلي درجاتكم». و لم أجده في كتب التفسير.

(5) «ديوان امرئ القيس» ص 169. اعلم أنّه استشهد بهذا البيت في كثير من كتب اللغة، منها: «الصحاح» ج 2، ص 686، 727، 767، «لسان العرب» ج 4، ص 369، 504 و ج 5، ص 14، «تاج العروس» ج 12، ص 43، 443 و ج 13، ص 219، «سفر»، «طهر»، «غرر». و روي أيضا «و أوجههم عند المشاهد غرّان». و في «لسان العرب» ج 5، ص 15، «غرر»: «قال ابن برّي: «المشهور في بيت امرئ القيس:

«و أوجبهم عند المشاهد غرّان»، أي إذا اجتمعوا لغرم حمالة أو لإدارة حرب وجدت وجوههم مستبشرة غير منكرة، لأنّ اللئيم يحمر وجهه عند ما يسأله السائل، و الكريم لا يتغيّر وجهه عن لونه. قال: و هذا المعنى هو الذي أراده من روى «بيض المسافر». و قوله: «ثياب بني عوف طهارى»، يريد بثيابهم قلوبهم.». و طهارى جمع طاهر على غير قياس، و غرّان جمع الأغرّ، و رجل أغرّ الوجه: أبيضه. و مسافر الوجه: ما يظهر منه، الواحد: مسفر. راجع المصادر المذكورة آنفا.

12

إن وجبا، و لصوم الجنب و المستحاضة مع غمس القطنة.

و يستحبّ للجمعة، و أوّل ليلة من شهر رمضان، و ليلة نصفه و سبع عشرة و تسع عشرة و إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين، و ليلة الفطر،

____________

ثمَّ نقلت في الاصطلاح الشرعي إلى معنى آخر لمناسبة بينهما: إمّا مناسبة السببية و المسببية، أو الجزئية و الكلية، بحيث إذا أطلقت شرعا انصرفت إليه، و هو دليل الحقيقة، و هو بناء على وجود الأسماء الشرعية.

ثمَّ من العلماء من يطلقها على المبيح للصلاة خاصّة، و منهم من يطلقها عليه و على إزالة الخبث (1)، و علماؤنا الأكثرون (2) (رحمهم الله) على الأوّل.

ثمَّ هم مختلفون في جواز إطلاقها على الصورة حقيقة أو ظاهرا كوضوء الحائض و المجدّد، و من ثمَّ اختلف العلماء في تعريفها (3). و الإمام المصنّف (رحمه الله) لم يتعرّض لتعريفها هنا، و قد جرت العادة بتقديم تعريفها في كتب الفقه، و نحن نذكر ما أوردوه، و نتبعه بما يمكن أن يقال إن شاء الله تعالى، فنقول:

____________

(1) كالشيخ أبو علي في «شرح النهاية» كما يأتي في ص 24.

(2) كما سيأتي ذكرهم في الصفحات الآتية.

(3) كما سيأتي أدناه.

13

و يومي العيدين، و ليلة نصف رجب و شعبان، و يوم المبعث و الغدير و المباهلة و عرفة، و غسل الإحرام، و الطواف، و زيارة النبي و الأئمة (عليهم السلام)، و قضاء الكسوف للتارك عمدا مع استيعاب الاحتراق، و المولود، و للسعي إلى رؤية المصلوب بعد ثلاثة، و للتوبة، و صلاة الحاجة

____________

قال شيخنا الإمام الأعظم أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (رحمه الله) في النهاية:

«الطهارة في الشريعة اسم لما يستباح به الدخول في الصلاة» (1). و احترز بالشريعة عن اللغوي المذكور. و فيه تصريح بالغاية لأنّ بحث الفقهاء من جهتها، و إيماء إلى الباقيات (2)، و إلى مقوليّتها على أقسامها معنى لجعله لفظها للقدر المشترك.

و نقضه الشيخ الفاضل أبو عبد الله محمّد بن إدريس في طرده بإزالة النجاسة، إذ هي معتبرة في الاستباحة و لا تسمّى طهارة، و في عكسه بوضوء الحائض، فإنّه يسمّى طهارة و لا يستباح به ما ذكر (3).

و أجاب الشيخ الإمام المحقّق نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّي رضي الله عنه في المسائل المصرية ب:

أنّ هذا النقض نشأ من ظنّ أنّ الشيخ قصد التعريف الحقيقي و ليس، و إنّما قصد اللفظي، و هو تبديل اسم باسم آخر أظهر منه و إن كان أعمّ من

____________

(1) «النهاية» ص 1.

(2) في هامش «ش»: «أي الغايات الباقية أو العلل الباقية».

(3) «السرائر» ج 1، ص 56 و لاحظ «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 199.

14

و الاستخارة، و دخول الحرم و المسجد الحرام و مكّة و الكعبة و المدينة و مسجد النبي (صلّى الله عليه و آله). و لا تتداخل.

و التيمّم يجب للصلاة و الطواف الواجبين، و لخروج الجنب من المسجدين.

____________

موضوعه، كما يقال: العشرق: نبت (1). و نمنع اعتبار إزالة النجاسة عن الثوب و البدن في الاستباحة، إذ نعني بالاستباحة ما لا يمكن الدخول في الصلاة إلّا به، و ظاهر أنّ الثياب و البدن مع نجاستهما يمكن الدخول بهما في الصلاة في بعض الأحوال. و نمنع من تسمية وضوء الحائض طهارة شرعية، إذ التسمية مستفادة من أهل الاصطلاح و هو مفقود، (كيف و قد روى محمّد ابن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): الحائض تتطهّر يوم الجمعة و تذكر الله تعالى؟ قال (عليه السلام): «أمّا الطهر فلا، و لكن تتوضّأ وقت كلّ صلاة ثمَّ تستقبل القبلة و تذكر الله» (2) و هذا يدلّ على عدم تسميته طهارة) (3)، و لأنّ الطهارة في مقابل الحيض فكيف يجتمعان؟ و تسميته وضوء لا يقتضي تسميته طهارة، (لجواز إرادة المعنى اللغوي و هو الوضاءة، قال بعضهم:

مساميح و أوجههم وضاء (4)) (5).

____________

(1) «الصحاح» ج 4، ص 1526، «جمهرة اللغة» ج 2، ص 1155، «لسان العرب» ج 10، ص 252، «عشرق».

(2) «الكافي» ج 3، ص 100- 101، باب ما يجب على الحائض في أوقات الصلاة، ح 1.

(3) ما بين الهلالين لا يوجد في «أجوبة المسائل المصرية»، بل ورد في «المعتبر» ج 1، ص 35.

(4) في هامش «ع»: «صدر البيت: مراجيح الفعال ذو و أناة». و المراجيح جمع المرجاح بمعنى الحليم، و المساميح جمع الكثير المسماح. بمعنى الكثير السماح. راجع «لسان العرب» ج 2 ص 445، 489، «تاج العروس» ج 6، ص 385، 485، «المعجم الوسيط» ج 1، ص 330، 447، «رجح»، «سمح».

(5) «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 200- 201، 208- 209. و لم ينقل الشهيد عبارته بعينها، بل نقلا بالمعنى مع تقديم و تأخير. و ما بين الهلالين لا يوجد في «أجوبة المسائل المصرية» مع أنّ سياق الكلام يقتضي كونه منه.

15

و الندب ما عداه.

و قد تجب الثلاثة بالنذر و شبهه.

____________

قلت: و الشيخ أشار إلى هذين الجوابين في الرسم: فإلى الثاني بقوله «اسم» و إلى الأوّل بقوله «به»، فإنّ الباء للسببية، و إزالة النجاسة رفع مانع.

و ربما قيل: إنّ التعريف اللفظي شرطه الاطّراد و الانعكاس، و قد صرّح به من اعتبره أعني الأصوليّين و الفقهاء. أمّا أهل المعقول فلا يطلقون ذلك عليه، صرّح به كثير منهم (1). و الأعمّ غير مطّرد فلا يكون تعريف النهاية (2) حقيقيا و لا رسميا و لا لفظيا، و خبر الواحد ليس حجّة عند الناقض، و لو سلّم فالمنفيّ طهارة مبيحة للصلاة لا مطلق الطهارة الذي هو المعرّف.

و أجيب بأنّ المراد بالتعريف اللفظي هنا على قانون اللغة، و هو ديدنهم في كتبها بالاستقراء. و يؤيّده أنّ المنقولات أوضاع جديدة، فهو في قوّة المخبر عمّا وضع له اللفظ، فجرى على اصطلاح ناقل الموضوعات. و حجّيّة الخبر مقرّرة في الأصول، و الإضمار مخالف للأصل. و يؤيّده ما ذكره الشيخ الجليل المفيد أبو علي (3) في شرحه للنهاية حيث قال: «لم يقصد (4) بذلك تحديد الوضوء و لا الغسل و لا التيمّم، و إنّما قصد أن يكشف عن معنى هذه اللفظة في الشريعة».

و عرّفها القاضي السعيد أبو القاسم عبد العزيز بن البرّاج (رحمه الله) في الروضة (5)

____________

(1) انظر «شرح الإشارات» ج 1، ص 98- 99، 309، «شرح الشمسية» ص 62، «الجوهر النضيد» ص 221.

(2) «النهاية» ص 1: «الطهارة في الشريعة اسم لما يستباح به الدخول في الصلاة».

(3) هو الشيخ الجليل الحسن ابن شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، الملقّب بالمفيد الثاني (ح 435- 511).

له كتاب «المرشد إلى سبيل التعبّد»، و هو كتاب مفقود لم يصل إلينا، و هو شرح لكتاب «النهاية» لوالده. و للمزيد راجع «الذريعة» ج 14، ص 110 و ج 20، ص 305، «الثقات العيون» ص 66- 67.

(4) يعني والده في «النهاية».

(5) هذا الكتاب قد فقد و لم يصل إلينا، و جاء ذكره في «فهرست منتجب الدين» ص 107 في عداد تصانيفه.

و للمزيد راجع «الذريعة» ج 11، ص 283.

16

..........

____________

بتعريف النهاية و زاد: «و لم يكن ملبوسا أو ما يجري مجراه» (1). فاحترز به عن المأخذ الطردي. و قال في المهذّب و الموجز (2):

«الطهارة الشرعية هي استعمال الماء أو الصعيد على وجه تستباح به الصلاة، أو يكون عبادة تختصّ بغيرها» (3).

و يرد عليه ما ورد على تعريف النهاية:

و قال الشيخ في المبسوط و الاقتصاد:

«الطهارة عبارة عن إيقاع أفعال في البدن مخصوصة على وجه مخصوص تستباح به الصلاة» (4).

و ارتضاه الفاضل أبو عبد الله محمد بن إدريس و قال:

المراد بقولنا «في البدن» الاحتراز من إزالة النجاسة العينيّة عن الثوب، و بقولنا «مخصوصة» التحرّز عن إزالة النجاسة عن البدن، و المراد بالمخصوصة الأفعال الحالّة لا المحالّ ليدخل الغسل، و بقولنا «على وجه مخصوص» القربة- قال- و لا حاجة إلى ذكر الاستباحة لما بيّنّاه (5).

____________

(1) نقله عنه ابن إدريس في «السرائر» ج 1، ص 56- حيث قال: «و قد تحرّز بعض أصحابنا في كتاب له مختصر، و قال: الطهارة في الشريعة اسم لما يستباح به الدخول في الصلاة، و لم يكن ملبوسا أو ما يجري مجراه»- و المحقّق الحلّي في «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 199، حيث قال:

«و احترز القاضي عبد العزيز بن البرّاج لذلك بأن زاد: و لم يكن ملبوسا أو ما يجري مجراه».

(2) هذا الكتاب قد فقد و لم يصل إلينا و جاء ذكره في «فهرست منتجب الدين» ص 107 في عداد تصانيفه.

(3) «المهذّب» ج 1، ص 19. قال الفاضل الهندي في «المناهج السوية» الورقة 18 ألف- بعد نقل تعريف «المهذّب»-: «و القيد الأخير معناه أن لا يكون ممّا تستباح به الصلاة، بل يفعل لغيرها من العبادات كالطواف و دخول المساجد و مسّ كتابة القرآن و نحوها، و إنّما لم يعبّر بالنسبة إليها بالاستباحة لأنّ استباحتها بجميع أفرادها لا يتوقّف على الطهارة قطعا إلّا بالنسبة إلى الغسل و بدله، فأراد التعبير بما يشمل الكلّ».

(4) «المبسوط» ج 1، ص 4، «الاقتصاد» ص 240.

(5) «السرائر» ج 1، ص 56- 57.

17

..........

____________

و عنى به ما ذكره في تفسير تعريفه (1) و تزييف تعريفها (2).

قيل عليه (3) إنّ ما زيّفه خير ممّا ارتضاه، لأنّه في غاية الإبهام بحيث لا يفهم منه شيء أصلا على التعيين، ثمَّ هو منطبق بلفظه على كثير ممّا يفعل في البدن غير الطهارة. و لو قال: إنّما أردت بالمخصوصة الوضوء و الغسل و التيمّم. قلنا:

فالتعريف إذن باللفظ الثاني لا الأوّل. و قد كان متشاغلا بتعريف لفظ واحد فصار متشاغلا بعدّة ألفاظ لا يدلّ عليها لفظ التعريف، على أنّه لو زال الطعن على هذا التعريف بالعناية لأمكن زواله بها في النهاية (4)، بل كان قوله: «الطهارة أفعال مخصوصة» أولى، ثمَّ يفسّر المخصوصة بجميع ما يعتبر في التعريف (5).

و قال الشيخ قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي (رحمه الله):

«الاحتراز التامّ أن يقال: الطهارة الشرعية هي استعمال الماء أو الصعيد نظافة على وجه تستباح به الصلاة و أكثر العبادات» (6).

و هذا التعريف الأخير لابن البرّاج (7)، ثمَّ ينتقض بالمجدّد، فإنّه طهارة و لا حظّ له في الاستباحة (8).

____________

(1) يعني تعريف «المبسوط».

(2) يعني تعريف «النهاية».

(3) القائل هو المحقّق الحلّي في «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 200.

(4) يعني لأمكن زوال الطعن في تعريف «النهاية» بالعناية و المجاز.

(5) «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 200.

(6) نقله عنه المحقّق الحلّي في «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 201.

(7) «المهذّب» ج 1، ص 19، حيث قال:- كما تقدّم- «الطهارة الشرعية هي استعمال الماء أو الصعيد على وجه تستباح به الصلاة، أو يكون عبادة تختصّ بغيرها».

(8) لا حظ «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 201.

18

..........

____________

و قال الفقيه نجيب الدين محمّد بن أبي غالب (1) في المنهج الأقصد (2).

«الطهارة الشرعية إزالة حدث أو حكمه لتؤثّر في صحّة ما هي شرط فيه.

فيخرج إزالة الخبث و يدخل التيمّم».

و يشكل بأنّه تعريف للازم الطهارة، ثمَّ يرد عليه النقض بالمجدّد، مع أنّه دوريّ:

لأنّ «هي» ضمير الطهارة (3).

و قال الشيخ المحقّق نجم الدين نضّر الله وجهه في الشرائع: «هي اسم للوضوء أو الغسل أو التيمّم على وجه له تأثير في استباحة الصلاة». (4) و إنّما أتى ب«تأثير» ليدخل فيه كلّ من غسل الحيض و وضوئه، فإنّه لا يستباح بأحدهما و إنّما له مدخل في التأثير.

و ردّ بترديد «أو»، و أجيب بأنّ الترديد في أقسام المحدود، و بانتقاضه طردا بالأبعاض، و جوابه: خرجت بالمسمّيات الثلاثة، فإنّ دلالة المطابقة هي المعتبرة، و بأنّه قد يستباح به غير الصلاة كالطواف، فلو قال: «في العبادة» كان أولى، و جوابه: استباحة الصلاة لا تنفي ما عداها، و بأنّه تعريف الجنس بالنوع، و جوابه يأتي (5)، و بأنّ كلّا من الثلاثة إن أريد به موضوعه الشرعي أعني عن التأثير في استباحة الصلاة لأنّه لا يكون إلّا مؤثّرا، و إن أراد اللغوي استعمل المجاز الشرعي، و جوابه: موضوعه الشرعي أعمّ من المؤثّر في استباحة الصلاة و من غيره كما سلف في

____________

(1) قال الشيخ آقا بزرگ الطهراني في «الأنوار الساطعة» ص 149: «هو الفقيه الذي يروي عن صفيّ الدين محمد بن معد بن علي الموسوي. و يروي عنه أبو الفضائل أحمد بن طاوس الحلّي (م 673).».

و صفيّ الدين الموسوي من مشايخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهّر والد العلامة الحلّي، كما في «الأنوار الساطعة» ص 175. فهو من علماء المائة السابعة.

(2) هذا الكتاب قد فقد و لم يصل إلينا.

(3) قال الفاضل الهندي في «المناهج السوية» الورقة 18 ب- بعد ما نقل تعريف «المنهج الأقصد»-: «و أراد بزيادة قوله: «أو حكمه» إدخال التيمّم، لأنّه لا يرفع الحدث و لكن يرفع حكمه. و أورد عليه المصنّف في الشرح الدور، لأنّ «هي» ضمير الطهارة. و هو ممنوع، بل هي ضمير الإزالة.».

(4) «شرائع الإسلام» ج 1، ص 11.

(5) «يأتي في ص 22.

19

..........

____________

تعريف النهاية (1).

و قال في المسائل المصرية: «هي استعمال أحد الطهورين لإزالة الحدث أو لتأكيد الإزالة» (2). و أتى ب«التأكيد» ليدخل المجدّد. قيل: و هو غير منعكس لخروج طهارة المضطرّ، إلّا أن يلتزم بإزالتها الحدث و هو ظاهر كلامه في المعتبر (3)، و لأنّ الطهور لا يعرف إلّا بعد معرفة الطهارة فيدور. و أجاب (4) بإمكان معرفة طهورية الماء بقوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (5) و طهورية التراب بقوله (صلّى الله عليه و آله): «جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا» (6).

و قال في المعتبر: «هي اسم لما يرفع حكم الحدث». (7) و اعترض عليه بالمجدّد ثمَّ

____________

(1) سلف في ص 13- 14.

(2) «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 202، و فيه: «لإزالة منع الحديث» بدل «لإزالة الحدث»، و ما أثبتناه مطابق لجميع النسخ. قال الفاضل الهندي في «المناهج السوية» الورقة 18 ب- إشارة إلى ما أورده بعضهم من النقض على هذا التعريف-: «و نقض بالتيمّم لأنّه لا يرفع الحدث. و هو مردود بأنّه إنّما أخذ إزالة منع الحدث، و هو حاصل في التيمّم بلا شبهة».

(3) «المعتبر» ج 1، ص 248.

(4) يعني أجاب المحقّق الحلّي في «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 202.

(5) الفرقان (25): 48.

(6) هذا الحديث مرويّ بأسانيد و ألفاظ مختلفة، راجع «السجود على الأرض» ص 30- 34. و اللفظ الذي نقله الشهيد هنا- عن «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 202- مرويّ في «الخلاف» ج 1، ص 496، المسألة 236. و روي بلفظ «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» في «سنن ابن ماجه» ج 1، ص 187- 188، ح 567، أبواب التيمّم، باب ما جاء في السبب، و «سنن النسائي» ج 1، ص 210، باب التيمّم بالصعيد، و «سنن الدارمي» ج 1، ص 323، باب الأرض كلّها طهور ما خلا المقبرة و الحمّام و ج 2، ص 224، باب الغنيمة لا تحلّ لأحد قبلنا. و روي بلفظ «جعلت لنا الأرض كلّها مسجدا و جعلت تربتها لنا طهورا» في «صحيح مسلم» ج 1، ص 371، ح 522، كتاب المساجد و مواضع الصلاة، ح 4، و «سنن الدار قطني» ج 1، ص 176، باب التيمّم، ح 1. و روي بلفظ «جعلت الأرض لنا مسجدا و جعلت ترابها لنا طهورا» في «مسند أبي عوانة» ج 1، ص 303، [باب] بيان نزول التيمّم.

(7) «المعتبر» ج 1، ص 35.

20

..........

____________

عدل إلى تعريف الشرائع (1)، و عدوله عنه إليه يدلّ على إدخاله الوضوء المجدّد في تعريف الشرائع. و يمكن دخوله بقوله: «له تأثير» فإنّه أعمّ من القوّة و الفعل، و مع الاجتزاء بنيّة القربة- كما هو مذهبه (2)- يمكن أن يكون له تأثير، و حينئذ لا يرد النقض على تعريف الشرائع بالمجدّد كما سبق إليه أفهام كثير.

و قال شيخنا الإمام الأعظم مصنّف الكتاب روّح الله رمسه في التحرير و التلخيص (3): «الطهارة شرعا ماله صلاحية التأثير في استباحة الصلاة من الوضوء و الغسل و التيمم» (4). و أتى ب«الصلاحية» ليدخل المجدّد، و لو قال: «العبادة»- كما قال في نهاية الإحكام (5)- كان أولى.

و لقائل أن يقول: يخرج ماله تأثير و هو الأهمّ، فما هو أهمّ لم يدخل و ما دخل ليس أهمّ. و يمكن الجواب بالمنع من خروج ماله تأثير، لأنّا نعني بماله صلاحية التأثير ما يكون مؤثّرا كالوضوء عن الحدث و ما لا يكون مؤثّرا، و يصلح أن يكون مؤثّرا كالوضوء المجدّد.

و قال في التذكرة: «هي وضوء أو غسل أو تيمّم تستباح به عبادة شرعية». (6)

و لا ينتقض بالمجدّد، لأنّ التعريف هنا للطهارة المبيحة للصلاة، و المجدّد غير مبيح للصلاة و لا صالح لها على مذهبه (7)، أو أن يعني بالاستباحة هنا ما يعمّ التحقيقية

____________

(1) حيث قال بعد التعريف المذكور: «فالأقرب أن يقال:.» ثمَّ ذكر تعريفه في «شرائع الإسلام» ج 1، ص 11: «هي اسم للوضوء أو الغسل أو التيمّم على وجه له تأثير في استباحة الصلاة».

(2) «شرائع الإسلام» ج 1، ص 12.

(3) الكتاب مخطوط و لم يطبع بعد، و قد أفدنا للتخريج من نسخة قديمة نفيسة لهذا الكتاب، و لكن سقطت من أوّلها ثلاث ورقات تقريبا، و تعريف الطهارة فيها ضمن الأوراق الساقطة.

(4) «تحرير الأحكام الشرعية» ج 1، ص 4.

(5) «نهاية الإحكام» ج 1، ص 19: «الطهارة. شرعا. الوضوء و الغسل و التيمّم، إذا وقع على وجه له صلاحية التأثير في استباحة عبادة مشروطة به».

(6) «تذكرة الفقهاء» ج 1، ص 2.

(7) لأنّه ذهب إلى أنّه يجب في النية القصد إلى رفع الحدث أو استباحة فعل مشروط بالطهارة، و قال: «و لو جدّد ندبا و ذكر إخلال عضو من إحداهما أعاد الطهارة و الصلاة.» و انظر «قواعد الأحكام» ج 1، ص 9- 10، 12.

21

..........

____________

و التقديرية و هي حاصلة في المجدّد.

و قال في القواعد: «الطهارة غسل بالماء أو مسح بالتراب، متعلّق بالبدن على وجه له صلاحية التأثير في العبادة». (1) و تحقيقه أنّ الطهارة المائية تحصل بالغسل، و الترابية بالمسح الترابي، و الغسل و المسح كالجنس، و التعلّق بالبدن إلى آخره كالفصل، و به يخرج غسل الثوب و مسح النعل و الإناء، و بصلاحية التأثير في العبادة يخرج غسل البدن بالماء و القدم بالتراب، و يدخل المجدّد.

و قد أمعن فضلاء العصر (2) في إيراد الشكوك على هذا المعرّف، و حاصلها سبعة عشر:

أ: يخرج الوضوء المطلق (3) و الطهارة المسحيّة كوضوء المسح و تيمّم الثلج و الارتماسية (4). و جوابه: المراد بالغسل الإمساس بالماء، و هو شامل للكلّ فلا يلزم

____________

(1) «قواعد الأحكام» ج 1، ص 2.

(2) سيأتي في كلام الشهيد ص 23 أنّ «مورد أكثر هذه الأسئلة هو العلامة المحقّق نصير الدين عليّ بن محمّد القاشي». و هو من كبار العلماء و له تآليف في الفقه و الحكمة، توفّي سنة 755 بالمشهد المقدس الغروي، كما في «مجموعة الجباعي» الورقة 136 ب. انظر ترجمته في «فلاسفة الشيعة» ص 314- 316. قال في «التنقيح الرائع» ج 1، ص 31- 32: «و للعلامة نصير الدين القاشي على هذا التعريف سؤالات عشرون في جزء مفرد.». و رسالته هذه مفقودة لم تصل إلينا. و قال الشهيد الثاني في «فوائد القواعد» الورقة 3 ألف:

«اعلم أنّ العلامة نصير الدين القاشي قد أورد على تعريف المصنّف عشرين إيرادا و أكثرها في غاية الجودة، و المحقّق السعيد الشهيد ردّها إلى سبعة عشر، و أجاب عنها أجمع بأجوبة متكلّفة غالبا، و نحن نشير إليها و إلى ما فيها.».

(3) كذا في جميع النسخ، و لعلّ الصحيح: «يخرج الوضوء مطلقا» كما في «فوائد القواعد» الورقة 3 ألف- حيث قال فيه: « [الإيراد] الثالث: يخرج الوضوء مطلقا، فإنّه مركّب من غسل بالماء و مسح به، و كلّ مركّب من شيئين متغايري الوجود لا يصدق كلّ منهما على ذلك المركّب، فلا يصدق على الوضوء أنّه غسل بالماء، و ظاهر أنّه ليس مسحا بالتراب»- و «المناهج السوية» الورقة 19 ألف، حيث قال فيه: «يخرج الوضوء مطلقا لأنّه ليس غسلا محضا، بل مركّب منه و من المسح». و انظر «التنقيح الرائع» ج 1، ص 30.

(4) للتوضيح راجع «فوائد القواعد» الورقة 3 ألف، «المناهج السوية» الورقة 19 ألف.

22

..........

____________

استعمال المشترك و الحقيقة و المجاز.

ب: تعريف الجنس بالنوع، و هو دور. و جوابه: إن سلّمت النوعية جاز أن تكون معرفة النوع ناقصة بحيث لا تتوقّف على معرفة الجنس، و معرفة الجنس تستفاد من معرفة النوع الناقصة فلا دور.

ج: فيه ترديد، و جوابه مرّ (1).

د: إن أريد أحد الأمرين من الغسل أو المسح بعينه كان تعريفا لنوع الطهارة لا لطبيعتها، أو لا بعينه فلا يكون المعيّن طهارة، و المطلق لا يوجد إلّا في ضمن مقيّد.

و جوابه: المراد المطلق، و لا يلزم من عدم وجوده بدون المقيّد عدم إرادته.

ه: لم يتعيّن أيّ تعلّق من علّة أو معلول أو إضافة أو عرض. و جوابه: المراد به تعلّق العرض بمحلّه و هو منطوق اللفظ.

و: ينقض طردا بنحو غسل الوجه. و جوابه: ليس له الصلاحية المذكورة.

ز: يخرج بالبدن مالا يعمّه. و جوابه: التعلّق به يشمل جميعه و بعضه، و ليس استعمالا له في الجميع و البعض، بل استعمال للتعلّق فيهما على البدل.

ح: يخرج به أيضا مسح الجبيرة. و جوابه: التعلّق أعمّ منه بواسطة و غيرها.

ط: الصلاحية مستدركة: للاستباحة بوضوئي الحائض و الجنب عبادة ما.

و جوابه: المراد العبادة المعهودة.

ي: ليس هنا ما يعيّن الصلاحيّة القريبة و البعيدة مع الصلاحية لهما، و لو عيّن خرج بعض الأقسام. و جوابه: هي المطلقة و التقريب ما تقدّم (2).

يا: المؤثّر (3) الإنسان لا الطهارة. و جوابه: يؤثّر في استباحة العبادة، و حذف المضاف

____________

(1) مرّ في ضمن الكلام عن تعريف «شرائع الإسلام» للطهارة، ص 18 حيث قال الشهيد: «و أجيب بأنّ الترديد في أقسام المحدود».

(2) تقدّم آنفا في الجواب عن الإيراد الرابع.

(3) أي المؤثّر في العبادة، كما في هامش «ن» و «م».

23

..........

____________

من المجازات المشهورة.

يب: إن أريد التأثير التامّ خرج غسل الحائض، و الناقص دخل غسل النجاسة.

و جوابه: المراد المؤثّر المطلق في الاستباحة، و غسل النجاسة توجد الاستباحة بدونه.

يج: لا يراد كلّ عبادة و لا أيّتها كانت لخروج الطهارات (1)، و لا عين لمعيّن المعيّن. (2) و جوابه: اللام للعهد و هو المعيّن.

يد: يصدق المعرّف على مضمضة الجنب و وضوئه. و جوابه يعرف ممّا ذكر (3).

يه: غسل التوبة بعدها فلا يؤثّر. و جوابه (4): ليس طهارة.

يو: تخرج الطهارة الفاسدة. و جوابه: المعرّف الصحيحة.

يز: هذا المعرّف ليس حدّا و هو ظاهر، و لا رسما لعدم الخاصّة. و جوابه: الخاصّة مركّبة من القيود المذكورة.

و عرّفها مورد أكثر هذه الأسئلة العلامة المحقّق نصير الدين عليّ بن محمّد القاشي (5) (رحمه الله)، إذا أخذت صحيحة، ب«أنّها استعمال طهور مشروط بالنيّة» (6). فاستعمال

____________

(1) في هامش «ن» و «م»: «إذ هي من العبادة».

(2) هكذا في أكثر النسخ. قال في «فوائد القواعد» الورقة 5 ألف في بيان هذا الإيراد: «إن أراد بالعبادة الكلّ خرج جميع الطهارات، لأنّه لا تأثير لها في مثل السواك و المضمضة و الاستنشاق لأكل الجنب مثلا، مع أنّه عبادة، و إن أراد البعض معيّنا أو غير معيّن فليس في اللفظ ما يدلّ عليه، و إن أراد بعضا ما أيّ بعض كان لزم الأوّل و استدراك اللام لأنّه نكرة.». و في «المناهج السوية» الورقة 19 ب: «الرابع عشر:

لا يجوز أن يريد بالعبادة كلّ عبادة و لا أيّتها كانت لخروج الطهارات، و لا عيّن المراد منها.».

(3) الظاهر أنّه أراد ما تقدّم في جوابي الإيرادين: التاسع و الثالث عشر. و قال الفاضل الهندي في «المناهج السوية» الورقة 19 ب: «الخامس عشر: يدخل فيه مضمضة الجنب و وضوؤه. و الجواب ظاهر: أمّا عن الأوّل فبمنع أنّها صالحة للتأثير في العبادة، و أمّا عن الثاني فلأنّها لا نسلّم أنّه ليس من الطهارة».

(4) في «المناهج السوية» الورقة 19 ب: «الجواب يعرف من معرفة معنى الصلاحية فإنّه بذاته ممّا يصلح للتأثير.».

(5) تقدّم أنّ رسالته حول تعريف الطهارة و الإيرادات الواردة على تعريف «قواعد الأحكام» قد فقدت.

(6) و عرّفها الشهيد نفسه في «اللمعة الدمشقية» ص 23 بهذا التعريف، و أيضا في «الدروس الشرعية» ص 1 بزيادة «لإباحة الصلاة».

24

..........

____________

طهور يشمل جميع أنواع الطهارة، و بالمشروط بالنية يخرج غسل البدن و الثوب من النجاسة.

قلت: يرد عليه الدور المتقدّم (1)، و جوابه جوابه. و ينتقض في طرده بالغسل المندوب و الوضوء و التيمّم المجازية (2)، و ما تقدّم من أسئلته (3) مشعر باعتقاده أنّها طهارة، و هو مخالف لاصطلاح الأكثرين (4).

و عرّفها بعض العامّة بأنّها «عين اختصّت بصفة تقتضي جواز القربان إلى الصلاة»، و آخرون بأنّها «رفع مانع الصلاة من حدث أو خبث بماء، أو رفع حكمه بصعيد». (5) و هذان التعريفان قصد فيهما إدخال إزالة الخبث، و هو غير اصطلاحنا إلّا على ما عرّفه الشيخ أبو علي في شرح النهاية (6) بأنّها «التطهير من النجاسات و رفع الأحداث»، على أنّ الأوّل تعريف بالأخفى، و الثاني غير شامل، و يعرف ممّا مرّ، و الثالث دوري (7)، مع مخالفته للمصطلح المشهوري.

و عرّفت أيضا بأنّها «وضع الطهور مواضعه» (8)، لقول النبي (صلّى الله عليه و آله):

«لا يقبل الله صلاة امرئ حتّى يضع الطهور مواضعه» (9). و يرد عليه الدور أيضا، و أنّه

____________

(1) يريد ما تقدّم في ص 19 في البحث عن تعريف «أجوبة المسائل المصرية» حيث قال: «لأنّ الطهور لا يعرف إلّا بعد معرفة الطهارة فيدور».

(2) قال الشهيد الثاني في «الروضة البهية» ج 1، ص 29 في بيان النقض على هذا التعريف: «. أو ينتقض في طرده بالغسل المندوب و الوضوء غير الرافع منه و التيمّم بدلا منهما إن قيل به».

(3) كالتاسع و الخامس عشر و السادس عشر.

(4) كما تقدّم في الصفحات السالفة.

(5) «المغني» ج 1، ص 6، «الشرح الكبير» ج 1، ص 5. و انظر نقد هذا التعريف في «الإنصاف» ج 1، ص 19- 20.

(6) تقدّم أن قلنا: إنّ «شرح النهاية» للشيخ أبو علي قد فقد و لم يصل إلينا.

(7) في هامش «ن» و «م» «إذ التطهير مضايف للطهارة».

(8) انظر «الإنصاف» ج 1، ص 20- 21.

(9) «الانتصار» ص 41، «فتح العزيز» ج 3، ص 267، «تلخيص الحبير» ج 1، ص 217، ح 326، باب صفة الصلاة.

25

..........

____________

تعريف بالأخفى، و الحديث لبيان كيفية الطهارة لا للتعريف.

و عرّفها صاحب الرافع و الحاوي ركن الدين الجرجاني (رحمه الله) (1) فيهما (2) ب:

«ما له صلاحية رفع الحدث أو استباحة للصلاة مع بقائه». قال: و المراد بالأوّل المائية و بالثاني الترابية، و مع بقاء الحدث لإخراج إزالة الخبث، فإنّه و إن استبيح به الصلاة، لكن لا مع بقاء الحدث. قال: و هو أجود التعريفات فيما أظنّه.

قلت: يرد عليه كثير ممّا تقدّم كالترديد (3) و الصلاحية (4)، و يختصّ بنقضه طردا بالإزالة المذكورة بالنسبة إلى المتيمّم، فإنّه يصدق عليها المعرّف، كما اعتقده من صدق استباحة الصلاة على الإزالة، و عكسا بالطهارة المائية للمضطرّ (5) على ما فسّره، فإنّها ليست صالحة لرفع الحدث عنده، لأنّه زعم أنّ ذكر الصلاحية ليدخل الوضوء المجدّد، و لم يتعرّض لغيره. فالأولى أن يراد بالصلاحية ما كان مستعدّا للرفع لو لا العارض، فحينئذ يتمّ كلامه: أنّ الرفع يشمل المائية. و ينتقض عكسا أيضا بكلّ من وضوء الحائض و غسلها، فلو قال: «ما له صلاحية التأثير في رفع الحدث» دخلا.

____________

(1) هو الشيخ الجليل الفاضل البارع محمد بن علي بن محمد الجرجاني من تلاميذ العلامة الحلّي، له مؤلّفات نافعة، و ألّف كتابه «الأبحاث في تقويم الأحداث» سنة 728. للمزيد راجع «كشكول البحراني» ج 1، ص 90- 91، «مقابس الأنوار» ص 13، «الحقائق الراهنة» ص 194، «الذريعة» ج 1، ص 63 و ج 4، ص 122، و ج 6، ص 234- 235، 236 و ج 16، ص 10، 381، «مرآة الكتب» ج 2، ص 188، 189 و ج 3، ص 5.

(2) هذان الكتابان صارا مفقودين و لم يصلا إلينا.

(3) تقدّم ضمن الكلام عن تعريف «شرائع الإسلام» للطهارة ص 18.

(4) تقدّم في ص 22 في الإيراد العاشر على تعريف قواعد الأحكام.

(5) قال الفاضل الهندي في «المناهج السوية» الورقة 20 ألف: «المراد بالمضطرّ دائم الحدث، و لو لم يصرّح نفسه بشمول صلاحية الرفع للمائية و اختصاص صلاحية الاستباحة بالترابية لم يكن إشكال في دخول هذه الطهارة في الثاني. و ذكر الوضوء المجدّد يكون للتمثيل، و حينئذ يدخل جميع المائيات بلا إشكال.».

26

..........

____________

و للإمام المحقّق نجم الدين (رحمه الله) هنا كلام حسن، قال:

إنّما وقع الاختلاف في عبارات تعريف الطهارة لأنّ اللفظ الواقع على المعاني المختلفة بالاشتراك اللفظي يعسر إيضاحه، كلفظ العين مثلا لمّا وقع على الباصرة و المال و الشمس، إلى غير ذلك من معانيها السبعة عشر- على ما قيل (1)- لم يمكن تعريفه إلّا بذكر موضوعاته. و كذلك الطهارة الواقعة على الغسل تارة لاستباحة العبادة، و تارة لا لها كالغسل المندوب، و كالوضوء فإنّه يقع مع إرادة الاستباحة و التجديد، و التيمم كذلك. و ليس هناك قدر مشترك بين هذه الحقائق المختلفة، فمن ثمَّ تعذّر تعريفها بتعريف واحد، بل إمّا أن يعرّف كلّ فرد من أفرادها، أو تعرّف بحسب الإيضاح لمسمّاها (2).

و أقول: هنا مزيد بحث، و هو أنّ في إخراج نحو وضوء الحائض و إدخال المجدّد مناقشة، و ذلك لأنّ التعريف إن كان للطهارة المبيحة للصلاة فينبغي إخراج المجدّد منه عند من لا يكتفي بنيّة التقرّب منفردة، لأنّه غير صالح للتأثير، اللهمّ إلّا أن يراد بالصلاحية البعيدة، و هو أنّه لو اقترن به ما يجب اقتران غيره به لأثّر، فيدخل وضوء الحائض، هذا، و الصلاحية حاصلة لكلّ وضوء من حيث هو، و ما بالذات لا يزيله ما بالعرض، فينبغي إدخاله، فاللازم أحد الأمرين: إمّا إدخالهما أو إخراجهما.

و إن كان التعريف لما يقع عليه لفظ الطهارة صحيحا أو لا، مبيحا أو غيره، فلا

____________

(1) راجع «الصحاح» ج 6، ص 2170- 2171، «لسان العرب» ج 13، ص 301- 309، «القاموس المحيط» ص 1572، «عين». قال الزبيدي في «تاج العروس» (الطبعة القديمة) ج 9، ص 287، «عين»: «و أوصل معانيها الشيخ بهاء الدين السبكي في قصيدة له عينيّة مدح بها أخاه. إلى خمسة و ثلاثين معنى.

و أوصلها المصنّف في كتابه هذا إلى سبعة و أربعين مرتّبة على الحروف. و في كتابه البصائر ما ينيف على خمسين رتّبها على حروف التهجّي، و للنظر مجال المناقشة في بعض ما ذكره. قال: و المذكور في القرآن سبعة عشر. و قال شيخنا: معاني العين زادت على المائة. قلت: و تفصيل ما ذكره البهاء السبكي هي.».

(2) «أجوبة المسائل المصرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 201- 202، و العبارة منقولة بالمعنى.

27

..........

____________

معنى للتقييد بالمبيح للصلاة أو بالصالح له، إذ هو تعريف لبعض ما وقع عليه لفظها، و ظاهر أنّه غير منعكس.

ثمَّ تقسيمهم في صدور كتبهم الطهارة إلى واجب و ندب، و الندب إلى المجدّد و وضوء الحائض و غسل الجمعة و التيمّم للجنازة إلى غير ذلك مشعر بمقولية الطهارة عليها، فيختلّ التعريف أو يفسد التقسيم، مع إمكان أن يكون المعرّف المعنى الأوّل و المقسم الثاني، فيقال في تعريف المعنى الأوّل: «الطهارة استعمال الماء أو الصعيد لإباحة الصلاة مشروطا بالقربة»، و في تعريف الثاني: «استعمال الماء أو الصعيد لتحصيل مسمّى الوضوء أو الغسل أو التيمّم».

و في تعريف الغسل: «مماسّة الماء للبدن تحقيقا أو تقديرا لإباحة الصلاة بشرط القربة»، و في الوضوء: «مماسّة الماء للأعضاء الخمسة لإباحة الصلاة بشرط القربة»، و في التيمّم: «استعمال طيّب الصعيد أو بدله لإباحة الصلاة بشرط القربة».

هذا للمأخوذ من المعنى الأوّل، و منه يظهر المعنى الثاني.

و إن دار في خلدك أنّ تعريف الطهارة بأيّ معنى أخذ يمنع من إدخال مباحث الأواني و الأسآر و الجلود في كتابها، فادرأه بما مرّ على فكرك في عنفوان المسألة، و لست مدّعيا للإحاطة. و الله المحيط.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

[النظر الثاني في أسباب الوضوء و كيفيّته]

النظر الثاني في أسباب الوضوء و كيفيّته إنّما يجب الوضوء من البول، و الغائط، و الريح- من المعتاد- و النوم الغالب [1] على الحاسّتين، و الجنون، و الإغماء، و السكر، و الاستحاضة القليلة لا غير.

و يجب على المتخلّي ستر العورة، و عدم استقبال القبلة و استدبارها في الصحاري و البنيان، و غسل موضع البول بالماء خاصّة، و كذا مخرج الغائط مع التعدّي حتّى تزول العين و الأثر. و يتخيّر مع عدمه بين ثلاثة ..

30

أحجار طاهرة و شبهها مزيلة للعين و بين الماء. و لو لم ينق بالثلاثة وجب الزائد، و لو نقي بالأقلّ وجب الإكمال، و يكفي ذو الجهات الثلاث.

و يستحبّ تقديم اليسرى دخولا و اليمنى خروجا، و تغطية الرأس، و الاستبراء، و الدعاء دخولا و خروجا و عند الاستنجاء و الفراغ منه، و الجمع بين الماء و الأحجار.

و يكره الجلوس في الشوارع، و المشارع و فيء النزّال و تحت المثمرة و مواضع اللعن، و استقبال النيّرين و الريح بالبول، و البول في الصلبة و ثقوب الحيوان و في الماء، و الأكل و الشرب، و السواك، و الاستنجاء باليمين، و باليسار و فيها خاتم عليه اسم الله تعالى و أنبيائه و أئمّته (عليهم السلام)، و الكلام بغير الذكر و الحاجة و آية الكرسي.

و يجب في الوضوء النيّة، و هي إرادة الفعل لوجوبه أو ندبه متقرّبا و في وجوب رفع الحدث أو الاستباحة قولان (1)

____________

قوله (قدّس الله نفسه و طهّر رمسه): «و يجب في الوضوء النية، و هي إرادة الفعل لوجوبه أو ندبه متقرّبا. و في وجوب رفع الحدث أو الاستباحة قولان».

(1) أقول: للأصحاب في نية الطهارة عبارات خمس (1):

____________

(1) قال في «ذكري الشيعة» ص 80: «القول في كيفيّتها، و للأصحاب عبارات: أحدها: القربة.، ثانيها:

أن ينوي رفع الحدث أو الاستباحة.، ثالثها: التصريح بالقربة و أحد الأمرين، و لا يشترط الوجوب و لا الندب.، رابعها: الاستباحة.، خامسها: الجمع بين القربة و الوجه و الرفع و الاستباحة.، سادسها: الجمع بين الأربعة و بين الطاعة للّه.، سابعها: اعتبار الوجوب أو جهته إن كان واجبا، أو الندب للامتياز.، ثامنها: إطلاق النية. قلت: و الذي دلّ عليه الكتاب و السنّة هو القربة و الاستباحة، و الباقي مستفاد من اعتبار.».

31

و استدامتها حكما إلى الفراغ. فلو نوى التبرّد خاصّة، أو ضمّ الرئاء بطل، بخلاف ما لو ضمّ التبرّد. و يقارن بها غسل اليدين، و تتضيّق عند غسل الوجه.

و غسل الوجه بما يسمّى غسلا من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن طولا، و ما دارت عليه الإبهام و الوسطى عرضا من مستوي الخلقة، و غيره يحال عليه. و لا يجزئ منكوسا. و لا يجب تخليل اللحية و إن خفّت أو كانت للمرأة.

____________

إحداها: الاجتزاء بالقربة، و صورتها «أتوضّأ- مثلا- قربة إلى الله» و هو اختيار النهاية (1)، لقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (2). دلّ على القربة و هو من مفهوم الحصر، فلو زيد عليه كان نسخا، لمنافاة الزيادة الإثبات أو النفي اللذين هما معناه و إلّا فهي تقرير (3). و جوابه: منع المنافاة، لمجامعتها ما ادّعي وجوبه.

و ثانيتها: أن تجب مع ذلك نية الوجوب، و هو اختيار الشيخ نجم الدين في

____________

(1) «النهاية» ص 15: «و النيّة في الطهارة واجبة. و متى نوى الإنسان بالطهارة القربة جاز أن يدخل بها في صلوات النوافل و الفرائض».

(2) البيّنة (98): 5.

(3) لاحظ «إيضاح الفوائد» ج 1، ص 35. و انظر «التنقيح الرائع» ج 1، ص 75.

32

و غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع، و يدخل المرفقين في الغسل. و لو نكس بطل. و لو كان له يدل زائدة وجب غسلها، و كذا اللحم الزائد تحت المرفق و الإصبع الزائدة. و مقطوع اليد يغسل الباقي، و يسقط لو قطعت من المرفق.

____________

الشرائع (1)، و ظاهر مذهب المصنّف في هذا الكتاب، لوجوب إيقاع الفعل على وجهه و لا يتمّ إلّا بذلك.

و ثالثتها: أن يجب مع القربة الاستباحة لا الوجوب و لا الندب. و هو مذهب السيد

____________

(1) «شرائع الإسلام» ج 1، ص 12: «. و كيفيّتها أن ينوي الوجوب أو الندب، و القربة. و هل يجب نيّة رفع الحدث أو استباحة شيء ممّا يشترط فيه الطهارة؟ الأظهر أنّه لا يجب».

33

و مسح بشرة مقدّم الرأس أو شعره المختصّ به بأقلّ اسمه. و لا يجزئ الغسل عنه. و يستحبّ المسح مقبلا، و لا يجوز على حائل كعمامة و غيرها.

و مسح بشرة الرجلين بأقلّ اسمه من رؤوس الأصابع إلى الكعبين، و هما مجمع القدم و أصل الساق. و يجوز منكوسا كالرأس. و لا يجوز على حائل كخفّ و غيره اختيارا، و يجوز للتقية و الضرورة. و لو غسل مختارا بطل وضوؤه.

و يجب مسح الرأس و الرجلين ببقيّة نداوة الوضوء، فإن استأنف ماء

____________

المرتضى علم الهدى (رحمه الله) (1) و ظاهر الشيخ في الاقتصاد (2) و اختيار المحقّق نجم الدين في المعتبر (3) و الطبرية (4) و زاد الصحّة مع نية الوجوب أو الندب غير المطابقين. و أجاب عن حجّة القول الثاني بأنّه كلام شعري، و بتقدير أن يكون له حقيقة يخطئ الناوي في نيته و لا يخرج الطهارة عن التقرّب و الاستباحة. (5)

____________

(1) «الناصريات»، ضمن «الجوامع الفقهية» ص 219، المسألة 24، و حكي عنه في «أجوبة المسائل الطبرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 317، و «مختلف الشيعة» ص 20.

(2) «الاقتصاد» ص 243.

(3) «المعتبر» ج 1، ص 139: «. و في اشتراط نيّة الوجوب أو الندب تردّد، أشبهه عدم الاشتراط».

(4) «أجوبة المسائل الطبرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 317.

(5) «أجوبة المسائل الطبرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 317- 318: «و ما يقوله المتكلّمون- من أنّ الإرادة تؤثّر في حسن الفعل و قبحه، و إذا نوى الوجوب، و الوضوء مندوب، فقد قصد إيقاع الفعل على غير وجهه- كلام شعري. و لو كان له حقيقة لكان الناوي مخطئا في نيّته، و لم تكن النيّة مخرجة للوضوء عن التقرّب به، و لا عن القصد به للاستباحة».

34

جديدا بطل وضوؤه، فإن جفّ أخذ من لحيته و أشفار عينيه و مسح به، فإن جفّت بطل.

و يجب الترتيب: يبدأ بغسل الوجه، ثمَّ اليد اليمنى، ثمَّ اليسرى، ثمَّ يمسح الرأس، ثمَّ الرجلين و لا ترتيب فيهما.

و تجب الموالاة، و هي المتابعة، اختيارا، فإن أخّر فجفّ المتقدّم استأنف.

____________

للمرتضى (رحمه الله) قوله تعالى:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا (1) الآية. و المراد اغسلوا لأجل الصلاة، لأنّه المتعارف من قولهم: «إذا لقيت العدوّ فخذ سلاحك، و إذا لقيت الأمير فخذ أهبتك» أي لأجل لقاء العدوّ و الأمير، و لا نعني بالاستباحة إلّا إرادة الوضوء للصلاة (2).

____________

(1) المائدة (5): 6.

(2) «الناصريات»، ضمن «الجوامع الفقهية» ص 219، المسألة 24.

35

و ذو الجبيرة ينزعها أو يكرّر الماء حتّى يصل البشرة إن تمكّن، و إلّا مسح عليها.

و صاحب السلس يتوضّأ لكلّ صلاة، و كذا المبطون.

و يستحبّ وضع الإناء على اليمين، و الاغتراف بها، و التسمية، و تثنية الغسلات، و الدعاء عند كلّ فعل، و غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء مرّة من النوم و البول و مرّتين من الغائط و ثلاثا من الجنابة، و المضمضة،

____________

قال المحقّق في المعتبر: و تجوز نية رفع الحدث لأنّه معنى الاستباحة (1). و هو مسلّم في حقّ المختار بمعنى اللزوم، أمّا نحو المستحاضة فلا، إلّا أن يقصد به رفع حكم الحدث.

و رابعتها: مذهب الشيخ في المبسوط (2) و الفاضل ابن إدريس (3) و المصنّف (رحمه الله) في

____________

(1) «المعتبر» ج 1، ص 139: «و يشترط. نيّة استباحة الصلاة أو رفع الحدث، و معناهما واحد، و هو إزالة المانع أو استباحة فعل لا يصحّ إلّا بالطهارة كالطواف». و انظر «المعتبر» ج 1، ص 248، 395.

(2) «المبسوط» ج 1، ص 19: «و كيفيّتها أن ينوي رفع الحدث أو استباحة فعل من الأفعال التي لا يصحّ فعلها إلّا بطهارة مثل الصلاة و الطواف، فإذا نوى استباحة شيء من ذلك أجزأه». و هذه العبارة تدلّ على اعتبار نيّة رفع الحدث أو الاستباحة، دون الوجوب أو الندب. قال في «جامع المقاصد» ج 1، ص 200:

«و قيل بالاكتفاء برفع الحدث أو استباحة فعل مشروط بالطهارة، و هو قوله في المبسوط، و الظاهر أنّه يريد به مع القربة». و في «مدارك الأحكام» ج 1، ص 186: «و قيل بضمّ الرفع أو الاستباحة إلى القربة، و هو اختيار الشيخ في المبسوط و المصنّف في المعتبر». و راجع «إيضاح الفوائد» ج 1، ص 34.

(3) «السرائر» ج 1، ص 98: «فإن كانت الطهارة واجبة. نوى وجوبه على الجملة، أو الوجه الذي له وجب، و كذا إن كان ندبا، ليتميّز الواجب من الندب، و لوقوعه على الوجه الذي كلّف إيقاعه» فتأمّل و راجع «إيضاح الفوائد» ج 1، ص 34- 35.

36

و الاستنشاق، و بدأة الرجل بظاهر ذراعيه في الأولى و بباطنهما في الثانية عكس المرأة، و التوضّؤ بمدّ.

و تكره الاستعانة، و التمندل. و تحرم التولية اختيارا.

و يجب الوضوء و جميع الطهارات بماء مطلق طاهر مملوك أو مباح.

و لو تيقّن الحدث و شكّ في الطهارة، أو تيقّنهما و شكّ في المتأخّر، أو

____________

أكثر كتبه (1)، و هو الجمع بين التقرّب و الوجوب أو الندب و أحد الأمرين (2)، و تقريبه يظهر ممّا تقدّم. و لقوله (صلّى الله عليه و آله): «و إنّما لكلّ امرئ ما نوى» (3)، فلا يحصل الواجب و الرافع أو المبيح إلّا بنيّته.

و خامستها: وجوب الجمع بين ما تقدّم و بين الأمرين. و هو مذهب الشيخ أبي

____________

(1) «قواعد الأحكام» ج 1، ص 9- 10، «مختلف الشيعة» ص 20: «فإذا نوى رفع الحدث مع باقي الصفات من الوجوب أو الندب و القربة أجزأه»، «منتهى المطلب» ج 1، ص 55، «تذكرة الفقهاء» ج 1، ص 14- 15، «نهاية الإحكام» ج 1، ص 29- 30. و انظر «تحرير الأحكام الشرعية» ج 1، ص 9.

(2) جاء في «ن»، «ع»، «ق» و «ز»: «إلّا أنّ الشيخ لم يصرّح بالوجه و القربة»، و هذه العبارة لم ترد في «س»، «ش»، «ض» و «ح»، و شطبت في «م».

(3) «تهذيب الأحكام» ج 1، ص 83، ح 218، باب صفة الوضوء و الفرض منه و.، ح 67، و ج 4: ص 186.

ح 519، باب نيّة الصيام، ح 2، «أمالي الطوسي» ج 2، ص 231، «صحيح البخاري» ج 1، ص 3، ح 1، باب كيف كان بدء الوحي.، «صحيح مسلم» ج 3، ص 1515- 1516، ح 1907، كتاب الإمارة، ح 155، باب قوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم): إنّما الأعمال بالنية.، «سنن ابن ماجه» ج 2، ص 1413، ح 4227، باب النيّة، «سنن الدار قطني» ج 1، ص 51، باب النيّة، ح 1، «سنن أبي داود» ج 2، ص 262، ح 2201، باب فيما عني به الطلاق و النيّات، «سنن الترمذي» ج 4، ص 179- 180، ح 1647، باب ما جاء فيمن يقاتل رئاء و للدنيا، «سنن النسائي» ج 6، ص 158- 159، باب

الكلام إذا قصد به فيما يحتمل معناه، «سلسلة الإبريز» ص 100- 102، ح 34.

37

شكّ في شيء منه و هو على حاله أعاد.

و لو تيقّن الطهارة و شكّ في الحدث، أو شكّ في شيء منه بعد الانصراف لم يلتفت.

و لو جدّد ندبا ثمَّ ذكر بعد الصلاة إخلال عضو جهل تعيينه أعاد الطهارة و الصلاة، إلّا مع ندبية الطهارتين (1)، و لو تعدّدت الصلاة أيضا أعاد

____________

الصلاح التقي بن نجم الحلبي (1)، و قطب الدين الراوندي، و معين الدين المصري (2) في نيّات منسوبة إليهما (3)، جمعا بين الأقوال و أدلّتها، و نيّة كلّ من الرفع و الاستباحة بالمطابقة، لأنّ اللزوم ليس ببيّن، و الاتّحاد غير حاصل. و يرد منع عدم اللزوم البيّن لو سلّمت المغايرة و اشتراط أحدهما.

و أقول: ما ذكره المحقّق (4) من نفي نيّة الوجوب يطّرد في كلّ نيّة و لم يقل هو به، و إن كان ما ذكره أقرب. و لو ضمّ المكلّف الجميع و اعتقد وجوب الضمّ أخطأ في اعتقاده و صحّت الطهارة على القول بعدم وجوب الضمّ.

قوله (رحمه الله): «و لو جدّد ندبا ثمَّ ذكر بعد الصلاة إخلال عضو جهل تعيينه أعاد الطهارة و الصلاة، إلّا مع ندبيّة الطهارتين».

(1) أقول: هذا فرع على الأقوال السابقة: فعلى الأوّل يطلق الإجزاء، و على الثاني

____________

(1) «الكافي في الفقه» ص 132: «النيّة، و حقيقتها العزم عليه بصفاتها المشروعة لرفع الحدث و استباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى مكلّفة سبحانه.».

(2) هو العالم البارع سالم بن بدران بن عليّ بن سالم، أستاذ الخواجة نصير الدين الطوسي (م 672) كتب له إجازة سنة 619. انظر «الأنوار الساطعة» ص 71، 168، «الذريعة» ج 16، ص 55- 56، «بحار الأنوار» ج 107، ص 31- 32، «لؤلؤة البحرين» ص 248- 249.

(3) في «فهرست منتجب الدين» ص 87 في ترجمة قطب الدين الراوندي: «له تصانيف، منها. كتاب النيات في جميع العبادات». و انظر «الذريعة» ج 24، ص 431. و هذا الكتاب و الذي نسب إلى معين الدين المصري فقدا و لم يصلا إلينا.

(4) «المعتبر» ج 1، ص 139، «أجوبة المسائل الطبرية»، ضمن «الرسائل التسع» ص 317.

38

الطهارة و الصلاتين.

و لو تطهّر و صلّى و أحدث، ثمَّ تطهّر و صلّى، ثمَّ ذكر إخلال عضو مجهول أعاد الصلاتين بعد الطهارة إن اختلفتا عددا، و إلّا فالعدد.

____________

يستثنى ما فقد فيه الوجوب أو الندب في موضعهما، و على الثالث يستثنى ما فقد فيه الاستباحة أو الرفع، و على الرابع ما فقد فيه الوجوب أو أحد الأمرين، و على الخامس ما فقد فيه كلّ فرد من المجموع. و يتفرّع أيضا عليها غسل جزء واجب في ندب و وجود سبب وجوب أو رفع أو استباحة في أثناء طهارة خالية عنها، و تداخل الوضوء و الغسل، و غيرها.

و قول المصنّف (رحمه الله): «إلّا مع ندبيّة الطهارتين» يريد به عدم الإعادة لو كانتا مندوبتين- و هو على اختياره هنا، لعدم اشتراط نيّة الاستباحة أو الرفع- بأن يتوضّأ قبل حصول السبب، ثمَّ يجدّد الوضوء، ثمَّ يدخل الوقت فيصلّي به ثمَّ يذكر الإخلال المجهول، فإنّ الجزم حاصل بسلامة طهارة منهما. أقول: و كذا مع وجوبهما، كما لو توضّأ في الوقت، ثمَّ نذر التجديد فتوضّأ آخر و ذكر الإخلال المجهول. و كذلك مع ندب الأوّل و وجوب الثاني.

أمّا على القول باشتراط نيّة الاستباحة أو الرفع أو هما فقد قال شيخنا المرتضى الإمام عميد الدين (قدّس اللّه روحه) (1) في الدروس:

____________

(1) تقدّمت ترجمته في مقدّمة التحقيق في البحث عن «أساتذة الشهيد و مشايخه».

39

..........

____________

يمكن أن يحصل ذلك في طهارتين مندوبتين قبل السبب، بأن يتوضّأ، ثمَّ يذهل عن الوضوء الأوّل، و يتوضّأ ثانيا ناويا فيهما الاستباحة، فإنّه يجزم أنّ هناك طهارة مبيحة مع الإخلال المذكور. و لا يرد كونه غير مكلّف حالة الغفلة، لأنّه غير مكلّف بالمذهول عنه، و كلامنا في المذكور، و لا كونه على حالة لو ذكر لما جزم، لأنّا نعتبر جزمه حال النية، كما لو شهد العدلان ظاهرا فصام، فإنّه على حالة لو علم فسقهما لما جزم.

و أقول: يمكن أيضا أن يتيقّن الحدث السابق على زمان الأولى و يشكّ في الطهارة، أو يتيقّنهما و لا يعلم حاله قبل زمان الطهارتين، ثمَّ يذكر بعد الطهارة الثانية تقدّم الحدث على الأولى، فإنّه يسوغ له الطهارة بجزم معتبر شرعا.

و هنا فائدة و هو أنّ الشيخ أبا جعفر في المبسوط أوجب نية الاستباحة و لم يوجب إعادة الصلاة في الإخلال من الواجب و المجدّد ندبا (1). فتوهّم بعض (2) المناقضة بين كلاميه.

و لا مناقضة، لأنّ نية الاستباحة إنّما تكون معتبرة مع الذكر، أمّا إذا ظنّ المكلّف حصولها فلا، فإذا جدّد و صادف حدثا في نفس الأمر كان مرتفعا، كيف و هم يعلّلون مشروعية المجدّد باستدراك ما عساه فات في الأوّل. و مثله استحباب الغسل أوّل ليلة من شهر رمضان تلافيا لما عساه فات من الأغسال الواجبة، و الاتّفاق واقع على

____________

(1) «المبسوط» ج 1، ص 19، 24- 25: «و كيفيتها أن ينوي رفع الحدث أو استباحة فعل من الأفعال التي لا يصحّ فعلهما إلّا بطهارة.»، «فإن صلّى الظهر بطهارة و لم يحدث و جدّد الوضوء ثمَّ صلّى العصر،.

فالعصر صحيحة على كلّ حال. فإن توضّأ و لم يحدث، ثمَّ جدّد الوضوء و صلّى عقيبه، ثمَّ ذكر أنّه كان ترك عضوا من الأعضاء في إحدى الطهارتين كانت صحيحة، لأنّه أيّ الطهارتين كانت كاملة صحّت الصلاة لصحتها، سواء كانت الأولى أو الثانية».

(2) هو العلامة في «مختلف الشيعة» ص 27 حيث قال: «. و العجب أنّ الشيخ في المبسوط اختار ما قلناه نحن في صفة النيّة ثمَّ ذكر هذا الفرع الذي لا ينسحب عليه». و انظر «مدارك الأحكام» ج 1، ص 260.

40

..........

____________

إجزاء يوم الشكّ بنية الندب عن الواجب (1)، و الصدقة بدرهم تمرا كفّارة لما لعلّه لزمه في الإحرام (2). ففتح هذا الباب يؤدّي إلى سدّ باب الاحتياط. هذا تقرير كلامه (رحمه الله). و تبعه في المعتبر، قال: «لأنّه قصد الصلاة بطهارة شرعية» (3).

____________

(1) «الخلاف» ج 2، ص 180، المسألة 23، و انظر «المعتبر» ج 2، ص 651، «تذكرة الفقهاء» ج 1، ص 257، «منتهى المطلب» ج 2، ص 561، «مدارك الأحكام» ج 6، ص 35.

(2) انظر «المبسوط» ج 1، ص 382، «السرائر» ج 1، ص 616، «شرائع الإسلام» ج 1، ص 253، «منتهى المطلب» ج 2، ص 781، «تذكرة الفقهاء» ج 1، ص 395، «جامع المقاصد» ج 3، ص 272، «مجمع الفائدة و البرهان» ج 7، ص 377، «مدارك الأحكام» ج 8، ص 268- 269.

(3) «المعتبر» ج 1، ص 140.

41

[النظر الثالث في أسباب الغسل]

النظر الثالث في أسباب الغسل إنّما يجب بالجنابة، و الحيض، و الاستحاضة، و النفاس، و مسّ الأموات من الناس بعد بردهم بالموت و قبل الغسل، و غسل الأموات.

و كلّ الأغسال لا بدّ معها من الوضوء إلّا الجنابة.

فهنا مقاصد:

[المقصد الأوّل في الجنابة]

المقصد الأوّل في الجنابة و هي تحصل للرجل و المرأة بإنزال المنيّ مطلقا، و بالجماع في قبل المرأة حتّى تغيب الحشفة، و في دبر الآدميّ كذلك و إن لم ينزل.

و لو اشتبه المنيّ اعتبر بالشهوة، و الدفق، و فتور الجسد، و في المريض ...

42

لا يعتبر الدفق.

و لو وجد على جسده أو ثوبه المختصّ به منيّا وجب الغسل، و لا يجب في المشترك.

و يحرم عليه قراءة العزائم و أبعاضها، و مسّ كتابة القرآن أو شيء عليه مكتوب اسمه تعالى أو أسماء أنبيائه و أئمّته (عليهم السلام)، و اللبث في المساجد، و وضع شيء فيها، و الاجتياز في المسجدين.

و يكره الأكل و الشرب إلّا بعد المضمضة و الاستنشاق، و مسّ المصحف، و النوم إلّا بعد الوضوء، و الخضاب، و قراءة ما زاد على سبع آيات، و تشتد الكراهية فيما زاد على سبعين.

و يجب عليه الغسل. و يجب فيه النيّة عند الشروع مستدامة الحكم حتّى يفرغ، و غسل بشرة جميع الجسد بأقلّه، و تخليل ما لا يصل إليه الماء إلّا به، و الترتيب: يبدأ بالرأس ثمَّ الجانب الأيمن ثمَّ الأيسر، إلّا في الارتماس ...

43

و يستحبّ الاستبراء- فإن وجد بللا مشتبها بعده لم يلتفت، و بدونه يعيد الغسل- و إمرار اليد على الجسد، و تخليل ما يصل إليه الماء، و المضمضة، و الاستنشاق، و الغسل بصاع.

و تحرم التولية. و تكره الاستعانة.

و لو أحدث في أثنائه بما يوجب الوضوء أعاده.

[المقصد الثاني في الحيض]

المقصد الثاني في الحيض و هو في الأغلب أسود، حارّ، يخرج بحرقة من الأيسر.

فإن اشتبه بالعذرة، فإن خرجت القطنة مطوّقة فهو عذرة، و إلّا فحيض.

و ما قبل التسع، و من الأيمن، و بعد اليأس، و أقلّ من ثلاثة متوالية، و الزائد عن أكثره و أكثر النفاس ليس بحيض.

و تيأس غير القرشية و النبطية ببلوغ خمسين، و إحداهما بستّين ...

44

و أقلّه ثلاثة أيّام متواليات، و أكثره عشرة هي أقلّ الطهر، و ما بينهما بحسب العادة، و تستقرّ بشهرين متّفقين عددا و وقتا.

و الصفرة و الكدرة في أيّام الحيض حيض، كما أنّ الأسود الحارّ في أيّام الطهر فساد.

و لو تجاوز الدم عشرة، رجعت ذات العادة المستقرّة إليها، و ذات التمييز إليه، فإن فقدا رجعت المبتدئة إلى عادة أهلها، فإن اختلفن أو فقدن رجعت إلى أقرانها، فإن اختلفن أو فقدن تحيّضت في كلّ شهر بسبعة أيّام أو بثلاثة من شهر و عشرة من آخر، و المضطربة بالسبعة أو الثلاثة و العشرة.

و لو ذكرت أوّل الحيض أكملته ثلاثة، و لو ذكرت آخره فهو نهايتها، و تعمل في باقي الزمان ما تعمله المستحاضة، و تغتسل لانقطاع الحيض في كلّ وقت محتمل، و تقتضي صوم أحد عشر ...

45

و لو ذكرت العدد خاصّة عملت في كلّ وقت ما تعمله المستحاضة، و تغتسل للحيض في كلّ وقت يحتمل الانقطاع، و تقضي صوم عادتها.

هذا إن نقص العدد عن نصف الزمان أو ساواه، و لو زاد فالزائد و ضعفه حيض، كالخامس و السادس لو كان العدد ستّة في العشرة.

و كلّ دم يمكن أن يكون حيضا فهو حيض.

و لو رأت ثلاثة و انقطع، ثمَّ رأت العاشر خاصّة فالعشرة حيض.

و يجب عليها الاستبراء عند الانقطاع لدون العشرة، فإن خرجت القطنة نقيّة فطاهر، و إلّا صبرت المعتادة يومين ثمَّ تغتسل و تصوم، فإن انقطع على العاشر قضت ما صامته، و إلّا فلا. و المبتدئة تصبر حتّى تنقي أو تمضي عشرة.

و قد تتقدّم العادة و تتأخّر: فلو رأت العادة و الطرفين أو أحدهما، ...

46

و لم يتجاوز العشرة فالجميع حيض، و إلّا فالعادة.

و يجب الغسل عند الانقطاع كغسل الجنابة. و يحرم عليها كلّ مشروط بالطهارة كالصلاة و الطواف و مسّ كتابة القرآن. و لا يصحّ منها الصوم. و لا يصحّ طلاقها مع الدخول و حضور الزوج أو حكمه.

و يحرم اللبث في المسجد، و قراءة العزائم و تسجد لو تلت أو استمعت.

و يحرم على زوجها وطؤها فيعزّر، و يستحبّ الكفّارة في أوّله بدينار، و في أوسطه بنصفه، و في آخره بربعه.

و يكره بعد انقطاعه قبل الغسل، و الخضاب، و حمل المصحف، و لمس هامشه، و الجواز في المساجد، و قراءة غير العزائم، و الاستمتاع منها بما بين السرّة و الركبة.

و يستحبّ أن تتوضّأ عند كلّ صلاة و تجلس في مصلّاها ذاكرة.

و يجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة.

[المقصد الثالث في الاستحاضة و النفاس]

المقصد الثالث في الاستحاضة و النفاس دم الاستحاضة في الأغلب أصفر، بارد، رقيق، يخرج بفتور.

و الناقص عن ثلاثة ممّا ليس بقرح و لا جرح، و الزائد عن العادة مع ...

47

تجاوز العشرة، و عن أيام النفاس، و مع اليأس استحاضة.

فإن كان الدم لا يغمس القطنة وجب الوضوء لكلّ صلاة و تغيير القطنة، و إن غمسها وجب مع ذلك تغيير الخرقة، و الغسل لصلاة الغداة، و إن سال وجب مع ذلك غسل للظهر و العصر تجمع بينهما، و غسل للمغرب و العشاء تجمع بينهما، و هي مع ذلك بحكم الطاهر.

و لو أخلّت بالأغسال لم يصحّ الصوم. و لو أخلّت بالوضوء أو الغسل لم تصحّ صلاتها.

و غسلها كالحائض، و لا تجمع بين صلاتين بوضوء.

و أمّا النفاس فدم الولادة معها أو بعدها لا قبلها، و لا حدّ لأقلّه، و أكثره عشرة أيّام للمبتدئة و المضطربة.

أمّا ذات العادة المستقرّة في الحيض فأيّامها و حكمها كالحائض في كلّ الأحكام، إلّا الأقلّ. و لو تراخت ولادة أحد التوأمين فعدد أيّامها من ...

48

الثاني و ابتداؤه من الأوّل. و لو رأت يوم العاشر فهو النفاس، و لو رأته و الأوّل فالعشرة نفاس.

[المقصد الرابع في غسل الأموات]

المقصد الرابع في غسل الأموات و هو فرض على الكفاية- و كذا باقي أحكامه- لكلّ ميّت مسلم، عدا الخوارج و الغلاة، و يغسّل المخالف غسله.

و يجب عند الاحتضار توجيهه إلى القبلة على ظهره، بحيث لو جلس كان مستقبلا.

و يستحبّ التلقين بالشهادتين و الإقرار بالأئمّة (عليهم السلام) و كلمات الفرج، و نقله إلى مصلّاه، و التغميض، و إطباق فيه، و مدّ يديه، و تغطيته بثوب، و التعجيل إلّا المشتبه.

و يكره طرح الحديد على بطنه، و حضور الجنب و الحائض عنده.

و أولى الناس بغسله أولاهم بميراثه، و الزوج أولى في كلّ أحكام ...

49

الميّت. و يغسّل كلّ من الرجل و المرأة مثله. و يجوز لكلّ من الزوجين تغسيل الآخر اختيارا. و يغسّل الخنثى المشكل محارمه من وراء الثياب.

و يغسّل الأجنبيّ بنت ثلاث سنين مجرّدة، و كذا المرأة. و تأمر الأجنبية- مع فقد المسلم و ذات الرحم- الكافر بالغسل ثمَّ يغسّل المسلم غسله، و كذا الأجنبيّ.

و يجب إزالة النجاسة أوّلا، ثمَّ تغسيله بماء السدر كالجنابة، ثمَّ بماء الكافور كذلك، ثمَّ بالقراح كذلك. فإن فقد السدر و الكافور غسّل ثلاثا بالقراح. و لو خيف تناثر جلده يمّم.

و يستحبّ وضعه على ساجة، مستقبل القبلة، تحت الظلال، و وقوف الغاسل على يمينه، و غمز بطنه في الأوليين إلّا الحامل، و الذكر، و صبّ الماء إلى حفيرة، و تليين أصابعه برفق، و غسل فرجه بالحرض و السدر و رأسه بالرغوة أوّلا، و تكرار كلّ عضو ثلاثا، و أن يوضّأ، و تنشيفه بثوب ...

50

و يكره إقعاده، و قصّ أظفاره، و ترجيل شعره.

فإذا فرغ من غسله وجب أن يكفّنه في ثلاثة أثواب: مئزر و قميص و إزار، بغير الحرير، و أن يمسح مساجده بالكافور بأقلّه- إلّا المحرم- و يدفن بغير الكافور لو تعذّر.

و يستحبّ أن يكون ثلاثة عشر درهما و ثلثا، و اغتسال الغاسل قبل التكفين أو الوضوء، و زيادة حبرة غير مطرّزة بالذهب للرجل و خرقة لفخذيه، و يعمّم بعمامة محنّكا، و تزاد المرأة لفافة أخرى لثدييها و نمطها و قناعا عوض العمامة، و الذريرة، و الجريدتان من النخل- و إلّا فمن السدر، و إلّا فمن الخلاف و إلّا فمن شجر رطب- و كتبة اسمه و أنّه يشهد ...