الحبل المتين في أحكام الدين

- الشيخ البهائي المزيد...
263 /
8

[مقدمة المؤلف]

[تصوير نسخه خطى]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي دلّنا على الطريق القويم و منّ علينا بالهداية الى الصّراط المستقيم و وفّقنا عند تفرّق الأهواء و تشعّب الآراء للتّمسّك بكتابه المبين و هدانا عند تخالف المذاهب و تباين المشارب الى التّشبّث بأذيال أهل بيت نبيّه سيّد المرسلين و أشرف الأوّلين و الآخرين (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين) صلاة و سلاما دائمين الى يوم الدّين و بعد فانّ الفقير الى اللّه الغنىّ محمّد المشتهر ببهاء الذين العامليّ وفّقه اللّه للعمل في يومه لغده قبل ان يخرج الأمر من يده يقول انّ أهمّ ما توجّهت اليه الهمم العوالي و أحقّ ما نقضت عليه الأيام و اللّيالى هو العلوم الدّينيّة الّتي عليها مدار أمر الإسلام و المعارف الملّيّة الّتي إليها دعى الأنبياء عليهم السّلم سيّما علم الحديث و درايته و نقله و روايته و البحث عن حاله و التفحّص على رجاله و الوقوف على رموزه و الوصول الى كنوزه فإنّه بعد علم التّفسير منبع العلوم الشّرعيّة و أساس الأحكام الأصليّة و الفرعيّة فطوبى لمن وجّه اليه همّته و بيّض عليه لمّته و جعله شعاره و دثاره و صرف فيه ليله و نهاره و هذا الكتاب بذلت فيه جهدي و جعلته تذكرة لاولى الألباب من بعدي ينطوى على عيون الأحاديث الواردة في الأحكام العمليّة و يحتوي على خلاصة ما رواه أصحابنا رضى اللّه عنهم بالأسانيد المعتبرة عن العترة النّبوية كنز مذخور بصحاح الأحاديث و حسانها و بحر مسجور بلؤلؤ الاخبار و مرجانها موشّحة أحاديثه بتفسير المباني و تقرير المعاني و تبيين النكات و توضيح المغلقات و استكشاف الدّلائل و استنباط المسائل الى غير ذلك ممّا انجرّ اليه الكلام في بعض الأوقات من سوانح المباحثات و لوائح المطارحات ممّا سمح به النّظر القاصر و انتهى اليه الفكر الخاسر و هذا الكتاب انّما يعرف قدره من تأمّل أصول أصحابنا قدّس اللّه أرواحهم بعين بصيرة و سبر اغوار تلك الكتب بيد غير قصيرة و أفنى في

9

فنّ الجرح و التعديل برهة من عمره و صرف في ردّ الفروع إلى الأصول شطرا من أيّام دهره ثمَّ غاية ما التمس منكم أيّها الإخوان في الدّين و الشّركاء في طلب اليقين ان تمنّوا علىّ بإصلاح فساده و ترويج كساده و الإغماض عمّا لا (يخلو) عنه مؤلّف و لا يسلم منه مصنّف ممّا هو حقيق بان يستر و لا يسطر و يضمر و لا يظهر و يلفظ و لا يحفظ فإنّكم تعلمون انّ الغوص على درر الدّقائق يتعذّر مع تلاطم أمواج المحن و العوائق و الى اللّه سبحانه المشتكى من دهر قلّ ما أضحك و طال ما ابكى ثمَّ ان طرق سمعكم ما لم تعهدوا طروقة و لاح لكم برق لم تألفوا بروقه فلا تعجلوا باللجاج في سلوك ذلك السّبيل و امكثوا قليلا فعسى ان يتبدّل الملح الأجاج بالعذب السّلسبيل و ها انا باسط كفّ السّؤال الى من لا يخيب لديه الآمال ان يعصمني عن اقتحام موارد الزّلل في القول و العمل و ان يسهّل لي إتمام ما أرجوه و يوفّقني لإكماله على أحسن الوجوه و ان يجعله خالصا لوجهه الكريم و ان يتقبله بلطفه العميم و فضله العظيم و سمّيته بالحبل المتين في أحكام أحكام الدّين

و رتّبته على أربعة مناهج أوّلها في العبادات و ثانيها في العقود و ثالثها في الإيقاعات و رابعها في الاحكام و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت و اليه أنيب

المنهج الأوّل في العبادات

و فيه خمسة كتب

الكتاب الأوّل في الصّلوة

و فيه مقدّمة و أبواب

المقدّمة في فضل الصّلاة

و الحثّ عليها خمسة أحاديث (ا) من الصّحاح ابان بن تغلب عن ابى عبد اللّه (ع) انّه قال يا ابان هذه الصّلوات الخمس المفروضات من أقامهنّ و حافظ على مواقيتهنّ لقي اللّه يوم القيمة و له عنده عهد يدخله به الجنّة و من لم يصلّهن لمواقيتهن و لم يحافظ عليهنّ فذلك اليه ان شاء غفر له و ان شاء عذّبه (ب) معاوية بن وهب قال سالت أبا عبد اللّه (ع) عن أفضل ما يتقرّب به العباد الى ربّهم و أحبّ ذلك الى اللّه عزّ و جلّ ما هو فقال ما اعلم بعد المعرفة أفضل من؟ الصّلوة الا ترى انّ العبد الصالح عيسى بن مريم صلّى اللّه عليه قال و أوصاني بالصّلوة و الزّكوة ما دمت حيّا (ج) بريد بن معاوية العجليّ عن ابى جعفر (ع) قال قال رسول اللّه (ص) ما بين المسلم و بين ان يكفر الّا ان يترك الصّلوة الفريضة متعمّدا أو يتهاون بها فلا يصلّيها (د) من الحسان عبيد بن زرارة عن (الصادق) انّ الكبائر سبع الكفر باللّه و قتل النّفس و عقوق الوالدين و أكل الرّبوا و أكل مال اليتيم ظلما و الفرار من الزّحف و التّعرّب بعد الهجرة قال قلت فأكل درهم من مال اليتيم أكبر أم ترك الصّلوة قلت فما عدت في الكبائر قال اىّ شيء ما قلت لك قال قلت الكفر قال فان تارك الصّلوة كافر يعنى من غير علّة (ه) زرارة عن ابى جعفر (ع) قال بينا رسول اللّه (ص) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام فصلّى فلم يتم ركوعه و لا سجوده فقال (ص) نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلوته ليموتنّ على غير ديني أقول المراد بالمحافظة على المواقيت شدّة الاعتناء بشأنها بمراقبتها و التّطلّع إليها و التّهيّؤ لها قبل دخولها و عدم تفويت وقت الفضيلة منها و ما هو من هذا القبيل و اللّام في قوله (ع) و لم يصلّهنّ لمواقيتهنّ امّا بمعنى في كما قالوه في قوله (تعالى) وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ أو بمعنى بعد كما قالوه في قوله (ع) صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته أو بمعنى عند كما قالوه في قولهم كتبت الكتاب لخمس خلون من شهر كذا و المجرور في قوله (ع) و لم يحافظ عليهنّ أمّا عائد إلى الصّلوات أو الى المواقيت و السّلامة من تشويش الضّمائر تعضد الأوّل و رعاية اللّفّ و النّشر تعضد الثّاني و الجارّ و المجرور في قوله (ع) فذلك خبر مبتدأ محذوف و التّقدير

10

فذلك أمره إليه سبحانه و يحتمل ان يكون مراد هو الخبر عن اسم الإشارة أي فذلك الشخص صائر الى اللّه (تع) و راجع اليه ان شاء غفر له و ان شاء عذّبه و هذا الحديث رواه الصّدوق في الفقيه على انّه حديث قدسىّ هكذا دخل رسول اللّه (ص) المسجد و فيه ناس من أصحابه فقال أ تدرون ما قال ربّكم قالوا الله و رسوله اعلم فقال ان ربكم يقول هذه الصلوات الخمس المفروضات الحديث مع ادنى تغير و المراد بالمعرفة في قوله (ع) في الحديث الثاني لا أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة ما يتحقق به الايمان عندنا من المعارف الخمس و ما قصده (ع) من أفضلية الصلاة على غيرها من الاعمال و ان لم يدل عليها منطوق الكلام الا ان المفهوم منه بحسب العرف ذلك كما يفهم من قولنا ليس بين أهل البلد أفضل من زيد أفضليته عليهم و ان كان منطوقه نفى أفضليتهم عليه و هو لا يمنع المساواة هذا و في جعله (ع) قول عيسى على نبينا و عليه السلم و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا مؤيدا لافضلية الصلاة بعد المعرفة على غيرها من الاعمال نوع خفاء و لعل وجهه ما يستفاد من تقديمه (ع) ما هو من قبيل الاعتقادات في مفتتح كلامه ثمَّ أردفه ذلك بالأعمال البدنية و المالية و تصديره لها بالصلاة مقدما لها على الزكاة و لا يبعد ان يكون التأييد لمجرد تفضيل الصلاة على غيرها من الاعمال من غير ملاحظة تفضيل المعرفة عليها و يؤيده عدم إيراده (ص) صدر الآية في صدر التأييد و الآية هكذا قٰالَ إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ آتٰانِيَ الْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبٰارَكاً أَيْنَ مٰا كُنْتُ وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا و الظاهر أن المراد من أول شقي الترديد في قوله (ص) في الحديث الثالث الا ان يترك الصلاة الفريضة متعمدا أو يتهاون بها فلا يصليها ترك الإتيان بها في جميع الوقت من غير ان يكون عازما على أدائها في شيء من اجزائه و من الشق الثاني التقاعد عنها في كل جزء من اجزاء الوقت تساهلا و تكاسلا لكن مع عزمه على الإتيان بها في الجزء الأخر ثمَّ يتكاسل عنها في ذلك الجزء (أيضا) و هكذا الى ان يفوت الوقت ثمَّ ما يفهم من (ظ) الحديث و ما بعده من كفر تارك الصلاة متعمدا من دون تقييد بالاستحلال مشكل و يظهر من بعض الأصحاب الميل اليه و الأحاديث الدالة بظاهرها عليه كثيرة و لعل المراد الترك مستحلا و ان التعبير بالكفر للمبالغة و التأكيد و تغليظ الإثم كما في قوله (تعالى) جل شانه وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ و ما تضمنه الحديث الرابع من ان الكبائر سبع هو احد ما رواه أصحابنا عن أئمتنا عليهم السلم في تعدادها و ستسمع في تحقيق ذلك كلاما مستوفى في بحث صلاة الجماعة (إن شاء الله تعالى) و المراد من الفرار من الزحف الفرار من معركة النبي (ص) واحد خلفائه (ع) و الزحف بالزاي و الحاء المهملة الساكنة العسكر و المراد بالتعرب بعد الهجرة الالتحاق ببلاد الكفر و الإقامة بها بعد المهاجرة عنها الى بلاد الإسلام و التاء في قوله في أخر الحديث قال قلت الكفر يحتمل الضم و الفتح على انها تاء المتكلم و المخاطب و لفظة بينا في الحديث الخامس هي بين الظرفية أشبعت فتحتها فصارت و يقع بعدها إذا الفجائية تقول بينا انا في عسر إذ جاء الفرج و المراد من عدم إتمام الركوع و السجود ترك الطمأنينة فيهما كما يشعر به قوله (ص) نقر كنقر الغراب و النقر التقاط الطائر بمنقاره الحبة و فيه دلالة ظاهرة على وجوب الطمأنينة في الركوع و السجود و العجب من الأصحاب (رضوان الله عليهم) كيف استدلوا على وجوبها فيهما بحديث الأعرابي و هو ضعيف السند عامي و برواية حماد و زرارة و هما غير دالتين على الوجوب و لم يستدلوا

11

بهذا الحديث المعتبر السند الظاهر الدلالة و قوله (ص) لئن مات هذا و هكذا صلوته ليموتن على غير ديني يشعر بان التهاون في المحافظة على حدود الفرائض و التساهل في استيفاء أركانها يؤدى الى الاستخفاف بشأنها و عدم المبالاة بتركها و هو يؤدى الى الكفر نعوذ بالله من ذلك

الباب الأول في مقدمات الصلاة

و فيه مقاصد

المقصد الأول في الطهارة

و فيه جمل ثلاث

الجملة الاولى في الوضوء و ما يتعلق به

و فيه فصول اثنا عشر

الفصل الأول في صفة وضوء رسول الله (ص) و الأئمة من عترته (ع)

أربعة أحاديث (ا) من الصحاح زرارة بن أعين قال حكى لنا أبو جعفر ع وضوء رسول الله (ص) فدعا بقدح من ماء فادخل يده اليمنى فأخذ كفا من ماء فاسد لها على وجهه من أعلى الوجه ثمَّ مسح بيده الجانبين جميعا ثمَّ أعاد اليسرى في الإناء فاسد لها على اليمنى ثمَّ مسح جوانبها ثمَّ أعاد اليمنى في الإناء ثمَّ صبها على اليسرى فصنع بها كما صنع باليمنى ثمَّ مسح ببقية ما بقي في يديه رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء (ب) زرارة قال قال أبو جعفر (ع) الا أحكي لكم وضوء رسول الله (ص) فدعا بقعب فيه شيء من ماء فوضعه بين يديه ثمَّ حسر على ذراعيه ثمَّ غمس فيه كفه اليمنى ثمَّ قال هذا إذا كانت الكف طاهرة ثمَّ غرف فملأها ماء فوضعها على جبينه ثمَّ قال بسم الله و سدله على أطراف لحيته ثمَّ أمر يده على وجهه و ظاهر جبينه مرة واحدة ثمَّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثمَّ وضعها على مرفقه اليمنى و أمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه ثمَّ غرف بيمينه ملأها فوضعها على مرفقه اليسرى و أمرّ كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه و مسح مقدم رأسه و ظهر قدميه ببلة يساره بلة يمناه (ج) حماد بن عثمان قال كنت عند ابى عبد الله (ع) فدعا بماء فملأ به كفه ثمَّ عم به وجهه ثمَّ ملأ كفه فعم به يده اليمنى ثمَّ ملأ كفه فعم به يده اليسرى ثمَّ مسح رأسه و رجليه و قال هذا وضوء من لم يحدث حدثا يعنى به التعدي في الوضوء (د) أبو عبيدة الحذاء قال وضأت أبا جعفر (ع) بجمع و قد قال فناولته ماء فاستنجى ثمَّ صببت عليه كفا فغسل وجهه و كفا غسل به ذراعه الأيمن و كفا غسل به ذراعه الأيسر ثمَّ مسح بفضلة الندى رأسه و رجليه أقول ما تضمنه صدر الأحاديث الثلاثة الأول من صدر انه ع دعا بقدح من ماء يمكن ان يستنبط منه ان استدعاء الماء للوضوء و الأمر بالإحضار ليس من الاستعانة المكروهة تنزيها للإمام (ع) عن فعل المكروه و الذي استفاده الأصحاب (رضوان الله عليهم) من الاخبار ان الاستعانة المكروهة هي صب الماء في اليد ليغسل به كما روى ان أمير المؤمنين (ع) كان لا يدعهم يصبون الماء عليه و يقول لا أحب ان أشرك في صلوتى احد و كما رواه في الكافي و التهذيب عن الحسن بن على الوشاء قال دخلت على الرضا (ع) و بين يديه إبريق يريد ان يتهيأ منه للصلاة فدنوت لأصب عليه فأبى ذلك و قال مه يا حسن فقلت لم تنهاني أن أصب على يدك تكره ان أوجر فقال تؤجر أنت و أوزر أنا فقلت و كيف ذلك فقال اما سمعت الله يقول فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً و ها انا ذا أتوضأ للصلاة و هي العبادة فأكره أن يشركني فيها احد و هاتان الروايتان و ان ضعف أوليهما بالإرسال و الثانية بان في طريقها إبراهيم بن إسحاق بن الحميري و هو ضعيف جدا إلا أنهما مجبورتان بعمل الأصحاب و معتضدتان بالحديث الحسن الوارد في العمل بالضعاف فيما هو من باب السنن على ان الرواية الاولى من مراسيل الصدوق (رحمه الله) في كتاب من لا يحضره الفقيه و قد ذكر (رحمه الله) ان ما أورده فيه فهو حاكم بصحته و معتقدا به حجة فيما بينه و بين الله تع فينبغي ان لا يقصر مراسيله عن

12

مراسيل ابن ابى عمير و ان تعامل معاملتها و لا تطرح بمجرد الإرسال نعم يمكن ان (يق) انه لا دلالة لتينك الروايتين على ما فهمه الأصحاب من ان النهى فيهما انما كان عن صب الماء في اليد لاحتمال كونه عن الصب على نفس العضو المغسول و يؤيده الاستشهاد بالاية الكريمة فإن النهي فيها (ظ) في التحريم و كذا قوله (ع) تؤجر أنت و أوزر أنا إذ لا وزر في فعل المكروه و بهذا يرتفع التعارض بينهما و بين الحديث الرابع المتضمن لصب ابى عبيدة الماء في يد الباقر و لا يحتاج الى حمله على الضرورة أو بيان الجواز و الله أعلم بحقائق الأمور و الإسدال في اللغة إرخاء الستر و طرف العمامة و نحوهما و منه السديل و هو ما يرخي على الهودج ففي الكلام استعارة تبعية و ما تضمنه الحديثان الأولان من ابتدائه (ع) بأعلى الوجه هو مستند جمهور الأصحاب على وجوب الابتداء بالأعلى لأنه (ع) في مقام البيان فوجب اتباعه و لما روى من انه صلى الله عليه و آله لما توضأ الوضوء البياني قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به و لأنه (ص) لو بدء بغير الأعلى لتعين و لم يجر خلافه لهذه الرواية لكنه لم يقل به احد فتعين ان يكون قد بدأ بالأعلى هذا خلاصة ما استدل به العلامة في المنتهى و ذهب السيد المرتضى رضى الله عنه و ابن إدريس إلى جواز الابتداء بغير الأعلى لإطلاق الآية و أصالة براءة الذمة و يمكن ان يؤمن حابتهما في الجواب عن الدليل الأول ان مجرد ابتدائه (ص) بالأعلى لا يقتضي وجوبه كامراره (ع) اليد على الوجه و لم لا يجوز ان يكون ذلك من الأمور الجبلية فإن كل من يغسل وجهه يغسله من الأعلى و (أيضا) فيجوز كون غسله (ع) من الأعلى لكونه أحد جزئيات المأمور به اعنى مطلق الغسل لا لكونه عين المأمور به و عن الثاني انها رواية مرسلة لا تعويل عليها مع ظهور ان المراد لا يقبل الله الصلاة إلا بمثله فالواجب أقل ما يصدق معه مماثلة الوضوءين و لا نسلم انتفاؤها رأسا بالبدءة بغير الأعلى و به يظهر الجواب عن الثالث على انه يجوز ان يكون (ع) بدء بالأسفل لبيان جوازه فيه و بما قررناه يعلم ان قول المرتضى رضى الله عنه غير بعيد عن الصواب و ان كان العمل على (المش) بين الأصحاب و ظني انه لو استدلوا على هذا المطلوب بان المطلق ينصرف الى الفرد الشائع المتعارف و الشائع المتعارف في غسل الوجه غسله من فوق إلى أسفل فيصرف الأمر به في قوله (تعالى) فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ اليه لم يكن بعيدا و الله اعلم و قوله ثمَّ مسح بيده الجانبين جميعا ربما يوجد في بعض نسخ التهذيب الحاجبين و الأول أصح و هو الموافق لما في الكافي و يمكن ان يستدل به على ما يلوح من كلام ابن الجنيد من وجوب إمرار اليد على الوجه و لا يخفى ان الأدلة الثلاثة التي استدل بها العلامة على وجوب الابتداء بأعلى الوجه جارية بعينها هنا و ما يرد عليها هناك يرد عليها هنا من غير فرق و استدل له في الذكرى بان المعهود من الغسل ما كان معه إمرار اليد ثمَّ أجاب عنه بان الغالب في استعمال الغسل و ان كان ذلك لا يلزم منه وجوب و فيه نظر فان المطلق ينصرف الى الفرد الشائع الغالب كما مر فينبغي ان يحمل الغسل المأمور به على ذلك كما اعترف به و قوله ثمَّ أعاد اليسرى في الإناء كان (الظ) ان يقول ثمَّ ادخل اليسرى و لعله أطلق الإعادة على الإدخال الابتدائي لمشاكلة قوله فيما بعد ثمَّ أعاد اليسرى ليمنى و لا يشترط في المشاكلة تقدم المشاكل بالفتح على المشاكل بالكسر و ان كان أكثريا ألا ترى انهم صرحوا بأن يمشي في قوله تع فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ بَطْنِهِ لمشاكلة قوله تع وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ رِجْلَيْنِ و يمكن ان (يق) انه أطلق الإعادة باعتبار كونها يدا لا باعتبار كونها يسرى و قوله في الحديث الثاني فدعا بقعب فيه شيء من ماء القعب بفتح القاف و إسكان العين قدح من خشب و ما تضمنه هذا الحديث من وضعه (ع) الإناء بين يديه يخالف ما

13

اشتهر من استحباب وضع الإناء على اليمنى و استدل عليه في المنتهى بما روى عن عائشة ان النبي (ص) كان يحب التيامن في تنعله و ترجله و طهوره في شأنه كله و فيه انه لا يصلح لمعارضة مثل هذا الحديث الصحيح و استدل في المعتبر بان وضع الإناء على اليمين أمكن في الاستعمال و أنت خبير بعدم دلالته على الاستحباب و ربما يستفاد من قوله فوضعها على يمينه جبينه و قوله ثمَّ وضعه على مرفقه و أمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه عدم جواز النكس في كل من الوجه و اليدين و جوزه المرتضى رضى الله عنه و ابن إدريس في الكل و قد عرفت الكلام فيه و في قوله في أخر الحديث و مسح مقدم رأسه و ظهر قدميه ببلة يساره و بقية يمناه نوع إشعار بأنه (ص) مسح رأسه ببلة يمناه حيث قال في اليسرى بالبلة و في اليمنى ببقيتها و هو ربما يعطى استحباب مسح الرأس باليمنى و قوله في أخر الحديث الثالث يعنى به التعدي في الوضوء (الظ) انه من كلام حماد لا من كلام من روى عنه و لعل مراد الامام (ع) ان هذا الوضوء المشتمل على مسح الرجلين هو وضوء من لم يتعد حدود الله و ان وضوء من يغسلهما وضوء من تجاوز عما ورد به الكتاب و السنة و يمكن على القول بعدم استحباب تثنية الغسلات ان يكون مراده ع ان مثل هذا الوضوء الخالي عن تثنيتها وضوء من لم يحدث في الوضوء ما ليس منه على ما سيجيء الكلام فيه عن قريب (إن شاء الله تعالى) و الفاء في قول ابى عبيدة وضأت أبا جعفر (ع) بجميع فناولته ماء فاستنجى ظاهر انها فاء التعقيب و هو لا (يخلو) من شيء فان الوضوء وقع عقيب الاستنجاء دون العكس فاما ان يراد من وضأت أردت التوضئة كما قالوا في قوله (تعالى) كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنٰاهٰا فَجٰاءَهٰا بَأْسُنٰا بَيٰاتاً أو هم قائلون من أنه بتأويل أردنا اهلاكها و اما ان يصار الى ما قاله بعض المحققين من النحاة من ان التعقيب في الفاء على نوعين حقيقي معنوي نحو جاء زيد فعمرو و مجازي ذكري و هو عطف مفصل على مجمل كقوله (تعالى) وَ نٰادىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقٰالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي فإن التفصيل حقه ان يتعقب الاجمال و على هذا ففي كلام الراوي إشعار بأن الاستنجاء يلحق بأفعال الوضوء و مقدماته فيتأيد به ان ماءه محسوب من الماء الذي يستحب به الوضوء كما قاله شيخنا الشهيد في الذكرى و لا يخفى ان هذا لا يتمشى على الوجه الأول و سيأتيك في هذا الباب كلام مشبع (إن شاء الله تعالى) و جمع بفتح الجيم و إسكان الميم المشعر الحرام و المسمى بالمزدلفة روى عن (الصادق ع) سمى جمعا لان آدم (ص) جمع فيه بين المغرب و العشاء

الفصل الثاني في تحديد الوجه و الحكم في تخليل الشعر

حديثان (ا) من الصحاح زرارة عن ابى جعفر (ع) قال قلت له أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ الذي قال الله عز و جل فقال الوجه الذي أمر الله (تعالى) بغسله الذي لا ينبغي لأحد ان يزيد عليه و لا ينقص منه ان زاد عليه لم يوجر و ان نقص منه اثم ما دارت عليه الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه و ما سوى ذلك فليس من الوجه فقلت له الصدغ من الوجه فقال لا قال زرارة قلت له أ رأيت ان ما أحاط به الشعر فقال كل ما أحاط به فليس على العباد ان يطلبوه و لا ان يبحثوا عنه و لكن يجرى عليه الماء في (ب) محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال سالته عن الرجل يتوضأ أ يبطن لحيته قال لا أقول كل من الموصولين في قول زرارة الذي قال الله عز و جل و في قول الامام (ع) الذي لا ينبغي لأحد ان يزيد عليه نعت بعد نعت للوجه و جملة الشرط و الجزاء في قوله (ع) ان زاد عليه لم يوجر صلة بعد صلة و تعدد الصلة و ان لم يكن بين النحاة (مشهورا) الا انه لا مانع منه و قد ذكر بعض المحققين في قوله (تعالى) فَاتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ تجويز كون جملتها أعدت صلة ثانية للتي و القصاص بالتثليث منتهى منابت تشعر الرس من مقدمة

14

و مؤخره و المراد هنا المقدم و هو يأخذ من كل جانب من أخر الناصية و يرتفع عن النزعة الى ان يتصل بمواضع التحذيف و يمر فوق الصدغ و يتصل بالعذار و اما ما يرتفع من الاذن فداخل في المؤخر و الذقن بالتحريك مجمع اللحيتين اللذين فيهما منابت الأسنان السفلى و الذي استفاده الأصحاب (رضوان الله عليهم) من هذه الرواية ان الحد الطولى للوجه من القصاص الى طرف الذقن و الحد العرضي ما حواه الإبهام و الوسطى و هذا التحديد يقتضي بظاهره دخول النزعتين و الصدغين و العارضين و مواضع التحذيف في الوجه و خروج العذارين عنه لكن النزغتان و ان كانتا تحت القصاص فهما خارجتان عن الوجه عند علمائنا و لذلك اعتبروا قصاص الناصية و ما على سمته من الجانبين في عرض الرأس و اما الصدغان فهما و ان كانا تحت الخط العرضي المار بقصاص من الناصية و يحويهما الإصبعان غالبا إلا أنهما خرجا بالنص و اما العارضان فقد قطع العلامة في المنتهى بخروجهما و شيخنا الشهيد في الذكرى بدخولهما و ربما يستدل على الدخول بشمول الإصبعين لهما و أما مواضع التحذيف فقد أدخلهما بعضهم لاشتمال الإصبعين عليهما غالبا و وقوعهما تحت ما يسامت قصاص الناصية و أخرجهما اخرون لنبات الشعر عليهما متصلا بشعر الرأس و به قطع العلامة في التذكرة و اما العذاران فقد أدخلهما بعض المتأخرين و قطع المحقق و العلامة بخروجهما للأصل و لعدم اشتمال الإصبعين عليهما غالبا و عدم المواجهة بهما و إذا تقرر هذا ظهر لك ان ما فهمه الأصحاب رضى الله عنهم من هذه الرواية يقتضي خروج بعض الاجزاء عن حد الوجه مع دخوله في التحديد الذي عينه (ص) فيها و دخول البعض فيه مع خروجه من التحديد المذكور و كيف يصدر مثل هذا التحديد الظاهر القصور الموجب لهذا الاختلاف عن الامام (ع) فلا بد من إمعان النظر في هذا المقام و قد لاح لي من الرواية معنى أخر يسلم به التحديد عن القصور و دلالة الرواية عليه في غاية الظهور و هو ان كلا من طول الوجه و عرضه هو ما اشتمل عليه الإبهام و الوسطى بمعنى ان الخط الواصل من القصاص الى طرف الذقن و هو مقدار ما بين الإصبعين غالبا إذا فرض إثبات وسطه و أدير على نفسه ليحصل شبه دائرة فذلك القدر هو الوجه الذي يجيب غسله و ذلك لان الجار و المجرور في قوله (ع) من قصاص شعر الرأس اما متعلق بقوله دارت أو صفة مصدر محذوف و المعنى ان الدوران تبدء من القصاص منتهيا الى الذقن و اما حال من الموصول الواقع خبرا عن الوجه و هو لفظ ما ان جوزنا الحال عن الخبر و المعنى ان الوجه هو القدر الذي دارت عليه الإصبعان حال كونه من القصاص الى الذقن فاذا وضع طرف الوسطى مثلا على قصاص الناصية و طرف الإبهام إلى أخر الذقن ثمَّ اثبت وسط انفراجهما و دار طرف الوسطى مثلا على الجانب الأيسر إلى أسفل و دار طرف الإبهام على الجانب الأيمن إلى فوق تمت الدائرة المستفادة من قوله (ع) مستديرا و تحقق ما نطق به قوله (ع) و ما جرت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه و بهذا يظهر ان كلا من طول الوجه و عرضه قطر من أقطار تلك الدائرة من غير تفاوت و يتضح خروج النزعتين و الصدغين عن الوجه و عدم دخولهما في التحديد فإن أغلب الناس إذا طبق انفراج الإصبعين على ما بين قصاص الناصية إلى طرف ذقنه و ادارهما على ما قلناه ليحصل شبه دائرة وقعت النزعتان و الصدغان خارجة عنها و (كك) يقع العذاران و مواضع التحذيف كما يشهد به الاستقراء و التتبع و اما العارضان فيقع بعضها داخلها و البعض خارجا عنها فيغسل ما دخل و يترك ما خرج على ما يستفاد من الرواية و (ح) يستقيه التحديد المذكور فيها و يسلم عن القصور و لا يدخل فيه ما هو خارج و لا يخرج ما هو داخل (فت) في ذلك فإنه بالتحقيق و الله سبحانه أعلم بحقائق الأمور و ما تضمنه الحديث

15

من قوله (ع) كلّما أحاط به الشّعر فليس على العباد ان يطلبوه و كذا ما تضمّنه الحديث الثّاني من عدم وجوب تبطين اللّحية أي إيصال الماء الى باطنها و هو مستند الأصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم وجوب تخليل الشّعر الكثيف و فسّر بما لا تتراءى البشرة خلاله في مجالس التّخاطب لكنّهم اختلفوا في وجوب تخليل الخفيف و فسّر بما يقابل تفسير الكثيف فالمرتضى رضى اللّه عنه و ابن الجنيد و العلّامة في القواعد و المختلف و التّذكرة على الوجوب و الشّيخ و المحقّق و العلّامة في المنتهى و شيخنا الشّهيد في الذكرى و الدّروس على العدم و هو (المش) و استدلّ في الذّكرى بانّ الوجه اسم لما يواجه به فلا يتبع غيره و بهاتين الصّحيحتين و بما رووه من انّ النّبيّ (ص) توضّأ فغرف غرفة غسل بها وجهه و لا يبلغ الغرفة الواحدة أصول الشّعر و خصوصا مع انّ النّبيّ (ص) كان كثّ اللّحية كما وصفه به على (ع) و لانّ كلّ شعرة تستر ما تحتها ضرورة فلا يجب غسله كالسّاتر للجميع لقيام المواجهة به هذا كلامه و فيه نظر لانّ دليله الأوّل انّما يجرى بظاهره في الكثيف و ليس النّزاع فيه و العلاوة الّتي ظنّها مؤيّدة لدليله الثّالث تأييدها غير ظاهر بل (الظ) خلافه و قوله في الرّابع ان كلّ شعرة تستر ما تحتها ان أراد انّ أصلها تستر نفس منبتها الحقيقيّ فليس الكلام فيه و ان أراد انّ الشّعرة تستر شعاع البصر عن الوقوع على ما يحاذيها من اجزاء الوجه فإن أراد اجزاء شخصيّة بعينها في كلّ مجالس التّخاطب فالخفيف ليس (كك) فانّ المستوريّة تتبدّل بتبدّل مجلس التّخاطب بل بأدنى حركة بين الرّائي و المرئيّ يظهر ما كان مستورا و يستر ما كان ظاهرا و ان أراد اجزاء نوعيّة مبدّلة الافراد بتبدّل المجالس توجّه المنع الى الكبرى لحصول المواجهة بها في بعض الأوقات ثمَّ اعلم انّه لا خلاف بين الفريقين في وجوب غسل ما لا يرى من البشرة خلال الشّعر في مجلس التّخاطب و في عدم وجوب غسل ما لا يرى منها و من هنا قال بعض مشايخنا (رض) انّ النّزاع في هذه المسئلة قليل الجدوى و أنت خبير بأنّه لو جعل النّزاع في وجوب غسل ما يستره الشّعر الخفيف في بعض المجالس دون بعض كما يلوح من كلامهم لم يكن بعيدا و لا يكون النّزاع قليل الجدوى و منشؤه (ح) انّ عدم المواجهة به في بعض الأوقات هل يؤثّر في سقوط غسله أم لا و انّ قوله (ص) كلّما أحاط به الشّعر فليس على العباد ان يطلبوه هل يراد به الإحاطة الدّائميّة أو في الجملة لكنّ (الظّ) انّ المراد الإحاطة الدّائمية و ان المواجهة به في بعض الأوقات كافية في إيجاب غسله و (ح) فيقوى مذهب المرتضى (رض) مع انّه أقرب الى سلوك سبيل الاحتياط و اللّه اعلم

الفصل الثّالث فيما يمسح من الرّأس و القدم و جواز النّكس فيهما

عشرة أحاديث أمن الصّحاح زرارة قال قلت لأبي جعفر (ع) الا تخبرني من اين علمت و قلت انّ المسح ببعض الرّأس و بعض القدم فضحك ثمَّ قال يا زرارة قال رسول اللّه (ص) و نزل به الكتاب من اللّه لانّ اللّه عزّ و جلّ يقول فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فعلمنا انّ الوجه كلّه ينبغي ان يغسل ثمَّ قال وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ ثمَّ فصّل بين الكلامين فقال وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فعرفنا حين قال برؤسكم انّ المسح ببعض الرّأس لمكان الباء ثمَّ وصل الرّجلين بالرّأس كما وصل اليدين بالوجه فقال وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فعرفنا حين وصلهما بالرّأس انّ المسح على بعضها (ب) زرارة و اخوه بكير عن ابى جعفر (ع) قال إذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك (ج) حمّاد بن عثمان عيسى عن بعض أصحابه عن أحدهما (ع) في الرّجل يتوضّأ و عليه العمامة قال يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدّم رأسه (د) زرارة قال قال أبو جعفر (ع) المرأة يجزيها من مسح الرّأس ان تمسح مقدّمه مقدار ثلث أصابع و لا تلقى عنها خمارها (ه) احمد بن محمّد بن ابى نصر عن ابى الحسن الرّضا (ع) قال

16

سالته عن المسح على القدمين كيف هو فوضع كفه على الأصابع فمسحها الى الكعبين الى ظهر القدم فقلت جعلت فداك لو انّ رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا فقال لا الّا بكفّه (و) حمّاد بن عثمان عن ابى عبد اللّه (ع) قال لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا (ز) حمّاد بن عثمان (أيضا) عن ابى عبد اللّه (ع) لا بأس بمسح القدمين مقبلا و مدبرا (ح) زرارة قال أبو جعفر (ع) انّ اللّه يحبّ الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلث غرفات واحدة للوجه و اثنتان للذراعين و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك و ما بقي من بلة يمناك يمينك ظهر قدمك اليمنى و تمسح ببلّة يسراك ظهر قدمك اليسرى (ط) معمّر بن خلّاد قال سألت أبا الحسن (ع) أ يجزى الرّجل ان يمسح قدميه بفضل رأسه فقال برأسه لا فقلت بماء جديد قال برأسه نعم (ى) من الموثقات أبو بصير قال سألت أبا عبد اللّه (ع) عن مسح الرّأس فقلت امسح بما في يدي من النّدا رأسي قال لا بل تضع يدك في الماء ثمَّ تمسح أقول قد يظنّ انّ ما تضمّنه الحديث الأوّل من قول زرارة للباقر (ع) الا تخبرني من اين علمت ينبئ عن سوء أدبه و قلّة احترامه للإمام (ع) و هو قدح عظيم في شانه و جوابه انّ زرارة رضى اللّه عنه أوضح حالا و ارفع قدرا من ان يظنّ به ذلك و لكنّه كان ممتحنا بمخالطة علماء العامّة و كانوا ربّما بحثوا معه في بعض المسائل و طالبوه عليها بالدّلائل الّتي ربّما عجز عنها فأراد أن يستفيد من الامام (ع) ما يسكتهم به و يردّ شبهاتهم و يخلص من تعجيزهم فعبّر بتلك العبارة من دون تأمّل معتمدا على رسوخ عقيدته واثقا بعلم الامام (ع) بما قصده بذلك السّؤال و ربّما قرئ قوله من اين علمت و قلت بتاء المتكلّم اى أخبرني بمستند علمي بذلك و دليل قولي به فانّى جازم بالمدّعى غير عالم بدليله و على هذا فلا اشكال و في ضحكه (ع) عند سماع كلامه هذا نوع تأييد لهذا الوجه و قوله (ع) ثمَّ فصّل بين الكلامين اى غاير بينهما بإدخال الباء في الثّاني دون الأوّل و هو يعطى كون الباء في الآية للتبعيض فلا يلتفت الى كلام من جعلها فيها لمطلق الإلصاق و امّا قول سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه انّ الباء لم تجيء للتّبعيض في لغة العرب فمع كونه شهادة على نفى يكذّبه إصرار الأصمعي على مجيئها له و هو أشدّ أنسا بكلام العرب و اعرف بمقاصدهم من سيبويه و قد وافق الأصمعي كثير من النّحاة و جعلوها في قوله (تعالى) عَيْناً يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اللّٰهِ للتّبعيض و ناهيك بما تضمّنه هذا الحديث حجّة لهم و قوله (ع) في الحديث الثّاني ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع يدلّ على عدم وجوب إدخال الكعبين في المسح و هو مختار المحقّق في المعتبر و ذهب العلّامة في المنتهى الى وجوبه و أجاب عمّا دلّ عليه هذا الحديث بانّ مثل ذلك قد يستعمل فيما يدخل فيه المبدء كقولك له عندي ما بين واحد إلى عشرة فإنّ الواحد داخل قطعا و هو كما ترى و لا ريب انّ الدّخول أحوط و ما تضمّنه الحديث الثّالث من رفع العمامة يراد به تنحيتها عن محلّ المسح الى قدّام لا رفعها عنه الى فوق بقرينة قوله (ع) بقدر ما يدخل إصبعه و يجوز قراءته بكسر الخاء و نصب الإصبع بالمفعوليّة و بضمّها و رفعه بالفاعليّة و ما تضمّنه الحديث الرّابع من اجزاء مسح المرأة بثلث أصابع يمكن ان يستدلّ به للشّيخ في النّهاية و ابن بابويه من وجوب المسح بثلث أصابع و عدم إجزاء الأقل مع الاختيار و يؤيّده رواية معمّر عن ابى جعفر (ع) قال يجزى المسح على الرّأس موضع ثلث أصابع و (كك) الرّجل و يمكن حملها على الاستحباب عملا (بالمش) بين الأصحاب المعتضد بالأخبار الصّحيحة الصّريحة و سلوك سبيل الاحتياط اولى و ما تضمّنه (ظ) الحديث الخامس من وجوب مسح الرّجلين بكلّ الكفّ لا اعرف به قائلا من أصحابنا و نقل المحقّق في المعتبر و العلّامة في التّذكرة الإجماع على الاجتزاء بمسمّى المسح و لو بإصبع واحدة فحمل ما تضمّنه الحديث على الاستحباب لا بأس به

17

و يكون قوله (ع) لا الّا بكفه من قبيل قوله (ع) لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد كما قاله العلّامة في المنتهى تبعا للشّيخ في التّهذيب و قال في قول السّائل قال بإصبعين من أصابعه بمعنى فعل و اعلم انّ العلّامة في (المخ) استدل بهذا الحديث من جانب القائلين بعدم الاجتزاء في مسح الرّأس و الرّجلين بإصبع واحدة بعد ما نسب الاجتزاء به فيهما إلى الشّهرة و هو يقتضي وقوع الخلاف بين أصحابنا في الرّجلين (أيضا) و لا ينافيه الإجماع المنقول في الكتابين إذ وجود المخالف لا يقدح في انعقاد الإجماع عندنا و قد ظنّ بعض الأصحاب انّ استدلاله طاب ثراه بذلك الحديث انّما هو من جانب الشّيخ و ابن بابويه على عدم الاجتزاء في مسح الرّأس بأقلّ من ثلث أصابع فاعترض عليه بأنّه لا دلالة في ذلك الحديث على المدّعى بوجه و ما تضمّنه الحديث السّادس و السّابع من جواز النّكس في مسح الرّأس و الرّجلين هو (المش) بين المتأخّرين و قال الشّيخ في (يه و ف) و المرتضى في الانتصار بعدم جواز استقبال الشّعر في مسح الرّأس خروجا من الخلاف و نقل عن (ظ) ابن بابويه و المرتضى عدم جواز النّكس في مسح الرّجلين (أيضا) و هما ضعيفان و ما تضمّنه الحديث الثّامن من المسح ببقيّة البلل ممّا انعقد عليه إجماع أصحابنا بعد ابن الجنيد و هذا هو المستند في هذا الباب و امّا استدلال المحقّق في المعتبر بانّ الأمر بالمسح مطلق و المطلق للفور و الإتيان به ممكن من غير استيناف ماء فيجب الاقتصار عليه تحصيلا للامتثال فأنت خبير بانّ للبحث فيه مجالا واسعا إذ على تقدير كون الأمر في الآية للفور لا يخلّ به أخذ الماء قطعا و هو (ظ) و امّا استدلال الأصحاب بالرّوايات الواردة في الوضوء البيانيّ المتضمّنة للمسح ببقيّة البلل كصحيحي زرارة و ابى عبيدة الحذّاء و غيرهما ففيه انّ لابن الجنيد ان يقول انّ تلك الرّوايات انّما تنهض دليلا لو ثبت انّ مسح الامام (ع) ببقيّة البلل انّما كان لتعينه و عدم جواز غيره و لم لا يجوز ان يكون فعله (ع) له لكونه من جزئيّات الكلّيّ المأمور به و بعض الأصحاب لما تفطّن بهذا عدل عن الاستدلال بتلك الرّوايات الى الاستدلال بهذا و قال ان الجملة الخبريّة يعني قوله (ع) و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك هنا بمعنى الأمر و هو يقتضي الوجوب و لا يخفى انّ لابن الجنيد ان يقول انّما يتمّ التّقريب لو تعيّن كون الجملة الخبريّة هنا بمعنى الإنشاء و لم يجز كون الفعل فيها معطوفا على ثلث غرفات و مندرجات تحت قوله (ع) فقد يجزيك امّا على هذا التّقدير فلا إذ لا كلام في اجزاء المسح ببلل الوضوء انّما الكلام في تعيّنه و عطف الفعل على الاسم بإضمار ان من الأمور الشّائعة في الكلام السّائغة عند النّحاة كما في البيت (المش) للبس عباءة و تقرّ عيني أحبّ الى من لبس الشّفوف يعطف تقرّ بالنّصب على لبس و بهذا يظهر انّ ما ظنّه بعض الأصحاب من دلالة هذه الرّواية على أولويّة مسح القدم اليمنى باليد اليمنى و اليسرى باليسرى غير (ظ) و اللّه أعلم بحقائق الأمور و ما تضمّنه الحديث التّاسع و العاشر من النّهى عن المسح ببقيّة البلل و الأمر بالاستيناف لا (يخلو) من اشكال و الشيخ حملها على التّقية ثمَّ قال و يحتمل ان يكون أراد بالخبر الثّاني من قوله بل تضع يدك في الماء الماء الّذي بقي في لحيته أو حاجبيه هذا كلامه و استبعده و الذي (ره) في حواشي الاستبصار لأنّ السّائل قال امسح بما في يدي من النّداء فكيف ينهاه (ع) عن ذلك و يأمره بالأخذ من لحيته أو حاجبيه و لا يخفى انّ الاحتمال الأوّل (أيضا) في نهاية البعد لأنّ السّائل قال يمسح قدميه بفضل رأسه و هو صريح في عدم الجفاف و في حمل الخبر الأوّل على التّقيّة اشكال لتضمّنه مسح القدمين و العامّة لا يمسحونهما لا ببقيّة البلل و لا بماء جديد فان قلت انّهم يجوّزون إطلاق المسح على الغسل فيمكن تنزيل الكلام على ما يوافق زعمهم الفاسد قلت ما تضمّنه الحديث من

18

المسح بفضل الرّأس يأبى هذا التنزيل كما لا يخفى فلو نزّل على مسح الخفّين لكان اولى و الّذي ما زال يختلج بخاطري أنّ ايماءه (ع) برأسه نهى لمعمّر بن خلّاد عن هذا السّؤال لئلّا يسمعه المخالفون الحاضرون في المجلس فإنّهم كانوا كثيرا ما يحضرون مجالسهم (ع) فظنّ معمّر انّه (ع) انّما نهى عن المسح ببقيّة البلل فقال أ بماء جديد فسمعه الحاضرون فقال (ع) برأسه نعم و مثل هذا يقع في المحاورات كثيرا و اللّه أعلم بحقائق الأمور

الفصل الرّابع في تعيين الكعبين

ثلثة احاديث (ا) من الصّحاح زرارة و اخوه بكير عن ابى جعفر (ع) أنّهما سألاه عن وضوء رسول اللّه (ص) فدعا بطست أوتوا فيه ماء ثمَّ حكى وضوء رسول اللّه (ص) الى ان انتهى الى المسح قالا قلنا له أصلحك اللّه فأين الكعبان قال هاهنا يعنى المفصل دون السّاق قلنا هذا ما هو قال عظم السّاق (ب) احمد بن محمّد بن ابى نصر عن ابى الحسن الرّضا (ع) قال سالته عن المسح على القدمين كيف هو فوضع كفّه على الأصابع فمسحها الى الكعبين الى ظهر القدم (ج) من الحسان ميسرة عن ابى جعفر (ع) قال الوضوء واحدة واحدة و وصف الكعب في ظهر القدم أقول الطّست يروى بالسّين و الشّين معا و التّور إناء يشرب منه و لفظة دون في قول الأخوين دون عظم السّاق امّا بمعنى تحت أو بمعنى عند أو بمعنى غير و قوله في الحديث الثّاني إلى ظهر القدم تفسير و بيان لقوله إِلَى الْكَعْبَيْنِ و ليس المراد بظهر القدم خلاف باطنه بل ما ارتفع منه كما (يق) لما ارتفع و غلظ من الأرض ظهر بخلاف ظهر القدم في الحديث الثّالث فإنه لا مانع فيه من ارادة كلّ من المعنيين و ما تضمّنه من قوله (ع) الوضوء واحدة واحدة ممّا يستدلّ به القائلون من أصحابنا بعدم استحباب الغسلة الثّانية كالصّدوق و الكليني (قدّس اللّه روحه)ما و سنتكلم فيه عن قريب (إن شاء الله تعالى) و لا بدّ في هذا المقام من الكلام في تحقيق الكعب فإنّه من المعارك العظيمة بين العلّامة أعلى اللّه مقامه و بين من تأخّر منه من علمائنا نوّر اللّه مراقدهم فلا بأس بإطلاق عنان القلم في هذا الجدال فعسى ان تنحسم به مواد القيل و القال فأقول و باللّه العصمة و التّوفيق الكعب يطلق على معان أربعة الأوّل العظم المرتفع في ظهر القدم الواقع فيما بين المفصل و المشط الثّاني بين السّاق و القدم الثّالث عظم مائل إلى الاستدارة واقع في ملتقى السّاق و القدم له زائدتان في أعلاه يدخلان في حفرتي قصبة السّاق و زائدتان في أسفله يدخلان في حفرتي العقب و هو نابت في وسط ظهر القدم اعنى وسطه العرضي و لكن نتوّه غير ظاهر لحسّ البصر لارتكاز أعلاه في حفرتي السّاق و قد يعبّر عنه بالمفصل (أيضا) امّا لمجاورته له أو من قبيل تسمية الحال باسم المحلّ الرّابع احد النّاتيين عن يمين القدم و شماله اللّذين يقال لهما المنجمين و هذا المعنى الأخير هو الّذي حمل أكثر العامّة الكعب في الآية عليه و أصحابنا رضى اللّه عنهم مطبقون على خلافه و امّا المعاني الثّلثة الأول فكلامهم قدّس اللّه أرواحهم لا يخرج عنها و ان كان بعض عباراتهم أشدّ انطباقا على بعضها من بعض فالمعنى الأوّل ذكره من أصحابنا اللّغويّين عميد الرّؤساء في كتابه الّذي ألّفه في الكعب و صريح عبارة المفيد طاب ثراه منطبق عليه فإنّه قال الكعبان هما قبّتا القدمين امام السّاقين ما بين المفصل و المشط و المعنى الثّاني ذكره جماعة من أهل اللّغة كصاحب القاموس حيث قال الكعب كلّ مفصل العظام و الرّواية الأولى ظاهرة فيه و هو المفهوم بحسب (الظ) من كلام ابن الجنيد و المعنى الثّالث هو الّذي يكون في ارجل البقر و الغنم (أيضا) و ربّما يلعب به النّاس كما قاله صاحب القاموس و هو الّذي بحث عنه علماء التّشريح و قال به الأصمعي و محمّد بن الحسن الشّيباني كما نقله عنهما العامّة

19

في كتبهم و هو الكعب على التّحقيق عند العلّامة طاب ثراه و عبّر عنه في بعض كتبه بحدّ المفصل و في بعضها بمجمع السّاق و القدم بالنّاتى وسط القدم و في بعضها بالمفصل و صبّ عبارات الأصحاب عليه و قال في المنتهى بعد ما فسّره بالناتى في وسط القدم قد تشتبه عبارة علمائنا على بعض من لا مزيد تحصيل له في معنى الكعب و الضّابط فيه ما رواه زرارة و بكير في الصّحيح ثمَّ أورد الرّواية الاولى و قال في المختلف يراد بالكعبين هنا المفصل بين السّاق و القدم و في عبارة علمائنا اشتباه على غير المحصّل و استدل بتلك الرّواية بأن استيعاب ظهر القدم كما يعطيه بعض الرّوايات يوجب الانتهاء اليه و انّما عبّر قدّس روحه عنه بالمفصل لموافقة الرواية و لئلّا يشتبه بالمعنى الأوّل و (أيضا) فالمفصل ظهر للحسّ و المسح اليه مسح الى المفصل في الحقيقة و أراد (قدّس اللّه روحه) باشتباه عبارة علمائنا انّها لما كانت مجملة بحيث يحتمل المعنى الأوّل و الثّالث بل ظاهرها أقرب الى الأوّل وقع الاشتباه فيها على غير المحصّلين فحملوها على المعنى الأوّل و التّحقيق يقتضي حملها على الثّالث و هو الّذي انطبق على الرّواية الصّحيحة و اعتضد بكلمات علماء التّشريح و شاع نسبته الى كلّ من قال بالمسح و لا بأس بنقل عبارات بعض الأصحاب ليظهر في الجملة و يتّضح انّها غير أبيه على الانطباق على ما ذكره (قدّس اللّه روحه) قال ابن الجنيد الكعب في ظهر القدم دون عظم السّاق و هو المفصل الّذي قدّام العرقوب و قال السّيّد المرتضى رضى اللّه عنه الكعبان هما العظمان النّاتيان في ظهر القدم عند معقد الشّراك و قال الشّيخ الكعبان هما العظمان النّاتيان في وسط القدم و قال أبو الصّلاح الكعبان معقد الشّراك و قال ابن عقيل الكعبان ظهر القدم و قال ابن إدريس الكعبان هما العظمان اللّذان في ظهر القدمين عند معقد الشّراك و قال المحقّق في المعتبر الكعبان عندنا هما العظمان النّاتيان في وسط القدم و هما معقد الشّراك ثمَّ استدلّ على ذلك بالرّواية الأولى كما فعل العلّامة في المنتهى و (المخ) هذه عبارات أصحابنا رضى اللّه عنهم و لا يخفى عدم ابائها عن الانطباق على ما قاله العلّامة طاب ثراه فإنّه (قدّس اللّه روحه) لا ينكر انّ الكعب عظم نأت في وسط القدم كيف و قد فسّره بذلك في المنتهى و التّذكرة و غيرهما و لكنّه يقول ليس هو العظم الواقع امام السّاق بين المفصل و المشط بل هو العظم الواقع في ملتقى السّاق و القدم و هو الّذي ذكره المشرّحون و غيرهم و أنت خبير بانّ تنزيل عبارات الأصحاب على هذا المعنى غير بعيد نعم عبارة المفيد (رحمه الله) صريحة في المعنى الأوّل فذكره لها في (المخ) في بعض هذه العبارات ليس على ما ينبغي و لعلّه طاب ثراه حمل المشط في كلامه على نفس القدم و جعل قوله امام السّاقين بالنّظر الى امتداد القامة لكنّه محمل بعيد و اللّه أعلم بحقائق الأمور و اعلم انّ كتب العامّة مشحونة بذكر ما ذهب اليه علماء الخاصّة رضى اللّه عنهم من انّ الكعب هو ذلك العظم الواقع في ملتقى السّاق و القدم المعبّر عنه بالمفصل قال الفخر الرّازي في تفسيره عند قوله تع وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ قالت الإماميّة و كلّ من ذهب الى وجوب المسح انّ الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب البقر و الغنم موضوع تحت عظم السّاق حيث يكون مفصل السّاق و القدم و هو قول محمّد بن الحسن و كان الأصمعيّ يختار هذا القول ثمَّ قال حجّة الإماميّة انّ اسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في ارجل جميع الحيوانات فوجب ان يكون في حقّ الإنسان (كك) و المفصل يسمّى كعبا و منه كعاب الرّمح لفاصله فوجب ان يكون الكعب انتهى كلامه و قال صاحب الكشاف عند تفسير هذه الآية لو أريد المسح لقيل الى الكعاب لانّ الكعب مفصل القدم و هو واحد في كلّ رجل فإن أريد

20

كلّ واحد فالأفراد و الّا فالجمع انتهى كلامه و شبهه هذه ضعيفة فإنّه يجوز كون التثنية بالنّظر الى كلّ متوضّئ و قال النّيسابوريّ في تفسيره انّ الإماميّة و كلّ من قال بالمسح ذهبوا الى انّ الكعب عظم مستدير تحت عظم السّاق حيث يكون مفصل السّاق و القدم و المفصل يسمّى كعبا و منه كعوب الرّمح لمفاصله ثمَّ قال انّ العظم المستدير الموضوع في المفصل الّذي تقوله الإماميّة شيء خفي لا يعرفه الّا علماء التّشريح هذا حاصل كلامه و ليس الغرض من نقل كلام هؤلاء الاستدلال على انّ مذهب أصحابنا رضى اللّه عنهم في الكعب هو ما نسبه العلّامة طاب ثراه إليهم فإنّه (قدّس اللّه روحه) مصدّق في تلك النّسبة غير محتاج إلى التّأييد بموافقة العامّة فتلك الرّواية الصّحيحة الخالية عن المعارض مساعدة له على ذلك و انّما الغرض انّ نسبة هذا القول إلى أصحابنا رضى اللّه عنهم ممّا اشتهر بين العامّة (أيضا) و اللّه أعلم بحقائق الأمور و اعلم انّ شيخنا الشّهيد في الذّكرى و شيخنا الشّيخ علىّ في شرح القواعد و شيخنا الشّهيد الثاني في شرح الإرشاد بسطوا لسان التّشنيع على العلّامة في هذا القول و نسبوه الى خرق الإجماع على انّه لم يقل احد من أصحابنا بموجبة و انّ عباراتهم ناطقة بخلاف ما ادّعاه و لا بأس بنقل كلام هؤلاء المشايخ الثّلثة قدّس اللّه أرواحهم و ان اتسع به نطاق الكلام قال شيخنا الشّهيد في الذّكرى تفرّد الفاضل (رحمه الله) بانّ الكعب هو المفصل بين السّاق و القدم و صبّ عبارات الأصحاب كلّها عليه و جعله مدلول كلام الباقر (ع) محتجّا برواية زرارة عن الباقر (ع) المتضمّنة لمسح ظهر القدمين و هو يعطى الاستيعاب و بأنّه أقرب الى حدّ أهل اللّغة و جوابه انّ الظّهر المطلق هنا يحمل على المقيّد لان استيعاب الظّهر لم يقل به احد منّا و قد تقدّم قول الباقر (ع) إذا مسحت بشيء من رأسك و بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك و رواية زرارة و أخيه بكير و قال في المعتبر لا يجب استيعاب الرّجلين بالمسح بل يكفى المسمّى من رءوس الأصابع إلى الكعبين و لو بإصبع واحدة و هو إجماع فقهاء أهل البيت (ع) و لانّ الرّجلين معطوفة على الرأس الّذي يمسح بعضه فيعطيان حكمه ثمَّ قال شيخنا الشّهيد و أهل اللّغة ان أراد بهم لغويّة العامّة فهم مختلفون و ان أراد بهم لغويّة الخاصّة فهم متّفقون على ما ذكرنا حسبما مرّ و لأنّه إحداث قول ثالث مستلزم لرفع ما اجمع عليه الأمّة لأنّ الخاصّة على ما ذكرنا و العامّة على انّ الكعبين نتا عن يمين الرّجل و شمالها انتهى كلام شيخنا الشّهيد طاب ثراه و لعمري انّه قد بلغ في التّشنيع أقصى غاياته و نعم ما فعل حيث رجع عن هذا و قال في الرّسالة بمقالة العلّامة فكأنّه لاح عليه بعض ما تلونا عليك و قد وافقه في ذلك صاحب كنز العرفان و قال شيخنا المحقّق الشّيخ علىّ أعلى اللّه قدره في شرح القواعد ما ذكره في تفسير الكعبين خلاف ما عليه جميع أصحابنا و هو من متفرّداته مع انّه ادّعى في عدّة من كتب انّه المراد في عبارات الأصحاب و ان كان فيها اشتباه على غير المحصّل و استدلّ عليه بالأخبار و كلام أهل اللّغة و هو عجيب فانّ عبارات الأصحاب صريحة في خلاف ما يدّعيه ناطقة بأنّ الكعبين هما العظمان الناتيان في ظهر القدم امام الساق حيث يكون معقد الشّراك غير قابلة للتأويل و الاخبار صريحة في ذلك و كلام أهل اللغة مختلف و ان كان اللغويون من أصحابنا لا يرتابون في انّ الكعب هو النّاتى في ظهر القدم و قد أطنب عميد الرّؤساء في كتاب الكعب في تحقيق ذلك و أكثر من الشّواهد عليه على انّ القول بانّ الكعب هو المفصل بين الساق و القدم ان أراد ان نفس المفصل هو الكعب لم يوافق مقالة احد من الخاصّة و العامّة و لا كلام أهل اللّغة و لم يساعد عليه الاشتقاق فإنّهم قالوا انّ اشتقاقه

21

من كعب إذا ارتفع و منه كعب ثدي الجارية و ان أراد انّ ما نتا عن يمين القدم و شماله هو الكعب كمقالة العامّة لم يكن المسح منتهيا الى الكعبين انتهى كلامه طاب ثراه و قال شيخنا الشّهيد الثّاني في شرح الإرشاد بعد ان أورد روايتين دالّتين على انّ الكعب في ظهر القدم لا ريب انّ الكعب الّذي يدّعيه (المصنف) ليس في ظهر القدم و انّما هو المفصل بين السّاق و القدم و المفصل بين الشّيئين يمتنع ان يكون في أحدهما و العجب منه حيث قال في (المخ) ان في عبارة أصحابنا اشتباها على غير المحصّل مشيرا الى انّ المحصّل لا يشتبه عليه انّ مرادهم بالكعب المفصل بين السّاق و القدم و انّ من لم يفهم ذلك من كلامهم لم يكن محصّلا ثمَّ حكى كلام جماعة منهم و الحال انّ المحصّل لو حاول فهم ذلك من كلامهم لم يجد اليه سبيلا و لم يقم عليه دليلا انتهى كلامه زيد إكرامه و لا يخفى انّ حاصل ما شنّعوا به على العلّامة طاب ثراه يدور على سبعة أمور الأوّل انّ ما ذهب اليه مخالف لما اجمع عليه أصحابنا بل لما اجمع عليه الأمّة من الخاصّة و العامّة و هذا من أقبح التّشنيعات الثّاني انّه مخالف للأخبار خالفه الأخبار الصّريحة الثّالث انّه مخالف لكلام أهل اللّغة إذ لم يقل احد منهم انّ المفصل كعب الرّابع انّه مخالف للاشتقاق من كعب إذا ارتفع الخامس انّه زعم انّ عبارات الأصحاب تنطبق (ع) على ما ادّعاه مع أنّها ناطقة بما يخالف دعواه غير قابلة للتّأويل السّادس انّ الكعب في ظهر القدم و المفصل الّذي ادّعى انّه الكعب ليس في ظهر القدم السّابع انّ قوله بوجوب استيعاب ظهر القدم بالمسح مخالف للنّصّ و الإجماع رضى اللّه عنهم ان تحقّق فإنّما تحقّق على انّ الكعب عظم نأت في ظهر القدم عند معقد الشراك و العلامة طاب ثراه قائل به و مصرّح بذلك في كتبه كما تلوناه عليك قبيل هذا و تحقق الإجماع على ما وراء ذلك ممّا ينافي كلامه (مم) و عن الثّاني انّه لا خبر في هذا الباب أصرح من خبر الأخوين و عدم مخالفته لكلامه (قدّس اللّه روحه) لا يخفى على (المت) و العجب من شيخنا الشّهيد طاب ثراه كيف أهمل عند ذكر دلائل العلّامة مع انّه أقوى دلائله و امّا الاخبار المتضمّنة لكون الكعب في ظهر القدم (فظ) انّها لا تخالف كلامه فانّ الكعب واقع عنده في ظهر القدم غير خارج عنه على انّ قول ميسّر بضم الميم و فتح الياء المثنّاة التّحتانيّة و كسر السّين المهملة المشدّدة في الحديث الثّالث انّ الباقر (ع) وصف الكعب في ظهر القدم يعطي انّ الامام (ع) ذكر للكعب أوصافا ليعرفه الرّاوي بها و لو كان الكعب هذا الارتفاع المحسوس المشاهد لم يحتج الى بل كان ينبغي ان يقول هو هذا و قس عليه قوله (ع) في الحديث الأوّل هاهنا بالإشارة إلى مكانه دون الإشارة اليه و عن الثّالث انّ صاحب القاموس و غيره صرّحوا بانّ المفصل يسمّى كعبا كما مرّ ما ذكره صاحب القاموس الصّحاح من ان الكعب هو العظم الثّاني عند ملتقى السّاق و القدم لا ينافي كلامه طاب ثراه و كذا ما ذكره صاحب القاموس من انّ الكعب هو العظم النّاتى فوق القدم و عن الرّابع انّ دعوى المخالفة غير مسموعة و حصول الارتفاع فيما قاله (ظ) و عن الخامس ان كون تلك العبارات ناطقة بخلاف ما ادّعاه (مم) و تطبيقها عليه غير محتاج إلى التأويل (نعم) تطبيق عبارة المفيد على ذلك محتاج الى ضرب من التأويل كما مر و عن السّادس بما مرّ في الجواب عن الثاني و عن السّابع انّ المخالف للنصّ و الإجماع انّما هو القول بوجوب استيعاب كل ظهر القدم طولا و عرضا و العلامة غير قائل به بل نقل الإجماع على خلافه قال في المنتهى لا يجب استيعاب الرجلين بالمسح بل الواجب من رءوس الأصابع إلى الكعب و لو بإصبع واحدة و هو مذهب

22

علمائنا اجمع و انّما قال طاب ثراه بوجوب الاستيعاب الطولى يعنى إيصال خطّ المسح من رءوس الأصابع إلى الكعب على ان يكون الكعب داخلا في الممسوح و هذا ممّا لم ينعقد إجماع على خلافه و انّما أطنبنا الكلام في هذا المقام لانّه بذلك حقيق و من اللّه الإعانة و التّوفيق

الفصل الخامس في ترتيب الوضوء

أربعة أحاديث ا من الصّحاح زرارة قال قال أبو جعفر (ع) تابع بين الوضوء كما قال اللّه عزّ و جلّ ابدء بالوجه ثمَّ باليدين ثمَّ امسح الرّأس و الرّجلين و لا تقدّمن شيئا بين يدي شيء تخالف ما أمرت به فان غسلت الذّراع قبل الوجه فاغسل الوجه و أعد على الذّراع و ان مسحت الرّجل قبل الرّأس فامسح على الرّأس قبل الرّجل ثمَّ أعد على الرّجل ابدء بما بدء اللّه عزّ و جلّ به (ب) منصور بن حازم عن ابى عبد اللّه (ع) في الرّجل يتوضّأ فيبدء بالشّمال قبل اليمين قال يغسل اليمين و يعيد اليسار (ج) من الحسان محمّد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (ع) على انّه ذكر المسح فقال امسح على مقدّم رأسك و امسح على القدمين و ابدء بالشّقّ الأيمن (د) الحلبي عن ابى عبد اللّه (ع) قال إذا نسي الرّجل ان يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه و لا يعيد على ما كان قد توضّأ و قال اتبع وضوءك بعضه بعضا أقول المراد بالمتابعة بين الوضوء في الحديث الأوّل المتابعة بين أفعاله على حذف مضاف أي اجعل بعض أفعاله تابعا اى مؤخّرا و بعضها متبوعا اى مقدّما من قولهم تبع فلان فلانا اى مشى خلفه و ليس المراد المتابعة بالمعنى المتعارف بين الفقهاء أعني أحد فردي الموالاة الّذي جعلوه قسيما المراعاة الجفاف و ينبغي ان يقرأ قوله (ع) تخالف ما أمرت به بالرّفع على ان الجملة حال من فاعل تقدمن كما في قوله (تعالى) يَذَرُهُمْ فِي طُغْيٰانِهِمْ يَعْمَهُونَ أو على انّها مستانفة كما قالوه في قول الشّاعر و قال رائدهم ارسوا نزاولها و امّا قراءته مجزوما على انّه جواب النّهى كما في نحو لا تكفر تدخل الجنّة (فمم) عند جمهور النّحاة لانّ الجزم في الحقيقة انّما هو بأن الشّرطيّة المقدّرة و لا يجوز ان يكون التّقدير ان لا تقدمنّ شيئا بين يدي شيء تخالف ما أمرت به لانّه من قبيل لا تكفر تدخل النار و هو ممتنع عندهم و لا عبرة بخلاف الكسائي في ذلك ثمَّ لا يخفى انّ هذا الحديث انّما دلّ على تقديم الوجه على اليدين و هما على مسح الرّأس و هو على الرّجلين و امّا تقديم غسل اليد اليمنى على اليسرى فمسكوت عنه هنا و الحديث الثّاني نصّ فيه و عطفه (ع) الرّجلين بالواو يراد منه معنى التّرتيب كما يدلّ عليه قوله (ع) و ان مسحت الرّجل (إلخ) و قوله (ع) ابدأ بما بدء اللّه به و ما تضمّنه الحديث الثّالث من قوله (ع) و ابدأ بالشقّ الأيمن يدلّ على وجوب تقديم الرّجل اليمنى على اليسرى كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب إذ الأمر للوجوب (و) قوله (ع) في الحديث الرابع و لا يعيد على ما كان قد توضّأ يراد منه انّه لا يعيد على العضو الّذي كان قد وضأه قبل العضو المنسيّ و الاتباع في في قوله عليه السلم في أخر الحديث اتبع وضؤك بعضه بعضا يمكن ان يراد به المتابعة كما في صدر الحديث الأوّل أعني التّرتيب بقرينة ما قبله و يمكن ان يراد به الموالاة من غير تراخ و من هذا يظهر انّ استدلال المحقّق في المعتبر و العلّامة في المنتهى بهذا الحديث في المعتبر على وجوب المتابعة بهذا المعنى محل كلام على ما سيجيء ذكره في الفصل الاتى (إن شاء الله تعالى)

الفصل السّادس في الموالاة في الوضوء

حديثان (ا) من الصّحاح معاوية بن عمّار قال قلت لابيعبد اللّه (عليه السَّلام) ربّما توضّأت و نفذ الماء فدعوت الجارية فأبطأت علىّ بالماء فيجفّ وضوئي فقال أعده (ب) من الموثّقات أبو بصير عن ابى عبد اللّه (ع) قال إذا توضأت بعض وضؤك فعرضت لك حاجة حتّى يبس وضوءك فان الوضوء لا يتبعّض أقول نفد بالفاء المكسورة

23

و الدّال المهملة أي فنى و لم يبق منه شيء و الوضوء في الحديث الأوّل بفتح الواو بمعنى ماء الوضوء و كذلك الواقع فاعلا في الحديث الثّاني و يظهر من كلام بعض اللّغويين انّ الوضوء بالضمّ يجيء بمعنى ماء الوضوء (أيضا) و قد دلّ الحديثان على انّ الإخلال بالموالاة بحيث يجفّ السّابق موجب لبطلان الوضوء لكن قول الرّاوي فيجفّ وضوئي يمكن ان يراد به جفاف كلّ الأعضاء و جفاف بعضها و (كك) قول الامام (عليه السَّلام) في الحديث الثّاني حتى يبس وضوؤك و لهذا اختلف الأصحاب في انّ المبطل للوضوء هو جفاف الجميع أو انّ جفاف البعض كاف في البطلان و الأوّل هو الأظهر و عليه الأكثر و ذهب ابن الجنيد الى الثاني و اشترط بقاء البلل على كلّ الأعضاء إلى مسح الرّجلين إلّا لضرورة و قول الصّادق (عليه السَّلام) في أخر الحديث الثّاني فإن الوضوء لا يتبعّض ربّما يدلّ عليه و ذهب المرتضى و ابن إدريس إلى البطلان بجفاف العضو السّابق على ما هو فيه و الموالاة بهذا المعنى أعني مراعاة الجفاف لا خلاف في وجوبها في الجملة إنّما الخلاف بمعنى المتابعة فأوجبها الشّيخان و المرتضى في المصباح و أدلّتهم لا (يخلو) من ضعف كقولهم الأمر بالمسح في الآية للفور و الوضوء البياني وقع متابعا فوجب اتّباعه و لا ريب انّ القول بالوجوب أحوط و احتجّ له في المعتبر و المنتهى بما تضمّنته رواية الحلبيّ السّابقة في الفصل الخامس من قول (الصادق) (عليه السَّلام) اتبع وضوءك بعضه بعضا و فيه انّ (الظّ) من سياقها انّه (عليه السَّلام) أراد بالاتباع التّرتيب لا المتابعة كما مرّ و أنت خبير بأنه لو جعل قول الحلبيّ في أخر تلك الرّواية و قال (إلخ) رواية أخرى برأسها زالت دلالة السياق و تأكّد احتمال المتابعة لكنّه لا بحيث تنهض دليلا لبقاء الاحتمال الأخر ثمَّ (المش) عن القائلين بوجوب المتابعة عدم بطلان الوضوء الّا بالجفاف و انّه انّما يظهر أثرها في ترتّب الإثم و الشّيخ في المبسوط على البطلان و احتجّ في المعتبر و المنتهى بأنّه يتحقّق الامتثال مع الأخذ بها بغسل المغسول و مسح الممسوح فلا يكون قادحا في الصّحّة و فيه نظر (ظ) و لو استدل عليه بمفهوم الغاية المستفادة من الحديث الثّاني لكان وجها و طريق الاحتياط (ظ)

الفصل السّابع فيما ورد في وحدة الغسلات و تعدّدها

عشرة أحاديث (ا) من الصّحاح زرارة قال قال الباقر (عليه السَّلام) انّ اللّه وتر يحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلث غرفات واحدة للوجه و اثنتان للذّراعين الحديث و قد مرّ في الفصل الثّالث (ب) أبو عبيدة الحذّاء قال وضّأت أبا جعفر (عليه السَّلام) بجمع الى ان قال ثمَّ صببت عليه كفّا غسل به ذراعه الأيمن و كفّا غسل به ذراعه الأيسر الحديث (ج) حمّاد بن عثمان قال كنت قاعدا عند ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) فدعا بماء فملأ به كفّه ثمَّ عمّ به وجهه ثمَّ ملأ كفّه فعمّ به يده اليمنى ثمَّ ملأ كفّه فعمّ به اليسرى الحديث و قد مرّ مع الحديث الّذي قبله في الفصل الأوّل (د) زرارة و بكير ابنا أعين قالا سألنا أبا جعفر (عليه السَّلام) عن وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمَّ ساق صفة الوضوء الى ان قالا فقلنا أصلحك اللّه فالغرفة الواحدة تجزي للوجه و غرفة للذّراع فقال نعم إذا بالغت فيها و الثّنتان تأتيان على ذلك كلّه (ه) معاوية بن وهب عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سالته عن الوضوء قال مثنى مثنى (و) صفوان بن يحيى عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال الوضوء مثنى مثنى (ز) من الحسان ميسّر عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال الوضوء واحدة واحدة و قد مرّ في الفصل الرّابع (ح) داود بن زربيّ قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الوضوء فقال لي توضّأ ثلثا ثلثا قال لي ثمَّ قال لي الست تشهد بغداد و عساكرهم قلت بلى قال فكنت يوما أتوضّأ في دار المهدىّ فرآني و انا لا اعلم به فقال كذب من زعم أنّك فلاني و أنت تتوضّأ هذا الوضوء قال فقلت لهذا و اللّه أمرني (ط) من الموثّقات عبد الكريم قال سألت أبا عبد اللّه (ع)

24

عن الوضوء فقال ما كان وضوء علىّ (عليه السَّلام) الإمرة مرّة (ى) يونس بن يعقوب قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) الوضوء الّذي افترضه اللّه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال قال يغسل ذكره و يذهب الغائط ثمَّ يتوضّأ مرّتين مرّتين أقول فيما تضمّنه الحديث الأوّل من قوله (عليه السَّلام) انّ اللّه وتر يحبّ الوتر ثمَّ تفريع ما بعده عليه إيماء إلى رجحان وحدة الغسلات و في الحديث الثّاني و الثالث تأييد (ظ) لذلك فإنّه يتعبد من الإمامين (عليهما السَّلام) الإخلال بالسّنّة و الحديث السّابع صريح في رجحان الوحدة و يؤيّده ما رواه الصّدوق في الفقيه عن (الصادق) (عليه السَّلام) انّه قال و اللّه ما كان وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا مرة مرّة و ما رواه يونس بن عمّار عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) انّه قال الوضوء مرّة مرّة و ما رواه ابن ابى عمير عن بعض أصحابنا عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال الوضوء واحدة فرض و اثنتان لا يوجر و الثّالثة بدعة و يعضده الأخبار المستفيضة الواردة في صفة وضوء النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و صفة وضوء أئمّتنا (عليهم السَّلام) فانّ تلك الأخبار بأجمعها خالية عن تثنية الغسلات و سيّما حديث عبد الرّحمن بن كثير الهاشميّ المتلقى بالقبول بين الأصحاب فإنّه مع اشتماله على كثير من السّنن كالمضمضة و الاستنشاق خال عن التّثنية و لو تنزّلنا و قلنا بعدم دلالة الأحاديث المرويّة في صفة وضوء رسول اللّه (ص) على عدم استحباب تثنية الغسلات لانّ الغرض منه انّما كان بيان الفرض بناء على ما ينقل مرسلا من قوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعد فراغه هذا وضوء لا يقبل اللّه الصّلوة إلّا به فلا يمكن ان نقول بمثل ذلك في الأحاديث الواردة في صفة وضوء أئمتنا عليهم السّلم كحديث ابن كثير في وصف وضوء أمير المؤمنين (عليه السَّلام) و حدثني ابى عبيدة و حمّاد بن عثمان عن صفة وضوء الباقر و (الصادق) (عليهما السَّلام) و قال ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني (قدّس اللّه روحه) بعد إيراد حديث عبد الكريم هذا دليل على انّ الوضوء مرّة مرّة لأنّه (عليه السَّلام) كان إذا ورد عليه أمران كلاهما طاعة للّه أخذ بأحوطهما و أشدّهما على بدنه هذا كلامه زيد إكرامه و امّا ما تضمّنه (ظ) الحديث الخامس و السّادس من قوله (عليه السَّلام) الوضوء مثنى مثنى فهو دليل معظم علمائنا المتأخّرين رضى اللّه عنهم و قال الثّقة الجليل احمد بن محمّد بن ابى نصر البزنطيّ في نوادره و اعلم انّ المفضل في واحدة واحدة و من زاد على اثنتين لم يوجر و ظاهره رجحان الوحدة و طعن الصّدوق في اخبار المرّتين بانقطاع سندها و حملها على التّجديد و رده شيخنا الشّهيد في الذّكرى بأنّ الأخبار الّتي رويناها بالمرّتين في التّهذيب متّصلة صحيح الاسناد و الحمل على التّجديد خلاف (الظ) هذا و لا يخفى احتمال تلك الاخبار المعنى أخر طالما يختلج بالبال و هو ان يكون (عليه السَّلام) أراد بقوله الوضوء مثنى مثنى انّ الوضوء الّذي فرضه اللّه سبحانه انّما هو غسلتان و مسحتان لا كما يزعمه المخالفون من انّه ثلث غسلات و مسحة واحدة و قد اشتهر عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه انّه كان يقول الوضوء غسلتان و مسحتان نقله الشّيخ في التّهذيب و غيره و ممّا يؤيّد هذا الاحتمال ما تضمّنه الحديث العاشر اعنى حديث يونس بن يعقوب من قول (الصادق) (عليه السَّلام) في جواب السّؤال عن الوضوء الّذي افترضه اللّه على العباد يتوضّأ مرّتين مرّتين فانّ المراد بالمرّتين فيه الغسلتان و المسحتان لا تثنية الغسلات فإنّها ليست ممّا افترضه اللّه على العباد و أنت خبير بأنّه مع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال فيبقى الأخبار الدّالّة على رجحان الوحدة سالمة عن المعارض و لم يبق للقائلين باستحباب التّثنية إلّا الإجماع الّذي نقله ابن إدريس قال (رحمه الله) في السّرائر المرتان فضيلة بإجماع المسلمين ثمَّ قال و لا يلتفت الى خلاف من خالفه من أصحابنا بأنّه لا يجوز للمرّة الثانية لأنّه إذا تعيّن المخالف و

25

عرف اسمه و نسبه فلا يعتدّ بخلافه هذا كلامه (رحمه الله) و هذا الإجماع لم ينقل من علماؤنا الّذين وقفنا على كلامهم سواه فان ثبت فهو الحجّة و اللّه أعلم بحقائق الأمور و ما تضمّنه الحديث الرّابع من قول الباقر (عليه السَّلام) في جواب السّؤال عن اجزاء الغرفة الواحدة نعم إذا بالغت فيها معناه إذا بالغت في أخذ الماء بها بأن ملأتها منه بحيث لا تسع معه شيئا و يمكن ان يكون المعنى إذا بالغت في غسل العضو بها بإمرار اليد ليصل ماؤها الى كلّ اجزائه و قوله (عليه السَّلام) و الثنتان تأتيان على ذلك كلّه اى الغرفتان تكفيان في استيعاب العضو و لا يحتاج فيهما الى تلك المبالغة و في هذا الحديث دلالة على الاكتفاء في الغسل بما يشبه الدّهن و ما تضمّنه الحديث من قول (الصادق) (عليه السَّلام) لداود بن زربيّ بالزّاء المسكورة و الرّاء المهملة و الباء الموحّدة توضّأ ثلثا ثلثا صريح في التّقية كما يرشد إليه أخره و هل يستنبط منه تحريم الثّالثة حال الاختيار أو انّما يدلّ على عدم الأجر بها فقط كما يقوله الصّدوق في الثّانية كلّ محتمل و قد ذهب أكثر الأصحاب الى و هو (الظ) و ذهب بعضهم كابن ابى الجنيد و ابن ابى عقيل الى عدم ترتّب الثّواب عليها فقط دون التّحريم و هو (ظ) المفيد و على القول بالتّحريم فهل يبطل بها الوضوء كما جزم به أبو الصّلاح (الظّ) نعم ان اكتفى بالمسح بمائها لخروجه عن بلل الوضوء و قال في المعتبر بجواز المسح بمائها و هو كما ترى و يستنبط من قوله (عليه السَّلام) فرآني بعضهم و انا لا اعلم به انّه لا يشترط في العمل بالتّقيّة في بلاد أهل الخلاف العلم باطّلاعهم عليه و قوله انّك فلاني كناية عن قوله إنّك رافضي و التّعبير بالكناية امّا من ذلك الرّجل أو من الامام (عليه السَّلام) و لهذا الحديث محمل أخر و هو ان يكون مراده (عليه السَّلام) بقوله توضّأ ثلثا ثلثا تثليث الغسلات بتثليث الأعضاء المغسولة و يكون الأمر بالتّقيّة في غسل الرّجلين كما ورد مثله من أمر الكاظم (عليه السَّلام) علىّ بن يقطين بغسله الرّجلين تقيّة للرّشيد و القصّة مشهورة أوردها المفيد في الإرشاد و غيره و يؤيّد هذا الحمل انّ هذا هو الفعل الّذي اشتهر بين العامّة انّه الفصل المميّز بينهم و بين الخاصّة و امّا قولنا بوحدة الغسلات و تثنيتها و كون الزّائد على ذلك بدعة عندنا (فالظ) انّه لم يشتهر بينهم و لم يصل الى حدّ يكون دليلا على مذهب فاعله حتّى يحتاج إلى التّقيّة فيه على انّ الغسلة الثّالثة ليست عندهم واجبة و هم ربّما يتركونها و يمكن ان يستنبط من قوله (عليه السَّلام) في الحديث العاشر يغسل ذكره و يذهب الغائط تعيين الماء في الاستنجاء من البول و عدم تعيينه في الاستنجاء من الغائط و لا يبعد ان يستفاد منه كون الاستنجاء من مقدّمات الوضوء و معدودا من أفعاله كما قاله بعض الأصحاب

الفصل الثّامن في نبذة من الأحكام المتعلّقة بالوضوء و شرذمة من مستحباته

اثنا عشر حديثا (ا) من الصّحاح زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) في الوضوء قال إذا مسّ جلدك الماء فحسبك (ب) زرارة و محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال انّما الوضوء حدّ من حدود اللّه ليعلم من يطيعه و من يعصيه و انّ المؤمن لا ينجّسه شيء إنّما يكفيه مثل الدّهن (ج) علىّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السَّلام) قال سالته عن المرأة عليها السّوار و الدّملج في بعض ذراعها لا يجر الماء تحتها أم لا كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت قال تحرّكه حتّى يدخل الماء تحته أو تنزعه (د) عبد الرّحمن بن الحجّاج قال سألت أبا إبراهيم (عليه السَّلام) عن الكسير يكون عليه الجبائر أو يكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء و غسل الجنابة و غسل الجمعة قال يغسل ما وصل اليه الغسل ممّا ظهر مما ليس عليه الجبائر و يدع ما سوى ذلك ممّا لا يستطيع غسله و لا ينزع الجبائر و لا يعبث بجراحته (ه) عمر بن يزيد قال ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرّجل يخضب رأسه بالحنّاء ثمَّ

26

يبدو له في الوضوء قال يمسح فوق الحنّاء و الحلبيّ عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) انّه سئل كم يفرغ الرّجل على يده اليمنى قبل ان يدخلها في الإناء قال واحدة من حدث البول و اثنتان من الغائط و ثلث من الجنابة (ز) زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال إذا وضعت يدك في الماء فقل بسم اللّه و باللّه اللّهمّ اجعلني من التّوّابين و اجعلني من المتطهّرين و إذا فرغت فقل الحمد للّه ربّ العالمين (ح) زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتوضّأ بمد و يغتسل بصاع و المد رطل و نصف و الصّاع ستّة أرطال (ط) زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال كنت قاعدا على وضوءك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انّك لم تغسله أو تمسحه ممّا سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال أخرى في الصّلوة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه عليك وضوءه فلا شيء عليك (ى) بكير بن أعين قال قلت له الرّجل يشكّ بعد ما يتوضأ قال هو حين يتوضّأ اذكر منه حين يشكّ يا عبد اللّه بن سنان قال ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصّلوة و قلت هو رجل عاقل فقال أبو عبد اللّه (عليه السَّلام) و اىّ عقل له و هو يطيع الشّيطان فقلت له و كيف يطيع الشّيطان فقال سله هذا الّذي يأتيه من أيّ شيء هو فإنه يقول لك من عمل الشّيطان (يب) من الحسان الحلبيّ عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) انّه سئل عن الرّجل يكون به القرحة في ذراعه و نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة و يتوضّأ و يمسح عليها إذا توضّأ فقال ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة و ان كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثمَّ ليغسلها قال و سالته عن الجرح كيف يصنع به في غسله فقال اغسل ما حوله أقول المراد من الحديثين الأوّلين جواز الاكتفاء بأقلّ مراتب الغسل اعنى ادنى ما يحصل به جريان الماء على العضو و لو باستعانة اليد مثلا على ما يظهر من حديث زرارة في حكاية الوضوء البياني حيث قال و أمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه و الّا فمجرّد الإمساس و الدّهن من دون حصول أقلّ مراتب الجريان العرفي غير كاف لعدم تسميته في العرف غسلا و ما تضمّنه رواية محمّد بن مسلم من قول الباقر (عليه السَّلام) يأخذ أحدكم الرّاحة من الدّهن فيملأ بها جسده و الماء أوسع من ذلك معلوم انّه ورد على سبيل المبالغة مع انّ الرّواية ضعيفة و لو عمل بظاهرها لم يبق فرق بين الغسل و المسح و لفظة جلدك في الحديث الأوّل امّا مرفوعة بالفاعليّة أو منصوبة بالمفعولية على التجوّز و لعلّ المراد ممّا تضمّنه الحديث الثّاني من انّ المؤمن لا ينجّسه شيء انّ أعضاؤه لا يتنجس بشيء من الاحداث نجاسة خبيثة حتّى يحتاج في إزالتها إلى صبّ ماء زائد على ما يشبه الدّهن كما هو الواقع في أغلب النّجاسات الخبيثة و السّوار بكسر السّين و الدّملج بالدّال المهملة و اللّام المضمومتين و أخره جيم شيء كالحلقة يتّخذ من الفلزّات و غيرها تلبسه النّساء في سواعدهنّ و ربّما يفرّق بينهما بان الدّملج حلقة تامّة بخلاف السّوار و الكسير في الحديث الرّابع فعيل بمعنى المفعول و الجبيرة الخرقة مع العيدان الّتي تشدّ على العظام المكسورة و الفقهاء يطلقونها على ما يشدّ به القروح و الجروح (أيضا) و يساوون بينهما في الاحكام و الغسل بكسر الغين في قوله (عليه السَّلام) يغسل ما وصل اليه الغسل الماء الّذي يغتسل به و ربّما جاء فيه الضّمّ (أيضا) و قوله (عليه السَّلام) و يدع ما سوى ذلك ممّا لا يستطيع غسله ربّما يعطى بظاهره عدم وجوب المسح على الجبيرة و المعروف بين فقهائنا (رضوان الله عليهم) وجوب المسح عليها كما يدلّ عليه الحديث الثّاني عشر و هل يجب استيعابها بالمسح (الظ) ذلك لوجوب استيعاب الأصل و

27

ان كان قوله (عليه السَّلام) في ذلك الحديث و يمسح عليها ليس نصّا في الاستيعاب بل هو من قبيل ما مرّ في الفصل الثّالث من قوله (عليه السَّلام) يمسح على مقدّم رأسه و قال الشّيخ في المبسوط انّ الاستيعاب أحوط و لعلّه (ره) لاحظ هذا و ما تضمّنه الحديث الخامس من قوله (عليه السَّلام) يمسح فوق الحناء محمول على الضّرورة و يمكن حمله على انّ المخضوب من رأسه انّما كان أسفل المقدّم أو على انّ الخضاب كان بماء الحنّاء كما (يق) لما صبغ بماء الحناء و الزّعفران صبغ بهما و هو غير حاجب عن المسح لكن على هذا الحمل يبقى الاشكال من جهة أخرى هي انّ (الظ) خروج بلل المسح (ح) عن الإطلاق و هاهنا محمل رابع و هو ان يكون السّائل أراد بقوله يخضب رأسه بالحنّاء انّه يلوّنه به فانّ خضب بمعنى لوّن كما في القاموس و غيره فكأنّه يسأل أنّ لون الحناء هل هو مانع من وصول الماء الى الممسوح أم لا و يكون المراد من قوله (عليه السَّلام) يمسح فوق الحناء انّه غير مانع و يستأنس لهذا الحمل بتعليل المفيد (قدّس اللّه روحه) كراهة الاختضاب للجنب كما تضمّنه بعض الاخبار بانّ اللّون يمنع وصول الماء إلى البشرة و قول المحقّق في المعتبر لعلّه نظر الى انّ اللّون عرض و هو لا ينتقل فيلزم حصول اجزاء من الحنّاء في محلّ المنع للّون ليكون وجود اللّون بوجودها لكنّها خفيفة لا تمنع الماء منعا تامّا فكراهته لذلك و ما تضمّنه الحديث السّادس من غسل الرّجل اليد قبل إدخالها الإناء يظهر منه انّ ذلك مقصور على الطّهارة من الاحداث الثّلثة المذكورة لا من الرّيح و نحوه مثلا و انّ ذلك مشروط بما إذا كان الوضوء أو الغسل من إناء واسع الرّأس يمكن الاعتراف منه فلو تطهّر من إبريق مثلا لم يستحبّ ذلك و كذا لو تطهّر من نهر مثلا أو من كرّ حملا للإناء على المتعارف و بعض الأصحاب مال الى التّعميم و لا بأس به و (الظّ) انّ المراد بالرّجل في الأحاديث الواردة في هذا الباب كرواية حريز عن الباقر (عليه السَّلام) و رواية عبد الكريم عن (الصادق) (عليه السَّلام) و غيرهما هو مطلق الشخص فعمّ الحكم النّساء (أيضا) إذ (الظّ) انّه لا خصوصيّة للرّجال بذلك و المراد من اليد في البول و الغائط من مفصل الزّند و في الجنابة من المرفق و ما تضمّنه الحديث الثّامن من الوضوء بمدّ و الغسل بصاع ممّا انعقد إجماعنا على استحبابه و لعلّ المراد بالرّطل الرّطل المدنيّ فإنّه رطل بلده (عليه السَّلام) و اعلم انّ شيخنا الشّهيد في الذّكرى على انّ ماء الوضوء لا يكاد يبلغ المدّ و قال بإمكان حساب ماء الاستنجاء فيه و استدلّ على ذلك بما يظهر من رواية ابن كثير عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) و رواية الحذّاء عن الباقر (عليه السَّلام) و قد تقدّم الكلام في رواية الحذّاء و ظنّي انّ كلامه هذا انّما يتمشى على القول بعدم استحباب الغسلة الثّانية و عدم كون المضمضة و الاستنشاق من أفعال الوضوء الكامل و اما على القول بذلك كما هو مختاره (قدّس اللّه روحه) فلا فانّ المدّ على ما اعتبرناه لا يزيد على ربع المن التّبريزيّ المتعارف في زماننا هذا بشيء يعتد به و هذا المقدار إنّما يفي بأصل الوضوء المسيغ و لا يفضل عنه شيء للاستنجاء فانّ ماء غسل اليدين كفّ أو كفّان و ماء كلّ من المضمضة و الاستنشاق و الغسلات الواجبة و المندوبة ثلث أكفّ فهذه ثلثة عشرة أو أربع عشرة كفّا و هذا ان اكتفى في غسل كل عضو بكفّ واحدة و الّا زادت على ذلك فان ما يفضل للاستنجاء و (أيضا) ففي كلامه طاب ثراه بحث أخر و هو انّه ان أراد بماء الاستنجاء الّذي حسبه من ماء الوضوء ماء الاستنجاء من البول وحده فهو شيء قليل حتّى قدّر بمثلي ما على الحشفة و هو لا يؤثّر في الزّيادة و النّقصان أثرا محسوسا و ان أراد ماء الاستنجاء من الغائط أو منهما معا لم يتمّ استدلاله بالرّوايتين المذكورتين إذ ليس في شيء منهما دلالة على ذلك بل في رواية الحذّاء ما يشعر بانّ الاستنجاء كان من البول وحده فلا تغفل و ما تضمّنه الحديث التّاسع و العاشر هو مستند

28

الأصحاب في انّ من شكّ في فعل من أفعال الوضوء فان كان قبل انصرافه اتى به و بما بعده و ان كان بعد انصرافه لم يلتفت و هل يجرى هذا الحكم في كثير الشّك (أيضا) أمر لا يلتفت (مط) إطلاق الحديث العاشر يقتضي الأوّل لكنّ الثّاني هو الأظهر وفاقا لبعض الأصحاب و نظرا الى (ظ) ما يقتضيه الحديث الحادي عشر و هو منقول من كتاب العقل من الكافي فإنّ (الظّ) انّ مراد ابن سنان بقوله مبتلى بالوضوء و الصّلوة أنّه مبتلى فيهما بكثرة الشّكّ لا بالوسواس في صحّة النّيّة و بطلانها فانّ هذا أمر مستحدث وقع فيه بعض المتأخّرين و ليس منه في كلام القدماء عين و لا اثر و ممّا يدلّ على عدم التفات كثير الشّكّ (مط) ما تضمّنه صحيحة زرارة و ابى بصير الّتي ستسمع الكلام فيهما في بحث الشّكّ في الصّلوة (إن شاء الله تعالى) فيمن كثر شكّه في الصّلوة حيث قال عليه السّلم يمضي في شكّه ثمَّ قال لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصّلوة فتطمعوه فانّ الشّيطان خبيث معتاد لما عوّد و الحديث و ان كان في الشّكّ في الصّلوة لكنّ العمل به في الشّكّ في الوضوء من قبيل تعدية الحكم في المنصوص العلّة و اللّه سبحانه اعلم

الفصل التّاسع في الاحداث النّاقضة للوضوء

ثمانية احاديث (ا) من الصّحاح زرارة قال قلت لأبي جعفر و ابى عبد اللّه (عليهما السَّلام) ما ينقض الوضوء فقالا ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الدبر و الذّكر غائط أو بول أو منىّ أو ريح و النّوم حتّى يذهب العقل و كلّ النّوم يكره الّا ان تكون تسمع الصّوت (ب) معاوية بن عمّار قال قال أبو عبد اللّه (عليه السَّلام) انّ الشّيطان ينفخ في دبر الإنسان حتّى يخيّل إليه انّه خرج منه ريح فلا ينقض وضوؤه إلّا ريح يسمعها أو يجد ريحها (ج) زرارة عن أحدهما (عليهما السَّلام) قال لا ينقض الوضوء الّا ما خرج من طرفيك و النّوم (د) إسحاق بن عبد اللّه الأشعريّ عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال لا ينقض الوضوء الّا حدث و النّوم حدث (ه) محمّد بن عبيد اللّه أو عبد اللّه بن المغيرة قالا سألنا الرّضا (عليه السَّلام) عن الرّجل ينام على دابّته قال إذا ذهب النّوم بالعقل فليعد الوضوء و زرارة عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال لا يوجب الوضوء إلّا غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها (ز) معمّر بن خلّاد قال سألت أبا الحسن (عليه السَّلام) عن الرّجل به علّة لا يقدر على الاضطجاع و الوضوء يشتدّ عليه و هو قاعد مستند بالوسائد فربّما أغفى و هو قاعد على تلك الحال قال يتوضّأ قلت له انّ الوضوء يشتد عليه قال إذا خفي عنه الصوت فقد وجب عليه الوضوء (ح) من الحسان عبد الحميد بن غوّاص عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سمعته يقول من نام و هو راكع أو ساجد أو ماش على اىّ الحالات فعليه الوضوء أقول ما تضمّنه الحديث الأوّل من قوله (عليه السَّلام) و كلّ النّوم يكره إلخ معناه انّ كلّ نوم يفسد الوضوء الّا نوما يسمع معه الصّوت فعبّر (عليه السَّلام) عن الإفساد بالكراهة و هذه الجملة بمنزلة المبيّنة لما قبلها فكأنّه (عليه السَّلام) بيّن انّ النوم الّذي يذهب به العقل علامته عدم سماع الصّوت و انّما خالف (عليه السَّلام) بين المتعاطفات الأربعة و بين الخامس في التّعريف و أسلوب العطف لاندراج الأربعة جميعا تحت الموصول الواقعة بدلا عنه و كون كلّ منها قسما منه و امّا الخامس فمعطوف عليه و قسيم له و تخصيصه (عليه السَّلام) ما يخرج من السّبيلين بهذه الأربعة يدل على عدم النّقض بخروج الدود و الدّم و الحقنة و أمثالها و امّا الدّماء الثّلثة فلعلّه (عليه السَّلام) انّما لم يذكرها لانّ الكلام فيما يخرج من طرفي الرّجل و قد أجمع علماؤنا (رضوان الله عليهم) على انتقاض الوضوء بهذه الأشياء الّتي تضمّنها هذا الحديث و ما يستفاد من كلام الصدوقين طاب ثراهما من كون النّوم بنفسه غير ناقض لا يقدح في الإجماع و الرّوايات متضافرة بالتّسوية بينه و بين البواقي في النّقض و ربّما يلوح من قوله (عليه السَّلام) و النّوم حتّى يذهب العقل حيث

29

علّق نقض النّوم بذهاب العقل انّ كلّما يذهب العقل من سكر أو جنون أو إغماء فهو ناقض للوضوء و ان كان للكلام في دلالة الحديث على ذلك مجال و لم اطّلع في ذلك بخصوصه على نصّ و لكن نقل أصحابنا الإجماع عليه و استدلّ عليه الشّيخ بما تضمّنه الحديث الخامس و سيجيء الكلام فيه ثمَّ المستفاد من (ظ) هذا الحديث تخصيص الغائط النّاقض بما خرج من المخرج الطّبيعي و الحق الأصحاب ما خرج من جرح و نحوه إذا صار معتادا بحسب العرف أو انسدّ الطّبيعيّ و هو حسن و قال الشّيخ ان خرج من تحت المعدة نقض و ان خرج من فوقها لم ينقض لانّه لا يسمّى (ح) غائطا بل هو أشبه بالقيء و غرضه (ره) انّه انّما يسمّى غائطا بعد انحداره من المعدة إلى الأمعاء و خلعه الصّورة النّوعيّة الكيلوسيّة الّتي كان عليها في المعدة و امّا قبل الانحدار عن المعدة فليس بغائط و انّما هو من قبيل القيء و ليس مراده وقوع المخرج فيما سفل عن المعدة أو فيما علاها إذ لا عبرة بتحتيّة نفس المخرج و فوقيّته بل بخروج الخارج بعد انحداره عن المعدة و صيرورته تحتها و الأمر فيه سهل و بهذا يظهر انّ حكم متأخّري علمائنا (رضوان الله عليهم) كالمحقّق في المعتبر يضعف هذا التّفصيل استنادا الى انّ الغائط اسم للمطمئنّ من الأرض و نقل الى الفضلة المخصوصة فعند هضم المعدة الطّعام و انتزاع الاجزاء الغذائيّة منه يبقى الثّقل فكيف خرج تناوله اسم الغائط إذ تسميته الثّقل قبل انحداره عن المعدة غائطا غير مسلّم بل إنّما يسمّى غائطا و عذرة بعد انحداره الى الأمعاء كما قلنا و الأصل براءة ذمّة المكلّف من الطّهارة حتّى يعلم أو يظنّ خروج ما جعل (الش) خروجه سببا لها و اللّه اعلم و في حصر النّاقض في الحديث الثّالث فيما يخرج من الطّرفين و النّوم ردّ لما ذهب اليه بعض العامّة من النّقض بالرّعاف و القيء و أمثالهما على ما سيجيء ذكره مفصّلا و لا يرد النّقض بالجنون و السّكر و الاغماء لأن في ذكر النّوم تبنيها على النقض بها و ما تضمّنه الحديث الرّابع من قوله عليه السّلم لا ينقض الوضوء الّا حدث و النّوم حدث يدلّ على انّ النّوم حدث برأسه و صورته بحسب (الظّ) صورة قياس من الشّكل الثاني و لا يخفى اشتمال صغراه على عقدي إيجاب و سلب لكن عقد الإيجاب يوجب عقمه لاشتراط اختلاف مقدّمته كيفا و لا سبيل الى عقد السّلب لعدم تكرر الوسط (ح) فلا سبيل الى جعله من الشّكل الثّاني فامّا ان يجعل الحدث في الصّغرى بمعنى كلّ حدث كما قالوه في قوله (تعالى) عَلِمَتْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ من انّ المراد كلّ نفس فيصير في قوّة قولنا كلّ حدث ناقض و يئول الى الشّكل الرّابع فينتج بعض النّاقض نوم و امّا ان تجعل الصّغرى كبرى و بالعكس فيكون من الشّكل الأوّل و امّا ان يستدلّ على استلزامه (للمط) و ان لم يكن مستجمعا لشرائط القياس كما قالوه في نحو قولنا زيد مقتول بالسّيف و السّيف إله حديديّة فإنّه لا شكّ في إنتاجه زيد مقتول بآلة حديدية مع عدم جريانه على وتيرة شيء من الإشكال الأربعة و كما في قولنا زيدا بن عمرو و عمرو ليس في البلد و قال العلّامة في المنتهى في وجه الاستدلال بهذا الحديث انّ كلّ واحد من أنواع الحدث اشترك مع غيره منها في معنى الحديث و امتاز عنه بخصوصيّة و ما به الاشتراك غير ما به الامتياز و غير داخل فيه فماهيّته الحدث من حيث هي مغايرة لتلك الخصوصيّات و الامام (عليه السَّلام) حكم باستناد النّقض الى الحدث الّذي هو المشترك فلا يكون لقيد الخصوصيّات مدخل في ذلك التّأثير و حكم بانّ تلك الماهيّة الّتي هي علّة موجودة في النّوم و العقل قاض بانّ المعلول لا يتخلّف عن علّته فلا جرم كان النّوم ناقضا انتهى كلامه زيد إكرامه و قد أورد مثل هذا الكلام في (المخ أيضا) و ما تضمّنه الحديث الخامس

30

من تعليق النّوم على ذهاب العقل ربّما دلّ على النّقض بكلّ ما أزال العقل كما مرّ و حصر موجب الوضوء في الحديث السّادس في الغائط و البول و الرّيح ليس حصر المطلق الموجب بل للموجب الخارج من السّبيلين فلا يرد النّقض بالنّوم و امّا المني فهو ناقض لا موجب و عدم ذكر الدّماء الثّلثة لعلّ وجهه ما ذكرناه في الحديث الأوّل و قول الرّاوي في الحديث السّابع و الوضوء يشتدّ عليه أراد به انّه يصعب عليه صعوبة قليلة لا تؤدى الى جواز التّيمّم و الّا لسوّغه (عليه السَّلام) و انّما ذكر الرّاوي تعسّر الوضوء عليه و أردفه بقوله و هو قاعد رجاء في ان يرخّص (عليه السَّلام) له في ترك مطلق الطّهارة و طمعا في ان يكون النّوم حال القعود و تمكّن المقعد من الأرض غير ناقض للطّهارة كما ذهب اليه بعضهم و خصوصا إذا كانت الطّهارة متعسّرة و ما تضمّنه أخر الحديث من قوله (عليه السَّلام) إذا خفي عنه الصّوت فقد وجب عليه الوضوء ممّا استدلّ به الشّيخ في (يب) على النّقض بالإغماء و المرّة و تبعه المحقّق في المعتبر و العلّامة في المنتهى و شيخنا الشّهيد في الذّكرى لكنّ العلّامة جعل المدّعى النقض بكلّ ما أزال العقل من إغماء أو جنون أو سكر و تبعه شيخنا الشّهيد قدّهما و لا يخفى انّه على تقدير تعميم المدّعى يصير الدّليل أخصّ من الدّعوى إذ ربّما زال العقل بجنون أو سكر من غير خلل في القوّة السّامعة ثمَّ في أصل الاستدلال بهذا الحديث كلام أورده المحقّق في المعتبر حاصله انّ قول الرّاوي فربّما أغفى بمعنى نام فقوله (عليه السَّلام) إذا خفي عنه الصّوت فقد وجب عليه الوضوء في قوّة قوله (عليه السَّلام) إذا خفي عنه الصّوت في حال اغفائه فقد وجب عليه الوضوء و أجاب عن ذلك بانّ كلامه (عليه السَّلام) مطلق فلا يتقيّد بالمقدّمة الخاصّة و فيه انّ المحدّث عنه هو ذلك الرّجل الّذي أغفى و هو قاعد (فت) و اللّام فيما تضمّنه الحديث الثّامن من قوله (عليه السَّلام) على اىّ الحالات يمكن ان يكون للعهد الذّكرىّ اى على اىّ حالة من الحالات الثّلثة المذكورة أعني الرّكوع و السّجود و المشي فلا يستفاد منه انّ نوم النّائم المتمكن مقعده من الأرض ناقض و بل يستفاد ذلك من الأحاديث الأخر و يمكن ان يجعل للاستغراق فيدلّ على ان مطلق النّوم ناقض و لعلّ الحمل على الثّاني أولى ترجيحا للتّأسيس على التّأكيد و اللّه اعلم

الفصل العاشر و فيما ظنّ انّه ناقض و ليس بناقض

احد عشر حديثا (ا) من الصّحاح زيد الشّحّام قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) المذي ينقض الوضوء قال لا (ب) ابن ابى عمير عن غير واحد من أصحابه عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال ليس في المذي من الشّهوة و لا من الإنعاظ و لا من القبلة و لا من مسّ الفرج و لا من المضاجعة وضوء (ج) زرارة و محمّد بن مسلم و زيد الشّحّام عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) انّه لو قال لو سال من ذكرك شيء من مذي أو ودى فلا تغسله و لا تقطع له الصّلوة و لا تنقض له الوضوء انّما ذلك بمنزلة النّخامة (د) محمّد بن إسماعيل عن ابى الحسن (عليه السَّلام) قال سالته عن المذي فأمرني بالوضوء منه ثمَّ أعدت عليه سنة أخرى فأمرني بالوضوء منه و قال لي انّ عليّا (عليه السَّلام) أمر المقداد أن يسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أستحيي أن يسأله فقال فيه الوضوء قلت فان لم أتوضّأ قال لا بأس به (ه) يعقوب بن يقطين قال سألت أبا الحسن (عليه السَّلام) عن الرجل يمذي و هو في الصّلوة من شهوة أو من غير شهوة قال المذي منه الوضوء (و) على بن يقطين قال سألت أبا الحسن (عليه السَّلام) عن المذي أ ينقض الوضوء قال ان كان عن شهوة نقض (ز) إبراهيم بن ابى محمود قال سالت الرّضا عليه السلم عن القيء و الرّعاف و المدّة أ تنقض الوضوء أم لا قال لا ينقض شيئا (ح) زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال ليس في القبلة و لا مسّ الفرج و لا الملامسة وضوء (ط) من الحسان زيد الشّحّام قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام)

31

هل ينقض الوضوء قال لا (ى) زرارة عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال القهقهة لا تنقض الوضوء و تنقض الصّلوة (يا) من الموثقات إسحاق بن عمّار عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سالته عن المذي فقال انّ عليّا (عليه السَّلام) كان مذاء فاستحى أن يسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمكان فاطمة (عليها السَّلام) فأمر المقداد أن يسأله و هو جالس فسأله فقال له ليس بشيء أقول المذي بالذّال المعجمة الساكنة ماء يخرج عند الملاعبة و التّقبيل و الودي بالدّال المهملة السّاكنة ماء ثخين يخرج عقيب البول و لا خلاف بين علمائنا (رضوان الله عليهم) في عدم نقض المذي المجرد عن الشّهوة كما لا خلاف بينهم في عدم نقض الودي (مط) و ذهب ابن الجنيد الى انّ المذي الخارج عقيب الشّهوة ناقض و الحديث السّادس نص فيه غير انّه معارض بالحديث الثّاني ان جعلنا مراسيل ابن ابى عمير صالحة لمعارضة المسانيد و سيّما إذا كانت الواسطة بينه و بين الامام (عليه السَّلام) أكثر من واحد و امّا الأحاديث الأخر فلا تصلح لمعارضته لكونها مطلقة فتحمل على المقيّد و قوله (عليه السَّلام) في الحديث الثّاني و لا من الإنعاظ إمّا معطوف على قوله من الشّهوة أو على قوله في المذي و على الأوّل يكون الكلام مقصورا على ذكر عدم النّقض بالمذي وحده سواء كان من الشّهوة أو من الإنعاظ أو ما عطف عليه و على الثّاني يكون الغرض عدم النّقض بشيء من الأمور الخمسة و بهذا يظهر عدم صلاحيّته للاستدلال على عدم النّقض بمسّ الفرج فاستدلال العلامة به في (المخ) و غيره على ذلك محلّ كلام و الضّمير في قوله (عليه السَّلام) في أخر الحديث الرّابع لا بأس به امّا ان يعود الى عدم الوضوء المدلول عليه بقول الرّاوي فان لم أتوضّأ أو الى المذي المذكور في صدر الحديث و امّا عوده الى الوضوء المدلول عليه بقول الرّاوي فان لم أتوضّأ أو المذكور في قول الامام (عليه السَّلام) فيه الوضوء على ان لا يكون الحديث متضمّنا لتحريم ترك الوضوء فلا (يج) من بعد و قد روى الشّيخ هذا الحديث عن محمّد بن إسماعيل (أيضا) بطريق أخر من دون ضميمة قوله قلت فان لم أتوضّأ إلخ هكذا قال سالت الرّضا (عليه السَّلام) عن المذي فأمرني بالوضوء منه ثمَّ أعدت عليه في سنة أخرى فأمرني بالوضوء و قال انّ عليّا (عليه السَّلام) أمر المقداد بن الأسود ان يسأل النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أستحيي أن يسأله فقال فيه الوضوء قال العلّامة في المنتهى لا شكّ انّ الرّاوي إذا روى الحديث تارة مع زيادة و تارة بدونها عمل على تلك الزّيادة إذا لم تكن مغيّرة و يكون بمنزلة الرّوايتين ثمَّ قال لا يقال الزّيادة هنا مغيرة لأنّها تدلّ على الاستحباب مع انّ الخبر خال عنها يدلّ على الوجوب لأنّا نقول هذا ليس بتغيير بل هو تفسير لما دلّ عليه لفظ الأمر لأنّه لو كان تغيرا لكان الخبر المشتمل على الزّيادة متناقضا انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه و هو كلام حسن و لا يذهب عليك انّه يمكن ان يستنبط من (ظ) هذا الحديث عدم وجوب التعرّض في نيّة الوضوء للوجوب و انّ مطلق القربة كاف بيان ذلك انّ وجوب الوضوء هو المستفاد من (ظ) امره (عليه السَّلام) لمحمّد بن إسماعيل في السّنة الأولى إذ الأمر للوجوب و قوله (عليه السَّلام) في السّنة الثّانية لا بأس به كاشف عن انّ ذلك الأمر انّما كان للاستحباب فلو كان قصد الوجوب في نيّة الوضوء واجبا للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة و ما تضمّنه الحديث الخامس من قوله (عليه السَّلام) المذي منه الوضوء قال الشّيخ انّه محمول على التّعجّب لا الاخبار فكأنّه من شهرته و ظهوره في ترك الوضوء منه قال هذا شيء يتوضّأ منه هذا كلامه و هو كما ترى و قال العلّامة في المنتهى يمكن حمله على الاستحباب و أنت خبير بانّ كون السّؤال عن المذي في الصّلوة يوجب ضعف الحمل على ذلك و لو حمل على التّقيّة لكان أولى فإنّ العامّة مطبقون على النّقض بالمذي و ما تضمّنه الحديث

32

السّابع من عدم نقض القيء و الرّعاف و المدّة موضع وفاق عندنا و المخالف فيه بعض العامة و الأحاديث الواردة في خلاف ذلك محمولة على التّقيّة و الاستحباب و المدّة بالكسر و التّشديد ما يجتمع في الجروح من القيح و ما تضمّنه الحديث الثامن من عدم النّقض بالقبلة لا خلاف فيه بين أصحابنا الا من ابن الجنيد و ما تضمّنه من عدم النّقض بالقبلة لا خلاف فيه بين أصحابنا خالف هو و ابن بابويه فيه و الرّوايات بما يوافقهما ضعيفة و ربّما حملت على الاستحباب و ما تضمّنه الحديث العاشر من عدم النقض بالقهقهة هو المعروف بين علمائنا و قال ابن الجنيد من قهقهة في صلوته متعمّد النظر أو سماع ما أضحكه قطع صلوته و أعاد الوضوء و احتج برواية سماعة و هي ضعيفة لا تنهض بمعارضة الأخبار الصحيحة و اللّه أعلم بحقائق الأمور

الفصل الحادي عشر في آداب الخلوة

ستّة عشر حديثا (ا) من الصّحاح معاوية بن عمّار قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) يقول إذا دخلت المخرج فقل بسم اللّه اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبيث المخبث الرّجس النّجس الشّيطان الرّجيم فاذا خرجت فقل الحمد للّه الّذي عافاني من الخبيث المخبث و أماط عنّي الأذى (ب) عاصم بن حميد عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال قال رجل لعلىّ بن الحسين (عليهما السَّلام) أين يتوضّأ الغرباء قال تتّقي شطوط الأنهار و الطّرق النّافذة و تحت الأشجار المثمرة و مواضع اللّعن قال أبواب الدّور (ج) محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن ابى الحسن الرّضا (عليه السَّلام) انّه سمعه يقول من بال حذاء القبلة ثمَّ ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة و تعظيما لها لم يقم من مقعده ذلك حتّى يغفر له (د) عمر بن يزيد قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن التّسبيح في المخرج و قراءة القران قال لم يرخّص في الكنيف في أكثر من أية الكرسيّ و حمد اللّه أو أية (ه) محمّد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) انّه قال يا محمّد لا تدع ذكر اللّه على كلّ حال و لو سمعت المنادي ينادي بالأذان و أنت على الخلاء فاذكر اللّه عزّ و جلّ و قل كما يقول (و) داود بن فرقد عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض و قد وسّع اللّه عليكم بأوسع من السّماء و الأرض و جعل لكم الماء طهورا فانظروا كيف تكونون (ز) زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال لا صلاة الّا بطهور و يجزيك من الاستنجاء ثلثة أحجار بذلك جرت السّنّة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و امّا البول فلا بدّ من غسله (ح) جميل بن درّاج عن ابى عبد اللّه عليه السّلم قال إذا انقطعت درّة البول فصبّ عليه الماء (ط) حفص بن البختريّ عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) في الرّجل يبول قال ينتره ثلاثا ثمَّ ان سال حتّى يبلغ السّاق فلا يبالي (ى) زرارة قال سمعت أبا جعفر (عليه السَّلام) يقول كان الحسين (عليه السَّلام) يتمسّح من الغائط بالكرسف و لا يغسل يا عبد اللّه بن ميمون القدّاح عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) عن آبائه عن علىّ (عليهم السَّلام) انّه كان إذا خرج من الخلاء قال الحمد للّه الّذي رزقني لذّته و ابقى قوّته في جسدي و اخرج عنّى أذاه يا لها نعمة ثلثا (يب) من الحسان عبد اللّه بن مسكان عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أشدّ النّاس توقّيا عن البول كان إذا أراد البول تعمّد الى مكان من الأرض أو الى مكان من الأمكنة يكون فيه التّراب الكثير كراهيّة ان ينضح عليه البول (يخ) عبد اللّه بن المغيرة عن ابى الحسن عليه السّلم قال قلت له للاستنجاء حدّ قال لا حتى ينقى ماثمه قلت انّه ينقى ماثمه و يبقى الرّيح قال الرّيح لا ينظر إليها (يد) محمّد بن مسلم قال قلت لأبي جعفر (عليه السَّلام) رجل بال و لم يكن معه ماء قال يعصر أصل ذكره الى طرفه ثلث عصرات و ينتر طرفه فان خرج بعد ذلك شيء فليس من البول و لكنّه من الحبائل (يه) من الموثّقات يونس بن يعقوب قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) الوضوء الّذي قد افترضه اللّه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال قال يغسل ذكره و يذهب الغائط ثمَّ يتوضّأ مرّتين مرّتين و قد مرّ هذا الحديث

33

في الفصل السّابع (يو) عمّار السّاباطي عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سالته عن الرّجل أراد ان يستنجي بأيّما يبدأ بالمقعد أو بالإحليل فقال بالمقعد ثمَّ بالإحليل أقول ما تضمنه الحديث الأوّل من تقديم البسملة على الاستعاذة مع انّ الحال في قراءة القران بالعكس ربّما يعلّل بانّ التّعوذ هناك للشّروع في القراءة كما دلّ عليه الأمر في الآية الكريمة و البسملة من القران فقدّم التعوّذ عليها و امّا ما نحن فيه فهو أمر مقصود و لم يرد فيه الابتداء بالاستعاذة فيندرج في سائر ما يبدأ فيه بالبسملة امتثالا لحديث كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم اللّه فهو أبتر و الرّجس القذر و النّجس امّا بكسر الجيم أو فتحها و يجوز كسر النّون و إسكان الجيم لمزاوجة الرّجس و المخبث بكسر الباء و الرّجيم بمعنى المرجوم بالشّهب أو باللّعنة و أماط بمعنى أبعد و أزال و ما تضمّنه الحديث الثّاني من قوله بتاءين مثنّاتين من فوق بصيغة الغائب و الضّمير للغرباء و يمكن كونه بصيغة المخاطب و ما تضمّنه من اتقاء الجلوس تحت الأشجار المثمرة يعمّ بظاهره ما هي مثمرة في الماضي إذ لا يشترط عندنا في صدق المشتقّ حقيقة بقاء المعنى و لعلّ هذا هو مراد شيخنا الشّهيد الثاني و شيخنا المحقّق الشّيخ علىّ أعلى اللّه قدرهما حيث قالا المراد بالمثمرة ما من شأنها الإثمار لأنّ المشتق لا يشترط في صدقه بقاء المعنى انتهى و الّا فإطلاق المشتقّ على ما سيتّصف بمبدء الاشتقاق مجاز اتّفاقا و الحديث الثّالث لا يستفاد منه تحريم استقبال القبلة للمتخلّي إذ لا دلالة في حصول الثّواب بالانحراف عنها على وجوبه و لم أظفر في هذا الباب بخبر معتبر السّند سواه (نعم) هنا أخبار ضعيفة ربّما ينجبر ضعفها باشتهار العمل بمضمونها بين الأصحاب كما رواه عيسى بن عبد اللّه الهاشمي عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لكن شرّقوا أو غرّبوا و كما تضمّنته مرفوعة عبد الحميد قال و سئل الحسن بن علىّ (عليهما السَّلام) ما حدّ الغائط قال لا يستقبل القبلة و لا يستدبرها و كما رواه علىّ بن إبراهيم مرفوعا انّ أبا حنيفة خرج من عند ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) و أبو الحسن (عليه السَّلام) قائم و هو غلام فقال أبو حنيفة يا غلام اين يضع الغريب ببلدكم فقال اجتنب أفنية المساجد و شطوط الأنهار و مساقط الثّمار و منازل النزّال و لا تستقبل القبلة بغائط و لا بول ثمَّ ارفع ثوبك وضع حيث شئت و ذهب ابن الجنيد الى استحباب تجنّب استقبال القبلة بالغائط و لم يتعرّض للاستدبار و نقل عن سلّار كراهة الاستقبال و الاستدبار في البنيان و تحريمهما في الصّحارى و (ظ) كلام المفيد الكراهة في الصّحارى و الإباحة في البنيان و لا ريب انّ العمل (بالمش) من التّحريم (مط) أحوط و انسب بالتّعظيم و اللّه اعلم و الحديث الرّابع هو مستند الأصحاب في استثناء أية الكرسيّ من التّكلّم للمتخلّي و كان عليهم استثناء قراءة أية (أيضا) كما تضمّنه الحديث و مستندهم في كراهة التكلّم ما رواه صفوان عن ابى الحسن الرّضا (عليه السَّلام) قال نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يجيب الرّجل أخر و هو على الغائط أو يكلّمه حتّى يفرغ و مستندهم في عدم كراهة الذّكر ما رواه ابن بابويه قال لمّا ناجى اللّه موسى بن عمران (عليه السَّلام) قال موسى يا ربّ أ بعيد أنت منّي فأناديك أم قريب فأناجيك فأوحى اللّه جلّ جلاله إليه أنا جليس من ذكرني فقال موسى يا ربّ انّى أكون في أحوال أجلك أن أذكرك فيها فقال يا موسى اذكرنى على كلّ حال و الحديث الخامس ممّا أورده الصّدوق في علل الشّرائع و هو يقتضي ندبيّة حكاية الأذان على ما هو عليه و امّا ما وقع في بعض الاعلام من انّه ليس في حكاية الأذان للمتخلّي نصّ فينبغي له ابدال الحيعلات بالحولقة لأنّها ليست ذكرا فهو كما ترى و الحديث السّادس ممّا استدل به العلامة في المنتهى على عدم جواز الاستنجاء من البول بغير الماء قال

34

طاب ثراه ان تخصيصه (عليه السَّلام) الماء يدلّ على نفى الطّهوريّة عن غيره خصوصا عقيب ذكر النّعمة بالتّخفيف فلو كان البول يزول بغيره لكان التّخصيص منافيا للمراد انتهى و في هذا الاستدلال نظر فانّ (الظ) انّ قرض بني إسرائيل لحومهم انّما فرضه اللّه عليهم من بول يصيب أبدانهم من خارج لانّ استنجاءهم من البول كان بقرض لحومهم فإنّه يؤدّى الى انقراض أعضائهم في مدّة يسيرة و (الظّ) انّهم لم يكونوا مكلّفين بذلك و اللّه سبحانه أعلم بحقائق احكامه و عدم اجزاء غير الماء في الاستنجاء من البول ممّا أطبق عليه علماؤنا كافّة و يدلّ عليه الحديث السّابع و الثّامن و الخامس عشر (أيضا) و قوله (عليه السَّلام) في الحديث السّابع يجزيك من الاستنجاء ثلثة أحجار يعطى (بظ) وجوب إكمال الثلاثة و ان حصل النّقاء بما دونها كما يقتضيه لفظ الاجزاء و هذا هو (المش) بين الأصحاب و عليه العمل و نقل عن المفيد الاكتفاء بالواجد إذا حصل به النّقاء و هو (ظ) الشّيخ و ابن حمزة و اختاره العلّامة في (المخ) محتجّا بانّ القصد إزالة النّجاسة و قد حصلت فلا يجب الزّائد و بانّ الزّائد لا يفيد تطهيرا فلا معنى لإيجابه و بما تضمّنه حديث ابن المغيرة و هو الحديث الثّالث عشر من قوله (عليه السَّلام) حتّى ينقى ما ثمة و ربّما يؤيد بإطلاق قوله (عليه السَّلام) في الحديث الخامس عشر اعنى حديث يونس و يذهب الغائط و في هذه الأدلّة نظر (ظ) امّا الأول فلان كون القصد إزالة النّجاسة مسلّم و لكن لا على اىّ وجه اتّفق بل على الوجه الّذي جعله (الش) سببا في إزالتها و لم يثبت كون الأقلّ من الثّلثة سببا و قوله و قد حصلت (ظ) المنع بل هو عين المتنازع و العجب انّه (قدّس اللّه روحه) استدلّ على بطلان قول المرتضى رضى اللّه عنه بطهارة الجسم الصّيقل كالمرآة بالمسح المزيل لعين النّجاسة بمثل ما قلناه هاهنا و أجاب عما استدلّ به من انّ الموجب لنجاسة المحلّ بقاء عين النّجاسة فيه و بالمسح يزول العلّة بمنع المقدّمة الأولى فإنّ الطّهارة و النجاسة حكمان شرعيّان نعم ملاقاة النجاسة دليل و علامة على الحكم الشّرعيّ و لا يلزم من نفى الدّليل و العلامة نفى المدلول هذا كلامه أعلى اللّه مقامه و هو بعينه منقلب عليه هنا و امّا دليله الثّاني فهو يئول في الحقيقة إلى الأوّل و الجواب مشترك و امّا دليله الثّالث ففيه انّ (الظّ) انّ مراد ابن المغيرة بقوله للاستنجاء حدّ ان يعيّن الامام (عليه السَّلام) له منتهى عدد الغسلات و المسحات الّتي لا يجب على المكلّف الإتيان بما يزيد عليها و لمّا لم يكن لها حدّ شرعيّ في طرف الزّيادة لوجوب الزّيادة على الثّلث لو لم ينق المحلّ بها جعل (عليه السَّلام) حد ذلك أتقاه و لم يقل ثلث مسحات مثلا لاقتضائه عدم وجوب الزّيادة عليها (مط) و امّا حديث زرارة المتضمّن للثّلثة الأحجار فلم يقع في جواب السّؤال عن حدّ الاستنجاء بل (الظ) ان قوله (عليه السَّلام) يجزيك من الاستنجاء ثلثة أحجار انّما ورد لبيان أقلّ مراتب العدد الّذي يحصل به التّطهير كما يدلّ عليه لفظ الاجزاء و الحاصل انّ (الظ) من حديث زرارة تحديد عدد المسحات في جانب القلّة و من حديث ابن المغيرة عدم تحديدها في جانب الكثرة و لو كان المراد منه عدم التّحديد في الجانبين معا لناقض حديث زرارة كما لا يخفى و امّا حديث يونس فهو من قبيل المطلق فيحمل على المقيّد في جانب القلّة رفعا للتّناقض بين الحديثين و اللّه أعلم بحقائق أحكامه ثمَّ (ظ) قوله (عليه السَّلام) ثلثة أحجار يعطي عدم اجزاء الواحد ذي الجهات إذ زوال النّجاسة حكم شرعيّ يتوقّف على سببه الشّرعيّ و هو الثّلثة و هو مختار المحقّق و جماعة من الأصحاب و ذهب المفيد و ابن البرّاج و العلّامة و بعض المتأخّرين الى الاجزاء و استدل عليه في المختلف بانّ المراد بالثّلاثة الأحجار ثلث مسحات بحجر كما لو قيل اضربه عشرة أسواط و بانّ المقصد إزالة النّجاسة و قد حصل و بأنّها لو انفصلت لاجزأت فكذا مع الاتّصال و بأنّه لو استجمر بذي الجهات ثلثة لأجزأ كلّ جهة عن حجر فكذا

35

الواحد و أنت خبير بتطرّق الكلام الى كلّ من هذه الدّلائل الأربعة على ما ذكرناه قبيل هذا و المعتمد عدم الاجزاء و المراد بانقطاع درّة البول في الحديث الثّامن انتهاء خروجه و انقطاع سيلانه و الدّرة بكسر الدّال سيلان اللّبن و نحوه و قوله (عليه السَّلام) في الحديث التّاسع ينتره ثلثا ممّا استدلّ به الشّيخ في الاستبصار على وجوب الاستبراء و الّذي يظهر من أخر الحديث ان غرضه (عليه السَّلام) عدم انتقاض الوضوء بما عساه يخرج من البلل بعد الاستبراء لا بيان كون الاستبراء واجبا و البول في أخر الحديث الثّاني عشر يجوز نصبه على المفعوليّة لقوله ينضح بإعادة المستتر في ينضح الى المكان على ان يراد بالنّضح الرّش و رفعه بالفاعليّة ينضح على ان يكون نضح عليه بمعنى اصابه و في هذا المقام كلام يحسن التّنبيه عليه و هو انّ ما يظهر من هذا الحديث من ان عبد اللّه بن مسكان رواه عن ابى عبد اللّه (ع) بدون واسطة ينافي ما ذكره بعض أعيان علماء الرّجال من انّه رضى اللّه عنه لم يسمع من (الصادق) عليه السّلم الّا حديثا واحدا و هو من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ و انّه كان يأخذ الأحاديث عن أصحاب (الصادق) (عليه السَّلام) و يأبى أن يدخل عليه إجلاله (عليه السَّلام) و خوفا من التّقصير في القيام بوظائف تعظيمه و الإخلال بتأدية ما يستحقّه (عليه السَّلام) من الإجلال و الاحترام فان قلت فينبغي حمل هذه الرّواية و أمثالها على الإرسال إذ ليس فيها تصريح بعدم الواسطة بينه و بين الامام (عليه السَّلام) و لفظة عن يحتمل وجود الواسطة و عدمه بها قلت فتح هذا الباب يؤدى الى تجويز الإرسال في أكثر الأحاديث و ارتفاع الوثوق باتّصالها و الحقّ انّ لفظة عن في الأحاديث المعنعنة تشعر بعدم الواسطة بين الرّاوي و المرويّ عنه فالأولى عدم التّعويل على ما قيل من انّه رضى اللّه عنه لم يسمع من (الصادق) (عليه السَّلام) الّا ذلك الحديث الواحد كيف و قد روى عنه في الكافي في باب طلب الرئاسة انّه قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) يقول و إيّاكم و هؤلاء الرّؤساء الّذين يتراءسون الحديث و روى عنه التّهذيب في باب الخروج الى الصّفا من كتاب الحجّ انّه قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن رجل طاف بين الصّفا و المروة ستّة أشواط و هو يظنّ أنّها سبعة الحديث و امّا الرّواية عنه بعنوان قال أبو عبد اللّه (عليه السَّلام) أو عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) فكثيرة في الكافي و التّهذيب كما في باب المكارم و باب النّهى عن الاشراف على قبر النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) و باب الأغسال و غير ذلك و الاعراض عن مفاد هذه الرّوايات و اطراح ما دلّت عليه لأجل كلام غير محقّق الثّبوت أورده النّجاشيّ و قلّده فيه بعض المتأخّرين مما لا يخفى شناعته و اللّه أعلم بحقائق الأمور و الحديث الثّالث عشر يدلّ على عدم العبرة بالرّائحة و قوله (عليه السَّلام) لا ينظر إليها أي لا يلتفت إليها و يمكن ان يكون مراده (عليه السَّلام) أنّ الرّائحة ليست امرا مدركا بحسب البصر فلا يعبأ بها و لشيخنا الشّهيد طاب ثراه هنا كلام (مشهور) و هو انّ وجود الرّائحة يرفع أحد أوصاف الماء و ذلك يقتضي النّجاسة و أجاب عنه تارة بالعفو عن الرّائحة للنّص و الإجماع و اخرى بأنّ الرّائحة ان كان محلّها الماء نجس لانفعاله و ان كان محلّها اليد أو المخرج فلا حرج و هو كلام حسن و الحبائل في الحديث الرّابع عشرة الحاء المهملة و الباء الموحّدة يراد بها عروق في الظّهر و في الحديث الخامس عشر إيماء الى انّ الاستنجاء ملحق بأفعال الوضوء و معدود منها و المراد بقوله (عليه السَّلام) مرّتين مرتين الغسلتان و المسحتان و قد تقدّم الكلام فيه و ما تضمّنه الحديث السّادس عشر من تقديم غسل المقعدة على غسل الإحليل علّله العلّامة في المنتهى بافتقار الاستبراء من البول الى المسح من المقعدة و قبل غسلها ربّما يتعدّى نجاستها الى اليد و اللّه اعلم

الفصل الثّاني عشر في أحكام يتعلّق بموجبات الوضوء

خمسة أحاديث (ا) من الصّحاح على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السَّلام) انّه سأله عن الرّجل

36

يحلّ له ان يكتب القران في الألواح و الصحيفة و هو على غير وضوء قال لا (ب) عمر بن ابى نصر قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرّجل يبول فينسى ان يغسل ذكره و يتوضّأ قال يغسل ذكره و لا يعيد وضوءه (ج) على بن يقطين عن ابى الحسن موسى (عليه السَّلام) قال سالته عن الرّجل يبول فلا يغسل ذكره حتّى يتوضّأ وضوء الصّلوة فقال يغسل ذكره و لا يعيد وضوءه (د) زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال لا ينقض الوضوء ابدا بالشّكّ و لكن ينقضه يقين أخر (ه) بكير بن أعين عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال إذا استيقنت انّك قد أحدثت فتوضّأ و إياك ان تحدث وضوء ابدا حتّى تستيقن انّك قد أحدثت أقول الحديث الأوّل المتضمّن عدم تجويز كتابة القران للمحدث لم يشتهر العمل بمضمونه بين الأصحاب و يمكن ان يستنبط منه بطريق الأولويّة عدم جواز مسّها (أيضا) و المنع من الأصحاب لمسّ هو (المش) بين الأصحاب رضى اللّه عنهم و تدلّ عليه رواية أبي بصير قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عمّن قرء في المصحف و هو على غير وضوء قال لا بأس و لا يمسّ الكتاب و رواية حريز عمّن أخبره عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال كان إسماعيل بن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) فقال يا بني اقرأ المصحف فقال انّى لست على وضوء فقال لا تمسّ الكتاب و مسّ الورق و اقرأه و هاتان الرّوايتان و ان ضعفت أولهما بالحسين بن المختار و ثانيتهما بالإرسال لكنّهما تصلحان للتّأييد و قد اشتهر الاستدلال على هذا المطلب بالاية الكريمة أعني قوله جلّ و علا لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ و يرشد الى ذلك رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (عليه السَّلام) قال المصحف لا تمسّه على غير طهر و لا تمسّ خطه و لا تعلّقه انّ اللّه (تعالى) يقول لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ و في طريقها ضعف و لم أظفر في هذا الباب بحديث يركن الى سنده و أنت خبير بانّ الاستدلال بالاية الكريمة يتوقّف على ان يكون الضّمير في يمسّه عائدا إلى القران لا الى الكتاب المكنون اعنى اللّوح المحفوظ مع انّه أقرب و على جعل الجملة الخبريّة أعني لا يمسّه بمعنى الإنشاء و على ان يراد من المطهّرين المتّصفين بالطّهارة الشّرعيّة من الاحداث الصّغرى و الكبرى و إثبات هذه المقدّمات الثّلث لا (يخلو) من اشكال و قال جماعة من المفسّرين ان المعنى لا يطّلع على اللّوح المحفوظ الّا الملئكة المطهّرون عن الأدناس الجسمانيّة هذا و قد ذهب الشّيخ في (ط) و ابن البرّاج و ابن إدريس إلى جواز المسّ على كراهيته و الأحوط التّحريم وقوفا مع الشّهرة و هو المناسب لتعظيم القران الكريم و ما تضمّنه الحديث الثّاني و الثّالث من عدم اعادة الوضوء بترك الاستنجاء هو المعروف بين علمائنا رضى اللّه عنهم و ذهب الصّدوق الى انّ من ترك غسل مخرج البول و صلّى أعاد الوضوء و الصّلوة لرواية سليمان بن خالد عن ابى جعفر عليه السّلم في الرّجل يتوضّأ فينسى غسل ذكره قال يغسل ذكره ثمَّ يعيد الوضوء و هي لا تعارض ذينك الحديثين الصّحيحين و حملها على الاستحباب ممكن و الحديث الرّابع و الخامس يدلّان على انّ من تيقّن الطّهارة و شكّ في الحدث لا يلتفت بل (ظ) الحديث الخامس تحريم الطّهارة عليه و هذا الحكم اعنى العمل باليقين و إلقاء الشّكّ في هذه الصّورة و في عكسها (أيضا) ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء و قالوا انّ اليقين لا يرتفع بالشّكّ و أرادوا بذلك انّ اليقين الحاصل في الحال بوقوع الطّهارة أو الحدث في الماضي لا يرفعه الشّكّ في حصول ما يزيل تلك الطّهارة أو الحدث و هو يرجع الى استصحاب الحال الى ان يعلم الزّوال فانّ العاقل إذا التفت الى ما حصل بيقين و لم يعلم و لم يظنّ طروّ ما يزيله حصل له الظّنّ ببقائه فقولهم إذا تيقّن الحدث و شكّ في الطّهارة تطهّر معناه انّه إذا تيقّن في وقت حصول الحدث في الماضي و شكّ في ذلك الوقت في وقوع الطّهارة بعده تطهّر و الحدث في كلامهم هذا يجوز ان يراد به نفس السّبب كخروج البول مثلا و ان يراد به الحالة المسبّبة عنه و قصره على الأوّل

37

كما ذكره بعض الأصحاب غير جيّد ثمَّ هذا اليقين يجامع هذا الشّكّ بغير مرية لتغاير متعلّقيهما كمن تيقّن عند الظّهر وقوع المطر في الغداة و هو شاكّ في انقطاعه و قال شيخنا الشّهيد في الذّكرى قولنا اليقين لا يرفعه الشّكّ لا يغني به اجتماع اليقين و الشّكّ في الزّمان الواحد لامتناع ذلك ضرورة انّ الشّكّ في أحد النّقيضين يرفع يقين الأخر بل المعنىّ به انّ اليقين الّذي كان في الزّمن الأوّل لا يخرج عن حكمه بالشّكّ في الزّمن الثّاني لأصالة بقاء ما كان فيؤول الى اجتماع الظّنّ و الشّكّ في الزّمان الواحد فيرجّح الظّنّ عليه كما هو مطّرد في العبارات انتهى كلامه و أنت خبير بانّ اجتماع اليقين و الشّكّ على ما قلناه ممكن لعدم تناقض متعلّقيهما و هو طاب ثراه جعل متعلّقيهما متناقضين و حاصل كلامه انّ قولهم يقين الطّهارة لا يرفعه الشّكّ في الحدث مثلا ليس معناه انّ تيقّن المكلّف كونه متطهّرا في وقت لا يرفعه شكّه في ذلك الوقت في كونه محدثا لانّ ذلك اليقين لا يجامع هذا الشّكّ (اص) بل معناه انّه إذا تيقّن في الماضي كونه متطهّرا ثمَّ شكّ في المستقبل في كونه محدثا فهذا الشّكّ لا يرفع حكم اليقين السّابق بل يستصحب ذلك الحكم و يظنّ بقاؤه الى ان يتحقّق النّاقل و كلامه هذا جيّد الّا انّ قوله فيؤول الى اجتماع الظّنّ و الشّكّ في زمن واحد محلّ كلام إذ عند ملاحظة الاستصحاب ينقلب أحد طرفي الشّكّ ظنّا و الطّرف الأخر و هما فلم يجتمع الظّنّ إطلاق الشّكّ في الزّمان الواحد كيف و الشّكّ في أحد النّقيضين يرفع ظنّ الأخر كما يرفع تيقّنه و هذا (ظ) و لا يمكن ان يقال انّ إطلاق الشّكّ عليه بالنّظر الى أوّل وهلة نعم يتمشّى هذا على ما قلناه ثمَّ لا يخفى انّ الظّنّ الحاصل بالاستصحاب فيمن تيقّن الطّهارة و شكّ في الحدث لا يبقى على نهج واحد بل يضعف بطول المدّة شيئا فشيئا بل قد يزول الرّجحان و يتساوى الطّرفان بل ربّما يصير الطّرف الرّاجح مرجوحا كما إذا توضّأ عند الصّبح مثلا و ذهل عن التّحفّظ ثمَّ شكّ عند الغروب في صدور الحدث منه و لم يكن من عادته البقاء على الطّهارة الى ذلك الوقت و الحاصل انّ المدار على الظّنّ فما دام باقيا فالعمل عليه و ان ضعف هذا و قد ذكر العلّامة في المنتهى انّ من ظنّ الحدث و تيقّن الطّهارة لا يلتفت لانّ الظّنّ انّما يعتبر مع اعتبار (الشّ) له و لأنّ في ذلك رجوعا عن المتيقّن الى المظنون انتهى و فيه نظر لا يخفى على (المت) فيما تلوناه و اللّه أعلم

الجملة الثّانية في الأغسال

و فيها موقفان

الموقف الأوّل في الأغسال الواجبة

و فيه مطلبان

المطلب الأوّل في غسل الجنابة

و فيه ثلاثة فصول

الفصل الأوّل في موجبه

أحد عشر حديثا (ا) من الصّحاح محمد بن إسماعيل قال سالت الرّضا (عليه السَّلام) عن الرّجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل فقال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل قلت (ب) على بن يقطين قال سألت أبا الحسن (عليه السَّلام) عن الرّجل يصيب الجارية البكر لا يفضي إليها عليها غسل قال إذا وضع الختان على الختان فقد وجب الغسل البكر و غير البكر (ج) محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السَّلام) قال سالته متى يجب الغسل قال إذا دخله فقد يجب الغسل و المهر و الرّجم (د) زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال جمع عمر بن الخطاب أصحاب النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال ما تقولون في الرّجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل فقال الأنصار الماء من الماء و قال المهاجرون إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فقال عمر لعلىّ (عليه السَّلام) ما تقول يا أبا الحسن فقال علىّ (عليه السَّلام) توجبون عليه الجلد و الرّجم و لا توجبون عليه صاعا من ماء إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل (ه) علىّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السَّلام) قال سالته عن الرّجل يلعب مع المرأة و يقبّلها فيخرج منه المنىّ فما عليه قال إذا جاءت الشّهوة و لها

38

دفع و فتر لخروجه فعليه الغسل و ان كان انّما هو شيء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس (و) محمد بن إسماعيل بن بزيع قال سالت الرّضا (عليه السَّلام) عن الرّجل يجامع المرأة فيما دون الفرج و تنزل المرأة عليها غسل قال نعم (ز) الحلبي قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرجل يجامع المرأة ترى في المنام ما يرى الرّجل قال ان أنزلت فعليها الغسل و ان لم تنزل فليس عليها الغسل (ح) أديم بن الحرّ قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرّجل عليها غسل قال نعم و لا تحدّثوهنّ فيتّخذنه علّة (ط) الحلبي قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرّجل يصيب المرأة فيما دون الفرج عليها غسل ان هو انزل و لم تنزل هي قال ليس عليها غسل و ان لم ينزل هو فليس عليه غسل (ى) عبد اللّه بن ابى يعفور عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال قلت له الرّجل يرى في المنام و يجد الشّهوة و يستيقظ فينظر بللا فلا يجد شيئا ثمَّ يمكث الهوينا بعد فيخرج قال ان كان مريضا فليغتسل و ان لم يكن مريضا فلا شيء عليه قال قلت له فما فرق بينهما قال لانّ الرّجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفعة قويّة و إن كان مريضا لم يجيء إلّا بعد (يا) من الحسان الحلبي قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن المفخّذ عليه غسل قال نعم إذا أنزل أقول دلّت هذه الأحاديث على انّ الجنابة تحصل بأمرين غيبوبة الحشفة و إنزال المنى و قول محمد بن إسماعيل في الحديث الأوّل التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة في الفرج من قبيل حمل السّبب على المسبب و المراد انّه يحصل بغيبوبة الحشفة و قوله في الحديث الثاني لا يفضي إليها اما بمعنى لا يولجه بأجمعه أو بمعنى انه لا ينزل و الخبر عن قوله (عليه السَّلام) البكر و غير البكر محذوف تقديره سواء و الحديث الثّالث ممّا استدلّ به بعض أصحابنا القائلين بوجوب الغسل بوطء المرأة في دبرها و وطى الغلام و وطى البهيمة و يعضده فحوى الحديث الرّابع و لا بأس به و الضّمير المستتر في قوله (عليه السَّلام) في الحديث الخامس و فتر لخروجه يعود الى الرّجل المذكور في السّؤال و الضّمير البارز يعود إلى الشّهوة لأنّ المراد بها المنىّ و ما تضمنه الحديث الثّامن الّذي رواه أديم بضمّ الهمزة و فتح الدّال و إسكان الياء من قوله (عليه السَّلام) و لا تحدّثوهنّ فيتّخذنه علّة لعلّ معناه انّكم لا تخبروا النّساء بانّ عليهنّ الغسل بالاحتلام فإنهن يتخذن ذلك وسيلة إلى الخروج من البيوت و التّردد الى الحمّامات فيظهرن لأزواجهنّ متى أردن الخروج انّهنّ قد احتلمن لئلّا يمنعن منه و على هذا ففي الحديث دلالة على انّه لا يجب على العالم بأمثال هذه المسائل ان يعلّمها للجاهل بها إذا ظنّ ترتّب مثل هذه المفسدة على تعليمه و الحديث التّاسع ممّا استدلّ به الشّيخ على ما ذهب إليه في الاستبصار من عدم وجوب الغسل بوطي المرأة في دبرها فانّ قول السّائل يصيب المرأة فيما دون الفرج (الظ) انّه كناية عن الوطي في الدّبر و ان لم يجعل كناية عن ذلك فلا ريب في شمول الدّبر و يؤيده ما رواه البرقي عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال إذا اتى الرّجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما و هذه الرواية ضعيفة السّند و لعلّ الأجود الوجوب عملا بما عليه جماهير الأصحاب بل نقل المرتضى رضى اللّه عنه إجماع علمائنا عليه و يؤيّده مفهوم الحديث الرّابع و رواية حفص بن سوقه عمن أخبره قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرّجل يأتي أهله من خلفها قال هو احد المأتين فيه الغسل و قول السّائل الحديث العاشر فينظر بلا بمعنى يتجسّس و يتفقد و قوله فيمكث الهوينا اى يمكث مكثا يسيرا و لفظتا بعد في كلام السّائل و الامام (عليه السَّلام) مقطوعتان عن الإضافة و التّقدير في الأولى بعد النّظر و في الثّانية بعد مكث و المفخذ في الحديث الحادي عشر يراد به من أصاب فيما بين الفخذين امّا من دون إيلاج (اص) أو مع إيلاج ما دون الحشفة

الفصل الثّاني في كيفيّة غسل الجنابة

و

39

وجوب التّرتيب فيه و عدم وجوب الموالاة بشيء من المعنيين المذكورين في الوضوء عشرة أحاديث (ا) من الصحاح يعقوب بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السَّلام) قال الجنب يغتسل يبدأ فيغسل يديه الى المرفقين قبل ان يغمسهما في الماء ثمَّ يغسل ما اصابه من أذى ثمَّ يصب الماء على رأسه و على وجهه و على جسده كله ثمَّ قضى الغسل و لا وضوء عليه (ب) احمد بن محمد قال سألت أبا الحسن (عليه السَّلام) عن غسل الجنابة فقال تغسل يدك اليمنى من المرفق إلى أصابعك و تبول ان قدرت على البول ثمَّ تدخل يدك في الإناء ثمَّ اغسل ما أصابك منه ثمَّ أفض على رأسك و جسدك و لا وضوء فيه (ج) محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السَّلام) قال سالته عن غسل الجنابة فقال تبدء بكفّيك ثمَّ تغسل فرجك ثمَّ تصبّ على رأسك ثلثا ثمَّ تصبّ على سائر جسدك مرّتين فما جرى عليه الماء فقد طهّره (د) زرارة قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن غسل الجنابة فقال تبدء فتغسل كفّيك ثمَّ تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ثمَّ تمضمض و استنشق ثمَّ تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدميك ليس قبله و لا بعده وضوء و كلّ شيء أمسسته الماء فقد أنقيته و لو انّ رجلا جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و ان لم يدلك جسده (ه) الحلبيّ قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) يقول إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأ ذلك من غسله (و) علىّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السَّلام) قال سالته عن الرّجل هل يجزيه من غسل الجنابة ان يقوم في المطر حتى يغسل رأسه و جسده و هو يقدر على ما سوى ذلك فقال ان كان يغسله بالماء أجزأه ذلك (ز) إبراهيم بن عمر اليماني عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال انّ عليّا (عليه السَّلام) لم ير بأسا بأن يغسل الجنب رأسه غدوة و سائر جسده عند الصّلوة (ح) محمّد بن مسلم قال دخلت على ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) فسطاطه و هو يكلّم امرأة فأبطأت عليه فقال ادنه هذه أم إسماعيل جنبت و انا أزعم انّ هذا المكان الّذي أحبط اللّه فيه حجها عام أوّل كنت أردت الإحرام فقلت ضعوا لي الماء في الخبإ فذهبت الجارية بالماء فوضعته فاستخففتها فأصبته منها فقلت اغسلي رأسك و امسحيه مسحا شديدا لا تعلم به مولاتك فدخلت فسطاط مولاتها فذهبت تتناول منه شيئا فمسّت مولاتها رأسها فإذا لزوجة الماء فحلقت رأسها و ضربتها فقلت لها هذا المكان الّذي أحبط اللّه فيه حجّك (ط) من الحسان حريز عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال من اغتسل من جنابة و لم يغسل رأسه لم يجد بدّا من اعادة الغسل (ى) زرارة قال قلت كيف يغتسل الجنب فقال ان لم يكن أصاب كفّيه شيء غسلها في الماء ثمَّ بدأ بفرجه فأنقاه ثمَّ صب على رأسه ثلث أكفّ ثمَّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين فما جرى عليه الماء فقد أجزأه أقول دلّ الحديث الأوّل على انّ غسل اليدين قبل غسل الجنابة حده المرفقان و في كلام جماعة من متأخّري الأصحاب انّه من الزّندين و في التّعبير بالكفّين في الحديث الثّالث و الرّابع نوع دلالة عليه و لعلّ الأوّل أفضل المستحبّين و في رواية سماعة عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) إذا أصاب الرّجل جنابة فأراد أن يغتسل فليفرغ على كفّيه فليغسلهما دون المرفق و هل يختصّ استحباب غسلهما بما إذا كان الغسل مرتّبا و من القليل فلا يستحبّ من المرتمس و لا للمغتسل من الكثير صرّح العلّامة بالإطلاق و هو محتمل و ما تضمّنه هذا الحديث و ما بعده من اجزاء غسل الجنابة عن الوضوء ممّا أطبق عليه علماؤنا و انّما الخلاف في غيره من الأغسال فقد ساوى المرتضى رضى اللّه عنه في ذلك بينهما و بينه واجبة كانت أو مندوبة و تبعه ابن الجنيد و ستسمع ما هو الحقّ في ذلك (إن شاء الله تعالى) و قوله (عليه السَّلام) في الحديث الثّاني و تبول ان قدرت على البول ربّما استفيد منه وجوب البول على القادر عليه و هو مذهب جمّ غفير من أصحابنا (رضوان الله عليهم) و الحقّ انّه

40

لا دلالة فيه على وجوبه و انّما يدلّ على رجحانه إذ (الظ) جريان الجملتين الخبريتين على وتيرة واحدة مع انّ دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب محلّ توقف فان قلت دلالة الجمل الخبريّة في المقامات الطّلبيّة على الوجوب إذا لم يثبت خلافه ممّا لا ينبغي التّوقّف فيها بل المستفاد من كلام محقّقي علماء فنّ المعاني انّ دلالتها في تلك المقامات على الاهتمام بالطّلب و الاعتناء بالامتثال أشدّ و أكد من دلالة الأمر الصّريح عليه ا لا ترى الى قولهم انّ البلغاء يقيمونها مقام الإنشائيّة ليحملوا المخاطب بوجه اكيد و نهج لطيف على الإتيان بما طلب منه و يبعثونه على عدم التّهاون به كقولك لصاحبك لا يحبّ تكذيبك تأتيني غدا بلفظ الخبر مقام ايتني بلفظ الأمر فتحمله بالطف وجه على الإتيان لأنّه لو لم يأتك غدا صرت كاذبا بحسب (الظّ) لكون كلامك في صورة الخبر قلت مراد علماء المعاني انّ البلغاء ربّما يعدلون عن صريح الأمر الى الخبر و يقيمونه مقامه لرعاية النّكتة المذكورة و ليس سبب العدول اليه منحصرا عندهم في رعاية تلك النّكتة فإنّ له أسبابا اخرى مفصّلة في كتب الفنّ فلعلّ عدول الامام (عليه السَّلام) عن صريح الأمر انّما وقع لبعض تلك الأسباب و اللّه اعلم و المجرور في قوله (عليه السَّلام) ثمَّ اغسل ما أصابك منه امّا عائد إلى البول أو المنيّ المدلول عليه بالجنابة و (ظ) الأمر بالبول في الحديث يعمّ المنزل و المولج من دون إنزال و قد خصّه الأصحاب (رضوان الله عليهم) بالمنزل و هو حسن و ما تضمّنه الحديث الثّالث من قوله (عليه السَّلام) ثمَّ تصبّ على رأسك ثلثا يحتمل ان يكون المراد به غسل الرّأس ثلث مرّات و ان يكون (عليه السَّلام) أراد غسله بثلث أكفّ من غير دلالة على تثليث الغسل كما تضمّنه الحديث العاشر و قد حكم جماعة من الأصحاب باستحباب تكرير الغسل ثلثا في كلّ عضو و قد دلّ هذا الحديث و الحديث العاشر على المرّتين فيما عدا الرّأس و حكم ابن الجنيد بغسل الرّأس ثلثا و اجتزأ بالدّهن في البدن و استحبّ للمرتمس ثلث غوصات و ما تضمّنه الحديث الرّابع من قوله (عليه السَّلام) ثمَّ تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ربّما يستفاد منه استحباب اختيار الشّمال في غسل الفرج و تنزيه اليمين عن مباشرته و قد يستأنس له بما روى من كراهة الاستنجاء باليمين و بما رواه الصّدوق عن ابى جعفر (عليه السَّلام) إذا بال الرّجل فلا يمسّ ذكره بيمينه و ما تضمّنه أخر الحديث و الحديث الخامس من الاجتزاء في غسل الجنابة بارتماسة واحدة ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب و ألحقوا به بقيّة الأغسال و نقل الشّيخ في (ط) قولا بانّ في الارتماس ترتيبا حكميّا و هذا القول لا يعرف قائله غير انّ الشّيخ صرح بأنّه من علمائنا و فسّر تارة بقصد التّرتيب و اعتقاده حالة الارتماس و اخرى بأنّ الغسل يترتّب في نفسه و ان لم يلاحظ المغتسل ترتّبه و قال شيخنا المحقّق الشّيخ علىّ أعلى اللّه قدره تبعا لشيخنا الشّهيد (قدّس اللّه روحه) انّ فائدة التّفسيرين تظهر فيمن وجد لمعة فيعيد على الأوّل و يغسلها على الثّاني و في نادر الغسل مرتّبا فيبرّ بالارتماس على الثّاني دون الأول انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه و للبحث فيه مجّ واسع و لا يخفى أنّ رعاية التّرتيب الحكمي بهذين التّفسيرين ربّما يقتضي مقارنة النّيّة لجزء من الرّأس فتدبّر و لقد اشتدّت عناية متأخّري الأصحاب (رضوان الله عليهم) بتفسير القول و أطنبوا الكلام فيه و لعلّ السّبب في ذلك انّ جهالة نسب القائل و اسمه مع العلم بكونه من علماء الطّائفة توجب على مقتضى قواعدنا من يد الاعتناء بقوله زيادة على ما إذا كان معروفا و اللّه أعلم بحقائق الأمور و لفظة ماء في قول السّائل في الحديث السّابع و هو يقدر على ما سوى ذلك يجوز ان يجعل كسرها لفظيّا و ان يكون مجليّا اى و هو يقدر على ماء غير ماء المطر أو على غسل سوى ذلك الغسل و هذا الحديث استدلّ به الشّيخ في (ط) على ان الوقوف تحت المجرى و المطر الغريزة يجرى مجرى الارتماس

41

في سقوط الترتيب و لعله طاب ثراه يريد انّ الماء المذكور إذا عمّ البدن بلا تراخ عرفيّ كان كالمرتمس فيه و بالتّقييد بالغزارة إيماء إلى إرادة ذلك و مدار استدلاله بهذا الحديث على ما يستنبط من إطلاق قوله (عليه السَّلام) ان كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك فانّ الاغتسال بالماء على نوعين غسل ترتيب و غسل ارتماس و مقتضى الحديث انّ مثل اىّ هذين النّوعين حصل بالوقوف تحت المطر أجزأ فلو حصل بماء يماثل الارتماس سقط التّرتيب فدليل الشّيخ غير قاصر في حدّ ذاته عن افادة ما ادّعاه كما قد يظنّ و انّما الكلام في انّ عموم الماء البدن بحيث يتحقّق الدّفعة العرفيّة المعتبرة في الارتماس هل يمكن حصوله بالقيام تحت المطر الغزير أم لا و المستفاد من الحديث انّه ان حصل أجزأ كالارتماس و اللّه اعلم و الحديث السّابع و الثامن صريحان في عدم وجوب الموالاة في غسل الجنابة بشيء من المعنيين المذكورين في الوضوء و (الظ) انّ هذا متّفق عليه بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) و عدها بعضهم من مستحبّات الغسل لما فيها من المبادرة إلى أداء الطّاعة و التّحفّظ من طريان المفسد و لانّ المعلوم من صاحب الشّرع و المعصومين (سلام اللّه عليهم أجمعين) فعل ذلك كما قاله شيخنا في الذّكرى و الفسطاط بضم الفاء و كسرها بيت من الشّعر و قول محمّد بن مسلم فأبطأت عليه اى توقفت و لم أسرع في الدّنوّ اليه لاشتغاله (عليه السَّلام) بكلامها و كأنّه كان من وراء ستر و نحوه و الهاء في قوله (عليه السَّلام) ادنه هاء السّكت لحقت بفعل الأمر و جنت بالجيم و النّون اى صدر منها جناية و أراد (عليه السَّلام) حلقها الرأس الجارية و الخباء بكسر الخاء خيمة من وبر أو صوف و لا يكون من شعر و هو على عمودين أو ثلثة و ما فوق ذلك فهو بيت كذا في الصّحاح و قوله (عليه السَّلام) فاستخففتها اىّ وجدتها خفيفة على طبعى و هو كناية عن حصول الميل إليها و الفعل في قوله (عليه السَّلام) لا تعلم به مولاتك يجوز نصبه بأن مقدّرة أي لئلّا تعلم و الضّمير المجرور يعود الى الغسل و يمكن رفعه على ان يكون جملة لا تعلم نعتا للمسح و المجرور غاية اليه و الفعل في قوله (عليه السَّلام) فتستريب مولاتك منصوب بفاء السّببيّة بعد النّهى هذا و لا يذهب عليك انّه يمكن ان يستنبط من (ظ) هذا الحديث و ما قبله انّ تخلّل الحدث الأصغر في أثناء غسل الجنابة غير مبطل له فإنّ إطلاق (الصادق) (عليه السَّلام) إتمامها الغسل إذا أردت الإحرام يشمل ما إذا تخلّل بين غسل رأسها و إرادتها الإحرام حديث و عدمه و (كك) إطلاق أمير المؤمنين (عليه السَّلام) إتمام الغسل من الغدوة إلى الظّهر بل الى ما بعده مع انّ توسّط مثل هذه المدّة مظنّة التخلّل الحدث كما لا يخفى و امّا الرّواية المرسلة التي أوردها الصّدوق في عرض المجالس المتضمّنة للتّسوية في وجوب اعادة الغسل بين تخلّل الحدث الأصغر و الأكبر فلو لا الإرسال لم يكن لنا عنها مندوحة و استقصاء الكلام في هذه المسئلة و تفصيل الأقوال فيها مبسوط في مظانّه في كتب الفقه و كان و الذي (قدّس اللّه روحه) يميل الى مذهب السّيّد المرتضى رضى اللّه عنه من وجوب الإتمام و الوضوء و لعلّه أجود الأقوال و اللّه أعلم بحقيقة الحال و ما تضمّنه الحديث التّاسع من وجوب اعادة الغسل على من قدّم غسل بدنه على رأسه ممّا استدلّ به الأصحاب على وجوب التّرتيب فيه و كذا ما تضمّنه الحديث الثّالث و العاشر من عطف غسل البدن على غسل الرّأس بثمّ و لم يصرّح الصدوقان طاب ثراهما بوجوب التّرتيب إثباتا و لا نفيا و نقل الشّيخ (قدّس اللّه روحه) الإجماع على وجوبه و هو الحجّة في هذا الباب و الّا فالحقّ انّ الأحاديث غير دالّة على التّرتيب بالمعنى المشهور قال المحقّق في المعتبر الرّوايات دلّت على وجوب تقديم الرّأس على الجسد امّا اليمين على الشّمال فغير صريحة بذلك و رواية زرارة دلّت على تقديم الرّأس على اليمين و لم تدلّ على تقديم اليمين على

42

الشّمال لانّ الواو لا يقتضي ترتيبا فإنّك لو قلت قام زيد ثمَّ عمرو و خالد دلّ ذلك على تقديم قيام زيد على عمرو و امّا تقديم عمرو على خالد فلا لكنّ فقهاءنا اليوم بأجمعهم يفتون بتقديم اليمين على الشّمال و يجعلونه شرطا في صحّة الغسل و قد افتى بذلك الثّلثة و اتباعهم انتهى كلامه طاب ثراه و هو كلام متين و اللّه اعلم

الفصل الثّالث في نبذ من احكام غسل الجنابة و ما يسوغ للجنب فعله و ما لا يسوغ

عشرون حديثا (ا) من الصّحاح عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال اغتسل ابى من الجنابة فقيل له قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء فقال ما كان عليك لو سكتّ ثمَّ مسح تلك اللّمعة بيده (ب) عبد اللّه بن مسكان عن محمّد بن على الحلبيّ عن رجل عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) عن أبيه عن علىّ (عليه السَّلام) قال لا تنقض المرءة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة (ح) حكم بن حكيم قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن غسل الجنابة ثمَّ وصفه قال قلت انّ النّاس يقولون وضوء الصّلوة قبل الغسل فضحك و قال اىّ وضوء أنقى من الغسل و أبلغ (د) سليمان بن خالد عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سالته عن رجل أجنب فاغتسل قبل ان يبول فخرج منه شيء قال يعيد الغسل (ه) محمّد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرّجل يخرج من إحليله شيء بعد ما اغتسل شيء قال يغتسل و يعيد الصّلوة الّا ان يكون بال قبل ان يغتسل فإنّه لا يعيد غسله قال محمد و قال أبو جعفر (عليه السَّلام) من اغتسل و هو جنب قبل ان يبول ثمَّ وجد بللا فقد انتقض غسله و ان كان قد بال ثمَّ اغتسل ثمَّ وجد بللا فليس ينقض غسله و لكن عليه الوضوء لانّ البول لم يدع شيئا (و) ابى جعفر (عليه السَّلام) قال كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتوضّأ بمدّ و يغتسل بصاع و المدّ رطل و نصف و الصّاع ستّة أرطال و قد مرّ في مباحث الوضوء (ز) زرارة و محمّد بن مسلم و أبو بصير عن ابى جعفر (عليه السَّلام) و ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) انّهما قالا توضّأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمدّ و اغتسل بصاع ثمَّ قال أحدهما (عليهما السَّلام) اغتسل هو و زوجته بخمسة أمداد من إناء واحد قال زرارة فقال كيف صنع قال بدأ هو فضرب بيده في الماء قبلها فأنقى فرجه ثمَّ ضربت هي فأنقت فرجها ثمَّ أفاض هو و أفاضت هي على نفسها حتّى فرغا فكان الّذي اغتسل به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلثة امداد و الّذي اغتسلت به مدّين و انّما أجزأ عنهما لأنّهما اشتركا جميعا و من انفرد بالغسل وحده فلا بدّ له من صاع (ح) زرارة و محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قالا قلنا له الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا قال لا يدخلان الا مجتازين انّ اللّه تبارك و (تعالى) يقول وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (ط) عبد اللّه بن سنان قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه قال نعم و لكن لا يضعان في المسجد شيئا (ى) أبو حمزة الثّمالي قال قال أبو جعفر (عليه السَّلام) إذا كان الرّجل نائما في المسجد الحرام أو في مسجد الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمّم و لا يمرّ في المسجد الّا متيمّما و لا بأس ان يمر في سائر المساجد يا عبيد اللّه بن على الحلبيّ عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سالته أ تقرأ النّفساء و الحائض و الجنب و الرّجل يتغوّط القران قال يقرؤن ما شاءوا (يب) الفضيل بن يسار عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال لا بأس بأن تتلو الحائض و الجنب القران (يج) عبد الرّحمن بن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) أ يأكل الجنب قبل ان يتوضّأ قال انا لنكسل و لكن يغسل يده و الوضوء أفضل (يد) زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال الجنب إذا أراد ان يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه و أكل و شرب (يه) عبد الرّحمن بن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرّجل يواقع أهله أ ينام على ذلك قال انّ اللّه يتوفّى الأنفس في منامها و لا يدرى ما يطرقه من البليّة إذا فرغ فليغتسل (يو) عبد اللّه الحلبيّ قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرّجل أ ينبغي له ان ينام و هو جنب قال

43

يكره ذلك حتّى يتوضّأ (يز) من الحسان محمّد بن مسلم قال قال أبو جعفر (عليه السَّلام) الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثّوب و يقرءان من القرآن ما شاء الّا السّجدة و يدخلان المسجد مجتازين و لا يقعدان فيه و لا يقربان المسجدين الحرمين (يح) الحلبيّ عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال لا بأس بأن يختضب الرّجل و هو جنب (يط) حجر بن زائدة عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال من ترك شعرة من الجنابة متعمّدا فهو في النّار (ك) من الموثّقات محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال قلت الحائض و الجنب يقرءان شيئا قال نعم ما شاء الّا السّجدة أقول ربّما يستفاد من الحديث الأوّل انّ من سهى عن شيء من واجبات الطّهارة لا يجب علينا تنبيهه عليه و (الظ) انّه لا فرق في ذلك بين الطّهارة و غيرها من العبادات لكنّ العصمة لا تجامع السّهو و النّسيان فلعلّ الامام (عليه السَّلام) ابقى تلك عمدا لغرض التّعليم و التّنبيه على عدم وجوب التّنبيه المذكور بأكمل الوجوه و ابلغها و يمكن (أيضا) ان يكون ذلك القائل في نفس الأمر مخطئا في ظنّه عدم اصابة الماء تلك اللّمعة و يكون قول الامام (عليه السَّلام) له ما عليك لو سكتّ و مسحه (عليه السَّلام) لها انّما صدر لمجرّد التّعليم و التّنبيه المذكورين و اللّه سبحانه اعلم بمقاصد أوليائه و لعلّ اللّمعة كانت من الجانب الأيسر فلم يفت التّرتيب و المسح في قول الرّاوي ثمَّ مسح تلك اللّمعة بيده (الظّ) انّ المراد به ما كان معه جريان في الجملة و إطلاق المسح على مثل ذلك مجازا إذ الحقّ انّ المسح و الغسل حقيقتان متخالفتان لا يصدق شيء منهما على شيء من افراد الأخر و يمكن ان يستنبط من هذا الحديث أمر أخر هو انّ من أخبره شخص باشتمال عبادته على نقص وجب عليه قبول قوله و لزمه تلا في ذلك النّقصان فانّ (الظ) انّ المراد من قوله (عليه السَّلام) لمن أخبره بتلك اللّمعة ما عليك لو سكتّ انّك لو لم تخبرني بها لم يلزمني تداركها فانّ النّاس في سعة ممّا لا يعلمون و على هذا فهل يكفي في وجوب قبول قول المخبر بأمثال ذلك مطلق ظنّ صدقة أم لا بدّ من عدالته كلّ محتمل و لعلّ الاكتفاء بالأوّل أولى و اللّه اعلم و ما تضمّنه الحديث الثّاني من عدم وجوب نقض المرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة هو (المش) بين الأصحاب رضى اللّه عنهم بل (ظ) كلام المحقّق في المعتبر اتّفاقهم عليه و استفاد بعضهم منه عدم وجوب إيصال الماء الى الشّعر نفسه و في دلالة الحديث على ذلك تأمّل إذ لا يلزم من عدم وجوب نقضه عدم وجوب غسله و اعلم ان القول بعدم وجوب غسل مطلق الشّعر هو المعروف بين الأصحاب و ربّما يستدلّ على ذلك بأصالة براءة الذّمّة من وجوب غسله و بخروجه عن مسمّى الجسد و أنت خبير بانّ (ظ) الحديث التّاسع عشر يعطى خلاف ذلك و قد روى الأصحاب مرسلا عن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) انّه قال تحت كلّ شعرة جنابة فبلّوا الشّعر و انقوا البشرة و شيخنا الشّهيد في الذّكرى حمل الحديثين على ما إذا توقّف التّخليل على إيصال الماء الى الشعر تارة و على الندب اخرى و هو كما ترى و الحق انه ان تحقّق الإجماع على عدم وجوب غسل الشّعر فذاك و الّا فإثبات هذا الحكم بمجرّد ذلك لا (يخلو) من اشكال و اللّه اعلم و الحديث الثّالث صريح في عدم الوضوء مع غسل الجنابة و الضّمير في وصفه يرجع الى حكم بن حكيم اى ثمَّ وصف الغسل الّذي سأل عنه أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) ربّما استدلّ بقوله (عليه السَّلام) في أخره و اىّ وضوء أنقى من الغسل و أبلغ على عدم الاحتياج الى الوضوء في شيء من الأغسال كما هو قول المرتضى رضى اللّه عنه و فيه انّ (الظّ) كون اللّام في الغسل للعهد فانّ المحدّث عنه هو غسل الجنابة و الحديث الرّابع و الخامس هما مستند الأصحاب في وجوب اعادة الغسل على من وجد بللا مشتبها بعده إذا لم يكن قد بال و ظاهرهما عدم الفرق بين القدرة على البول و عدمه و لا بين وقوع الاستبراء و عدمه و بعض الفقهاء فرّق بينهما و الصّور الخمس الدّائرة على ألسنتهم في هذه المسئلة

44

مع ما بنوه عليها من الأحكام مشهورة و ان كان للكلام في مستند بعض تلك الاحكام مجال واسع و الصّلوة في قوله عليه السّلم و يعيد الصّلوة المراد بها الواقعة بعد خروج البلل و امّا المتوسّط بينه و بين الغسل فينبغي ان لا يرتاب في صحّتها لانّ الخارج حدث جديد و نقل ابن إدريس (رحمه الله) عن بعض الأصحاب القول بلزوم اعادتها قال شيخنا الشّهيد طاب ثراه في الذّكرى و لعلّ مستنده الحديث المتقدّم عن محمّد و هو ابن مسلم و يمكن حمله على الاستحباب أو على من صلّى بعد وجدان البلل و ربّما يخيّل فساد الغسل الأوّل لأنّ المنيّ باق بحاله في مخرجه لا في مقرّه كما قاله بعض العامّة و هو خيال ضعيف لانّ المتعبّد به هو الغسل ممّا خرج لا ممّا بقي و لهذا لو حبسه لم يجب الغسل الّا بعد خروجه عندنا و عند أكثرهم انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه و ما تضمّنه الحديث السّادس و السّابع من وضوء النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بمدّ و غسله بصاع ممّا استدلّ به على استحباب بلوغ كلّ من ماء الوضوء و الغسل ذلك المقدار و في كلام بعض العامّة انّ معنى الحديث انّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يتوضّأ بمدّ من ذلك الصّاع فيكون اغتساله بثلاثة امداد و فساده (ظ) و قد فسّر الشّيخ في (يب) الرّطل الّذي اشتمل هذا الحديث على ذكره برطل المدينة قال فيكون تسعة أرطال بالعراقيّ و ربّما يستفاد من الحديث السّابع تأدّي السّنّة بخمسة أمداد للرّجل و المرأة للمتشاركين في الحكم و حكمه (عليه السَّلام) بانّ من انفرد بالغسل فلا بدّ له من صاع واحد محمول على التّأكيد و المبالغة في بلوغ ماء الغسل ذلك المقدار ثمَّ (الظّ) من هذا الحديث انّ ماء غسل الفرجين محسوب من ماء الغسل حيث أورده (عليه السَّلام) في جواب السّؤال عن كيفيّة الغسل و في المنتهى انّ التّقدير لم يحصل بعد الاغتسال بل قبله و ذلك يستلزم إدخال ماء غسل الفرجين في المقدار انتهى و للبحث فيه (مج) و اللّه اعلم و ما تضمّنه الحديث الثّامن من عدم جواز اللّبث في المسجد للجنب هو المعروف من مذهب الأصحاب رضى اللّه عنهم و لم يخالف في ذلك سوى سلّار (رحمه الله) فقد جوّزه على كراهية و قد تضمّن هذا الحديث التّنبيه على الاستدلال على عدم جوازه بالاية الكريمة أعني قوله جلّ و علا يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا فالمراد بالصّلوة (ح) مواضعها اعنى المساجد من قبيل تسمية المحلّ باسم الحال أو على حذف مضاف و المعنى و اللّه اعلم لا تقربوا المساجد في حالتين إحديهما حالة السّكر فإنّ الأغلب انّ الّذي يأتي المسجد إنّما يأتيه للصّلوة و هي مشتملة على اذكار و أقوال يمنع السّكر من الإتيان بها على وجهها و الحالة الثّانية حالة الجنابة و استثنى من هذه الحالة ما إذا كنتم عابري سبيل اى مارّين في المسجد مجتازين فيه و تفسير الآية على هذا الوجه منقول (أيضا) عن جماعة من خواصّ الصّحابة و التّابعين و فيها وجه أخر نقله بعض المفسّرين عن ابن عبّاس و سعيد بن جبير و ربّما رواه بعضهم عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) و هو انّ المراد و اللّه اعلم لا تصلّوا في الحالين حال السّكر و حال الجنابة و استثنى من حال الجنابة إذا كنتم عابري سبيل اى مسافرين فيجوز لكم (ح) الصّلوة بالتّيمم الّذي لا يرتفع به الحدث و انّما يباح به الدّخول في الصّلوة و عمل أصحابنا رضى اللّه عنهم على الوجه الأوّل و ربّما رجّح على الثّاني بسلامته من شائبة التّكرار فإنّه سبحانه بين حكم الجنب العادم للماء في أخر الآية و امّا الرّواية الّتي رووها عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) فلم تثبت و قد بقي للاية الكريمة وجه ثالث حكاه بعض فضلاء فنّ العربيّة من أصحابنا في كتاب ألّفه في الصّناعات البديعيّة و هو ان يكون الصّلوة في قوله (تعالى) لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ على معناها الحقيقي و يراد بها في قوله جلّ و علا وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ مواضعها اعنى المساجد قال (رحمه الله) في الكتاب المذكور عند ذكر الاستخدام

45

بعد ما عرّفه بأنه عبارة عن أن يأتي المتكلّم بلفظة مشتركة بين معنيين متوسّطة بين قرينتين يستخدم كلّ قرينة منهما معنى من معنيي تلك اللّفظة و قد جاء في الكتاب العزيز من ذلك قوله (تعالى) لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ الاية فاستخدم سبحانه لفظة الصّلوة لمعنيين أحدهما إقامة الصّلوة بقرينة قوله سبحانه حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ و الأخر موضع الصّلوة بقرينة قوله جلّ شانه وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ انتهى كلامه و هو كلام حسن في ذاته و لا يضرّه عدم اشتهار الاستخدام بهذا المعنى بين المتأخّرين من علماء المعاني ثمَّ لا يبعد تنزيل ما تضمّنه الحديث الّذي نحن فيه على هذا الوجه فانّ كلام الامام (عليه السَّلام) لا يأباه كما لا يخفى و اللّه أعلم بحقائق كلامه و ما تضمّنه الحديث التّاسع من انّ الجنب و الحائض لا يضعان شيئا في المسجد محمول عند أكثر الأصحاب على التّحريم و عند سلّار على الكراهة و العمل على (المش) و (الظّ) انّه لا فرق في الوضع بين كونه من خارج المسجد أو داخله و ما تضمّنه الحديث العاشر من تيمّم المحتلم في أحد المسجدين هو المعروف بين الأصحاب رضى اللّه عنهم و قول ابن زهرة (رحمه الله) باستحبابه ضعيف و عطفه (عليه السَّلام) أصابه الجنابة على الاحتلام بالفاء من تفريع المسبّب على السّبب (إذ) حقيقة الاحتلام ان يرى الإنسان في منامه شيئا و ليس معناه ان يريق المنيّ في حال النّوم كما يتبادر الى بعض الافهام و لو كان معناه ذلك لصحّ التّفريع (أيضا) إذ الجنابة أثر مترتّب على خروج المنىّ لا نفس خروجه هذا و قد اختلف مسلك الأصحاب في العمل بهذا الحديث فبعضهم لم يتجاوز عمّا دلّ عليه لفظه فقصّر الحكم على المحتلم و لم يجوّز له الغسل و ان تمكّن منه في المسجد و كان في الكثير و قصر زمانه عن زمان التيمّم و منهم من عدّى الحكم الى كلّ مجنب مستندا بعدم تعقّل الفرق و أوجب الغسل إذا ساوى زمانه زمان التيمّم أو قصّر عنه و لم يلزم منه تنجيس المسجد أو شيء من آلاته نظرا الى انّ الحكم بالتّيمّم في الحديث مبنىّ على ما هو الغالب من عدم الماء في المسجدين و عملا بما هو المعروف من عدم مشروعيته مع القدرة على استعمال الماء و كان و الذي (قدّس اللّه روحه) يميل الى هذا و يقوّيه و ظنّي أنّ الوقوف مع النّصّ أقرب الى الصّواب و اللّه أعلم بحقائق احكامه و عموم قوله (عليه السَّلام) في الحديث الحادي عشر يقرؤن ما شاءوا مخصوص في الثّلثة الأول بغير العزائم و قس عليه إطلاق الحديث الثّاني عشر و تحريم العزائم و أبعاضها ممّا اتّفق عليه الأصحاب و انّما اختلفوا فيما عداها فالمنقول عن سلّار رضى اللّه عنه التّحريم (مط) و عن ابن البرّاج تحريم الزّيادة على سبع ايات و الأصح ما عليه الأكثر من جواز ما عدا العزائم بل نقل عليه الشّيخ و المحقّق و المرتضى رضى اللّه عنهم الإجماع و هذان الحديثان صريحان فيه و الحديث الثّالث عشر يدلّ على استحباب غسل اليد للجنب إذا أراد الأكل و أفضليّة الوضوء و قوله (عليه السَّلام) انّا لنكسل اى نتثاقل عن الوضوء لعلّه مقول على السنة الحاضرين و المراد انّكم تكسلون عن الوضوء و تتساهلون في فعله إذا أكلتم و أنتم جنب فينبغي إذا تكاسلتم في ذلك ان لا تتكاسلوا عن غسل اليد و الحديث الرابع عشر يدلّ على استحباب المضمضة و غسل الوجه (أيضا) و لعلّ ذلك قائم مقام الوضوء و الاولى عدم الفصل الكثير بين هذه الافعال و بين الأكل و الشّرب بحيث لا يبقى بينهما ارتباط في العبادة قاله بعض الأصحاب و هو جيّد و الحديث الخامس عشر و السّادس عشر هما المستند في كراهة نوم الجنب حتّى يغتسل أو يتوضّأ و كأنّه (عليه السَّلام) أراد بقوله لا يدرى ما يطرقه من البليّة انّ موته في تلك النّومة غير بعيد فيمكن إذا نام قبل الغسل ان يموت جنبا و الحديث السّابع عشر يدلّ على انّ فتح الجنب و الحائض المصحف ينبغي ان يكون من وراء حائل كالكم و نحوه و يمكن تعدية الحكم الى مسّ الجلد (أيضا) و ان لم يكن معه فتح و

46

استدلّ العلّامة في المنتهى و قبله المحقّق في المعتبر بهذا الحديث على تحريم قراءة السّور السّجدات الأربع و لا يخفى انّ المستفاد منه و من الحديث العشرين انّما هو تحريم قراءة نفس السّجدة و لا دلالة فيهما على تحريم ما عداها من السّور الأربع و لم أظفر في الاخبار بما ينهض دليلا على ذلك و لعلّ الحجّة هي الإجماع كما مرّ نعم نقل المحقّق في المعتبر انّ البزنطيّ روى ذلك في جامعه عن المثنّى عن الحسن الصّيقل عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) و يمكن ان يعتذر من جانب الشّيخين قدّس اللّه روحيهما بأنّ السّجدة كثيرا ما تطلق على سورة السّجدة فلعلّ بهذا هو منظورهما في الاستدلال بالحديث المذكور و اللّه اعلم و ما تضمّنه الحديث الثّامن عشر من نفى البأس عن الاختضاب للجنب ربّما يستدلّ به على عدم كراهته له و الحقّ انّه لا دلالة فيه على ذلك و الأحاديث الدّالة فيه على الكراهة كثيرة و ان كانت غير نقيّة السّند و الى الكراهة ذهب الشّيخان و المرتضى رضى اللّه عنهم و قد مر الكلام في تعليل المفيد كراهته بحيلولته بين الماء و البشرة في بحث الوضوء و ما تضمّنه الحديث التّاسع عشر من قوله عليه السّلم من ترك شعرة من الجنابة لعلّ المراد به مقدار الشّعرة من البشرة لا نفس الشّعرة فلا يخالفه اتّفاق جلّ الأصحاب و كلّهم على عدم وجوب غسل الشّعر و قد تقدّم الكلام فيه قبيل هذا و اللّه أعلم بحقائق الأمور

المطلب الثّاني في غسل الحيض و ما يتعلّق به من الاحكام

و فيه فصول

الفصل الأوّل فيما يعرف به دم الحيض من غيره و أقلّ الحيض و أكثره و أقلّ الطّهر

و ما ورد في مجامعة الحيض للحمل و كون غسله كغسل الجنابة سبعة عشر حديثا احد عشر صحاح و أربعة حسان و موثقان (ا) من الصّحاح معاوية بن عمّار عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) الحيض و الاستحاضة ليس يخرجان من مكان واحد انّ دم الاستحاضة بارد و ان دم الحيض حار (ب) إسحاق بن جرير عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) في خبر طويل دم الحيض ليس به خفاء هو دم حارّ تجد له حرقة و دم الاستحاضة دم فاسد بارد (ج) زياد بن سوقة قال سئل أبو جعفر (عليه السَّلام) عن رجل افتضّ امرأته أو أمته فرأت دما كثيرا لا ينقطع عنها يومها كيف تصنع بالصّلوة قال تمسك الكرسف فان خرجت القطنة مطوّقة بالدّم فإنّه من العذرة تغتسل و تمسك معها قطنة و تصلّى و ان خرج الكرسف منغمسا فهو من الطّمث تقعد عن الصّلوة أيّام الحيض (د) خلف بن حمّاد في حديث طويل عن الكاظم (عليه السَّلام) قال تستدخل القطنة ثمَّ تدعها ثمَّ تخرجها إخراجا رقيقا فان كان الدّم مطوّقا في القطنة فهو من العذرة و ان كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض (ه) صفوان بن يحيى قال سألت أبا الحسن (عليه السَّلام) عن ادنى ما يكون من الحيض فقال أدناه ثلثة و أبعده عشرة (و) يعقوب بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السَّلام) قال ادنى الحيض ثلثة و أقصاه عشرة (ز) صفوان قال سألت أبا الحسن (عليه السَّلام) عن الحبلى ترى الدّم ثلثة أيّام أو أربعة أ تصلّى قال تمسك عن الصّلوة (ح) محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السَّلام) قال سالته عن الحبلى ترى الدّم كما كانت ترى أيّام حيضها مستقيما في كلّ شهر قال تمسك عن الصّلوة كما كانت تصنع في حيضها فاذا طهرت صلّت (ط) عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) انّه سئل عن الحبلى ترى الدّم ا تترك الصّلوة قال نعم انّ الحبلى ربّما قذفت الدّم (ى) الحسين بن نعيم الصّحاف قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) انّ أمّ ولدي ترى الدّم و هي حامل كيف تصنع بالصّلوة فقال إذا رأت الدّم بعد ما يمضى عشرون يوما من الوقت الّذي كانت ترى فيه الدّم في الشّهر الّذي كانت تقعد فيه فانّ ذلك ليس من الرّحم و لا من الطّمث فلتتوضّأ و لتحتش و تصل فإذا رأت الحامل الدّم قبل الوقت الّذي كانت ترى فيه الدّم بقليل أو في الوقت من ذلك الشّهر فإنّه من الحيضة يا معاوية

47

بن عمّار عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) لا يكون القرء في أقلّ من عشرة أيّام فما زاد أقلّ ما يكون من حين تطهر الى ان ترى الدّم (يب) من الحسان حفص بن البختريّ قال دخلت على ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) امرأة سالته عن المرأة يستمرّ بها الدّم فلا تدري حيض هو أم غيره قال فقال لها انّ دم الحيض حارّ عبيط اسود له دفع و حرارة و دم الاستحاضة اصفر بارد فاذا كان للدّم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصّلوة (بح) محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال إذا رأت الدّم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الاولى و ان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة (يد) سليمان بن خالد قال قلت جعلت فداك الحبلى ربّما طمثت فقال نعم انّ الولد في بطن امّه غذاؤه الدّم فربّما كثر فيفضل عنه فاذا فضل دفعته و إذا دفعته حرمت عليها الصّلوة (يه) عبد اللّه بن يحيى الكاهلي عن (الصادق ع) قال سالته عن المرأة يجامعها زوجها فتحيض في المغتسل ا فلا تغتسل قال قد جاءها ما يفسد الصّلوة فلا تغتسل (يو) من الموثّقات الحلبيّ عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال غسل الجنابة و الحيض واحد (يز) عمّار عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) انّه سأله عن المرأة يواقعها زوجها ثمَّ تحيض قبل ان تغتسل قال ان شاءت ان تغتسل فعلت و ان لم تفعل فليس عليها شيء فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض و الجنابة أقول المراد من عدم خروج الدّمين من مكان واحد ان مقرّيهما في باطن المرأة متخالفان فخروج كلّ منهما من موضع خاصّ و المراد بالحرقة اللّدغ الحاصل من حدة الدّم و لعلّه هو المراد من الحرارة في الحديث الثّاني عشر إذ التّأسيس خير من التّأكيد و الاقتضاض بالقاف و الضّاد المعجمة إزالة البكارة بضمّ العين و إسكان الذّال البكارة و يستعملها الفقهاء في الدّم الخارج عند الاقتضاض و الطّمث بفتح الطّاء الحيض و العبيط الخالص الطّريّ و وجه دلالة تطويق الدّم القطنة على كونه دم عذرة على ما في الحديث الثّالث انّ الاقتضاض ليس الّا خرق الجلدة الرّقيقة المنتجة على فم الرّحم فاذا خرقت خرج الدّم من جوانبها بخلاف دم الحيض و المراد بالغسل غسل الجنابة و أمرها بالتّحشى بالقطنة للتحفظ من تعدّى الدّم الى (ظ) الفرج في أثناء الصّلوة و لا يخفى انّه يمكن ان يستنبط منه وجوب عصب الجروح و منع دمها حال التعدّي حال الصّلوة إذا لم يكن فيه مشقّة و سيجيء الكلام فيه (إن شاء الله تعالى) و قوله (عليه السَّلام) في الحديث الرّابع و تدعها مليّا اى تتركها وقتا صالحا و لفظة مطوّقا يجوز كونه بصيغة اسم الفاعل و المفعول و كذلك لفظ مستنقعا و تحديد أقلّ الحيض و أكثره بالثّلاثة و العشرة كما تضمّنه الحديث الخامس و السّادس ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب انّما الخلاف في انّه هل يشترط الى الثّلثة أم يكفي كونها في جملة العشرة و الأوّل هو (المش) و ارتضاه المرتضى رضى اللّه عنه و الثاني مذهب الشّيخ في (يه) و المراد بالثلثة مقدارها من الزّمان و لو بالتّلفيق و فسّر للتّوالى تارة باتّصال الدّم في الثّلثة بحيث متى احتشت بالقطنة و أخرجتها بعد هنيئة خرجت ملطّخة و اخرى بوجود الدّم وقتا ما في كلّ من الثّلثة و ان لم يكن و ربّما فسّر برؤيتها له في أوّل اليوم الأوّل و أخر الأخر و جزء من اجزاء اليوم الأوسط و هذا التّفسير لبعض مشايخنا المتأخّرين قدّس اللّه مرقده و هو غير بعيد و انّما اعتبر وجود الدّم في أوّل الأوّل و أخر الأخر عملا بما ثبت بالنّصّ و الإجماع من انّه لا يكون أقلّ من ثلثة أيّام إذ لو لم يعتبر وجوده في الطّرفين المذكورين لم يكن الأقلّ ما جعله (الشّ) أقلّ فلا تغفل و ما تضمّنه الحديث السّابع و ما بعده من مجامعة الحيض الحمل هو (المش) بين الأصحاب و عليه الصّدوق و المرتضى و العلّامة و الرّوايات به كثيرة و هو الأصحّ و ابن الجنيد و ابن إدريس على عدم مجامعته له و دلائلهما عليه ضعيفة و الشّيخ في على انّ ما تراه الحامل في أيّام عادتها حيض و ما تراه بعد العادة

48

بعشرين يوما فليس بحيض و الحديث العاشر يدلّ عليه و ليس في الأحاديث المعتبرة ما ينافيه و الحديث الحادي عشر يدلّ على انّ أقلّ الطّهر عشرة أيّام و هو ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب و القرء يجوز فيه الفتح و الضّمّ و بعض اللّغويين على انّه بالفتح بمعنى الطّهر و يجمع (ح) على قروء كحرب و حروب و بالضّمّ بمعنى الحيض و يجمع (ح) على اقراء كقفل و اقفال و الأشهر اشتراكه بين المعنيين على كلّ من اللّغتين و قوله (عليه السَّلام) فما زاد المتبادر منه انّ المراد انّه لا يكون أقلّ من عشرة فصاعدا و هو لا (يخلو) من اشكال بحسب المعنى فلعلّ التّقدير فالقرء ما زاد على ان يكون الفاء فصيحة أي إذا كان كذلك فالقرء ما زاد على أقلّ من عشرة و قوله (عليه السَّلام) أقلّ ما يكون عشرة (إلخ) لعلّه انّما ذكره (عليه السَّلام) للتّوضيح و دفع ما عساه يتوهّم من انّ المراد بالقرء معناه الأخر و الثّالث عشر ممّا استدلّ به العلّامة طاب ثراه في المنتهى على انّ أقلّ الطّهر عشرة أيّام و تبعه في الاستدلال به على ذلك بعض الأصحاب و لا يخفى انّه انّما يتمّ إذا ثبت انّ مراده (عليه السَّلام) إذا رأت الدّم قبل إتمام عشرة أيّام من انقطاع دمها و قس عليه قوله (عليه السَّلام) و ان كان بعد العشرة و قد استدلّ (قدّس اللّه روحه) في الكتاب المذكور بهذا الحديث (أيضا) على انّ كلّ دم تراه المرأة ما بين الثّلثة إلى العشرة ثمَّ ينقطع فهو حيض و أنت خبير بانّ استدلاله هذا انّما يتمّ إذا ثبت انّ مراده (عليه السَّلام) إذا رأت الدّم قبل إتمام عشرة أيّام من ابتداء دمها فالاستدلال بهذا الحديث على هذين المطلبين اللّذين يتواردان عليه توارد الضّدّين غريب و اللّه أعلم بحقائق الأمور

الفصل الثّاني في نبذ من احكام الحيض و حكم الصّغيرة و اليائسة و وجوب قضاء الصّوم دون الصّلاة

عشرة أحاديث (أ) من الصّحاح محمّد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن المرأة ترى الصّفرة في أيّامها قال لا تصلّى حتّى ينقضي أيّامها فإذا رأت الصّفرة في غير أيّامها توضّأت و صلّت (ب) محمّد بن عمر بن سعيد عن الرّضا (عليه السَّلام) قال سالته عن الطّامث كم حدّ جلوسها فقال تنتظر عدة ما كانت تحيض ثمَّ تستظهر بثلاثة أيّام هي مستحاضة (ج) محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السَّلام) في الحائض إذا رأت دما بعد أيّامها الّتي كانت ترى الدّم فيها فلتقعد عن الصّلوة يوما أو يومين ثمَّ تمسك قطنة فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كلّ صلوتين بغسل (د) احمد بن محمّد بن ابى نصر عن الرّضا (عليه السَّلام) قال سالته عن الحائض كم تستظهر فقال تستظهر بيوم أو يومين أو ثلثة (ه) ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة الّا ان تكون امرأة من قريش و عبد الرّحمن بن الحجّاج عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال الّتي يئست من المحيض خمسون سنة (ز) معمّر بن يحيى قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الحائض تطهر عند العصر تصلّى الاولى قال لا انّما تصلّى الّتي تطهر عندها (ح) من الحسان زرارة قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن قضاء الحائض الصّلوة ثمَّ تقضى الصوم قال ليس عليها ان تقضى الصّلوة و عليها ان تقضى صوم شهر رمضان (ط) من الموثّقات يونس بن يعقوب عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) في امرأة دخل وقت الصّلوة و هي طاهرة فأخّرت الصّلوة حتّى حاضت قال إذا طهرت (ى) عبد الرّحمن بن الحجّاج عن (الصّادق ع) قال ثلث يزوجن على كلّ حال الّتي لم تحض و مثلها لا تحيض قلت و ما حدّها قال إذا اتى لها أقلّ من تسع سنين و الّتي لم يدخل بها و الّتي قد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض قلت و ما حدّها قال إذا كان لها خمسون سنة أقول دلّ الحديث الأوّل على انّ الصّفرة في أيّام العادة حيض ترجيحا للعادة و الحديث الثّاني و ما بعده على الاستظهار و هو طلب ظهور الحال في كون الدّم حيضا أو طهرا بترك العبادة بعد انقضاء العادة يوما

49

فصاعدا و قد أطبق الأصحاب على ثبوته لذات العادة إذا كانت عادتها دون العشرة و تجاوز الدّم عن أيّام العادة و انّما الخلاف بينهم في مقدار زمانه و وجوبه و استحبابه و المستفاد من الأحاديث المعتبرة كونه الثّلثة و المتأخّرون من الأصحاب على استحبابه و لا استبعاد في وجوب العبادة عليها باختيارها من الاستظهار و لا يلزمهم جواز ترك الواجب لا الى بدل كما لا يخفى ثمَّ لهم في هذا المقام تفصيل (مشهور) و هو انّه ان انقطع دمها على العاشر كان ذلك كاشفا عن كون العشرة حيضا فقضى صوم العشرة و ان كانت قد صامت بعضها و ان تجاوز العشرة كان ذلك كاشفا عن كون الزّائد على العادة طهرا و انّ صومها و صلوتها بعد أيّام الاستظهار كانا صحيحين و وجب عليها قضاء ما أخلّت به منهما أيام الاستظهار و الاخبار الّتي اطّلعنا عليها غير دالّة على ذلك و اللّه أعلم بحقائق الأمور و قد دلّ الحديث الخامس على مخالفة حكم القرشيّة لغيرها في سنّ الياس و استدلال بعضهم به على انّ حدّ يأسها ستّون عجيب و الحديث السّادس و العاشر يدلّان بظاهرهما على انّ حدّ الياس خمسون في القرشيّة و غيرها و هو قول الشّيخ في (يه) و وافقه المحقّق في بحث العدد من (يع) و امّا في بحث الحيض فذهب إلى أنّه ستّون مطلقا و به رواية ضعيفة و القول بالتّفصيل (مشهور) بين المتأخّرين و حاولوا به الجمع بين الاخبار و قول النّهاية غير بعيد و طريق الاحتياط للعبادة و العدّة ممّا لا يخفى و امّا إلحاق النّبطيّة بالقرشيّة فلم اطّلع في الاخبار على ما يدلّ عليه و ما تضمّنه الحديث السّابع من انّ الحائض إذا طهرت عند العصر لم تصلّ الّا العصر لعلّه محمول على ما إذا لم يبق من الوقت سوى ما يختصّ العصر و ما تضمّنه الحديث الثامن من قضاء الصّوم دون الصّلوة ممّا انعقد عليه الإجماع و في رواية الحسن بن راشد قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) الحائض تقضى الصّلوة قال لا تقضى الصّوم قال نعم قلت من اين جاء هذا قال أوّل من قاس إبليس و قوله (عليه السَّلام) في الحديث العاشر ثلث يزوّجن على كلّ حال المراد به ان تزويجهنّ بعد الطّلاق غير مشروط بانقضاء العدّة و قد خالف السّيّد المرتضى و ابن زهرة رضى اللّه عنهما في الصّغيرة و اليائسة فأوجبا عليهما العدّة إذا طلّقتا بعد الدّخول و ستسمع في هذا الحديث كلاما مشبعا في كتاب الطّلاق (إن شاء الله تعالى)

الفصل الثّالث في باقي أحكام الحائض و ما يسوغ فعله حال الحيض و ما لا يسوغ

ستّة عشر حديثا (ا) من الصّحاح زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال سالته كيف صارت الحائض تأخذ من المسجد و لا تضع فيه قال لأنّ الحائض تستطيع ان تضع ما في يدها في غيره و لا تستطيع أن تأخذ ما فيه الّا منه (ب) أبو عبيدة قال سألت أبا جعفر (عليه السَّلام) عن الطّامث تسمع السّجدة فقال ان كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها (ج) عبد الرّحمن بن ابى عبد اللّه عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سالته عن الحائض تقرأ القران و تسجد إذا سمعت السّجدة قال تقرء و لا تسجد (د) الحلبيّ عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) في الحائض ما يحلّ لزوجها منها قال تتّزر بإزار إلى الرّكبتين و تخرج سرّتها له ما فوق الإزار (ه) عمر بن يزيد قال قلت لابيعبد اللّه (عليه السَّلام) ما للرّجل من الحائض قال ما بين اليتها و لا يوقب و عيص بن القسم قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرّجل واقع اهله و هي طامث قال لا يلتمس فعل ذلك قد نهى اللّه ان يقربها قلت فان فعل ا عليه كفّارة قال لا اعلم فيه شيئا يستغفر اللّه (ز) محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السَّلام) في المرأة ينقطع عنها دم الحيض في أخر أيّامها قال إذا أصاب زوجها شبق فليأمرها بغسل فرجها ثمَّ يمسّها ان شاء قبل ان تغتسل (ح) الحلبيّ قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) الرّجل يطلق امرأته و هي حائض قال الطّلاق على غير السّنّة باطل (ط) رفاعة بن موسى النّخّاس قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) اشترى

50

الجارية فربّما احتبس طمثها من فساد دم أو ريح فتسقى الدّواء لذلك فتطمث يومها ا فيجوز لي ذلك و انّى لا ادرى من حبل هو أو عن غيره فقال لي لا تفعل ذلك فقلت له انّما ارتفع طمثها منها شهرا و لو كان ذلك من حبل انّما كان نطفة الرّجل الّذي يعزل فقال ان النّطفة إذا وقعت في غير الرّحم تصير الى علقة ثمَّ إلى مضغة ثمَّ الى ما شاء اللّه و انّ النّطفة إذا وقعت في غير الرّحم لم يخلق منها شيء فلا تسقها دواء إذا انقطع طمثها شهر و أجاز وقتها الّذي كانت تطمث فيه (ى) من الحسان محمّد بن مسلم قال قال أبو جعفر (عليه السَّلام) الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثّياب و يقرءان من القرآن ما شاء الّا السّجدة و يدخلان المسجد مجتازين و لا يقعدان فيه و لا يقربان المسجدين الحرمين و قد مرّ هذا الحديث في بحث الجنابة يا زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال إذا كانت المرأة طامثا فلا يحلّ لها الصّلوة و عليها ان تتوضّأ وضوء الصّلوة عند وقت كلّ صلاة ثمَّ تقعد في موضع طاهر فتذكر اللّه عزّ و جلّ و تسبحه و تهلّله و تحمّده كمقدار صلوتها ثمَّ تخرج لحاجتها (يب) زيد الشحّام قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) يقول ينبغي للحائض أن تتوضّأ عند وقت كلّ صلاة ثمَّ تستقبل القبلة فتذكر اللّه عزّ و جلّ بمقدار ما كانت تصلّى (يح) داود بن فرقد عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سالته عن التّعويذ يعلّق على الحائض قال نعم لا بأس قال و قال تقرؤه و تكتبه و لا تصيبه يدها (يد) زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) انه قال العدة و الحيض الى النساء إذا ادّعت صدّقت (يه) من الموثّقات عبد اللّه بن بكير عن بعض أصحابه عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتّقى موضع الدّم (يو) على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السَّلام) قال سالته عن الحائض ترى الطّهر فيقع عليها زوجها قبل ان تغتسل قال لا بأس و بعد الغسل أحبّ الىّ أقول دلّ الحديث الثّاني على وجوب سجود الحائض عند سماع السّجدة و يؤيّده ما رواه أبو بصير قال قال أبو عبد اللّه (عليه السَّلام) إذا قرئ شيء من العزائم و سمعتها فاسجد و ان كنت على غير وضوء و ان كنت جنبا و ان كانت المرأة لا تصلّى و سائر القران أنت فيه بالخيار ان شئت سجدت و ان شئت لم تسجد و قال الشّيخ في (يه) لا يجوز لها ان تسجد و حجّته الحديث الثّالث و ربّما حمل على سجدات غير العزائم بقرينة قوله عليه السّلم تقرء و لا تسجد إذ المراد به انّها تقرء غير العزائم و أجاب العلّامة في (المخ) تارة بالمنع من صحّة سنده و فيه نظر لا يخفى و اخرى بأنّ قوله (عليه السَّلام) و لا تسجد كناية عن النّهى عن قراءة العزائم الّتي لم يجب السّجود فيها فكأنّه (عليه السَّلام) قال تقرء القران و لا تقرء العزيمة و لهذا الحديث محمل أخر و هو ان يكون قوله (عليه السَّلام) تقرء و لا تسجد محمولا على التّعجّب من عدم سجودها اى كيف تقرء و لا تسجد و الحديث الرّابع يدلّ على ما ذهب اليه المرتضى رضى اللّه عنه في شرح الرّسالة من تحريم الاستمتاع من الحائض إلّا بما فوق المئزر و يؤيّده ما رواه أبو بصير قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الحائض ما يحلّ لزوجها منها قال تتزر بإزار إلى الرّكبتين و تخرج ساقها و له ما فوق الإزار و ما رواه عبد الرّحمن بن ابى عبد اللّه قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرّجل ما يحلّ له من الطّامث قال لا شيء حتّى تطهر و النّكرة في سياق النّفي للعموم خرج الاستمتاع بما فوق السّرّة و تحت الرّكبة بالإجماع فبقي الباقي و أكثر الأصحاب على الكراهة و حملوا هذه الأحاديث عليها جمعا بينها و بين الحديث الخامس و الرّابع و أحاديث أخرى ضعيفة السّند و لا بأس به و اللّه اعلم و الحديث السّادس يدلّ على عدم وجوب الكفّارة على المجامع في الحيض و هو قول الشّيخ في (يه) و تبعه جمع من متأخّري الأصحاب و يؤيّده رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السَّلام) قال سالته عن الحائض

51

يأتيها زوجها فقال ليس عليه شيء يستغفر اللّه و لا يعود و رواية ليث المراديّ قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن وقوع الرّجل على امرأته و هي طامث خطأ قال ليس عليه شيء و قد عصى ربّه و ذهب الأكثر كالمفيد و الصّدوقين و المرتضى و ابن إدريس و ابن حمزة و ابن البرّاج و الشّيخ في (يب) و (ط) و (فح) الى الوجوب بل نقل المرتضى و ابن إدريس إجماع الأصحاب عليه و يؤيّده رواية محمّد بن مسلم قال سالته عمن أتى امرأته و هي طامث قال يتصدّق بدينار و يستغفر اللّه و رواية أبي بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال من اتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدّق به و رواية الحلبيّ عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) عن الرّجل يقع على امرأته و هي حائض قال يتصدّق على مسكين بقدر شبعه و الشّيخ في (يب) حمل الرّواية الأولى على الوطي في أوّل الحيض و الوسطى في وسطه و الأخيرة على الوطي في أخره بحمل مقدار الشّبع على ربع دينار مستندا في ذلك بما رواه داود بن فرقد عن ابى عبد اللّه في كفّارة الطمث انّه يتصدّق إذا كان في أوّله بدينار و في وسطه نصف دينار و في أخره ربع قلت فان لم يكن عنده ما يكفّر قال فليتصدّق على مسكين واحد و الّا استغفر اللّه و لا يعود فانّ الاستغفار توبة و كفّارة لكلّ من لم يجد السّبيل إلى شيء من الكفّارة ثمَّ انّه طاب ثراه حمل كلّا من الحديث السّادس و روايتي زرارة و ليث المراديّ على ما إذا لم يعلم الواطى أنها حائض ثمَّ قال و ليس لأحد ان يقول لا يمكن هذا التّأويل لأنّه لو كانت هذه الاخبار محمولة على حال النّسيان لما قالوا (عليهم السَّلام) يستغفر ربّه ممّا فعل و لا انّه عصى ربّه لانّه لا يمتنع إطلاق القول عليه بأنّه عصى و لا الحثّ على الاستغفار من حيث انّه فرّط في السّؤال عنها هل هي طامث أم لا مع علمه بأنّها لو كانت طامثا لحرم عليه وطؤها فبهذا التّفريط كان عاصيا و وجب عليه الاستغفار لأنّه أقدم على ما لم يأمن ان يكون قبيحا ثمَّ قال و الّذي يكشف عن هذا التّأويل خبر ليث المراديّ أنّ وقوعه عليها كان في حال الخطاء فأجابه (عليه السَّلام) و قد عصى ربّه انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه و فيه من التّكلّف ما لا يخفى و من ثمَّ لم يرتضيه المحقّق في المعتبر و قال انّه تأويل بعيد و حمل روايات الكفّارة على الاستحباب جمعا بين الاخبار قال و امّا احتجاج الشّيخ و علم الهدى بالإجماع فلا نعلمه و كيف يتحقّق الإجماع فيما يتحقّق فيه الخلاف و لو قال المخالف معلوم قلنا لا نعلم انّه لا مخالف غيره و مع الاحتمال لا يبقى وثوق بأنّ الحقّ خلافه انتهى كلامه طاب ثراه و للتّوقف في هذه المسئلة (مج) و اللّه أعلم بحقيقة الحال و الحديث السّابع و السّادس عشر ممّا استدل بهما على جواز وطي الحائض بعد طهرها و قبل الغسل و عليه أكثر الأصحاب (رضوان الله عليهم) و لم يشترطوا في اباحة الوطي سوى النّفساء و حملوا الأخبار المتضمّنة للنّهي عنه على الكراهة كرواية أبي بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سالته عن امرأة كانت طامثا فرات الطّهر ا يقع عليها زوجها قبل ان تغتسل قال لا حتّى تغتسل و ذهب الصّدوق (رحمه الله) الى تحريم الوطي قبل الغسل الّا بشرطين أحدهما ان يكون شبقا اى شديد الميل الى الجماع و الثّاني ان تغسل فرجها و ذهب الشّيخ أبو علىّ الطّبرسيّ (قدّس اللّه روحه) في مجمع البيان الى ان حلّ وطيها مشروط بأنّ تتوضّأ أو تغسل فرجها بل (ظ) كلامه يعطي انّ هذا هو المذهب المعروف بين أصحابنا و لم أظفر في الاخبار بما يدلّ عليه و ما ذهب اليه الصّدوق (رحمه الله) ليس بذلك البعد و الحديث الصحيح صريح في اشتراط الأمرين اللّذين ذكرهما طاب ثراه و يؤيّده قول بعض المفسّرين في قوله (تعالى) فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ اى فاذا غسلن فرجهنّ و ليس تنزيل الأخبار المتضمّنة للنّهى عن الوطي قبل الغسل على الكراهة بأولى من تنزيلها على عدم حصول الشّرط و اللّه سبحانه اعلم و قد دلّ الحديث الثّامن على بطلان طلاق الحائض و هو موضع وفاق و ذلك

52

مع الدّخول و حضور الزّوج أو حكمه و ستسمع الكلام فيه في كتاب الطّلاق (إن شاء الله تعالى) و الحديث التاسع يدلّ على المنع من سقى الدّواء الموجب للحيض لمن احتبس حيضها شهرا فصاعدا لإمكان حملها و ربّما يستفاد منه الإيماء الى عدم مجامعة الحيض الحمل و ما تضمّنه الحديث الثّاني عشر ممّا تفرّد به أصحابنا (رضوان الله عليهم) و هو يدلّ بظاهره على ما ذهب اليه ابن بابويه من وجوب تلك الافعال على الحائض كما تعطيه لفظة على و الأصحاب حملوه على الاستحباب كما هو (الظّ) من الحديث الثّاني عشر و هو الأصحّ و ما تضمّنه الحديث الثّالث عشر من منع الحائض من مسّ التّعويذ لا يبعد ان يستنبط منه المنع من مسّها كتابة القران بطريق اولى و الحديث الرّابع عشر يدلّ على قبول قولها في انقضاء عدّتها سواء كانت بالحيض أو بالأشهر و على تحريم وطيها بمجرّد اخبارها بأنّها حائض و (الظّ) انّ ذلك إذا لم يتّهمها بتضييع حقّه و قد استدلّ جماعة من الأصحاب على وجوب قبول اخبارها بالحيض بقوله (تعالى) وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ قالوا لو لا القبول لما حرم الكتمان و أنت خبير بتطرّق المنع الى هذه الملازمة إذ ليست بيّنة و لا مبيّنة و لعلّ لتكليفها بإظهار ذلك ثمرة أخرى كما يجب على الشّاهد عدم كتمان الشّهادة و ان علم عدم قبول الحاكم لها و اللّه سبحانه اعلم

المطلب الثّالث في غسلي الاستحاضة و النّفاس و ما يتعلّق بهذين الدّمين من الاحكام

و فيه فصلان

الفصل الأوّل فيما يتعلّق بالاستحاضة

تسعة احاديث (ا) من الصّحاح معاوية بن عمّار عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) الحيض و الاستحاضة ليس يخرجان من مكان واحد انّ دم الاستحاضة بارد و انّ دم الحيض حارّ و قد مرّ في بحث الحيض (ب) زرارة عن ابى جعفر (عليه السَّلام) قال سالته عن الطّامث تقعد بعدد أيّامها كيف تصنع قال تستظهر بيوم أو يومين ثمَّ هي مستحاضة فلتغتسل و تستوثق من نفسها و تصلّى كلّ صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدّم فاذا نفذ اغتسلت و صلّت (ج) ابن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال المستحاضة تغتسل عند صلاة الظّهر و تصلّى الظّهر و العصر ثمَّ تغتسل عند المغرب فتصلّي المغرب و العشاء ثمَّ تغتسل عند الصّبح فتصلّي الفجر و لا بأس ان يأتيها بعلها إذا شاء الّا أيّام حيضها فيعتزلها زوجها قال و قال لم تفعله امراة احتسابا الّا عوفيت من ذلك (د) صفوان بن يحيى عن ابى الحسن (عليه السَّلام) قال قلت له جعلت فداك إذا مكثت المرأة عشرة أيّام ترى الدّم ثمَّ طهرت فمكثت ثلثة أيّام طاهرة ثمَّ رأت الدّم بعد ذلك ا تمسك عن الصّلوة قال لا هذه مستحاضة تغتسل و تستدخل قطنة بعد قطنة و تجمع بين صلوتين بغسل و يأتيها زوجها إذا أراد (ه) معاوية بن عمّار عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال المستحاضة تنظر أيّامها فلا تصلّى فيها و لا يقربها بعلها فاذا جازت أيامها و رأت الدّم يثقب الكرسف اغتسلت للظّهر و العصر تؤخّر هذه و تعجّل هذه و للمغرب و العشاء غسلا تؤخّر هذه و تعجّل هذه و تغتسل للصّبح و تحتشي و تستثفر و تحشى و تضمّ فخذيها في المسجد و سائر جسدها خارج و لا يأتيها بعلها أيّام قرئها و ان كان الدّم لا يثقب الكرسف توضّأت و دخلت المسجد و صلّت كلّ صلاة بوضوء و هذه يأتيها بعلها إلّا في أيّام حيضها (و) الحسين بن نعيم الصّحّاف قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) انّ أم ولدي ترى الدّم و هي حامل كيف تصنع بالصّلوة قال فقال إذا رأت الحامل الدّم بعد ما يمضى عشرون يوما من الوقت الّذي كانت ترى فيه الدّم من الشهر الذي كانت تقعد فيه فانّ ذلك ليس من الرّجم و لا من الطّمث فلتتوضّأ و لتحش بالكرسف و تصلّى و إذا رأت الحامل الدّم قبل الوقت الّذي كانت ترى فيه الدّم بقليل أو في الوقت من ذلك الشّهر فإنه من الحيضة فلتمسك عن الصّلوة عدد أيّامها الّتي كانت تقعد في حيضها فان انقطع الدّم عنها قبل ذلك

53

فلتغتسل و لتصلّ و ان لم ينقطع عنها الدّم الّا بعد ان تمضى الأيّام الّتي كانت ترى الدّم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل و لتحتش و لتستثفر و تصلّى الظّهر و العصر ثمَّ لتنظر فان كان الدّم فيما بينها و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضّأ و لتصلّ عند وقت كلّ صلاة ما لم تطرح الكرسف عنها فان طرحت الكرسف عنها فسال الدّم وجب عليها الغسل قال و ان طرحت الكرسف عنها و لم يسل الدّم فلتتوضّأ و لتصلّ و لا غسل عليها قال و ان كان الدّم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقى فان عليها ان تغتسل في كل يوم و ليلة ثلث مرّات و تحتشي و تصلّى و تغتسل للفجر و تغتسل للظّهر و العصر و تغتسل للمغرب و العشاء قال و (كك) تفعل المستحاضة فإنّها إذا فعلت ذلك اذهب اللّه بالدّم عنها (ز) زرارة قال قلت له النّفساء متى تصلّى قال تقعد قدر حيضها و تستظهر بيومين فان انقطع الدّم و الّا اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت فان جاز الدّم الكرسف تعصّبت و اغتسلت ثمَّ صلّت الغداة بغسل و الظّهر و العصر بغسل و المغرب و العشاء بغسل و ان لم يجز الكرسف صلّت بغسل واحد قلت فالحائض قال مثل ذلك سواء فان انقطع عنها الدّم و الّا فهي مستحاضة تصنع مثل النّفساء سواء ثمَّ تصلّى و لا تدع الصّلوة على حال فإنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال الصّلوة عماد دينكم (ح) محمّد الحلبيّ عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سالته عن المرأة تستحاض فقال قال أبو جعفر (عليه السَّلام) سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن المرأة تستحاض فأمرها أن تمكث أيّام حيضها لا تصلّى فيها ثمَّ تغتسل و تستدخل قطنة و تستثفر بثوب ثمَّ تصلّى حتّى يخرج الدّم من وراء الثّوب (ط) علىّ بن مهزيار قال كتبت إليه امرأة تطهرت من حيضها أو نفاسها من أوّل شهر رمضان ثمَّ استحاضت و صلّت و صامت شهر رمضان من غير ان تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلوتين فهل يجوز صومها و صلوتها أم لا فكتب تقضى صلوتها لان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يأمر فاطمة (عليها السَّلام) و المؤمنات من نسائه بذلك أقول دلّ الحديث الثّاني و أخر الحديث الخامس على حكم الاستحاضة القليلة من وجوب الوضوء عند كلّ صلاة و (المش) انّه يجب مع ذلك ابدال القطنة و لعلّ هذا مستثنى من العفو عن نجاسة ما لا يتمّ فيه الصّلوة و لم أظفر في الاخبار بما يدلّ عليه صريحا و لكن صرّح العلّامة في المنتهى بأنّه لا خلاف عندنا في وجوب الابدال و قوله (عليه السَّلام) فلتغتسل المراد به غسل الحيض و لا يبعد ان يكون من أمرها بالاستيثاق من نفسها انّ تتحشّى بقطنة جديدة و قوله (عليه السَّلام) ما لم ينفذ الدّم بالذّال المعجمة (الظّ) انّ المراد به ما لم يثقب الكرسف و امّا الّتي يثقب دمها الكرسف و لا يسيل و هي المعبّر عنها بالمتوسّطة فالأكثر على انّه يجب فيها مع اعمال القليلة الغسل الصلاة الصّبح فقط و استنباط ذلك من الاخبار المعتبرة لا (يخلو) من اشكال بل (الظّ) منها مساواتها للقسم الثّالث المعبّر عنه بالكثيرة في وجوب الأغسال الثّلثة كما ذهب اليه ابن الجنيد و ابن ابى عقيل و المحقّق في المعتبر و العلّامة في المنتهى و هو المستفاد من إطلاق الحديث الثّالث و الرّابع و الخامس و لفظة أيّامها في الحديث الخامس يجوز كونها فاعلا و مفعولا و الاحتشاء استدخال الكرسف و نحوه لحبس الدّم و الاستثفار بالثّاء المثلّثة من استثفر الكلب إذا أدخل ذنبه بين فخذيه و المراد به ان تعمد إلى خرقة طويلة تشدّ احد طرفيها من قدّام و تخرجها من بين فخذيها و تشدّ طرفها الأخر من خلف و العرب يسمّون هذه الخرقة حيضة و قوله (عليه السَّلام) و تحشّى مضبوطة في بعض نسخ التّهذيب المعتمدة بالشّين المعجمة المشدّدة و في بعضها تحتي بالتّاء المثنّاة من فوق و الباء الموحّدة و قد يفسر على الأوّل بأن تربط خرقة محشوّة بالقطن (يق) لها المحشي على عجيزتها للتّحفّظ من تعدّى الدّم حال القعود و في الصّحاح المحشي العظامة تعظم به المرءة عجيزتها و في القاموس

54

المحشى كمنبر و محراب كساء غليظ أبيض صغير تتّزر به و يفسّر على بالاحتباء و هو جمع السّاقين و الفخذين الى الظّهر بعمامة و نحوها ليكون ذلك موجبا لزيادة تحفّظها من تعدّى الدّم و الفعل في قوله (عليه السَّلام) و تضمّ فخذيها في المسجد لعلّه مضمّن معنى الإدخال و لذلك عدّى بفي و ان جعلت الظّرف حالا من المستتر لم يحتج الى التّضمين و الواو في قوله (عليه السَّلام) و سائر جسدها خارج واو الحال و قد تضمّن هذا الحديث و سابقاه اباحة وطى المستحاضة و هو ممّا لا خلاف في جوازه في الجملة إنّما الخلاف في اشتراطه بما يتوقّف عليه الصّلوة من الغسل و الوضوء ففي بعض الرّوايات الضّعيفة ما يدلّ عليه و (ظ) الأحاديث المعتبرة إطلاق الجواز و سبيل الاحتياط واضح و الحديث السّادس يدلّ على انّ المستحاضة إذا لم يتجاوز دمها القطنة إذا تحمّلتها و لم يسل إذا طرحتها فلا غسل عليها و انّما عليها الوضوء و ان سال بعد طرح القطنة فعليها الغسل و انّه إذا تجاوز الدم القطنة المتحمّلة و سال عنها فعليها الأغسال الثّلثة و ربّما استدلّ به على وجوب غسل واحد في الاستحاضة المتوسّطة و هو كما ترى و ما تضمّنه الحديث السّابع من التّعصيب المراد به التّحشّى و الاستثفار و الغسل في قوله (عليه السَّلام) في أخره و ان لم يجز الكرسف صلّت بغسل واحد كما يمكن ان يراد به غسل النّفاس فالاستدلال به على وجوب غسل واحد في المتوسّطة مدخول و قوله (عليه السَّلام) في الحديث الثّامن تستحاض اى يستمرّ بها الدّم و قد يتراءى انّ هذا الحديث متروك (الظّ) لدلالته على انّها إذا انقضت عادتها و اغتسلت للحيض و استثفرت لا يجب عليها غسل أخر للصّلوة الى ان يخرج الدّم من وراء الثّوب الّذي استثفرت به و هو يقتضي إلحاق المتوسّطة بالقليلة في عدم وجوب الغسل اللّهمّ الّا ان (يق) انّه انّما يدلّ على انّها إذا اغتسلت و استثفرت و خرجت عن حكم الحيض و لكنّها تعلم عدم نقائها فإنّه لا يجب عليها ان تتفقّد الدّم في كلّ ان تعمل ما يقتضيه مرتبته بل تعمل ما تعمله المستحاضة القليلة بناء على أصالة عدم خروج دم بعد الغسل زائد على أقلّ مراتب الاستحاضة و انّه يجوز لها الاستمرار على تفقّد حال الدّم الى ان ينفذ من وراء الثّوب الّذي استثفرت به فتيقن (ح) حاله و تعمل بما يقتضيه مرتبته و لم يظهر من الحديث انّها لو تفقدّت حال الدّم في الأثناء و علمت حصول الحالة المتوسّطة لم يجب عليها العمل بمقتضاها ليكون متروك (الظّ) هذا غاية ما يمكن ان (يق) و للنّظر فيه مجال واسع و اللّه اعلم و لقد استدلّ بالحديث التّاسع على انّ المستحاضة إذا أخلّت بالأغسال لم يصحّ صومها و قيّدت بالأغسال النّهاريّة إذ لا دخل لغسل اللّيلة المستقبلة في صحّة صوم يومها الماضي و امّا غسل اللّيلة الماضية فقد توقّف بعضهم في مدخليّته في صوم يومها المستقبل و فصّل بعض مشايخنا المتأخّرين (قدّس اللّه روحه) بأنّها إن قدّمت غسل الفجر ليلا اجزء عن غسل العشاءين و ان أخّرته الى الفجر بطل الصّوم و هو غير بعيد لكن أصل اشتراط صوم المستحاضة بالغسل محلّ تأمّل فإنّ هذا الحديث مع إضماره معلول لتضمّنه إيجاب قضاء الصّوم دون الصّلوة و لا فارق بينهما على ذلك التّقدير و الشّيخ حمله على ما ذا لم تكن عالمة بأنّ عليها الغسل لكلّ صلوتين و هو كما ترى و ربّما حمل على انّ ما تضمّنه من انّها لا تقضى الصّلوة معناه انّه لا يجب عليها قضاء جميع الصّلوات لانّ بعضها كان في أيّام الحيض و هو مع بعده محلّ كلام فإنّ الصّلوة في قول السّائل هل يجوز صومها و صلوتها المراد به الصّلوة الّتي أتت بها في شهر رمضان و هو الزّمان الذي استحاضت فيه كما يدلّ عليه قوله طهرت من حيضها أو نفاسها من أوّل شهر رمضان و ليس الكلام في الصّلوة الّتي قعدت عنها أيّام حيضها قبل دخول شهر رمضان بالحيض أو النّفاس فمع انّه عن (ظ) الكلام بمراحل لا يجدي نفعا و اللّه أعلم بحقائق الأمور

55

الفصل الثّاني في النّفاس

تسعة احاديث (ا) من الصّحاح زرارة عن أحدهما (عليهما السَّلام) قال النّفساء تكفّ عن الصّلوة أيّامها الّتي كانت تمكث فيها ثمَّ تغتسل كما تغتسل المستحاضة (ب) زرارة قال قلت النّفساء متى تصلّى قال تقعد أيّام حيضها و تستظهر بيومين فان انقطع الدّم و الّا اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت الحديث و قد مرّ في بحث الاستحاضة (ج) محمّد بن مسلم قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) كم تقعد النّفساء حتّى تصلّى قال ثماني عشرة سبع عشرة ثمَّ تغتسل و تحشى و تصلّى (د) ابن سنان قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) يقول تقعد النّفساء تسع عشرة ليلة فإن رأت دما صنعت كما تصنع المستحاضة (ه) محمّد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سالته عن النّفساء كم تقعد فقال انّ أسماء بنت عميس أمرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن تغتسل لثماني عشرة و لا بأس ان تستظهر بيوم أو يومين (و) من الحسان الفضل بن يسار و زرارة عن أحدهما (عليهما السَّلام) قال النّفساء تكفّ عن الصّلوة أيّام أقرائها الّتي كانت تمكث فيها ثمَّ تغتسل و تعمل كما تعمل المستحاضة (ز) من الموثّقات زرارة عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال تقعد النّفساء أيّامها الّتي كانت تقعد في الحيض و تستظهر بيومين (ح) عمّار بن موسى عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) في المرأة يصيبها الطّلق أيّاما أو يوما أو يومين فترى الصّفرة أو دما فقال تصلّى ما لم تلد فان غلبها الوجع ففاتها صلاة لم تقدر على ان تصلّيها من الوجع فعليها قضاء تلك الصّلوة بعد ما تطهر (ط) يونس بن يعقوب قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) يقول تجلس أيّام حيضها الّتي كانت تحيض ثمَّ تستظهر و تغتسل و تصلّى (أقول) الأحاديث في تحديد النّفاس متخالفة الّا انّه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) في انّه لا حدّ لأقلّه فجاز ان يكون لحظة و انّما الخلاف في الأكثر و المستفاد من الحديث الأوّل و الثّاني و السّادس و السّابع و التّاسع انّه لا يتجاوز العشرة و الى هذا ذهب الشّيخ و أبو الصّلاح و ابن البرّاج و ابن إدريس و المفيد في أحد قوليه و من الحديث الثّالث و الخامس انّه ثمانية عشر و به قال الصّدوق و ابن الجنيد و المرتضى و سلّار و المفيد في قوله الأخرى و من الحديث الرّابع انّه تسعة عشر و لا يحضرني انّ احد من أصحابنا قال به و العلّامة في (المخ) كأنّه رام الجمع بين أكثر هذه الاخبار فجعل الثّمانية عشر للمبتدأة و امّا ذات العادة فعادتها (و) الشّيخ في (يب) أورد أخبارا متخالفة سوى ما ذكرناه فبعضها يدلّ على الامتداد الى ثلثين و بعضها إلى الأربعين و خمسين و قال بعد ما أورد الحديث الخامس انّه لا يدلّ على انّ أيّام النّفاس ثماني عشرة و انّما يدلّ على انّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمرها بعد الثّماني عشرة بالاغتسال و انّما كان فيه حجّة لو قال انّ أيّام النّفاس ثماني عشرة يوما و ليس هذا في الخبر ثمَّ انّه (قدّس اللّه روحه) أخذ في تقرير الجواب عن الاخبار الدّالّة على الزّيادة على العشرة فقال و لنا في الكلام على هذه الاخبار طرق احديها انّ هذه الاخبار أخبار احاد مختلفة الألفاظ متضادة المعاني لا يمكن العمل على جميعها لتضادّها و لا على بعضها لانّه ليس بعضها بالعمل عليه اولى من بعض و الثّانية انّه يحتمل ان تكون هذه الاخبار خرجت مخرج التّقيّة لأنّ كلّ من يخالفنا يذهب الى انّ أيّام النّفاس أكثر ممّا نقوله و لهذا اختلفت ألفاظ الحديث كاختلاف العامّة في مذاهبهم فكأنّهم (عليهم السَّلام) أفتوا كلّ قوم منهم على حسب ما عرفوا من ارائهم و مذاهبهم و الثّالثة ان لا يمتنع ان يكون السّائل سألهم عن امرأة أتت عليها هذه الأيّام فلم تغتسل فأمروها بعد ذلك بالاغتسال و ان تعمل كما تعمل المستحاضة و لم تدلّ على انّ ما فعلت المرأة في هذه الأيّام كان حقّا هذا كلامه بلفظه ثمَّ انّه طاب ثراه أيّد كلامه بمرفوعة إبراهيم بن هاشم قال سألت امرأة أبا عبد الله (عليه السَّلام) فقالت انّى كنت اقعد في نفاسي عشرين

56

يوما حتى أفتوني بثمانية عشر يوما فقال أبو عبد اللّه (عليه السَّلام) و لم أفتوك بثمانية عشر يوما فقال رجل للحديث الذي روى عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انّه قال لأسماء بنت عميس حين نفست بمحمّد بن ابى بكر فقال أبو عبد اللّه (عليه السَّلام) انّ أسماء سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد اتى لها ثمانية عشر يوما و لو سألته قبل ذلك لأمرها أن تغتسل و تفعل كما تفعل المستحاضة هذا و ربّما يعترض معترض على قوله طاب ثراه في الطّريق الأوّل انّ هذه الاخبار أخبار احاد بأنّ الأخبار الّتي دلّت على عدم تجاوز العشر (أيضا) اخبار احاد بأن الأخبار الّتي دلّت على تجاوز العشر (أيضا) اخبار احاد غير بالغة حدّ التّواتر فما الفرق و الجواب انّه (قدّس اللّه روحه) لم يرد بقوله هذه الاخبار أخبار احاد انّها لم تبلغ التّواتر بل أراد انّها لم يقرن بشيء من المؤيّدات الّتي توجب العمل بمضمونها فانّ عنده انّ الخبر الّذي لم يبلغ حدّ التواتر على ضربين ضرب تأيّد بمطابقة دليل العقل أو الكتاب أو السّنّة المقطوع بها أو كان موافقا لما وقع عليه الاتّفاق فهذا لا يطلق عليه خبر الاحاد و يلحقه في وجوب العمل به بالمتواتر و ضرب خلا عن تلك المؤيّدات فهذا يسمّيه بخبر الاحاد و قد قرر في هذا الاصطلاح في صدر كتاب الاستبصار و المراد هنا هو المعنى الثّاني و امّا الاخبار الأخر الدّالّة على عدم تجاوز العشرة فقد تأيّدت عنده بموافقة ما وقع الإجماع عليه إذ لا خلاف في انّ أكثر النّفاس ليس أقلّ من عشرة و انّما الخلاف في الزّائد فوجب العمل بالمجمع عليه كذا قال طاب ثراه في الاستبصار و اللّه سبحانه اعلم

المطلب الرّابع في غسل الأموات و نبذة من الأحكام المتقدّمة على الموت و المتاخّرة عنه و ثواب المرض و العيادة و آدابها و ذكر الموت

و فيه مقدّمة و فصول

المقدّمة في ثواب المريض و عيادته

و مقدار جلوس العائد عنده و استحباب اعلامه اخوانه بمرضه ليعودوه و اذنه للعوّاد في الدّخول عليه و التّرغيب في الوصيّة و ذكر الموت أعاننا اللّه (تعالى) عليه ثلثة عشر حديثا (ا) من الصّحاح عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رفع رأسه الى السّماء فتبسّم فقيل له يا رسول اللّه رأيناك ترفع رأسك إلى السّماء فتبسّمت قال نعم عجبت من ملكين هبطا من السّماء إلى الأرض يلتمسان عبدا صالحا مؤمنا في مصلّى كان يصلّى فيه ليكتبا له عمله في يومه و ليلته فلم يجداه في مصلّاه فعرجا الى السّماء فقالا ربّنا عبدك فلان المؤمن التمسناه في مصلّاه لنكتب له عمله ليومه و ليلته فلم نصبه و وجدناه في حبالك فقال اللّه عزّ و جلّ اكتبا لعبدي مثل ما كان يعمله في صحته من الخير في يومه و ليلته ما دام في حبالي فانّ علىّ ان اكتب له أجر ما كان يعمله إذا حبسته عنه (ب) معاوية بن وهب عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال أيّما مؤمن عاد مؤمنا حين يصبح شيّعه سبعون ألف ملك فاذا قعد غمرته الرّحمة و استغفروا له حتّى يمسي و ان عاده مساء كان له مثل ذلك حتّى يصبح (ج) من الحسان عبد اللّه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) يقول ينبغي للمريض منكم ان يؤذن إخوانه بمرضه فيعودوه فيؤجر فيهم و يؤجروا فيه قال فقيل له نعم هم يؤجرون فيه بممشاهم اليه فكيف يوجر هو فيهم قال فقال باكتسابه لهم الحسنات فيؤجر فيهم فيكتب له بذلك عشر حسنات و يرفع له عشر درجات و يمحى عنه بها عشر سيّئات (د) يونس قال قال أبو الحسن (عليه السَّلام) إذا مرض أحدكم فليأذن للنّاس يدخلون عليه فإنّه ليس من أحد الّا و له دعوة مستجابة (ه) عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال العيادة قدر فواق ناقة أو حلب ناقة (و) جميل بن صالح عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) انّه سئل عن حدّ الشكاة للمريض فقال انّ الرّجل يقول حممت اليوم و سهرت البارحة و قد صدق و ليس هذا شكاة و انّما الشّكوى ان يقول سهرت البارحة و حممت اليوم و نحو هذا (ز) أبو الصّباح قال قال أبو جعفر (عليه السَّلام) سهر ليلة

57

من مرض أفضل من عبادة سنة (ح) محمّد بن مسلم قال قال أبو جعفر (عليه السَّلام) الوصيّة حقّ و قد اوصى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فينبغي للمسلم ان يوصى (ط) حمّاد بن عثمان عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) انّه قال ما من ميّت يحضره الوفاة إلّا ردّ اللّه عليه من بصره و سمعه و عقله للوصيّة و هي الرّاحة يقال لها راحة الموت فهي حقّ على كلّ مسلم (ى) هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال انّ قوما فيما مضى قالوا لنبيّ لهم ادع لنا ربّك يرفع عنّا الموت فدعا لهم فرفع اللّه عنهم الموت فكثروا حتّى ضاقت عليهم المنازل و كثر النّسل و أصبح الرّجل يطعم أباه و جده قامة و جدّ جده و يوصيهم و يتعاهدهم فشغلوا عن طلب المعاش فقالوا سل لنا ربّك ان يردّنا الى حالنا الّتي كنّا عليها فسال نبيهم ربّه فردّهم الى حالهم (يا) أبو عبيدة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) حدّثني ما انتفع به فقال يا أبا عبيدة أكثر ذكر الموت فإنّه لم يكثر ذكره إنسان إلّا زهد في الدّنيا (يب) هشام بن سالم قال قال أبو عبد اللّه (عليه السَّلام) ما من أهل بيت شعر و لا وبر الّا و ملك الموت يتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات (نج) علىّ بن رئاب قال سمعت أبا الحسن (عليه السَّلام) يقول إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة و بقاع الأرض الّتي كان يعبد اللّه عليها و أبواب السّماء الّتي كانت يصعد اعماله فيها و ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء لأنّ المؤمنين حصون الإسلام كحصون سور المدينة لها (أقول) ما تضمّنه الحديث الأول من انّه يكتب للمريض مثل ما كان يعمله أيّام صحّته ورد به أخبار متكثّرة عن أصحاب العصمة (سلام اللّه عليهم) و في بعضها انّه لا يكتب عليه السّيّئات ما دام مريضا فقد روى في الكافي عن ابى عبد اللّه (عليه السَّلام) قال إذا صعد ملكا العبد المريض الى السّماء عند كلّ مساء يقول الرّبّ تبارك و (تعالى) ما ذا كتبتما لعبدي في مرضه فيقولان الشّكاية فيقول ما أنصفت عبدي ان حبسته في حبس من حبسي ثمَّ امنعه الشّكاية اكتبا لعبدي مثل ما تكتبان له من الخير في صحته و لا تكتبا عليه سيئة حتّى أطلقه من حبسي و روى عن الكاظم (عليه السَّلام) انّه قال إذا مرض المؤمن أوحى اللّه عزّ و جلّ الى صاحب الشّمال لا تكتب على عبدي ما دام في حبسي و وثاقي ذنبا و يوحى الى صاحب اليمين ان اكتب لعبدي ما كنت تكتب له في صحّته من الحسنات و المراد من قول الملكين وجدناه في حبالك انّا وجدناه ممنوعا عن أفعاله الاراديّة كالمربوط بالحبال و قد دلّ الحديث الثّاني على انّ عيادة المريض في صدر النّهار و أخره سواء في ترتّب الأجر و ربّما يستفاد من ذلك انّ ما شاع من انّه لا ينبغي ان يعاد المريض في المساء لا عبرة به (نعم) روى عن (الصادق) (عليه السَّلام) انّه قال لا عيادة في وجع العين و لا في أقلّ من ثلثة أيّام و لفظة في في الحديث الثّالث للسّببيّة و للمشي مصدر ميميّ بمعنى المشي و ما تضمّنه الحديث الخامس من تقدير العيادة بفواق النّاقة أو حلبها (الظّ) انّ الشّكّ فيه من الرّاوي و يحتمل كون الإبهام أو التّخيير وقع من الامام (عليه السَّلام) و المراد بفواق النّاقة الوقت المتخلّل بين حلبتيها لأنّها تحلب ثمَّ تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثمَّ تحلب و الغرض عدم إطالة العائد جلوسه عند المريض و قد ورد في ذلك أخبار عديدة فعن (الصادق) (عليه السَّلام) انّه قال تمام العيادة للمريض ان تضع يدك على ذراعه و تعجّل القيام من عنده فإنّ عيادة النّوكى أشدّ على المريض من وجعه و عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) انّه قال من أعظم العواد اجرا عند اللّه عزّ و جلّ لمن إذا عاد أخاه خفّف الجلوس الّا ان يكون المريض يحبّ ذلك و يريده و يسأله ذلك و ما تضمّنه الحديث السّادس من تحديد الشّكاية المراد به انّ ما زاد فإنّه مكروه مقلّل للثّواب و قد ورد عن (الصادق) (عليه السَّلام) انّه قال من مرض ليلة فقبلها بقبولها كتب اللّه عزّ و جلّ له عبادة ستّين سنة فقال له رجل ما معنى قبولها قال لا يشكو ما اصابه فيها الى احد