غاية المرام في شرح شرائع الإسلام - ج2

- المفلح بن حسن الصيمري المزيد...
454 /
3

كتاب التجارة

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

في ما يكتسب به

قال (رحمه اللّه): و ربما قيل بتحريم الأبوال كلها إلّا بول الإبل خاصة، و الأول أشبه.

أقول: القائل بالمنع فيها (1) عدا بول الإبل هو الشيخ في النهاية، و المفيد و تلميذه سلّار؛ لأن الأبوال من الفضلات فأشبهت البصاق و المخاط، فلا يجوز بيع ما عدا بول الإبل للاستشفاء عند الضرورة.

و قال في المبسوط بجواز بيع كل بول مأكول اللحم؛ لأصالة الجواز، و لأنها طاهرة كبول الإبل.

و اختاره ابن إدريس، و العلّامة في المختلف، و ذلك مع تقدير الانتفاع بها (2).

[بيع المسوخ و السباع]

قال (رحمه اللّه): و في الفيل تردد، و الأشبه جواز بيعه؛ للانتفاع بعظمه. و قيل:

يجوز بيع السباع كلها؛ للانتفاع بجلدها أو ريشها، و هو الأشبه.

أقول:

هنا مسألتان:

____________

(1)- في «م» زيادة: في ما.

(2)- قيد الانتفاع للعلامة خاصة، انظر المختلف: 340.

6

الاولى: في المسوخ

، و منع من بيعها أكثر المتقدمين، و هو بناء على القول بنجاستها.

و ذهب أكثر المتأخرين إلى القول بجواز بيعها، من غير فرق بين الفيل و غيره، بل كل عين طاهرة تقبل الذكاة، و هي أعيان طاهرة على المختار، ينتفع بجلودها إن كانت برية، و دهنها إن كانت بحرية، لكن يجب أن يقصد في البيع ما يجوز الانتفاع به من تلك الأعيان، لا ما لا يجوز.

الثانية: في السباع

، و جوز ابن إدريس بيعها جميعا؛ لطهارتها، و للانتفاع بريشها و جلودها، و لأصالة الجواز الا ما قام الدليل على المنع منه.

و حرّم الشيخ في النهاية و الخلاف ما عدا الفهد.

و أجاز المفيد بيع الفهد و سباع الطير.

و المعتمد الجواز مطلقا.

[أخذ الأجرة على الأفعال المندوبة و الواجبة]

قال (رحمه اللّه): و القضاء على تفصيل سيأتي، و لا بأس بأخذ الأجرة على عقد النكاح.

أقول: التفصيل هو أن القاضي إذا لم يتعين عليه القضاء و كان مضطرا، قيل:

يجوز له أخذ الجعل من المتحاكمين، و مع عدم الضرورة أو التعيّن عليه لا يجوز له، و سيأتي تحقيق ذلك في باب القضاء إن شاء اللّه تعالى.

و أما الأجرة على إيقاع عقد النكاح و غيره من العقود فجائز، و هي المباشرة للإيقاع سواء كان نائبا عن الزوجة أو الزوج، أو البائع أو المشتري.

و لا يجوز أخذها على تعليم الصيغة و إلقائها على أحد (3) المتعاقدين؛ لأن ذلك من باب الواجب على الكفاية- كتغسيل الموتى و دفنهم و حملهم، و غير ذلك من الواجبات على الكفاية- لا يجوز أخذ الأجرة عليه.

____________

(3)- من «ي».

7

فرع: يجوز للغاسل أخذ الأجرة على الغسلات المندوبة

، و يجوز على تعميق القبر على القدر الواجب و إن زاد على المثل، إذا كان المقصود من الأجرة ذلك الفعل المندوب.

و يشترط إجازة جميع الورثة إن كانت الأجرة من التركة.

و إذا وقعت الإجارة على الفعل الواجب كان العقد باطلا.

و هل يكون الفعل محرما يأثم فاعله أم لا؟

يحتمل ذلك؛ لأنه فعله على وجه ليس بشرعي فيكون بدعة (و كل بدعة) (4) حرام.

و يحتمل إباحة الفعل؛ لأنه طاعة، و لا تحرم، و لا يلزم من تحريم الأجرة تحريم الفعل.

تنبيه [جواز أخذ الأجرة على الواجب الكفائي]

قال فخر الدين (رحمه اللّه) في كتاب الإجارة (1) من شرح القواعد في شرح جواز أخذ الأجرة على تعليم الفقه: و الحق عندي أن كل واجب على شخص معين لا يجوز للمكلف به أخذ الأجرة عليه.

و الذي على الكفاية، فإن كان لو (5) أوقعه بغير نية لم يصح و لم يزل الوجوب به، لا يجوز أخذ الأجرة عليه؛ لأنه عبادة محضة (6)، و قال تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (7). حصر غرض الأمر في انحصار غاية الفعل في الإخلاص، و ما يفعل بالعوض لا يكون كذلك، فلا يصح.

____________

(4)- ما بين القوسين لم يرد في «ن»، و بدل (حرام)، (حراما).

(1)- في جميع النسخ ورد: (التجارة) بدل (الإجارة)، و الصحيح ما أثبتناه؛ و كلام فخر الدين (ره) المنقول هنا موجود في كتاب الإجارة دون التجارة.

(5)- لم ترد في «ن».

(6)- من «ي» و «م»، و في باقي النسخ: مخصوصة.

(7)- البينة: 5.

8

و غير ذلك يجوز أخذ الأجرة عليه، إلا ما نص الشارع على تحريمه كالدفن (8) هذا آخر كلامه (رحمه اللّه).

جعل الضابط في تحريم الأجرة على الأفعال الواجبة على الكفاية هو فعل مشروط بالنية، و ما ليس مشروطا بها لا تحرم الأجرة عليه، قال: إلا ما نص الشارع على تحريمه كالدفن، و قد ذكر في هذه المسألة أن جميع الصنائع واجبة، و أن كل ما ينتظم به أمور النوع (9) واجب على الكفاية مع عدم تحريم الأجرة على هذه الأشياء، فأراد أن يجعل ضابطا لما يحرم الأجرة عليه منها.

و في هذا الضابط نظر؛ لأن الضابط إنما يكون في الغالب للأشياء المتفرقة التي يعتبر حصرها، دون ما لا يعتبر حصره، و المشروط بالنية من الأفعال الواجبة على الكفاية التي يحرم أخذ الأجرة عليها فعلان لم يحضرني الآن غيرهما، و هما:

تغسيل الموتى و الصلاة عليهم.

أما غير المشروط بالنية مع اشتهار تحريم أخذ الأجرة عليه فهو كثير متعدد ربما يعسر حصره، و ذلك مثل توجيه الميت حال الاحتضار، و حمله، و تكفينه، و دفنه، و حضر القبر، و تعليم الواجب من الفقه، و الواجب من القرآن، و الدلالة على المعارف الإلهية بطريق التنبيه، و القضاء، و تعليم صيغ العقود، و إلقائها على المتعاقدين حالة إيقاع العقد، و غير ذلك مما فيه الخلاف بين العلماء.

فان قيل: إن هذه الأفعال منصوص على تحريم الأجرة عليها، و هو قد استثنى ذلك.

قلنا: الأفعال كلها يجب أن تكون منصوصة أو متفرعة على المنصوص، و هذه و إن كانت منصوصة فهي كثيرة متفرقة، و هي أولى بالضابط من غير الكثير

____________

(8)- إيضاح الفوائد 2: 264.

(9)- في «ن» و «ي»: (الشرع)، و ما في المتن موافق للإيضاح المطبوع.

9

المتفرق مع كونه منصوصا يعرفه من له أدنى معرفة، مع أنه (رحمه اللّه) أطلق المنع من الأجرة على المشروط بالنية من واجب الكفاية، و عنده أن اليوم المتكسر على الأولياء واجب على الكفاية.

قال في القواعد: و لو انكسر يوم فكالواجب على الكفاية.

قال (رحمه اللّه) في شرحه: الأول: في كيفية وجوب ذلك اليوم عليهما، و لا شك في سقوطه عن كل واحد بفعل الآخر، فهل عدم فعل كل (10) واحد شرط في وجوبه على الآخر و يكون من قبيل الواجب المشروط وجوبه، أو من قبيل الواجب على الكفاية، فلذلك قال: فكالواجب على الكفاية. و لم يجزم بكونه واجبا على الكفاية، و ليس من المباحث المهمة هنا، و الأقوى أنه واجب على الكفاية (11).

و هو مشروط بالنية إجماعا.

و قد ذهب الشهيد و أبو العباس إلى جواز استئجار بعض الأولياء لبعض على ما يخص المستأجر، فانخرمت القاعدة التي جعلها ضابطا لتحريم الأجرة، لكن هو أعلم بما قال.

قال (رحمه اللّه): لا يجوز بيع شيء من الكلاب إلا كلب الصيد، و في كلب الماشية و الزرع و الحائط تردد، و الأشبه المنع.

أقول: أما كلب الصيد فبيعه جائز قطعا، سواء كان سلوقيا- و هو المنسوب إلى قرية من اليمن اسمها سلوق- أو غير سلوقي.

و أما كلب الماشية، و الزرع، و الحائط- و هو البستان- و كلب الدار أيضا، فقد اختلف فيها.

فذهب الشيخان و ابن البراج الى عدم جواز بيع هذه الأربعة، لرواية

____________

(10)- لم ترد في «ن».

(11)- إيضاح الفوائد 1: 238.

10

السكوني (11) عن الصادق (عليه السلام).

و لرواية الوليد القماري: «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد؟ فقال: سحت» (12).

و الجواز مذهب ابن الجنيد و ابن حمزة.

و اختاره ابن إدريس و العلامة و أبو العباس.

و هو المعتمد؛ لأن العلة المسوغة لبيع كلب الصيد- و هي الانتفاع به- حاصلة في هذه الأربعة، و لأنه يجوز اقتناؤها و إجارتها، فيجوز بيعها، و لأن لها ديات مقدرة (13) في الشرع، فيجوز بيعها.

____________

(11)- الوسائل، كتاب التجارة باب 5 من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

(12)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 14 من أبواب ما يكتسب به، حديث 7. و فيه «العماري» بدل «القماري»، و في التهذيب «العامري»، لاحظ التهذيب 6: 367- 1060.

(13)- في «ن»: متعددة.

11

في عقد البيع

قال (رحمه اللّه): و هل يشترط تقديم الإيجاب على القبول؟ فيه تردد، و الأشبه عدم الاشتراط.

أقول: الاشتراط مذهب الشيخ و ابن حمزة و ابن إدريس. و اختاره فخر الدين؛ لأصالة بقاء الملك على مالكه، لا ينتقل عنه إلا بسبب شرعي صالح للنقل، و لم يثبت كون العقد المقدّم فيه القبول سببا شرعيا، فيبقى على الأصل.

و عدم الاشتراط مذهب ابن البراج، و اختاره المصنف، و العلامة في التحرير، و الشهيد. و هو المعتمد؛ لأصالة الجواز، و لأن الأصل اعتبار الرضى، و لا عبرة بترتيب (14) الألفاظ، إذ الشرط الإيجاب و القبول و قد حصل، و لأنه غير معتبر في النكاح، فكذا هنا.

و أجيب بالفرق بين النكاح و غيره؛ لأن العلة المحوجة في جوازه في ألفاظ (15) النكاح- و هي حياء المرأة- منتفية هنا.

____________

(14)- في «ن»: بترتب.

(15)- من «ن» و «ر 1».

12

[صحة بيع من بلغ عشرا رشيدا]

قال (رحمه اللّه): و كذا لو بلغ عشرا عاقلا على الأظهر.

أقول: وردت رواية بصحة بيعه إذا بلغ عشر سنين رشيدا (16)، و عمل أكثر الأصحاب على المنع من العمل بهذه الرواية.

قال (رحمه اللّه): و لو أمر آمر أن يبتاع له نفسه من مولاه، قيل: لا يجوز، و الجواز أشبه.

أقول: قال ابن البراج: لا يصح إلا أن يأذن له سيده في ذلك، فإن لم يأذن له لم يصح.

و قال في المبسوط: قيل: فيه وجهان:

أحدهما: يصح، كما لو وكله في شراء عبد آخر بإذن سيده. و الثاني: لا يصح؛ لأن يد العبد كيد السيد، و إيجابه و قبوله كإيجاب سيده و قبوله، فإذا كان كذلك فأوجب السيد و قبل هو، صار كأن السيد الموجب القابل، و ذلك لا يصح، قال: و الأول أقوى.

و هذا يدل على المنع و إن أذن السيد، و هو بناء على عدم جواز أن يكون الإنسان الواحد موجبا قابلا.

و المعتمد الجواز مطلقا، سواء أذن السيد أو لم يأذن، أما مع الإذن فظاهر؛ لأن عقوده جائزة بإذن سيده، و أما مع عدم الإذن، يكون إيجاب السيد كالإذن، فلا مانع من ذلك، مع أن الأصل الجواز.

قال (رحمه اللّه): و لو باع ملك غيره، وقف على إجازة المالك أو وليّه على الأظهر.

أقول: وقوفه على الإجازة مذهب الشيخ في النهاية، و به قال المفيد و ابن الجنيد و ابن حمزة. و اختاره المصنف و العلامة و الشهيد؛ لأنه بيع صدر من أهله

____________

(16)- راجع المبسوط 2: 163.

13

- و هو البائع العاقل المختار، و كل من كان فيه هذه الصفات كان أهلا للبيع- في محله، و هي العين التي يصح تملكها و ينتفع بها قابلة للنقل من مالك إلى غيره.

و المانع عدم ملك البائع للعين، و هو لا يصلح للمانعية؛ لأنه لو أذن له في البيع قبل العقد جاز قطعا: فكذلك مع الإجازة بعد العقد؛ إذ لا فرق بينهما. و لما رواه عروة البارقي: «أن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أعطاه دينارا ليشتري به شاة فاشترى شاتين، ثمَّ باع إحداهما في الطريق، قال: فأتيت النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فأخبرته بالشاة و الدينار، فقال: بارك اللّه لك في صفقة يمينك» (17).

وجه الاستدلال أنه باع الشاة الثانية من غير إذن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، ثمَّ أجازه النبي (صلى اللّه عليه و آله)، فلو كان البيع باطلا لما أجازه النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

و قال في المبسوط و الخلاف: يقع باطلا. و اختاره: ابن إدريس و فخر الدين؛ للنهي عن التصرف في مال الغير (18)، و البيع تصرف. و لقوله (عليه السلام) لحكيم بن خزام: «لا تبع ما ليس عندك» (19)، و المعتمد الأول؛ لأن النهي عن التصرف في مال الغير إنما هو مع عدم الإذن، و الإجازة إذن.

فروع:

الأول: على القول بصحة البيع مع الإجازة، هل ينتقل إلى المشتري من حين العقد، أو من حين الإجازة؟

يحتمل الأول؛ لأن سبب الانتقال هو العقد المرضي به، و قد علمنا بالإجازة حصول الرضى، فتكون الإجازة كاشفة عن حصول الملك من حين العقد، كالإذن

____________

(17)- المستدرك، كتاب التجارة باب 18 من أبواب عقد البيع و شروطه، حديث 1.

(18)- الوسائل، كتاب الصلاة، باب 3 من أبواب مكان المصلي، حديث 1 و 3.

(19)- سنن الترمذي: ج 3، كتاب البيوع، باب كراهية بيع ما ليس عندك، حديث 1232.

14

السابق عليه.

و يحتمل الثاني: لأن الإجازة إما شرط أو جزء، و الشرط مقدم على المشروط، و المعلول مؤخر عن العلة، فلا يحصل الملك قبلها، و إلا لزم تقدم المشروط على شرطه، و المعلول على علته، و هو باطل.

و تظهر الفائدة في النماء، فإن قلنا بالانتقال من حين العقد، ثمَّ حصل للمبيع نماء فيما بين العقد و الإجازة، كان للمشتري. و على القول من حين الإجازة فهو للبائع. و كذلك الثمن لو (20) كان البيع بالعين ثمَّ حصل نماء قبل الإجازة، فعلى الأول النماء للبائع، و على الثاني للمشتري؛ لأن الانتقال الثمن مترتب على انتقال المثمن.

الثاني: هل يشترط ثبوت المجيز لعقد الفضولي في الحال؟

بمعنى أنه يشترط كون المالك بالغا عاقلا حتى تصح إجازته في الحال، أو لا يشترط، و توقف الإجازة إلى حين البلوغ و العقل، فإن أجازه حينئذ جاز، و إلا بطل؟

يحتمل الاشتراط؛ لأن البيع إذا بطل في وقت بطل دائما، و حال عدم المجيز تمتنع الصحة؛ لأنه لو أجاز حالة الصغر أو الجنون لم تصح الإجازة، و إذا بطل حالة العقد لعدم المجيز بطل فيما بعد ذلك، فلا يؤثر فيه الإجازة بعد البطلان.

و يحتمل عدم الاشتراط؛ لجواز تأخير الإجازة زمانا طويلا بعد العقد، و عدم وجوب مقارنتها للعقد، و إذا جاز تأخيرها للبالغ عن زمان العقد اختيارا و إن طال الزمان، ثمَّ يجيز بعد ذلك ما لم يرد، جاز كون العقد ليس له مجيز في الحال، لعدم اشتراط الإجازة في الحال. و الأول مذهب القواعد، و الثاني مذهب الدروس.

و على القول بالثاني، يمنع المشتري من التصرف في المبيع و الثمن معا إن اشترى بالعين، أما منعه من المبيع فلاحتمال عدم الإجازة، و أما منعه من الثمن

____________

(20)- في «ن»: و لو.

15

فلاحتمال الإجازة.

و لو تصرف ضمن العين و منافعها، و يرجع المالك على من شاء، و يستقر الضمان على المشتري. و كذا لو كان المالك بالغا رشيدا.

الثالث: لو باع مال غيره (21) ثمَّ ملكه قبل فسخ المالك و إجازته

، افتقر إلى الإجازة من البائع؛ لأنه باع و هو غير مالك، و لا بد من إجازة المالك، و قد صار مالكا فلا بد من إجازته.

و اختار فخر الدين نفوذ البيع من غير توقف على الإجازة على القول بصحة بيع الفضولي؛ لأن إجازة المالك موجبة لصحة فعل المباشر، فملك المباشر أبلغ بإيجاب الصحة.

و اشترط العلامة الشهيد الإجازة من غير تردد. و هو المعتمد؛ لما قلناه.

الرابع: لا فرق بين الغاصب و غيره في صحة بيعه

مع الإجازة.

الخامس: قال صاحب الدروس: و لو رتبت العقود على العين و الثمن

، فللمالك إجازة ما شاء، و مهما أجاز عقدا على المبيع صح و ما بعده خاصة، و في الثمن ينعكس. انتهى كلامه (رحمه اللّه).

بيانه: إذا باع الفضولي عبدا لزيد بجارية لعمرو مثلا، فالعبد هو المبيع و الجارية هي الثمن، فاذا بيع العبد مرارا، و بيعت الجارية مرارا، تخير زيد صاحب العبد في إجازة ما شاء من العقود المرتبة على المبيع و هو العبد، و على الثمن و هو الجارية.

فإذا أجاز عقدا على المبيع صح و ما بعده خاصة؛ لدخوله في ملك المشتري بالإجازة، فيصح تصرفه فيه.

و إذا أجاز عقدا على الثمن، صح و ما قبله خاصة؛ لتضمن الإجازة الملك، و لا

____________

(21)- في «ي 1»: الغريم.

16

يملك الثمن إلا بإجازة العقود السابقة، فتصح العقود السابقة و تبطل اللاحقة، لصدورها عن غير مالك و لا يعقبها إجازة مالك، فافهم ذلك.

[لا يرجع بالثمن مع العلم بالغصب]

قال (رحمه اللّه): و قيل: لا يرجع بالثمن مع العلم بالغصب.

أقول: إذا باع الغاصب العين المغصوبة و لم يجز المالك، استردها و جميع منافعها، و إن تلفت تخير في الرجوع على أيهما شاء، فإن رجع على المشتري، رجع المشتري على الغاصب- مع الجهل بالغصب- بجميع ما غرمه.

و إن كان عالما بالغصب، قال علماؤنا: لا يرجع على الغاصب بشيء؛ لأنه دفع المال بغير عوض، و أطلقوا القول في ذلك. و فصّل العلامة، قال: إن كان الثمن موجودا كان للمشتري أخذه، و إن كان تالفا لم يكن عليه شيء. و هو المعتمد؛ لأنه ملك له لم ينتقل إلى البائع؛ لوقوع العقد باطلا، فيتسلط على أخذه؛ لبقائه على ملكه، أما مع التلف فقد سلطه على تلفه مجانا؛ لعلمه بعدم استحقاق المبيع، فلا يستحق مطالبته بشيء.

تنبيه: قال الشيخ في النهاية: من غصب غيره مالا و اشترى به جارية

، كان الفرج له حلالا. قال العلامة في المختلف بعد أن ذكر مذهب ابن إدريس و مذهب الشيخ في المسائل الحائرية: كلام الشيخ في النهاية يحتمل أمرين:

أحدهما: ما ذكره في جواب المسائل الحائرية، فإن الشراء بالمال أعم من أن يكون بالعين أو في الذمة، و إن كان الأول هو الظاهر، لكن يمكن العدول عن الظاهر للعلم به.

الثاني: أن يكون البائع عالما بأن المال غصب، فإن المشتري حينئذ يبيح وطي الجارية، و عليه وزر المال.

و كلام العلامة هذا يدل على حصول الملك للمشتري بالعين المغصوبة مع

17

علم البائع بالغصب، و إلا لما جاز و طي الجارية، إذ جواز (أخذ الثمن مع جواز) (22) الوطي للمشتري يترتب على ثبوت الملك، و هو مناقض لتفصيله الذي فصّله، و هو جواز أخذ الثمن مع وجوده للعالم بغصب المبيع؛ لأن علة الجواز وقوع البيع فاسدا و عدم تملك البائع له.

و لا فرق بين غصب الثمن أو المثمن في عدم صحة البيع إذا وقع على العين، فالجمع بين جواز انتزاع عوض المغصوب مع بقاء عينه و العلم بالغصب، و بين جواز وطئه، مناقضة بينة.

اما على إطلاق الأصحاب عدم جواز الرجوع بعوض المغصوب مع العلم بالغصب، فربما يتمشى؛ لأنه قد ملك الجارية بغير عوض؛ لعلمه بعدم استحقاقه للعوض الذي قبضه مقابلها، فيكون قد دفعها إليه مجانا.

و المعتمد عدم جواز وطي هذه الجارية، لتوقف الإباحة على الملك أو على عقد النكاح أو التحليل، و لا هنا شيء منها، فيبقى على أصالة التحريم، إلا أن يكون المشتري بالذمة، فيباح له حينئذ و إن دفع المغصوب عوضا.

قال (رحمه اللّه): و هل يجوز أن يتولى طرفي العقد؟ قيل: نعم، و قيل: لا، و قيل: إن علم الموكل جاز، و هو أشبه.

أقول: قال الشيخ في المبسوط و الخلاف: لا يجوز لغير الأب و الجد تولي طرفي العقد، نعم لو و كله في ذلك جاز.

و هو اختيار المصنف؛ لأنه اشترط إعلام الموكل، و كذلك العلامة في القواعد.

احتج الشيخ بأنه لا دليل عليه، و تطريق التهمة اليه ببيعه على نفسه.

و ذهب أبو الصلاح الى الجواز مطلقا، و اختاره العلامة في المختلف، و فخر الدين في شرحه؛ لأنه أذن له في البيع مطلقا على كل مالك دافع للثمن،

____________

(22)- ما بين القوسين من «ر 1».

18

فيدخل الوكيل في هذا الإذن، و لقوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (23). و لا امتناع من كونه موجبا قابلا؛ لأنه موجب باعتبار البيع، قابل باعتبار الشرى، فهو قائم مقام شخصين، فلا مانع حينئذ. و هذا هو المعتمد. و قد أطلق ابن الجنيد المنع، و لم يقيده بعدم الإعلام و لا غيره.

[الوصي لا يمضي تصرفه إلا بعد الوفاة]

قال (رحمه اللّه): و الوصي لا يمضي تصرفه إلا بعد الوفاة، و التردد في توليه لطرفي العقد كالوكيل. و قيل: يجوز أن يقوّم على نفسه و أن يقترض إذا كان مليا.

أقول:

هاهنا مسألتان:

الأولى: في توليه طرفي العقد

، و الجواز مذهب الشيخ في النهاية، و العلامة و ابنه و الشهيد، و هو المعتمد؛ لما قلناه في حق الوكيل.

و قال ابن إدريس: الذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يجوز أن يشتريه لنفسه بحال؛ لأن الإنسان لا يجوز أن يكون موجبا قابلا في عقد واحد؛ لأن العقد لا يكون إلا بين اثنين، و لا يصح ذلك إلا ما خرج بإجماعنا، من الوالد إذا اشترى مال ولده الصغير، فلا نقيس غيره عليه بحال؛ لأنا لا نقول بالقياس في الشرعيات.

و الجواب: عدم امتناع أن يكون موجبا قابلا باعتبارين.

الثانية: في جواز الاقتراض مع الملاءة.

و هو المشهور بين الأصحاب، و هو مذهب الشيخ، و جزم به العلامة في القواعد. و هو المعتمد؛ لأنه أمين، له التصرف بجميع ما فيه غبطته للمولّى عليه، و لا يمنع جواز اقتراضه ما لم يخالف مصلحة المولّى عليه.

و منع من ذلك ابن إدريس و قال: هذا غير واضح و لا مستقيم، و لا يجوز له أن يستقرض شيئا من ذلك، سواء كان متمكنا في الحال من ضمانه و غرامته، أو لم يكن؛ لأنه أمين، و الأمين لا يجوز له أن يتصرف لنفسه على حال من الأحوال،

____________

(23)- البقرة: 275.

19

و انما أورد شيخنا ذلك إيرادا لا اعتقادا. و الجواب ما قدمناه.

قال (رحمه اللّه): و أن يكون المشتري مسلما إذا ابتاع مسلما، و قيل: يجوز و لو كان كافرا، و يجبر على بيعه من مسلم، و الأول أشبه.

أقول: عدم الجواز مذهب الشيخ رحمه الله، و اختاره المصنف و العلامة و الشهيد. و هو المعتمد، لقوله تعالى وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (24). و دخوله في ملك الكافر أعظم السبيل.

و احتج المجوزون بأن للكافر أهلية التملك، و العبد المسلم يصح تملكه، و السبيل ينتفي بإجباره على البيع، كما لو أسلم الكافر و هو في ملك كافر.

قال (رحمه اللّه): و لو ابتاع أباه المسلم، هل يصح؟ فيه تردد، و الأشبه الجواز؛ لانتفاء السبيل بالعتق.

أقول: منع الشيخ و ابن البراج من ذلك؛ لثبوت السبيل بدخوله في ملكه.

و ذهب المصنف و العلامة و الشهيد الى الجواز. و هو المعتمد؛ لأن في آن العقد لا سبيل له بدخوله عليه، و في الآن الثاني يعتق عليه، فلا يتحقق ثبوت السبيل، فلا يتحقق المانع.

قال (رحمه اللّه): و الأرض المأخوذة عنوة، و قيل: يجوز بيعها تبعا لآثار المتصرف، و في بيع بيوت مكة تردد، و المروي المنع.

أقول: من أصالة الجواز.

و من أن المفتوحة عنوة (25) ملك لجميع المسلمين، فلا يختص بها أحد دون غيره، فيصح بيع آثار التصرف، كالجدران و السقوف و غير ذلك، فتدخل الأرض تبعا لتلك الآثار.

____________

(24)- النساء: 141.

(25)- في «ي 1» بزيادة للناس.

20

و أمّا مكة فهي من المفتوحة عنوة أيضا، لقوله تعالى سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ (26).

و المسجد الحرام اسم لجميع الحرم؛ لقوله تعالى سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (27) و الإسراء كان من بيت خديجة، و روي (28) من شعب أبي طالب، و هما خارجان عن المسجد، فقد سماه الله تعالى مسجدا.

و المعتمد الجواز تبعا للآثار، فلو أوقع العقد على الأرض خاصة، لم يصح و كان باطلا، هذا على القول بأنها فتحت عنوة.

و على القول بأنها لم تفتح، بل طلبوا الأمان، فعقد لهم النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الأمان، و قال: «من دخل بيته فهو آمن، و من ألقى سلاحه فهو آمن، ثمَّ دخلها من غير قتال» (29). فعلى هذا يجوز بيع رقبة الأرض إذا قلنا بالفرق بينها و بين المسجد، و اختاره العلامة.

قال (رحمه اللّه): فلا يصح بيع الوقف ما لم يؤدّ بقاؤه إلى خرابه (لاختلاف بين أربابه) (30) و يكون البيع أعود، على الأظهر.

أقول: منع ابن الجنيد و ابن إدريس من بيع الوقف مطلقا؛ لرواية علي بن رئاب (31)، و لعدم الاختصاص؛ لمشاركة البطون المتجددة فيه، و لأنه مشروط بالتأييد، فلا يجوز تغيير شرطه.

____________

(26)- الحج: 25.

(27)- الاسراء: 1.

(28)- البحار 18: 380.

(29)- البحار 21: 119، 129.

(30)- ما بين القوسين من الشرائع.

(31)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 6 من أحكام الوقوف و الصدقات.

21

و أجاز المفيد و السيد بيعه إذا كان أنفع لأرباب الوقف من بقائه.

و المصنف اشترط في الجواز حصول الخراب مع إبقائه، و اختاره العلامة و أبو العباس. و هو المعتمد؛ لأنّ الغرض الأقصى من الوقف تحصيل منافعه، و قد تعذرت، فيجوز بيعه، و يشترى بثمنه ملك يستغله (32) الموقوف عليهم، و مهما أمكنت المماثلة بينه و بين الوقف كان أولى، و لا يجوز صرف ثمنه في غير ذلك مع التمكن.

[لا يجوز بيع أم الولد ما لم يمت]

قال (رحمه اللّه): و لا يجوز بيع أم الولد ما لم يمت، أو في ثمن رقبتها، مع إعسار مولاها، و في اشتراط موت المالك تردد.

أقول: منشؤه من عموم النهي عن بيع أمهات الأولاد، خرج منه جواز بيعها في ثمن رقبتها إذا مات مولاها و لم يخلف سواها، يبقى الباقي على المنع؛ و لأن مع حياة المولى للمال محل، و هو ذمة المولى. و من إطلاق الأصحاب جواز بيعها عند الإعسار بثمنها. و صرح ابن الجنيد بجواز بيعها في حال حياة سيدها مع الإعسار بثمنها، و لرواية زرارة (33)، عن الباقر (عليه السلام)، و هذا هو المعتمد.

تنبيه: يجوز بيع أم الولد في أماكن:

الأول: في هذه الصورة المذكورة

في هذا الكتاب.

الثاني: إذا مات ولدها

جاز بيعها عند الخاصة. و العامة يثبتون لها حكم الاستيلاد مع موت ولدها.

الثالث: إذا أسلمت تحت الذمي

بيعت عليه على المختار.

الرابع: إذا مات سيدها، و عليه دين يحيط بالتركة

و إن لم يكن ثمنا لها.

الخامس: إذا حملت بعد الارتهان

؛ لسبق حق المرتهن على الأقرب.

____________

(32)- من «م» و في الباقي من النسخ: يشغله.

(33)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 24 من بيع الحيوان، حديث 3.

22

السادس:

تباع في الجناية.

السابع: إذا أعسر مولاها عن نفقتها

دفعا للضرورة.

الثامن: تباع إذا حملت بعد التفليس و الحجر على أمواله

؛ لسبق حق الغرماء على الاستيلاد.

التاسع: تباع على من تنعتق عليه بالملك على الأقرب

؛ لحصول المطلوب، و هو العتق.

العاشر: تباع إذا ارتد ولدها عن فطرة

؛ لمساواة الارتداد للموت.

الحادي عشر: تباع إذا كان ولدها كافرا و هناك ورثة مسلمون

؛ لعدم إرثه منها.

الثاني عشر: تباع إذا كان ولدها قاتلا عمدا

، لعدم ميراثه منها أيضا.

و بالجملة: كل موضع يمنع ولدها من الإرث فإنه يجوز بيعها؛ لأنها إنما تنعتق من نصيب ولدها، فإذا لم يكن له نصيب لم تنعتق و جاز بيعها.

[لا يمنع جناية العبد في بيعه و لا عتقه]

قال (رحمه اللّه): و لا يمنع جناية العبد في بيعه و لا عتقه، عمدا كانت الجناية أو خطأ، على تردد.

أقول:

البحث هنا في موضعين:

الأول: في بيع الجاني

، و لا خلاف في جواز بيعه إذا كانت الجناية خطأ أو شبه العمد، و يضمن المولى أقل الأمرين من قيمته و دية الجناية، و لو امتنع كان للمجني عليه أو وليه (34) انتزاع العبد، فيبطل البيع، و كذا و لو كان المولى معسرا، و للمشتري الفسخ مع الجهالة؛ لتزلزل ملكه ما لم يفده المولى.

و إذا كانت الجناية عمدا، قال الشيخ: لا يصح بيعه؛ لأنه مستحق للقتل.

و المشهور الجواز؛ لأنه لم يخرج باستحقاقه للقتل عن ملك مالكه، و لأصالة

____________

(34)- في «م» و «ي 1»: أولوية.

23

الصحة، و لعدم إسقاطه (35) لحق المجني عليه، فلا مانع منه. و إذا باعه كان مراعى، فإن قتل أو استرق بطل البيع، و إن عفى الولي أو صالح على مال التزمه (36) المالك لزم البيع.

الموضع الثاني: في جواز عتق العبد الجاني

، و قد اختلف الفقهاء في ذلك قال الشيخ في المبسوط: الذي يقتضيه مذهبنا أن الجنابة إن كانت عمدا نفذ العتق؛ لأن حق المجني عليه من القود لا يبطل بصيرورته حرا، و إن كانت خطأ لم ينقض؛ لأنها تعلقت برقبته، و العتق يمنع الاسترقاق. و قال في النهاية بجواز عتقه إذا كانت خطأ، و يلزم المعتق الدية؛ لأنه عاقلة العبد. و ابن إدريس قوّى مذهب المبسوط.

و قال العلامة في المختلف: المعتمد أن يقول: إن كانت عمدا لم يصح عتقه إلا أن يجيز أولياء المقتول، و إن كانت خطأ و كان موسرا جاز، و إلا فلا.

و في القواعد أجاز العتق إن كانت خطأ بشرطين: إما دفع الدية قبل العتق، أو يضمنها و يرضى الولي بالضمان لا بدونهما. و هو يدل على عدم جواز عتقه في العمد و الخطأ معا؛ لأن مع حصول أحد الشرطين لا كلام في صحة العتق؛ لزوال تعلق الجناية برقبة العبد، أما مع أداء المال فظاهر. و أما مع الضمان فلأن الضمان مع رضي الولي ناقل للأرش من رقبة العبد إلى ذمة المولى، فلا كلام في جواز العتق بعد أحد هذين الشرطين. و هذا هو المعتمد.

أما عدم جوازه في العمد؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط حق المجني عليه؛ لأنه مخيّر بين قتله و بيعه و استرقاقه، و العتق يمنع من البيع و الاسترقاق، و كل تصرف يمنع حق الغير فهو باطل.

____________

(35)- هامش «ر 2»: استحقاقه.

(36)- في «ن» و «ر 1»: ألزمه.

24

و أما عدم جوازه في الخطأ [ف] لأن الجناية متعلقة برقبته، و مع عدم افتكاك المولى له، فهو مخير بين البيع و الاسترقاق، و العتق يمنع من ذلك فيكون باطلا.

قال (رحمه اللّه): و لو باع ما يتعذر تسليمه إلا بعد مدة، فيه تردد، و لو قيل بالجواز مع ثبوت الخيار للمشتري كان قويا.

أقول: منشؤه من أصالة الصحة، و كونه مالا مملوكا مقدورا على تسليمه بعد مدة فيصح بيعه، و يثبت الخيار للمشتري مع عدم العلم. و هو المعتمد. و من أن القدرة على تسليمه شرط في صحة البيع، و هو غير مقدور على تسليمه في الحال، فلا يصح بيعه.

قال (رحمه اللّه): فلو باع بحكم أحدهما لم ينعقد، و لو تسلمه المشتري فتلف، كان مضمونا عليه بقيمته يوم قبضه، و قيل: بأعلى القيم من يوم قبضه إلى يوم تلفه، و إن نقص فله أرشه، و إن زاد بفعل المشتري كان له قيمة الزيادة و إن لم يكن غنيّا.

أقول: إذا باع بحكم أحدهما أو ثالث، كان البيع باطلا، فإن قبضه المشتري كان للبائع انتزاع العين مع بقائها، فإن تلفت كانت مضمونة على المشتري.

و هل يضمنها بأعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف، أو بقيمتها يوم قبضها؟ اختلف الأصحاب في ذلك.

ذهب الشيخ إلى ضمانها بالصحة يوم قبضها؛ لأنه وقت الحيلولة.

و ذهب ابن إدريس إلى ضمانها بأعلى القيم؛ لأنها مضمونة عليه في جميع الحالات؛ لعدم انتقالها عن ملك البائع بالقبض، و عدم دخولها في ملك المشتري، و من جملة الحالات الحالة العليا، فتكون مضمونة عليه بقيمتها تلك الحالة. و هذا هو المعتمد.

25

و إذا انتزع العين مع بقائها، هل يرد عليه ما زاد بفعله، سواء كان أثرا كتعليم الصنعة أو عينا كالصبغ؟ قولان:

أحدهما، لا يرد عليه شيئا؛ لأنه وضعه في ملك غيره بغير إذنه، و لا يمكن انفصاله، فلا شيء له، سواء كان أثرا أو عينا.

و قيل: يكون شريكا بنسبة الزيادة، سواء كانت عينا أو أثرا؛ لأنه لم يتبرع (37) بها، و لم يخرج عن ملكه بإضافتها إلى ملك الغير، و المنع من التصرف لا يرفع الملك عن مستحقه. اما لو كانت الزيادة لا بفعله كالسمن فإنه لا يكون شريكا بشيء قطعا. و هذا هو المعتمد.

قال (رحمه اللّه): و لو اختلفا فيه، فالقول قول المبتاع مع يمينه، على تردد.

أقول: إذا شاهد المشتري المبيع، ثمَّ اشتراه بعد مدة يمكن فيها تغيره عن الصفات التي شاهده عليها، ثمَّ اختلفا في تغير الصفات، احتمل أن يكون القول قول البائع؛ لأصالة بقاء الصفات المعلومة بينهما. و احتمل أن يكون القول قول المشتري، لوجوب تسليم المبيع على تلك الصفات المعهودة، و لم يثبت، فيكون القول قوله؛ لأصالة عدم وصول حقه اليه.

قال (رحمه اللّه): و هل يصح شراؤه من غير اختبار و لا وصف على أن الأصل الصحة؟ فيه تردد، و الأولى الجواز.

أقول: قال الشيخان: كل شيء من المطعوم و المشروب يمكن للإنسان اختباره من غير إفساد له، كالأدهان الطيبة المستخبرة بالشم، و صنوف الطيب، و الحلاوات، و الحموضات، فإنه لا يجوز بيعه بغير اختبار (38)، و به قال أبو الصلاح و القاضي و ابن حمزة و سلّار؛ لان الاختبار شرط في صحة البيع مع إمكانه، و هذا

____________

(37)- في بعض النسخ: ينزع.

(38)- في «ي 1» و «م»: إلا بعد اختباره.

26

يمكن اختباره، فلا يصح بيعه من غير اختبار.

و ذهب المصنف إلى صحة البيع و ثبوت الخيار مع خروجه معيبا، و اختاره العلامة، لأصالة الصحة، و لأنها عين مشاهدة فيصح بيعها، و لأنه لو باعها بالوصف مع غيبتها صح البيع، و ثبت الخيار مع ظهورها على غير وصفها، فمع مشاهدتها يكون صحة البيع أولى، لزيادة العلم بالعين مع الحصول على العلم بالوصف مع الغيبة، فالفرق غير لائق. و هذا هو المعتمد، لكن إذا تصرف ثمَّ ظهر معيبا ثبت الأرش دون الرد، و لا فرق في ذلك بين الأعمى و غيره، خلافا لسلّار حيث أثبت للأعمى الرد و إن تصرف.

قال (رحمه اللّه): و لا يجوز بيع سمك الآجام و إن كان مملوكا، لجهالته و إن ضم إليه القصب أو غيره، على الأصح.

أقول: جواز بيعه منضما إلى القصب أو غيره مذهب الشيخ في النهاية، و به قال ابن البراج و ابن حمزة.

و عدم جوازه مطلقا مذهب الشيخ في المبسوط، و أختاه ابن إدريس و المصنف، لأن المجهول إذا أضيف إلى المعلوم أو بالعكس حصل جهالة الجميع، فيبطل البيع، لاشتراط العلم بالمبيع.

و فصّل العلامة في المختلف، قال: «إن كان المقصود بالبيع هو المضاف إلى السمك، و يكون السمك تابعا صح البيع، و بالعكس لا يصح»، و اختاره أبو العباس.

و هو المعتمد، لأن المعلوم إذا كان هو المقصود من البيع لا يضر جهالة الضميمة، كالحامل مع حملها، و الأرض مع البذر الذي فيها قبل نباته، و ما شابه ذلك.

قال (رحمه اللّه): و كذا الجلود و الأصواف و الأوبار و الشعر على الأنعام، و إن ضم إليه غيره، و كذا ما في بطونها، و كذا إذا ضمهما، و كذا ما يلقح الفحل.

أقول: أما بيع الأصواف و الأوبار و الشعر على ظهور الأنعام، فقد منع منه

27

الشيخ و أبو الصلاح و ابن البراج إلا مع الضميمة. و المصنف جزم بالمنع و إن ضم إليه غيره.

و جوّزه المفيد و ابن إدريس و إن لم يضم اليه غيره، و اختاره العلامة.

و هو المعتمد، لأصالة الجواز، و لصدور العقد من أهله في محله، و المانع إنما هو الجهالة لا غير، و الجهالة [غير] متيقنة، لحصول المشاهدة الرافعة للجهالة.

لا يقال: إنه موزون، و لا يعرف وزنه و هو على ظهور الانعام، فلا يصح بيعه، لجهالته من حيث الوزن.

لأنا نقول: الوزن إنما يكون شرطا فيه بعد جزّه لا قبله، كالتمرة، فإنه يجوز بيعها على رؤوس النخل مع المشاهدة، و هي مما يكال و يوزن.

و قوله: (و كذا ما في بطونها و كذا إذا ضمهما).

الضمير في (ضمهما) عائد إلى (ما في البطون، و ما على الظهور)، و ليس مراده عدم جواز ضمهما إلى ذوات البطون و الظهور، لأن ذلك جائز قطعا، بل مراده عدم جواز شراء ما على ظهور الأنعام منضما الى ما في بطونها من غير أن تكون الأنعام داخلة في البيع، لأن انضمام المجهول الى المجهول لا يصير معلوما.

و قال الشيخ بالجواز لما رواه إبراهيم الكرخي: «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل اشترى من رجل أصواف مائة نعجة و ما في بطونها من حمل بكذا و كذا درهما؟ قال: لا بأس بذلك إن لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله [في] الصوف» (39).

و ابن إدريس و المصنف و العلّامة لم يعولوا على هذه الرواية.

[المسك طاهر، و يجوز بيعه في فأره و إن لم تفتق]

قال (رحمه اللّه): المسك طاهر، و يجوز بيعه في فأره و إن لم تفتق، و فتقه أحوط.

____________

(39)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 10، عقد البيع و شروطه، حديث 1.

28

أقول:

البحث هنا في موضعين:

الأول: في طهارته

، و هو المشهور بين الأصحاب، لأن الغزال تلقيه كما تلقي الولد، و الدم النجس انما هو الدم المسفوح، لأن الكبد حلال طاهر و هو دم.

الثاني: في بيعه في فأره مع عدم الفتق

، و إن كان الفتق أحوط، و هو قول الشيخ (رحمه اللّه)، و تابعه بقية الأصحاب، لأن البقاء في فأره مصلحة له، لأنه يحفظه رطوبته و ذكاء رائحته. و منع أكثر أصحاب الشافعي من بيعه قبل فتقه، لبقائه و بقاء رائحته مع خروجه من فأره، فلا يصح بيعه مستورا في فأره لجهالة صفته.

قال (رحمه اللّه): و الرابح على المؤمن إلا مع الضرورة.

أقول: يجوز الريح من غير كراهية في أماكن:

أحدها: حال ضرورة البائع.

الثاني: أن يشتري بأكثر من مائة درهم شرعية، و في هذين يربح عليه (قوت يومه و ليلته لا غير، و الزيادة على ذلك مكروه.

الثالث: إذا اشترى المؤمن للتجارة، فهنا لا يكره الربح عليه) (40) و لا يتقدر بقدر إلا أنه يستحب له أن يرفق به.

[الزيادة في السلعة وقت النداء، و دخول المؤمن في سوم أخيه، و أن يتوكل حاضر لباد]

قال (رحمه اللّه): الزيادة في السلعة وقت النداء، و دخول المؤمن في سوم أخيه على الأظهر، و أن يتوكل حاضر لباد، و قيل: يحرم، و الأول أشبه.

أقول: هنا ثلاث مسائل:

الأولى: الزيادة وقت النداء

، قال الشيخ في النهاية: فإذا نادى المنادي على المتاع، فلا يزيد في المتاع، فاذا سكت المنادي زاد حينئذ إن شاء. و ظاهر هذا

____________

(40)- ما بين القوسين لم يرد في «ن».

29

الكلام تحريم الزيادة في السلعة وقت النداء عليها، لما رواه الشعيري (41) عن الصادق (عليه السلام)، «قال: إذا نادى المنادي فليس لك أن تزيد، فإذا سكت فلك أن تزيد» (42)، و المشهور الكراهية للأصل. و ابن إدريس منع من الكراهية و التحريم معا.

الثانية: الدخول في سوم المؤمن

، و حرمه الشيخ في المبسوط، لقوله (عليه السلام): «لا يسوم أحدكم على أخيه» (43). و المشهور الكراهية للأصل.

تنبيه: التحريم أو الكراهية على الخلاف، انما يكون بعد تراضيهما على الثمن

و قطع المزايدة و المجاذبة بينهما، فإذا استقر البيع على ثمن و ما عاد إلا إيقاع العقد بينهما، فحينئذ يحرم الدخول أو يكره على الخلاف.

و قيل: ذلك لا يحرم و لا يكره، لعموم قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (44). و للأصل.

الثالثة: في توكل الحاضر للبادي

، و البحث هنا في موضعين:

الأول: في أنه هل هو محرم أو مكروه؟ و بالتحريم قال الشيخ في الخلاف، لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «لا يبيعن حاضر لباد» (45)، و ظاهر النهي التحريم. و المشهور الكراهية للأصل.

الثاني: في تفسيره، قال في المبسوط: و لا يتبع حاضر لباد، و معناه أن لا يكون سمسارا له، بل يتركه أن يتولى بنفسه ليرزق اللّه بعضهم من بعض، فإن

____________

(41)- في المصدر الشعيري.

(42)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 49، آداب التجارة، حديث 1، و ليس فيه قوله: «فاذا سكت. إلخ».

(43)- مستدرك الوسائل، كتاب التجارة، باب 37، آداب التجارة، حديث 1.

(44)- البقرة: 275.

(45)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 37، آداب التجارة، حديث 1.

30

خالف أثم و كان بيعه صحيحا، و ينبغي أن يتركه في المستقبل، هذا إذا كان ما معهم يحتاج أهل الحضر إليه، و في فقده إضرار لهم، فأمّا إذا لم يكن لهم حاجة ماسة، فلا بأس أن يبيع له. هذا آخر كلامه (رحمه اللّه).

قيّد النهي بحاجة أهل البلد الى ما عند البدوي. و منع في الخلاف، سواء كان في الناس حاجة أو لم يكن. و ابن حمزة قيده في البدو دون الحضر (46).

و لابن إدريس هنا كلام طويل تركنا إيراده حذرا من أن يطول الكتاب.

و المعتمد ما قاله المصنف، و لا فرق بين الحضر و السفر، و لا بين أن يكون في الناس حاجة أو لم يكن، لعموم النهي.

[لا يثبت للبائع خيار، إلا أن يثبت الغبن الفاحش]

قال (رحمه اللّه): و لا يثبت للبائع خيار، إلا أن يثبت الغبن الفاحش، و الخيار فيه على الفور مع القدرة، و قيل: لا يسقط إلا بالإسقاط و هو الأشبه، و كذا حكم النجش، و هو أن يزيد لزيادة من واطأه البائع.

أقول:

هنا مسألتان:

الأولى: في تلقي الركبان

، و جزم المصنف هنا بالكراهية، و صحة البيع و لزومه إلا مع الغبن، فيثبت الخيار على الفور. و قيل: لا يسقط إلا بالإسقاط لثبوته بظهور الغبن، و الأصل بقاؤه ما لم يسقطه مستحقه. و الأول هو المعتمد، لأن ثبوت الخيار على خلاف الأصل، لأن الأصل في العقود اللزوم، فإذا ثبت الخيار بالغبن دفعا للضرر المنفي، ثبت على الفور، لحصول الاتفاق على جواز الخيار حالة العلم بالغبن، فيقتصر عليه، لأن جوازه بعد ذلك مشكوك فيه، فلا يرجع عن الأصل المتيقن إلا إلى متيقن مثله، لا إلى ما هو مشكوك فيه.

و قال ابن إدريس: التلقي محرم، و البيع صحيح، و يتخير البائع.

و قال ابن الجنيد: يمضي بيع من يلقى الركبان خارجا عن المصر بأربعة

____________

(46)- في «ي 1»: البدوي دون الحضري.

31

فراسخ.

فظهر أن مذهب ابن إدريس تحريم التلقي و صحة البيع مع ثبوت الخيار فيه مطلقا، سواء كان فيه غبن أو لم يكن. و مذهب ابن الجنيد التحريم و عدم صحة البيع. و ذهب العلامة الى ما اختاره المصنف، و هو كراهية التلقي و صحة البيع و لزومه الا مع الغبن، فيثبت الخيار. و هو المعتمد.

الثانية: في النجش

: و هو أن يزيد الإنسان في سلعة و هو لا يريد الشراء، بل قصدا لتغرير الغير ببذل الزيادة، و عدّه المصنف هنا من المكروهات، و أكثر فتاوي الأصحاب على التحريم، قال أبو العباس: و لا أعلم لتحريمه خلافا.

و أما البيع مع النجش فقد أبطله ابن الجنيد إذا كان من البائع، قال: لأنه يجري مجرى الغش و الخديعة، فإذا كان من الواسطة لزم البيع، و لزمه الدرك إن أدخله على المشتري. و في الخلاف أطلق ثبوت الخيار، قال: لأنه عيب، و لم يقيد بالغبن و عدمه، ثمَّ قال بعد الإطلاق: و إن قلنا لا خيار، لأن العيب ما تعلق بالمبيع و هذا ليس كذلك، كان قويا. و المعتمد ثبوت الخيار مع الغبن و إلا فلا. و الخيار مع ثبوت (47) الغبن على الفور، كما ذهب إليه الشيخ و ابن إدريس، و اختاره العلامة لما قلناه في المسألة السابقة. و فخر الدين اختار ما رجحه المصنف، و هو ثبوته ما لم يسقطه مستحقه.

[الاحتكار]

قال (رحمه اللّه): الاحتكار مكروه، و قيل: حرام، و الأول أشبه، و إنما يكون في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن، و قيل: و في الملح بشرط أن يستبقيها للزيادة في الثمن و لا يوجد باذل، و شرط آخرون أن يستبقيها في الغلاء ثلاثة أيام، و في الرخص أربعين يوما، و يجبر المحتكر على البيع، و قيل: يسعر عليه، و الأول أظهر.

____________

(47)- ما بين القوسين لم يرد في «ن».

32

أقول:

البحث هنا في مسائل:

الأولى: في الاحتكار، هل هو محرم أو مكروه؟

و بالتحريم قال محمد بن بابويه و ابن البراج، و هو ظاهر ابن إدريس. و بالكراهية قال الشيخان، و اختاره المصنف و العلّامة. و استدل الفريقان بالروايات (48)، مع اعتضاد الكراهية بأصالة عدم التحريم.

الثانية: في محله

، قال الشيخ في النهاية: إنما يكون في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن. و تبعه ابن البراج و ابن إدريس على الاقتصار على هذه الخمسة.

و أضاف ابن حمزة الملح إلى هذه الخمسة. و اختاره (العلامة في القواعد، و ابن بابويه أضاف إلى الخمسة الزيت دون الملح، و ظاهر المصنف اختيار مذهب النهاية.

كذلك) (49) العلامة في المختلف.

الثالثة: في حدّ الاحتكار

، و حدّه الشيخ في الغلاء بثلاثة أيام، و في الرخص بأربعين يوما، و تبعه ابن البراج. و المفيد لم يحدّه بشيء، بل أطلق كراهيته مع الغلاء، و جوازه من غير كراهية في الرخص، و اختاره المصنف و العلامة.

الرابعة: يجبر المحتكر على البيع عند الحاجة إليه

إجماعا. و هل يسعر عليه؟

فيه خلاف، و في القواعد قال: يسعر عليه إن أجحف لا مع عدم الإجحاف، و هو مذهب ابن حمزة، و اختاره أبو العباس. و هو المعتمد، و مستند الجميع الروايات (50).

____________

(48)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 27، 29، آداب التجارة.

(49)- ما بين القوسين من «م» و «ر 2» و «ن».

(50)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 29، 30، آداب التجارة.

33

في الخيار

[يسقط باشتراط سقوطه في العقد]

قال (رحمه اللّه): و يسقط باشتراط سقوطه في العقد، و بمفارقة كل واحد صاحبه و لو بخطوة، و بإيجابهما إياه أو أحدهما و رضى الآخر.

أقول: معنى الإيجاب هنا الالتزام بالعقد بعد وقوعه، بأن يقولا: التزمنا بالعقد أو يقول أحدهما و يرضى الآخر، و إنما سمي الالتزام إيجابا، لأنه يوجب عليهما التمسك به، فهو من باب الواجب، و هو الإلزام للمكلف، لا من باب الإيجاب الموضوع لنقل الأعيان مع القبول.

تنبيه [عدم سقوط خيار الغبن و العيب و الرؤية]

إذا التزما بالعقد بعده، سقط خيار المجلس، و خيار الثلاثة في الحيوان، و خيار الشرط، إذا التزما بعده، و لا يسقط خيار الغبن و لا خيار العيب و لا خيار الرؤية، و الفرق أن خيار المجلس و خيار الثلاثة في الحيوان أثبته الشارع للإرفاق بالمكلّف، بحيث يتروى بما هو أصلح له، فيعمل عليه، فإذا أسقطاه بعد علمهما بثبوته لهما فقد اختارا ترك هذا الإرفاق فيسقط، لأن الإنسان مسلّط على حقه، إن شاء أسقطه و إن شاء أبقاه، و كذلك خيار الشرط أيضا، لأنه ثبت لهما أو لأحدهما باختيارهما، فإذا اختارا إسقاطه سقط، و أمّا خيار العيب

34

و الغبن و الرؤية، فإن الشارع قد أثبته دفعا للضرر، و لا يعلمان بثبوته حالة العقد، فلا يسقط بالالتزام حينئذ، و لو شرطا في العقد سقوط هذه الثلاثة، بطل الشرط و العقد على الخلاف، أمّا بطلان الشرط فلما يتضمن من الغرر المفضي إلى الضرر، و أمّا بطلان العقد فلعدم الرضى بدونه.

قال (رحمه اللّه): و لو قال: اختر، فسكت، فخيار الساكت باق، و كذا الآخر و قيل فيه: يسقط، و الأول أشبه.

أقول: عدم السقوط مذهب الشيخ في الخلاف و المبسوط، و اختاره المصنف و العلامة. و هو المعتمد، لعموم قوله (عليه السلام): «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (51)، و لأنه خيره فلم يختر، فلم يؤثر الخيار.

و قيل: يسقط خيار القائل، لما روي عنه (عليه السلام) أنه قال: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر» (52)، و لأنه جعل لصاحبه ما ملكه من الخيار، فيسقط خياره، و لا فرق بين قوله: اختر الفسخ أو الإمضاء، أو اختر و اقتصر.

قال (رحمه اللّه): و لو كان العاقد واحدا عن اثنين كالأب و الجد، كان الخيار باقيا ما لم يشترط سقوطه، أو يلتزم به عنهما بعد العقد، أو يفارق المجلس الذي عقد فيه على قول.

أقول: هذا القول نقله الشيخ في المبسوط و لم يسم قائله، و ابن البراج نقل لفظ الشيخ بعينه، و العلّامة نقل لفظ المصنف هنا، و ظاهرهما ترجيح هذا القول، و فرع العلّامة احتمال ثبوت الخيار دائما و عدم ثبوته أصلا. فأمّا وجه ثبوته دائما، [ف] لأن العاقد عن اثنين قائم مقامهما، و خيار المجلس ما داما مصطحبين، و هو

____________

(51)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 1، أبواب الخيار، حديث 3.

(52)- المستدرك، كتاب التجارة، باب 2، أبواب الخيار، حديث 3.

35

مصاحب لنفسه دائما، فيثبت الخيار دائما ما لم يسقطه أو يلتزم بالبيع.

و أمّا وجه سقوطه أصلا كون الخيار على خلاف الأصل؛ لأن الأصل في العقود اللزوم، و إنما يثبت خيار المجلس للمتبايعين، و العاقد هنا واحد، فلا خيار في عقده لتقييد (53) الخيار بالاثنينية، و هي منتفية هنا. و وجه سقوطه بمفارقة مجلس العقد؛ لأنه قائم مقام اثنين و قد فارق المجلس، فيبطل الخيار؛ لسقوطه بمفارقة المجلس إلا مع الاصطحاب، و الاصطحاب هنا ممتنع؛ لكونه بين اثنين فصاعدا، فيمتنع بقاء الخيار. و هو المعتمد.

[خيار الحيوان]

قال (رحمه اللّه): خيار الحيوان: و الشرط فيه كله ثلاثة أيام للمشتري خاصة دون البائع على الأظهر.

أقول: اختصاصه بالمشتري مذهب الشيخين و سلّار و ابن بابويه و ابن الجنيد و ابن البراج و ابن إدريس و المصنف و العلّامة.

و هو المعتمد، لأن حكمة ثبوته أن عيب الحيوان قد يخفى و لا يظهر كظهوره في غير الحيوان، فأثبت الشارع فيه الخيار مدة ثلاثة أيام، لإمكان ظهور عيب خفي في مدة الثلاثة، و هذه الحكمة منتفية عن البائع، لاطلاعه على عيوبه دون المشتري، فيختص الخيار بالمشتري دون البائع.

و قال المرتضى: إنه مشترك بينهما، لأنه أحد المتبايعين فكان له الخيار كالآخر، و في الطرفين روايات (54).

فرع: إذا باعه حيوانا بحيوان

، فعلى مذهب السيد لكل منهما الخيار و لا بحث، و على المشهور من اختصاصه بالمشتري، هل يختص به هنا؟

____________

(53)- في «ن»: لتقيد.

(54)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 1 من أبواب الخيار، 1 و 3 و 5، و باب 3 حديث 1، 2، 3، 9، و باب 4.

36

يحتمل ذلك، لعموم قولهم: للمشتري (1)، دون البائع، فيكون المشتري منشئ القبول، و يحتمل ثبوت الخيار لهما، لاشتراكهما في الحكمة الموجبة ثبوت الخيار في الحيوان، و هي التروي مدة ثلاثة أيام، لإمكان الظهور فيها على عيب خفي في الحيوان لا يظهر حالة العقد، و إذا اشتركا في العلة الموجبة لثبوت الخيار اشتركا في الخيار. و هو المعتمد.

[خيار الغبن]

قال (رحمه اللّه): و من اشترى شيئا، و لم يكن من أهل الخبرة، و ظهر فيه غبن لم تجر العادة بالتغابن به، كان له فسخ العقد إذا شاء، و لا يسقط ذلك بالتصرف إذا لم يخرج عن الملك، أو يمنع مانع من ردّه، كالاستيلاد في الأمة و العتق، و لا يثبت به أرش.

أقول: هذه المسألة لم يتردد المصنف فيها، و لكنها من المسائل الجليلة التي تفتقر الى كشف و إيضاح، فهي مشتملة على

مباحث:

«أ»: حقيقة الغبن

نقص قيمة أحد العوضين عن العوض المسمّى في العقد نقصا لا يتسامح بمثله عادة، مع جهل من صار إليه الناقص، و إنما يثبت به الخيار دون الأرش، لأن الأرش عوض عن جزء فائت في العين أو صفاتها، و الغبن ليس كذلك، فلهذا لم يثبت الأرش.

«ب»: ثبوت الخيار مع الغبن

هو المشهور بين الأصحاب، و يظهر من كلام ابن الجنيد عدم ثبوته، لأن البيع مبني على المكاسبة (55) و المغالبة، و ثبوت الخيار مع الغبن ينفي ذلك. و قال الشهيد في الدروس: و ربما قال المحقق (في الدرس) (56) بعدم خيار الغبن، إشارة إلى مصنف هذا الكتاب المشروح. و المعتمد الثبوت.

____________

(1)- الوسائل- كتاب التجارة- باب 3 من أبواب الخيار.

(55)- في «ن»: المكايسة.

(56)- من «ن».

37

«ج»: لا يبطل هذا الخيار بالتصرف غير الناقل و اللازم من المغبون

، و لا يبطل بالتصرف الصادر من الغابن مطلقا.

و تحقيق البحث

أنّ التصرف لا يخلو إمّا أن يكون من الغابن فيما غبن فيه، أو من المغبون فيما غبن فيه.

الأول: أن يكون من الغابن في عوض ما دفعه إلى المغبون

، بأن يشتري عينا رخيصة و يتصرف فيها، و التصرف لا يخلو إمّا أن يكون ناقلا أو غير ناقل، و على التقديرين لا يخلو، إما أن يتعلق بالعين أو بالمنافع،

فالأقسام أربعة:

«أ»: أن يتعلق بالعين و يكون ناقلا لازما

كالبيع بعد الخيار، و الهبة مع القبض، و الوقف و العتق و ما شابه ذلك، و هذا التصرف لا يسقط حق المغبون من الفسخ، لكنه يسقط حقه من العين، و يثبت له مع الفسخ القيمة للحيلولة، و لو كان خيار المجلس أو الحيوان أو الشرط باقيا أو الهبة لم تقبض، ألزم الغابن بالفسخ، ليأخذ المغبون عين ما له، و للمغبون أن يفسخ بنفسه، لتعلق حقه بالعين مع إمكان انتزاعها و هو ممكن هنا، و لا يتوقف على إذن الغابن.

«ب»: أن يتعلق بالعين و لا يكون ناقلا

، كوطي الأمة مع عدم الإحبال، و قصارة الثوب و صبغه و خياطته، و هذا التصرف غير مانع من أخذ العين، و يكون شريكا بنسبة الزيادة التي حصلت بفعله، سواء كانت عينا كالصبغ و التطريز، أو أثرا كتعليم الصنعة.

«ج»: أن يتعلق بالمنافع

، و يكون ناقلا لازما كالإجارة، و هذا التصرف لا يمنع من الفسخ، و مع الفسخ لا يسقط حق المستأجر، بل يفيد نقل العين الى المغبون، و يكون عليه الصبر مجانا حتى تنقضي مدة الإجارة، و يجب عليه رد العوض عاجلا من حين الفسخ لانتقال العين إليه بالفسخ، فلا يجب على الغابن الصبر بالعوض، و لا يجوز له تأخير الفسخ إلى حين انقضاء مدة الإجارة، لأنه

38

على الفور.

«د»: أن يتعلق بالمنافع و لا يكون لازما

كالعارية، فللمغبون الفسخ و انتزاع العين.

الثاني: أن يكون التصرف من المغبون في عوض ما غبن فيه

، و هو لا يخلو عن الأقسام الأربعة السابقة، لكن الحكم مختلف، فالتصرف إن كان لازما أسقط الخيار، سواء كان واردا على العين، كالبيع بعد مضي الخيار، و الهبة مع القبض، و العتق و الوقف و ما شابه ذلك، أو على المنافع كالإجارة إلا إذا لم يعلم بالغبن إلا بعد انقضاء مدة الإجارة فله الفسخ، و سواء كان ناقلا للعين و المنافع، كالأمثال المتقدمة أو للعين خاصة، كمن باع و استثنى المنافع مدة معلومة، أو للمنافع خاصة، كالحبس مدة معلومة، أو كان لازما غير ناقل للعين و لا للمنافع، كالإحبال للأمة، فهذه الصور كلها مسقطة للفسخ، و لا يسقط بغير اللازم، سواء ورد على العين، أو المنافع، كالبيع في مدة الخيار، و الهبة قبل القبض و العارية.

و الضابط: كل موضع يتمكن من دفع العين حالة الفسخ، فالخيار ثابت، و ما لا فلا، و لا يسقط الخيار بدفع الغابن التفاوت لثبوته بظهور الغبن، فلا يسقط إلا باختيار المغبون.

خيار التأخير

قال (رحمه اللّه): من باع و لم يقبض الثمن، و لا سلّم المبيع، و لا اشترط تأخير الثمن، فالبيع لازم ثلاثة أيام، فإن جاء المشتري بالثمن، و إلا كان البائع أولى بالمبيع، و لو تلف كان من مال البائع في الثلاثة و بعدها، على الأشبه.

أقول: لا خلاف في لزوم البيع إلى تمام ثلاثة أيام، و إنما الخلاف في موضعين:

الأول: هل يبطل العقد بعد الثلاثة، أو يصير الخيار للبائع، بين إبقاء العقد

39

و فسخه؟ قال ابن الجنيد بالأول، لرواية زرارة (57)، عن الباقر (عليه السلام)، و المشهور الثاني، و هو المعتمد، لوقوع العقد صحيحا، و الأصل بقاؤه ما لم يحصل الفسخ.

الثاني: لو تلف المبيع قبل القبض فان كان بعد الثلاثة كان من مال البائع إجماعا، لأن الشارع قد جعل له مندوحة الفسخ و الانتفاع بعينه فلم يفعل، فكان التفريط مستندا اليه، و لعموم قوله (عليه السلام): «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» (58).

و ان تلف في الثلاثة فقد اختلف الأصحاب في ذلك، فذهب الشيخ و أكثر المتأخرين إلى انه من مال بائعه، و هو المعتمد، لعموم الخبر، و قال المفيد: من مال المشتري، لانتقال المبيع اليه بنفسه العقد، و منع البائع من التصرف فيه، و لأنه لو حصل نماء كان للمشتري، و قال (عليه السلام): «الخراج بالضمان» (59).

و اعترض عليه ابن إدريس بأن هذا لازم له بعد الثلاثة أيضا، لأنه في ملك المشتري ما لم يفسخ البائع و النماء له أيضا.

و قد يجاب عن المفيد بأنه بعد الثلاثة ممنوع من التصرف في العين و هو ممنوع في الثلاثة، فافترق الحكم بينهما، و قال ابن حمزة: و هو من مال البائع، الا ان يكون البائع عرض التسليم على المبتاع فلم يتسلمه، فيكون التلف حينئذ من مال المشتري، قال العلامة في المختلف: و لا بأس بقول ابن حمزة.

تنبيه: شروط هذا الخيار ان يكون المبيع معينا

فلو اشترى موصوفا في الذمة لم يطرد الحكم فيه، و ان لا يحصل قبض احد العوضين، فلو قبض أحدهما لم

____________

(57)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 9 من الخيار، حديث 1.

(58)- المستدرك، كتاب التجارة، باب 9 من الخيار، حديث 1.

(59)- المستدرك، كتاب التجارة، باب 7 من الخيار، حديث 3.

40

يطرد الحكم، و للشيخ قول بجواز فسخ البائع في كل موضع يتعذر فيه قبض الثمن، سواء قبض المشتري المبيع أو لم يقبضه، و قواه الشهيد، و لا بد ان يكون العقد حالا، فلو كان أحد العوضين مؤجلا سقط هذا الخيار.

فروع:

الأول: لو قبض الثمن ثمَّ ظهر مستحقا، فكلا قبض

، و لا يسقط خياره بعد الثلاثة لفساد القبض.

الثاني: لو ظهر في المقبوض عيب يوجب الرد فلا فسخ

، لحصول القبض الصحيح، و الرد بالعيب لا يوجب فساد القبض.

الثالث: لو قبض بعض الثمن أو قبض بعض المعيب

، فالخيار ثابت في الجميع.

الرابع: لو جاء بالثمن بعد الثلاثة قبل فسخ البائع

، قال العلامة لم يجز له الفسخ لزوال السبب، و يحتمل ثبوته، لأنه قد ثبت بمضي الثلاثة، و الأصل بقاؤه.

قال (رحمه اللّه): و ان اشترى ما يفسد من يومه، فان جاء بالثمن قبل الليل، و الا فلا بيع له.

أقول: أورد الأصحاب هذه المسألة بعبارات مختلفة، قال الشيخ في النهاية: و إذا باع الإنسان ما لا يصح عليه البقاء كالخضرة و غيرها، و لم يقبض المباع و لا قبض الثمن كان الخيار فيه يوما، فان جاء المبتاع بالثمن في ذلك اليوم، و الا فلا بيع له.

و ابن إدريس نقل عبارة الشيخ، إلا انه قال: فان جاء المبتاع بالثمن في ذلك اليوم، و الا فصاحبه بالخيار بين ان يفسخ البيع (60) و بين ان يطالبه بثمنه. قال العلامة في القواعد: و لو اشترى ما يفسد ليومه، فالخيار فيه الى الليل، فان تلف

____________

(60)- من «ن».

41

فيه احتمل الخلاف. و عبارة التحرير كالقواعد، الا انه زاد فيه: فإن جاء المشتري فيه لزم البيع، و الا تخير البائع، و قال الشهيد: و خامسها خيار ما يفسده المبيت، و هو ثابت للبائع عند انقضاء النهار.

إذا عرفت هذا، فظاهر هذه العبارات الاختلاف في حكمين:

الأول: في محل الخيار، و ظاهر عبارة النهاية و السرائر و القواعد و التحرير دالة على ثبوت الخيار في ظرف اليوم، و كذلك عبارة فخر الدين، لأنه قال في شرحه قول أبيه: فإن تلف فيه احتمل الخلاف. وجه الاحتمال انه تلف في مدة الخيار، فكان كالثلاثة، و من حيث عدم النص عليه، و الأصح العدم، و هذا آخر كلامه، و هو دال على ثبوت الخيار في ظرف اليوم، لأن الضمير في قول العلامة:

(فإن تلف فيه)، عائد إلى اليوم، و قد نص فخر الدين انه مدة الخيار، الا ان تعليل فخر الدين (رحمه اللّه) ينقض بعضه بعضا.

بيان المناقضة انه قال: وجه الاحتمال انه تلف في مدة الخيار فكان كالثلاثة، و عنى بالثلاثة المسألة السابقة التي اختلف الأصحاب فيها مع تلف المبيع في طرف الثلاثة، هل يكون من مال البائع أو المشتري؟ و قد أجمع الأصحاب على عدم ثبوت الخيار في الثلاثة، بل البيع فيها لازم و انما يثبت الخيار بانقضائها، فقوله (رحمه اللّه): (كالثلاثة) ينقض قوله: (لأنه تلف في مدة الخيار)، لأن الثلاثة ليست مدة الخيار إجماعا، فقد ظهرت المناقضة.

و اما عبارة الدروس فهي دالة على لزوم البيع الى الليل، و كذلك عبارة عميد الدين في شرحه للمسألة التي شرحها فخر الدين، و ذكرنا عبارة فخر الدين. أما عبارة عميد الدين، فقال: يريد إذا تلف في ذلك اليوم احتمل في ذلك ما ذكرناه (61) من الخلاف في الثلاثة، بمعنى انا ان قلنا بقول المفيد ان التلف في

____________

(61)- من «م» و في الباقي: ذكره.

42

الثلاثة من المشتري، فهنا إذا تلف في اليوم كان من المشتري، إذ العلة واحدة و هي لزوم البيع في تلك المدة، أعني اليوم أو الثلاثة، و ان قلنا بقول الشيخ- و هو الأصح- فالتلف من البائع، لأنه لم يقبض.

و هذا آخر كلامه، و هو دال على لزوم البيع الى الليل، لكنه غير مطابق لكلام العلامة الذي هذا شرحه، لأن العلامة لم يذكر لزوم البيع الى الليل، بل ظاهره عدم اللزوم، و لهذا قال فخر الدين انه تلف في مدة الخيار، لأن عبارة القواعد دالة على ثبوت الخيار في ظرف اليوم، فعميد الدين شرح على مدلول آخر كلام العلامة و أغفل اوله، و فخر الدين بالعكس، فلهذا حصل عليهما (62) الاعتراض.

و أحسن عبارات الأصحاب في هذه المسألة عبارة المصنف في هذا الكتاب المشروح، لأنه اقتصر على معنى الرواية، و الرواية هي رواية محمد بن يعقوب، عن أبي حمزة أو غيره، عمن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «فيمن يشتري ما يفسد من يومه ثمَّ يتركه حتى يأتيه بالثمن، فان جاء فيما بينه و بين الليل، و إلا فلا بيع له» (63)، و هذه الرواية و ان كانت مرسلة فهي مؤيدة بعمل الأصحاب.

الثاني: في حكم البيع بعد انقضاء اليوم، و ظاهر النهاية و الشرائع بطلانه بانقضاء اليوم، و هو مدلول الرواية، لقوله (عليه السلام) فيها: «فان جاء فيما بينه و بين الليل، و الا فلا بيع له» و نفي البيع يدل على بطلانه، و عبارة السرائر و التحرير و الدروس مصرحة بثبوت الخيار للبائع بعد دخول الليل، و هو يدل على عدم بطلان البيع.

و يمكن الجمع بين عبارات الأصحاب في هذا الحكم بحمل نفي البيع بعد

____________

(62)- في «ن»: عليه و في «ر 1»: عليها.

(63)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 11، أبواب الخيار، حديث 1، مع اختلاف يسير.

43

دخول الليل على نفي اللزوم دون البطلان، و أما الجمع في الحكم الأول الذي هو محل الخيار فهو مشكل.

و انما طولنا البحث في هذه المسألة لاختلاف عبارات الأصحاب فيها فأحببنا أن نورد عباراتهم ليطلع على اختلافهم، و يظهر تحقيق هذه المسألة لمن له قلب سليم، و اسال اللّه المعونة و التوفيق و الهداية إلى التحقيق.

و الشهيد طرد الحكم في كل ما يسرع اليه الفساد و لم يقيد بالليل، بل القيد عنده حصول الفساد، و هو يحصل بنقص الوصف و قلة الرغبة، كما في الخضروات و اللحم و الرطب و العنب.

و هل ينزل فوات السوق منزلة الفساد؟ فيه نظر ينشأ من تطرق الضرر بنقص السعر، و من اقتضاء العقد اللزوم و التفريط من البائع بترك اشتراط العقد.

[تبيين العقود التي يثبت فيها الخيار و ما لا يثبت فيه]

قال (رحمه اللّه): خيار المجلس لا يثبت في شيء من العقود عدا البيع و خيار الشرط يثبت في كل عقد غير النكاح و الوقف، و كذا الإبراء و الطلاق و العتق، إلا على رواية شاذة.

أقول: المقصود من هذه المسألة تبيين العقود التي يثبت فيها الخيار و ما لا يثبت فيه، و نحن نذكر ان شاء اللّه كل خيار على حدة، و نبين ما يثبت فيه الخيار و ما لا يثبت على حسب الطاقة، و اللّه الموفق و المعين:

الأول: خيار المجلس

، و لا يثبت في شيء من العقود عدا البيع خاصة فهو ثابت فيه مطلقا، و يجامع خيار الرؤية و خيار الحيوان، إلا في شراء القريب فإنه لا خيار فيه مطلقا لا للمجلس و لا لغيره، و لا للبائع و لا للمشتري لعلمهما بحصول العتق بنفس العقد، و هو مبني على التغليب.

فرع: إذا أنشأ العقد (64) من بعد مفرط بحيث يسمع كلا منهما لفظ صاحبه

____________

(64)- من «ن».

44

صح العقد قطعا، و هل يثبت خيار المجلس؟ يحتمل ذلك، لعموم (65) ثبوته ما لم ينتقلا من موضع العقد غير مصطحبين، و يحتمل المنع، لأنهما لم يجمعهما مجلس عرفا.

الثاني: خيار الحيوان

، و هو شامل للأناسي و غيرها، إلا في شراء القريب كما قلناه، و هو يحصل بالبيع دون الصلح و الإجارة و الصداق، و غير ذلك من المعاوضات، لأن الأصل في العقود اللزوم إلا ما أخرجه النص، و هو لم يثبت إلا في البيع، فيبقى الباقي على الأصل.

الثالث: خيار الشرط

، و هو ثابت في البيع و الإجارة و الصلح ان وقع معاوضة دخله خيار الشرط، و ان وقع على ما في الذمم مع جهالته أو على إسقاط الدعوى، قبل ثبوتها لم يثبت فيه خيار الشرط، لأن مشروعيته لقطع المنازعة فقط و اشتراط الخيار لعود الخصومة ينافي مشروعيته، و كل شرط ينافي مشروعية العقد غير جائز، و الرهن لا يدخله خيار الشرط للمرتهن، لأنه جائز من طرفه، و في الراهن اشكال من أصالة الجواز، و عموم قوله (عليه السلام):

«المؤمنون عند شروطهم» (66)، خرج منه ما نص على عدم دخوله، و من منافاته لعقد الرهن، لأنه وثيقة لدين المرتهن، و مع حصول الخيار تنتفي الفائدة لاحتمال الفسخ بالخيار، فيخرج المال عن الوثيقة، و المعتمد الأول، لأن خروج المال عن الوثيقة مستندا الى فعل المرتهن، و هو الرضا بالشرط، فهو كما لو لم يشترط الرهن و لا شك في جواز عدم اشتراط الرهن و الحوالة و الضمان يدخلها خيار الشرط، و كذلك المساقاة و الكتابة المشروطة يدخلها خيار الشرط للعبد و المولى

____________

(65)- المصدر المتقدم.

(66)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 20 من أبواب المهور، حديث 4، و المستدرك، كتاب التجارة، باب 5، أبواب الخيار، حديث 7.

45

دون المطلقة لحصول الحرية فيها بمقدار ما يدفعه من مال الكتابة، و الصرف يدخله خيار الشرط خلافا للشيخ، و عقد السبق و الرماية يدخله خيار الشرط، (و الصداق يدخله خيار الشرط) (67).

و العقود الجائزة كالشركة و الوكالة و المضاربة و العارية و الوديعة و الجعالة جوز الشيخ دخول الخيارين فيها، خيار المجلس و خيار الشرط، و تبعه ابن البراج و ابن إدريس، و منع في الخلاف من دخول خيار المجلس دون خيار الشرط.

و العلامة منع من دخول الخيارين في هذه العقود؛ لأنها عقود جائزة، لكل منهما الفسخ في كل آن، فلا معنى لدخول الخيار فيها، بل لو شرطا عدم الفسخ لم يصح، فلا فائدة في شرط الخيار، فهذه العقود كلها يدخلها خيار الشرط، و الذي لا يدخله فهو النكاح و الطلاق و الخلع و الوقف، على خلاف يأتي ان شاء اللّه تعالى في بابه، و العتق الا على رواية إسحاق بن عمار، و هي التي أشار إليها المصنف، و الإقالة و الإجارة و الشفعة و الهبة و الإبراء، و كل ما لا يدخله خيار الشرط لا يدخله خيار غيره.

الرابع: خيار المغبون

، و هو يثبت في كل عقد يشتمل على المعاوضة، كالبيع و الصلح، إلا إذا وقع على ما في الذمم، و كان مجهولا، فهذا لا يثبت فيه خيار الغبن إذا علم بعد عقد الصلح و ظهر غبن أحدهما، و كذلك إذا وقع على إسقاط دعوى قبل ثبوتها ثمَّ ظهر حقية ما يدعيه، و كان مغبونا فيما صالح عنه، فلا خيار له، لما قلناه في خيار الشرط، و يثبت في الإجارة و المزارعة و المساقاة، و ما شاكل ذلك مع شروطه المعتبرة من جهالة المغبون، و كون الغبن لم تجر به العادة بالتغابن بمثله، و اما خيار عدم التقابض و خيار الرؤية فهو مقيد بما يحصل هذان الشرطان فيه،

____________

(67)- لم يرد في «ن».

46

فلا يفتقر الى تفصيل.

قال (رحمه اللّه): المبيع يملك بالعقد، و قيل: به و بانقضاء الخيار، و الأول أظهر.

أقول: الأول هو المشهور بين الأصحاب؛ لأن العقد سبب (68) انتقال الملك يدور معه وجودا و عدما، و لعدم منافاة الخيار للملك، و الثاني مذهب الشيخ، و ظاهر ابن الجنيد، لقصور العقد المشترط فيه الخيار عن غير المشترط فيه، و القصور سبب عدم (69) افادة الملك، و الا لزم المساواة و هو باطل، و الحق عدم المساواة، لأن العقد المشترط فيه الخيار غير لازم، بل هو متزلزل قابل للفسخ بخلاف غير المشترط فيه، ففائدة الخيار عدم اللزوم لا عدم الملك.

[زمان ثبوت خيار الشرط]

قال (رحمه اللّه): خيار الشرط يثبت من حين التفرق، و قيل: من حين العقد، و هو أشبه.

أقول: ثبوته من حين التفرق مذهب الشيخ و ابن إدريس، لثبوت خيار المجلس قبل التفرق، فلو ثبت خيار الشرط قبل التفرق لزم اجتماع المثلين، و هو غير جائز، و المشهور ثبوته من حين العقد، و هو المعتمد، لأن إطلاق المدة يقتضي الاتصال بالعقد كغيره من الأزمنة المشترطة في العقود، و يلزم من قول الشيخ الجهالة بالمبتدإ، لأن وقت التفرق غير معلوم، و جهالة أحد الطرفين توجب بطلان العقد، و اجتماع المثلين غير مانع، لأن الخيار واحد و أسبابه مختلفة، فلا مانع من ذلك، كما لو ظهر عيب و هو في المجلس فان له الخيار بسبب العيب و سبب المجلس.

____________

(68)- في «م»: (يفيد) بدل (سبب).

(69)- لفظة (عدم) ليست في «م» و «ن» و «ر 1».

47

فروع:

الأول: إذا قيد الفسخ برد الثمن فليس له الفسخ بدون رده أو مثله

، و لو فسخ قبل ذلك كان لاغيا، و ان لم يقيد برد الثمن جاز الفسخ مع حضور الثمن و عدمه، و كذا لو كان الخيار للمشتري، فإن قيده برد المبيع أو مثله (70) لم يجز الفسخ قبل الرد و يجوز مع الإطلاق، و لو أتى ببعض الثمن أو ببعض المبيع لم يجز له الفسخ الا مع اشتراطه مع الإتيان بذلك البعض، ثمَّ ان كانت المدة طرفا للفسخ و الاسترجاع كان له الفسخ متى جاء بالثمن و وجب قبوله، و ان كانت غاية لم يجب عليه قبض الثمن قبل مضيّها و لا يجوز الفسخ قبل ذلك.

الثاني: إذا جعلا الخيار لعبد أحدهما ملك مولاه الخيار

، و ان جعلاه لعبد أجنبي لم يملكه مولاه، و لو مات العبد لم ينتقل الى مولاه، و كذا لو مات الأجنبي لم ينتقل الى وارثه، لأنهما لم يرضيا بغير نظره، بخلاف ما لو كان لأحدهما، فإنه ينتقل الى وارثه، و إذا جعلا الخيار لعبد الأجنبي لم يتوقف على رضا مالكه، الا ان يمنع شيئا من حقوقه، فيتوقف حينئذ.

الثالث: لا يبطل الخيار بتلف المبيع

، فان كان مثليا طالب بالمثل مع الفسخ، و الا بالقيمة.

الرابع: يجوز اشتراط مدة متأخرة عن العقد و يلزم بينهما

، لأصالة الجواز، و لعموم: «المؤمنون عند شروطهم» (71)، و يحتمل العدم، لأن الواجب لا ينقلب جائزا.

الخامس: لو جعل الخيار لاثنين، فاختار أحدهما الإمضاء، و الآخر الفسخ

انفسخ البيع، و كان الحكم لمختار الفسخ، لأن اختياره ناقل و الآخر مقرر،

____________

(70)- في «ن» و «ر 2» بزيادة: إن كان مثليا.

(71)- تقدم فيما سبق ص 44.

48

و الناقل أولى من المقرر مع التعارض.

السادس: إذا جعل الخيار لأجنبي و لأحد المتابعين معا

، فاختلفا احتمل اختيار الأجنبي، و الا لم يكن لذكره فائدة، و احتمل اختيار الفاسخ منهما، لما قلناه أولا، و لأنه مع اعتبار اختيار الأجنبي دون اختيار الآخر لم يكن في جعله للآخر مع الأجنبي فائدة أيضا، و هذا هو المعتمد.

49

في أحكام العقود

[لو باع بثمن حال و بأزيد منه الى أجل]

قال (رحمه اللّه): و لو باع بثمن حال و بأزيد منه الى أجل قيل: يبطل، و المروي انه يكون للبائع أقل الثمنين في أبعد الأجلين.

أقول: العمل بمضمون الرواية مذهب المفيد و السيد المرتضى، و الرواية إشارة الى ما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) (72).

و البطلان مذهب الشيخ في المبسوط، و اختاره ابن إدريس و العلامة و أبو العباس، لجهل (73) الثمن حالة العقد، فكان كما لو قال: بعتك هذا أو هذا بكذا، و هو غير جائز، و هذا هو المعتمد.

فرعان:

الأول: لو باعه بثمن واحد بعضه نقدا و بعضه نسيئة صح البيع

قطعا، و كذا لو باعه سلعتين في عقد واحد و اشترط تأجيل أحدهما و حلول الآخر بشرط

____________

(72)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 2، أحكام العقود، حديث 2.

(73)- في «ي 1» و «ر 2»: لتجهيل.

50

تعيين المؤجل أو النقد.

الثاني: لو طال الأجل بحيث يعلمان عدم بقائهما إليه عادة

كألف سنة مثلا، احتمل بطلان العقد لخروج الثمن عن الانتفاع، و يحتمل الصحة، لأن الأصل مضبوط و يحل (74) بموت المشتري، و هذا اختيار الشهيد، و أبطله فخر الدين.

قال (رحمه اللّه): و ان ابتاعه بجنس ثمنه بزيادة أو نقيصة، فيه روايتان، أشبههما الجواز.

أقول: عدم الجواز مذهب الشيخ في النهاية لرواية خالد بن الحجاج (75)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و الجواز مذهب ابن إدريس، و اختاره المصنف و العلامة للأصل، و لعموم قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (76) و لرواية عبيد بن زرارة (77).

قال (رحمه اللّه): فان امتنع من أخذه ثمَّ هلك من غير تفريط و لا تصرف من المشتري كان من مال البائع على الأظهر.

أقول: كل من عليه حق حال فدفعه الى من له الحق وجب على صاحب الحق قبضه، فاذا امتنع من قبضه فعزله من عليه الحق ثمَّ تلف من غير تفريط، هل يكون من مال من عليه الحق أو لا؟ قال الشيخ في النهاية بالثاني، و به قال المفيد و سلار و ابن البراج و ابن حمزة، و اختاره المصنف و العلامة في المختلف، لأن الدين يتعين بتعيين المديون، فاذا هلك بعد تعيينه كان من المدين.

و في المبسوط دفعه الى الامام أو نائبه ليقبضه عن مالكه، لأن الحاكم قائم

____________

(74)- في «ر 2»: و يحتمل، و في «ن»: و يحمل.

(75)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 12، من أبواب السلف، حديث 3.

(76)- البقرة: 275.

(77)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 26 من أحكام العقود، حديث 2.

51

مقام المالك مع امتناع المالك من قبض الحق، فان لم يدفعه الى الحاكم أو نائبه ثمَّ هلك كان من ضمان المديون، فان الدين لا يتعين الا بقبض المدين أو نائبه، و التقدير انه لم يقبضه هو و لا نائبه، فيكون من ضمان المديون، و هذا هو الحق مع القدرة على الحاكم أو نائبه، و الا اشهد على عزله و تعيينه، فان تلف بعد ذلك من غير تفريط كان من مال المدين، سمعناه مذاكرة.

قال (رحمه اللّه): و من اتباع شيئا بثمن مؤجل و أراد بيعه مرابحة فليذكر الأجل، فإن باع و لم يذكر كان المشتري بالخيار بين رده و إمساكه بما وقع عليه العقد، و المروي انه يكون للمشتري من الأجل مثل ما كان للبائع.

أقول: القائل بثبوت الخيار هو الشيخ في الخلاف و المبسوط، و به قال ابن إدريس، و المصنف و العلامة، لأن الأجل له قسط من الثمن في عرف المعاملة، فلما باعه بالثمن الذي اشتراه و لم يذكر الأجل كان مدلسا، فيثبت الخيار بين الرد و الإمساك بجميع الثمن، و ذهب الشيخ في النهاية الى عدم الخيار، و يثبت له من الأجل مثل ما للبائع، لرواية هشام بن الحكم (78)، عن الصادق (عليه السلام)، و الأول هو المعتمد.

____________

(78)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 25، أحكام العقود، حديث 2.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}