غاية المراد في شرح نكت الإرشاد - ج4

- الشهيد الأول المزيد...
563 /
1

[كتاب القضاء] [و فيه المقاصد:] [المقصد الأوّل في صفات القاضي و آدابه] [المقصد الثاني في كيفيّة الحكم] [المقصد الثالث في الدعوى] [المقصد الرابع في متعلّق الاختلاف] [المقصد الخامس في الشهادات]

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

[كتاب القضاء]

كتاب القضاء و فيه مقاصد:

[المقصد الأوّل في صفات القاضي و آدابه]

[المقصد] الأوّل في صفات القاضي و آدابه و فيه مطلبان:

[المطلب الأوّل يشترط فيه: البلوغ، و العقل، و الإيمان، و العدالة، و طهارة المولد]

[المطلب] الأوّل يشترط فيه: البلوغ، و العقل، و الإيمان، و العدالة، و طهارة المولد، و العلم، و الذكورة، و الضبط، و الحرّيّة على رأي، و البصر على رأي، و العلم بالكتابة على رأي (1)، و إذن الإمام أو من نصبه.

____________

قوله (رحمه الله): «و الحرّيّة على رأي، و البصر على رأي، و العلم بالكتابة على رأي.»

(1) أقول: أي يشترط في صحّة نصب القاضي،

4

و لو نصب أهل البلد قاضيا لم تثبت ولايته.

و لو تراضى خصمان بواحد من الرعيّة و حكم بينهما لزم الحكم، و يشترط فيه ما شرط في القاضي المنصوب عن الإمام.

____________

أقول: أي يشترط في صحّة نصب القاضي، و نفوذ قضائه هذه الشروط، و قد ذكر هنا ثلاثة شروط:

الشرط الأوّل: الحرّيّة، و قد اشترطها الشيخ في المبسوط (1)، و القاضي (2) و الكيذري (3) و نجيب الدين (4)، و يلوح من كلام ابن حمزة (5)، لأنّ القضاء ولاية

____________

(1) «المبسوط» ج 8، ص 101.

(2) «المهذّب» ج 2، ص 598- 599.

(3) «إصباح الشيعة» ص 527.

(4) «الجامع للشرائع» ص 522: «إذا كان الرجل عاقلا بصيرا كاملا. فهو أهل لولاية القضاء».

(5) «الوسيلة» ص 208- 209.

5

و في حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من علماء الإماميّة الجامع لشرائط الفتوى.

و القضاء واجب على الكفاية، و يستحبّ للقادر عليه. و يتعيّن إن لم يوجد غيره.

و يتعيّن تقليد الأعلم مع الشرائط.

و لا ينفذ حكم من لا تقبّل شهادته كالولد على والده، و العبد على مولاه، و الخصم على عدوّه.

____________

و لا شيء من العبد بذي ولاية، و لأنّه من المناصب الجليلة التي لا تليق بحال العبد.

و فيه نظر، أمّا الأوّل: فلمنع الكبرى مع إذن السيّد، و أما الثاني: فمجرّد دعوى.

و قال المحقّق: لا يشترط (1)، للأصل، و لأنّ المناط العلم، و هو حاصل، و لعموم قول الصادق (عليه السلام): «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى قضاة الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضيا» (2). و فيه دلالة على تجزّؤ الاجتهاد، لأنّه أتى بلفظ «شيء» و هو نكرة.

الشرط الثاني: البصر، فلا ينعقد قضاء الأعمى، و هو قول الجماعة المسمّين (3)،

____________

(1) «شرائع الإسلام» ج 4، ص 60، «المختصر النافع» ص 279.

(2) «الكافي» ج 7، ص 412، باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور، ح 4، «الفقيه» ج 3، ص 2، ح 1، باب من يجوز التحاكم إليه و من لا يجوز، ح 1، و فيه: «. فاجعلوه بينكم قاضيا»، «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 219، ح 516، باب من إليه الحكم.، ح 8.

(3) تقدّم تخريج أقوالهم في شرط الحرّيّة.

6

و لا حكم من لم يستجمع الشرائط و إن اقتضت المصلحة توليته لم يجز.

و لو تجدّد مانع الانعقاد انعزل، كالجنون و الفسق.

و للإمام و نائبه عزل جامع الشرائط لمصلحة لا مجّانا. و ينعزل بموت الإمام و المنوب.

و يجوز نصب قاضيين في بلد يشتركان في ولاية واحدة، أو يختص

____________

و ابن الجنيد (1)، و المحقّق (2)؛ لافتقاره إلى التمييز بين الخصوم، و هو مما يتعذّر أو يندّر، و ربما قيل (3) بالجواز؛ للأصل و العموم.

الشرط الثالث: علمه بالكتابة، و هو قول الشيخ (4)، و الفاضل (5)، و المحقّق (6)؛ لاضطراره إلى معرفة الوقائع و الأحكام الّتي لا تنضبط غالبا إلا بها.

و قيل بعدم الاشتراط (7)، و هو احتمال للمحقّق (8) و المصنف (9)؛ للأصل، و لأنّ

____________

(1) لم نعثر على من حكاه عنه في المصادر المتقدمة على الشهيد، و من المتأخرين حكاه عنه ابن فهد الحليّ في «المهذّب البارع» ج 4، ص 457؛ و «المقتصر» ص 375.

(2) شرائع الإسلام» ج 4، ص 60؛ «المختصر النافع» ص 279.

(3) لم نعثر على قائله من الخاصّة إلا انه حكاه فخر المحقّقين بلفظ «قيل» في «إيضاح الفوائد» ج 4، ص 299، و ممّن صرح بعدم الاشتراط بعض أصحاب الشافعي على ما في «المغني» ج 14، ص 13.

(4) «المبسوط ج 8، ص 119- 120.

(5) «السرائر» ج 2، ص 166.

(6) «شرائع الإسلام» ج 4؛ ص 59؛ «المختصر النافع ص 279.

(7) لم نعثر على قائله من الخاصّة- كما قاله العاملي في «مفتاح الكرامة» ج 10، ص 10- و من العامّة قاله ابن رشد القرطبي في «بداية المجتهد» ص 460- 461، و ابن قدامة في «المغني» ج 14، ص 16.

(8) «شرائع الإسلام» ج 4، ص 59؛ «المختصر النافع» ص 279.

(9) «قواعد الاحكام» ج 2، ص 201؛ «تحرير الأحكام الشرعية» ج 2، ص 179.

7

كلّ بطرف. و لو شرط اتّفاقهما في كلّ حكم لم يجز، فإن تنازع الخصمان في الترافع قدّم اختيار المدّعي.

و إذا أذن له في الاستخلاف جاز، و إلّا فلا، إلّا مع الأمارة كاتّساع الولاية.

و تثبت الولاية بشاهدين، و بالاستفاضة، و لا يجب قبول قوله من دونهما و إن حصلت الأمارة.

و لو كانت الدعوى على القاضي في ولايته رفع إلى خليفته.

____________

النبيّ (صلّى الله عليه و آله) و سلم قاضي الكلّ، مع فقدها فيه في أوّل أمره، لقوله تعالى وَ مٰا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتٰابٍ وَ لٰا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ (1) فجاز في غيره. و هو ضعيف. قال الشيخ:

لاختصاصه بصحابة لا تخونونه، و لأنّ عدم الكتابة في النبيّ (صلّى الله عليه و آله) و سلم زيادة، بخلاف غيره، فإنّه نقص (2).

____________

(1) العنكبوت (29): 48.

(2) «المبسوط» ج 8، ص 119.

8

[المطلب الثاني في الآداب]

المطلب الثاني في الآداب يستحبّ سكناه في وسط البلد، و الإعلام بقدومه، و الجلوس بارزا مستدبر القبلة، و استعلام حال بلده من أهله، و البدأة بأخذ الحجج من المعزول و الودائع، و السؤال عن سبب الحبس، و إحضار غرمائهم، و النظر في صحّة السبب و فساده، و لو لم يظهر لأحدهم غريم بعد الإشاعة أطلقه، و عن أولياء الأيتام، و اعتماد ما ينبغي من عزل أو ضمّ أو تضمين أو إبقاء، و عن أمناء الحكم و الضوالّ، و بيع ما يراه منها، و تسليم المعرّف حولا إلى ملتقطة إن طلبه، و إحضار العلماء حكمه، ليرجع إذا نبّهوه على الغلط.

____________

و أقول: و لاختصاصه بالعصمة المانعة من السهو و الغلط الرافعة للاحتياج إليها.

و قال في المبسوط: النّبي كان عالما بها، و إنّما كان فاقدا لها قبل البعثة (1). و كذا

____________

(1) «المبسوط» ج 8، ص 120.

9

فإن أتلف خطأ فالضمان على بيت المال، و يعزّر المتعدّي من الغريمين إن لم يرجع إلّا به.

و يكره الحاجب وقت القضاء، و القضاء وقت الغضب و الجوع و العطش و الغمّ و الفرح و الوجع و مدافعة الأخبثين و النعاس، و أن يتولّى البيع و الشراء لنفسه، و الحكومة، و الانقباض و اللين و تعيين قوم للشهادة، و أن يضيّف أحد الخصمين، و الشفاعة في إسقاط أو إبطال، و توجّه الخطاب إلى أحدهما، و الحكم في المساجد على رأي دائما- و لا يكره متفرّقا (1)- و أن يعنّت الشهود العارفين الصلحاء، و لو ارتاب فرّق بينهم.

____________

قال ابن إدريس (1).

قوله (رحمه الله): «و الحكم في المساجد على رأي دائما و لا يكره متفرّقا.»

(1) أقول: هذا عطف على ما يكره، أي و يكره القضاء في المساجد دائما.

و قد اختلف الأصحاب هنا فقال الشيخان في المقنعة (2) و النهاية (3)

____________

(1) «السرائر» ج 2، ص 166.

(2) «المقنعة» ص 722.

(3) «النهاية» ص 337- 338.

10

و تحرم عليه الرشوة، و يأثم الدافع إن توصّل بها إلى الباطل، و على المرتشي إعادتها، فإن تلفت ضمن.

____________

و التقيّ (1) و سلار (2) و القاضي في الكامل (3)، و ابن إدريس (4): يستحبّ مطلقا، لأنّ المسجد أشرف البقاع، و القضاء من أعظم الأعمال.

و قال في المبسوط: الأولى جوازه في المسجد (5). و هو يشعر بعدم الاستحباب.

و قال في الخلاف: لا يكره القضاء في المساجد (6). و لم يذكر استحبابا. و قال المحقّق (7) و المصنّف هنا: يكره دائما لا متفرّقا.

أمّا كراهيته دائما، فلما روي أنّ النبي (صلّى الله عليه و آله) و سلم سمع رجلا ينشد ضالّة في المسجد، فقال: «لا وجدتها، إنّما بنيت المساجد لذكر اللّه و الصلاة» (8)، و «إنّما» للحصر، و يمكن أن يقال: القضاء ذكر اللّه.

____________

(1) «الكافي في الفقه» ص 444.

(2) «المراسم» ص 230.

(3) حكاه عنه العلّامة في «مختلف الشيعة» ج 8، ص 374، المسألة 2، و عميد الدين في «كنز الفوائد» ج 3، ص 457.

(4) «السرائر» ج 2، ص 156- 157.

(5) «المبسوط» ج 8، ص 87.

(6) «الخلاف» ج 6، ص 210، المسألة 3.

(7) «شرائع الإسلام» ج 4، ص 66.

(8) «المبسوط» ج 8، ص 87، «صحيح مسلم» ج 1، ص 397، ح 568، باب النهي عن نشد الضالّة في المسجد، ح 79، «سنن البيهقي» ج 10، ص 176، ح 20262، باب ما يستحبّ للقاضي.

11

..........

____________

و لما روي عنه (صلّى الله عليه و آله) و سلم أنّه قال: «جنّبوا المساجد صبيانكم و مجانينكم و خصوماتكم» (1)، و الحكومة تقتضي الخصومات غالبا.

و أمّا الثاني: فلأنّ عليّا (عليه السلام) كان يقضي في مسجد الكوفة، و دكّة القضاء معروفة إلى الآن (2)، و هو محمول على اتّفاقه مرّات لا دائما، و لو قيل بأنّه كان دائما، أمكن أن يكون لعلمه بخلوّ مجلسه عن خصومة فيه، فلا يطّرد في حقّنا.

____________

(1) «سنن البيهقي» ج 10، ص 177، ح 20268، باب ما يستحبّ للقاضي.، و مثله في «الفقيه» ج 1، ص 154، ح 716، باب فضل المساجد.، ح 38 و «سنن ابن ماجه» ج 1، ص 247، ح 750، باب ما يستحبّ للقاضي.، بتفاوت في العبارات.

(2) راجع «المبسوط» ج 8، ص 87، «السرائر» ج 2، ص 156- 157.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

[المقصد الثاني في كيفيّة الحكم]

المقصد الثاني في كيفيّة الحكم إذا حضر الخصمان بين يديه سوّى بينهما في السلام و الكلام و القيام و النظر، و أنواع الإكرام و الإنصات، و العدل في الحكم.

و لا تجب التسوية في الميل القلبي، و لا بين المسلم و الكافر، فيجوز إجلاس المسلم و إن كان الكافر قائما.

و يحرم عليه تلقين أحد الخصمين، و تنبيه على وجه الحجاج.

و يسمع من السابق بالدعوى، فإن اتّفقا فمن الذي عن يمين صاحبه، و لو تضرّر أحدهما بالتأخير قدّمه، و لو تعدّد الخصوم بدأ بالأوّل فالأوّل، فإن وردوا دفعة أقرع.

و إذا اتّضح الحكم وجب، و يستحبّ الترغيب في الصلح، و إن أشكل ...

14

أخّر إلى أن يتّضح.

و لو سكتا استحبّ أن يقول: «ليتكلّم المدّعي» أو يأمر به إن احتشماه.

و إذا عرف الحاكم عدالة الشاهدين حكم بعد سؤال المدّعي، و إلّا طلب المزكّي. و لا تكفي معرفته بالإسلام، و لا البناء على حسن الظاهر.

و لو ظهر فسقهما حال الحكم نقضه، و يسأل عن التزكية سرّا.

و يفتقر المزكّي إلى المعرفة الباطنة المستندة إلى تكرّر المعاشرة، و لا يجب التفصيل، و في الجرح يجب التفسير على رأي. (1)

____________

قوله (رحمه الله): «و يفتقر المزكّي إلى المعرفة الباطنة المستندة إلى تكرّر المعاشرة، و لا يجب التفصيل، و في الجرح يجب التفسير على رأي.»

(1) أقول: هذه المسألة ممّا اختلف فيها الأصوليّون و الفقهاء على أقوال:

الأوّل: وجوب ذكر سبب الجرح و التعديل معا، و هو قول بعض الأصوليّين (1)، و المصنّف في المختلف (2).

____________

(1) حكاه الفخر الرازي عن القاضي أبي بكر في «المحصول» ج 2، ص 201، و حكاه البيضاوي عن قوم في «منهاج الأصول» ج 3، ص 143.

(2) «مختلف الشيعة» ج 8، ص 442، المسألة 42.

15

و لو اختلف الشهود في الجرح و التعديل قدّم الجرح، فإن تعارضتا وقف.

و تحرم الشهادة بالجرح إلّا مع المشاهدة أو الشياع الموجب للعلم.

و مع ثبوت العدالة يحكم باستمرارها.

و لو طلب المدّعي حبس المنكر إلى أن يحضر المزكّي لم يجب، و لا تثبت التزكية إلّا بشهادة عدلين، و كذا الترجمة.

و يجب في كاتب القاضي العدالة و المعرفة. و يستحبّ الفقه.

و كلّ حكم ظهر بطلانه فإنّه ينقضه، سواء كان الحاكم هو أو غيره، و سواء كان مستند الحكم قطعيّا أو اجتهاديّا.

____________

أمّا الجرح، فلوقوع الخلاف في سببه، فجاز أن يتوهّم الجارح ما ليس بجرح في نفس الأمر، أو عند الحاكم جرحا.

و أمّا العدالة، فللاحتياط، و لما فيه من التحفّظ، و لأنّ مطلق الجرح ينفي الثقة بقوله، و مطلق التعديل لا يوجب قبوله، لتسارع الناس إلى البناء على الظاهر، و لأنّه ربما كان الشيء سببا للجرح عند الحاكم لا عند الجارح، فربما يشهد بالعدالة بناء على عدم تأثير ذلك الشيء فيه فكان غرورا للحاكم، هكذا استدلّ به المصنّف (1).

____________

(1) «مختلف الشيعة» ج 8، ص 442، المسألة 42.

16

و لا يجب تتبّع حكم السابق، إلّا مع علم الخطإ، فإن زعم الخصم البطلان نظر فيه.

____________

و فيه نظر، لأنّ التزكية و إن استفصل فيها فلا يجب فيها ذكر ذلك الشيء الذي هو جرح عند الحاكم، بل يذكر صفة عدالته من صومه و صلاته، و محافظته على دينه من غير تعرّض لذلك الشيء، لأنّه لا يستند في معرفة العدالة إليه، إلّا أن تستند العدالة إلى أمور، منها ما هو جرح عند الحاكم، فيتوجّه.

الثاني: عدم وجوب ذكر سبب التعديل و الجرح مطلقا، و هو قول بعض (1) العامّة، لأنّ الجارح و المعدّل لا بد و أن يكون في ظنّ الحاكم عالما بسببهما، و إلّا لم يصلح لهما، و مع العلم لا معنى للسؤال.

الثالث: وجوب ذكر السبب في الجرح، و لا يجب في التعديل، و هو مذهب الشيخ في المبسوط (2) و الخلاف (3) و القاضي (4) و ابن إدريس (5)، و أكثر الأصحاب (6)، و المحقّق (7) و المصنّف (8) أيضا.

أمّا الأوّل، فلوقوع الخلاف في شرائطه، و أمّا الثاني، فلأنّ العدالة لا تنحصر في سبب واحد بحيث يكلّف المزكّي ذكره.

____________

(1) هو القاضي أبو بكر على مما حكي عنه في «المستصفى» ج 1، ص 162، و «المحصول» ج 2، ص 201؛ و «الإحكام» ج 2، ص 98.

(2) «المبسوط» ج 8، ص 109.

(3) «الخلاف» ج 6، ص 220، المسألة 13.

(4) «المهذّب» ج 2، ص 586.

(5) «السرائر» ج 2، ص 174.

(6) منهم ابن حمزة في «الوسيلة» ص 211، و فخر المحقّقين في «إيضاح الفوائد» ج 4، ص 318.

(7) «شرائع الإسلام» ج 4، ص 69، «المختصر النافع» ص 280.

(8) «قواعد الأحكام» ج 2، ص 206، «تحرير الأحكام الشرعية» ج 2، ص 184، «تلخيص المرام» الورقة 147.

17

و لو ادّعى استناد الحكم إلى فاسقين وجب إحضاره، و إن لم يقم المدّعي بيّنة، فإن اعترف ألزمه، و إلّا فالقول قوله في الحكم بشهادة عدلين على رأي مع يمينه. (1)

____________

الرابع: وجوب ذكر السبب في التعديل، و عدمه في الجرح، اختاره المصنّف في بعض كتبه (1)، و هو قول بعض الأصوليّين (2)، و قد تقدّم ما يصلح للدلالة عليه.

الخامس: أنّ المزكّي و الجارح إن كانا عالمين بأسبابهما اكتفي بإطلاقهما فيهما و إلّا وجب ذكر السبب فيهما، و هو قول الجويني، و المصنّف في الأصول (3) أيضا.

قوله (رحمه الله): «و لو ادّعى استناد الحكم إلى فاسقين وجب إحضاره، و إن لم يقم المدّعي بيّنة، فإن اعترف ألزمه، و إلّا فالقول قوله في الحكم بشهادة عدلين على رأي مع يمينه.»

(1) أقول: هذا قول ابن الجنيد، و الشيخ في الخلاف (4)، لأنّ الظاهر من حال الحكّام

____________

(1) قال في «مختلف الشيعة» ج 8، ص 442، المسألة 42: «بل الأحوط أن يسمع الجرح مطلقا و يستفصل عن سبب العدالة.».

(2) حكي في «المحصول» ج 2، ص 201، و «منهاج الأصول» ج 3، ص 143، عن قوم.

(3) «تهذيب الوصول» ص 79.

(4) «الخلاف» ج 6، ص 216، المسألة 8.

18

و يحرم عليه أن يتعتع الشاهد، بأن يداخله في التلفّظ بالشهادة أو يتعقّبه، بل يكفّ حتّى يشهد، فإن تلعثم صبر عليه، و لو توقّف لم يجز له ترغيبه في الإقامة، و لا تزهيده فيها، و لا إيقاف عزم الغريم عن الإقرار إلّا في حقوقه تعالى.

و إذا سأل الخصم إحضار خصمه مجلس الحكم أجيب مع حضوره و إن لم يحرّر الدعوى، و لا يجاب في الغائب إلّا مع التحرير، و لو كان في غير ولايته أثبت الحكم عليه بالحجّة.

____________

الاستظهار في الأحكام، و لأنّه كالمستودع في عدم الاحتياج إلى إقامة البيّنة.

و قال في المبسوط (1) بتقديم قول المدّعي، لأصالة عدم الحكم بشهادة عدلين، فهو مدّع لذلك، و «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (2)، و لأنّه اعترف بنقل المال إلى الغريم، و ادّعى المزيل للضمان، فيكلّف البيّنة.

____________

(1) «المبسوط» ج 8، ص 103.

(2) روي مع اختلاف يسير في العبارة في: «الكافي» ج 7، ص 415، باب أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من ادّعي عليه، ح 1، و «الفقيه» ج 3، ص 20، ح 52، باب الصلح، ح 1، و «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 229، ح 553- 554، باب كيفيّة الحكم و القضاء، ح 4- 5، و «سنن البيهقي» ج 10، ص 427، ح 21201، باب البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه.

19

و إن كانت امرأة برزة كلّفت الحضور، و إلّا أنفذ من يحكم بينهما.

و يكتب ما يحكم به في كتاب، و لا يجب عليه دفع القرطاس من ماله، بل يأخذه من بيت المال أو الملتمس.

و لو اعتقد تحريم الشفعة مع الزيادة لم يحلّ له أخذها بحكم من يعتقدها، لكن لا يمنعهم من الطلب بناء على معتقده.

و لا يحلّ له أن يحكم بما يجده مكتوبا بخطّه من دون الذكر- كالشهادة- و لو كان الخطّ محفوظا عنده و أمن التزوير.

و لو شهد شاهدان بقضائه و لم يذكر فالوجه القضاء. (1)

____________

قوله (رحمه الله): «و لو شهد شاهدان بقضائه و لم يذكر فالوجه القضاء.»

(1) أقول: إذا شهد عند القاضي شاهدان بأنّه حكم بكذا، و لم يتذكّر، ففي جواز قضائه وجهان:

20

و لو تمكّن المدّعي من انتزاع عينه و لو قهرا فله ذلك من دون الحاكم مع انتفاء الضرر.

____________

أحدهما: نعم، كما لو شهدا أنّ غيره قضى، إذ المقتضي هناك حصول الظنّ، و هو هنا موجود.

و الثاني: لا، لأنّه يمكنّه تحصيل العلم بالتذكّر، بخلاف غيره، إذ لا يمكنه حصول العلم به فصار كما لو نسي الشهادة، و شهدا عنده بأنّه شهد بكذا، و هو الذي قوّاه الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف (2)، و هو قول الشافعي (3). و اختار المصنّف هنا و في القواعد (4) الأوّل، و هو قول بعضهم (5) أيضا، قياسا على خبر ذي اليدين (6)، و أصله عندنا ممنوع.

و الجواب عن الثاني: أنّ رجاء العلم ربما تعسّر أو تعذّر، فيتطرّق الضرر إلى الخصم.

و الفرق بين الشهادة و القضاء ظاهر، لأنّ مناط أدائها العلم، بخلاف القضاء، فإنّ مناطه غالبا الظنّ، مع أنّ رواه الحديث جوّزوا أن يروي الإنسان عمّن روى عنه،

____________

(1) «المبسوط» ج 8، ص 121.

(2) «الخلاف» ج 6، ص 223، المسألة 18.

(3) «الأمّ» ج 6، ص 211، «المجموع» ج 20، ص 166، «حلية العلماء» ج 8، ص 124.

(4) «قواعد الأحكام»، ج 2، ص 205.

(5) حكي عن أبي حنيفة و ابن أبي ليلى و محمّد بن الحسن في «المغني» ج 14، ص 57 و «حلية العلماء» ج 8، ص 124.

(6) «صحيح البخاري» ج 1، ص 411، ح 1169، باب إذا سلّم في ركعتين.، و ص 412، ح 1170، باب من لم يتشهّد في سجدتي السهو، «صحيح مسلم» ج 1، ص 403، ح 573، باب السهو في الصلاة و السجود له، ح 97. و قال ابن حجر في «الإصابة» ج 2، ص 350، الرقم 2487، بعد ذكر خبر ذي اليدين: «ذو اليدين السلمي، يقال: هو الخرباق، و لأجل طول يديه يدعى ذا اليدين».

21

و لو كان الدعوى دينا و الغريم باذل مقرّ لم يستقلّ من دون تعيينه أو تعيين الحاكم مع المنع.

و لو كان جاحدا و هناك بيّنة و وجود الحاكم فالأقرب جواز الأخذ من دونه. (1) و لو فقدت البيّنة أو تعذّر الحاكم جاز الأخذ إمّا مثلا أو قيمة.

____________

كما نقل أنّ ربيعة بن عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أنّ رسول اللّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قضى باليمين مع الشاهد.

قال ربيعة: ثمَّ ذاكرت سهيلا بهذا فلم يحفظه و كان بعد ذلك يرويه عنّي عنه (1).

و فرّق بعضهم (2) بالتسامح في الحديث، بخلاف القضاء.

قوله (رحمه الله): «و لو كان جاحدا و هناك بيّنة و وجد الحاكم فالأقرب جواز الأخذ من دونه.»

(1) أقول: مطل (3) المدين بالدين مع عدم البيّنة أو إنكاره إيّاه مع عدمها أيضا مسوّغ للاقتصاص منه، لقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (4)، و لقوله تعالى فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ (5)، و لأنّ النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قال لهند

____________

(1) «سنن أبي داود» ج 4، ص 34، ح 3610- 3611، باب القضاء باليمين و الشاهد، «سنن البيهقي» ج 10، ص 283، ح 20644، باب القضاء باليمين مع الشاهد، «سنن ابن ماجه» ج 2، ص 793، ح 2368، باب القضاء بالشاهد و اليمين، «سنن الترمذي» ج 3، ص 627، ح 1343، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد.

(2) كفخر المحقّقين في «إيضاح الفوائد» ج 4، ص 315.

(3) «المطل: التسويف بالعدّة و الدين» ( «القاموس المحيط» ص 1366، «مطل»).

(4) البقرة (2): 194.

(5) النحل (16): 126.

22

..........

____________

- لمّا شكت إليه امتناع أبي سفيان-: «خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف» (1) و غير ذلك (2).

أمّا إذا كان هناك بيّنة تثبت عند الحاكم لو أقامها، فهل يجوز له الأخذ أم لا؟

وجهان:

الأوّل: نعم، لعموم الإذن في الاقتصاص، و قوله (صلّى الله عليه و آله) و سلم: «ليّ (3) الواجد يحلّ عقوبته و عرضه» (4). و هو الذي أفتى به الشيخ في المبسوط (5) و الخلاف (6)، و الكيذري (7).

و الثاني: لا، إذ التسلّط على مال الغير خلاف الأصل، فجوازه في موضع الضرورة، و هي هنا منتفية، و هو اختيار المحقّق في النافع (8). و الأصحّ جواز الأخذ، و هو اختياره في الشرائع (9).

____________

(1) «صحيح البخاري» ج 5، ص 2052، ح 5049، باب إذا لم ينفق الرجل.، «سنن ابن ماجه» ج 2، ص 769، ح 2293، باب ما للمرأة من مال زوجها، «سنن البيهقي» ج 7، ص 768، ح 15690، باب وجوب النفقة للزوجة، و ج 10، ص 455، ح 21297- 21298، باب أخذ الرجل حقّه ممّن يمنعه إيّاه.

(2) راجع «سنن البيهقي» ج 10، ص 456، ح 21300- 21303، باب أخذ الرجل حقّه ممّن يمنعه إيّاه.

(3) «قال أبو عبيد: الليّ هو المطل» ( «لسان العرب» ج 15، ص 263، «لوي»).

(4) «أمالي الطوسي» ص 520، ح 1146 فيه: «ليّ الواجد في الدين يحلّ.»، «سنن أبي داود» ج 3، ص 313، ح 3628، باب في الحبس في الدّين و غيره، «سنن ابن ماجه» ج 2، ص 811، ح 2427، باب الحبس في الدّين و الملازمة.

(5) «المبسوط» ج 8، ص 310- 311.

(6) «الخلاف» ج 6، ص 355، المسألة 28.

(7) «إصباح الشيعة» ص 535.

(8) «المختصر النافع» ص 283.

(9) «شرائع الإسلام» ج 4، ص 99- 100.

23

فإنّ تلفت العين قبل بيعها، قال الشيخ: لا ضمان. (1)

____________

قوله (رحمه الله): «فإن تلفت العين قبل بيعها، قال الشيخ: لا ضمان.»

(1) أقول: هذا تفريع على مقدّمتين:

الأولى: أنّه يجوز أن يأخذ من غير جنس حقّه إذا تعذّر الجنس، لوجود المقتضي و هو الامتناع، و لدلالة الحديث (1) عليه.

الثانية: أنّه يأخذه ليبيع منه بقدر حقّه، لا أنّه يتملّك منه بقدره، أو يرفعه إلى الحاكم، إذ لا يجب عليه التعويض عن حقّه، و الرفع إلى الحاكم ربما ضرّه، و لأنّه موضع رخصة.

إذا تقرّر ذلك فلو أخذ من غير جنس حقّه، فتلف في يده قبل البيع، هل يضمنه الآخذ أم لا؟ فيه وجهان:

أ: نعم، لأنّه قبضه بغير إذن المالك، لاستيفاء حقّه، كقبض الرهن بغير إذن الراهن، هكذا علّله المحقّق (2). و فيه نظر، لأنّ إذن الشرع أعظم من إذن المالك، و به يفرق بينه و بين المرتهن عند من يشترط القبض.

ب: لا، لأنّه مقبوض بحقّ فجرى مجرى الرهن، و هو قول الشيخ في المبسوط (3)، معلّلا بهاتين العلّتين. و المصنّف أحال القول على الشيخ توقّفا منه فيه، و قد ذكرنا وجهه.

____________

(1) أي حديث «ليّ الواجد» الذي تقدّم قبيل هذا.

(2) «شرائع الإسلام» ج 4، ص 100.

(3) «المبسوط» ج 8، ص 311.

24

و لو كان المال وديعة كره الأخذ على رأي. (1)

و لو ادّعى ما لا يد لأحد عليه فهو أولى.

____________

و اعلم أنّ هذين الاحتمالين فيما إذا كان المأخوذ بقدر حقّه، و هل يدخل الزائد عن قدر حقّه في ضمانه أم لا؟ فيه وجهان: الدخول، لأنّه كالأصل. و عدمه، لأنّه لم يأخذه لحقّه فهو كالأمانة.

قوله (رحمه الله): «و لو كان المال وديعة كره الأخذ على رأي.»

(1) أقول: هذا مذهب الشيخ في الاستبصار (1)، و ابن إدريس (2) و المحقّق (3)، و الإمام المصنّف (4)، لما رواه أبو العبّاس البقباق أنّ شهابا ما رآه (5) في رجل ذهب له بألف (6) درهم، و استودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العبّاس: فقلت له: خذها مكان الألف الذي أخذ منك فأبى (7) شهاب، قال: فدخل شهاب على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فذكر له ذلك، فقال: «أمّا أنا فأحبّ إليّ أن يأخذ و يحلف» (8).

و هذا يدلّ على الجواز من غير كراهية، لأنّه (عليه السلام) لا يحبّ المكروه، لتنزّهه عنه.

و قوله (عليه السلام): «و يحلف» المراد به أنّه إذا طلب منه المودع الوديعة جاز له الإنكار،

____________

(1) «الاستبصار» ج 3، ص 53.

(2) «السرائر» ج 2، ص 36- 37.

(3) «شرائع الإسلام» ج 4، ص 100.

(4) «تحرير الأحكام الشرعية» ج 2، ص 188.

(5) «ما رآه مراء، و مماراة: ناظره و جادله» ( «المعجم الوسيط» ص 866، «مري»).

(6) في أكثر النسخ «رجل ذهب له رجل بألف درهم» و ما أثبتناه مطابق للمصدرين.

(7) في أكثر النسخ «أخذ منك أبي فأبى» و ما أثبتناه مطابق للمصدرين.

(8) «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 347، ح 979، باب المكاسب، ح 100، «الاستبصار» ج 3، ص 53، ح 174، باب من له مال على غيره.، ح 8.

25

و لو انكسرت سفينة فما أخرجه البحر فلأهله، و ما أخرج بالغوص فلمخرجه.

____________

فإذا حلّفه حلف على عدم الاستحقاق، أو على عدم الاستيداع مع التورية. و لكنّ الأدلّة التي ستأتي ظاهرها التحريم، فتحمل على الكراهية جمعا.

و ذهب الشيخ في النهاية (1) و القاضي (2) و ابن زهرة (3)- و ادّعى عليه الإجماع- و قطب الدين الكيذرى إلى تحريم الأخذ من الوديعة (4)، لقوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا (5)، و هو ينافي جواز الأخذ.

و لما رواه ابن أبي عمير عن ابن أخي الفضيل بن يسار، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و دخلت امرأة، و كنت أقرب القوم إليها، فقالت لي: اسأله، فقلت:

عمّا ذا؟ فقالت: إنّ ابني مات و ترك مالا كان في يد أخي فأتلفه، ثمَّ أفاد مالا فأودعنيه، أ فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شيء؟ فأخبرته بذلك، فقال (عليه السلام):

«لا، قال رسول اللّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم): أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، و لا تخن من خانك» (6).

و في هذا الحديث دلالة من مواضع ثلاثة:

____________

(1) «النهاية» ص 307.

(2) لم نعثر عليه في كتابيه، و لكن حكاه عنه العلّامة في «مختلف الشيعة» ج 5، ص 394، المسألة 10.

(3) «غنية النزوع» ص 240.

(4) «إصباح الشيعة» ص 284، 535.

(5) النساء (4): 58.

(6) «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 348، ح 981، باب المكاسب، ح 102، «الاستبصار» ج 3، ص 52، ح 172، باب من له على غيره مال.، ح 6.

26

..........

____________

الأوّل: قوله (عليه السلام): «لا»، جواب لقولها: أ فلي أن آخذ منه؟

الثاني: قوله (عليه السلام): «إنّ النبي (صلّى الله عليه و آله) و سلم قال: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك»، فإنّ الأمر بالأداء ينافي جواز الأخذ، و لأنّه ذكره في جواب سؤال الأخذ.

الثالث: قوله: «و لا تخن من خانك»، و هو نصّ و لرواية سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام) في رجل حلف على مال أخذه ثمَّ وقع له مال عند المحلوف له، فقال (عليه السلام): «إن خانك فلا تخنه، و لا تدخل فيما عبته عليه» (1).

و في الاستدلال بهذه نظر، لمغايرتها المتنازع، إذ مع اليمين لا تحلّ المقاصّة، و لأنّها لم تذكر فيها الوديعة التي هي المطلوب، و إن كان الشيخ في الاستبصار قد حملها على الوديعة (2).

و الأصحّ الجواز، لعموم الإذن في الاقتصاص (3)، و لأنّ الصادق (عليه السلام) سئل في رواية جميل بن درّاج عن الجاحد أ يؤخذ من ماله بقدر الحقّ و إن لم يعلم؟ فقال: «نعم» (4).

و تقرب منه رواية أبي بكر الحضرمي عنه (عليه السلام) (5)، و ترك الاستفصال يدلّ على عموم المقال.

____________

(1) «الكافي» ج 5، ص 98، باب قصاص الدّين، ح 1، «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 348، ح 980، باب المكاسب، ح 101، «الاستبصار» ج 3، ص 52، ح 171، باب فيمن له على غيره مال فيجحده. ح 5.

(2) «الاستبصار» ج 3، ص 53.

(3) كقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ، البقرة (2): 194.

(4) «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 349، ح 986، باب المكاسب، ح 107، «الاستبصار» ج 3، ص 51، ح 167، باب من له على غيره مال فيجحده.، ح 1.

(5) «الكافي» ج 5، ص 98، باب قصاص الدين، ح 3، «الفقيه» ج 3، ص 114، ح 485، باب الدين و القروض، ح 21، «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 348، ح 982، باب المكاسب، ح 103، «الاستبصار» ج 3، ص 52، ح 168، باب فيمن له على غيره مال فيجحده. ح 2.

27

[المقصد الثالث في الدعوى]

المقصد الثالث في الدعوى و فيه مطالب:

[المطلب الأوّل في تحقيق الدعوى و الجواب]

[المطلب] الأوّل في تحقيق الدعوى و الجواب يشترط في المدّعي التكليف، و أن يدّعي لنفسه أو لمن له ولاية عليه كالأب و الوصيّ و الوكيل و الحاكم و أمينه ما يصحّ تملّكه و إن كان مجهولا لازما.

فلا تسمع دعوى الهبة مجرّدة عن دعوى القبض، و لا دعوى ...

28

«أنّ هذه بنت أمته» أو ضمّ «ولدتها في ملكي» ما لم يصرّح بدعوى ملكيّة البنت، و لا تسمع البيّنة إلّا بذلك، و كذا «هذه ثمرة نخلتي».

و لو أقرّ الخصم بذلك لم يحكم عليه، و يحكّم لو قال: «هذا الغزل من قطنه» أو «الدقيق من حنطته».

و لو قالت: «هذا زوجي» كفى في دعوى النكاح من غير توقّف على ادّعاء حقوقها ...

29

و لو ادّعى علم المشهود له بفسق الشاهدين أو الحاكم، أو الإقرار، أو أنّه قد حلف ففي اليمين إشكال، لأنّه ليس عين الحقّ بل ينتفع فيه.

و ليس له تحليف الشاهد و القاضي و إن نفعه تكذيبهم أنفسهم. (1)

و تسمع الدعوى بالدين المؤجّل.

____________

قوله (رحمه الله): «و لو ادّعى علم المشهود له بفسق الشاهدين أو الحاكم، أو الإقرار، أو أنّه قد حلف، ففي اليمين إشكال، لأنّه ليس عين الحقّ بل ينتفع فيه، و ليس له تحليف الشاهد و القاضي و إن نفعه تكذيبهم أنفسهم.»

(1) أقول: قد اشتمل هذا الكلام على ثلاث مسائل:

الأولى: إذا ادّعى المنكر جرح الشهود أو الحاكم كلّف البيّنة، فإن فقدها و ادّعى علم المدّعي بذلك، ففي توجّه اليمين على المدّعي وجهان:

أحدهما: نعم، لأنّه ينتفع به في حقّ لازم، كما لو قذف الميّت و طلب الوارث الحدّ فادّعى على الوارث العلم بالزنا فأنكر، فله تحليفه على نفي العلم.

و الثاني: لا، لأنّه لا يدّعي حقّا لازما و لا يثبت بالنكول و لا باليمين المردودة، و لأنّه يثير فسادا، و لأنّه كالدعوى على القاضي و الشهود بالتكذيب.

و قيل: لا خلاف في عدم توجّه اليمين عليهما، و قد جزم المصنّف به، لأنّه يثير فسادا عظيما عامّا.

الثانية: لو ادّعى على واحد إقراراً بحقّ فهل يحلف له أم لا؟ فيه وجهان: نعم،

30

و لا تفتقر الدعوى إلى الكشف إلّا في القتل، فلو ادّعى فرسا سمعت، و هل يشترط الجزم أم يكفي الظنّ؟ إشكال. (1)

____________

لأنّه ينتفع به مع التصديق. و لا، إذ الحقّ لا يستحقّ بالإقرار، و إن كان ثبوته يوجب الحقّ ظاهرا.

الثالثة: إذا توجّهت اليمين على المدّعى عليه فقال: قد أحلفني في هذا الحقّ مرّة فليحلف أنّه ما أحلفني، ففي إجابته الوجهان: المنع، لأنّه ليس عين الحقّ، و لأدائه إلى التسلسل. و الإجابة، لأنّه ينتفع به في الحقّ فهو جار مجرى دعوى الإبراء.

قوله (رحمه الله): «و هل يشترط الجزم أم يكفي الظنّ؟ إشكال.»

(1) أقول: المراد باشتراط الجزم في الظاهر، أي يشترط في المدّعي أن يكون جازما ظاهرا، بأن تكون صيغة دعواه: «لي عنده كذا» لا بأن يقول: «أظنّ» أو «أتوهّم» و لا يشترط بالنسبة إلى المدّعي، أي إنّه إن لم يكن جازما في نفس الأمر حرمت عليه الدعوى، فإنّ من المعلوم أنّه إذا كان للإنسان بيّنة تشهد له بحقّ- و هو لا يعلم به- أنّ له أن يدّعي عند الحاكم لتشهد البيّنة له به.

و وجه الإشكال في اشتراط الجزم في سماع الدعوى أن يقال: الأصل أنّه لا يشترط، و لدخوله تحت عموم قوله تعالى وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ (1)*

____________

(1) المائدة (5): 49.

31

و لو أحاط الدين بالتركة فالمحاكمة إلى الوارث فيما يدّعيه للميّت، فإذا

____________

فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ (1)، و لأنّه لو كان شرطا لم يكف اللفظ المحتمل عند الحاكم، بل كان يجب عليه الاستفسار فيه، فيقول له: هل أنت جازم أم لا؟ و التالي باطل فالمقدّم مثله.

بيان الملازمة أنّ الجهل بالشرط يستلزم عدم الجزم بالمشروط، فلا يحصل الجزم بسماع الدعوى.

و فيه نظر، لأنّا فسّرنا الجزم باللفظي لا القلبي، و إليه مال المحقّق (2)، و جزم به الكيذريّ (3).

و أن يقال: إنّ الدعوى توجب التسلّط على الغير بالإلزام بالإقرار أو بالإنكار أو التغريم، و هو إنزال ضرر منفيّ بقوله (صلّى الله عليه و آله) و سلم: «لا ضرر و لا ضرار» (4)، و لأنّ الدعوى في معرض أن يتعقّبها يمين المدّعي أو القضاء بالنكول، و هما غير ممكنين.

أمّا الأوّل، فلامتناع الحلف على الظنّ.

و أمّا الثاني، فلامتناع ثمرته، إذ لا يستحيل للغريم أن يأخذ بمجرّد إنكار المدّعى عليه، و لأنّه بعيد عن شبه الدعوى، إذ المعهود من الدعوى القول الجازم.

____________

(1) النساء (4): 65.

(2) «شرائع الإسلام»، ج 4، ص 73، «المختصر النافع» ص 283.

(3) «إصباح الشيعة» ص 532: «و إن ادّعى أحدهما على الآخر لم يسمع دعواه إلّا أن تكون مستندة إلى علم كان يقول: أستحقّ عليه، أو ما أفاده هذا المعنى».

(4) «الكافي» ج 5، ص 280، باب الشفعة، ح 4، و ص 292- 294، باب الضرار، ح 2، 6، 8، «الفقيه» ج 3، ص 45، ح 154، باب الشفعة، ح 2، و ص 147، ح 648، باب المضاربة، ح 18، و ج 4، ص 243، ح 777، باب ميراث أهل الملل، ح 2، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 146- 147، ح 651، باب بيع الماء و المنع منه و.، ح 36، و ص 164، ح 727، باب الشفعة، ح 4، «سنن ابن ماجه» ج 2، ص 784، ح 2340- 2341، باب من بني في حقّه ما يضرّ بجاره، «سنن الدار قطني» ج 4، ص 227- 228، [باب] في المرأة تقتل إذا ارتدّت، ح 83- 86، «موطإ مالك» ج 2، ص 745، كتاب الأقضية، ح 31، باب القضاء في المرفق.

32

ادّعى و سأل المدّعي المطالبة بالجواب طولب الخصم، فإن اعترف ألزم بأن يقول الحاكم: «حكمت» أو «قضيت» أو «أخرج من حقّه» مع التماس المدّعي، و إلّا ثبت الحقّ. (1)

____________

و في هذه الوجوه كلّها نظر، و كان الشيخ الفقيه نجيب الدين أبو إبراهيم محمّد بن نما الحلّي يسمع الدعوى في التهمة و يحلف المنكر (1). و لا بأس به، لما فيه من حسم مادّة النزاع.

و لكن إن حلف المنكر فلا كلام، و إن امتنع، فإن قلنا بالقضاء بالنكول احتمل القضاء هنا، لأنّه يمكن أن يقال: يجري مجرى الإقرار، فيستحلّ المدّعي الأخذ، و إن قلنا: لا يقضى إلّا بردّ اليمين و لا تردّ اليمين هنا، فلو عاود بعد ذلك و ادّعى العلم فالأقوى السماع، لجواز حصوله فيما بعد.

قوله (رحمه الله): «فإن اعترف ألزم بأن يقول الحاكم: «حكمت» أو «قضيت» أو «أخرج من حقّه» مع التماس المدّعي، و إلا ثبت الحقّ.»

(1) أقول: إذا كان جواب المدّعى عليه الاعتراف بالحقّ ألزمه الحاكم، و صيغة الحكم

____________

(1) حكاه المحقّق عن بعض معاصريه في «شرائع الإسلام» ج 4، ص 73، و فسّره فخر المحقّقين في «إيضاح الفوائد» ج 4، ص 328، و قال: «قوله: «بعض من عاصرناه» إشارة إلى الفقيه محمّد بن نما (رحمه الله)».

33

و لو طلب أن يكتب عليه أجيب إن عرفه الحاكم أو عرفه عدلان، و له أن يشهد بالحلية.

و يطالب السيّد بجواب القصاص و الأرش لا العبد.

فإن ادّعى الإعسار و عرف صدقه بالبيّنة أو اعتراف خصمه أنظر حتّى يوسّع الله تعالى عليه، و إلّا طولب بالبيّنة إن كان له مال ظاهر، أو كان أصل الدعوى مالا، و إلّا حلف.

و إن أنكر طولب المدّعي بالبيّنة، فإن قال: «لا بيّنة لي» و طلب إحلاف المنكر أحلف و برئ، و يأثم لو أعاد المطالبة. و لا يحلّ له المقاصّة.

فإن ردّ أو نكل حلف المدّعى، فإن نكل بطل حقّه.

و لو حلف المنكر من غير مسألة المدّعي الإحلاف وقعت لاغية و إن كانت بأمر الحاكم.

و لو أقام المدّعي بيّنة بعد إحلاف الخصم لم تسمع و إن لم يشترط سقوط الحقّ باليمين أو نسيها، نعم لو أكذب الحالف نفسه طولب و قوصص.

____________

أن يقول: «حكمت عليك بكذا» أو «ألزمتك به» أو «قضيت عليك» أو «أخرج إليه من ماله» أو «ادفعه إليه» هذا إن التمس المدّعي الحكم، و إلّا فلا، لأنّه حقّ له فيتوقّف على مطالبته، و الأولى أنّ للحاكم أن يقول ذلك عملا بشاهد الحال.

34

و لو امتنع المنكر من اليمين و الردّ قال له الحاكم: «إن حلفت و إلّا جعلتك ناكلا» ثلاثا، فإن حلف و إلّا أحلف المدّعي على رأي. و قضي عليه بالنكول على رأي. (1)

____________

و قول المصنّف: «و إلا ثبت الحقّ» أي إن لم يلتمس المدّعي من الحاكم الحكم و الإلزام، و لم يقل الحاكم ذلك، ثبت الحقّ بمجرّد إقراره، و لا يتوقّف ثبوته على حكم الحاكم.

و الفائدة في حكم الحاكم هنا إنفاذ حاكم آخر إيّاه، و فيه تنبيه على فائدة، و هي أنّ الإقرار ليس كإقامة البيّنة، فإنّ الإقرار بمجرّده يوجب ثبوت الحقّ ظاهرا سواء حكم الحاكم به أو لا، بخلاف البيّنة، فإنّه لا يثبت الحقّ بمجرّد إقامتها، بل لا بدّ معه من حكم الحاكم.

و الفرق بينهما أنّ البيّنة منوطة باجتهاد الحاكم في قبولها و ردّها، و هو غير معلوم.

و إنّما ذكرنا هذه المسألة- و إن لم يكن فيها إشكال- لأنّه ربما توهّم بعضهم أنّ هذا الاستدراك مقدّر بقولنا، و إلّا قال: «يثبت الحقّ» و هو خطأ، بل هذا الاستدراك معناه:

و إن لم يقل: «حكمت» ثبت الحقّ في نفسه، و ليس ثبوت الحق موقوفا على قوله، بل التقدير: «و إلّا كان الحقّ ثابتا» و عبّر عنه بصيغة الماضي، لأنّه أدخل في الوجود.

قوله (رحمه الله): «و لو امتنع المنكر من اليمين و الردّ قال له الحاكم: «إن حلفت و إلّا جعلتك ناكلا» ثلاثا، فإن حلف و إلّا أحلف المدّعي على رأي. و قضي عليه بالنكول على رأي.»

(1) أقول: إذ نكل المدّعى عليه، بمعنى أنّه امتنع من اليمين و الردّ،

35

و لو بذل المنكر يمينه بعد النكول لم يلتفت إليه.

و إن قال المدّعي: «لي بيّنة» و أحضرها سألها الحاكم إن التمس المدّعي، فإن وافقت الدعوى و سأل المدّعي الحكم حكم بها إن عرف العدالة، و إن خالفت الدعوى طرحها.

____________

قال له الحاكم- ثلاث مرّات استظهارا لا وجوبا-: إن حلفت و إلّا جعلتك ناكلا، فإن حلف فذاك، و إن امتنع ففي حكمه قولان:

الأوّل: أنّه يقضي عليه بمجرّد نكوله من غير أن يردّ اليمين على المدّعي، و هو قول عليّ بن بابويه (1)، و ابنه الصدوق في المقنع (2) و المفيد (3) و الشيخ في النهاية (4) و سلّار (5) و أبي الصلاح (6)، و القاضي في الكامل و الموجز (7)، و اختاره المحقّق (8) (رحمه الله)، لصحيحة محمّد بن مسلم أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن الأخرس كيف يحلف؟

قال: إنّ عليّا (عليه السلام) كتب له اليمين و غسلها و أمره بشر بها فامتنع فألزمه الدين (9).

____________

(1) حكاه عنه ابنه في «الفقيه» ج 3، و ص 39.

(2) «المقنع» ص 396.

(3) «المقنعة» ص 724.

(4) «النهاية» ص 340.

(5) «المراسم» ص 231.

(6) «الكافي في الفقه» ص 447.

(7) حكاه عن «الكامل» العلّامة في «مختلف الشيعة» ج 8، ص 397، المسألة 10.

(8) «شرائع الإسلام» ج 4، ص 76، «المختصر النافع» ص 282.

(9) «الفقيه» ج 3، ص 65، ح 218، باب نادر، ح 2، «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 319، ح 879، باب من الزيادات في القضايا، ح 86، و الرواية طويلة.

36

و لو أقرّ الخصم بعدالة الشاهدين لم تجب التزكية، و إلّا احتيج إلى عدلين يزكّيان الشهود، و لا يقتصر المزكّيان على العدالة، بل يضمّان إليها أنّه مقبول الشهادة، لاحتمال الغفلة.

و لو قال: «لا بيّنة لي» ثمَّ أحضرها سمعت.

و لو ادّعى المنكر الجرح أنظر ثلاثة أيّام فإن تعذّر حكم.

و لا يستحلف المدّعي مع البيّنة، إلّا أن تكون الشهادة على ميّت أو صبيّ أو مجنون أو غائب، فيستحلف على بقاء الحقّ استظهارا يمينا واحدة و إن تعدّد الوارث.

____________

و الظاهر أنّه لم يردّ اليمين على خصمه و إلّا لنقل، و لأنّه يلزم تأخير البيان عن وقت الخطاب، بل عن وقت الحاجة و هو غير جائز. و فعل عليّ (عليه السلام) لا شكّ في حجّيّته، و الأخرس لا فرق بينه و بين غيره إجماعا.

و لحسنة هشام و الحلبي و جميل، عن الصادق (عليه السلام): «أنّ رسول اللّه (صلّى الله عليه و آله) و سلم قال:

البيّنة على من ادّعى، و اليمين على من ادّعي عليه» (1).

وجه الاستدلال أنّه جعل جنس اليمين في جنبه المدّعى عليه، كما جعل جنس البيّنة في جنبة المدّعي، و التفصيل يقطع الشركة.

____________

(1) «الكافي» ج 7، ص 415، باب أنّ البيّنة على المدّعى عليه، ح 1، «الفقيه» ج 3، ص 20، ح 52، باب الصلح، ح 1، «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 229، ح 553، باب كيفيّة الحكم و القضاء، ح 4.

37

و يكفي اليمين مع الشاهد الواحد عنها.

و لا يجب التعرّض في اليمين لصدق الشهود، و للمشهود عليه الامتناع من التسليم حتّى يشهد القابض و إن ثبت باعترافه.

و لا يجب على المدّعي دفع الحجّة، و لا على البائع دفع كتاب الأصل.

و لو قال: «إنّ البيّنة غائبة» خيّر بين الصبر و الإحلاف، و لا يجب الكفيل.

____________

لا يقال: ينتقض بما إذا ردّ عليه اليمين فإنّه يحلف، لأنّا نقول: إنّ الوجوب هنا بالردّ لا بأصل الشرع المتلقّى من الحديث المذكور، فلم قلتم: إنّ حالة النكول كحالة الردّ؟! الثاني: أنّه يردّ اليمين على المدّعي، قاله في المبسوط (1) و الخلاف (2)، و القاضي في المهذّب (3)، و ابن حمزة (4) و ابن إدريس (5)، و اختاره المصنّف في المختلف (6)، لدعوى الشيخ في الخلاف الإجماع (7)، و هو إجماع منقول بخبر الواحد، و قد تقرّر في الأصول أنّه حجّة (8).

و لقوله تعالى:

____________

(1) «المبسوط» ج 3، ص 31، و ج 8، ص 159.

(2) «الخلاف» ج 6، ص 290- 292، المسألة 38.

(3) «المهذّب» ج 1، ص 413، و ج 2، ص 586.

(4) «الوسيلة» ص 229.

(5) «السرائر» ج 2، ص 165، و ص 510.

(6) «مختلف الشيعة» ج 8، ص 398، المسألة 10.

(7) مرّ قبيل هذا.

(8) راجع «غاية المراد» ج 1، ص 59، التعليقة 1.

38

و إن سكت المنكر عنادا حبس حتّى يجيب، و إن كان لآفة توصّل الحاكم إلى إفهامه، فإن احتاج إلى المترجم وجب عدلان، و إن قال: «هو لفلان» اندفعت الحكومة عنه و إن كان المقرّ له غائبا.

و يجاب المدّعي لو طلب إحلافه على عدم العلم بملكيّته، فإن نكل أغرم.

و لو أقرّ لمجهول لم تندفع الحكومة حتّى يبيّن، فإن أنكر المقرّ له حفظها الحاكم.

____________

ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهٰادَةِ عَلىٰ وَجْهِهٰا أَوْ يَخٰافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمٰانٌ بَعْدَ أَيْمٰانِهِمْ (1). أثبت الله تعالى يمينا مردودة بعد يمين، أي بعد وجوب يمين، كذا قال في الخلاف (2).

و لقوله (صلّى الله عليه و آله) و سلم: «المطلوب أولى باليمين من الطالب» (3)، و لفظة «أولى» أفعل التفضيل، و هي حقيقة في الاشتراك، و اللفظ يحمل على الحقيقة.

و لما روي عن النبيّ (صلّى الله عليه و آله) و سلم أنّه ردّ اليمين على طالب الحقّ (4)، و هو عامّ.

و فيه نظر، لأنّ حكاية الحال لا تعمّ.

____________

(1) المائدة (5): 108.

(2) «الخلاف» ج 6، ص 292، المسألة 38.

(3) رواه الشيخ الطوسي في «الخلاف» ج 6، ص 292، ذيل المسألة 38، و مثله روي في «سنن البيهقي» ج 10، ص 426، ح 21200، و ص 428، ح 21206، باب البيّنة على المدّعي و.، «المعجم الكبير» ج 5، ص 159، ح 4937، «كنز العمّال» ج 6، ص 213، ح 15292.

(4) «سنن الدار قطني» ج 4، ص 213، كتاب في الأقضية و الاحكام، ح 34؛ «سنن البيهقي» ج 10، ص 310، ح 20739، باب النكول و رد اليمين.

39

[المطلب الثاني في الاستحلاف]

المطلب الثاني في الاستحلاف و فيه بحثان:

[البحث الأوّل في الكيفيّة]

[البحث] الأوّل في الكيفيّة و لا يصحّ اليمين إلّا بالله تعالى و إن كان كافرا، نعم لو رأى الحاكم إحلاف الذّمي بما يقتضيه دينه أردع جاز.

و يستحبّ الوعظ و التخويف، و التغليظ في الحقوق كلّها و إن قلّت، إلّا المال فلا يغلّظ على أقلّ من نصاب القطع، و لا يجبر الحالف على

____________

و من طريق الخاصّة رواية عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «تردّ اليمين على المدّعي» (1).

و هو عامّ، لأنّ المفرد المحلّى بلام الجنسيّة للعموم، و لأنّه مع الردّ يجب الحلف، فإن نكل بطل الحقّ ظاهرا، و إذا جاز بطلانه على تقدير نكوله وجب على الحاكم التماس اليمين منه، لئلّا يثبت المسقط للحقّ.

____________

(1) هذه رواية هشام كما رواها الكليني في «الكافي» ج 7، ص 417، باب من لم تكن له بينة.، ح 5، و الشيخ في «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 230، ح 560، باب كيفيّة القضاء و الحكم، ح 11، و انظر «مختلف الشيعة» ج 8، ص 398، المسألة 10.

40

التغليط. و هو قد يكون باللفظ، مثل: «و الله الطالب الغالب الضارّ النافع المدرك المهلك الذي يعلم من السرّ ما يعلمه من العلانية» و نحوه، و بالمكان ك«المساجد» و بالزمان ك«يوم الجمعة» و «العيد» و «بعد العصر».

و يحلّف الأخرس بالإشارة.

و لا يستحلف أحد إلّا في مجلس الحكم، إلّا المعذور و المرأة غير البرزة.

و إنّما يحلف على القطع، إلّا على نفي فعل الغير فإنّها على نفي العلم، و يحلف على نفي الاستحقاق إن شاء، و إن حلف على نفي الدعوى جاز، و لا يجبر عليه و إن أجاب به.

____________

هكذا قاله شيخنا الإمام المصنّف (1).

و فيه نظر، لأنّه فرع على وجوب ردّ اليمين عليه، و هو عين المتنازع، و لأصالة البراءة من المال و عدم الشغل و لم يثبت هناك مزيل لحكم الأصل، و النكول جاز استناده إلى تعظيم حال اليمين، فلا يثبت بمجرّده ما يخالف حكم الأصل المعلوم، لأنّه غير مظنون المعارضة، فكيف يكون معلومها؟! و لأنّه أوثق، و المعتمد الأخير.

____________

(1) «مختلف الشيعة» ج 8، ص 398، المسألة 10.

41

و لو قال: «لي عليك عشرة» فقال: «لا تلزمني العشرة» حلف أنّها لا تلزمه و لا شيء منها. و لا يكفيه الحلف على أنّه لا تلزمه عشرة، فإن اقتصر كان ناكلا فيما دون العشرة.

و للمدّعي أن يحلف على عشرة إلّا شيئا إلّا في البيع، كما لو ادّعى أنّه باعه بخمسين فحلف أنّه باعه لا بخمسين، لم يمكنه الحلف على الأقلّ. (1)

____________

قوله (رحمه الله): «و لو قال: «لي عليك عشرة» فقال: «لا تلزمني العشرة» حلف أنّها لا تلزمه و لا شيء منها. و لا يكفيه الحلف على أنّه لا تلزمه عشرة، فإن اقتصر كان ناكلا فيما دون العشرة. و للمدّعي أن يحلف على عشرة إلّا شيئا إلّا في البيع، كما لو ادّعى أنّه باعه بخمسين فحلف أنّه باعه لا بخمسين، لم يمكنه الحلف على الأقلّ.»

(1) أقول: يجب في اليمين التصريح بالمحلوف عليه، إمّا نفيا أو إثباتا، فلو أتى باللفظ المحتمل لم يكف.

لا يقال: إنّ النيّة نيّة المدّعي إن كان محقّا، فلم لم يكف؟ لأنّا نجيب بأنّ ذلك

42

[البحث الثاني في الحالف]

البحث الثاني في الحالف و هو إمّا المنكر، أو المدّعي.

فالمنكر يحلف مع عدم البيّنة لا مع إقامتها في كلّ موضع يتوجّه الجواب عن الدعوى فيه.

____________

يكون مع كون اللفظ ظاهرا في معنى و قصد الحالف خلافه، بخلاف المتنازع فإنّه محتمل للمعنيين، و مثاله: إذا ادّعى عليه عشرة و أنكر، حلف على أنّه لا تلزمه العشرة و لا شيء منها، فإنّه لو اقتصر على قوله: «ليس له عليّ عشرة» لم يفد النفي الكلّي، إذ لا يلزم من نفي الكلّ نفي الكلّي، فإنّ نفي العشرة أعمّ من نفي جميعها، و من نفي كلّ واحد من أفرادها، و العامّ لا يدلّ على شيء من جزئيّاته.

هذا إذا قدّم «لا تلزمني العشرة» أمّا لو قدّم «لا يلزمني شيء منها» فيقوى الاكتفاء به، و خصوصا إذا قال: «لا شيء من العشرة يلزمني» لأنّ ذلك سور السلب الكلّي، و قد ذكر في المنطق (1)، و نكرة في سياق نفي، و قد تقرّر عمومها في الأصول (2).

و إنّما لم يكتف المصنّف به، ليفرض النكول عن بعض المدّعي به، أو يقال: إنّ ذلك دفع لتوهّم أنّ النفي وارد على شيء منها لخصوصيّة أو وحده، أي لا يلزمني شيء منها خاصّة، بل الجميع لازم لي.

و هذا ممّا يأباه الوضع اللغوي، إلّا أنّه يمكن تخيّله، فيجمع بين العبارتين لإزالته، فإن اقتصر أي حلف على أنّه لا تلزمه العشرة و لم يقل: «و لا شيء منها»

____________

(1) «شرح المطالع» ص 123.

(2) «معارج الأصول» ص 84، «مبادئ الوصول» ص 122.

43

و لو أعرض المدّعي عن البيّنة و التمس اليمين، أو قال: «أسقطت البيّنة و قنعت باليمين» جاز، و له الرجوع.

و لا يمين على الوارث إلّا مع ادّعاء علمه بموت مورثّه و بالحقّ و بتركه مالا في يده.

____________

مع عرضه عليه كان ناكلا فيما دون العشرة، فيطالب بالإقرار بالباقي، فإن أقرّ به و فسّره ثبت ما فسّره، و يقع النزاع في الباقي، و لا يكتفي بيمينه الماضية فيه، بل يفتقر إلى استئناف أخرى، لأنّ نفي العشرة لا يستلزم نفي ما دونها، فلو فسّره بتسعة مثلا أمكن أن يكون باقيا في ذمّته شيء آخر إلى أن يبقى من العشرة مقدار ما و إن قلّ، و إن امتنع من الإقرار و التفسير كان ناكلا عمّا دون العشرة، فكأنّ المدّعي ادّعى عليه ذلك القدر و قد أنكره و لم يحلف، فإن قضينا بالنكول في غير هذا الموضع احتمل هنا عدم القضاء إلّا باليمين، للجهل بمقدار المقضيّ به.

و يحتمل القضاء بعشرة ناقصة أقلّ متموّل، لبراءته بيمينه من العشرة، و قضاء الشارع بالنقيصة ظاهرا، و حملناها على أقلّ متموّل، لأنّه المعلوم من ذكر المال بالزيادة أو النقيصة أو مطلقا.

و إن قلنا بردّ اليمين حلف المدّعي أنّه يستحقّ في ذمّته عشرة إلّا شيئا.

لا يقال: هذا كاذب، لأنّه يدّعي استحقاق عشرة، فكيف يحلف أنّها عشرة إلّا شيئا؟

لأنّا نقول: يلزم من كونه مستحقّا في ذمّته عشرة أن يكون مستحقّا لعشرة إلّا

44

و لو ادّعى على المملوك فالغريم مولاه في المال و الجناية.

و لا يمين في حدّ.

____________

شيئا ضرورة دخول الجزء تحت كلّه فلا تناقض (1).

و هذا مطّرد إلّا فيما يحصل التناقض فيه جزما، و هو في نحو ما إذا ادّعى أنّه باعه ثوبا بخمسين فحلف أنّه اشتراه لا بخمسين، مع سبق دعواه الأقلّ أو عدم سبقها، فإنّه يكون ناكلا أيضا فيما دون الخمسين، و لكن لا يمكن البائع أن يحلف أنّه باعه إيّاه بخمسين إلّا شيئا، لأنّه يعترف بأنّه باعه إيّاه بخمسين، و هو ينفي بيعه إيّاه بخمسين إلا شيئا، و يمتنع وقوع عقد واحد على خمسين و خمسين إلّا شيئا.

لا يقال: إنّه يستحقّ عنده خمسين إلّا شيئا. ضرورة دخولها تحتها كما قرّر، فجاز أن يحلف عليها.

____________

(1) في «ح» و «ض» بعد قوله: «فلا تناقض» ورد: «فإن قلت: لم لا يحلف المدّعى عليه أنّه لا يستحق عليه شيئا من العشرة، و لا يحتاج إلى الجمع بين ذلك و بين قوله: «لا يستحقّ العشرة» و قد تقرّر في المنطق أنّ «لا شيء» و «لا واحد» سوران للسلب الكلّي؟

قلت: قد قال بعضهم: إنّ ذلك بحسب الاصطلاح، أمّا بحسب الوضع فإنّه لا يلزم من صدق «لا يلزمني شيء من العشرة» أو «لا شيء من العشرة بلازم لي» صدق انّه: «لا تلزمني عشرة» فإنّ نفي الجزء يجامع ثبوت الكلّي، لجواز أن يراد به نفيه وحده أي «لا يلزمني شيء من العشرة» لا غير، بل له جميع العشرة، فلذلك احتيج إلى الجمع، كما قرّره المصنّف، و لم ترد في سائر النسخ إلّا في هامش «ع» و «م» مع زيادة و نقيصة من غير إشارة إلى موضعه.

45

و يحلف منكر السرقة لإسقاط الغرم، و لو نكل حلف المدّعي و ألزم المال لا القطع.

____________

لأنّا نقول: ليس الاستحالة لأجل عدم الدخول تحتها، بل للتنافي بين الدعوى و اليمين.

فإن قلت: فهل يجوز أن يحلف في هذه الصورة على أنّه يستحقّ عنده خمسين إلّا شيئا، و لا يذكر البيع؟

قلت: يحتمل ذلك، لأنّه لا يجب التعرّض في اليمين لنفي الدعوى، أو لثبوتها، و لا لذكر السبب، فلو ادّعى عليه ألفا قرضا لا يجب التعرّض في اليمين لنفي القرض إن كان الحالف المنكر، و لا لثبوته إن كان الحالف المدّعي، بل يكفيه أن يقول: إنّي أستحقّ عنده ألفا.

و قيل: بل يجب التعّرض في الإثبات و إن لم يجب في النفي، لجواز تعدّد سبب النفي بخلاف الإثبات، فعلى هذا لا يصحّ الحلف على أنّه يستحقّ عنده خمسين إلّا شيئا.

و الأولى أن يقال: لا يصحّ الحلف كذلك، لأنّ المقصود هنا شيئان، صحّة البيع و الإلزام بالثمن، فلو حلف على إلزامه بالثمن لم يحلف على المقصود بتمامه فوجب ذكر البيع في اليمين، و هو يستلزم عدم الحلف على ما ذكر.

فإن قلت: فما الخلاص هنا؟ قلت: يحتمل فيه أن يحبس المنكر حتّى يحلف يمينا صحيحة أو يصدّق المدّعي، لتوجّه اليمين عليه، و عدم إتيانه فيها بمقنع، و عدم إمكان القضاء بالنكول، أو بردّ اليمين.

و يحتمل أن يحكم عليه الحاكم بخمسين إلّا أقلّ متموّل، كما تقدّم (1).

____________

(1) تقدّم في ص 43.

46

و يصدّق الذّمي في ادّعاء الإسلام قبل الحول، و الحربي في الإنبات بعلاج لا بالسنّ، ليخلص من القتل على إشكال. (1)

____________

و يحتمل أن يحلف المدّعي أنّه باعه بخمسين، و يلزم المشتري بخمسين ناقصة، أقلّ متموّل، و أصلها القضاء بالنكول و عدمه، و إنّما ذكرنا هذه المسألة للاشتباه فيها على الطلبة، هذا هو تحقيقها.

قوله (رحمه الله): «و يصدّق الذمّي في ادّعاء الإسلام قبل الحول، و الحربي في الإنبات بعلاج لا بالسنّ، ليخلص من القتل على إشكال.»

(1) أقول: قد ذكر أصحابنا (رحمهم الله) مواضع يقبل فيها قول مدّعيها بلا يمين، عدّ الشيخ منها خمسة في المبسوط (1)، و كذا كثير من الأصحاب كالمحقّق (2) و المصنّف (3) في كتبه.

الأوّل: دعوى إبدال النصاب.

____________

(1) «المبسوط» ج 8، ص 212- 213.

(2) «شرائع الإسلام» ج 4، ص 82- 83.

(3) «قواعد الأحكام» ج 2، ص 212، «تحرير الأحكام الشرعية» ج 2، ص 191- 192.

47

..........

____________

الثاني: دعوى الدفع إلى المستحقّ.

الثالث: دعوى نقص الخرص.

الرابع: دعوى الذمّي الإسلام قبل الحول، ليتخلّص من الجزية إن أوجبناها على المسلم بعد الحول.

الخامس: دعوى الصبيّ الإنبات بعلاج ليلحق بالذراري.

و جزم الشيخ في الأربعة الأول بعدم اليمين، و توقّف في الخامس بين عدم قبوله أصلا و الحكم ببلوغه بلا يمين على مدّعيه- لعموم النصّ على أنّ الإنبات بلوغ (1)، من غير تفصيل، و اختاره المصنّف في المختلف (2)- و بين إحلافه على ما ادّعاه، لإمكانه و عدم إمكان إقامة البيّنة عليه غالبا، و لأنّ القتل حدّ يدرأ بالشبهة.

و المصنّف هنا اختار القول بتصديق الذمّي من غير يمين، و لهذا قال: «و يصدّق» و توقّف في تصديق الصبيّ، و منشؤه ممّا ذكر.

و اعلم أنّ الإشكال هنا إمّا في قبول قوله من غير يمين كالذمّي، أو في قبوله مع اليمين، و كلام المصنّف يحتمل كلّا من الأمرين، و يلوح من كلام نجم الدين (3) أنّ الإشكال في مطلق القبول، فإنّه قوّى عدمه إلّا بالبيّنة.

و منشأ الإشكال على الجملة أن يقال: يحتمل القبول، لأنّه مدّع للأصل، إذ الأصل عدم البلوغ، و لأنّ القتل موقوف على تحقّق استحقاقه إيّاه، و هو مفقود، و الاسترقاق ثابت على تقدير عدم العلم ببلوغه، و هو موجود، فلا يعدل عمّا تحقّق

____________

(1) «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 173، ح 339، باب النوادر، ح 17.

(2) «مختلف الشيعة» ج 8، ص 461، المسألة 61.

(3) «شرائع الإسلام» ج 4، ص 82.

48

..........

____________

سببه إلى ما لا يعلم سببه، و لأنّ فائت القتل لا يستدرك، فالاحتياط التامّ فيه أولى.

و يحتمل عدم القبول، لوضع الشارع سبحانه الإنبات علامة البلوغ و قد وجدت، و دعواه المعالجة خلاف الظاهر، فيفتقر إلى البيّنة، و لأنّه لو كان عدم المعالجة شرطا لما جاز قتل محتمل المعالجة إلّا بعد علم انتفائها، و هو باطل إجماعا.

فحينئذ نقول: على القول بالاحتياج إلى البيّنة لا كلام، و على القول بتقديم قوله يحتمل أن يقال: يقدّم بلا يمين، لأنّ مجرّد الدعوى شبهة دارئة للقتل فتكون كافية، و لأنّه أمر يرجع إليه في حقّ الله تعالى فجرى مجرى دعوى دفع الزكاة أو إبدال النصاب، و لأنّ اليمين هنا متعذّرة، لأنّها يمين من صبيّ، و هي غير مسموعة.

و يحتمل الاحتياج إلى اليمين، لأنّها أقلّ مراتب إثبات الدعوى، و لأنّه مستحقّ للقتل ظاهرا، فلا يزول بمجرّد دعواه فلا بدّ له من مزيل، و لأنّه أحوط و أوثق في الحكم.

فحينئذ يمكن أن يقال: يحلف الآن، لأنّه محكوم ببلوغه ظاهرا، و يمكن التأخير إلى أن يبلغ فيحبس إلى البلوغ اليقيني ثمَّ يحلف، فإن قلنا باليمين في حال الشكّ و حلف تخلّص، و إن نكل قيل: يقتل (1)، لا للقضاء بالنكول، إذ لا قتل بالنكول، بل لتوجّه القتل بالكفر مع الإنبات، و اليمين كانت مانعة و لم نوجد. و قيل: لا، لأنّه لو لا النكول لم يقتل، فيكون قتلا بالنكول، و لأنّه شبهة.

و اعلم أنّ الشيخ (2) و المصنّف ذكرا من جملة ما تقبل فيه دعوى مدّعيه من غير يمين دعوى الصبيّ البلوغ، و حقّقه المصنّف بدعوى الاحتلام (3).

____________

(1) القاتل هو العلّامة في «قواعد الأحكام» ج 2، ص 211، و السيّد عميد الدين في «كنز الفوائد» ج 3، ص 485.

(2) «المبسوط» ج 3، ص 37- 38.

(3) «قواعد الأحكام» ج 1، ص 277، «تحرير الأحكام الشرعية» ج 2، ص 114، «تذكرة الفقهاء» ج 2، ص 145- 146.

49

..........

____________

قلت: و يمكن حمله أيضا على مطلق الدعوى، أمّا لو ادّعى البلوغ بالسنّ كلّف البيّنة، و بالإنبات اعتبر و ليس حراما، لعدم استلزامه رؤية العورة.

و ربما ألحق بالمصدّق مدّعي بنوّة الصغير و لا منازع، و مدّعي أنّه من أهل الكتاب لتؤخذ منه الجزية، و مدّعي تقدّم الإسلام على الزنى بالمسلمة خوفا من القتل، و مدّعي فعل الصلاة و الصيام خوفا من التعزير، و مدّعي إيقاع العمل المستأجر عنه إذا كان من الأعمال المشروطة بالنيّة، كالاستئجار على الحجّ و الصلاة.

و قيل: أيضا بإلحاق دعوى الوليّ إخراج ما كلّف به من نفقة و غيرها، و الوكيل فعل ما وكّل فيه. (1) و فيهما نظر.

و من المصدّقين ذو المعجر (2)، و مالك الدار لو نازعه المستأجر في ملكيّة الكنز على قول مشهور، و ذو الطعام أنّه لم يبقه بالاحتكار إلّا لقوته و إن زاد عليه في قول، و المدّعي مع نكول خصمه على القول بالقضاء به، و مدّعي الغلط في إعطاء الزائد عن الحقّ لا التبرّع، و المحلّلة في وطئه، و المرأة فيما يتعلّق بالحيض- قيل: و الظئر في انّه الولد (3)- و منكر السرقة بعد إقراره مرّة لا في المال، و مدّعي هبة المالك في القطع، و منكر موجب الرجم الثابت بإقراره، و مدّعي الإكراه فيه و الجهالة مع إمكانهما، و مدّعي الضرورة في الكون مع الأجنبي مجرّدين، و منكر القذف، و مدّعي ردّ

____________

(1) لم نعثر على قائله فيمن تقدّم على الشهيد، و من المتأخرين قاله الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام» ج 13، ص 502.

(2) «المعجر- و زان مقود- ثوب أصغر من الرداء، تلبسه المرأة» ( «المصباح المنير» ص 393، «تاج العروس» ج 12، ص 534، «عجر»).

(3) القائل هو المحقّق في «شرائع الإسلام» ج 4، ص 235.

50

و أمّا المدّعي فيحلف في أربعة مواضع: إذا ردّ المنكر عليه الحلف، و إذا نكل، و إذا أقام شاهدا واحدا بدعواه، و إذا أقام لوثا بالقتل. (1)

____________

الوديعة في المشهور (1). قيل: و مع شهادة الحال في العيب (2). و بالجملة فالمواضع كثيرة (3)، و يمكن ضبطها بضابط كلّي (4).

قوله (رحمه الله): «و أمّا المدّعي فيحلف في أربعة مواضع: إذا ردّ المنكر عليه الحلف، و إذا نكل، و إذا أقام شاهدا واحدا بدعواه، و إذا أقام لوثا بالقتل.»

(1) أقول: إنّما عدّ المصنّف هذه الأربعة، لأنّها خلاف الأصل، لقول النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم):

«البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (5)، و الأصل أن لا يمين على المدّعي، و هذه المواضع عليه فيها اليمين لعلّة: أمّا مع الردّ، فلأنّ اليمين في جنبة المنكر فإذا رضي بيمين المدّعي فقد رضي بإسقاط يمينه، و للنصّ (6)، و أمّا مع النكول فعلى

____________

(1) كما أفتى به في «المبسوط» ج 4، ص 141، و «شرائع الإسلام» ج 2، ص 133، و «تحرير الأحكام الشرعية» ج 1، ص 268.

(2) أي مدّعي تقدّم العيب مع شهادة الحال، كما قال به الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام» ج 13، ص 503.

و لم نعثر على قائله فيمن تقدّم على الشهيد.

(3) للمزيد راجع «مسالك الأفهام» ج 13، ص 501- 503، «مفتاح الكرامة» ج 10، ص 115.

(4) في هامش «ع» هنا إضافة «بأن يقال: كلّ ما كان بين العبد و بين الله سبحانه، أو لا يعلم إلّا منه و لا ضرر فيه على الغير أو ما يتعلّق بالحدّ أو التعزير».

(5) تقدّم تخريجه في ص 18، التعليقة 2.

(6) راجع «الكافي» ج 7، ص 416، باب من لم تكن له بيّنة فيردّ عليه اليمين، «وسائل الشيعة» ج 27، ص 241، أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى، الباب 7.