كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد - ج2

- السيد عميد الدين الحسيني العميدي المزيد...
693 /
5

كتاب الإجارة و توابعها

[المقصد الأول في الإجارة]

[الفصل الأول الماهية]

قوله (رحمه اللّٰه): «و لا المميّز و إن أذن له الولي على إشكال».

أقول: يريد لا تنعقد الإجارة الصادرة من الصغير المميّز و إن أذن له الولي في إيقاع العقد على إشكال.

ينشأ من أنّه عقد بإيجاب صحيح صدر ممّن له عقل بإذن الولي فكان صحيحا.

و من انّ الصغير مسلوب العبارة في العقود فلم يؤثر الإذن في صحّته كغير المميّز.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لا بموت أحدهما على رأي».

أقول: يريد انّه لا تبطل الإجارة بموت أحد المتؤاجرين، و هو قول السيد المرتضى (رحمه اللّٰه) فيما نقله عنه ابن إدريس في المسائل الناصرية و اختاره ابن إدريس (1)، و أبو الصلاح (2).

و قال المفيد (رحمه اللّٰه): الموت يبطل الإجارة (3) و أطلق، و كذا قال سلّار (4)،

____________

(1) السرائر: باب المزارعة ج 2 ص 449.

(2) الكافي في الفقه: في الإجارة ص 348.

(3) المقنعة: باب الإجارات ص 640.

(4) المراسم: في ذكر أحكام الإجارات ص 196.

6

و الشيخ في النهاية (1).

و قال في الخلاف: الموت يبطل الإجارة، سواء كان موت المؤجر أو موت المستأجر. قال فيه: و في أصحابنا من قال: موت المستأجر يبطلها، و موت الموجر لا يبطلها (2).

و قال في المبسوط: الموت يفسخ الإجارة، سواء كان الميّت المستأجر أو المؤجر عند أصحابنا، و الأظهر عندهم انّ موت المستأجر يبطلها، و موت الموجر لا يبطلها، و فيه خلاف (3).

و قال ابن الجنيد: و لو مات المستأجر قام ورثته مقامه (4).

و المصنّف اختار انّها لا تبطل بالموت، إلّا إذا كان الموجر موقوفا عليه فيموت قبل انتهاء المدّة، فالأقرب عنده بطلان الإجارة حينئذ في الباقي، لأنّه يتجدّد لنا العلم بأنّ ما تخلّف من مدّة الإجارة كان ملكا للبطن الثانية عن الواقف لا عنه، فلم يكن داخلا في ملكه فكانت باطلة فيه، بخلاف موت موجر الطلق، لأنّ الورثة يرثونه عنه فهو ملك له كان له نقله كيف شاء.

[الفصل الثاني في أركانها]

[المطلب الأول المحل]

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو كان هو المستأجر فالأقرب الجواز و تجتمع عليه الأجرة و الثمن».

أقول: لو باع الموجر العين المؤجرة لغير المستأجر صحّ و لا تبطل الإجارة،

____________

(1) النهاية و نكتها: كتاب المتاجر باب الإجارات ج 2 ص 277.

(2) الخلاف: كتاب الإجارة المسألة 7 ج 3 ص 491.

(3) المبسوط: كتاب الإجارات ج 3 ص 224.

(4) نقله عنه في مختلف الشيعة: كتاب الإجارة و توابعها الفصل الأوّل في الإجارة ص 460 س 30.

7

و هل تصحّ للمستأجر أن يبتاعها؟ الأقرب عند المصنّف الجواز، لأنّها عين قابلة للنقل بالبيع و المستأجر أهل للتملّك جائز التصرّف فجاز أن يبتاعها لغيره، و تملّك المنفعة لا ينافيه، لانتقال كلّ منهما بعقد، و حينئذ يجتمع عليه الأجرة و الثمن عن العين المسلوبة المنافع.

قوله (رحمه اللّٰه): «و يستقرّ الضمان على الموجر مع جهل المستأجر، و في الزائد من اجرة المثل إشكال».

أقول: يريد بذلك انّه إذا استأجر شيئا و انتفع به ثمّ ظهرت العين مستحقّة لغير الموجر تخيّر المالك في الرجوع على من شاء من المؤجر أو المستأجر، و يستقرّ الضمان على الموجر إن كان المستأجر جاهلا، فإن تساوى المسمّى و ما غرمه المستأجر للمالك رجع بما سلّمه إليه من الأجرة، و إن غرم أقل رجع بالفاضل من الأجرة. أمّا لو غرم أكثر فهل يرجع المستأجر بتلك الزيادة الفاضلة على ما سلّم إلى المؤجر من الأجرة؟ فيه إشكال.

ينشأ من انّه غرمها بسبب مباشرته إتلافها، فلم يكن له على المؤجر أكثر ممّا سلّم إليه من الأجرة.

و من انّه مغرور فضعفت مباشرته بالغرور، فكان السبب في الإتلاف- أعني الموجر الغار- أولى منه بالضمان.

قوله (رحمه اللّٰه): «و يجب على المستأجر علف الدابة و سقيها، و لو استأجر أجيرا لينفذه في

8

حوائجه فنفقته على المستأجر إلّا أن يشرطها على الأجير، فإن تشاحّا في قدره فله أقلّ مطعوم مثله و ملبوسه. و لو قيل: بوجوب العلف على المالك و النفقة على الأجير كان وجها».

أقول: قال الشيخ في النهاية: من استأجر أجيرا ينفذه في حوائجه كان ما يلزم الأجير من النفقة على المستأجر دون الموجر (1).

و قال ابن إدريس: النفقة على الأجير (2).

و استحسن المصنّف وجوب النفقة على الأجير- كما ذهب إليه ابن إدريس- و وجوب علف الدابة على المالك، لأنّ العقد اقتضى وجوب الأجرة عليه فلا يلزمه غيره، عملا بأصالة براءة الذمّة، أمّا الأجير فلأنّ نفقة نفسه واجبة عليه كغيره من الناس، و أمّا المالك فلأنّه يجب عليه الإنفاق على الدابة، لأنّها ملكه وجوبا مخيّرا.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو آجر عبده ثمّ أعتقه- إلى قوله:- و الأقرب عدم رجوعه على مولاه بأجرة».

أقول: لأنّ المولى ملكه نفسه مسلوب المنفعة، كما لو أعتقه و شرط عليه خدمة زمان معيّن فإن العتق و الشرط صحيحان و لا عوض على السيد.

و حكى ابن إدريس لفظ الشيخ في المبسوط بعينه في هذا المعنى فقال: إذا آجر

____________

(1) النهاية و نكتها: كتاب المتاجر باب الإجارات ج 2 ص 282.

(2) السرائر: كتاب المتاجر و البيوع باب الإجارات ج 2 ص 468.

9

الإنسان عبده مدّة ثمّ أعتقه في أثنائها صحّ، و هل يرجع على السيد بأجرة المثل لما يلزمه من الخدمة بعد الحرّية؟ قيل: فيه قولان، أحدهما: يرجع بأجرة المثل في تلك المدّة، و الآخر: لا يلزمه، و هو الصحيح، لأنّه لا دليل عليه، و الأصل براءة الذمّة (1).

[المطلب الثاني في العوض]

قوله (رحمه اللّٰه): «و في الاكتفاء بالمشاهدة نظر».

أقول: جوّز الشيخ في المبسوط أن يكون مال الإجارة معلوما بالمشاهدة و إن لم يعلم قدره (2)، و منع ابن إدريس من ذلك (3).

و المصنّف قال: فيه نظر، من حيث إنّ الأصل صحّة العقد، و لانتفاء الغرر بحصول المشاهدة له. و من حيث إنّها معاملة فوجب العلم بالعوض فيها كالبيع، و كون العوض مشاهدا لانتفاء جهالته، لأنّ المعهود من الشارع انّ المكيل و الموزون لا تصحّ المعاوضة عليها إلّا بعد معرفتها بأحدهما، و لا علّة لذلك إلّا الجهالة، و هي هنا متحقّقة فتكون باطلة.

قوله (رحمه اللّٰه): «امّا بصاع من الدقيق أو المرضعة بجزء من المرتضع الرقيق فالأقرب الجواز».

أقول: يعني انّه لو استأجر على طحن قفيز من الحنطة بصاع من الدقيق أو المرضعة لإرضاع المرتضع الرقيق بجزء مشاع منه فالأقرب الصحّة، للأصل و عدم المانع من جواز ذلك.

____________

(1) السرائر: كتاب المتاجر و البيوع باب الإجارات ج 2 ص 472.

(2) المبسوط: كتاب الإجارات ج 3 ص 223.

(3) السرائر: كتاب المتاجر و البيوع باب الإجارات ج 2 ص 459.

10

قوله (رحمه اللّٰه): و لو قال: إن خطته اليوم فلك درهمان، و إن خطته غدا فدرهم احتمل اجرة المثل و المسمّى، و كذا إن خطته روميا فدرهمان، و إن خطته فارسيا فدرهم».

أقول: أمّا احتمال الصحّة فلأنّه استأجره على كلّ واحد من الفعلين بأجرة معلومة فكان صحيحا، و أمّا البطلان فلأنّه مردّد بين ما وقع عليه العقد فلم يعلم كلّ منهما ما وجب له و عليه من الأجرة و العمل.

و قال الشيخ (رحمه اللّٰه): يصحّ (1). و في الرومي و الفارسي تبطل الإجارة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو آجره كلّ شهر بدرهم و لم يعيّن، أو استأجره لنقل الصبرة المجهولة و إن كانت مشاهدة كلّ قفيز بدرهم، أو استأجره مدّة شهر بدرهم فإن زاد فبحسابه فالأقرب البطلان، إلّا الأخير فإنّ الزائد باطل».

أقول: في هذا الكلام ثلاث مسائل:

الأولى: إذا آجره دارا كلّ شهر بدرهم فالأقرب عنده البطلان، و هو قول ابن إدريس (2)، لأنّ ما وقع عليه الإجارة مجهول.

و قال في النهاية: يصحّ في شهر، و يبطل في ما زاد عليه (3).

____________

(1) المبسوط: كتاب الإجارات ج 3 ص 249- 250.

(2) السرائر: كتاب المتاجر و البيوع باب الإجارات ج 2 ص 461.

(3) النهاية و نكتها: كتاب المتاجر باب الإجارات ج 2 ص 277.

11

و قال ابن الجنيد: و لا بأس أن يستأجر الدار كلّ شهر بكذا و كلّ يوم بكذا و لا يذكر نهاية الإجارة، و إن ذكرها عشرين سنة و أقلّ و أكثر جاز ذلك (1).

الثانية: إذا استأجر لحمل الصبرة المجهولة كلّ قفيز بدرهم قال الشيخ: يصحّ، فإنّه قال في المبسوط: إذا استأجره لحمل عشرة أقفزة من صبرة مشاهدة كلّ قفيز بدرهم و ما زاد فبحسابه صحّ. و كذا يصحّ في البيع لو قال: بعتكها كلّ قفيز بدرهم، و يفارق إذا قال: آجرتك هذه الدار كلّ شهر بدرهم عند من قال: لا يجوز، لأنّ جملة المدّة مجهولة المقدار، و ليس كذلك هنا، لأنّ الجملة معلومة بالمشاهدة (2).

و الأقرب عند المصنّف البطلان أيضا، لأنّ المشاهدة لا تكفي في العلم بالمقدار.

الثالثة: إذا قال: آجرتك هذه الدار مدّة شهر بدرهم و ما زاد فبحسابه فهذه الأجرة تصحّ عنده في الشهر و تبطل في الزائد لأنّ العقد يتضمّن شهرا، و هو معيّن بدرهم. و إذا كان العوضان معلومين صحّ العقد، غايته انّه شرط انّ الزائد على ذلك فبحسابه فيبطل الزائد لجهالته خاصّة. فعلى هذا قول الشيخ في المبسوط: «إذا استأجره لحمل عشرة أقفزة من الصبرة كلّ قفيز بدرهم و ما زاد بحسابه صحّ في العشرة بعشرة دراهم و يبطل ما زاد عليه» بخلاف ما فرضه المصنّف و هو: «انّه إن استأجره لحمل مجموع الصبرة المجهولة كلّ قفيز بدرهم» فإن ذلك باطل، لما مرّ من عدم تعيين المقدار.

____________

(1) نقله عنه في مختلف الشيعة: كتاب الإجارة و توابعها الفصل الأوّل في الإجارة ص 460 س 21.

(2) المبسوط: كتاب الإجارات ج 3 ص 245.

12

قوله (رحمه اللّٰه): «و يملك الأجرة بالعقد، لكن لا يجب تسليمها إلّا بعد العمل، و هل يشترط تسلميه؟ الأقرب ذلك».

أقول: وجه القرب انّ الإجارة عقد معاوضة كالبيع، فكما انّ كلّ واحد من المتبايعين يملك ما صار إليه بالبيع من الثمن أو المثمن بنفس العقد، و لا يجب عليه تسليم ما وجب عليه قبل صاحبه، كذلك الإجارة التي في معناه تملّك الأجرة بنفس العقد، و يستحقّ على الأجير العمل بنفس العقد، و لا يجب على المستأجر أن يسلّم الأجرة قبل تسليم العمل بتسليم العين المستأجرة على عملها.

قوله (رحمه اللّٰه): «و يجوز أن يوجر العين بأكثر ما استأجرها به و إن لم يحدث فيها شيئا مقوّما و كان الجنس واحدا على رأي، و كذا لو سكن البعض و آجر الباقي بالمثل أو الزائد، و كذا لو تقبّل عملا بشيء فقبله لغيره بأقل».

أقول: منع السيد (1)، و الشيخ (2)، و سلّار (3) من ذلك و جوّزه ابن إدريس (4) على كراهية، و هو مذهب المصنّف.

____________

(1) الانتصار: في مسائل شتّى مسألة ص 231.

(2) النهاية و نكتها: كتاب المتاجر باب الإجارات ج 2 ص 278.

(3) المراسم: في ذكر أحكام الإجارات ص 195.

(4) السرائر: كتاب المتاجر و البيوع باب الإجارات ج 2 ص 464.

13

[المطلب الثالث في المنفعة]

قوله (رحمه اللّٰه): «فلو استأجر تفاحة للشم، أو طعاما لتزيين المجلس، أو الدراهم و الدنانير و الشمع لذلك، أو الأشجار للوقوف في ظلّها ففي الجواز نظر، ينشأ من انتفاء قصد هذه المنافع».

أقول: و من كونها منافع محلّلة قد تقصد.

قوله (رحمه اللّٰه): «امّا لو استأجر شجرا ليجفّف عليها الثياب أو يبسطها عليها ليستظلّ بها فالوجه الجواز».

أقول: لأنّ هذه المنافع مقصودة غير نادرة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و الأقرب جوازه مع عدمها للحاجة».

أقول: لو استأجر الظئر للإرضاع مع عدم الحضانة فالأقرب الجواز، عملا بالأصل.

لا يقال: انّه معاملة على عين فيكون بيعا باطلا لا إجارة، لأنّ الإجارة لا تتناول الأعيان، بخلاف ما إذا كان مع الحضانة، فإنّ الإجارة على الحضانة و هي منفعة، و الدرّ تابع، لأنّا نقول: لمّا كان ذلك ممّا تمسّ إليه الحاجة غالبا و لا يصحّ بيعه شرعت الإجارة فيه، لمكان الحاجة الضرورية، و لدلالة قوله تعالى فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (1) جعل العوض في مقابلة الرضاع اجرة.

____________

(1) الطلاق: 6.

14

قوله (رحمه اللّٰه): «و هل يتعدّى الى الشاة لإرضاع السخلة؟ الأقرب ذلك».

أقول: لأن المقتضي موجود فيها- و هو الاحتياج- فكان جائزا.

قوله (رحمه اللّٰه): «و في جواز استئجار البئر للاستسقاء منها إشكال».

أقول: ينشأ من وقوع الإجارة على جواز الاستسقاء بتبعية الماء فتكون إجارة صحيحة، و لأنّه يشبه العين المنتفع بها مع بقائها، فإنّ العين المستأجرة هي البئر لا الماء، و الماء يجري هنا مجرى المنافع.

و من انّ المقصود هو الماء، و هو عين لا منفعة، و الإجارة لا تتناول الأعيان.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو انهدمت الدار أو غرقت الأرض أو انقطع ماؤها في الأثناء فللمستأجر الفسخ، فإن بادر المالك الى الإعادة فالأقرب بقاء الخيار».

أقول: لأنّ حقّ الخيار ثبت له في ذلك الوقت فلا يزول بتجدّد الإصلاح.

و الحقّ أن يقال: إن بادر المالك الى ذلك في زمان لا يفوت فيه شيء من المنافع المستأجرة لم يتخيّر، و إلّا كان له الخيار مستمرّا.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو منعه الموجر من التصرّف في العين فالأقرب تخيّره بين الفسخ فيطالب بالمسمّى، و بين الإمضاء فيطالب بأجرة المثل».

15

أقول: وجه القرب أنّه ملك المنفعة فله أن يطالب المؤجر بقيمة ما أتلفه- أعني أجرة المثل- أو يفسخ لتعذّر وصول المنفعة فله المسمّى لانفساخ العقد.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو غصبه أجنبي قبل القبض- الى قوله:- و لو ردّت العين في الأثناء استوفى المستأجر المنافع الباقية و طالب الغاصب بأجرة مثل الماضي، و هل له الفسخ فيه و مطالبة المؤجر؟ نظر».

أقول: وجه النظر من حيث انّه مضمون على الموجر قبل القبض، و لهذا كان له الفسخ في الجميع إذا استوفاه الغاصب، فكذا في البعض، لوجود المقتضي، و هو تعذّر وصول ما تضمّنه عقد الإجارة إلى المستأجر.

و من حيث إنّ الإجارة وقعت على المجموع فليس له إجارة بعض ما وقع عليه العقد و الفسخ في الباقي، لأنّ فيه تبعيضا للصفقة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو حدث خوف منع المستأجر من الاستيفاء، كما لو استأجر جملا للحجّ فتنقطع السابلة فالأقرب تخيّر كلّ من الموجر و المستأجر».

أقول: وجه القرب انّه مع وجود أمارة الخوف يجب على كلّ منهما الاحتراز منه، فجرى ذلك مجرى تعذّر استيفاء المنفعة أو ايفائها، و لحصول الضرر على كلّ منهما فيتسلّط كلّ منهما على الفسخ و لعدم وجوب تحمّل الضرر، و لوجوب التحرّز من الخوف.

16

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو استأجر دارا للسكنى فحدث خوف عامّ يمنع من الإقامة بذلك البلد ففي تخيّر المستأجر نظر».

أقول: ينشأ من وجود المنفعة المستأجرة و إمكان استيفائها، إذ الدار باقية على صلاحية سكناها.

و من تعذّر الاستيفاء بالخوف العامّ، فكان كانهدام الدار الذي يتسلّط معه على الفسخ.

قوله (رحمه اللّٰه): «و هل تقع عن الأجير؟

الأقوى العدم».

أقول: يريد لو أجّر الإنسان نفسه لغيره ليصلّي ما وجب على الأجير لم تصحّ الإجارة، لأنّه لا يمكن حصولها للمستأجر، و هل تقع عن الأجير بمعنى براءة ذمّته بذلك؟ يحتمل ذلك، لأنّه فعل ذلك بنيّة انّه عن نفسه، فإن الإجارة تضمّنت ذلك.

و يحتمل العدم، و هو الأقرب عند المصنّف، لأنّه إنّما فعلها عن نفسه، لا لأجل وجوبها عليه بالأصالة، بل الإجارة ليأخذ العوض في مقابلتها فكانت باطلة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و في ضمان الوليّ إشكال».

أقول: إذا استأجر وليّ الميّت شخصين ليصلّيا عن الميّت سنتين كلّ واحد منهما سنة فأوقع كلّ واحد منهما السنة في زمان إيقاع الآخر قال المصنّف: يقضي كلّ واحد منهما نصف سنة، لأن الترتيب واجب كما وجب على الميّت فقد برئ الميّت من سنة و بقي عليه سنة، لعدم الترتيب فيقضيانها، و هل يضمن الولي ذلك؟ فيه إشكال.

ينشأ من انّ الواجب عليه الاستئجار و قد فعله، و التقصير من الأجيرين، لعدم

17

التناوب في القضاء، فلا يلزم الوليّ ضمان و يلزمهما القضاء، لعدم فعل ما استؤجرا له على وجه يصحّ.

و يحتمل ضمان الوليّ لتقصيره في استئجار الشخصين، و قد كان قادرا على استئجار واحد و الآخر بعد فراغ الأوّل فيضمن لتفريطه.

قوله (رحمه اللّٰه): «و في جواز الاستئجار عن الاحتطاب أو الاحتشاش أو الالتقاط الاحتياز نظر، ينشأ من وقوع ذلك عن المؤجر أو المستأجر».

أقول: الأصل في ذلك انّ المباحات هل يفتقر تملّكها مع الاستيلاء عليها إلى نيّة أم لا؟ فإن قلنا: إنّها لا تدخل في الملك بذلك إلّا بالنيّة جاز الاستئجار عليها و وقع عن المستأجر و دخلت فيها النيابة بغير عوض أيضا، و إن قلنا: إنّها تدخل في ملك المستولي عليها و المحيز لها لغير نيّة لم تصحّ فيها النيابة بعوض و لا غيره. و يؤيد الافتقار إلى النيّة ما تقدّم من الفرق بين ما وجد في جوف السمكة و الدابة، و تملّك الواجد الأوّل، و وجوب تعريف البائع في الأخير.

قوله (رحمه اللّٰه): «فإن عمل من دون الإذن فالأقرب تخيّر المستأجر بين الفسخ و المطالبة بأجرة المثل أو المسمّى الثاني له أو لمستأجره».

أقول: يعني لو استأجر أجيرا خاصّا- و هو الذي يستأجر مدّة معيّنة- فعمل ذلك الأجير لغير مستأجره عملا بأجرة معيّنة أو غير معيّنة فالأقرب عند المصنّف انّ المستأجر بالمسمّى، مخيّر بين فسخ العقد لتبعيض الصفقة عليه فيرجع أو إمضاء

18

عقده دون عقد المستأجر الثاني فيرجع على من شاء من الأجير أو مستأجرة بأجرة مثل ذلك الزمان.

أمّا الأجير فلأنّه فوّت عليه العمل في ذلك الوقت فكان ضامنا لقيمته، و هي أجرة مثله.

و أمّا من استأجره فلأنّه استوفى منافعه في زمان مختصّ بالمستأجر فيضمن اجرة مثلها، و إن شاء ألزم كلّا منهما بالمسمّى الثاني، أي بالأجرة التي استأجره بها الثاني، لأنّ منافعه في ذلك الوقت مستحقّة له لا للموجر، فكان كما لو أجّر شيئا لغيره فللمالك الإجازة و المطالبة بالمسمّى.

و أقول: الأجير إن كان قد أجّر نفسه بأجرة معيّنة و قبضها فإن أجاز الأوّل الإجارة و القبض جميعا كان له الرجوع على الأجير بالمسمّى، و إن لم تجز الإجارة رجع بأجرة المثل على من شاء منهما كما تقدّم، و إن أجاز الإجارة دون القبض رجع على المستأجر بالمسمّى، و إن لم يكن قبضها و أجاز الإجارة رجع على المستأجر دون الأجير، إلّا أن يفسخ الإجارة فيرجع على من شاء منهما بأجرة المثل كما تقدّم.

قوله (رحمه اللّٰه): «و هل يتناول العقد للّبن أو الحمل. الى آخره؟ الأقرب الأوّل».

أقول: وجه القرب لما بيّناه من جواز الاستئجار لمجرّد الرضاع للحاجة، و لما ذكره المصنّف من استحقاق الأجرة بانفراده دون هذه بانفرادها، و الرخصة سوّغت تناول الإجارة للأعيان.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو دفعته الى خادمتها فالأقرب ذلك أيضا».

19

أقول: يريد انّها لا تستحقّ أجرا على ذلك، كما لو سقته لبن الغنم، لأنّ الاستئجار كان لها، و الأغراض تتفاوت بتفاوت المرضعات.

قوله (رحمه اللّٰه): «فإن مات المرتضع أو المرضعة بطلت الإجارة إن كانت معيّنة، و لو كانت مضمونة فالأقرب إخراج أجرة المثل من تركتها».

أقول: اعلم انّ ابن إدريس قال: إذا مات أحد الثلاثة- يعني المرتضع أو المرضعة أو أبا المرتضع- بطلت الإجارة. قال: امّا بموت المرتضع أو المرضعة فظاهر، و امّا موت الأب فلأنّه المستأجر، و لا خلاف انّ موت المستأجر يبطل الإجارة (1). و هذا رجوع منه عمّا اختاره في كتابه قبل ذلك من انّ الإجارة لا تبطل بموت أحد المتؤاجرين.

و أمّا المصنّف فعلى مذهبه لا تبطل بموت الأب، و امّا بموت المرتضع فإنّه يبطل الإجارة كما قال ابن إدريس (2)، و أمّا موت المرضعة فقال: الأقرب انّها تبطل إذا كانت معيّنة، أمّا إذا كانت الإجارة مضمونة في ذمّتها و لم يشترط عليها المباشرة فإنّه يجب إخراج أجرة مثل ذلك الزمان للإرضاع من تركتها، لأنّ الإرضاع وجب عليها بعقد صحيح و لم يقتض (3) مباشرتها له فكان دينا عليها يخرج من تركتها ما يستأجر به عنها، كما لو استوجرت لعمل مطلق في الذمّة و ماتت قبل استيفاء المستأجر له على التمام فإنّه يستأجر من تركتها لتمامه.

____________

(1) السرائر: كتاب المتاجر و البيوع باب الإجارات ج 2 ص 471.

(2) السرائر: كتاب المتاجر و البيوع باب الإجارات ج 2 ص 460.

(3) في ج: «يقض».

20

قوله (رحمه اللّٰه): «و يكفي في العمل مسمّاه، و لو اختلف فالأقرب وجوب اشتراط الجودة و عدمها».

أقول: وجه القرب انّه عند الاختلاف بالجودة و عدمها تتفاوت الأغراض و الأعواض بتفاوتها، فوجب التعيين لينتفي الغرر المنهيّ عنه.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو وصل الى صخرة لم يلزم حفرها فله من الأجر بنسبة ما عمل، و روي تقسيط أجر عشر قامات بعشرة دراهم على خمسة و خمسين جزء، فما أصاب واحدا فهو الاولى و الاثنين للثانية و هكذا».

أقول: هذه هي الرواية المشهورة التي ذكرها الشيخ في النهاية و هي ما رواه أبو شعيب المحاملي، عن الرفاعي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل قبل رجلا ليحفر له بئرا عشر قامات بعشرة دراهم، فحفر له قامة ثمّ عجز، قال: تقسم العشرة على خمسة و خمسين جزء، فما أصاب الواحد فهو للقامة الاولى و الاثنين للثانية و الثلاثة للثالثة، و على هذا الحساب إلى عشرة (1).

قوله (رحمه اللّٰه): «فإن عمل به احتمل التعدية فتقسم الخمسة على خمسة عشر».

____________

(1) النهاية و نكتها: كتاب القضايا و الأحكام باب جامع في القضايا و الأحكام ج 2 ص 80.

21

أقول: يريد انّه يقسّم الخمس- أي خمس قامات- بمعنى انّه لو استأجره لحفر خمس قامات بعشرة أو أزيد أو أنقص فإنّ الأجرة تقسم للأولى جزء و للثانية اثنين، و هكذا الى خمسة عشر.

و وجه الاحتمال انّه (عليه السلام) جعل للقامة الأولى جزء، و جعل لكلّ قامة أزيد من التي قبلها بجزء، و ذلك يقتضي ما ذكرناه.

و يحتمل عدم التعدية، لورود النصّ على غير هذه المسألة و هي: عشر قامات بعشرة دراهم (1)، فلا يتعدّى الى غيرها.

قوله (رحمه اللّٰه): «أو بالزمان على إشكال، ينشأ من تفاوت السور في سهولة الحفظ».

أقول: يريد لو استأجره على تعليم القرآن جاز بالعمل قطعا كالسورة الفلانية أو الجزء الفلاني المكرّم، و أمّا بالزمان كتعليم. القرآن المجيد مدّة شهر أو سنة ففيه إشكال.

ينشأ مما ذكره، و هو اختلاف سور القرآن المجيد في السهولة.

و من أصالة الجواز كغيره من الأعمال المستأجر عليها.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو استقلّ بتلاوة الآية ثمّ لقّنه غيرها فنسي الأولى ففي وجوب إعادة التعليم نظر».

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 92 من الزيادات في القضايا و الأحكام ج 6 ح 1 ص 287، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الإجارة ج 13 ح 2 ص 284.

22

أقول: منشأ النظر من حصول البراءة بتعليم تلك الآية باستقلاله لحفظها.

و من انّه لا يعدّ في العرف حافظا إلّا عند استقرار الحفظ.

قوله (رحمه اللّٰه): «و هل يجوز على تعليم الفقه؟

الوجه المنع مع الوجوب، و الجواز لا معه».

أقول: امّا قرب المنع مع الوجوب فلأنّ المعلّم حينئذ مؤد لما وجب عليه، فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرا، كما لا يأخذ على سائر الواجبات. و امّا قرب الجواز لا مع الوجوب فلأنّه حينئذ عمل محلّل مقصود، فجاز أخذ الأجرة عليه كغيره من الأعمال.

قوله (رحمه اللّٰه): «و الأقرب جواز اشتراط الأجر على البناء».

أقول: وجه القرب انّه شرط سائغ، فيكون داخلا تحت عموم قوله (عليه السلام) «المؤمنون عند شروطهم» (1).

و يحتمل ضعيفا عدم الجواز، لأنّ الأجر أعيان فلا يدخل تحت الإجارة. و وجه ضعفه انّها جارية مجرى اشتراط الكحل على الكحال.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو شرط الدواء على الطبيب فالأقرب الجواز».

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 31 المهور و الأجور. ح 66 ج 7 ص 371، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.

23

أقول: هذا مثل استئجار المرضعة للإرضاع، لأنّ الدواء عين، فالقول بذلك يستلزم القول بهذا، لكن لو قلنا بالمنع هناك كان الأولى الجواز هاهنا، لأنّ استيجار الطبيب على الفعل جائز، فإذا شرط معه شيء آخر جاز، عملا بالشرط.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لا تدخل الجواميس و البخاتي (1) في إطلاق البقر و الإبل، لعدم التناول عرفا على إشكال».

أقول: منشأه من أنّها بقر و إبل حقيقة فتدخل في الإجارة.

و من عدم التناول عرفا عند الإطلاق، كما ذكر المصنّف.

قوله (رحمه اللّٰه): «و في الاكتفاء بوصفه في الضخامة و النحافة ليعرف الوزن تخمينا نظر».

أقول: منشأه من انّ الوصف يفيد الإحاطة بالمستأجر عليه غالبا، فيكفي فيه كما يكفي في شراء الآدمي سلما.

و من وجوب العلم بهما بالمشاهدة لينتفي الغرر المنهيّ عنه، لأنّ المعقود عليه هنا الحمل المتفاوت بثقل المحمول و خفّته الذي لا يعلم بمجرّد الوصف له بكونه ضخما أو نحيفا من غير مشاهدة، بخلاف الشراء، لأنّ التفاوت هناك (2) بالثقل أو الخفّة ليس مقصودا بالذات.

____________

(1) البخاتي: الإبل الخراسانية. (المعجم الوسيط).

(2) في ج: «هنا».

24

قوله (رحمه اللّٰه): «فإن آجرها لينتفع بها بمهما شاء فالأقرب الجواز».

أقول: يحتمل عدم الجواز لاختلاف المنافع في الضرر و عدمه، أو زيادته و نقصانه فيجب التعيين.

و الأقرب عنده الجواز، لأنّ التعيين انّما يجب لو كان لبعضها. امّا على تقدير تعميم الانتفاع فإنّه يملك الجميع، فلا غرر على أحدهما.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو استأجر لهما صحّ و اقتضى التنصيف، و يحتمل التخيير».

أقول: امّا احتمال التنصيف من حيث اقتضاء العقد المجموع، و ليس أحدهما أولى من الآخر فيقتضي التنصيف. و احتمال التخيير من حصول الرضا بهما من الموجر فكان للمستأجر التخيير في أيّهما شاء.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو عيّن اقتصر عليه و على ما يساويه، أو يقصر عنه في الضرر على إشكال».

أقول: وجه الإشكال من انّ الإجارة لم تتناول ما عدا المعيّن، فلم يكن للمستأجر إلّا هو.

و من دخول المساوي و الأقلّ فيما تضمّنه العقد.

قوله (رحمه اللّٰه): «فيتخيّر في الإمضاء بالجميع، و يحتمل بما بعد الأرش».

25

أقول: يريد انّه لو استأجر أرضا فاتفق غرقها في يد المستأجر لم يضمن المؤجر، لأنّه ليس بسببه و لا في يده و لا خيار للمستأجر مع إمكان الزرع، امّا إذا تعذّر الزرع كان مخيّرا بين فسخ الإجارة و الرجوع بجميع الأجرة لبطلان العقد الذي باعتباره استحقّت الأجرة، و بين إمضاء العقد بجميع الأجرة، لأنّ العقد اقتضى وجوب الأجرة و قد رضي به. و يحتمل الإمضاء بما بعد الأرش، بمعنى انّ للمستأجر أن يرجّع من الأجرة بمقدار أرش نقصها لفوات بعض المنافع.

و أقول: ينبغي على القول بهذا الاحتمال أن يكون الأرش بالنسبة إلى الأجرة من المسمّى، لاحتمال أن يحيط الأرش بجميع الأجرة أو يفضل عنه، و ذلك يقتضي أن يستعيد المستأجر للأجرة أو ما زاد عليها مع بقاء استحقاق باقي المنافع، و هو باطل قطعا. نعم لو كان ذلك بفعل الموجر أمكن القول به.

قوله (رحمه اللّٰه): «و للمالك منعه من زرع ما تبقى بعد المدّة على إشكال».

أقول: منشأ الإشكال من استلزام ذلك التصرّف في مال المالك بما لا يتناوله عقد الإجارة فيكون للمالك منعه منه.

و من استحقاق المستأجر التصرّف فيه الآن كيف كان، و كون المؤجر إنّما له المنع بعد انقضاء المدّة فليس له الاعتراض قبلها.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو استأجر مدّة لزرع لا يكمل فيها، فإن شرط نقله بعد المدّة لزم، و إن أطلق احتمل الصحّة مطلقا و بقيد إمكان الانتفاع».

26

أقول: لو استأجر أرضا لزرع مخصوص مدّة يمتنع أن يكمل فيها عادة، كما إذا استأجر لما يفتقر على أقلّ الأحوال إلى ستّة أشهر مدّة شهر احتمل وجهان:

أحدهما: الصحّة، لأنّ شرائط الإجارة كلّها موجودة، أعني العلم بما وقع عليه العقد من الأرض و الأجرة و الأجل و ضبطه و كمال المتؤاجرين و إمكان الانتفاع بالأرض المستأجرة فتكون صحيحة مطلقا.

و يحتمل تقييد الصحّة بإمكان الانتفاع بالزرع في تلك المدّة، فنقول: إن كانت تلك المدّة ممّا ينتفع بالزرع الحاصل فيها بوجه مّا صحّت، و إلّا فلا، لعدم الانتفاع بالزرع في تلك المدّة، فلا تصحّ المعاوضة عليها بالنسبة الى ذلك الزرع فكانت باطلة.

فعلى الأوّل- أي القول بالصحّة مطلقا- يحتمل وجوب إبقاء الزرع في تلك المدّة إلى زمان بلوغه بالأجرة لو التمسه المستأجر، لأنّه غير متعدّ بالزرع و انّما زرع بحقّ فوجب إبقاؤه، كما لو تأخّر ما يمكن بلوغه في مدّة الإجارة لعارض.

و يحتمل عدم الوجوب، لأنّه رضي بتلف زرعه باقتصاره على تلك المدّة التي يعلم عدم كماله فيها، بخلاف ما إذا تأخّر لعارض فإنّه يبني على الغالب من كمال الزرع في مدّة الإجارة، فلم يرض بأخذه قبلها فكان له هنا الإبقاء لا هناك.

قوله (رحمه اللّٰه): «لو استأجر أرضا للغرس سنة صحّ و له أن يغرس قبل الانقضاء، فإن شرط القلع بعد المدّة أو لم يشترط جاز القلع و لا أرش على أحدهما، و يحتمل مع عدم الشرط منع المالك من القلع لا الغارس، فيتخيّر بين دفع قيمة

27

الغراس و البناء فيملكه مع أرضه، و بين قلعهما مع أرش النقص، و بين إبقائهما بأجرة المثل».

أقول: امّا ما ذكره أوّلا من جواز القلع عند خروج المدّة مع شرط القلع فظاهر، لأنّ هذه الإجارة اقتضت وجوب القلع بمقتضى الشرط. و أمّا جواز القلع عند الإطلاق فلأنّ الإجارة لم تتناول ما عدا تلك المدّة فكان له المطالبة بتفريغ ملكه بعدها كما سلّمها فارغة.

و قوله: «و لا أرش على أحدهما» أي ليس على صاحب الأرض أرش نقص الغرس و القلع، و لا على المستأجر أرش نقص الأرض به.

أمّا الأوّل: فلأنّ الغرس نقص بسبب ما وجب على صاحبه من القلع.

و أمّا الثاني: فلأنّه أخذ العوض على الغرس المقتضي لذلك النقص، و يحتمل مع اشتراط القلع في العقد منع المالك من قلع البناء و الغرس، لدلالة قوله (عليه السلام):

«ليس لعرق ظالم حقّ» (1) على أنّه إذا لم يكن ظالما كان له حقّ، و هذا الغارس بمقتضى الإجارة ليس ظالما فكان له المنع من القلع، و حينئذ يتخيّر المالك بين ثلاثة أشياء:

أمّا بذل قيمة الغرس و البناء ليملك ذلك مع أرضه. و أقول: هذا مع رضا صاحب الغرس و البناء على ما قاله الشيخ (2).

و أمّا قلع الغرس و البناء مع دفع أرش النقص، لأنّه نقص دخل على ملك غيره لأجل تخليص ملكه فكان مضمونا عليه.

____________

(1) عوالي اللآلي: باب الديون ح 6 ج 2 ص 257.

(2) المبسوط: كتاب الإجارة ج 2 ص 264- 265.

28

و بين الإبقاء مع الأجرة، لأنّه لا يجب عليه التبرّع بمنفعة الأرض، إذ لا يستحقّ المستأجر عليه أكثر من مدّة الإجارة.

و أقول: ينبغي أن يقيّد ذلك برضا صاحب الغرس بدفع الأجرة عن مدّة الإبقاء، أمّا لو لم يرض لم يجبر على دفعها فكان له القلع.

[الفصل الثالث في الأحكام]

قوله (رحمه اللّٰه): «فإن نمت الأجرة المعيّنة في يد المستأجر فالنماء للموجر إن كان متّصلا، فإن انفسخت الإجارة ففي التبعية إشكال، بخلاف المتّصلة و ظهور البطلان فإنّها تابعة فيهما».

أقول: إذا حصل للأجرة نماء قبل تسليمها إلى المؤجر- مثل إن كانت نخلة فأثمرت أو سخلة و كبرت- فالنماء للموجر إن كانت الإجارة صحيحة لم يتعقّبها فسخ، لأنّها دخلت في ملكه بمجرّد العقد. و أمّا إذا فسخت الإجارة فإن كانت الزيادة منفصلة كالثمرة و ولد الدابة فهل تتبع الأصل و يملكها المستأجر أو تبقى على ملك الموجر؟ فيه وجهان:

أحدهما: تكون للموجر، لأنّها تجدّدت في ملكه و لم تكن داخلة في ملك المستأجر فلا تعود إليه بالفسخ.

و الآخر: يكون للمستأجر، لأنّ النماء تابع للأصل، و انّما ملكها الموجر بسبب ملك الأصل و قد زال ملكه عنه و عاد الملك إلى المستأجر فيملك النماء التابع له، بخلاف ما لو كانت الزيادة متّصلة أو كانت الإجارة باطلة من رأس فإن النماء تابع للملك مطلقا فيهما، أي في الزيادة المتّصلة و في صورة البطلان.

أمّا المتّصلة فلأنّ الأصل ملك للمستأجر بسبب الفسخ، و هذه الزيادة جزء

29

متّصل به فكانت له، لأنّ من ملك الشيء يملك الأجزاء.

و أمّا في صورة البطلان سواء كانت متّصلة أو منفصلة فلأنّ الملك لم يزل عن المستأجر و لم يدخل في ملك الموجر.

قوله (رحمه اللّٰه): «و الأقرب عدم إيجاب الخيوط على الخيّاط».

أقول: في وجوب الخيوط على الخيّاط عند إطلاق الإجارة وجهان:

أحدهما: الوجوب عليه، لأنّ الخياطة انّما تتمّ بها، و الخياطة واجبة عليه بمقتضى العقد فوجب عليه ما يتوقّف عليها.

و الآخر: عدمه، و هو الأقرب عند المصنّف، لأنّ الخيوط عين، و الإجارة انّما تتضمّن المعاوضة على المنافع- أعني الخياطة- لا غير.

قوله (رحمه اللّٰه): «و استئجار كلّ من الحضانة و الرضاع لا يستتبع الآخر، فإن ضمّهما فانقطع اللبن احتمل الفسخ، لأنّه المقصود و التقسيط و الخيار».

أقول: الرضاع و الحضانة فعلان متغايران غير متلازمين ينتفع بكلّ منهما على انفراده، فلا يلزم من الاستئجار لأحدهما تبعية الآخر له، فلو استأجر لأحدهما لم يلزم الموجر الآخر، و لو ضمّهما في الإجارة بأجرة واحدة لزم الأمران بمقتضى العقد، فإن انقطع اللبن احتمل فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: انفساخ العقد، إذ المقصود بالذات انّما هو إرضاع الطفل المتوقّف عليه حياته، فإذا كان في ابتداء العقد كان له الرجوع بكمال الأجرة.

30

الثاني: التقسيط؛ لأنّ الاستئجار للإرضاع بطل بانقطاع اللبن، و الأجر غير لازم له، بل هو منفعة مستقلّة بنفسها، فتقسط الأجرة عليهما، و يرجع من الأجرة بنسبة أجرة الرضاع لا غير.

الثالث: انّه يتخيّر المستأجر في الفسخ و الإمضاء لنقص الانتفاع فكان كانهدام المسكن.

قوله (رحمه اللّٰه): «و في إيجاب الحبر على الناسخ و الكشّ على الملقّح و الصبغ على الصبّاغ إشكال».

أقول: ينشأ من توقّف الأفعال المذكورة عليها.

و من أنّها أعيان، كما تقدّم في الخيوط.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو استأجر أرضا للزرع و لها شرب معلوم و العادة تقتضي التبعية دخل، و لو اضطربت العادة بأن يستأجر مرّة الأرض منفردة و تارة معه احتمل التبعية و عدمها».

أقول: يحتمل التبعية، لأنّه من حقوق الأرض المستأجرة فيتبعها. و يحتمل عدم التبعية، لأنّه ليس هو المستأجر و لا جزء منه و لا لازما له فلا يدخل.

قوله (رحمه اللّٰه): «و ينزع الثوب المستأجر ليلا و وقت القيلولة، و يجوز الارتداء به على إشكال دون الاتّزار».

31

أقول: منشأ الإشكال في الارتداء انّ الإجارة تضمّنت اللبس المتعارف، و العرف اقتضى تخصيص أوقات معلومة باللبس المعهود فليس له غيره.

و من كونه لبسا حقيقة غير مضرّ بالثوب، بخلاف الاتّزار فإنّه أضرّ فيمنع منه.

[الفصل الرابع في الضمان]

قوله (رحمه اللّٰه): «فإن شرطه في العقد فالأقرب بطلان العقد».

أقول: يريد لو استأجر شيئا و شرط على المستأجر ضمان العين المستأجرة في نفس عقد الإجارة احتمل الصحّة، عملا بالشرط، لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله):

«المؤمنون عند شروطهم» (1).

و احتمل البطلان، و هو الأقرب عند المصنّف، لأنّه شرط مناف لمقتضى العقد، إذ العقد يقتضي كون العين أمانة، و الشرط يقتضي كونها مضمونة، و هما متنافيان، فيبطل الشرط و يبطل به العقد، لعدم الرضا منهما من دونه، و لم يسلّم فكان العقد فاسدا أيضا.

و المراد بالخبر الشروط الصحيحة، إذ الفاسدة غير مشروعة، فلا يؤمر بالوفاء بها.

قوله (رحمه اللّٰه): «فإذا تعدّى بالدابة المسافة أو حمّلها الأزيد ضمنها كلّها بقيمتها وقت العدوان، و يحتمل أعلى القيم من وقت العدوان الى التلف و عليه أجرة الزيادة».

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 31 المهور و الأجور. ح 66 ج 7 ص 371، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.

32

أقول: وجوب القيمة وقت التعدّي أو أعلاها مبنيّ على ما تقدّم من اعتبار القيمة على الغاصب، و قد تقدّم.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو سلك بالدابة الأشقّ من الطريق المشترط ضمن و عليه المسمّى و التفاوت بين الأجرين، و يحتمل اجرة المثل».

أقول: أمّا احتمال المسمّى و التفاوت بين الأجرتين- أي أجرة المثل و الأجرة المسمّاة- فلأنّ المسمّى وجب عليه بالعقد الصحيح، و التفاوت لزمه باعتبار زيادة المشقّة في الطريق التي لم يتناولها عقد الإجارة.

و أمّا احتمال اجرة المثل فلأنّه استوفى منفعة مغايرة للمستأجرة فكان عليه اجرة مثلها.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو زاد فيهما أو في العوض احتمل عدم الأجر للمخالفة و المسمّى».

أقول: وجه وجوب المسمّى لأنّه فعل ما استؤجر له مع زيادة، و قول ابن البرّاج: «إذا دفع الى حائك غزلا و أمره أن ينسج طول ثمانية أذرع في عرض أربعة فنسج أكثر أو أقلّ تخيّر صاحبه بين أخذه و دفع الأجرة إليه، إلّا في وجه النقصان فإنّه يعطيه الأجرة بحساب ذلك، و لا يتجاوز به ما سمّي له، و بين أن يضمنه غزله و يدفع الثوب إليه» (1) ممنوع.

____________

(1) المهذّب: كتاب الإجارات ج 1 ص 491.

33

قوله (رحمه اللّٰه): «و كذا لو نقص فيهما، لكن هنا إن أوجبناه أسقط بنسبة الناقص».

أقول: يريد انّه و كذا لو نسجه ناقصا في الطول و العرض احتمل أيضا عدم الأجرة للمخالفة و وجوب الأجرة، فعلى الإيجاب يسقط من الأجرة بنسبة النقصان.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو قال: اقطعه قميص رجل فقطعه قميص امرأة احتمل ضمان ما بينه صحيحا و مقطوعا، و ما بين القطعين».

أقول: وجه الأوّل: انّه قطع ثوبا صحيحا قطعا غير مأذون فيه فيكون له أرش ما بين كونه صحيحا- كما كان- و بين كونه مقطوعا بقطع لم يؤذن فيه. و وجه الثاني: انّه أذن له في مطلق القطع، لكن انّما تعدّى بالتفاوت بين القطعين فيضمن ما تعدّى فيه، و هو التفاوت لا غير.

قوله (رحمه اللّٰه): «فلو تلفت العين بغير تفريط بعد العمل لم يستحقّ اجرة على إشكال».

أقول: وجه الإشكال من حيث إنّه لم يسلّم المنفعة المستأجر عليها، و الأجرة انّما هي في مقابلتها، فكان كتلف عين المبيع قبل التسليم.

و من حيث إنّه انّما استوجر للعمل و قد عمل، و هو أمين لا يضمن إلّا بتفريط أو تعدّ، و لم يحصل أحدهما.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو أخذ البراءة ففي الضمان إشكال».

34

أقول: يعني لو قطع سلعة صبي بغير إذن وليّه أو من بالغ بغير إذنه فجنى بذلك و سرت الجناية ضمن، فإن أخذ البراءة قبل ذلك هل يضمن بالسراية أم لا؟ فيه إشكال.

ينشأ من أنّه إبراء ممّا لم يجب فلم يكن صحيحا.

و من انّه ممّا تمسّ إليه الحاجة، و لقول علي (عليه السلام): «من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه، و إلّا فهو ضامن» (1).

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو سلّم إلى المؤجر و قال: إنّه قفيز و كذب فتلفت الدابة بالحمل ضمن النصف، و يحتمل بالنسبة».

أقول: انّه إذا استأجره لحمل قفيز الى مكان معيّن بأجرة معيّنة ثمّ سلّم إليه قدرا و قال لموجر الدابة: إنّه قفيز و كان كاذبا في إخباره لأنّه أزيد من القفيز فتلفت الدابة بالحمل احتمل ضمان النصف، لأنّه تلف من شيئين، أحدهما: غير مضمون، و هو ما استوجر لحمله. و الآخر: مضمون، و هو الزيادة فيسقط النصف، و هو ما قابل ما ليس بمضمون، و يضمن النصف الآخر للتعدّي.

و يحتمل التقسيط على التقديرين، فإن الزيادة إذا كانت نصف قفيز- مثلا- ضمن ثلث قيمة الدابة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو استأجر للقصاص فعفا

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 18 من أبواب ضمان النفوس ح 58 ج 10 ص 234، وسائل الشيعة:

ب 34 من أبواب موجبات الضمان ح 1 ج 19 ص 194.

35

سقط القصاص و لا أجرة، فإن اقتصّ الأجير مع العلم ضمن، و لا معه يستقرّ الضمان على المستأجر إن تمكّن من الإعلام، و إلّا فإشكال».

أقول: منشأ الإشكال من احتمال عدم ضمان المستأجر، لأنّه لا يمنع من العفو بل هو مرغب فيه، و لم يتمكّن من الإعلام فلم يصدر منه تقصير و لا مباشرة إتلاف فلا يكون ضامنا، و يضمن الأجير، لأنّه قتل شبيه عمد.

و من احتمال ضمان المستأجر، لأنّه غار بسبب تسليطه على القتل بمقتضى الإجارة الصحيحة، و تجديد العفو من غير شعوره و لا إشعاره فكان استقرار الضمان عليه دون الأجير، و إن كان مباشرا لاستناده في ذلك الى إجازة شرعية لم يعلم تجدّد فسخها.

[الفصل الخامس في التنازع]

قوله (رحمه اللّٰه): «لو اختلفا في أصل الإجارة فالقول قول منكرها مع اليمين، فإن وقع الاختلاف بعد استيفاء المنافع و إتلاف الأجرة فإن كان المدّعي المالك فله المطالبة بالمتخلّف من اجرة المثل، و ليس للمستأجر المطالبة بالفاضل من المسمّى لو كان، و لا ضمان في العين. و إن كان هو المستأجر لم يسقط ضمان العين إن أنكر المالك الإذن في التصرّف، و لم يكن للمستأجر المطالبة بالفاضل من اجرة المثل لو كان».

36

أقول: هذه من المواضع التي كنّا نبحث عند المصنّف فيها، و يحصل التردّد منه و من الجماعة في تمشية هذا الكلام و الاتّفاق على احتياجه إلى إصلاح، لأنّه قال: «لو اختلفا في أصل الإجارة فالقول قول منكرها مع اليمين» بمعنى لو ادّعى واحد الإجارة و أنكر الآخر فالقول قول المنكر مع يمينه و عدم البيّنة، و هو ظاهر.

ثمّ قال: «فإن كان المدّعي هو المالك» و هذا لا يمكن حمله على انّ المالك ادّعى الإجارة و أنكر الآخر، لأنّه لو كان كذلك لكان القول قول المستأجر، فإذا حلف المستأجر على نفي الإجارة و قد وقع الاختلاف بعد قبض المالك الأجرة و إتلافها و استيفاء المستأجر للمنافع فكان الحكم يقتضي وجوب اجرة المثل على المدّعى عليه بالأجرة المسمّاة، لإنكاره الإجارة، و يمينه على عدمها فلا يلزمه المسمّى، و ذلك يقتضي أنّ المالك عليه أن يردّ الفاضل من الأجرة المسمّاة، و لم يكن للمالك المطالبة بالفاضل من اجرة المثل، لأنّه يزعم انّه قد استوفى حقّه من الأجرة. و المصنّف عكس فقال: «ليس للمستأجر المطالبة بالفاضل من المسمّى، و للمالك المطالبة بالفاضل من اجرة المثل».

و لكن يحمل ذلك على إنكار المالك الإجارة الصحيحة و دعوى فساد الإجارة فسمّاه مدّعيا، لأنّه ادّعى الفساد، و منكر لأصل الإجارة، لأنّه منكر لوقوع عقد صحيح. فعلى هذا يتمشّى هذا الكلام بشرط أن يقال: إنّه إذا ادّعى فساد العقد يكون القول قوله مع يمينه، و فيه ما فيه، و يكون للمالك المطالبة بالفاضل من اجرة المثل لادّعائه فساد العقد، و ليس للمستأجر المطالبة بالفاضل من المسمّى لو كان لزعمه حقّ للمالك، و انّ العقد صحيح، و لا ضمان في العين، لأنّ العقد الفاسد يتبع الصحيح، و العين المقبوضة بالعقد الصحيح ليست مضمونة فكذا بالفاسد.

37

ثمّ قال المصنّف: «و ان كان المدعي هو المستأجر لم يسقط ضمان العين» و هذا انّما يتمشّى إذا حمل على ظاهره، و هو أنّه قد ادّعى المستأجر وقوع الإجارة و أنكر المالك، فحينئذ إذا أنكر المالك مع ذلك الإذن في قبضها سواء كان بعقد فاسد أو عارية أو غير ذلك كان القول قوله، و لا يسقط ضمان العين، لأنّه قبض غير مأذون فيه فكان يوجب الضمان في العين على قابضها.

فظهر من هذا أن الكلام فيه خلل، لأنّ قوله: «إن كان المدّعي المالك» «و إن كان هو المستأجر» إن أخذ بمعنى واحد تناقضت الأحكام و لم تكن مطابقة، و إن أخذ دعوى الموجر بمعنى و دعوى المستأجر بمعنى آخر لم يكن قد استوفى أقسام المسألة بالنسبة الى كلّ واحد، بل يكون قد ذكر حكم المؤجر إذا ادّعى على وجه، و لم يذكر حكم المستأجر إذا كان قد ادّعى على ذلك الوجه، ثمّ ذكر حكم دعوى المستأجر على وجه آخر و لم يذكر حكم الموجر على ذلك الوجه.

و التحقيق هنا أن يقال: الاختلاف إن كان منهما فامّا في أصل الإجارة بأن يقول أحدهما: وقعت الإجارة و ينكر الآخر وقوعها، و أمّا في وقوع عقد صحيح و يقول الآخر: هو فاسد. فإن كان الأوّل فامّا أن يكون المدّعي هو المالك بأن يقول:

آجرتك الدار- مثلا- سنة بدينار و يقول الساكن بعد سكنى السنة و تسليم الدار إلى المؤجر و إتلافه: ما استأجرت فالقول قول المستأجر، لأنّه منكر مع يمينه و عدم البيّنة، فإذا حلف حكم ببطلان الإجارة، و يجب عليه بزعمه اجرة المثل، فإن كانت زائدة مثل إن كانت دينارين ليس للمالك المطالبة بالدينار الزائد، لأنّه يزعم انّ المستأجر كاذب في يمينه فإنّه لا يستحقّ عنده شيئا، لأنّه قبض الأجرة بتمامها، و للمستأجر المطالبة بالفاضل من اجرة المثل، لأنّه قد بطل في حقّه حكم الإجارة

38

بيمينه و عدم البيّنة فلزمه اجرة مثل السكنى لا غير، و إذا كانت نصف دينار- مثلا- كان له المطالبة بالمتخلّف، و لا ضمان في العين، لأنّ المالك يقول: قد قبضها المستأجر بحكم الإجارة، فلا يكون متعدّيا فيها.

و ان كان المدّعي للإجارة المستأجر و أنكر المالك فإن أنكر مع ذلك الإذن في التصرّف فيها- بأن قال: ما آجرتك و لا أذنت لك في التصرّف كان القول قوله مع يمينه و عدم البيّنة، فإذا حلف استحقّ اجرة المثل فله المطالبة به إن كان، و ليس للمستأجر المطالبة بفاضل المسمّى من اجرة المثل لو كان، لأنه و إن كان حكم ببطلان الإجارة إلّا انّ المستأجر يقول للموجر: كاذب في يمينه، و الأجرة التي سلّمها إليه و أتلفها حقّه فليس له الدعوى بشيء منها، و يضمن العين، لأنّ المالك أنكر الإذن في التصرّف فكان قبضه و تصرّفه فيها مضمونين.

و إن كانت الدعوى في الصحّة و الفساد فإن كان المدّعي لفساد الإجارة هو المالك كان القول قول المستأجر، لأنّه يدّعي الصحّة، فإذا حلف ثبتت الإجارة و برئ، لأنّه سلّم الأجرة إلى المؤجر، و لم يكن للمالك المطالبة بشيء آخر. و إن كان مدّعي الفساد هو المستأجر فالقول قول المالك مع يمينه في الصحّة، فإذا حلف ثبت له المسمّى، و ليس له المطالبة بفاضل اجرة المثل عن المسمّى لو كان، لأنّه يعترف بقبض حقّه.

فهذا ما يجب أن نعتقد من فقه هذه المسألة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو اختلفا في قدر الأجرة فقال: أجّرتك سنة بدينار- الى قوله:- و لو قال:

بل سنتين بدينار فهنا قد اختلفا في قدر العوض و المدّة فالأقرب التحالف».

39

أقول: امّا الاختلاف في المدّة فظاهر، لأنّ المؤجر يقول: سنة و المستأجر يقول: سنتين، و أمّا الاختلاف في العوض مع اتّفاقهما على كونه دينارا فلأنّ الموجر يزعم انّ الدينار من السنة و المستأجر يزعم انّ بعض الدينار في مقابلة السنة و من ثمّ أوجب التحالف و ادّعى انّه أقرب من غيره، كقول ابن إدريس إنّ القول قول المستأجر لأنّه منكر (1) و كقول الشيخ في الخلاف في باب المزارعة: إنّه تستعمل القرعة (2).

و وجه القرب انّ كلّ واحد منهما مدّع لعقد مغاير للعقد الذي يدّعيه الآخر فالمستأجر يدّعي أنّه يستحقّ المنفعة سنتين و المالك ينكر السنة الثانية فكان القول قوله فيها، ثمّ انّ الموجر يدّعي انّه يستحقّ عن هذه السنة المتّفق عليها دينارا و المستأجر ينكر و يزعم انّ المستحقّ عليه نصفه، فالقول قوله، فتعيّن التحالف.

قوله (رحمه اللّٰه): «و يحتمل مع التحالف استحقاق المنافع سنة بالنسبة من الدينار».

أقول: وجه هذا الاحتمال انّا انّما أوجبنا اليمين على المالك، لأنّ القول قوله في إنكار السنة الزائدة، فإذا حلف بطل استحقاقها، و ليست الاولى متّفق عليها و إنّما أوجبنا اليمين على المستأجر، لأنّ المالك ادّعى عليه دينارا في مقابلة السنة و هو ينكر، فإذا حلف سقط عنه الزيادة من الدينار الذي ادّعاه المالك.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو اختلفا في وقت الهلاك أو الإباق أو المرض فالقول قول المستأجر، لأنّ

____________

(1) السرائر: باب الإجارات ج 2 ص 464.

(2) الخلاف: كتاب المزارعة المسألة 10 ج 3 ص 521.

40

الأصل عدم العمل إن قدر به و قلنا: يملك بالعمل، و إلّا فإشكال».

أقول: يريد لو قلنا: إنّما يستحق الأجرة بتسليم العين المستأجر عليها لا بمجرّد العمل ففي تقديم قول المستأجر إشكال.

ينشأ من انّه مدّع لتقدّم الهلاك أو المرض أو الإباق، و الأصل عدم التقدّم فيكون القول قول المالك، لأنّ المانع من تقديم قوله كونه يدّعي الأجرة. و هذا المعنى هاهنا منتف، لأنّ الأجرة استحقّت بمجرّد العمل على هذا الفرض.

و من كون العمل له مدخل في الاستحقاق و ان لم يستحقّ به وحده.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو قال: أمرتك بقطعة قباء فقال: بل قميصا قدّم قول المالك على رأي».

أقول: للشيخ في هذه المسألة قولان، أحدهما: القول قول مالك الثوب، ذكره في الخلاف في باب الإجارة (1)، و في المبسوط عقيب حكاية الخلاف فيها فقال فيه:

و قال قوم: القول قول صاحب الثوب، و هو الصحيح (2). و القول الآخر: القول قول الخيّاط، ذكره في باب الوكالة من الخلاف (3). و الأوّل مذهب المصنّف، و ابن إدريس (4).

____________

(1) الخلاف: باب الإجارة المسألة 34 ج 3 ص 506.

(2) المبسوط: كتاب الإجارات ج 3 ص 248.

(3) الخلاف: كتاب الوكالة المسألة 11 ج 3 ص 348.

(4) السرائر: باب الإجارات ج 2 ص 475.

41

قوله (رحمه اللّٰه): «لو كانت الخيوط للخيّاط ففي أخذها نظر أقربه ذلك».

أقول: وجه النظر من حيث إنّه مسبوق بإدخالها في ثوب غيره، لأنّه قد ثبت تقديم قول المالك، و هو يقتضي انّه لو فعلها بغير إذن المالك فجرى مجرى أجرة الخياطة فليس له أخذها.

و من انّه مالك لها فلا ينتقل ملكه عنها بمجرّد وضعها في الثوب، كما لو وضع ثوبه في دار غيره بإذنه أو بغير إذنه، و لأنّ الأصل بقاؤها على ملكه، و هو الأقرب عند المصنّف، لأنّ الخيّاط لم يصدق على المتبرّع، إذ الخيّاط يدّعي وضعها بإذن المالك و لم يثبت إذنه، و ليس ذلك كالمنافع المستهلكة- أعني العمل- بل هي أعيان باقية لم يصدر من المالك سبب نقلها فكانت باقية على ملكه.

قوله (رحمه اللّٰه): «و على رأي قدّم قول الخيّاط».

أقول: قد ذكر هذا القول.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو قال: آجرتك كلّ شهر بدرهم من غير تعيين فقال: بل سنة بدينار ففي تقديم قول المستأجر نظر».

أقول: وجه النظر من حيث إنّه مدّع للصحّة في تقديم قوله.

و من حيث إنّه مدّع لاستئجار سنة و المالك ينكر ذلك فكان القول قول المالك مع يمينه.

قوله (رحمه اللّٰه): «فإن قدّمنا قول المالك فالأقوى صحّة العقد في الشهر الأوّل هنا».

42

أقول: انّما يكون الأمر كذلك إذا كان قسط الشهر الأوّل من الأجرة درهما لا غير- بأن يتساوى اجرة الشهور- أو بغير ذلك، و انّما كان العقد صحيحا في الشهر الأوّل لاتّفاقهما على انّ في مقابله قسط من ذلك الشهر مقدار درهم، و الاختلاف انّما هو في مجرّد الصحّة فيحكم بها، لأنّ الأصل الصحّة.

و قوله: «هنا» يعني بخلاف ما لو وقع الاتّفاق على انّه آجره كلّ شهر بدرهم، فانّ بعض الأصحاب يقول: يصحّ في كلّ شهر، كما تقدّم. و المختار عند المصنّف بطلان العقد في الشهر و ما زاد عليه، امّا هنا فيصحّ في الشهر، لما قلناه.

و نحن نتوقّف في ذلك، لأنّ عند تقديم قول المالك يبطل ما ادّعاه المستأجر و الشهر الأوّل ليس متّفقا على صحّته، بل في نفس الأمر إن كان المستأجر صادقا استحقّ الشهر و باقي السنة، و إن كان الموجر صادقا بطل عند المصنّف في الشهر و ما زاد عليه، فالقطع بثبوته في الشهر لا وجه له.

قوله (رحمه اللّٰه): «و كذا الإشكال في تقديم قول المستأجر لو ادّعى اجرة مدّة معلومة أو عوضا معيّنا و أنكر المالك التعيين فيهما، و الأقوى التقديم فيما لم يتضمّن دعوى».

أقول: وجه الإشكال من حيث إنّه مدّع لاستحقاق منفعة في ملك غيره و المالك ينكر ذلك فكان القول قوله مع يمينه.

و من حيث إنّهما اتّفقا على وقوع عقد الإجارة، و انّما الخلاف في الصحّة فيقدّم قول مدّعيها- و هو المستأجر- لأنّ الأصل صحّة العقد.

و الأقرب عند المصنّف انّ دعوى المستأجر للصحّة إن تضمّنت دعوى على

43

الموجر فالقول قول الموجر مع يمينه، كما إذا قال: استأجرت سنة بدينار و قال المالك:

لم يذكر العوض، فإذا كان الدينار (1) قاصرا عن اجرة المثل فهاهنا دعوى محضة على الموجر فلا يقدّم قول المستأجر فيها، و ان لم يتضمّن ذلك- مثل إن كانت مساوية لاجرة المثل أو أزيد- فإن الاختلاف انّما هو في الصحّة و الفساد فيقدّم قول المستأجر، عملا بأصالة الصحّة السالم عن معارضة ما يقتضي الدعوى على المؤجر.

____________

(1) في ق: «ماله».

44

[المقصد الثاني في المزارعة]

أحكام المزارعة

[الفصل الأول في أركانها]

قوله (رحمه اللّٰه): «أو ازرع هذه الأرض على إشكال».

أقول: هل تنعقد المزارعة بقول المالك للعامل: ازرع هذه الأرض مدّة كذا الى آخر الإيجاب؟ يحتمل ذلك، لأنّ الأصل الجواز، خصوصا مع وجود لفظ يدلّ على الرضا بتلك المعاملة الصحيحة.

و يحتمل عدمه، لأنّه لفظ الأمر، و ألفاظ العقود انّما تصحّ بلفظ الماضي، لأنّ الأصل عدم تسلّط الغير على ملك غيره بشيء من التصرّفات بغير سبب يقتضي ذلك و لم يثبت.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو علم القصور فإشكال».

أقول: منشأ الإشكال من عموم الإذن في المزارعة مع تعيين المدّة، و هو هنا ثابت.

و من انتفاء فائدة المزارعة حينئذ.

45

قوله (رحمه اللّٰه): «فلو ذكر مدّة يظنّ الإدراك فيها فلم يحصل فالأقرب أنّ للمالك الإزالة مع الأرش أو التبقية بالأجرة».

أقول: وجه القرب انّ المعاملة انّما تناولت ذلك الزمان المعيّن فيكون له الإزالة بعده مع الأرش، لأنّه نقص دخل على مال العامل لتخليص ملكه فكان عليه الأرش، كما لو كسر محبرة الغير لإخراج ديناره أو هدم حائطه لإخراج دابته مع عدم تفريط أحدهما و الإبقاء بالأجرة، لأنّه لا يجب عليه التبرّع على غيره بإبقاء زرعه، فحينئذ يلزم العامل حصّته من الأجرة على نسبة (1) حصّته من الزرع.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو شرط في العقد تأخيره عن المدّة إن بقي بعدها فالأقرب البطلان».

أقول: وجه القرب انّ عقد الإجارة تضمن مدّة مجهولة فيكون داخلا تحت عموم الغرر المنهيّ عنه.

و يحتمل ضعيفا الجواز، بناء على انّه لا يشترط تعيين المدّة في الزرع، و هو ممنوع.

قوله (رحمه اللّٰه): «أو شرطا إخراج البذر أوّلا و الباقي بينهما بطل على إشكال».

أقول: وجه الإشكال من انّه شرط سائغ فوجب الوفاء به، لعموم الخبر (2).

____________

(1) في ج: «قدر».

(2) تهذيب الأحكام: ب 31 المهور و الأجور. ح 66 ج 7 ص 371، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.

46

و من احتمال أن لا يخرج غير ذلك القدر فيؤدّي إلى اختصاص أحدهما بالحاصل، بأن يكون الخارج ذلك البذر المخرج فيضيع حقّ الآخر و يبقى (1) الشياع، مع أنّه شرط في صحّة العقد.

و الشيخ (رحمه اللّٰه) جوّز ذلك حيث قال في النهاية: إذا شرط الزارع أن يأخذ بذره قبل القسمة كان له ذلك، و إن لم يشترط كان البذر عليه على ما شرط (2).

و ابن إدريس (3)، و ابن البرّاج (4) أيضا جوّزا ذلك، و منعوا جميعا من اشتراط أقفزة معيّنة لأحدهما. و المصنّف تردّد في الجميع، لما قلناه.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو شرط أحدهما على الآخر شيئا يضمنه له من غير الحاصل مضافا الى الحصّة صحّ على رأي».

أقول: لو شرط المالك على العامل أو بالعكس على الآخر شيئا يضمنه له مضافا الى الحصّة قال الشيخ: يكره (5). و نقل المصنّف عن بعض الأصحاب المنع من ذلك، و لم يحضرني الآن اسمه.

[الفصل الثاني في الأحكام]

قوله (رحمه اللّٰه): «و في صحّة كون البذر من ثالث نظر، و كذا لو كان البذر من ثالث و العوامل من رابع».

____________

(1) في ج: «ينتفي».

(2) النهاية و نكتها: باب المزارعة و المساقاة ج 2 ص 268- 269.

(3) السرائر: باب المزارعة ج 2 ص 447.

(4) المهذّب: باب المزارعة و المساقاة ج 2 ص 12.

(5) النهاية و نكتها: باب المزارعة و المساقاة ج 2 ص 273.

47

أقول: منشأ النظر من أنّ العقود الشرعية متلقّاة من توقيف الشارع، و الفقهاء فسّروا المزارعة بأن تكون من أحدهما كذا و من الآخر كذا، فجوّزوا العقد بين اثنين، و لم يردّ مشروعية غيره فلا يتخطّى إليه.

و من عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله):

«المؤمنون عند شروطهم» (2) و هذا عقد و شرط بين المتعاملين فوجب الوفاء به، و لأنّ الأصل الجواز.

قوله (رحمه اللّٰه): «و الإطلاق يقتضي أن يكون البذر من العامل، و يحتمل البطلان».

أقول: وجه وجوبه على العامل عند الإطلاق انّ الغالب في المزارعة هو المعاملة على الأرض بحصّة، فيحمل المطلق على ذلك.

و يحتمل بطلان العقد، لجواز كلّ من القسمين، فتكون المزارعة صادقة على تقدير كون البذر من العامل أو المالك، بل هي أعمّ من كلّ منهما، و لا دلالة للعامّ على الخاصّ، و إذا لم يدلّ على أحدهما بخصوصية بطلت، للجهالة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و يجوز للمالك الخرص على العامل- الى قوله:- و لو زاد فإباحة على إشكال».

____________

(1) المائدة: 1.

(2) تهذيب الأحكام: ب 31 المهور و الأجور. ح 66 ج 7 ص 371، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.

48

أقول: منشأ الإشكال من حيث إنّ للمالك رضا بالحصّة من ذلك القدر المخروص، و هو يقتضي إباحة ما زاد عليه.

و من حيث إنّ حقّه في الزائد فلا ينتقل عنه، و انّما رضي بذلك القدر على تقدير كون الحاصل هو المخروص لا غير.

و اعلم انّ ابن إدريس لمّا حكى كلام الشيخ في النهاية و هو قوله: «و من زارع غيره أرضا على ثلث أو ربع و بلغت الغلّة جاز لصاحب الأرض أن يخرص عليه الغلّة ثمرة كانت أو غيرها، فإن رضي المزارع بما خرص أخذها و كان عليه حصّة صاحب الأرض، سواء نقص الخرص أو زاد و كان له الباقي، فإن هلكت الغلّة بعد الخرص بآفة سماوية لم يكن عليه شيء» قال ابن إدريس: الذي ينبغي تحصيله انّه لا يخلو امّا أن يكون قد باعه حصّة من الغلّة أو الثمرة بمقدار في ذمّته من الغلّة أو الثمرة أو بحصّة من هذه الأرض، و كلاهما باطل، لأنّه داخل في المحاقلة و المزابنة، و إن كان ذلك صلحا لا بيعا بثمن في ذمّة الأكار من غلّة أو ثمرة فيلزمه، سواء هلكت الغلّة بالآفات السماوية أو لا، و إن كان الصلح بغلّة منها فهو باطل للغرر، و لو كان ذلك فالغلّة بينهما إن زاد لهما أو نقص عليهما (1).

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو كان في الأرض شجر و بينه بياض فساقاه على الشجر و زارعه على البياض جاز، و هل يجوز بلفظ المساقاة مع قصد الزرع و السقي إشكال، ينشأ من احتياج المزارعة إلى السقي».

____________

(1) السرائر: باب المزارعة ج 2 ص 450.

49

أقول: هذا تعليل الصحّة، و أمّا البطلان فلأنّهما عقدان مختلفان، و لكلّ منهما إيجاب مخصوص، و لم نقل إيجاب المزارعة فتكون باطلة.

قوله (رحمه اللّٰه): «و قول صاحب البذر في قدر الحصّة، و لو أقاما بيّنة احتمل تقديم بيّنة الآخر، و قيل: القرعة».

أقول: أمّا تقديم قول صاحب البذر مع يمينه و عدم البيّنة فلأنّ النماء تابع للأصل فيقتضي كون الملك له، و الآخر مدّع لتملّك مقدار زائد من حاصل غيره فيقدّم قول صاحب البذر مع يمينه و عدم البيّنة، و عند إقامة البيّنتين يحتمل تقديم بيّنة الآخر، لأنّ كلّ من كان القول قوله كانت البيّنة بيّنة الآخر، لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله):

«البيّنة على المدّعي» (1).

و قال الشيخ: يقرع بينهما، لأنّه أمر مشكل (2).

____________

(1) الكافي: باب أنّ البيّنة على المدّعي. ح 1 ج 7 ص 415.

(2) لم نعثر عليه في كتب الشيخ و نقله عنه في الإيضاح: ج 2 ص 290. نعم انّ الشيخ في الخلاف (المسألة 10 و 11 ج 3 ص 521) اختار القرعة فيما إذا اختلف المكري و المكتري في قدر المنفعة أو قدر الأجرة، و فيما إذا اختلف ربّ الأرض و الزارع فقال الزارع: أعرتنيها، و قال المالك: أكريتها. فقال الشيخ في الاولى: و الذي يليق بمذهبنا أن يستعمل فيه القرعة. و قال في الثانية: يحكم بالقرعة.

50

[المقصد الثالث في المساقاة]

أحكام المساقاة

[الفصل الأول في أركانها]

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو قال: استأجرتك لتعمل لي في هذا الحائط مدّة كذا بنصف حاصله لم يصحّ على إشكال، ينشأ من اشتراط العلم بالأجرة إذا قصدت، امّا إذا تجوّز بلفظها عن غيرها فلا».

أقول: هذا العقد لفظه لفظ الإجارة و معناه معنى المساقاة، فالإجارة يشترط العلم بها نظرا إلى حقيقة اللفظ، و لا يشترط بالنظر الى معنى المساقاة، فحينئذ يتحقّق الإشكال في جواز هذا العقد، فإنّه يمكن أن يقال بأنّه باطل، لأنّه إجارة و العلم بالأجرة شرط فيها و لم يحصل. و يمكن أن يقال: هو صحيح، لأنّه قصد باللفظ التجوّز به في المساقاة و الإجارة ليست مقصودة فلا يكون تعيين الأجرة فيها شرطا، كما قال المصنّف.

قوله (رحمه اللّٰه): «و في المساقاة على ما لا ثمرة له إذا قصد ورقه كالتوت و الحناء إشكال».

51

أقول: منشأ الإشكال من اشتراط المساقاة بالأصل ذي الثمرة المنتفع بها مع بقاء الأصل، و ليس لهذين ثمرة، فلا تصحّ المساقاة عليها.

و من انّ الورق المقصود من هذا الشجر يجري مجرى ثمرته، و هو الأقرب عند المصنّف، لأنّ معنى الثمرة موجود فيه، و هو الفائدة المتجدّد حصولها في كلّ عام المنتفع بها مع بقاء أصلها فصحّت المساقاة عليها، و لأنّ الأصل الجواز.

قوله (رحمه اللّٰه): «فإن خرجت المدّة و لم تظهر الثمرة فلا شيء للعامل، و لو ظهرت و لم تكمل فهو شريك، و الأقرب عدم وجوب العمل عليه».

أقول: لأنّ مقتضى العقد العمل في تلك المدّة المشترطة، و لم تتناول ما عداها، فلا يجب عليه ما زاد.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو قدّر المدّة بالثمرة فإشكال».

أقول: ينشأ من احتمال المنع بجهالة المدّة، فلا يعرف كلّ من المتعاقدين ما وجب له أو عليه من العمل، و ذلك غرر منهيّ عنه.

و من احتمال الجواز، لأنّ الثمار لها أمد يعتاد حصولها فيه غالبا فيكون كالمعلوم، و مع انّ مبنى عقد المساقاة على الجهل في العوض، فجازت في العمل المقابل له إذا كان يتميّز و لا يؤدّي الى اختلاف بينهما، و هو هنا كذلك، و هو مذهب ابن الجنيد فإنّه قال: و لا بأس بالمساقاة على النخل سنة و أكثر من ذلك، حضرت المدّة أو لم تحضر (1).

____________

(1) نقله عنه في مختلف الشيعة: كتاب الإجارة الفصل الثالث في المساقاة ص 472 س 29.

52

قوله (رحمه اللّٰه): «و الكشّ للتلقيح على رأي».

أقول: عدّ المصنّف من جملة ما يجب على المالك الكشّ الذي يلقّح به، و هو قول الشيخ في المبسوط (1).

و قال ابن إدريس: انّه على العامل (2).

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو شرط أن يكون عمل الغلام لخاصّ العامل فالأقرب الجواز».

أقول: لأنّه شرط سائغ لا يمنع منه مانع فكان العقد المشتمل عليه صحيحا.

و اعلم انّ الشيخ في المبسوط جوّز ذلك، و منع أن يشترط أن يعمل المالك معه (3).

قوله (رحمه اللّٰه): «أمّا لو شرط العمل أن يستأجر بأجرة على المالك في جميع العمل و لم يبق للعامل إلّا الاستعمال ففي الجواز إشكال».

أقول: وجه الإشكال من حيث إنّ الاستعمال لا يعدّ عملا في الثمرة، فإنّه يكون حينئذ بمنزلة التوكيل، فيكون ذلك توكيلا لا مساقاة.

و من حيث إنّ شرط المساقاة مطلق العمل و إن قلّ، و استعمال الاجراء في الثمرة عمل فيها أيضا.

قوله (رحمه اللّٰه): «أو شرط مع الحصّة من الثمرة جزء من الأصل على إشكال».

____________

(1) المبسوط: كتاب المساقاة ج 3 ص 210.

(2) السرائر: باب المساقاة ج 2 ص 451.

(3) المبسوط: كتاب المساقاة ج 3 ص 211.

53

أقول: وجه الإشكال انّ موضوع المساقاة العمل على الأصول بحصّة من ثمرها مع بقائها على ملك المالك.

و من انّ اشتراط الجزء منها يجري مجرى اشتراط الذهب أو الفضّة أو غير ذلك مع الحصّة و هو جائز، و لأنّ الأصل الجواز.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو شرط المالك على العامل شيئا من ذهب أو فضّة مع الحصّة كان مكروها، و وجب الوفاء به ما لم تتلف الثمرة أو لم تخرج فيسقط، و في تلف البعض أو قصور الخروج إشكال».

أقول: منشأ الإشكال من انّه شرط لزم بالعقد فلا يبطل بالقصور أو تلف البعض.

و من كونه في مقابلة الثمرة، و لهذا لو لم تظهر ثمرة لم يلزمه شيء مع كونه مشروطا في العقد، و ذلك يقتضي سقوط ما قابل التالف أو القاصر.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو قال: ساقيتك على أنّ لك النصف من الثمرة صحّ و إن أضرب عن حصّته، و في العكس إشكال».

أقول: منشأ الإشكال من حيث إنّ مفهوم قوله: «لي النصف» «انّ لك النصف الآخر» فيكون قد ذكر حصّة العامل، و هو عقد صحيح.

و من حيث إنّ النماء تابع للأصل، و ذلك يقتضي أن تكون الثمرة للمالك، إلّا ما

54

أخرجه عن ملكه، و لم يخرج شيئا، لأنّه لما لم يتعرّض للنصف الآخر بنفي و لا إثبات بقي على الأصل في التملّك، بخلاف تعيين حصّة العامل، فإن حصّة المالك باقية عليه لا يحتاج في تملّكها الى ناقل.

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو ساقاه على بستانين- الى قوله:- و لو ساقاه على أحدهما بعينه بالنصف على أن يساقيه على الآخر بالثلث صحّ على رأي».

أقول: منع الشيخ و ابن الجنيد من ذلك، امّا الشيخ فقال في المبسوط: إذا قال ساقيتك على هذا الحائط بالنصف على أن أساقيك على الآخر بالثلث بطلت، لأنّه بيعتان في بيعة، فإنّه ما رضي أن يعطيه من هذا النصف إلّا بأن يرضى منه بالثلث من الآخر، و هكذا في البيع إذا قال: بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني عبدك بخمسمائة، فالكلّ باطل (1).

و أمّا ابن الجنيد فإنّه قال: و لا اختار إيقاع المساقاة صفقة واحدة على قطع متفرّقة بعضها أشقّ عملا من بعض، و لا أن يعقد ذلك على واحدة و يشترط في العقد العقد على الأخرى (2).

[الفصل الثاني في أحكامها]

قوله (رحمه اللّٰه): «و لو هرب العامل- الى قوله:- و لو تعذّر الحاكم كان له أن يشهد أنّه يستأجر

____________

(1) المبسوط: كتاب المساقاة ج 3 ص 211.

(2) نقله عنه في مختلف الشيعة: كتاب الإجارة الفصل الثالث في المساقاة ص 472 س 19.