كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد - ج1

- السيد عميد الدين الحسيني العميدي المزيد...
718 /
21

[مقدّمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه الذي أوضح لعباده سبل الرشاد، و هداهم الى طرق السداد، و لم يجعلهم يهيمون في غياهب الجهالات و ظلم الشبهات، بل خلق لهم العقل ليتوصّلوا بنوره إلى معرفة القضايا اليقينية، و بعث إليهم الرسل لبيان ما خفي عليهم من الأحكام الشرعية، و نصب الأوصياء المعصومين لحفظ تلك الأحكام، بحيث يصل الشرع إلى كافّة الأنام، و صلى اللّٰه على أشرف رسله و أنبيائه و أعظم من اصطفاه من أمنائه محمد المصطفى و على المعصومين من عترته و خلفائه.

أمّا بعد، فإنّ جماعة من طلّاب علم الفقه لمّا وقفوا على كتاب «قواعد الأحكام في معرفة الحلال و الحرام» لشيخنا الامام السعيد العلّامة جمال الدين أبي منصور الحسن ابن الشيخ الفقيه السعيد سديد الدين أبي المظفّر يوسف بن المطهّر الحلّي (قدّس اللّٰه روحهما و نوّر ضريحهما) الذي فاق نظراءه من الكتب الفقهية، و لم يناسبه غيره من المصنّفات الشرعية، وجدوا فيه مسائل مشكلة و نكات معضلة يحتاج إدراكها إلى بحث و تدقيق، و كشفها الى شرح و تحقيق، فكرّروا عليّ السؤال

22

مرّة بعد اخرى من عمل كتاب يحتوي على شرح معضلاته و كشف مشكلاته، فمنعني عن ذلك شواغل الدهر المنسوب أكثرها إلى قلّة إنصاف أهل هذا العصر.

ثمّ أرهفت عزمي على عمل هذا الكتاب الموسوم بكتاب «كنز الفوائد في حلّ مشكلات القواعد» و لم أقتصر فيه على شرح ما ذكر فيه إشكالا لا غير، بل كلّ مسألة ذكر فيها ذلك، أو قال: فيها نظر، أو أشار فيها إلى رواية أو خلاف أو احتمال، أو كانت تلك المسألة من الدقائق التي تحتاج الى البحث و البيان، فانّني إن شاء اللّٰه بعونه و حسن توفيقه أرجو أن أبيّن وجه الاشكال و النظر و خلاف من أشار الى خلافه، و مستند تلك الرواية، و وجه ذلك الاحتمال، و أوضّح تلك المسألة المشكلة على وجه يظهر لمن له أدنى بصيرة.

و أرجو من اللّٰه تعالى التوفيق لإتمامه، و أن يكون ذلك نافعا لمن يروم الانتفاع به، و أن يكون الولد العزيز العضد أبو طالب محمد، أنشأه اللّٰه نشوء الصالحين، و وفّقه و إيّانا لمراضي ربّ العالمين ممّن وفّق للانتفاع به، و أن يجعل ذلك خالصا لوجهه، و مقرّبا منه بمنّه و لطفه، انّه خير موفّق و أكرم معين.

23

كتاب الطهارة

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

المسائل المتعلّقة بكتاب الطهارة

[المقصد الأول في المقدمات]

[الفصل الأول في أنواعها]

قوله (رحمه اللّٰه): «الطهارة غسل بالماء أو مسح بالتراب متعلّق بالبدن على وجه له صلاحيّة التأثير في العبادة».

أقول: اختلفت عبارة الأصحاب في تعريف الطهارة، فقال الشيخ في النهاية:

الطهارة اسم لما يستباح به الدخول في الصلاة (1).

و أورد ابن إدريس على طرده غسل البدن و الثياب من النجاسة فإنّه ليس بطهارة مع صدق الحدّ عليه، و على عكسه وضوء الحائض فإنّه طهارة و لا يصدق عليها الحدّ (2).

و في المبسوط: الطهارة إيقاع أفعال في البدن مخصوصة على وجه مخصوص يستباح بها الصلاة (3).

____________

(1) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب 1 في ماهيّة الطهارة ج 1 ص 196.

(2) السرائر: كتاب الطهارة باب في أحكام الطهارة. ج 1 ص 56.

(3) المبسوط: كتاب الطهارة فصل في ذكر حقيقة الطهارة. ج 1 ص 4.

26

و أورد عليه أنّ الحدّ للإيضاح، و الأشياء المخصوصة غير مشار الى بيانها.

و قال الشيخ نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد: الطهارة: اسم للوضوء أو الغسل أو التيمّم على وجه له تأثير في استباحة الصلاة (1).

و أورد عليه شيخنا الوضوء المجدّد، إذ هو طهارة و المبيح للصلاة هو السابق دونه.

و أمّا ما ذكره في الكتاب فتقريره أن يقال: الغسل بالماء كالجنس، و يندرج فيه الغسل و الوضوء و غيرهما. و المسح بالتراب كالجنس الشامل للتيمّم و غيره، و تقييده فيها بقوله: «متعلّق بالبدن» يخرج غسل الثوب بالماء من النجاسة أو مسح الإناء أو غيره بالتراب.

و قوله: «على وجه له صلاحيّة التأثير في العبادة» يخرج غسل البدن بالماء من النجاسة أو مسح البدن بالتراب لا للتيمّم.

و قال «له صلاحيّة التأثير» و لم يقل: له تأثير كما قال غيره، ليدخل فيه الوضوء المجدّد.

و أقول: انّ هذا التعريف منقوض بالوضوء فإنّه ليس غسلا و لا مسحا، و بالتيمّم بالثلج فإنّه ليس غسلا بالماء و لا مسحا بالتراب، بل لو قيل: الطهارة غسل بالماء، أو غسل و مسح به، أو مسح بالتراب، أو به. الى آخر الحدّ لكان أجود.

فإنّ الأوّل يراد به الغسل، و الثاني الوضوء، و الثالث التيمّم بالتراب، و الرابع التيمّم بالثلج، و مجموع الحدّ يتناول جميع جزئيات الطهارة.

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 1 ص 11.

27

[الفصل الثاني]

قوله (رحمه اللّٰه): «فان انضمّ الوضوء فإشكال».

أقول: يعني لو اجتمع (1) على المكلّف غسلان: أحدهما: غسل الجنابة، و الآخر:

غسل من مس ميتا من الناس بعد برده بالموت قبل الغسل مثلا، فان نوى غسل الجنابة أجزأ عن الغسل الآخر، إذ غسل الجنابة يبيح الصلاة بانفراده من غير وضوء بخلاف الآخر، فكان أكمل منه، و الناقص يدخل في الكامل. أمّا العكس فغير مجز عنده، لما قلناه.

يبقى الاشكال و لو نوى غير غسل الجنابة ثم توضّأ فإنّ هاهنا يحتمل الاجزاء عن غسل الجنابة حينئذ، لأنّ هذا الغسل مع الوضوء مساو لغسل الجنابة بانفراده في كون كلّ منهما يبيح الصلاة و يرفع الحدث، و فعل أحد المتساويين (2) يسدّ مسدّ الآخر.

و يحتمل عدم الإجزاء عن غسل الجنابة، إذ هي مستمرّة بعد الغسل الآخر قبل الوضوء، فلا يرتفع بالوضوء، فإنّه لا وضوء فيها.

قوله (رحمه اللّٰه): «و نيّة الاستباحة أقوى إشكالا».

أقول: المسألة بحالها، لكن هناك نوى رفع الحدث، و هاهنا نوى استباحة الصلاة، و لم يقصد رفع حدث الجنابة و لا الحدث الآخر، فانّ الإشكال هاهنا أقوى.

و المراد بقوّة الإشكال هنا تكافؤ الاحتمالين، و عدم رجحان أحدهما على الآخر.

____________

(1) في م 2: «أوجب».

(2) في م 2: «المقارنين».

28

و وجه القوّة انّه هناك ربّما رجّح أحدهما، و هو عدم الإجزاء، لما قرّرناه. و أمّا هاهنا فوجه تكافؤ الاحتمالين أنّ المكلّف فعل فعلا يصلح لكلّ منهما، و صرفه الى غسل الجنابة يوجب ارتفاعهما من دون الوضوء، و صرفه الى الآخر يقتضي الاحتياج الى الوضوء، لكن صرفه إلى أحدهما دون الآخر مع صلاحيته لكلّ منهما على السواء ترجيح من غير مرجّح. فتحقّق ما قلناه من قوّة الإشكال هاهنا.

[الفصل الثالث]

[فروع]

[الأول]

قوله (رحمه اللّٰه): «و عندي انّ التيمّم إن كان لعذر لا يمكن زواله كذلك».

أقول: يريد أنّه إذا تيمّم قبل الاستنجاء فقد تيمّم قبل تضيّق الوقت، و هو عنده جائز إن كان لعذر لا يمكن زواله الى آخر الوقت عادة كالمجروح في ذلك الوقت.

[الثالث]

قوله (رحمه اللّٰه): «الأقرب جواز الاستنجاء في الخارج من غير المعتاد إذا صار معتادا».

أقول: البحث هاهنا في موضعين:

أحدهما: جواز الاستنجاء في غير المعتاد إذا صار معتادا، كما هو منصوص عليه في الكتاب.

و الآخر: عدم جوازه في غير المعتاد قبل صيرورته معتادا، و هو مدلول عليه بمفهوم اللفظ.

أمّا الأوّل: فلأنّ عموم الروايات الدالّة على جواز الاستنجاء مطلقا يتناول محلّ النزاع.

29

و أمّا الثاني: فلأنّ الخطاب إنّما يحمل على ما هو معهود عند المكلّفين و هو المخرج المعتاد و من ثمّ قال: «الأقرب» فإنّه يحتمل ضعيفا عدم الجواز. و إن صار معتادا فانّ الخطاب إذا كان إنّما يحمل على ما هو المعهود بالوضع، و انّما هو ذلك الموضع دون غيره فصار معتادا.

[المقصد الثاني في المياه]

[الفصل الأول في المطلق]

[القسم الأول الجاري]

[فروع]

[الأول]

قوله (رحمه اللّٰه): «لو وافقت النجاسة الجاري في الصفات فالوجه عندي الحكم بنجاسته إن كان يتغيّر بمثلها على تقدير المخالفة، و إلّا فلا».

أقول: أمّا الحكم الأوّل- و هو الحكم بنجاسة الماء الجاري بوقوع النجاسة الموافقة له في صفاته إذا كانت بحيث لو كانت بخلافه لكانت مغيّرة له- فلوجود انفعال الماء عن النجاسة المذكورة في نفس الأمر غايته عدم الإدراك له بالحس، لكن عدم الإدراك مع وجود الانفعال لا يزيل حكم النجاسة، و الفرض أنّ النجاسة غالبة بحيث لو كان لها ما يميّزها عن صفات الماء لظهر.

و أمّا الحكم الثاني- و هو عدم النجاسة لو لم ينفعل عنها بتقدير المخالفة- فظاهر، لعدم التغيير بكلي المعنيين.

و يحتمل ضعيفا عدم نجاسته مطلقا، إذ نجاسة الجاري موقوفة على تغييره في إحدى الصفات المذكورة، و صفاته كما كانت أوّلا لم تتغيّر.

[القسم الثاني الواقف غير البئر]

قوله (رحمه اللّٰه): «الواقف غير البئر إن كان كرّا فصاعدا مائعا على إشكال».

أقول: هل يشترط في عدم قبول الكرّ من الماء للنجاسة أن يكون مائعا أم لا؟

30

يحتمل الأوّل، لخروج الجامد عن اسم الماء عرفا، فانّ الآمر بإحضار الماء لو أحضر إليه المأمور جامدا لا يعدّ ممتثلا و حسن لومة عرفا. فاذن تحمل الأحكام الواردة في الماء على ما هو المتعارف و هو المائع.

و يحتمل عدم الاشتراط، لعدم خروجه بالجمود عن كونه ماء حقيقة.

[القسم الثالث]

قوله (رحمه اللّٰه): «ماء البئر إن غيّرت النجاسة أحد أوصافه نجس إجماعا، و إن لاقته من غير تغيير فقولان، أقربهما البقاء على الطهارة».

أقول: أمّا القائلون بنجاستها بالملاقاة من غير تغيّر فهم أكثر أصحابنا، منهم المفيد (1)، و سلّار (2)، و ابن إدريس (3)، و هو أحد قولي الشيخ (رحمه اللّٰه) ذكره في النهاية (4)، و الجمل (5)، و المبسوط (6).

و القول الآخر له: إنّها لا تنجس (7)، و هو اختيار الحسن بن أبي عقيل (8)، و المصنّف.

احتجّ الأوّلون بما رواه علي بن يقطين في الصحيح عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: سألته عن البئر تقع فيها الحمامة أو الدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو

____________

(1) المقنعة: كتاب الطهارة باب 11 في تطهير المياه من النجاسات ص 66.

(2) المراسم: كتاب الطهارة ذكر ما يتطهّر به ص 34.

(3) السرائر: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 69.

(4) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 207.

(5) الجمل و العقود: فصل في أحكام المياه ص 55.

(6) المبسوط: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 11.

(7) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 200.

(8) نقله عنه في المختلف: كتاب الطهارة الفصل الثالث في ماء البئر ج 1 ص 187.

31

الهرّة، فقال: يجزئك أن تنزح منها دلاء، فانّ ذلك يطهّرها إن شاء اللّٰه (1). أسند التطهير الى النزح؛ فلا تكون طاهرة قبله.

و لما رواه محمد بن إسماعيل في الصحيح قال: كتبت الى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن البئر يكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شيء من العذرة كالبعرة أو نحوها ما الذي يطهّرها حتى يحلّ الوضوء منها للصلاة؟ فوقّع (عليه السلام) في كتابي بخطّه: ينزح منها دلاء (2).

احتجّ الآخرون بما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا (عليه السلام) قال: ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه، لأنّ له مادّة (3).

[الفصل الثاني في المضاف و الأسئار]

[فروع]

[الثاني]

قوله (رحمه اللّٰه): «لو لم يكفه المطلق للطهارة فتمّم بالمضاف الطاهر و بقي الاسم صحّ الوضوء به، و الأقرب وجوب التتميم».

أقول: وجه القرب انّه مكلّف بالطهارة بالماء المطلق مع التمكّن و لا يتم إلّا بالتتميم المقدور له، و ما لا يتمّ الواجب إلّا به و كان مقدورا فهو واجب. و خالف

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 11 في تطهير المياه ح 7 ج 1 ص 237، الاستبصار: ب 20 في البئر يقع فيها. ح 5 ج 1 ص 37، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الماء المطلق ح 2 ج 1 ص 134.

(2) الكافي: كتاب الطهارة باب البئر ما يقع فيه ح 1 ج 3 ص 5، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 21 ج 1 ص 130.

(3) الاستبصار: ب 17 البئر يقع فيها. ح 8 ج 1 ص 33، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 6 ج 1 ص 126.

32

الشيخ (رحمه اللّٰه) في ذلك حيث قال: لا يجب عليه التتميم، لأنّه فاقد للماء المطلق فيجوز له التيمّم (1).

[الفصل الثالث في المستعمل]

قوله (رحمه اللّٰه): «و أمّا ماء الغسل من الحدث الأكبر فإنّه طاهر إجماعا و مطهّر على الأصحّ».

أقول: ما ذهب إليه المصنّف هو اختيار السيد (2)، و ابن إدريس (3).

و قال الشيخان (4) و ابنا بابويه (5): هو طاهر غير مطهّر.

احتجّ المصنّف و موافقوه بأنّه ماء مطلق طاهر و كلّ ما كان كذلك جاز التطهير به، أمّا الصغرى فمقدّرة، و أمّا الكبرى فلقوله (عليه السلام) (6): الماء يطهّر و لا يطهّر (7). علّق الطهوريّة (8) على مطلق الماء، و هو ثابت في صورة النزاع.

و لما رواه عبد اللّٰه بن مسكان في الصحيح قال: حدّثني صاحب لي ثقة أنّه سأل

____________

(1) المبسوط: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 9- 10.

(2) الناصريات «الجوامع الفقهية»: كتاب الطهارة ص 215 المسألة 6.

(3) السرائر: كتاب الطهارة في أحكام المياه ج 1 ص 61.

(4) المقنعة: كتاب الطهارة ب 10 المياه و أحكامها ص 64، المبسوط: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 11.

(5) نقل عن علي بن بابويه في المختلف: كتاب الطهارة الفصل الرابع في الماء المضاف ج 1 ص 233، من لا يحضره الفقيه: باب المياه و طهرها و نجاستها ذيل الحديث 17 ج 1 ص 13.

(6) في ه: «و المقدّم حقّ لأنّه المقدر فالتالي كذلك بيان الملازمة قوله (عليه السلام)» بدل قوله:

«أمّا الصغرى. فلقوله (عليه السلام)».

(7) الكافي: كتاب الطهارة باب طهور الماء ح 1 ج 3 ص 1، من لا يحضره الفقيه: باب المياه و طهرها ح 2 ج 1 ص 5، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 1 ج 1 ص 99.

(8) في م 1: الطهارة.

33

أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق فيريد أن يغتسل و ليس معه إناء و الماء في وهدة (1) إن هو اغتسل رجع غسله في الماء كيف يصنع؟

[قال: ينضح بكف بين يديه و كفا من خلفه و كفا عن يمينه و كفا عن شماله ثمّ يغتسل (2).

و عن علي بن جعفر، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أ يغتسل فيه للجنابة أو يتوضّأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره و الماء لا يبلغ صاعا للجنابة و لا مدا للوضوء و هو متفرق، فكيف يصنع به] (3) و هو متخوّف أنّ السباع قد شربت منه؟ فقال: إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفّا من الماء بيد واحدة فينضحه خلفه و كفّا أمامه و كفّا عن يمينه و كفّا عن شماله، فإن خشي أن لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرّات ثمّ مسح جلده بيده فانّ ذلك يجزئه، و ان كان للوضوء غسل وجهه و مسح بيده على ذراعيه و رأسه و رجليه، و ان كان الماء متفرّقا و قدر أن يجمعه و إلّا اغتسل من هذا و هذا، فان كان في مكان واحد قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه أن يغتسل و يرجع الماء فيه، فان ذلك يجزئه (4).

احتجّ الشيخان و موافقوهما بما رواه عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا بأس أن يتوضّأ بالماء المستعمل، فقال: الماء الذي يغسل به

____________

(1) الوهدة: الأرض المنخفضة.

(2) تهذيب الأحكام: ب 21 في المياه و أحكامها ح 37 ج 1 ص 417، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الماء المضاف ح 2 ج 1 ص 157.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في جميع النسخ، أثبتناه من المصدر، و ذلك لاقتضاء السياق.

(4) تهذيب الأحكام: ب 21 في المياه و أحكامها ح 34 ج 1 ص 416، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الماء المضاف ح 1 ج 1 ص 156.

34

الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضّأ منه و أشباهه (1).

و أجاب المصنّف: بالمنع من صحّة السند، فانّ في طريق هذه الرواية الحسن بن علي و أحمد بن هلال. أما الحسن فان كان ابن فضال ففيه قول، و أمّا أحمد فإنّه من الغلاة، و ذمّة العسكري (عليه السلام) (2).

[الفصل الرابع في تطهير المياه النجسة]

قوله (رحمه اللّٰه): «لا بإتمامه كرّا على الأصح».

أقول: اختلف أصحابنا في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة غير مغيّرة له هل يطهر بإتمامه كرّا؟

قال الشيخ في الخلاف: إنّه لا يطهر (3)، و اختاره المصنّف، و نقله عن ابن الجنيد (4).

و قال السيد المرتضى: إنّه يطهر (5)، و هو قول سلّار (6)، و ابن البرّاج (7) و ابن إدريس (8).

احتجّ الأوّلون بأنّ الماء الملقى عليه لاقى نجسا، و كلّ قليل لاقى نجسا نجس، كما لو

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 10 في المياه و أحكامها ح 13 ج 1 ص 221، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 13 ج 1 ص 215.

(2) مختلف الشيعة: كتاب الطهارة الفصل الرابع في حكم المضاف. ج 1 ص 237.

(3) الخلاف: كتاب الطهارة المسألة 147 ج 1 ص 48.

(4) مختلف الشيعة: كتاب الطهارة الفصل الأوّل في الماء القليل ص 179.

(5) جوابات المسائل الرسية الاولى (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية): المسألة السابعة عشر ص 361.

(6) المراسم: ذكر ما يتطهر به و هو المياه ص 36.

(7) المهذّب: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 23.

(8) السرائر: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 63.

35

لاقى نجاسة. و لأنّ الماء النجس قبل إتمامه نجس بيقين، و الأصل بقاء النجاسة.

و احتجّ الآخرون بأنّ النجاسة لو وقعت فيه بعد بلوغ الكرّ لم تؤثّر فيه فكذا قبله إذا حصل البلوغ، لأنّ الكرّية الرافعة لحكم النجاسة موجودة في الحالين. و لقوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا» (1).

و الجواب عن الأوّل: بالفرق، فإنّه بعد البلوغ لا ينفعل شيء منه عن النجاسة إجماعا، و أمّا قبل بلوغ الكرّ فقد تحقّق انفعال ذلك البعض قطعا فافترقا.

و عن الثاني: بالمنع من صحّة النقل، فانّ هذه الرواية رواها الشيخ مرسلة.

[فروع]

[الأول]

قوله (رحمه اللّٰه): «أوجب بعض هؤلاء الجميع فيما لم يرد فيه نصّ، و بعضهم أربعين».

أقول: القائلين بنجاسة البئر بملاقاة النجاسة من قال: إذا وقعت فيها نجاسة لم يرد من الشارع تقدير ما ينزح لها، ينزح جميع مائها، و هو قول الشيخ في المبسوط (2)، و ابن زهرة (3)، و ابن إدريس (4). و منهم من أوجب نزح أربعين دلوا، و هو صاحب الوسيلة ابن حمزة (5).

احتجّ الأوّلون بأنّه ماء محكوم بنجاسته، فلا يزول هذا الحكم عنه إلّا بنزح الجميع، لعدم نصّ دالّ على غيره، إذ هو المقدّر.

____________

(1) عوالي اللآلي: الفصل الرابع ح 156 ج 1 ص 76.

(2) المبسوط: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 12.

(3) الغنية «الجوامع الفقهية»: كتاب الطهارة فيما يحصل به الطهارة ص 490.

(4) السرائر: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 71.

(5) الوسيلة: كتاب الصلاة فصل في بيان أحكام المياه ص 74- 75.

36

و يمكن أن يحتجّ لابن حمزة بوقوع الاتفاق على وجوب نزح الأربعين، و الأصل براءة الذمّة ممّا زاد عليها، و مع الشكّ يرجع الى أصالة الطهارة.

[الثالث]

قوله (رحمه اللّٰه): «فلو اتخذ آلة تسع العدد فالأقرب الاكتفاء».

أقول: وجه القرب أنّ الغرض إخراج ذلك القدر من الماء، و هو كما يحصل بالدلاء المتعدّدة يحصل بالدلو الذي يسع ما يحمله مجموع تلك الدلاء فكان مجزئا.

[الثامن]

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو زال تغيّرها بغير النزح و الاتصال فالأقرب نزح الجميع، و إن زال ببعضه- لو كان- على إشكال».

أقول: يريد أنّ النجاسة إذا غيّرت أحد أوصاف ماء البئر ثمّ زال ذلك التغيير من غير نزح و لا اتصلت بالماء الجاري نزح جميع مائها، لأنّه ماء حكم بنجاسته إجماعا، فوجب نزح الجميع، لعدم أولويّة بعض من بعض آخر.

هذا إذا لم يعلم مقدار ما يزيل تغيّره من النزح لو كان التغيّر مستمرّا، أمّا إذا علم انّ قدرا معيّنا يزيل التغيّر لو كان باقيا فإنّه يحتمل ذلك أيضا لعين ما قلناه.

و يحتمل الاكتفاء بنزح ذلك القدر، لأنّه يزيل النجاسة حال قوّتها- أعني حال وجود التغيّر و انفعال الماء بالنجاسة- فعند ضعفها و زوال ذلك الانفعال عن الماء يكون أولى.

و انّما كان الأوّل من الوجهين أقرب، لأنّ نجاسة الماء متيقّنة، فلا تزول إلّا بيقين مثله، و لا يقين بدون نزح الجميع، فكان نزح الجميع أولى.

37

قوله (رحمه اللّٰه): «و مع انقلاب أحدهما فالوجه الوضوء و التيمّم».

أقول: لو كان عنده إناء ان أحدهما مطلق و الآخر مضاف ثمّ انقلب أحدهما و لا يعلم أ هو المطلق أو المضاف فالوجه أنّه يتطهّر (1) من ذلك الإناء الباقي و يتيمّم، لأنّه يجب عليه تحصيل الطهارة بيقين، و لا يقين بدون ما قلناه، إذ لو تيمّم لأمكن أن يكون الباقي هو المطلق، فيكون قد تيمّم مع وجود الماء، فيكون تيمّمه باطلا.

و يحتمل ضعيفا وجوب التيمّم، لأنّه فاقد لما يعلمه ماء مطلقا.

قوله (رحمه اللّٰه): «و كذا يصلّي في الباقي من الثوبين و عاريا مع احتمال الثاني خاصّة».

أقول: يريد لو كان عنده ثوبان نجس و طاهر ثمّ عدم أحدهما و لا يعلم حال الثوب الباقي هل هو الطاهر أم النجس؟ فإنّه يصلّي في ذلك الثوب الصلاة الواحدة، ثمّ ينزعه و يصلّي تلك الصلاة عاريا ليحصل له يقين البراءة.

و يحتمل ضعيفا أن يصلّي عاريا، لأنّ الأصل براءة ذمّة المكلّف من صلاة أخرى، و حكم المشتبه بالنجس حكم النجس، فيكون كمن عنده ثوب نجس فإنّه يصلّي عاريا مرة واحدة لا غير.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو اشتبه بالمغصوب وجب اجتنابهما، فان تطهّر بهما فالوجه البطلان».

أقول: وجه البطلان أنّه محرّم عليه استعمال المغصوب، و يجب عليه تركه،

____________

(1) في م 2: «يتوضّأ».

38

و لا يتم إلّا بترك استعمالهما، و ما لا يتم الواجب إلّا به كان واجبا، فاستعمالهما يكون منهيّا عنه، و النهي في العبادة يقتضي الفساد.

و يحتمل ضعيفا الصحّة؛ لأنّه بعد الفراغ يقطع على أنّه تطهّر طهارة بماء مملوك، و وجه ضعفه أنّ المملوك عند اشتباهه بالمغصوب يكون استعماله حراما، فلا يجزئ الطهارة به.

قوله (رحمه اللّٰه): «و هل يقوم ظنّ النجاسة مقام العلم؟ فيه نظر، أقربه ذلك، إن استند الى سبب و إلّا فلا».

أقول: وجه القرب أنّ اعتقاد نجاسته راجح متأكد بالاستناد الى سبب النجاسة، امّا مع تجرّد الظن عن السبب يكون ضعيفا بمعارضة أصالة الطهارة.

قوله (رحمه اللّٰه): «فان عارضهما مثلهما فالوجه إلحاقه بالمشتبه».

أقول: لو شهد عدلان بنجاسة أحد الإناءين و شهد آخران بأنّ النجس هو الآخر على وجه التعارض بحيث لا يمكن الجمع بينهما، بأنّ شهد الأوّلان بأنّهما شاهدا كلبا معيّنا ولغ في إناء بعينه من الإناءين، و شهد آخران بأنّ ذلك الإناء في ذلك الوقت كان وراء باب مغلق و قد شاهدا ذلك الكلب في ذلك الوقت قد ولغ في الآخر. قال الشيخ: يكون الماء على أصل الطهارة فيهما جميعا، سواء أمكن الجمع أو لا. قال: و لو قلنا: إن أمكن الجمع حكم بنجاستهما كان قويا، لأنّ وجوب قبول

39

شهادة الشاهدين معلوم من الشرع، و ليستا متنافيين (1). و لم يتعرّض لما لا يمكن فيه الجمع بينهما الذي هو محلّ البحث هاهنا.

و قال ابن إدريس- بعد حكمه بنجاستهما على تقدير إمكان الجمع-: و ان لم يمكن الجمع أقرع. ثمّ استبعد القرعة في الأواني و الثياب، و قال: لا أولويّة في العمل بإحدى الشهادتين دون الأخرى فيطرح الجميع، لأنّه ماء طاهر في الأصل و قد حصل الشكّ في النجاسة. ثمّ استقر رأيه و فتواه على نجاسة الجميع، قال: لأنّ كلّا من الشهادتين قد أثبت ما نفته الأخرى (2).

و المصنّف اختار في مسائل الخلاف الطهارة، بناء على الأصل السالم عن معارضة يقين النجاسة أو ظنّها، لأنّ كلّا من الشهادتين انّما يثمر الظنّ مع عدم معارضتها، و عند التعارض و عدم الأولويّة يحصل الشكّ، و الشكّ في النجاسة لا يجامع حكم الطهارة المعلوم أوّلا، ثمّ قال فيه: لا يقال: يحكم بنجاسة أحد الإناءين، للعلم بصدق إحدى الشهادتين، فيكون بمنزلة الإناءين المشتبهين. لأنّا نقول: نمنع حصول العلم بنجاسة أحد الإناءين و صحّة إحدى الشهادتين، لأنّ صحّة الشهادة انّما تثبت مع انتفاء المكذّب، أمّا مع وجوده فلا، على أنّه لو قيل بذلك كان وجها- و هو إشارة الى ما يختاره في هذا الكتاب- ثمّ أشار الى وجه ترجيح هذا القول، بأن قال: و لهذا يردّه المشتري (3).

و أقول لقائل: أن يمنع ردّ المشتري على تقدير الحكم بطهارتهما و جواز استعمالهما

____________

(1) المبسوط: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 8.

(2) السرائر: كتاب الطهارة باب المياه و أحكامها ج 1 ص 87.

(3) مختلف الشيعة: كتاب الطهارة الفصل الرابع في الماء المضاف ج 1 ص 251.

40

في رفع الحدث و إزالة النجاسة، و إنّما يكون له الردّ لو حكم بالنجاسة فيهما و إلحاقه بالمشتبه، و كلاهما يرد عليه المنع.

و أقول أيضا: وجه إلحاقهما بالمشتبه: انّ الشهود الأربعة اتفقوا جميعا على نجاسة أحد الإناءين، و إنّما وقع التعارض في تعيين ذلك النجس، و لا نعني بالمشتبه إلّا ذلك.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو اشتبه استناد موت الصيد في القليل الى الجرح أو الماء احتمل العمل بالأصلين، و الوجه المنع».

أقول: العمل بالأصلين يقتضي الحكم بطهارة الماء، لأنّ الأصل فيه الطهارة و تحريم أكل الصيد، لأنّ الأصل عدم حصول شرائط التذكية فتكون منفية.

و وجه هذا الاحتمال: ما ثبت أنّه عند التردّد في نجاسة الماء أو طهارته يرجع الى أصالة الطهارة، و عند التردّد في حصول الشرائط المبيحة لأكل الصيد، و تحقّق الشكّ فيما به فقدت حياته يحكم بتحريمه، بناء على انّ الأصل عدم حصول الشرائط.

و وجه المنع: انّ ذلك حكم بالجمع بين المتنافيين، إذ قد وجد حيوان مفقود الحياة محكوم بكونه ميتة في ماء قليل فيحكم بنجاسته حينئذ، و الحكم بطهارته على هذا التقدير جمع بين النقيضين و هو محال.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لا يطهر العجين النجس بخبزه بل باستحالته رمادا، و روي بيعه على مستحلّ الميتة أو دفنه».

أقول: الرواية الأولى إشارة الى ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن أبي

41

عمير، عن بعض أصحابنا- و ما أحسبه إلّا حفص بن البختري- قال: قيل لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: يباع على من يستحلّ أكل الميتة (1).

و الرواية الأخرى إشارة الى ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: يدفن و لا يباع (2).

و أقول: لو قيل: كيف الجمع بين الروايتين فإنّ إحداهما تضمّنت جواز البيع و الأخرى النهي عنه؟

قلنا: الاولى: تضمّنت جواز بيعه على مستحلّ الميتة، و الثانية: النهي عن مطلق البيع الذي يمكن إضافته إلى مستحلّي الميتة و محرّميها، و لا يلزم من النهي عن مطلق البيع النهي عن كلّ واحد من افراده، مع احتمال كون النهي للتنزيه، أو يكون السؤال ممّن لا يجد من يستحلّ الميتة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و الأقرب طهارة المسوخ».

أقول: أقرب المذهبين عند المصنّف طهارة المسوخ، خلافا للشيخ فإنّه قال في الخلاف: لا يجوز بيع القرد، لأنّه مسخ نجس (3)، و تبعه سلّار (4)، و ابن حمزة (5).

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 11 في المياه و أحكامها ح 24 ج 1 ص 414، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الأسئار ح 1 ج 1 ص 174.

(2) تهذيب الأحكام: ب 11 في المياه و أحكامها ح 25 ج 1 ص 414، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الأسئار ح 1 ج 1 ص 174.

(3) الخلاف: كتاب البيوع المسألة 306 ج 3 ص 183.

(4) المراسم: كتاب المكاسب ص 170.

(5) الوسيلة: كتاب البيع فصل في بيع الحيوان ص 248.

42

و وجه قرب ما اختاره المصنّف ما رواه الفضل أبو العباس في الصحيح قال:

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن فضل الهرّة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع، قال: فلم أترك شيئا إلّا سألته عنه، فقال: لا بأس به، حتى انتهيت الى الكلب فقال: رجس نجس (1). و لأصالة الطهارة.

احتجّ الشيخ و من تبعه بتحريم البيع، و ليس المانع إلّا نجاستها (2).

و ردّ بمنع المقدّمة الثانية.

قوله (رحمه اللّٰه): «و من عدا الخوارج و الغلاة و النواصب و المجسّمة من المسلمين».

أقول: المختار عند المصنّف طهارة كلّ مسلم و ان لم يكن محقّا غير الفرق الأربع الذين ينتمون إلى الإسلام، و هم: الخوارج: الذين يكفّرون عليا (عليه السلام) و عثمان.

و الغلاة: و هم الذين يعتقدونه إلها، تعالى اللّٰه عمّا يقولون علوا كبيرا. و النواصب:

و هم المعلنون بالبغضاء و الشنآن لآل محمد (عليهم السلام). و المجسّمة: و هم الذين يعتقدون أنّ اللّٰه تعالى جسم حقيقة، سبحانه و تقدّس عمّا يفتريه المبطلون.

و وجه قرب طهارة ما عدا هذه الفرق من أصناف المسلمين أنّه مسلم فيكون طاهرا، لوقوع الإجماع على أنّ الإسلام هو أحد المطهّرات، بمعنى أنّه إذا أسلم الكافر طهر بالإسلام و هو ظاهر.

____________

(1) تهذيب الأحكام: باب في المياه و أحكامها ح 29 ج 1 ص 225، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الأسئار ح 4 ج 1 ص 163 و فيه: «عن الفضل عن العباس».

(2) الخلاف: كتاب البيوع المسألة 306 ج 2 ص 81.

43

[المقصد الثالث في النجاسات]

[الفصل الأول في أنواعها]

قوله (رحمه اللّٰه): «و الفأرة».

أقول: أقرب المذهبين عند المصنّف طهارة الفأرة، خلافا للشيخ، حيث أوجب غسل الثوب إذا أصابته برطوبة (1). و هو اختيار المفيد (2) و سلّار (3). و ما اختاره المصنّف هو اختيار ابن إدريس (4).

و وجه القرب أصالة الطهارة، و لعدم انفكاك المتناول منها غالبا، فالتحرّز عنها حرج منفيّ بقوله تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (5)، و لما رواه الفضل أبو العباس، و قد تقدّم.

احتجّ الشيخان و موافقوهما بما رواه علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب أ يصلّي فيها؟ قال: اغسل ما رأيت من أثرها، و ما لم تره فانضحه بالماء (6).

و الجواب: الحمل على الاستحباب جمعا بين الأدلّة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و الوزغة».

أقول: أقرب المذهبين طهارة الوزغة، و هو مذهب ابن إدريس (7)، خلافا

____________

(1) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة في تطهير الثياب. ج 1 ص 267.

(2) المقنعة: كتاب الطهارة باب في تطهير الثياب. ص 70.

(3) المراسم: ص 56.

(4) السرائر: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب من النجاسات ج 1 ص 187.

(5) الحج: 78.

(6) تهذيب الأحكام: ب 12 تطهير الثياب و غيرها من النجاسات ح 48 ج 1 ص 261، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب النجاسات ح 2 ج 2 ص 1049.

(7) السرائر: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ج 1 ص 187.

44

للشيخين (1) و وجه القرب ما تقدّم.

احتجا بما رواه معاوية بن عمّار في الصحيح قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الفأرة و الوزغة تقع في البئر، قال: ينزح منها ثلاث دلاء (2).

و الجواب: لا يدلّ على محل النزاع، إذ وجوب النزح بسبب الموت لا يقتضي نجاستها حية.

قوله (رحمه اللّٰه): «و الثعلب و الأرنب».

أقول: أقرب المذهبين عنده طهارة الثعلب و الأرنب، و هو اختيار ابن إدريس (3)، خلافا للشيخ (4)، و ابن البرّاج (5)، و أبي الصلاح (6).

و وجه القرب ما تقدم من دلالة عموم نفي الحرج، و رواية الفضل، و العمل بالأصل.

احتجّ الآخرون بما رواه يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته هل يجوز أن يمسّ الثعلب و الأرنب أو شيئا من السباع حيا أو ميتا؟ قال:

____________

(1) المقنعة: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب و. ص 70، النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ج 1 ص 267.

(2) تهذيب الأحكام: باب 11 في تطهير المياه من النجاسات ح 19 ج 1 ص 238، وسائل الشيعة:

ب 18 من أبواب الماء المطلق، ح 2 ج 1 ص 137.

(3) السرائر: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ج 1 ص 187.

(4) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ص 267.

(5) المهذّب: كتاب الطهارة باب فيما يتبع الطهارة ج 1 ص 51.

(6) الكافي في الفقه: فصل في النجاسات ص 131.

45

لا يضرّه و لكن يغسل يده (1).

و الجواب: الحمل على الميتة، لقوله: «يغسل يده» إذا مسّها ميتة، جمعا بين الأدلة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و عرق الجنب من الحرام».

أقول: أقرب المذهبين عنده طهارة عرق الجنب من الحرام، و هو اختيار ابن إدريس (2)، و سلّار (3). خلافا للشيخين حيث أوجب غسل الثوب منه (4)، و لأبي جعفر ابن بابويه حيث قال: يحرم الصلاة في ثوب أصابه عرق الجنب من الحرام (5).

و وجه القرب انّ الأصل الطهارة، و لأنّ الجنب من الحرام ليس بنجس، فلا ينجس عرقه كبصاقه.

احتجّوا بما رواه الحلبي في الحسن قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل أجنب في ثوبه و ليس معه ثوب غيره، قال: يصلّي فيه، و إذا وجد الماء غسله (6).

و حملها الشيخ على أنّ المراد إذا عرق فيه من حرام. و لا يخفى بعده، فإنّ السؤال

____________

(1) تهذيب الأحكام: باب 12 في تطهير الثياب ح 50 ج 1 ص 262، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب غسل المسّ ح 4 ج 2 ص 935.

(2) السرائر: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ج 1 ص 181.

(3) المراسم: كتاب الطهارة في تطهير الثياب ص 56.

(4) المقنعة: كتاب الطهارة باب 12 في تطهير الثياب و. ص 71، النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ج 1 ص 268.

(5) من لا يحضره الفقيه: باب ما ينجّس الثوب. ذيل الحديث 153 ج 1 ص 67.

(6) تهذيب الأحكام: ب 12 في تطهير الثياب ح 86 ج 1 ص 271، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب النجاسات ح 11 ج 2 ص 1039.

46

عمّن أجنب في ثوبه.

قوله (رحمه اللّٰه): «و عرق الإبل الجلّالة».

أقول: أقرب المذهبين عنده طهارة عرق الإبل الجلّالة، و هو اختيار ابن إدريس (1)، و سلّار (2). خلافا للشيخين (3) و ابن البرّاج (4) حيث أوجبوا غسل الثوب من ذلك. و وجه القرب ما تقدّم.

احتجّ الآخرون برواية هشام بن سالم الصحيحة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا تأكلوا لحوم الجلّالة، و ان أصابك شيء من عرقها فاغسله (5).

و الجواب: يحمل على الاستحباب جمعا بين الأدلّة.

[الفصل الثاني في الأحكام]

قوله (رحمه اللّٰه): «و الأقرب في المتفرّق الإزالة إن بلغه لو جمع».

أقول: اعلم أنّه لا خلاف في وجوب إزالة الدم من الثوب و البدن في الصلاة إن زاد على مقدار الدرهم مجتمعا، و انّه لا يجب إزالته إذا نقص عن مقدار الدرهم،

____________

(1) السرائر: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ج 1 ص 181 و فيه: «و عرق الإبل الجلّالة يجب إزالته على ما ذهب اليه بعض أصحابنا دون عرق غيرها من الجلّالات».

(2) المراسم: كتاب الطهارة في تطهير الثياب ص 56.

(3) المقنعة: كتاب الطهارة باب 12 في تطهير الثياب و. ص 70، النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ج 1 ص 268.

(4) المهذّب: كتاب الطهارة باب فيما يتبع الطهارة ج 1 ص 51.

(5) الكافي: باب لحوم الجلّالات و. ح 1 ج 6 ص 250، تهذيب الأحكام: ب 12 في تطهير الثياب و. ح 55 ج 6 ص 263.

47

و انّما الخلاف في ثلاثة مواضع:

الأوّل: الدم إذا بلغ مقدار الدرهم مجتمعا هل يجب إزالته؟

قال سلّار: لا يجب إلّا إذا زاد (1).

و قال الشيخان (2)، و ابنا بابويه (3)، و ابن البرّاج (4)، و ابن إدريس (5): يجب إزالته.

الثاني: القائلون بوجوب الإزالة إذا بلغ مقدار الدرهم مجتمعا اختلفوا فيه إذا كان متفرّقا، بحيث لو جمع لبلغ الدرهم، فاختار ابن إدريس عدم وجوب إزالته (6).

و قال في المبسوط: الأحوط إزالته (7). و شرط في النهاية التفاحش (8).

الثالث: إذا زاد عن مقدار الدرهم متفرّقا قال سلّار: يجب إزالته (9)، و هو مذهب الشيخ (10)، خلافا لابن إدريس.

و لم يتعرّض المصنّف (رحمه اللّٰه) لمقدار الدرهم، فإنّه قال: و لو زاد الدم عن سعة

____________

(1) المراسم: كتاب الطهارة في تطهير الثياب ص 55.

(2) المقنعة: كتاب الطهارة باب 12 في تطهير الثياب و. ص 69، النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ص 266.

(3) نقله عنه في السرائر: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ص 179، الهداية: باب المياه ص 15.

(4) المهذّب: كتاب الطهارة باب فيما يتبع الطهارة ج 1 ص 51.

(5) السرائر: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ج 1 ص 178.

(6) المصدر السابق.

(7) المبسوط: كتاب الطهارة في تطهير الثياب و. ج 1 ص 36.

(8) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ص 266.

(9) المراسم: كتاب الطهارة في تطهير الثياب ص 55.

(10) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب تطهير الثياب ص 266، المبسوط: كتاب الطهارة في تطهير الثياب و. ج 1 ص 35.

48

الدرهم مجتمعا وجبت الإزالة، و الأقرب في المتفرّق الإزالة إن بلغه لو جمع. و الظاهر انّ الضمير راجع الى الدرهم، فحينئذ يكون قد اختار مذهب الشيخ (رحمه اللّٰه) و هو:

أنّه لو كان بحيث لو جمع لبلغ الدرهم وجبت إزالته.

و وجه القرب عموم الأدلّة المتناولة لغسل جميع النجاسات، خرج منه ما نقص عن سعة الدرهم، للإجماع عليه، فيبقى الباقي داخلا تحت العموم. و لأنّه أحوط للعبادة.

احتجّ المشترطون الاجتماع بأنّ كلّ واحد لا يجب إزالته فالمجموع كذلك.

و الجواب: نمنع الملازمة.

احتجّ المشترطون للزيادة على مقدار الدرهم برواية محمد بن مسلم في الحسن قال: فإذا كنت قد رأيته و هو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله و صلّيت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صلّيت فيه (1). قيّد بقوله: «و هو أكثر من الدرهم» فدلّ على أنّ ما لم يزد لا يوجب الإعادة.

و الجواب: دلالة المفهوم ضعيفة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و في تطهير الكلب أو الخنزير إذا وقعا في المملحة فصارا ملحا، و العذرة إذا امتزجت بالتراب و تقادم عهدها حتى استحالت ترابا نظر».

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 12 في تطهير الثياب ح 23 ج 1 ص 254، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب النجاسات ح 6 ج 2 ص 1027.

49

أقول: وجه النظر من حيث تعلّق النجاسة على مسمّى تلك الأعيان النجسة و صورتها النوعية و قد عدمت فتزول النجاسة، كما لو انقلب الخمر خلّا، و من بقاء شيء من أجزائها و جزء النجس نجس.

[فروع]

[الخامس]

قوله (رحمه اللّٰه): «اللبن إذا كان ماؤه نجسا أو نجاسة طهر بالطبخ على إشكال».

أقول: وجه الاشكال من حيث زوال تلك الرطوبات بالنار التي هي أعظم تجفيفا من الشمس المطهّرة للأرض من النجاسة. و لرواية ابن أبي عمير، عن الصادق (عليه السلام) قال: أكلت النار ما فيه (1).

و من أنّ النار إنّما تطهّر ما أحالته بأن صيّرته رمادا، إذ حمل النار على الشمس ممنوع، إذ هو محض القياس. و الحديث وقع جوابا عن الماء الذي وقعت فيه ميتة و عجن به عجين و خبز، فيمكن أن يكون ذلك الماء كثيرا.

[كلام في الآنية]

قوله (رحمه اللّٰه): «و هل يحرم اتخاذها لغير الاستعمال كتزيين المجالس؟ فيه نظر، أقربه التحريم».

أقول: وجه النظر من حيث إنّه سرف و إضاعة المال المنهي عنه، كما تضمّنه الحديث المشهور. و هو اختيار الشيخ في المبسوط (2).

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 21 في المياه و أحكامها ح 23 ج 1 ص 414، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 18 ج 1 ص 129.

(2) المبسوط: كتاب الطهارة باب حكم الأواني و. ج 1 ص 13.

50

و من حيث إنّ النهي في الأواني انّما ورد في استعمالها، فلا يتناول اتخاذها لغيره.

و كونه إضاعة للمال ممنوع، بل هو حفظا له، و وجه قرب التحريم أنّه إخراج لهما عن المنفعة المخلوقين لها (1)، و هي الإنفاق و مواساة الفقير، مع اشتماله على السرف و الخيلاء، و كلّ ذلك يناسب التحريم. و اختار المصنّف في الخلاف الجواز (2).

قوله (رحمه اللّٰه): «و قيل: يجب اجتناب موضع الفضة».

أقول: القائل بذلك هو الشيخ في المبسوط (3)، لرواية الحلبي، عن الصادق (عليه السلام) قال: لا تأكل في آنية من فضة، و لا في آنية مفضضة (4).

[فروع]

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو غسله بالماء عوض التراب لم يطهر على إشكال».

أقول: وجه الاشكال من حيث إنّ الماء أقوى المطهّرات لاجتماع وصفي الطهارة و التطهير لغيره فيه دون غيره، و إذا كانت الطهارة تحصل بالأضعف فحصولها بالأقوى أولى.

و من حيث إنّ الأمر في كيفيّة غسلها بالتراب فلا يجزئ غيره، و يمنع كون الماء أبلغ، فإنّ مجموع الماء و التراب أبلغ من الماء وحده.

____________

(1) في ه: «. المنفعة المخلوقة لهما.».

(2) مختلف الشيعة: كتاب الطهارة الفصل الثاني في أحكام النجاسات ج 1 ص 495.

(3) المبسوط: كتاب الطهارة باب حكم الأواني و. ج 1 ص 13.

(4) تهذيب الأحكام: باب 2 في الذبائح و الأطعمة و. ح 121 ج 9 ص 121، وسائل الشيعة:

باب 66 من أبواب النجاسات ح 1 ج 2 ص 1085.

51

[المقصد الرابع في الوضوء]

[الفصل الأول في أفعاله]

[الأول النية]

قوله (رحمه اللّٰه): «و يجب في النيّة القصد الى رفع الحدث، أو استباحة فعل مشروط بالطهارة و التقرب الى اللّٰه تعالى، و أن يوقعه لوجوبه أو لندبه لوجههما على رأي».

أقول: يجب عند المصنّف في نيّة الطهارة القصد بها الى الأمور الأربعة، أعني رفع الحدث، أو الاستباحة و التقرب الى اللّٰه تعالى، و أن يوقعها لوجوبها أو لندبها، أو لوجههما.

و قال في المبسوط: كيفيّتها أن ينوي رفع الحدث، أو استباحة فعل من الأفعال التي لا يصحّ فعلها إلّا بطهارة (1). و الظاهر أنّ مراده ذلك مع نيّة الوجوب أو الندب و التقرب، فيكون حينئذ هو الذي اختاره المصنّف.

و قال أبو الصلاح: حقيقة النيّة العزم عليه- يعني: الوضوء بصفاته المشروعة- لرفع الحدث و استباحة الصلاة لوجوبه قربة الى مكلّفة سبحانه (2).

و قال في النهاية: بالاكتفاء بنيّة القربة (3). و ابن سعيد زاد عليها الوجوب أو الندب لا غير (4).

____________

(1) المبسوط: كتاب الطهارة وجوب النيّة في الطهارة ج 1 ص 19.

(2) الكافي في الفقه: فصل في النجاسات ص 132.

(3) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب آداب الحدث و. ص 220.

(4) الجامع للشرائع: كتاب الطهارة باب الوضوء ص 35.

52

و الاستدلال هنا في موضعين:

أحدهما: في وجوب نيّة رفع الحدث أو الاستباحة، خلافا لما ذكره في النهاية، و ابن سعيد. و تقريره: إنّ قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. (1)

أي لأجل الصلاة، لأنّه المتعارف لغة، و أمّا نيّة رفع الحدث فلاستلزامه الاستباحة.

و الثاني: عدم وجوب الأمرين جميعا، خلافا لأبي الصلاح. و تقريره: إنّ من نوى أحد الأمرين يجب أن يحصل له ما نواه، لقوله (عليه السلام): «لكلّ امرئ ما نوى» (2).

و هو يقتضي أنّه إذا نوى الاستباحة وحدها استباح الصلاة، أو رفع الحدث وحده ارتفع حدثه، و هو المطلوب.

قوله (رحمه اللّٰه): «و ذو الحدث الدائم كالمبطون و صاحب السلس و المستحاضة ينوي الاستباحة، فإن اقتصر على رفع الحدث فالأقوى البطلان».

أقول: وجه القوّة أنّه نوى شيئا محالا، لأنّ رفع الحدث مع وجوده محال فلا يكون صحيحا. و يحتمل ضعيفا الاجزاء، لاستلزام رفع الحدث الاستباحة، فكأنّه بنيّة ملزوم الاستباحة قد نواها.

[فروع]

[الأول]

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو ضمّ التبرّد صحّ على إشكال».

____________

(1) المائدة: 6.

(2) تهذيب الأحكام: باب 14 في نيّة الصيام ح 2 ج 4 ص 186، وسائل الشيعة: باب 5 من أبواب مقدمة العبادات ح 10 ج 1 ص 34.

53

أقول: منشأه احتمال الاجزاء من حيث انّه فعل الواجب و زيادة لا تنافيه، كما قاله الشيخ في المبسوط (1).

و من حيث إنّه إذا كان للتبرّد فدخل في الداعي لم يتحقق الإخلاص في النيّة و هو واجب، لقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ. (2).

[الرابع]

قوله (رحمه اللّٰه): «لو عزبت النيّة في الأثناء صحّ الوضوء و ان اقترنت بغسل الكفّين، نعم لو نوى التبرّد في باقي الأعضاء بعد عزوب النيّة فالوجه البطلان».

أقول: هذا تفريع على عدم قدح نيّة التبرّد في الوضوء، فلو نواه بعد عزوب نيّة الطهارة لكانت طهارته باطلة، لأنّ غسل باقي الأعضاء بمجرد التبرّد. و يحتمل ضعيفا صحّة الطهارة، إذ ضمّ التبرّد غير مبطل، لأنّا نبحث على تقديره، و استحضار النيّة فعلا بعد وقوعها و هو في محلّها غير واجب، إذ الواجب إنّما هو الاستمرار عليها حكما.

[السادس]

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو نوى ما يستحبّ له كقراءة القرآن فالأقوى الصحّة».

أقول: منع الشيخ (3)، و ابن إدريس (4) من ذلك. و احتجّ المصنّف بأنّه نوى شيئا

____________

(1) المبسوط: كتاب الطهارة في وجوب النيّة في الطهارة ج 1 ص 19.

(2) البيّنة: 5.

(3) المبسوط: كتاب الطهارة في وجوب النيّة في الطهارة ج 1 ص 19.

(4) السرائر: كتاب الطهارة في كيفيّة الوضوء ج 1 ص 98.

54

لا يحصل إلّا برفع الحدث، لأنّه نوى المستحب، و انّما يحصل برفع الحدث في ضمن نيّة رفع الحدث.

[السابع]

قوله (رحمه اللّٰه): «لو شكّ في الحدث بعد يقين الطهارة الواجبة فتوضّأ احتياطا ثمّ تيقّن الحدث فالأقوى الإعادة».)

أقول: وجه القوّة أنّه أوقع الواجب مع عدم الجزم بوجوبه فلا يكون مجزئا.

[الثامن]

قوله (رحمه اللّٰه): «لو أغفل لمعة في الأولى فانغسلت في الثانية على قصد الندب فالأقوى البطلان».

أقول: وجه القوّة أنّه فعل الواجب بنيّة الندب.

[التاسع]

قوله (رحمه اللّٰه): «أمّا لو نوى غسل الوجه عنده لرفع الحدث و غسل اليمنى عنده لرفع الحدث و هكذا فالأقرب الصحّة».

أقول: وجه القرب أنّه نوى كلّ واحد من الواجبات مقارنا لفعله، فكان أولى من تقديم النيّة على الأفعال، و لأنّ نيّة كلّ واحد على وجه التفصيل أولى من نيّة المجموع مجملا، فإذا كانت النيّة المجملة مجزئة كانت المفصلة أولى بالاجزاء.

[الثاني عشر]

قوله (رحمه اللّٰه): «لو دخل الوقت في أثناء المندوبة فأقوى الاحتمالات الاستئناف».

أقول: الاحتمالات هنا ثلاثة:

55

أحدها: الإتمام، لأنّ محلّ النيّة عند غسل الوجه، و قد فعله على الوجه المشروع فيكون مجزئا.

و الثاني: الإتمام بشرط أن ينوي الوجوب في باقي الأفعال التي يفعلها بعد دخول الوقت، لأنّه حينئذ مكلّف بالطهارة على وجه الوجوب، فلو فعلها بنيّة الندب أو استمرّ على نيّة الندب السابقة لكان قد أوقع الواجب بنيّة الندب، و هو باطل.

الثالث: الاستئناف- و هو أقواها-؛ لأنّ نيّة الندب غير كافية، لما قلناه، و نيّة الوجوب حينئذ يقتضي أن تكون الطهارة مبعّضة، أي بعض اجزائها بنيّة الوجوب و بعضها بنيّة الندب، و هو ظاهر البطلان، فتعيّن الاستئناف، و لأنّه أحوط.

[الخامس مسح الرجلين]

قوله (رحمه اللّٰه): «فان زال السبب ففي الإعادة من غير حدث إشكال».

أقول: يريد لو مسح على خفّ أو غيره لضرورة أو تقيّة صحّت طهارته ما دام السبب موجودا، فإذا زال السبب ففي وجوب إعادتها لغيرها من الصلوات إشكال.

ينشأ من أنّها طهارة شرّعت للضرورة فتتقدر بقدر الضرورة و قد زالت.

و من أنّها طهارة رفعت الحدث و لم يتعقبها حدث يزيلها فكان حكمها باقيا.

[السابع الموالاة]

قوله (رحمه اللّٰه): «و ناذر الوضوء مواليا لو أخلّ بها فالأقرب الصحّة و الكفّارة».

أقول: ناذر الوضوء مواليا إذا تعلّق نذره بزمان معيّن لو أخلّ بالموالاة فلا

56

شكّ في وجوب كفّارة خلف النذر، أمّا الوضوء فهل يصحّ أم لا؟ فيه وجهان:

أحدهما: عدم الصحّة؛ لوقوعه على خلاف ما نذره، و إخلاله فيه بالواجب فيكون باطلا.

و ثانيهما: الصحّة، و هو الأقرب.

و وجه القرب أنّ النذر لم يكن مقتضيا لوجوب الموالاة، فإنّها قبل النذر كانت واجبة، و مع ذلك لو أخلّ بها مع عدم جفاف السابق يكون وضوؤه صحيحا، و انّما تكون فائدة النذر وجوب الكفّارة لو أخلّ بما نذره، و نحن نقول به.

[الفصل الثاني في مندوباته]

قوله (رحمه اللّٰه): «و الأشهر التحريم في الثالثة».

أقول: تحريم الغسلة الثالثة للوجه و اليدين في الوضوء هو اختيار الشيخ (1)، و ابن بابويه (2)، و أبي الصلاح (3)، و ابن إدريس (4)، و أكثر أصحابنا. خلافا لأبي علي ابن الجنيد (5)، و المفيد (6)، و الحسن بن أبي عقيل (7)، حيث قالوا: هي تكلّف.

[الفصل الثالث في أحكامه]

قوله (رحمه اللّٰه): «و مسّ كتابة القرآن، إذ يحرم مسّها على الأقوى».

____________

(1) المبسوط: كتاب الطهارة في كيفيّة الوضوء و. ج 1 ص 23.

(2) المقنع: كتاب الطهارة باب الوضوء ص 4.

(3) الكافي في الفقه: الفصل الثالث في أحكام الوضوء ص 132.

(4) السرائر: كتاب الطهارة في كيفيّة الوضوء ج 1 ص 100.

(5) نقله عنه في مختلف الشيعة: كتاب الطهارة الفصل الثالث في كيفيّة الوضوء ج 1 ص 285.

(6) المقنعة: كتاب الطهارة باب 4 في صفة الوضوء ص 49.

(7) نقله عنه في مختلف الشيعة: كتاب الطهارة الفصل الثالث في كيفيّة الوضوء ج 1 ص 285.

57

أقول: كما أنّ الوضوء يستباح به الصلاة و الطواف إجماعا فكذلك يستباح به مسّ كتابة القرآن، بناء على انّ الأقوى عنده انّ المحدث يحرم عليه مسّ كتابة القرآن، و هو قول أبي الصلاح (1)، و أحد قولي الشيخ ذكره في الخلاف (2). و القول الآخر له: إنّه مكروه ذكره في المبسوط (3)، و اختاره ابن البرّاج (4)، و ابن إدريس (5).

و وجه قوّة القول بالتحريم قوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (6)، و لما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء، قال: لا بأس، و لا يمسّ الكتابة (7).

و استناد القائلين بالجواز إلى أصالة الجواز يندفع بما ذكرناه.

قوله (رحمه اللّٰه): «و في الاستئناف مع الزوال إشكال».

____________

(1) الكافي في الفقه: الفصل الأول في تعيين شروط الصلاة ص 126.

(2) الخلاف: كتاب الطهارة في ترتيب الوضوء المسألة 46 ج 1 ص 17.

(3) المبسوط: كتاب الطهارة في كيفيّة الوضوء ج 1 ص 23.

(4) المهذّب: كتاب الطهارة باب أقسام الطهارة ج 1 ص 32.

(5) السرائر: كتاب الطهارة باب في أحكام الطهارة. ج 1 ص 57، و فيه: «و الوضوء على ضربين: واجب و ندب، فالواجب هو الذي يجب لأسباب الصلاة الواجبة أو الطواف الواجب، لا وجه لوجوبه إلّا لهذين الوجهين».

(6) الواقعة: 79.

(7) تهذيب الأحكام: ب 6 في حكم الجنابة و. ح 34 ج 1 ص 127، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الوضوء ح 1 ج 1 ص 269.

58

(1) أقول: القائل بالاستئناف مع زوال العذر هو قول الشيخ في المبسوط (1)، و قد تقدّم وجه الاشكال.

قوله (رحمه اللّٰه): «و إلّا فلا التفات في الوضوء و المرتمس و المعتاد على إشكال».

أقول: يريد انّه إذا شكّ المكلّف في شيء من أفعال الطهارة بعد انصرافه من حال الطهارة فأمّا أن يكون المشكوك فيه من أفعال الوضوء، أو من أفعال الغسل.

ففي الوضوء لا يلتفت، لورود النصّ فيه، و هو قول الصادق (عليه السلام) فيما رواه عنه عبد اللّٰه بن أبي يعفور قال: إذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه (2).

و لأنّ الأصحاب أفتوا بذلك معلّلين بأنّه لم تجر العادة بالانصراف عنه إلّا بعد إكماله.

و ان كان في الغسل فامّا أن يكون مرتّبا أو مرتمسا، و المرتب إمّا أن يكون عادته جارية بالموالاة بين أفعاله أو لا، و الأخير يجب عليه فعل المشكوك فيه قطعا.

و أمّا الأوّلان- أعني: المرتمس و المعتاد- فيحتمل عدم الالتفات فيهما؛ لمشاركتهما المتوضّئ في أنّه لم تجر عادتهما بالانصراف إلّا بعد الإكمال.

و يحتمل فعل المشكوك فيه و ما بعده، لأنّ الأصل عدم فعل ما شكّ فيه.

____________

(1) المبسوط: كتاب الطهارة في كيفيّة الوضوء ج 1 ص 23.

(2) تهذيب الأحكام: باب 4 في صفة الوضوء ح 111 ج 1 ص 101، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب الوضوء ح 1 ج 1 ص 330.

59

و حمله على الوضوء قياس مع ثبوت الفرق بينهما، فإنّ الموالاة واجبة في الوضوء دون الغسل، فبني الوضوء على الغالب من أنّ المكلّف لا يفعل الفعل الذي كلّف به على غير الوجه المشروع.

و يحتمل رجوع الإشكال إلى المعتاد خاصة دون المرتمس، فلا يلتفت المرتمس بعد فراغه و انصرافه ما لم يتيقّن ترك شيء من بدنه.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو جدد ندبا ثمّ ذكر إخلال عضو من إحداهما أعاد الطهارة و الصلاة و ان تعدّدت على رأي».

أقول: الخلاف ليس راجعا الى التعدّد، بل الخلاف هاهنا مبني على صفة النيّة، فإن قلنا: إنّ نيّة القربة كافية- كما ذهب إليه الشيخ في النهاية (1)- لم يعد، لأنّ العضو المتروك إن كان من الطهارة الواجبة صحّت الصلاة بالطهارة المندوبة اتحدت أو تعدّدت، و ان كان في المندوبة صحّت بالواجبة كذلك.

و ان قلنا بوجوب أو نيّة رفع الحدث أو استباحة الصلاة- كما اختاره الشيخ في المبسوط (2) و ابن إدريس (3)- وجب عليه الإعادة، لاحتمال كون المتروك من الطهارة الواجبة فيهما فلا تصحّ بالمندوبة، لعدم كونها رافعة للحدث، و لا مبيحة للصلاة من حيث لم ينو أحدهما. و لوجوب الطهارة عليه و لم يقصد بها الوجوب.

____________

(1) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب آداب الحدث و. ص 220.

(2) المبسوط: كتاب الطهارة في وجوب النيّة في الطهارة ج 1 ص 19.

(3) السرائر: كتاب الطهارة في كيفيّة الوضوء ج 1 ص 98.

60

قوله (رحمه اللّٰه): «و الأقرب جواز إطلاق النيّة فيهما و التعيين فيأتي بثالثة».

أقول: يريد أنّ من أخلّ بواجب من طهارتين فان كان حاضرا وجب عليه أربع فرائض: الصبح و رباعيتان و المغرب بينهما، و إن كان مسافرا وجب عليه ثنائيّتان و المغرب بينهما.

و الأقرب عنده جواز إطلاق النيّة في الرباعيتين للحاضر، فيقول في كلّ واحدة من الرباعيتين: أصلّي أربع ركعات عمّا في ذمّتي إن ظهرا فظهرا، و إن عصرا فعصرا، و إن عشاء فعشاء. أو الثنائيّتين للمسافر فيقول في كلّ ثنائيّة: أصلّي ركعتين عمّا في ذمّتي إن صبحا فصبحا، و إن ظهرا فظهرا، و ان عصرا فعصرا، و ان عشاء فعشاء.

و التعيين بأن يقول: أصلّي فريضة الظهر مثلا فحينئذ يتعيّن عليه الإتيان برباعيّة ثالثة إن كان حاضرا، أو بثنائيّة ثالثة إن كان مسافرا، لاحتمال كون تلك المعيّنة غير الفريضتين الفائتتين.

و وجه القرب: انّ كلّ واحد من الفعلين طريق لتحصيل براءة ذمّة المكلّف من الواجب عليه فكان مخيّرا فيهما، إذ تكليفه إنّما هو تحصيل ما هو في ذمّته بيقين، و هو حاصل على كلّ واحد من صورتي الإطلاق و التعيين مع الإتيان بالثالثة.

و يحتمل ضعيفا عدم الجواز؛ لأنّ المكلّف لا يعلم وجوبها و لا يظنّه، فلا يصحّ أن ينوي فاعلها بها الوجوب، بخلاف من قال: أصلّي أربعا عمّا في ذمّتي أو اثنتين عمّا في ذمّتي على الوجه السابق فإنّه يقطع على أنّه نوى الواجب.

لا يقال: هذا وارد في الصبح و المغرب فإنّه ينوي كلّ واحدة منهما على وجه

61

الوجوب و مع ذلك لا يعلم وجوبها و لا يظنّه.

لأنّا نقول: نمنع عدم وجوبها، بل كلّ واحدة منهما واجبة من حيث إنّه يجب عليه الإتيان بما فاته بيقين، و لا يتم ذلك إلّا أن يفعل كلّ واحدة من الفرائض المعيّنة و المطلقة، و ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، بخلاف صورة النزاع فإنّه يتمّ بدونها بالإطلاق فيها.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو ذكر جمعهما في يوم و اشتبه صلّى أربعا، و تظهر الفائدة في إتمام أحد اليومين و تقصير الآخر حتما فيزيد ثنائيّة، أو بالتخيير، و وجوب تقديم فائتة اليوم على حاضرته لا غير».

أقول: إذا تيقن المكلّف أنّه أخلّ بواجب من الطهارتين في يومين فهو على أقسام:

الأوّل: أن يذكر التفريق بأن يقول: فاتني من أمس واجب من طهارة و من يوم آخر واجب من طهارة، فهذا يجب عليه عن كلّ يوم ثلاث فرائض: الصبح و المغرب و رباعيّة إن كان حاضرا، و لم يجمع بين الرباعيتين بطهارة و مغرب و ثنائيّة إن كان مسافرا.

الثاني: أن يقول: فاتني واجب من طهارتين لصلاتين لا أعلم انّهما من أمس أو من اليوم- مثلا- فنقول: هذا يجب عليه إن كان حاضرا فيهما أربع فرائض: الصبح و رباعيتان ينوي بكلّ واحدة منهما ما في ذمّته و بينهما المغرب.

و قول المصنّف: «و تظهر الفائدة. الى آخره» جواب عن سؤال مقدّر. و تقريره

62

أن يقال: أيّ فارق بين صلاتي أمس و اليوم- مثلا- حتى يقول: لا أعلم هل هي من صلاة أمس أم اليوم؟ و تقرير الجواب أن يقال: تظهر الفائدة في ثلاث مواضع:

الأوّل: يمكن أن يكون في أحد اليومين فرضه الإتمام حتما، و في الآخر التقصير حتما، أي لا يكون مخيّرا فيه بين الإتمام و التقصير، و حينئذ يلزمه الإتيان بثنائيّة اخرى، لاحتمال كون الفائت صلاتين من يومه الذي يلزمه فيه التقصير حتما.

الفائدة الثانية: يمكن أن يكون في أحد اليومين فرضه الإتمام حتما أو التقصير حتما، و في الآخر فرضه التخيير.

فعلى تقدير كون فرض الإتمام في أحدهما حتما و في الآخر التخيير، فان اختار الإتمام اكتفى بأربع: صبح و رباعيتان و مغرب، و ان اختار التقصير وجبت الخامسة، و ان لم يختر أحدهما اكتفى بالأربع أيضا.

و على تقدير كون فرضه التقصير في أحدهما حتما و في الآخر التخيير يكفيه ثنائيتان أن ينوي بكلّ واحد منهما ما في ذمّته، إن صبحا فصبحا، و إن ظهرا فظهرا، و إن عصرا فعصرا، و إن عشاء فعشاء و بينهما مغرب إن اختار التقصير في يوم التخيير، و إن اختار التمام وجب الخمس، فان لم يختر أحدهما اكتفى بالثلاث.

الفائدة الثالثة: انّ مذهب المصنّف (رحمه اللّٰه) انّ الفائتة إن كانت من صلاة يوم حاضر فإنّه لا يجوز تقديم الحاضرة على الفائتة، بل يجب عليه أن يقدم فائتة ذلك اليوم على حاضرته، و ان كانت من يوم غير حاضر جاز تقديم حاضرته عنده على الفائتة، و إليه أشار بقوله: «لا غير».

فعلى هذا لو صلّى في يوم حاضر الصبح و الظهر و العصر و المغرب كلّ واحدة بطهارة ثمّ تطهّر للعشاء ثمّ ذكر الإخلال من طهارتين و شكّ في كونهما من يومه أو

63

أمسه فإنّه يجب عليه تجديد الطهارة و صلاة صبح و مغرب و أربع مرتين، ثمّ يصلّي العشاء لجواز أن يكون الإخلال من طهارة في يومه، فافترق حكم اليومين.

الثالث: أن يجهل الجمع و التفريق، بمعنى انّه يجزم على بطلان طهارتين لصلاتين من يومين لا يعلم هل في كلّ يوم منها طهارة أو طهارتين في أحد اليومين و لا يعلمه بعينه؟ قال المصنّف (رحمه اللّٰه): يصلّي عن كلّ يوم ثلاث صلوات.

و أقول: مراده إذا كان حاضرا، أمّا لو فرضنا كونه مسافرا فيهما فإنّه يصلّي ثنائيتين معهما مغربان مراعيا للترتيب، بأن يصلّي ثنائية ثمّ مغربا ثمّ ثنائية ثمّ مغربا، و ان كان مسافرا في أحدهما دون الآخر فحكمه ما تقدم.

[المقصد الخامس في غسل الجنابة]

[الفصل الأول في سببه و كيفيته]

قوله (رحمه اللّٰه): «و غيبوبة الحشفة في فرج آدمي قبل أو دبر، ذكر أو أنثى، حي أو ميت، أنزل معه أو لا، فاعلا أو مفعولا على رأي».

أقول: هذا هو اختيار الشيخ في المبسوط فإنّه قال في كتاب الصوم منه:

و الجماع في الفرج أنزل أم لم ينزل، سواء كان قبلا أو دبرا أو فرج غلام أو ميت (1).

و كذا لم يفرّق السيد المرتضى (2)، و ابن الجنيد (3)، و ابن إدريس (4)، و ابن حمزة (5) بين القبل و الدبر.

____________

(1) المبسوط: كتاب الصوم فيما يمسك عنه الصائم ج 1 ص 270.

(2) الناصريات «الجوامع الفقهية»: كتاب الطهارة المسألة 40 ص 223.

(3) نقله عنه في مختلف الشيعة: كتاب الطهارة الفصل الثاني في غسل الجنابة ج 1 ص 323.

(4) السرائر: كتاب الطهارة باب أحكام الأحداث ج 1 ص 107.

(5) الوسيلة: كتاب الصلاة في بيان الطهارة الكبرى ص 55.

64

و في النهاية (1) و الاستبصار (2) للشيخ: لا يجب الغسل بالوطء في دبر المرأة.

و قال في فصل الجنابة من المبسوط: إذا أولج ذكره في دبر المرأة أو الغلام فلأصحابنا فيه روايتان، إحداهما: يجب الغسل عليهما، و الثانية: لا يجب عليهما (3)، و هذا الكلام يدلّ على توقّفه فيه.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لكلّ منهما الائتمام بالآخر على إشكال».

أقول: منشأه أنّ الشارع أسقط اعتبار هذه الجنابة، و لهذا لا يجب على أحدهما الغسل و يحكم بصحّة صلاة كلّ منهما، و حينئذ لا مانع من اقتداء أحدهما بالآخر.

و من أنّ المأموم على هذا التقدير يقطع على أنّه إمّا محدث أو مقتد بمحدث فتكون صلاته باطلة على كلّ واحد من التقديرين.

قوله (رحمه اللّٰه): «و في وجوب الغسل لنفسه أو لغيره خلاف».

أقول: القول بأنّه واجب لنفسه اختيار المصنّف في مسائل الخلاف، و نقله عن والده (رحمه اللّٰه) (4).

____________

(1) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب الجنابة و أحكامها و. ج 1 ص 227.

(2) الاستبصار: ب 66 في الرجل يجامع المرأة. ح 2 ج 1 ص 112.

(3) المبسوط: كتاب الطهارة في ذكر غسل الجنابة ج 1 ص 27.

(4) مختلف الشيعة: كتاب الطهارة الفصل الثاني في غسل الجنابة ج 1 ص 321.

65

و قال ابن إدريس: إنّه واجب لغيره (1).

و استدلّ المصنّف بروايات متعدّدة تقتضي تعلّق وجوب الغسل على مجرّد التقاء الختانين.

أحدها: ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) قال: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، و قال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر لعلي (عليه السلام): ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال (عليه السلام): أ توجبون عليه الحدّ و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من الماء؟! إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر: القول ما قاله المهاجرون و دعوا ما قالت الأنصار (2).

و احتجّ ابن إدريس بمفهوم الآية (3).

و أجيب: بأنّ إيجاب الغسل عند إرادة الصلاة لا ينافي وجوبه لا عندها.

[فروع]

[الرابع]

قوله (رحمه اللّٰه): «فان تجدّد أحدهما في الأثناء أعاد فيهما على الأقوى».

أقول: يعني إذا تجدّد الحدث الأكبر أو الأصغر في أثناء الغسل أعاد الغسل،

____________

(1) السرائر: كتاب الطهارة باب الجنابة و أحكامها و. ج 1 ص 128.

(2) تهذيب الأحكام: ب 6 في حكم الجنابة ح 314 ج 1 ص 119، وسائل الشيعة: باب 6 من أبواب الجنابة ح 5 ج 1 ص 470.

(3) السرائر: كتاب الطهارة باب أحكام الأحداث. ج 1 ص 108.

66

أمّا عند تجدّد الأكبر فلا خلاف فيه، و أمّا عند تجدّد الأصغر فالأقوى عند المصنّف الإعادة أيضا، و هو اختيار الشيخ في النهاية (1)، و المبسوط (2)، و مذهب ابن بابويه (3).

و قال السيد المرتضى: يتمّم الغسل و يتوضّأ (4).

و قال ابن البرّاج (5)، و ابن إدريس (6): يتمّم و لا شيء عليه.

و وجه قوّة الإعادة انّ الحدث الأصغر ناقض لحكم الاستباحة بتلك الطهارة عند كما لها، فنقض حكم أبعاضها أولى، و إذا انتقض حكم ما فعله وجب عليه إعادة الغسل، لأنّه حينئذ يصدق عليه أنّه جنب لم يرتفع حكم جنابته، و ما فعله من البعض قد انتقض حكمه فكان عليه الاستئناف.

احتجّ ابن إدريس بأنّ الأصغر غير موجب للغسل إجماعا، فلا معنى للإعادة.

و أجيب بأنّ الإعادة ليست بسبب أنّ الأصغر موجب للغسل، بل لحكم الجنابة الباقي قبل كمال الغسل.

و احتجّ المرتضى (رحمه اللّٰه) بأنّ الحدث الأصغر لو حصل بعد إكمال الطهارة لاقتضى وجوب الوضوء فكذا في أثنائها.

و أجيب بمنع المساواة فإنّه قبل كماله جنب، و بعد تمامه قد ارتفعت الجنابة و وجد ما يوجب الوضوء.

____________

(1) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب الجنابة و أحكامها ج 1 ص 233.

(2) المبسوط: كتاب الطهارة في غسل الجنابة و أحكامها ج 1 ص 29.

(3) من لا يحضره الفقيه: باب صفة غسل الجنابة ذيل الحديث 191 ج 1 ص 88.

(4) نقله عنه في المختلف: كتاب الطهارة الفصل الثاني في غسل الجنابة ج 1 ص 338.

(5) جواهر الفقه: كتاب الطهارة المسألة 22 ص 12.

(6) السرائر: كتاب الطهارة باب الجنابة و أحكامها و. ج 1 ص 119.

67

[الخامس]

قوله (رحمه اللّٰه): «و في الملفوف نظر».

أقول: وجه النظر أنّ السبب المقتضي للجنابة إمّا خروج المني أو التقاء الختانين- أعني مماسّة أحد الفرجين للآخر في موضع يتحاذى عنده الختانان- لأنّ التقاء الختانين لا يتحقّق، و انّما المراد المحاذاة و لم يتحقّق أحدهما فلا جنابة.

و من المنع من اشتراط تماسّ الفرجين، فانّ التقاء الختانين- أعني تحاذي موضعهما- أعمّ من التماس و عدمه.

[السادس]

قوله (رحمه اللّٰه): «لو خرج المني من ثقبة في الصلب فالأقرب الاعتياد و عدمه».

أقول: يريد أنّ ذلك الموضع إن صار معتادا فالأقرب وجوب الغسل، و إلّا فالأقرب عدمه. أمّا الأوّل: فلأنّ خطاب الشارع لم يعيّن موضعا معيّنا في صورة الانزال، و انّما يحمل على الموضع المعهود، و هذا الموضع قد صار معهودا بالقياس الى هذا المكلّف فيناوله الخطاب. و أمّا الثاني: فلعدم دخوله في ما يحمل عليه خطاب الشارع- أعني الموضع المعهود.

[التاسع]

قوله (رحمه اللّٰه): «لو وجد المرتمس لمعة لم يصبها الماء فأقوى الاحتمالات الاجتزاء بغسلها لسقوط الترتيب، ثمّ غسلها و غسل ما بعدها لمساواته الترتيب، ثمّ الإعادة لعدم صدق الوحدة».

68

(1) أقول: قد ذكر في هذه المسألة احتمالات ثلاثة معلّلة أقواها الاجتزاء بغسلها.

و وجه القوّة: أنّ المرتمس لا ترتيب عليه، و انّما يجب عليه غسل جميع بدنه، و بغسل اللمعة يتحقّق ذلك، فيخرج به عن العهدة، و يحتمل غسلها و غسل ما بعدها ثمّ الإعادة، لما ذكر المصنّف فيهما.

[المقصد السادس في الحيض]

[الفصل الأول في ماهيته]

قوله (رحمه اللّٰه): «و يجامع الحمل على الأقوى».

أقول: اختلف أصحابنا في أنّه هل يجتمع الحيض مع الحمل؟ على أقوال أربعة:

الأوّل: عدمه مطلقا، و هو قول ابن الجنيد (1)، و ابن إدريس (2). الثاني: يجتمعان قبل أن يستبين الحمل و لا يجتمعان بعد استبانته، و هو قول الشيخ في الخلاف (3). الثالث:

يجتمعان إذا جاء في أيام عادتها أو بعدها ما لم يتأخّر بمقدار عشرين يوما فلا يكون حينئذ حيضا، و هو قول الشيخ في النهاية (4). الرابع: يجتمعان مطلقا، و هو قول السيد المرتضى في المسائل الناصرية (5)، و محمد بن بابويه (6)، و هو الأقوى عند المصنّف.

و وجه القوّة الروايات الصحيحة الدالّة على ذلك، منها: ما رواه صفوان قال:

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام تصلّي؟

____________

(1) نقله عنه في مختلف الشيعة: كتاب الطهارة الفصل الثالث في غسل الحيض ج 1 ص 356.

(2) السرائر: كتاب الطهارة باب أحكام الحيض ج 1 ص 150.

(3) الخلاف: كتاب الحيض في وجوب الأغسال على المستحاضة المسألة 12 ج 1 ص 68.

(4) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب حكم الحائض و. ج 1 ص 236.

(5) الناصريات «الجوامع الفقهية»: كتاب الطهارة المسألة 61 ص 227.

(6) المقنع: كتاب الطهارة باب الحائض و. ص 16.

69

قال: تمسك عن الصلاة (1).

و احتجّ ابن الجنيد بما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: قال النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): ما كان اللّٰه ليجعل حيضا مع حبل (2). و أجيب بضعف السند.

و احتجّ الشيخ على قوله في النهاية برواية أبي نعيم الصحّاف في الصحيح قال:

قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّ أمّ ولدي ترى الدم و هي حامل كيف تصنع بالصلاة؟ قال: إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى الدم فيه من الشهر الذي كانت تقعد فيه فان ذلك ليس من الرحم و لا من الطمث فلتتوضأ و تحتشي. الحديث (3). و أجيب بالحمل على عدم حصول التوالي (4).

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو اجتمع التمييز و العادة فالأقوى العادة إن اختلفا زمانا».

أقول: مع اتفاق الزمان فيهما لا كلام فيه، و انّما البحث في الدم الذي تراه في أيام عادتها بصفة دم الاستحاضة و قبله أو بعده أو هما بصفة دم الحيض و يتجاوز

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 19 في الحيض و الاستحاضة و. ح 16 ج 1 ص 387، وسائل الشيعة:

ب 29 من أبواب الحيض ح 4 ج 2 ص 577.

(2) تهذيب الأحكام: ب 19 في الحيض و الاستحاضة و. ح 19 ج 1 ص 387، وسائل الشيعة:

ب 30 من أبواب الحيض ح 12 ج 2 ص 579.

(3) تهذيب الأحكام: باب 19 في الحيض و الاستحاضة. ح 20 ج 1 ص 388.

(4) في ج: «الشرائط».

70

المجموع العشرة، فإنّ الأصحاب اختلفوا هنا.

فقال السيد المرتضى (1)، و المفيد (2)، و ابن الجنيد (3): تبني على العادة، و هو قول الشيخ في الجمل (4).

و قال في النهاية: ترجع الى التمييز (5).

و تردّد في المبسوط (6)، و الخلاف (7)، لأنّه قال فيهما: ترجع الى التمييز، ثمّ قال: لو قلنا بالرجوع إلى العادة كان قويّا.

و الأوّل اختيار المصنّف، و استدلّ على ذلك برواية يونس، عن غير واحد، عن الصادق (عليه السلام) حيث سنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) السنن الثلاث، فإنّ امرأة يقال لها: فاطمة بنت أبي حبيش استحاضت فأتت أمّ سلمة فسألت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) في ذلك، فقال: تدع الصلاة قدر أقرائها و قدر حيضها، قال الصادق (عليه السلام): هذه السنّة للتي تعرف أيامها و لم تختلط عليها، و كذلك أفتى أبي (عليه السلام) (8).

____________

(1) لم نعثر عليه في المصادر المتوفّرة لدينا و حكاه في المعتبر ج 1 ص 212.

(2) المصدر السابق.

(3) نقله عنه في مختلف الشيعة: كتاب الطهارة الفصل الثالث في غسل الحيض و. ج 1 ص 368.

(4) الجمل و العقود: الفصل 7 في ذكر الحيض و. ص 46.

(5) النهاية و نكتها: كتاب الطهارة باب حكم الحائض و. ص 235.

(6) المبسوط: كتاب الطهارة في الاستحاضة و. ج 1 ص 48.

(7) الخلاف: كتاب الحيض المسألة 210 ص 241- 242.

(8) تهذيب الأحكام: ب 19 في الحيض و. ح 6 ج 1 ص 381، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الحيض ح 3 ج 2 ص 547.