غاية المرام في شرح شرائع الإسلام - ج3

- المفلح بن حسن الصيمري المزيد...
520 /
3

كتاب النكاح

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

في آداب العقد

قال (رحمه اللّه): النكاح مستحب لمن تاقت نفسه من الرجال و النساء، و إن لم تتق فيه خلاف، و المشهور استحبابه.

أقول: المشهور استحباب النكاح للقادر عليه، سواء اتاقت (1) النفس أو لم تتق، لعموم الأدلة الواردة (2) في الترغيب فيه، و قد ذكر المصنف طرفا منها، فيه كفاية، و قال الشيخ في المبسوط: تركه أولى لمن لم تتق نفسه إليه، لأن اللّه تعالى وصف يحيى (عليه السلام) بكونه حصورا (3)، و هو الذي لم يقارب النساء، و لو لا أفضلية هذا الوصف لامتنع مدحه تعالى على ذلك، و لا يجوز حمله على إطلاقه إجماعا، فيحمل على من لم تتق نفسه الى النكاح، و الأول هو المعتمد.

قال (رحمه اللّه): و أكل ما ينثر في الأعراس جائز، و لا يجوز أخذه إلا بإذن أربابه نطقا أو بشاهد الحال، و هل يملك بالأخذ؟ الأظهر نعم.

____________

(1)- في «ن»: تاقت.

(2)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 1 من أبواب مقدماته و آدابه، لاحظ جملة الباب.

(3)- آل عمران: 39.

6

أقول: لا خلاف في جواز أكل ما ينثر في الأعراس، لا أخذه، و الظاهر ان المراد بالأخذ الممنوع منه هو نقله من المجلس لا التقاطه بعد النثر، لأن الأكل جائز و لا يمكن الا بالالتقاط، و ظاهر عبارة المصنف تدل على ذلك، و عبارة القواعد مصرحة به، لأنه قال: و يجوز أكل نثار العرس لا أخذه، فدل على ان المراد بالأخذ هو نقله من المجلس، و على تقدير جواز الأخذ للإذن فيه أو لشاهد (4) الحال، هل يملك بالأخذ؟ مذهب الشيخ في المبسوط أنه يملك بالأخذ، و اختاره المصنف و العلّامة في القواعد، و جزم به في الإرشاد، لأنه بالإذن فيه و الاعراض عنه صار مباحا فيملك بالاستيلاء.

و فيه نظر لأصالة بقاء الملك على مالكه ما لم (5) يعلم السبب الناقل، فيكون مباحا مع بقائه على ملك مالكه و يجوز له الرجوع فيه ما دامت العين باقية.

____________

(4)- في «ن» و «م»: بشاهد.

(5)- في «ن» زيادة: يكن.

7

في اللواحق

[يجوز أن ينظر الى وجه امرأة يريد نكاحها و إن لم يستأذنها]

قال (رحمه اللّه): يجوز أن ينظر الى وجه امرأة يريد نكاحها و إن لم يستأذنها، و يختص الجواز بوجهها و كفيها، و له تكرار النظر إليها، و ان ينظرها قائمة و ماشية، و روي جواز أن ينظر الى شعرها و محاسنها و جسدها من فوق الثياب، و كذا يجوز أن ينظر الى أمة يريد شراءها و الى شعرها و محاسنها، و يجوز النظر الى أهل الذمة و شعورهن لأنهن بمنزلة الإماء، لكن لا يجوز ذلك لتلذذ و لا لريبة، و يجوز ان ينظر الرجل الى مثله ما خلا عورته، شيخا كان أو شابا، حسنا أو قبيحا، ما لم يكن النظر لريبة أو تلذذ، و كذا المرأة.

أقول:

تحقيق البحث هنا يقع في مقامات:

الأول: في الأجنبية و النظر إليها لا يخلو إما ان يكون لضرورة أو لحاجة أو لغير حاجة

، فالضرورة مثل ان ينظر الطبيب إليها، فإنه يجوز له النظر الى موضع العلة و ان كانت العورة، لأنه لا يمكن العلاج الا بعد الوقوف عليه. و الحاجة مثل ان يتحمل شهادة على امرأة، فله أن ينظر الى وجهها من غير ريبة ليعرفها و يحققها، و كذا لو كان بينه و بينها معاملة أو مبايعة فيعرف وجهها ليعلم من التي

8

يعطيها الثمن ان كانت بائعة و المثمن ان كانت مشترية، فان قيل: إذا كان البيع نقدا بنقد فما الحاجة (6) الى معرفة الوجه فإنه يدفع الثمن الى من دفع (7) اليه المثمن أو بالعكس، فلا حاجة الى المعرفة فلا يباح النظر.

قلنا: الحاجة حاصلة كما لو ظهر ما صار اليه مستحقا فإنه يفتقر الى معرفتها ليدعي عليها بما صار إليها، و روي: «ان امرأة أتت النبي (صلى اللّه عليه و آله) لتبايعه فأخرجت يديها، فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله): أيد امرأة أو يد رجل؟ فقالت: يد امرأة، فقال: أين الحناء» (8). فدل هذا الخبر على جواز النظر عند الحاجة، لأنه إنما عرف انه لا حنا على يديها (9) بالنظر إليها مكشوفة، و من الحاجة ان يريد نكاحها، فيجوز له ان ينظر (10) الى وجهها و كفيها و الى جميع جسدها من وراء الثياب مقبلة و مدبرة، و هذا إجماع بشرط إمكان النكاح عرفا و شرعا، فلو انتفى أحد الإمكانين لم يجز.

و قال المصنف: (و روي جواز ان ينظر الى شعرها و محاسنها)، أمّا رواية الشعر فهي إشارة إلى رواية عبد اللّه بن سنان، «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوج المرأة فيجوز أن ينظر الى شعرها؟ فقال (11): نعم انّما يريد ان يشتريها بأغلى الثمن» (12).

و أمّا رواية المحاسن فرواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن

____________

(6)- في «ن»: فلا حاجة.

(7)- في «ن»: يدفع.

(8)- مسند أحمد 6: 262.

(9)- في «م» و «ن»: يدها.

(10)- في «ن»: النظر.

(11)- في «م» و «ن»: قال.

(12)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 36 من أبواب مقدماته و آدابه، حديث 7.

9

علي (عليه السلام): «في رجل نظر الى محاسن امرأة يريد ان يتزوجها، قال: لا بأس، انما هو مستام» (13).

تنبيه: أكثر عبارات الأصحاب تعطي الفرق بين المحاسن و بين الوجه و الكفين

، لجزمهم بجواز النظر الى الوجه، و ترددهم بجواز النظر الى الشعر و المحاسن، و عبارة أبي العباس في المهذب مصرحة بالمغايرة، لأنه بعد ان ذكر جواز النظر الى الوجه و الكفين، قال: و هو إجماع من علماء الإسلام. بقي البحث في الشعر و المحاسن، هل يجوز النظر الى ذلك أم لا؟ و هذا تصريح بالمغايرة و ابن إدريس عرف المحاسن بالوجه و اليدين (14)، لأنه قال: و لا بأس ان ينظر الرجل الى أمة يريد شراءها و ينظر الى شعرها و محاسنها و وجهها و يديها فحسب، فقوله: (و وجهها و يديها فحسب) يريد به المحاسن، لأن قوله و محاسنها معطوف على شعرها في جواز النظر، و قوله: (و وجهها و يديها) عطف بيان، يريد به تفسير المحاسن، فعلى هذا يكون التردد في الشعر خاصة.

و ان كان النظر إلى الأجنبية لغير (15) حاجة فقد جوز أكثر الأصحاب النظر الى وجهها و كفيها مرة لا أزيد، لقوله (صلى اللّه عليه و آله): «لكم أوّل نظرة، فلا تتبعوها بالثانية» (16).

هذا مع عدم التلذذ و خوف الفتنة، فإن حصل أحدهما انتفى الجواز.

و ذهب فخر الدين الى المنع من ذلك، و نقله عن والده في التذكرة، لعموم

____________

(13)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 36 من أبواب مقدماته و آدابه، حديث 8.

(14)- ليست في «م».

(15)- في «ن»: بغير.

(16)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 104 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه، الحديث (11، 13، 14، 15، 17) مع اختلاف يسير.

10

الآية (17)، و هو أحوط.

الثاني: في النظر إلى الأمة

، و هو لا يخلو إمّا ان يريد شراءها أو لم يرد، فان اراده جاز له النظر الى وجهها و كفيها و شعرها و محاسنها، قال العلّامة في التذكرة:

و له ان يمسّها بيده و يقلبها إلّا العورة لرواية أبي بصير (18)، عن الصادق (عليه السلام).

و ان لم يرد شراءها، قال العلامة في التذكرة: لم يجز النظر إلّا الى الوجه و الكفين، لقول الصادق (عليه السلام): «لا أحب الرجل (19) ان يقلب جارية إلّا جارية يريد شراءها» (20)، و سأله حبيب بن معلى الخثعمي، «قال: اني اعترضت جواري بالمدينة فأمذيت، قال: اما لمن تريد شراءها فليس به بأس و أمّا لمن لا تريد ان يشتري فإني أكرهه» (21) دلّ هذا الخبر على كراهة (22) النظر من غير تحريم، و ظاهر ابن إدريس تحريم (23) المنع لغير المشتري لعموم قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ (24).

و مما يقوي الأول قول الشيخين بجواز النظر الى نساء أهل الذمة و شعورهن إلّا لريبة أو تلذذ (25)، لأنهن بمنزلة الإماء، و مما يقويه أيضا قولهم النظر و اللمس

____________

(17)- النور: 30.

(18)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 20 من أبواب بيع الحيوان، حديث 1.

(19)- في «م» و «ن»: للرجل.

(20)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 20 من أبواب بيع الحيوان، حديث 3.

(21)- الوسائل، كتاب التجارة، باب 20 من أبواب بيع الحيوان، حديث 2.

(22)- في «ن»: كراهية.

(23)- ليست في «م» و «ن».

(24)- النور: 30.

(25)- في «ن»: لتلذذ.

11

لما (26) يسوغ لغير المالك كنظر الوجه و لمس الكفين لا ينشر الحرمة.

فرع: الوكيل في التزويج و في شراء الأمة ان كان وكيلا مطلقا بحيث يزوجه بمن شاء و يشتري له من يشاء (27) كان له النظر

، كما لو كان الزواج أو الشراء لنفسه، بل أبلغ، لأنه يجب عليه تحري المصلحة لموكله، و ذلك لا يتم إلّا بالنظر، و ان كان وكيلا على زواج معينة أو شراء معينة، فلا يخلو اما ان يتراضيا على النكاح و الشراء و لم يبق غير العقد أو لم يتراضيا، فان كان الأول لم يجز للوكيل النظر، لأنه وكيل على إيقاع العقد فقط.

و ان كان الثاني جاز له النظر، لأن الظاهر انه أقامه مقام نفسه على شيء معين فلا بد ان ينظر اليه مع إمكان النظر ليعلم هل هو صالح لموكله (28) أو غير صالح.

الثالث: في النظر الى نساء أهل الذمة و الى شعورهن

، و المشهور جوازه، لأنهن بمنزلة الإماء لا حرمة لهن، كما لا حرمة للأمة (29)، و لما رواه محمد بن يعقوب يرفعه إلى السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، «قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لا حرمة لنساء أهل الذمة، له أن ينظر الى شعورهن و أيديهن» (30).

و هذا بشروط ثلاثة: ان لا يكون النظر لريبة، و لا تلذذ، و لا يخاف الافتتان، فان حصل شيء من ذلك حرم، و ذهب ابن إدريس و العلامة في المختلف الى عدم الجواز، لعموم قوله تعالى:

____________

(26)- في «ن»: الذي.

(27)- في «ن»: شاء.

(28)- ليست في «م».

(29)- «ن»: (لنساء أهل الذمة) بدل: (للأمة).

(30)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 112 من أبواب مقدماته و آدابه، حديث 1.

12

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ (31) و الأول هو المعتمد، و هو مذهب الشيخين (32) و ابن البراج و العلامة في القواعد و التحرير و الإرشاد.

الرابع: في النظر الى المحارم

، و المراد بالمحارم هنا كلّ امرأة يحرم نكاحها مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة أو ملك يمين، دون من حرم نكاحها بسبب غير ذلك كالمطلقة تسعا للعدة و المزني بها، و هي تحت بعل أو معتدة أو كالملاعنة، فإن هؤلاء لا يجوز النظر إليهن إجماعا و إن حرم نكاحهن مؤبدا.

و أما القسم الأول فيجوز النظر الى الوجه و الكفين إجماعا، و مثله (33) الثدي حالة الرضاع لحصول المشقة بالتحرز منه، أمّا النظر اليه غير حالة الرضاع و النظر الى البدن ففيه خلاف، و المشهور الجواز الى الجميع عدا العورة، لقوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ (34) الآية، و وجه المنع عموم قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ.

الخامس: الطفل الذي لم يظهر على عورات النساء

، و هو الذي لا يبلغ مبلغا يحكي ما يرى، فهذا يجوز لهن (35) التبرج قباله و النظر إليه، لأن وجوده و عدمه سواء و امّا إذا بلغ مبلغا يحكي ما يرى فلا يجوز التبرج قباله.

و هل يجوز النظر اليه قبل بلوغه؟ نقول ان كان في النظر اليه تحريك شهوة أو شوق (36) الى الرجال فلا يجوز قطعا، و ان لم يكن فيه شيء من ذلك، احتمل الجواز و عدمه و هو أحوط.

____________

(31)- النور: 30.

(32)- ليست في «م».

(33)- «ن»: و مثلهما.

(34)- النور: 31.

(35)- ليست في «ن».

(36)- «ن»: تشوق.

13

السادس: الشيخ و الشيخة إذا صارا في غير محل الشهوة و قعدا عن النكاح

جاز النظر إليهما لانتفاء دواعي الشهوة، و كذا حكم الصبية الصغيرة التي ليست في محل الشهوة، و لا يجوز النظر إلى العورة في حال لغير الزوجين و غير الطبيب حالة العلاج.

قال (رحمه اللّه): هل يجوز للخصي النظر إلى المرأة المالكة أو الأجنبية؟ قيل:

نعم، و قيل: لا، و هو الأظهر، لعموم المنع، و ملك اليمين المستثنى بالآية المراد به الإماء.

أقول: قيل: يجوز للخصي النظر إلى المرأة سواء كانت مالكته (37) أو أجنبية، أمّا الأجنبية فقوله تعالى غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجٰالِ (38)، و أمّا المالكة فقوله (39) تعالى أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ (40)، و ذهب العلامة في المختلف الى جواز نظره الى مالكته دون الأجنبية، و المشهور المنع منهما لتفسير:

غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ بالشيخ الفاني الذي ذهبت شهوته للنساء (41)، و تفسير ملك اليمين بالإماء دون العبيد، لعموم قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ (42).

قال (رحمه اللّه): الوطي في الدبر فيه روايتان، إحداهما: الجواز، و هي المشهورة بين الأصحاب، لكن على كراهية شديدة.

أقول: رواية الجواز رواية عبد اللّه بن أبي يعفور (43)، عن الصادق عليه

____________

(37)- «ن»: مالكة.

(38)- النور: 31.

(39)- «م» و «ن»: فلقوله.

(40)- النور: 31.

(41)- تفسير القمي، ج 2، ص 102.

(42)- النور: 30.

(43)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 73 من أبواب مقدماته و آدابه، حديث 2.

14

السلام، و هو المشهور بين الأصحاب، للأصل، و للرواية، و لقوله تعالى:

نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ (44) و رواية العدم رواية سدير (45)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و هو مذهب ابن حمزة من أصحابنا، و به قال جميع العامة غير مالك، لأنه قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك ان وطي المرأة في دبرها حلال، ثمَّ قرأ نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ.

[العزل عن الحرة إذا لم يشترط في العقد و لم تأذن]

قال (رحمه اللّه): العزل عن الحرة إذا لم يشترط في العقد و لم تأذن، قيل: هو محرم، و تجب معه دية النطفة عشرة دنانير، و قيل: هو مكروه و إن وجبت الدية، و هو أشبه.

أقول:

هنا مسألتان:

الأولى: في تحريم العزل أو كراهته

، فالتحريم مذهب المفيد و ابن حمزة، لأن حكم النكاح الاستيلاد و لا يحصل غالبا مع العزل، فيكون منافيا لغرض الشارع.

و الكراهة مذهب الشيخ في النهاية و ابن البراج و ابن إدريس، و اختاره المصنف و العلامة و أبو العباس في مقتصره، و هو المعتمد، لأصالة الإباحة، و ما رواه محمد بن مسلم، «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العزل؟ فقال:

ذلك الى الرجل يصرفه حيث شاء» (46) و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهم السلام) «انه سئل عن العزل؟ فقال: أما الأمة فلا بأس، و أما الحرة فإني أكرهه» (47).

الثانية: في دية النطفة

، و أوجبها الشيخ و ابن إدريس، و اختاره (48)

____________

(44)- البقرة: 223.

(45)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 72 من أبواب مقدماته و آدابه، حديث 2.

(46)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 75 من أبواب مقدماته و آدابه، حديث 1.

(47)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 76 من أبواب مقدماته و آدابه، حديث 1.

(48)- ليست في «م» و «ن».

15

المصنف هنا، و العلامة في الإرشاد، و الاستحباب مذهب المصنف في باب الديات، و اختار العلامة و أبو العباس في المقتصر في خصائص النبي (صلى اللّه عليه و آله).

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

في خصائص النبي (ص)

قال (رحمه اللّه): منها: ما هو في النكاح، و هو تجاوز الأربع بالعقد، و ربما كان الوجه الوثوق بعدله بينهن دون غيره.

أقول: الوثوق بالعدل ليس علة تامة لإباحة تجاوز الأربع بالعقد (49)، و الا لسرت الى غيره ممن يحصل الوثوق بعدله من المعصومين، و الا لكان كل واحد من أئمتنا (عليهم السلام) يباح له ذلك الموثوق (50) بعدله فلما لم (يباح ذلك) (51) لهم بإجماع المسلمين مع الوثوق بعدلهم عندنا ثبت ان الوثوق بالعدل ليس علة تامة للإباحة، و انما الوجه في ذلك الإكرام و التفضيل من اللّه تعالى لنبيه (صلى اللّه عليه و آله) ليحصل له التمييز عن غيره من رعيته.

قال (رحمه اللّه): و تحريم الصدقة الواجبة، و في المندوبة في حقه خلاف.

أقول: إنما عدّ تحريم الصدقة الواجبة من خواصه مع تحريمها على جميع

____________

(49)- ليست في «ن».

(50)- «م» و «ن»: للوثوق.

(51)- من «م»، و في الأصل كلمة غير مقروءة.

18

مستحقي الخمس، لأن التحريم على غيره بسببه، لأن التحريم عليهم بسبب استحقاقهم الخمس، و انما استحقوه به (صلى اللّه عليه و آله)، فرفعهم اللّه تعالى عن الصدقة الواجبة لكونها أوساخا، و عوّضهم عنها بالخمس تعظيما لرسوله و تشريفا له و لأهل بيته (عليهم السلام)، فلما كان هو السبب في ذلك عدّها من خواصه (صلى اللّه عليه و آله).

و أما الصدقة المندوبة فقد توقف الشيخ في المبسوط فيها، و الأكثر على عدم تحريمها كباقي بني هاشم.

قال (رحمه اللّه): تحرم زوجاته (صلى اللّه عليه و آله) على غيره.

أقول: أما التي مات عنها بعد الدخول بها فإنها تحرم على غيره إجماعا، و هل تحرم التي لم يدخل بها؟ قال العلامة في التحرير: زوجاته (صلى اللّه عليه و آله) كلهن دخل بهن. فعلى ما قال العلامة لو قدرنا أنه مات عن غير مدخول بها، هل تحرم على غيره؟ الظاهر ذلك، لدخولها في اسم الزوجات فتدخل في الآية (52).

و يحتمل العدم لأصالة الإباحة فيقتصر بالتحريم على المدخول بها دون غيرها.

و اما من فارقها في حياته اما بفسخ كالمرأة التي وجد بكشحها بياضا ففسخ نكاحها، أو بطلاق كالمرأة التي قالت: أعوذ باللّه منك، فطلقها، هل للغير نكاحها؟ يحتمل ذلك، لأصالة الإباحة، و قوله تعالى وَ لٰا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ (53) دال على التحريم بعد الموت فيبقى ما قبله على أصالة الإباحة.

و يحتمل المنع و هو المعتمد، لأن تحريمهن بعد الموت إكرام له (عليه السلام)،

____________

(52)- الأحزاب: 53.

(53)- المصدر المتقدّم.

19

و الإكرام في حال الحياة أولى منه بعد الموت، فيكون التحريم في حال الحياة أبلغ و أولى منه بعد الموت.

قال (رحمه اللّه): من الفقهاء من زعم أنه لا يجب على النبي (صلى اللّه عليه و آله) القسمة بين أزواجه، لقوله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشٰاءُ، و هو ضعيف، لأن في الآية احتمالا يرفع دلالتها، إذ يحتمل أن تكون المشية في الإرجاء متعلقة بالواهبات.

أقول: ليس للمانعين من وجوب القسم على النبي (صلى اللّه عليه و آله) حجة غير هذه الآية (54)، و قد نقل الشيخ (رحمه اللّه) في تفسيرها وجوها بعضها يدل على عدم وجوب القسم عليه، و بعضها لا يدل على ذلك، فالذي يدل على عدم الوجوب ما نقله عن مجاهد، قال (55): معناه تعتزل من شئت من نسائك فلا تأتيها، و تأتي من شئت من نسائك فلا تقسم لها.

قال الشيخ: فعلى هذا يكون القسم ساقطا عنه، قال: و كان ممن أرجى ميمونة و أم حبيبة وجودية (56) و صفية و سودة، و كان يقسم لهن من نفسه و ماله ما شاء، و كان ممن يأوي عائشة و حفصة و أم سلمة و زينب، و كان يقسم بينهن نفسه و ماله بالسوية.

و مثله ما نقله عن قتادة، قال: كان نبي اللّه يقسم بين أزواجه فأوحى (57) اللّه له ترك ذلك.

و نقل عن ابن عباس ان معناه: أن تترك نكاح من شئت و تنكح من تشاء من نساء أمتك، و نقل عن زيد بن أسلم أن الآية نزلت في اللاتي وهبن أنفسهن،

____________

(54)- الأحزاب: 51.

(55)- ليست في «م».

(56)- «م» و «ن»: جوزية.

(57)- «م» و «ن»: فأحل.

20

فقال اللّه له: تزوج من شئت منهن و اترك من شئت، قال: و هو اختيار الطبرسي.

إذا عرفت هذا، فالمصنف اختار هذا الوجه من وجوه تفسير هذه الآية، و هو ظاهر الشيخ في التبيان، لأن النبي (صلى اللّه عليه و آله) مكلف بالأحكام الشرعية كغيره من المكلفين الا ما أخرجه النص مما اختص به (صلى اللّه عليه و آله)، و لم يثبت تخصيصه بهذا الحكم لحصول الاحتمال الرافع للتخصيص الذي (58) ثبت في العقد (59).

____________

(58)- في «ن» بزيادة: الأصل عدمه، و العلامة جزم في القواعد بعدم وجوب القسم عليه، و استقرب في التحرير الوجوب.

(59)- (ثبت في) ليست في «م» و (ثبت في العقد) ليست في «ن».

21

في العقد

[ألفاظ الإيجاب و القبول]

قال (رحمه اللّه): و العبارة عن الإيجاب لفظان: زوجتك و أنكحتك، و في متعتك تردد، و جوازه أرجح.

أقول: منشأ التردد من أصالة عصمة الفرج و صيانته عن الغير، خرج اباحته بما اتفق عليه من الألفاظ يبقى الباقي على أصالة المنع، و لأن المتعة حقيقة في العقد المنقطع في العرف الشرعي فيكون مجازا في الدائم، لأصالة عدم الاشتراك، و المجاز لا يكفي في صيغ العقود و الا لم تنحصر الألفاظ.

و من أنهم قالوا: المنقطع إذا لم يذكر (60) فيه الأجل ينقلب دائما، فلو لم يكن من صيغة لم ينعقد. و الاقتصار على اللفظين خاصة مذهب الشيخ و السيد المرتضى و ابي الصلاح و ابن حمزة و ابن إدريس، و اختاره العلامة في المختلف و هو أحوط.

و نقل عن بعض علمائنا انعقاده بلفظ المتعة و رجحه المصنف هنا، و جزم به في المختصر و جزم به العلامة أيضا في القواعد و الإرشاد.

____________

(60)- «م» و «ن»: يكن.

22

فرعان:

الأول: يجب توقي اللحن

المخل بالمعنى المقصود

الثاني: لا يشترط في القبول لفظ معين

، بل كل ما دل على الرضا جاز وقوعه به، لأنه كالمعلول للإيجاب و الأثر له فلا يشترط غير ما يدل على الرضا بالإيجاب.

قال (رحمه اللّه): و لا بد من وقوعهما بلفظ الماضي الدال على صريح الإنشاء اقتصارا على المتعين و تحفظا من الاشتمار المشبه للإباحة، و لو أتى بلفظ الأمر و قصد الإنشاء كقوله: زوجنيها، فقال: زوجتك، قيل: يصح كما في خبر سهل الساعدي و هو حسن، و لو أتى بلفظ المستقبل كقوله: أتزوجك، فيقول: زوجتك جاز، و قيل: لا بد بعد ذلك من تلفظه بالقبول، و في رواية أبان بن تغلب في المتعة، «أتزوجك متعة، فإذا قالت: نعم، فهي امرأتك».

أقول: لا خلاف في وقوع العقد بلفظ الماضي، لأنه دال على صريح الإنشاء لدخول الماضي في الوجود فيحصل اليقين بوقوعه، و المستقبل لا وثوق بحصوله، لاحتمال (61) الوعد و الاستفهام، و لمشاركة الحال في الصيغة، فهو لفظ مشتمر (62) أي غير منحصر بوجه، و لهذا قال المصنف: و حفظا من الاشتمار المشبه المشتمل للإباحة، اي (موقع للشبه) (63) في الإباحة، لاحتمال ارادة الوعد أو الاستفهام، فلا تحصل الإباحة بخلاف الماضي، فإنه لا يحتمل غير المقصود لدخوله في الوجود و لا يحصل شبهة في الإباحة فتعين (64) الإتيان به دون ما يحصل فيه الشبهة، و هو مذهب ابن حمزة و ابن إدريس و العلامة، و هو المعتمد لما بيناه.

____________

(61)- «م»: لاحتماله.

(62)- «م» و «ن»: مستمر.

(63)- «م» و «ن»: الموقع للشبهة.

(64)- «م» و «ن»: فيتعين.

23

و ظاهر المصنف هنا جواز الإتيان بلفظ المستقبل لرواية أبان بن تغلب (65)، عن الصادق (عليه السلام).

و أمّا وقوعه بلفظ الأمر فهو (66) مذهب الشيخ في المبسوط، و استحسنه المصنف هنا، لخبر سهل الساعدي: «ان امرأة أتت النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقالت: إني وهبت نفسي لك يا رسول اللّه إن يكن لك في رغبة، فقال: لا رغبة لي في النساء، فقامت طويلا فقال رجل: يا رسول اللّه صلى اللّه عليك و آلك زوجنيها ان لم يكن لك فيها حاجة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): أ عندك شيء تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله): ان أعطيتها جلست و لا إزار لك، فالتمس شيئا، فقال: ما أجد شيئا، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا و سورة كذا، و سماهما، فقال رسول اللّه: زوجتك بما معك من القرآن» (67).

قال (رحمه اللّه): و لو قال الولي أو الزوجة: متعتك بكذا، و لم يذكر الأجل، انعقد دائما، و هو دلالة على انعقاد الدائم بلفظ التمتع.

أقول: انعقاد المنقطع دائما مع الإخلال بذكر الأجل مذهب الشيخ و ابن البراج و ابي الصلاح و السيد و ابن زهرة، و اختاره المصنف (رحمه اللّه) لرواية عبد اللّه بن بكير في الموثق (68)، عن الصادق (عليه السلام).

و قال ابن إدريس: يبطل العقد، و اختاره العلامة، لأن المتعة من شرطها ذكر الأجل، و مع الإخلال يبطل المشروط رواه زرارة في الصحيح، عن الصادق

____________

(65)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 18 من أبواب المتعة، حديث 1.

(66)- من «م»، و في باقي النسخ: و هو

(67)- المستدرك، كتاب النكاح، باب 2 من أبواب المهور، حديث 2 (مع اختلاف يسير).

(68)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 20 من أبواب المتعة، حديث 1.

24

(عليه السلام)، «قال لا يكون متعة إلا بأمرين بأجل مسمى و أجر مسمى» (69).

و مثله ما رواه إسماعيل بن الفضل الهاشمي في الصحيح: «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المتعة؟ فقال: مهر معلوم إلى أجل معلوم» (70).

قال (رحمه اللّه): و لو قال: زوجت بنتك من فلان، فقال: نعم، فقال الزوج:

قبلت، صح، لأن نعم تتضمن إعادة السؤال و لو لم يعد اللفظ، و فيه تردد.

أقول: ينشأ من ان نعم صريحة في إعادة السؤال و كأنه (71) قال: زوجت و قد حصل لفظ الإيجاب، فإذا قبل الزوج صح النكاح لأصالة الصحة. و من ان قوله: زوجت بنتك من فلان استخبار، و قول الأب: نعم زوجت خبر، لأنه جواب الاستخبار، و الجواب لا يصلح ان يكون إنشاء، لأن الإنشاء لغة الابتداء، و اصطلاحا إيجاد عقد بلفظ يقارنه في الوجود، فالجواب لا يكون إنشاء، و هذا هو المعتمد.

قال (رحمه اللّه): و في السكران الذي لا يعقل تردد، أظهره أنه لا يصح و لو أفاق فأجاز، و في رواية: إذا زوجت سكرى نفسها ثمَّ أفاقت فرضيت أو دخل بها فأفاقت و أقرّته كان ماضيا.

أقول: لا فرق بين السكران و السكرى، و منشأ التردد، من ان السكران الذي لم يحصل كالمجنون في زوال العقل، فيكون حكمه حكمها في عدم الالتفات إلى عقده فيقع باطلا، و إذا وقع باطلا لم يؤثر فيه الإجازة بعد الانعقاد.

و من الرواية التي أشار إليها المصنف، و هي رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح، «قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة ابتليت بشرب

____________

(69)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 17 من أبواب المتعة، حديث 1.

(70)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 17 من أبواب المتعة، حديث 3.

(71)- «ن»: فكأنه.

25

النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلا في سكرها، ثمَّ أفاقت فأنكرت، ثمَّ ظننت انه يلزمها فوزعت منه ثمَّ أقامت مع الرجل على ذلك التزويج، إحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر و لا سبيل للزوج عليها؟ فقال: إذا أقامت عنده بعد ما أفاقت فهو رضا منها، فقلت: و يجوز ذلك التزويج عليها؟ قال: نعم» (72).

و بمضمونها أفتى الشيخ (رحمه اللّه) في النهاية، و تبعه ابن البراج، و منع ابن إدريس من ذلك، و اختاره المصنف و العلامة، و هو المعتمد.

____________

(72)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 14 من أبواب عقد النكاح، حديث 1. (و فيه: ففزعت منه).

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

في أولياء العقد

قال (رحمه اللّه): و هل يشترط في ولاية الجد بقاء الأب؟ قيل: نعم، مصيرا إلى رواية لا تخلو من ضعف، و الوجه أنه لا يشترط.

أقول: اشتراط بقاء الأب في ولاية الجد مذهب الشيخ في النهاية و ابن البراج و محمد بن بابويه و أحمد بن الجنيد و ابي الصلاح، لرواية الفضل بن عبد الملك، عن الصادق (عليه السلام) «قال الجد إذا زوج ابنة ابنه و كان أبوها حيا و كان الجد مرضيا جاز» (73) مفهوم هذه الرواية على اشتراط بقاء الأب في ولاية الجد لقوله: «و كان أبوها حيا و كان الجد مرضيا»، و ذهب المفيد و سلار و السيد المرتضى و ابن إدريس الى عدم الاشتراط، و اختاره المصنف و العلامة و أبو العباس، و هو المعتمد، لأن ولاية الجد ثابتة في حياة الأب فتثبت بعد وفاته عملا بالاستصحاب، و لأن ولاية الجد أقوى من ولاية الأب، لأنهما لو زوجاها برجلين دفعة صح عقد الجد و بطل عقد الأب.

و لو اختار الأب زوجا و اختار الجد غيره قدم اختيار الجد و كان ولايته

____________

(73)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 11 من أبواب عقد النكاح، حديث 4.

28

أقوى، و الأقوى لا يكون مشروطا بالأضعف، و الرواية قاصرة عن المطلوب، لضعف سندها، لأن في طريقها الحسن بن محمد بن سماعة و جعفر بن سماعة، و هما واقفيان، و لضعف دلالة المفهوم.

و لا فرق في ثبوت ولايتهما على الصغيرين و المجنونين، قال أبو العباس في مهذبه: سواء كان جنونهما مستمرا قبل البلوغ أو عرض بعد زوال الولاية عنهما لرشدهما بعد البلوغ، و هو جيد.

[ثبوت الخيار للصبية بعد البلوغ إذا زوجها أبوها أو جدها و عدمه]

قال (رحمه اللّه): و لا خيار لها بعد بلوغها على أشهر الروايتين، و كذا لو زوج الأب أو الجد الولد الصغير لزمه العقد، و لا خيار له بعد بلوغه و رشده على الأشهر، و هل تثبت ولايتهما على البكر الرشيدة؟ فيه روايات، أظهرها: سقوط الولاية عنها، و ثبوت الولاية لنفسها في الدائم و المنقطع حتى لا يجوز لهما ان ينفردا عنها بالعقد.

أقول:

هنا ثلاث مسائل:

أ- في ثبوت الخيار للصبية بعد البلوغ إذا زوجها أبوها أو جدها له

، و المشهور عدم ثبوته لها، و لم يتردد فيه أحد من الأصحاب، و جزم به المصنف في المختصر، و لم يجزم به هنا، بل قال على أشهر الروايتين (74)، لأن محمد بن مسلم روى عن الباقر (عليه السلام) قال، «سألته عن الصبي يتزوج الصبية؟ قال: ان كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز، لكن لهما الخيار إذا أدركا، فإن رضيا بعد فالمهر على الأب» (75) فهذه الرواية دالة على ثبوت الخيار لهما، و لم يعمل بها أحد من الأصحاب، لأنه عقد صدر من ولي شرعي لا ضرر فيه على المولى عليه

____________

(74)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 6 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، حديث (1 و 2 و 3 و 7).

(75)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 6 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، حديث 8.

29

فكان (76) ثابتا.

ب- في ثبوت الخيار للصبي إذا زوجه أبوه أو جده لأبيه

، و أثبته الشيخ في النهاية، و تبعه ابن البراج و ابن إدريس، و هو مذهب ابن حمزة، لرواية يزيد الكناني (77)، و المعتمد لزوم العقد، و هو مذهب المصنف و العلامة، لأنه عقد صدر من أهله و هو الولي الإجباري، فيكون لازما كالصبية.

و يمكن الفرق بينهما فإن الصبي ربما تطرق اليه الضرر في ذلك، لأنه أثبت لها في ذمته مهرا و نفقة، و لا فائدة له في النكاح حالة الصبي، بخلاف الصبية فإنه أثبت لها مهرا في ذمة الزوج و نفقة، و لا ضرورة عليها.

و المعتمد المساواة بينهما في عدم ثبوت الخيار، لأن الولي أعرف بالمصلحة، و هي غير منتفية، فيلزم العقد لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (78).

ج- في ثبوت ولايتهما على البكر البالغة الرشيدة

و قد اختلف الأصحاب هنا على

خمسة أقوال:

الأول: لا ولاية عليها في الدائم و المنقطع

، بل الولاية لنفسها خاصة، و هو قول المفيد في أحكام النساء، و به قال سلار و السيد المرتضى و ابن الجنيد، و اختاره ابن إدريس و المصنف و العلامة و أبو العباس، و هو المعتمد.

الثاني: ثبوت الولاية عليها للأب خاصة

، و هو قول الشيخ في النهاية و ابن البراج و محمد بن بابويه.

الثالث: اشتراك الولاية بينها و بين الأب و الجد بحيث لا ينفرد احد منهم دون الآخر

، و هو أحد قولي المفيد.

____________

(76)- من «ن» و «م» و في غيرهما: و كان.

(77)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 6 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد حديث 9.

(78)- المائدة: 1.

30

الرابع: اشتراك الولاية بينها و بين الأب خاصة

، و هو قول أبي الصلاح.

الخامس: استقلالها دونهما بعقد المتعة خاصة

، لكن لا يطأها الزوج في الفرج، و هو قول ابن حمزة، و ذكره الشيخ في النهاية رواية.

و نقل المصنف قولا سادسا: و هو استقلالها بالدائم دون المنقطع، و لم أقف على قائله، و مستند الجميع الروايات (79).

قال (رحمه اللّه): و لا ولاية للوصي و ان نص له الموصي على النكاح على الأظهر.

أقول: قال الشيخ في الخلاف بثبوت الولاية للوصي إذا نص الموصي على ذلك، و اختاره العلامة في المختلف لرواية أبي بصير (80)، عن الصادق (عليه السلام)، و قيل: ليس له ذلك و ان نص الموصي، و اختاره المصنف و العلامة في باقي كتبه.

قال (رحمه اللّه): و لو وكلته في تزويجها منه، قيل: لا يصح لرواية عمار، و لأنه يلزم ان يكون موجبا قابلا، و الجواز أشبه.

أقول: المشهور الجواز، و هو المعتمد، و قد تقدم البحث (81) في عدم المنع من كونه موجبا قابلا، و الرواية ضعيفة، لأن عمارا فطحي، و في طريقها مصدق بن صدقة، و هو فطحي أيضا.

و صورة العقد على نفسه ان يقول: زوجت موكلتي فلانة من نفسي، قبلت النكاح.

قال (رحمه اللّه): إذا زوجها الولي بدون مهر المثل، هل لها أن تعترض؟ فيه

____________

(79)- الوسائل، كتاب النكاح، باب (3 و 4 و 6 و 9) من أبواب عقد النكاح، و باب 11 من أبواب المتعة.

(80)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 8 من أبواب عقد النكاح، حديث 4.

(81)- ج 2، ص 17- 18، و ص 355.

31

تردد، و الأظهر أن لها الاعتراض.

أقول: منشأ التردد من ان النكاح معاوضة على الفرج، فكما لها الاعتراض إذا باع مالها بدون ثمن المثل، كذا لها الاعتراض إذا زوجها بدون مهر المثل.

و من انه ليس بمعاوضة محضة لجواز أخلاء النكاح عن ذكر المهر، و لأن المقصود من النكاح النسل و كف الشهوة، و المهر تابع، بخلاف بيع المال فان المقصود منه العوض فقط، و الأصل الصحة.

و ذهب المصنف و العلامة في القواعد ان لها الاعتراض، و اختاره فخر الدين، و هل الاعتراض في فسخ المهر؟ أو فسخ النكاح أطلق المصنف و العلامة في القواعد و فخر الدين ذلك، و جزم العلامة في التحرير بان لها فسخ المسمى، قال: و هل لها فسخ النكاح؟ فيه نظر.

قلت: هذا نظر غريب من العلامة، لأن الذي يقتضيه الأصل عدم جواز فسخ النكاح قطعا، لجواز النكاح عن ذكر المهر، و انما الاعتراض في فسخ المسمى إذا كان دون مهر المثل، و قد نصوا على ذلك في باب تفويض المهر.

قال المصنف: و لو زوجها الولي بدون مهر المثل أو لم يذكر مهرا صح العقد و ثبت لها مهر المثل بنفس العقد، و فيه تردد. منشأ التردد من أن الولي له نظر المصلحة فيصح التفويض وثوقا بنظره، و هو أشبه.

و قال العلامة في القواعد و لو زوج الولي مفوضة أو بدون مهر المثل صح، و قيل: يثبت مهر المثل بنفس العقد، و فيه إشكال ينشأ من اعتبار المصلحة المنوطة بنظر الولي.

و قال في التحرير نحو ذلك. فقد ثبت ان التردد في المهر دون العقد.

قال (رحمه اللّه): عقد النكاح يقف على الإجازة على الأظهر.

32

أقول: هذا هو المشهور بين الأصحاب، و قال الشيخ في المبسوط و الخلاف: لا يكون موقوفا، و العمل على المشهور، و قد تقدم احتجاج الفريقين في باب البيع.

قوله: و يقع من البكر بالسكوت عند عرضه عليها.

الأصل في ذلك قول النبي (صلى اللّه عليه و آله): «البكر تستأذن، و اذنها صماتها، و الثيب يعرب عنها لسانها» (82) و الاعراب هو التبيين أي يبين عنها لسانها، و قال ابن إدريس: لا بد من النطق و لا يكفي السكوت، لأنه أعم.

قال (رحمه اللّه): و إذا زوجها بمملوك لم يكن لها الخيار إذا بلغت، و كذا (لو زوج) (1) الطفل، و قيل: بالمنع في الطفل، لأن نكاح الأمة مشروط بخوف العنت و لا خوف في جانب الصبي.

أقول: قوله: (و كذا الطفل) أي لو زوجه بالمملوكة ليس له خيار بعد البلوغ، و سيأتي وجه الخلاف في ذلك إنشاء اللّه تعالى.

قال (رحمه اللّه): لا يجوز نكاح الأمة إلا بإذن مالكها، و لو كانت امرأة، و قيل: لها ان تتزوج متعة إذا كانت لامرأة من غير إذنها، و الأول أشبه.

أقول: القائل هو الشيخ في النهاية استنادا إلى رواية سيف بن عميرة (83)، عن الصادق (عليه السلام)، و الأول هو المعتمد، لعموم قوله تعالى فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ (84).

[إذا اذن المولى لعبده في إيقاع العقد صح]

قال (رحمه اللّه): إذا اذن المولى لعبده في إيقاع العقد صح، و اقتضى الإطلاق الاقتصار على مهر أمثاله، فإن زاد كان الزائد في ذمته يتبع به إذا تحرر، و يكون

____________

(82)- سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب استئمار البكر و الثيب، حديث 1872 (قريب منه).

(1)- من المطبوعة.

(83)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 14 من أبواب المتعة، حديث 1 و 2 و 3.

(84)- النساء: 25.

33

مهر المثل على مولاه، و قيل: في كسبه، و الأول أظهر، و كذا القول في نفقتها.

أقول:

اختلف الأصحاب هنا على ثلاثة أقوال:

أ- ان المهر و النفقة على المولى

، لأنهما من توابع العقد المأذون فيه، و هو مذهب ابن إدريس، و اختاره المصنف و العلامة في قواعده و فخر الدين، و هو المعتمد.

ب- في كسب العبد

و هو مذهب الشيخ في المبسوط.

ج- التفصيل و هو ان كان مكتسبا كان في كسبه، و ان لم يكن مكتسبا كان على المولى

، و هو قول ابن حمزة، و اختاره العلامة في المختلف، و سيأتي تحقيق ذلك ان شاء اللّه تعالى.

[إذا زوجها الأخوان برجلين، فان وكلتهما فالعقد للأول]

قال (رحمه اللّه): إذا زوجها الأخوان برجلين، فان وكلتهما فالعقد للأول، و لو دخلت بمن تزوجها أخيرا فحملت ألحق الولد به و ألزم مهرها و أعيدت إلى السابق بعد انقضاء العدة، و ان اتفقا في حالة واحدة، قيل: يقدم الأكبر، و هو تحكم.

أقول: القائل بتقديم عقد الأكبر مع الاقتران هو الشيخ في النهاية و ابن حمزة و ابن البراج، لرواية وليد بياع الاصفاط (85)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

و منع ابن إدريس من ذلك، و نسب المصنف تقديم الأكبر إلى التحكم- و هو القول بغير دليل- لأنهما وكيلان، و مع الاقتران يبطل العقدان لتدافعهما، فتقديم أحدهما على الآخر ترجيح من غير مرجح، فلهذا نسبه الى التحكم.

قال العلامة في المختلف: و ليس ببعيد عندي من الصواب ان يجعل لها الخيار في إمضاء عقد أيهما كان إذا عقد كل واحد منهما قد قارن زوال ولايته، لأنه

____________

(85)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 7 من أبواب عقد النكاح، حديث 4.

34

حالة عقد الآخر فبطلت هيئة عقد كل واحد منهما و هي (و نهى) (86) اللزوم، و يبقى كل واحد منهما كأنه فضولي في العقد، هذا آخر كلامه (رحمه اللّه).

و فيه نظر، لأنهم قد حكموا ببطلان العقدين مع التقارن، فتخصيص البطلان بالهيئة التي هي اللزوم دون بطلان أصل العقد تخصيص من غير مخصص.

فروع:

الأول: إذا تحقق سبق عقد أحد الوكيلين أو الوليين كالأب و الجد له و اشتبه

، فيه احتمالات، أقواها انهما يؤمران بالطلاق، بأن يقول كل واحد منهما:

ان كانت فلانة زوجتي فهي طالق، ثمَّ ينكح من شاءت بعد ذلك، فان امتنعا أو أحدهما من الطلاق لم يجبرا عليه و لا أحدهما، للإجماع على عدم وقوع طلاق المكره، و لا يقرع بينهما، لأن القرعة امارة ضعيفة تفيد الظن، فلا يباح بها الفروج المترتب عليها إلحاق النسب، و تحريم المحارم، و جواز النظر إليهن، و ما شاكل ذلك من الأمور المهمة المبنية على الاحتياط، و لا يجب التربص الى حين التذكر لما في ذلك من الإضرار بالمرأة، بل يفسخ الحاكم ان كان و الا المرأة دفعا للضرر المنفي، و الا لزم تعطيلها و منعها من حقوقها، و ذلك ضرر عظيم، و هو منفي بقوله (عليه السلام): «لا ضرر و لا إضرار» (87)، و لا مهر مع الفسخ، لأنه كفسخ العيب.

الثاني: لو اشتبه الحال، فلم يعلم السبق و لا الاقتران

، فالعلامة في القواعد جعل حكمه كما لو علم سبق أحدهما و اشتبه، و قال الشيخ: مع الاشتباه يبطل العقد، لأنه إن اقترنا بطلا (88)، و ان ترتبا لم يمكن العلم به و لا بخصوصية السابق فيبطل، و الا لزم تكليف ما لا يطاق، لأن العلم به غير مقدور لنا، فلا يمكن

____________

(86)- كذا في الأصل، و ليست في «م» و «ن».

(87)- الوسائل، كتاب احياء الموات، باب 212 حديث 3 و 4 و 6، و كتاب الشفعة، باب 5، حديث 1.

(88)- «م» و «ن»: بطل.

35

إمضاؤه، و كل عقد تعذر إمضاؤه فهو باطل.

و مذهب العلامة أحوط لاحتمال ترتيبهما، فيكون أحدهما صحيحا فلا يباح لها نكاح غيره بغير الطلاق أو الفسخ.

الثالث: لو ادعى كل منهما السبق و صدقت (89) أحدهما احتمل ثبوت عقده

، لأنه ادعى عليها حقا فاعترفت به فيثبت ما ادعاه. و يحتمل العدم، لأن الخصم هو الزوج الآخر فلا ينفذ تصديقها في حقه و دعواه ثابتة، فعلى القول بعدم اعتبار تصديقها يكون الحكم كما في الفرع الأول، و على القول باعتباره، هل يسقط دعوى الآخر، لأن الحق قد ثبت لغيره، أو لا تسقط؟ و الفائدة ثبوت مهر المثل للثاني لو اعترفت له على القول بضمان منفعة البضع بالتفويت، و سيأتي تحقيقه في بابه إنشاء اللّه تعالى.

و لو نكلت عن اليمين فحلف، فان قلنا: اليمين مع النكول كالبينة، انتزعت من الأول الى الثاني، لأن البينة أقوى من الإقرار، و ان قلنا: كالإقرار فهي للأول و تغرم للثاني.

قال (رحمه اللّه): و لا ولاية للأم على الولد، فلو زوجته فرضي لزمه العقد، و ان كره لزمها المهر، و فيه تردد، و ربما حمل على ما إذا ادعت الوكالة عنه.

أقول: منشأ التردد من أصالة براءة ذمة الأم من المهر، لأن عقدها فضولي كالأجنبي و كما (90) لا يضمن الأجنبي مع عدم الرضا بعقده شيئا، كذا لا تضمن الأم مع عدم الرضا بعقدها شيئا.

و من رواية محمد بن مسلم (91)، عن الباقر (عليه السلام) الدالة على لزوم المهر

____________

(89)- «م» و «ن»: فصدقت.

(90)- «م» و «ن»: فكما.

(91)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 7 من أبواب عقد النكاح، حديث 3.

36

للأم، و بمضمونها افتى الشيخ في النهاية و تبعه ابن البراج، و منع منه ابن إدريس، و اختاره المصنف و العلامة، و الحمل على دعوى الوكالة ضعيف، لأن الرواية خالية عن ذلك.

قال (رحمه اللّه): إذا زوج الأجنبي امرأة، فقال الزوج: زوّجك العاقد من غير إذنك، فقالت: بل أذنت، فالقول قولها مع يمينها على القولين، لأنها تدعي الصحة.

أقول: المراد بالقولين القول بان عقد الفضولي يقف على الإجازة و القول بأنه يقع باطلا، فعلى القولين يكون القول قولها.

فان قيل: أما على القول بوقوعه باطلا فقد يتصور لهذه الدعوى فائدة:

و هي لو اعترفت له بما ادعاه أو نكلت فحلف بطل العقد، أما على القول بوقوفه على الإجازة، فلا يتصور للدعوى فائدة، لأنها لو اعترفت بعدم الاذن ثمَّ اجازته لزم العقد، فما الفائدة في قوله: (على القولين)؟

قلنا: الفائدة هنا- مع التصديق- انتفاء اللزوم، (إذ لو صدقت) (92) بما ادعاه لم يلزمه العقد حالة وقوعه، و كان لها فسخه، و ربما رجا (93) ذلك منها، لأنه إذا قال: زوّجك العاقد بغير إذنك و أريد أن تفسخي العقد، ربما أجابت الى ذلك، فيتصور للدعوى فائدة، و انما كان القول قولها على القولين، لأن على أحدهما تدعي الصحة، و على الآخر تدعي اللزوم فيقدم قولها، لأن الأصل في العقد الصحة و اللزوم.

____________

(92)- في «م» و «ن».

(93)- «ن»: جاز.

37

في أسباب التحريم

قال (رحمه اللّه): فلو زنا فانخلق من مائه ولد على الجزم لم ينسب اليه شرعا، و هل يحرم على الزاني و الزانية؟ الوجه انه يحرم، لأنه مخلوق من مائه، فهو يسمى ولدا لغة.

أقول: أجمعت الإمامية على التحريم هنا، إلا أنهم اختلفوا في وجهه، قال الشيخ في الخلاف: دليلنا انه إذا زنى بامرأة حرمت عليه بنتها و انتشرت الحرمة و هذه بنتها، ثمَّ قال: و أيضا قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ (94) و هذه بنته لغة و ان لم يكن شرعا.

و ابن إدريس جعل الوجه كفر ولد الزنا، و الكافر لا يجوز نكاحه للمسلم.

و المصنف و العلامة و غيرهما من المتأخرين جعلوا الوجه ثاني وجهي الشيخ (رحمه اللّه)، و هو أنسب.

و المعتمد انه لا يثبت من توابع النسب غير تحريم النكاح فقط، و ما عداه فالحكم فيه كالأجانب.

____________

(94)- النساء: 23.

38

قال (رحمه اللّه): و لو احتمل ان يكون منهما استخرج بالقرعة على تردد، أشبهه ان يكون للثاني.

أقول: إنما يحتمل ان يكون منهما إذا كان لستة أشهر من وطي الثاني و لغيره (95) لعشرة، فما (دون من وطي الأول، فهنا) (96) يحتمل ان يكون منهما، و تردد المصنف بين القرعة و بين لحاقه بالثاني (97) من عموم قوله (عليه السلام):

«الولد للفراش» (98) و المراد به الوطي (المباح، فهي فراش للثاني) (99) حقيقة، لأن الأول قد زال فراشه بالطلاق.

و من احتمال الحاقه بكل (واحد منهما، فاختصاص) (100) 1 أحدهما دون الآخر من غير قرعة ترجيح من غير مرجح، فلا بد من القرعة، و هو مذهب الشيخ في المبسوط، و اختاره فخر الدين، و الأول اختيار المصنف و العلامة في القواعد.

____________

(95)- ليست في «م» و «ن».

(96)- من «م» و «ن».

(97)- هنا زيادة في «م» و «ن»: (من غير قرعة و منشأ التردد).

(98)- الوسائل، كتاب اللعان، باب 9، حديث 3.

(99)- من «م» و «ن».

(100)- ما بين القوسين من «م» و «ن».

39

في الرضاع

قال (رحمه اللّه): الأول: أن يكون اللبن عن نكاح، فلو درّ لم ينشر، و كذا لو كان عن زنا، و في نكاح الشبهة تردد، أشبهه تنزيله على النكاح الصحيح.

أقول: منشؤه من ان اللبن تابع للنسب، و نكاح الشبهة يلحق به النسب بلا خلاف، و قال (عليه السلام): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (101) 1، فيكون حكم لبن الشبهة حكم لبن النكاح الصحيح لتساويهما في التحاق النسب فيتساويان في حكم الرضاع.

و من أصالة الإباحة ما لم يعلم السبب المحرم، و هو غير معلوم هنا.

و الأول هو المشهور بين الأصحاب، و هو المعتمد، و الثاني مذهب ابن إدريس (فإنه قال: الشبهة لا تنشر حرمة، ثمَّ بعد ذلك بلا فصل قوى التحريم، ثمَّ قال: في ذلك نظر و تأمل، و حاصله يرجع الى تردده فيه) (102) 1.

[الرضاع المحرم]

قال (رحمه اللّه): و لا حكم لما دون العشر إلا في رواية شاذة، و هل يحرم

____________

(101)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

(102)- ليس في «م» و «ن».

40

بالعشر؟ فيه روايتان، أصحهما: أنه لا يحرم، و ينشر الحرمة ان بلغ خمس عشرة رضعة، أو رضع يوما و ليلة.

أقول:

يعتبر تقدير الرضاع المحرم بأمور ثلاثة:

أ- ما أنبت اللحم و شد العظم

و المرجع فيه الى عرف أهل الخبرة.

ب- رضاع يوم و ليلة بشرط ان لا يمنعه من الرضاع في اليوم و الليلة مانع من مرض أو غيره، و لا بد ان يحصل مسمى الارتضاع، فاذا حصل ذلك نشر الحرمة من غير اعتبار عدد و لا اشتداد.

ج- العدد، و قد اختلف الأصحاب فيه على أقوال أربعة:

أ- ما يصدق عليه اسم الرضعة

- و هو ملأه بطن الصبي، إما بالمص أو بالوجر- محرم للنكاح، و هو قول ابن الجنيد محتجا برواية علي بن مهزيار (103) 1، عن أبي الحسن (عليه السلام)، و هي مشتملة على المكاتبة، و إليها أشار المصنف بقوله:

(في رواية شاذة).

ب- ما رواه محمد بن بابويه: «انه لا يحرم الإرضاع خمسة عشر يوما»

(104) 1، و روي «انه لا يحرم الا ما ارتضع من ثدي واحد سنة» (105) 1.

ج- حصول التحريم بعشر رضعات

، و هو قول المفيد و السيد المرتضى و أبي الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة و ابن أبي عقيل، و اختاره العلامة في المختلف و أبو العباس في كتابيه، لأنه أحوط، و عليه روايات (106) 1 كثيرة، و هو قول

____________

(103)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، حديث 10.

(104)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث 5. راجع المقنع: 110.

(105)- المصدر المتقدم، حديث 17، و من لا يحضره الفقيه 3: ص، حديث 13- 14 (1475- 1476).

(106)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، حديث 11 و غيره.

41

أكثر الأصحاب.

د- اشتراط خمس عشرة رضعة

، و هو قول الشيخ في النهاية و المبسوط و كتابي الأخبار، و اختاره المصنف و العلامة في أكثر كتبه، و الدليل الروايات (107) 1.

و ابن إدريس اختار في أول بحثه التحريم بالعشر رضعات، و شنع على الشيخ، و جعل قوله مذهب الشافعي ثمَّ رجع الى قول الشيخ في آخر بحثه، فشنع عليه العلامة في المختلف في ذلك.

قال (رحمه اللّه): و يرجع في تقدير الرضعة إلى العرف، و قيل: أن يروى الصبي و يصدر من قبل نفسه.

أقول: القولان للشيخ (رحمه اللّه)، و المشهور اعتبار العرف، و اختاره المصنف و العلامة، لأن كل لفظ أطلقه الشارع و لم يبين (108) 1 له حدّا رجع فيه الى العرف، و الثاني اختيار فخر الدين.

قال (رحمه اللّه): و لا بد من ارتضاعه من الثدي في قول مشهور.

أقول: هذا هو المشهور بين الأصحاب، إلا ابن الجنيد فإنه لم يشترط الامتصاص من الثدي، بل اكتفى بالوجور في حلقه لرواية جميل بن دراج في الصحيح (109) 1، عن الصادق (عليه السلام).

و الأول هو المعتمد، لأنه لا يسمى رضاعا الا مع الامتصاص من الثدي.

قال (رحمه اللّه): و لو ارتضع من ثدي الميتة أو رضع بعض الرضعات و هي حية و أكملها و هي ميتة لم ينشر الحرمة، لأنها خرجت بالموت عن التحاق الأحكام و هي كالبهيمة المرتضعة، و فيه تردد.

____________

(107)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، حديث 1 و 14.

(108)- «م»: يعين.

(109)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع، حديث 3.

42

أقول: منشأ التردد مما قاله المصنف، و من عموم قوله (عليه السلام):

«حرمة الميتة كحرمة الحية» (110) 1 و من جملته انتشار التحريم بالرضاع، و لم أجد به قولا لأصحابنا، بل هو قول أكثر الجمهور كأبي حنيفة و مالك و الأوزاعي، و فتاوي أصحابنا كلها متطابقة على عدم انتشار الحرمة بلبن الميتة.

[أن يكون في الحولين و يراعى ذلك في المرتضع]

قال (رحمه اللّه): الثالث: أن يكون في الحولين و يراعى ذلك في المرتضع، لقوله (عليه السلام): «لا رضاع بعد فطام»، و هل يراعى في ذلك ولد المرضع؟ الأصح انه لا يعتبر.

أقول: اما اعتبار الحولين في المرتضع فهو إجماع الا من ابن ابي عقيل، فإنه نشر الحرمة بالرضاع بعد الحولين كما قبلهما إذا لم يتخلله فطام، و المشهور الأول، لما رواه حماد بن عثمان في الموثق: «قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

لا رضاع بعد فطام، قلت: جعلت فداك، و ما الفطام؟ قال: الحولان اللذان قال اللّه عز و جل» (111) 1.

أما المرتضع الذي حصل اللبن بولادته فالمشهور عدم اعتبار الحولين فيه، لأن المرأة إذا كان لها لبن من نكاح حلال و مضى لها أكثر من حولين ثمَّ أرضعت به من له أقل من حولين رضاعا محرما انتشرت الحرمة بينهما.

و قال أبو الصلاح و ابن حمزة و ابن زهرة باعتبارهما في ولد المرضعة كاعتبارهما في المرتضع، لأن الرضاع المعتبر ما حصل قبل الفطام، و كما (112) 1 اعتبر في أحد المرتضعين اعتبر في الآخر، و لعموم قوله (عليه السلام): «لا رضاع بعد فطام» (113) 1 و الأول هو المعتمد، و هو اختيار المصنف و العلامة في أكثر كتبه،

____________

(110)- الوسائل، كتاب الحدود و التعزيرات، باب 19 من أبواب حد السرقة، حديث 6.

(111)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 5 من أبواب ما يحرم الرضاع، حديث 5.

(112)- «م»: فكما. و في «ن»: فلما.

(113)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الأحاديث (2 و 5 و 9 و 11 و 12).

43

و توقف في المختلف.

فرع (114) 1: لو حصل الاشتباه في الرضاع، هل وقع قبل الحولين أو بعدهما؟

فقد تعارض أصل البقاء و أصل الإباحة، لأن الأصل عدم خروج الحولين ما لم تتحقق، و الأصل عدم التحريم ما لم يتحقق السبب المحرم و هو غير متحقق، لأن مطلق الرضاع غير محرم، بل إذا حصلت شروطه (115) 1 و بعض شروطه غير متحقق، و هو وقوعه في الحولين فيرجع أصل الإباحة لثبوته قبل الرضاع، و السبب الناقل عنه غير متحقق.

قال (رحمه اللّه): و يكره أن يسترضع من ولادتها عن زنا، و روي: أنه إذا أحلها مولاها فعلها طاب لبنها و زالت الكراهة، و هو شاذ.

أقول: الرواية إشارة الى ما رواه إسحاق بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: سألته عن غلام لي وثب على جارية فأحبلها فولدت، و احتجنا الى لبنها، فإذا أحللت لهما ما صنعا يطيب لبنها؟ قال: نعم» (116) 1 و بمضمون الرواية أفتى الشيخ في النهاية، و اطرحها الباقون لمخالفتها للأصل، لأن التحليل انما يبيح إذا وقع قبل الفعل لا بعده.

[هل ينكح أولاده الذين لم يرضعوا من هذا اللبن في أولاد هذه المرضعة و أولاد فحلها؟]

قال (رحمه اللّه): و هل ينكح أولاده الذين لم يرضعوا من هذا اللبن في أولاد هذه المرضعة و أولاد فحلها؟ قيل: لا، و الوجه الجواز.

أقول: قال (117) 1 الشيخ في الخلاف بعدم الجواز معولا على رواية أيوب بن

____________

(114)- «ن»: فروع: الأول.

(115)- «ن»: شرائطه.

(116)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 75 من أبواب أحكام الأولاد، حديث 5.

(117)- «م»: قول.

44

نوح (118) 1، عن أبي الحسن (عليه السلام)، و الجواز مذهب ابن إدريس و المصنف و العلامة في أكثر كتبه، لأن أخ الأخ إذا لم يكن أخا يحل من النسب فحله من الرضاع أولى، و هو المعتمد.

فرع: المشهور بين أصحابنا انه يجوز للفحل ان يتزوج (119) 1 بأخت المرتضع و جدته

، لأنه لا نسب بينهما و لا رضاع، و خالف ابن إدريس في ذلك، لأنه لا يجوز ان يتزوج بجدة ولده و لا أخته من النسب، فكذا لا يجوز من الرضاع.

و أجيب بأن التحريم من جهة النسب لأجل المصاهرة، و لا مصاهرة في الرضاع.

قال (رحمه اللّه): و لو تولت المرضعة إرضاعها مختارة، قيل: كان للصغيرة نصف المهر، لأنه فسخ حصل قبل الدخول و لم يسقط، لأنه ليس من الزوجة، و للزوج الرجوع على المرضعة بما أداه إن قصدت الفسخ، و في الكل تردد، مستنده الشك في ضمان منفعة البضع.

أقول: لا شك (120) 1 ان ضمانها و الرجوع عليها مبني على ضمان منفعة البضع بالتفويت، و هو مشكوك فيه من أصالة براءة الذمة، لأنه ليس بمال، و لأن منفعة البضع لا تضمن بغير الوطي المباح لها ظاهرا.

و من قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا جٰاءَكُمُ الْمُؤْمِنٰاتُ مُهٰاجِرٰاتٍ الى قوله وَ آتُوهُمْ مٰا أَنْفَقُوا (121) 1 و أراد بذلك المهر عوض المنفعة، و لأن المهر عوض المنفعة، فإذا أتلف أحد المنفعة التي قابلها يكون ضامنا لها، فعلى هذا يتحقق الضمان، و هل يفتقر الضمان الى قصد الفسخ؟ ظاهر المصنف افتقاره إليه،

____________

(118)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 16 من أبواب ما يحرم بالرضاع، حديث 1.

(119)- «ن»: يزوج.

(120)- «ن»: لأن.

(121)- الممتحنة: 10.

45

و ظاهر العلامة و مذهب فخر الدين عدم الافتقار، لأن جميع المتلفات لا يفتقر في ضمانها الى قصد الإتلاف.

و هل الضمان للجميع أو للنصف؟ المشهور ضمان النصف، لأنها فرقته (122) 1 حصلت قبل الدخول، و يحتمل وجوب الجميع، لأنه يجب جميعه بالعقد، و انما يتنصف بالطلاق، و لم يحصل، فيجب الجميع.

قال (رحمه اللّه): و للصغيرة مهرها لانفساخ العقد بالجميع (1)، و قيل: يرجع به على الكبيرة.

أقول: سبق البحث في هذه، لأن مبناه على ضمان منفعة البضع، و قد سبق (123) 1 البحث فيها.

قال (رحمه اللّه): نعم لو كانت موطوءة بالعقد رجع عليها، و عندي في ذلك تردد.

أقول: منشؤه من القول بضمان منفعة البضع و عدمه، و قد سبق (124) 1.

[إذا قال: هذه أختي من الرضاع أو بنتي على وجه يصح فان كان قبل العقد حكم عليه بالتحريم ظاهرا]

قال (رحمه اللّه): إذا قال: هذه أختي من الرضاع أو بنتي على وجه يصح فان كان قبل العقد حكم عليه بالتحريم ظاهرا، و ان كان بعد العقد و معه بينة حكم بها، فان كان قبل الدخول فلا مهر، و ان كان بعده كان لها المسمى، و ان فقد البينة و أنكرت الزوجة، لزمه المهر كله مع الدخول و نصفه مع عدمه على قول مشهور، و لو قالت المرأة: ذلك بعد العقد، لم تقبل دعواها في حقه إلا ببينة، و لو كان قبله حكم عليها بظاهر الإقرار.

أقول:

هنا مسئلتان:

____________

(122)- «م» و «ن»: فرقة.

(1)- في الشرائع المطبوع: بالجمع.

(123)- ص 33.

(124)- ص 33.

46

الأولى: ان يكون المدعي هو الزوج

و لا يخلو اما ان يدعي ذلك قبل الدخول أو بعده، و على التقديرين لا يخلو اما ان تصدقه المرأة أو تكذبه،

فالأقسام أربعة:

أ- ان يكون قبل الدخول و تصدقه المرأة

، فيبطل العقد و لا مهر و لا متعة.

ب- قبل الدخول أيضا و تكذبه المرأة و لا بينة

فيحكم عليه بالمحرمية دونها، لأن «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (125) 1، و اما المهر فالمشهور انه يجب عليه نصفه، لأنها فرقة حصلت من جهته قبل الدخول فأشبهت الطلاق.

و يحتمل وجوب الجميع عليه، لأن الجميع قد ثبت بالعقد، و انما يتنصف بالطلاق، و هو لم يحصل، فيجب الجميع، و هو المعتمد.

ج- ان يكون الدعوى بعد الدخول و تصدقه المرأة

، فإن كانت جاهلة حالة العقد وجب لها المهر المسمى على المشهور، لأن العقد هو سبب ثبوت المهر، و لأنه السبب في إباحة الوطي، و كان كالصحيح المقتضي لوجوب المسمى.

و يحتمل ثبوت مهر المثل دون المسمى لظهور بطلان العقد و المهر ما لزمه من جهة العقد، بل هو من جهة الوطي بالشبهة، فيكون لها عوض البضع، و هو مهر أمثالها، و هو المعتمد و الضابط ان كل عقد حكم ببطلانه من أصله ثمَّ تعقبه وطي مع جهل المرأة وجب فيه مهر المثل، و كل عقد تعقبه الفسخ وجب فيه المسمى.

د- ان يكون بعد الدخول و تكذبه المرأة و لا بينة

، فهنا يجب المسمى قطعا، و تحرم عليه، لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، و لا يحل لها الزواج لاعترافها بأنها زوجة.

و يستحب له ان يطلقها بأن يقول: (ان كانت فلانة زوجتي فهي طالق) فان امتنع لم يجبر على ذلك، و فسخ الحاكم ان كان، و الا فسخت هي دفعا

____________

(125)- الوسائل، كتاب الإقرار باب 3، حديث 2.

47

للضرورة.

الثانية: أن تكون المرأة هي المدعية و الأقسام الأربعة آتية هنا:

أ- ان يكون قبل الدخول و يصدقها

، فحينئذ تثبت الفرقة و لا مهر و لا متعة.

ب- ان يكون قبله و يكذبها

، فلا تحصل الفرقة، و ليس لها المطالبة بشيء، و ان ادعت علمه بذلك وجبت اليمين على نفي العلم، فان حلف ثبت العقد بمعنى عدم حلها للأزواج لا بمعنى (126) 1 وجوب تسليم نفسها إليه، لأنها أقرت على نفسها بأنها محرمة عليه، فلا يحل لها تمكينه من نفسها، و ان نكل حلفت على الجزم و بطل العقد.

ج- ان يكون بعد الدخول و تصدقها

، فحينئذ يثبت المحرمية قطعا، اما المهر فان ادعت جهلها حالة العقد ثمَّ حصل لها العلم بذلك بعد العقد و الدخول بقول الثقات كان لها المسمى أو مهر المثل على الاحتمال السابق.

د- أن يكون بعد الدخول و يكذبها

، و الحكم فيه كما لو كان قبل الدخول ثمَّ كذبها فلا تحصل الفرقة بينهما، الا ان هناك ليس لها المطالبة بشيء خلافه هنا، إلا في المهر فان هناك لا مهر و هنا يثبت لها مع الجهل لها مهر المثل.

فروع:

الأول: إذا استقر العقد بيمين الزوج أو بنكولها بعد نكوله

بقيت معطلة ما لم يطلقها أو تموت، و ليس للحاكم و لا لها فسخ النكاح، كما لها فسخه إذا كان الزوج هو المدعي.

و الفرق إذا كان الزوج هو المدعي فان الضرورة قد حصلت لها بفعل الزوج لا بفعلها فساغ الفسخ دفعا للضرورة، و إذا كانت هي المدعية فالضرورة

____________

(126)- من «م» و «ن» و في غيرهما: معنى.

48

قد حصلت لها بفعلها بنفسها، فلا يباح الفسخ، لأصالة عدم جواز اشتراط (127) 1 حق الغير بغير رضاه، خرج منه الضرورة الأولى، لأنه أنزل الضرورة بغيره فساغ للشارع دفعها بإسقاط حق من أنزله بها.

الثاني: ليس لها المطالبة بشيء من حقوق الزوجية المتضمنة للاستمتاع قطعا

لاعترافها بتحريم ذلك عليها، و لا يجوز لها تمكينه منه لو أراده منها، و هل لها المطالبة بالنفقة؟ استشكل العلامة ذلك، لأنه معترف باستحقاق النفقة عليها، و قد عطلها عن الأزواج فيجب النفقة دفعا للضرورة.

و هذا ضعيف جدا، لأن النفقة لا تجب مع عدم التمكين من الزوجية، فكيف تجب مع انتفاء التمكين و اعتراف الزوجة بعدم الزوجية؟!

الثالث (128) 1: لو كذب المقر نفسه أو ادعى الغلط بعد الفرقة لم يقبل

، لأنه أقر بما يقتضي التحريم ظاهرا، فلا يباح برجوعه عن الإقرار.

قال (رحمه اللّه): و هي تتحقق مع الوطي الصحيح، و تشكل مع [الزنا و] الوطي بالشبهة و النظر و اللمس.

أقول: يأتي تحقيق البحث في ذلك إنشاء اللّه تعالى (129) 1.

قال (رحمه اللّه): و لو تجرد العقد عن الوطي حرمت الزوجة على أبيه و ولده، و لم تحرم بنت الزوجة عينا، بل جمعا، و لو فارقها جاز له نكاح بنتها، و هل تحرم أمها بنفس العقد؟ فيه روايتان: أشهرهما أنها تحرم.

أقول: إذا عقد الإنسان على امرأة ثمَّ فارقها قبل ان يدخل عليها لم تحرم عليه بنتها إجماعا، و هل تحرم أمها؟ المشهور بين الأصحاب التحريم، و هو

____________

(127)- «م» و «ن»: إسقاط.

(128)- كذا «م» و «ن» و في الأصل: فحينئذ.

(129)- ص 40 و ص 42.

49

المعتمد لقوله تعالى وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ (130) 1 وجه الاستدلال انه أطلق تحريم أم الزوجة و لم يقيده بالدخول بالبنت، و قيد تحريم الربيبة التي هي بنت الزوجة بالدخول بالأم، فوجب العمل بمقتضى إطلاق الآية، و لما رواه إسحاق بن عمار، عن الصادق (131) 1 (عليه السلام): «ان عليا (عليه السلام) كان يقول الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاتي دخلتم بهن في الحجور و غير في الحجور سواء، و الأمهات مبهمات، دخل بالبنات أو لم يدخل بهن، فحرموا و أبهموا ما أبهم اللّه» (132) 1.

و قال الحسن بن أبي عقيل و محمد بن بابويه في كتابه بعدم تحريم الأم إلا مع الدخول بالبنت لأصالة الإباحة، و لتقييد تحريم الربائب بالدخول، و هو معطوف على تحريم الأمهات فيكون أيضا تحريم الأمهات مقيدا بالدخول لتساوي المعطوف و المعطوف عليه بالحكم، و لرواية جميل بن دراج، عن الصادق (عليه السلام) ( «قال: الأم و البنت سواء إذا لم يدخل بها يعني إذا تزوج المرأة ثمَّ طلقها قبل ان يدخل بها فإنه ان شاء تزوج أمها و ان شاء ابنتها» (133) 1 تهذيب) (134) 1.

قال (رحمه اللّه): و لو وطأ الأب زوجة ابنه لشبهة، لم تحرم على الابن لسبق الحل، و قيل: تحرم، لأنها منكوحة الأب، و يلزم الأب مهرها، و لو عاودها الولد فان قلنا: الوطي بالشبهة ينشر الحرمة كان عليه مهران، و ان قلنا: لا يحرم- و هو

____________

(130)- النساء: 23.

(131)- «م» و «ن»: عن الباقر (عليه السلام).

(132)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 3 و باب 20، حديث 2.

(133)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث (3 و 4).

(134)- ما بين المعقوفتين ليس في «م» و «ن».

50

الصحيح- فلا مهر سوى الأول.

أقول: قد ذكر المصنف وجهي التحريم و عدمه (135) 1، و المعتمد عدم التحريم، و قوله: فان قلنا: الوطي بالشبهة ينشر الحرمة كان عليه مهران ان المراد به وطي الأب المذكور في هذه المسألة، و انما وجب عليه مهران على تقديم التحريم، لأنه يجب عليه مهر بالعقد السابق على وطي أبيه ثمَّ يجب عليه مهر آخر بالوطي الآخر المتأخر عن وطي أبيه، لأنها صارت محرمة عليه و قد وطأها للشبهة فيجب عليه مهر آخر لوطي الشبهة.

قال (رحمه اللّه): و لو تزوج بنت الأخ أو بنت الأخت على العمة أو الخالة من غير إذنهما كان العقد باطلا، و قيل: كان للعمة و للخالة الخيار في إجازة العقد و فسخه أو فسخ عقدهما بغير طلاق و الاعتزال، و الأول أصح.

أقول: الأول مذهب ابن إدريس، و اختاره المصنف و أبو العباس لكونه منهيا عنه، و الثاني قول الشيخين و سلار و ابن إدريس (136) 1 و ابن البراج، و اختاره العلامة في التحرير و المختلف، و الدليل الروايات (137) 1.

و الثالث نقله العلامة في المختلف عن أكثر الأصحاب، قال: و يحتمل ان يقال: ليس لها فسخ نكاحها، بل فسخ نكاح الداخلة، قال: و هو اختيار شيخنا أبو القاسم جعفر بن سعيد، لأن المنهي عنه انما هو العقد الثاني، فيختص الحكم به، و لا فرق بين العمة و الخالة الدنيا كأخت الأب و أخت الأم، أو العليا كأخت أب الأب و ان علا و أخت أم الأم و ان علت، و لا بين كونها (138) 1 من النسب أو الرضاعة، و لا بين الحرة و الأمة في العقد.

____________

(135)- ليس في «م» و «ن».

(136)- ليس في «م» و «ن».

(137)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

(138)- «م» و «ن»: كونهما.

51

أمّا (139) 1 ملك اليمين فالعلامة في القواعد ذهب الى جواز نكاح بنت الأخت و بنت الأخ على العمة و الخالة لأصالة الإباحة، و لأن الأمة لا اعتراض لها على سيدها، و لا تملك معه من أمر نفسها شيئا. و ذهب فخر الدين الى التحريم أيضا لعموم قوله (عليه السلام): «لا ينكح المرأة على عمتها و لا على خالتها» (140) 1 نهى عن النكاح على العمة و الخالة، و هو عام في العقد و ملك اليمين، و هو أحوط.

[الزنا بالمرأة هل ينشر حرمة التزويج؟]

قال (رحمه اللّه): و ان كان الزنا سابقا على العقد، فالمشهور تحريم العمة و الخالة إذا زنى بأمهما، أما الزنى بغيرهما، هل ينشر حرمة المصاهرة كالوطي الصحيح؟ فيه روايتان: إحداهما ينشر، و هي أصحهما طريقا، و الأخرى لا ينشر.

أقول: الزنا بالمرأة هل ينشر حرمة التزويج في أمها و بنتها؟ و هل يحرم على أبي الزاني و ابنه؟ اختلف الأصحاب في ذلك، و

البحث هنا يقع في أماكن:

أ- في الزنا المتأخر عن العقد و الوطي

كمن زنا بأم زوجته أو بنتها أو بزوجة أبيه أو ابنه بعد الدخول بالزوجة، فهذا الزنا لا ينشر الحرمة إجماعا.

ب- في الزنا المتأخر عن العقد المتقدم على الوطي

، و هذا لا ينشر الحرمة أيضا عند الأكثر، و خالف ابن الجنيد في ذلك و نشر الحرمة به، فعنده من عقد على امرأة ثمَّ زنا بأمها أو بنتها، أو لاط بأبيها أو ابنها أو أخيها قبل دخوله بالزوجة حرمت الزوجة عليه و انفسخ عقده، و كذا لو زنى بزوجة أبيه أو ابنه قبل دخول الأب أو الابن عليها، و المعتمد الأول لسبق الحل، و قوله (عليه السلام): «لا يحرم الحلال الحرام» (141) 1.

ج- في الزنا السابق على العقد

، و هو محل الخلاف، و هو على قسمين: زنا

____________

(139)- «ر 1»: أو.

(140)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 2.

(141)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 8 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 2.

52

بالعمة و الخالة، و زنا بغيرهما.

أما الزنا بالعمة و الخالة فهو محرم لبنتيهما على المشهور بين الأصحاب إلا ابن إدريس، فظاهره التوقف في ذلك، و المعتمد التحريم، و المستند رواية أبي أيوب، عن الصادق (عليه السلام) (142) 1 و أما الزنا بغيرهما فهو ينشر الحرمة عند الشيخ و أبي الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة و ابن زهرة (143) 1، و اختاره العلامة في المختلف، و قواه فخر الدين، و اختاره أبو العباس في المقتصر، و هو المعتمد، و هو (144) 1 أحوط، و الخطر في تحريم النكاح عظيم، و الخطر و ان كان هنا غير متيقن فهو مظنون لورود الأخبار الصحاح بالتحريم، كصحيحة محمد بن مسلم (145) 1، و صحيحة عيص بن القسم (146) 1، و صحيحة منصور بن حازم (147) 1 و غير ذلك، و الضرر المظنون يجب التحرز منه بترك ما لا ضرر فيه.

و قال المفيد و سلار و السيد و ابن إدريس: لا ينشر الحرمة، و اختاره المصنف في المختصر، و العلامة في الإرشاد و لم يختر في القواعد و التحرير شيئا، و استدلوا بقوله تعالى فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ (148) 1 و لأصالة الإباحة، و لأنه وطي لا حرمة له فلا يوجب تحريما، و لهم عليه روايات، منها رواية هشام بن المثنى (149) 1، و رواية حنان بن سدير (150) 1، و الأول مجهول و الثاني واقفي.

____________

(142)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 10 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 1- 2.

(143)- ليس في «ن».

(144)- «م» و «ن»: لأنه.

(145)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 1.

(146)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 2.

(147)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 3.

(148)- النساء: 3.

(149)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 7- 10.

(150)- الوسائل، كتاب النكاح، باب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 11.