روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج1

- الشهيد الثاني المزيد...
463 /
7

مقدّمة التحقيق

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه على هدايته لدينه، و التوفيق لِما دعا إليه من سبيله، و الصلاة و السلام على محمّدٍ حبيبه و خليله، و على آله الهادين إلى صراط الحقّ المبين.

بين يديك أيّها القارئ الكريم كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، واحد من سلسلة آثار الشهيد الثاني زين الدين الجبعي المستشهد سنة 965 هالتي قام بتحقيقها قسم إحياء التراث الإسلامي في مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة، و قد أخرج منها إلى الآن: المقاصد العليّة في شرح الرسالة الألفيّة و الفوائد المليّة لشرح الرسالة النفلية و فوائد القواعد و حاشية الإرشاد. و لا زال العمل قائماً على تحقيق و نشر آثاره و ستصدر قريباً بقيّة رسائله و كتبه إن شاء الله.

و كعادة المحقّقين في مقدّمات الكتب، فإنّا أثبتنا هنا مقدّمة مختصرة تحدّثنا فيها عن متن الكتاب ثمّ تعرّضنا للشرح الذي هو روض الجنان و لم نتعرّض لترجمة الماتن و الشارح، فإنّ فيما ورد في مقدمة منية المريد و غاية المراد غنى و كفاية.

إرشاد الأذهان

إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، للعِمة الحلّي، الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر الحلّي، كتاب فقهي فتوائي، كامل من الطهارة إلى الديات. و يعدّ من المصادر الرئيسيّة للفقه الجعفري و من المتون المهمّة المعتمد عليها؛ لأنّه ذو عبارة سلسة و لطيفة، و جامع لأكثر المسائل الفقهيّة و تفريعاتها المفيدة، و لذلك صار محطّ أنظار العلماء من عصره إلى أيّامنا هذه شرحاً

8

و تعليقاً و تدريساً و تحشية عليه.

فقد ذكر الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الذريعة ثمانية و ثلاثين شخصاً من شرّاحه، (1) و في موضعٍ آخَر منها عدّ ثلاث عشرة حاشية من حواشيه. (2).

و أفرد بعض العلماء رسائل مستقلّة في شرح جملة واحدة منه، كما شرح الشيخ لطف الله الميسي قولًا واحداً للعِمة في مسألة الوصيّة بالمال، و فيه فوائد جليلة و عليه تعليقات كثيرة من الشارح. (3).

و قال التنكابني: حسبوا مسائل كتاب إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان فكانت اثنتي عشرة ألف مسألة، و لكن حسبها فخر المحقّقين فكانت أربعة عشر ألف مسألة (4). و قال بعض الفضلاء: خمسة عشر ألف مسألةٍ. (5).

و طبع لأوّل مرّة سنة 1410 هبأعداد حجة الإسلام الشيخ فارس الحسّون، و قامت بنشره مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في مدينة قم المقدّسة، ثمّ طبع محقّقةً بتحقيق أنيق ضمن غاية المراد في أربعة مجلّدات.

روض الجنان

و سُلّط الضوء عليه عبر نقاط:

الأُولى: عدم وجود اختلاف في اسم الكتاب و نسبته إلى الشهيد الثاني، فقد ذكره مؤلّفه باسم: روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، كما في آخر النسخة الخطّيّة للكتاب التي بخطّ الشهيد نفسه، المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا برقم 2770، و كذلك في إجازته للشيخ تاج الدين ابن الشيخ هلال الجزائري، الصادرة في ليلة الجمعة في الرابع عشر من شهر ذي الحجّة سنة 964 ه. (6).

____________

(1) الذريعة 1: 510.

(2) الذريعة 6: 14- 17.

(3) الذريعة 14: 25.

(4) قصص العلماء: 386.

(5) الذريعة 1: 510.

(6) بحار الأنوار 105: 144.

9

و ذكره أيضاً بهذا الاسم مع نسبته للشهيد الثاني كلّ من ترجم له و ذكر أحواله. (1)

الثانية: أنّ كافّة المصادر صرّحت بأنّ الشهيد الثاني لم يكمّل شرحه للإرشاد، حيث توقّف في آخر بحث الصلاة، أي أنّه شرح كتابي الطهارة و الصلاة من الإرشاد فقط. و فرغ من تأليف كتاب الصلاة منه يوم الجمعة الخامس و العشرين من شهر ذي القعدة سنة 949 ه.

و كذلك كتب الشهيد الثاني (قدّس سرّه) حاشية على قطعة من عقود الإرشاد، إلا أنّنا لم نعثر على نسخة منها، و يستفاد من كلام الطهراني أنّ نسخة منها في مجموعة في خزانة الشيخ علي كاشف الغطاء. (2).

و له أيضاً حاشية أُخرى مختصرة على كافّة مباحث الإرشاد، و المأخوذ أكثرها من حاشية الإرشاد للمحقّق الكركي، و لها نسخ، و قد طبعت مؤخّراً بتحقيق الشيخ رضا المختاري بذيل غاية المراد في شرح نكت الإرشاد.

و أمّا الحاشية على فرائض الإرشاد الذي نسبها إليه الطهراني قائلًا: «الظاهر أنّه أي صاحب الرياض لم يطّلع على بعض المدوّنات له مثل: الحاشية على فرائض الإرشاد، الملحقة بآخر نسخة من الموجودة في الرضوية كما ذكر في (ج 2: 4). و ذكر إنّ أوّلها: الحمد للّه الذي هدانا لإدراك العلوم الأُصوليّة، إلى آخره (3)» فهي كما ذكره الشيخ رضا المختاري في مقدّمة غاية المراد ليست من تأليف الشهيد الثاني. (4).

الثالثة: انتهى الشهيد الثاني من تأليفه لروض الجنان في يوم دحو الأرض الخامس و العشرين من شهر ذي القعدة سنة 949 ه، كما هو مثبت في النسخة الخطّيّة لهذا الكتاب المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا في مدينة مشهد المقدّسة برقم (2770) حيث جاء فيها: تمّ الجزء الأوّل من كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، و يتلوه الجزء الثاني كتاب الزكاة، و اتّفق الفراغ منه يوم الجمعة الخامس و العشرين من شهر ذي القعدة .. سنة تسع و أربعين و تسعمائة على يد مصنّفه .. زين الدين بن علي بن أحمد العاملي.

____________

(1) انظر أمل الآمل 1: 86؛ رياض العلماء 2: 368؛ لؤلؤة البحرين: 34؛ قصص العلماء: 278؛ تنقيح المقال 1: 473؛ أعيان الشيعة 7: 154؛ الذريعة 1: 511/ 2509 و 11: 275/ 1659؛ معجم رجال الحديث 7: 372.

(2) الذريعة 6: 15.

(3) الذريعة 6: 15.

(4) غاية المراد (مقدّمة التحقيق) 1: 317.

10

أمّا شروعه في تأليفه، و هل هو أوّل كتاب ألّفه؟ (1)؟

فإنّ بعض أصحاب التراجم و السير صرّح بذلك، و أقدمهم و أصلهم في هذا المدّعى هو ابن العودي محمَّد بن علي الجزّيني- الذي كان حيّاً سنة 975 ه- حيث قال: فأوّل ما أفرغه في قالب التصنيف الشرح المذكور [روض الجنان] خرج منه مجلّد ضخم، ثمّ قطع عنه على آخر كتاب الصلاة، و التفت إلى التعلّق بأحوال الألفيّة. (2).

و تبعه في ذلك الحرّ العاملي (ت 1104 ه، (3)) و المحقّق التستري (ت 1237 ه) (4)، و الميرزا محمّد التنكابني (ت 1302 ه، (5)، و السيّد الخوانساري (ت 1313 ه، (6))، و السيّد حسن الصدر (ت 1354 ه، (7)) و السيّد محسن الأمين (ت 1371 ه) (8)، و السيّد الخوئي (ت 1413 ه. (9)).

و تردّد المحدّث البحراني (ت 1186 ه) في هذه النسبة، فنسبها إلى قيل. (10).

و على الرغم من كثرة القائلين بهذه الدعوى و علوّ منزلتهم العلميّة، فهناك عدّة مؤثّرات تعارضها:

منها: أنّ الشهيد الثاني أنهى عدداً من مؤلّفاته قبل هذا التأريخ، ككشف الريبة الذي أنهاه في الثالث عشرين شهر صفر سنة 949 ه، و تقليد الميّت التي أنهاها في الخامس عشر من شهر شوّال سنة 949 ه، و تفسير آية البسملة الذي أنهاه في شهر رمضان سنة 940 ه.

و منها: أنّ الشهيد الثاني ذكر بعض مؤلّفاته في روض الجنان، ففي بحث الحيض و أحكامه، قال:

و قد أفردنا لتحقيق الإجماع في حال الغيبة رسالة تنفع في هذا المقام، من أرادها وقف عليها، و إنّما

____________

(1) انظر البحثَ حولَ هذا الموضوع في منية المريد، مقدّمة التحقيق.

(2) الدرّ المنثور 2: 184.

(3) أمل الآمل 1: 86.

(4) مقابس الأنوار: 15.

(5) قصص العلماء: 278.

(6) روضات الجنّات 3: 378.

(7) أمل الآمل 1: 86.

(8) أعيان الشيعة 7: 154.

(9) معجم رجال الحديث 7: 372.

(10) لؤلؤة البحرين: 34.

11

أطنبنا القول في هذه المسألة لفوائد فيها، و شدّة الحاجّة إليها. (1).

و في بحث صلاة المسافر، قال:

إنّ هذه المسألة ليست من المسائل الأُصول المنصوصة .. و نحن قد أفردنا لتحقيقها و ذكر أقسامها و ما يتمّ فيه قول كلّ واحد من الأصحاب رسالة مفردة، من أراد الاطّلاع على الحال فليقف عليها. (2).

و في بحث صلاة القضاء، قال:

و قد أفردنا لتحقيق هذه المسألة رسالة مفردة من أرادها وقف عليها. (3).

عملنا في التحقيق

أ) النسخ المعتمدة:

1. مخطوطة مكتبة الروضة الرضوية بمدينة مشهد المقدّسة المرقّمة 2770، و هي نسخة الأصل بخطّ المصنّف الشهيد، أنهاها المصنّف في يوم الجمعة 25 ذي القعدة سنة 949 ه، و قال:

تمّ الجزء الأوّل من كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، و يتلوه في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى كتاب الزكاة. و اتّفق الفراغ منه يوم الجمعة الخامس و العشرين من شهر ذي القعدة و هو اليوم المبارك الذي دحيت فيه الأرض من تحت الكعبة سنة تسع و أربعين و تسعمائة على يد مصنّفه العبد الفقير إلى الله تعالى، زين الدين بن علي بن أحمد العاملي الشامي، عامله الله بفضله، و عفا عنهم بمنّه، و وفّقه لإكماله، و جعله خالصاً لوجهه الكريم.

و كتب على الورقة الأُولى من النسخة:

كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان إملاء العبد الفقير إلى الله تعالى زين الدين بن علي بن أحمد عفا الله عنهم بمنّه و كرمه.

و النسخة كاملة نفيسة قيّمة، عليها تصحيحات أيضاً بخطّ الشهيد نفسه.

و رمزنا إليها ب«ق».

2. مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي (فهرست سنا، ج 1، ص 293، رقم 502)

____________

(1) روض الجنان 1: 220.

(2) روض الجنان 2: 1062.

(3) روض الجنان 2: 950.

12

المستنسخة عن الأصل، و عليها علائم التصحيح و المقابلة، و عليها حواشٍ: «منه (قدّس سرّه)» و «كذا بخطّه (قدّس سرّه)». و على الورقة الأُولى منها تملّك بخطّ و مهر: «شرف الدين محمّد ضياء الدين بن الحسن بن زين الدين من ذرّيّة الشريف الشهيد شمس الدين محمّد بن مكّي، المؤرّخة سنة 1157 ه».

و ذكر مفهرس المكتبة: لعلّ النسخة من خطّ الشهيد نفسه، من ورقة 49 إلى آخر النسخة غير الصفحة الأخيرة. و الظاهر أنّه لم يصب في قوله؛ لأنّ القرائن الموجودة على النسخة لا تدلّ على ادّعائه.

و رمزنا إليها ب«م».

3. النسخة المطبوعة على الحجر سنة 1307 هبالقطع الكبير الرحلي في 400 صفحة مع كتاب منية المريد في أدب المفيد و المستفيد للمصنّف.

ب) تصحيح النصّ و تقويمه

اعتمدنا في تصحيح الكتاب على نسخة الأصل المذكورة آنفاً و التي هي بخطّ الشهيد و قد استعنّا بالنسختين الأُخريين لتثبيت الصحيح، و للتأييد في تشخيص الكلمات الغريبة و المبهمة، و أشرنا أحياناً في الهامش إلى مواضع الاختلاف بين النسخ لأجل الحفاظ على الأمانة و سلامة النصّ و صحّته.

هذا، و قد ضبطنا الكلمات التي تحتاج إلى الضبط من الأعلام و الألفاظ اللغويّة و العبارات الموهمة.

ج) إرجاع المنقولات إلى المصادر

كان المعوّل عليه في تخريج الأحاديث و الآثار المنقولة- نصّاً أو مضموناً أو إشارةً المصادر الحديثيّة و الجوامع الأصليّة كالكتب الأربعة من طريق الشيعة و الصحاح و المسانيد من طريق السنّة.

و قد بذلنا الجهد التامّ للتعرّف على ما أورده المصنّف من الأقوال و الآراء و الأدلّة و الاعتراضات، و تخريجها و عَزْوها إلى مصادرها الأصليّة، و لم نركن إلى المصادر الثانويّة إلا بعد الفحص و اليأس من الوصول إلى المصدر الأصلي؛ و لم ترد هذه الحالة إلا نادراً و قد أشرنا إليها.

13

و قمنا بشرح معاني اللغات الغريبة و ذلك من خلال الاستعانة بأُمّهات كتب المعاجم اللغوية.

د) إعداد الفهارس

و أخيراً عملنا فهارس عامّة للكتاب تسهيلًا لمهمّة الباحثين و المراجعين، ألحقناها بالمجلّد الثاني، تحتوي على الفهارس الفنّية.

هذا، و قد كان أملنا من عملنا هذا تقديم نصّ صحيح سليم مضبوط، خالٍ من التعقيد و الإبهام.

شكر و ثناء

و في الختام نرى لزاماً علينا أن نتقدّم بخالص الشكر و جميل الثناء إلى الإخوة الأعزّاء المحقّقين الذين ساهموا بمساعدتنا على إتمام تحقيق هذا الكتاب و نخصّ منهم بالذكر: سماحة حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد الباقري، فإنّه تصدّى لمسؤولية تقويم نصّ الكتاب، و فضيلة الشيخ غلام رضا النقي، لمساعدته في توزيع النصّ. و المساهمين في التخريج و مقابلة النسخ و تصحيح التجارب المطبعيّة، الإخوة الأعزّاء: الشيخ محمّد مهدي عادل نيا و السيّد خليل العابديني و الشيخ محمّد الرباني و الشيخ غلام حسين الدهقان و الشيخ محسن النوروزي و الأخ إسماعيل بيك المندلاوي و الأخ حسان فرادي.

و أيضاً نتقدّم بخالص شكرنا للأُستاذ الأديب البارع أسعد الطيّب لمراجعته النهائيّة للكتاب، و فضيلة الشيخ علي أوسط الناطقي، لمساعدته على تصحيح الكتاب و إرشادات علميّة و فنّيّة حتّى إخراج الكتاب.

و الله تعالى هو المسئول أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم؛ فإنّه أرحم الراحمين و هو حسبنا و نعم الوكيل.

قسم إحياء التراث الإسلامي مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة 15 شعبان 22 1421 آبان 1379

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

[شرح الخطبة]

بسم الله الرحمن الرحيم، و به ثقتي الحمد للّه المتفضّل بشرح معالم شريعته لإرشاد الأنام، المتطوّل بإرسال الرسل لتبريز الأحكام و تمييز الحلال عن الحرام، مكمّل من اختارهم من خلقه بالقيام بوظائف هذا المرام، و جاعل أقدامهم واطئةً على أجنحة ملائكته الكرام، و مرجّح مدادهم يوم القيام على دماء الشهداء الأعلام.

أحمده سبحانه، و أشكره و أتوب إليه و أستغفره من جميع الآثام، و أُصلّي و أُسلّم على نبيّه الذي شيّد و أحكم الأحكام أشدّ تشييد- و أحكم إحكامٍ، محمّد الذي أزاح بنور عزّته غياهب الظلام، و أدأب نفسه الشريفة في تبليغ رسالة الملك العلام، و دعا بشريعته المقدّسة إلى دار السلام، و على آله الغرّ الكرام أئمّة الإسلام، و حَفَظَة الشرع الكريم عن تطرّق الأوهام، صلاةً و سلاماً دائمين لا انقضاء لهما و لا انفصام ما تعاقب الليالي و الأيّام و تناوب الشهور و الأعوام.

و بعد، فهذا تعليق مختصر كافل بالإمداد للمشتغل (1) بكتاب الإرشاد، حقّقت فيه مقام المقال حسب مقتضى الحال، معرضاً عن تطويل العبارة بالقيل و القال، مكتفياً في الغالب بالجواب عن السؤال، راجياً في ذلك وجْهَ اللّه الكريم و ثوابه الجسيم، و التقرّب إلى نبيّه محمّد و آله عليهم أفضل الصلاة و التسليم، معترفاً بالقصور عن شَأْو هذا الشأن، و بأنّ الإنسان محلّ الخطاء و النسيان، ما خلا الذوات المقدّسة الذين هم أعيان الإنسان، و أيّ كلام لا يتأتّى عليه كلام؟ حاشا كلام الملك العلام و أنبيائه و أوصيائه (عليهم السلام).

مع أنّي أرجو ممّن اشتمل على الإنصاف إهابه، و قلّ في سبيل الحسد ذهابه و قليل ما

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «للمشتغلين».

22

هم أن يحمد منّي ما يجده في مطاويه، و يشكر سعيي عند وقوفه على دقائق مودعة فيه لا يجدها إذا أرادها في كتاب، و لا يبتهج بها إلا المتّقون من اولي الألباب، و اللّه يحقّ الحقّ بكلماته و يُبطل الباطل و لو كره المبطلون.

هذا، مع تقسّم البال و تقلقل الحال من تراكم أمواج فتن و أهوال، و على اللّه قصد السبيل و إرشاد الدليل، و هو حسبي و نعم الوكيل.

اعلم أنّ العلماء (رضوان اللّه عليهم) قد استقرّ أمرهم على أن يبتدئوا في مصنّفاتهم بتسمية اللّه تعالى و تحميده؛ اقتداءً بخير الكلام، كلام الملك العلام، و استدلالًا بأحاديث وردت عن رسوله و آله «، فسلك المصنّف (رحمه اللّه) هذا النهج القويم، و قال:

(بسم اللّه الرحمن الرحيم).

و توهّم التنافي بين مشهوري خبري «البَسْمَلة» و «الحَمْدَ له» اللّذين أحدهما: قوله (عليه السلام): «كلّ أمرٍ ذي بال لم يُبدأ فيه ببسم اللّه فهو أبتر (1)» و الثاني: قوله (عليه السلام): «كلّ أمرٍ ذي بال لم يُبدأ فيه بحمد اللّه فهو أجذم» (2)»- باعتبار أنّ الابتداء بمدلول أحدهما يوجب تأخير الآخر يندفع: بأنّ الابتداء هو التقديم على المقصود الذاتي، و هو مسائل الفنّ، و الخطبة بأجمعها مقصودة بالعرض، و المحلّ متّسع، أو بأنّ الابتداء حقيقيّ و إضافيّ، فالحقيقيّ حصل بالبَسْمَلَة، و الإضافيّ بالحَمْد لَه، فهو مبتدأ به بالإضافة إلى ما بعده، أو بأنّ الحمد هو الثناء بنعوت الكمال، و اسم اللّه المتعال منبئ عن صفات الإكرام و نعوت الجلال، فالابتداء بالتسمية يستلزم العمل بالخبرين جميعاً.

و المراد بالأمر ذي البال ما يخطر بالقلب من الأعمال، جليلةً كانت أم حقيرة، فإنّ أفعال العقلاء تابعة (3) لقصودهم و دواعيهم المتوقّفة على الخطور بالقلب.

و الأبتر يطلق على المقطوع مطلقاً، و على مقطوع الذنب، و على ما لا عقب و لا نتيجة له، و على ما انقطع من الخير أثره.

و المعنى على الأوّل و الأخير أنّ ما لا يبتدأ فيه من الأُمور بالتسمية مقطوع الخير و البركة، و على الثاني يراد به الغاية الحاصلة من البتر، و هي النقص و تشويه الخلقة و نقص القدر.

____________

(1) الكشّاف 1: 3- 4؛ التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): 25، ذيل الحديث 7.

(2) المعجم الكبير- للطبراني- 19: 72/ 141؛ سنن أبي داود 4: 261/ 4840 بتفاوت يسير.

(3) في «م»: تقع تابعة».

23

و في تخصيص الوصف بالآخر مع أنّ الفائت مع عدم التسمية الأوّل إشارة إلى اعتبار ما لا تسمية فيه في الجملة و إن كان ناقصاً، بخلاف ناقص الرأس مثلًا؛ فإنّه لإبقاء له.

و الكلام في الثالث نحو الكلام في الأوّل و الأخير؛ فإنّ ما لا نتيجة له و لا عقب ناقص البركة، مضمحل الفائدة، منقطع الخير.

و التعبير بالابتداء الصادق على القول و الكتابة يدخل فيه ابتداء العلماء بها كتابةً، و ابتداء الصنّاع بها قراءةً، فسقط ما قيل (1): إنّه إن أراد بالابتداء القراءة، لم تكن فيه دلالة على الاجتزاء بالكتابة، فلا يتمّ تعليلهم ابتداء التصنيف بها؛ لأنّ الكتابة لا تستلزم القراءة. و إن أُريد الكتابة، لم يحصل امتثال النجّار و نحوه للخبر حتّى يبتدئ أوّلًا، فيكتب بسم اللّه إلى آخره؛ لاندفاع ذلك بالتعبير بالابتداء على وجهٍ كلّيّ. نعم، ربما استفيد من القرائن الحاليّة اختصاص كلّ أمرٍ بما يناسبه من فردَي الابتداء، فلا تكفي الكتابة لمريد النجارة مثلًا.

و «الباء» في «بسم اللّه» إمّا صلة فلا تحتاج (2) إلى ما تتعلّق به، أو للاستعانة أو للمصاحبة (3) متعلّقة بمحذوف اسم فاعل خبر مبتدإ محذوف، أي: ابتدائي ثابت باسم اللّه، أو فعل (4) أو حال من فاعل الفعل المحذوف، أي: ابتدئ متبرّكاً أو مستعيناً، أو مصدر مبتدإ خبره محذوف، أي: ابتدائي باسم اللّه ثابت، و نحوه. و لا يضرّ على هذا حذف المصدر و إبقاء معموله؛ لأنّه يتوسّع في الظرف و الجارّ و المجرور ما لا يتوسّع في غيرهما، و تقديم المعمول هنا أوقع، كما في قوله تعالى: بِسْمِ اللّٰهِ مَجْرٰاهٰا (5) و إِيّٰاكَ نَعْبُدُ (6) و لأنّه أهمّ و أدلّ على الاختصاص و أدخل في التعظيم و أوفق للوجود.

و إنّما كُسرت الباء و من حقّ الحروف المفردة أن تُفتح؛ لاختصاصها بلزوم الحرفيّة و الجرّ كما كسرت لام الأمر و لام الجرّ إذا دخلت على المظهر؛ للفرق بينها و بين لام التأكيد.

و «الاسم» مشتقّ من السمو، حُذفت الواو من آخره، و زِيدت همزة الوصل في أوّله؛

____________

(1) لم نعثر على القائل.

(2) في الطبعة الحجريّة: «لا يحتاج».

(3) في «ق، م»: «المصاحبة».

(4) كلمة «أو فعل» لم ترد في «م».

(5) هود (11): 41.

(6) الفاتحة (1): 5.

24

لأنّه من الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون.

و سُمّي اسماً لسموّه؛ على مسمّاه و عُلوّه على ما تحته من معناه.

و قيل: أصله وسم، (1) و هو العلامة.

و الأوّل أولى؛ بدليل تصغيره على سُمّي، و جمعه على أسماء؛ و لأنّ بينه و بين أصله على الأوّل مناسبة لفظيّة و معنويّة، بخلاف الثاني؛ فإنّها معنويّة فقط.

و إنّما علّق الجارّ على الاسم مع أنّ المعنى إنّما يراد تعلّقه بالمسمّى؛ للإشعار بعدم اختصاص التعلّق بلفظ «اللّه» لا غير؛ لأنّه أحد الأسماء، و للتحرّر من إيهام القسم، و لقيام لفظ «اللّه» مقام الذات في الاستعمال، و من ثَمّ يقال: الرحمن، و الرحيم، و غيرهما اسم من أسماء اللّه، و لا ينعكس؛ و لجريان باقي الأسماء صفة له من غير عكس.

و «اللّه» اسم للذات الواجب الوجود الخالق لكلّ شيء، و هو جزئيّ حقيقيّ لا كلّيّ انحصر في فرد، و إلا لما أفاد قولنا: «لا إله إلا اللّه» التوحيد؛ لأنّ المفهوم الكلّيّ من حيث هو محتمل للكثرة.

و عُورض بقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ (2) فإنّ الله لو كان جزئيّاً حقيقيّا، لما حسن الإخبار عنه بالأحديّة؛ للزوم التكرار.

و يجاب: بأنّ الجزئي إنّما ينفي الكثرة الخارجيّة و التعدّد الذاتي مثلًا، و هو مرادف للواحد، فليس فيه إلا نفي الشريك المماثل مع جواز الكثرة بحسب أجزائه و صفاته، بخلاف الأحد؛ فإنّه يقتضي نفي التعدّد و الكثرة فيه مطلقاً حتّى في الصفات، فإنّها اعتبارات و نسب لا وجود لها في الخارج، كما قال عليّ: (عليه السلام)

و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه

(3) سلّمنا، لكنّ المعارضة إنّما تتمّ لو جعلنا هو ضمير الشأن و الله أحد مبتدأً و خبراً في موضع خبر هو و ليس ذلك متعيّناً؛ لجواز كون هو مبتدأً بمعنى المسئول عنه؛ لأنّهم قالوا: «ربّك من نحاس أم من ذهب؟» (4)»؟ فعلى هذا يجوز أن يكون الله خبر

____________

(1) انظر الوسيط- للواحدي- 1: 63؛ و الجامع لأحكام القرآن 1: 101؛ و تهذيب اللغة 13: 117، «س م ا».

(2) الإخلاص (112): 1.

(3) نهج البلاغة: 14 (الخطبة 1).

(4) انظر مجمع البيان 9- 10: 564.

25

المبتدأ و أحد بدلًا، و حينئذٍ فلا يلزم من تساويهما في المعنى انتفاء كونه جزئيّاً حقيقيّا.

و «الرحمن الرحيم» اسمان بُنيا للمبالغة من «رحم» بتنزيله منزلة اللازم، أو بجَعْله لازماً و نقله إلى فَعُل بالضمّ.

و «الرحمة» لغةً: رقّة القلب و انعطاف يقتضي الإحسان، فالتفضّل غايتها، و أسماؤه تعالى، المأخوذة من نحو ذلك إنّما تؤخذ باعتبار الغاية دون المبدأ، فالرحمة في حقّه تعالى معناها إرادة الإحسان، فتكون صفةَ ذات، أو الإحسان، فتكون صفةَ فعل، فهي إمّا مجاز مرسل في الإحسان أو في إرادته، و إمّا استعارة تمثيليّة بأن مَثّلت حالَه تعالى بحالة مَلِك عَطَفَ على رعيّته و رقّ لهم، فغمرهم معروفُه، فأُطلق عليه الاسم و أُريد به غايته التي هي فعل لا مبدؤه الذي هو انفعال.

و «الرحمن» أبلغ من «الرحيم» لأنّ زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني، كما في «قطع» و «قطّع» و «كبار» و «كبّار».

و نُقض ب«حَذِر» فإنّه أبلغ من «حاذر».

و أُجيب: بأنّ ذلك أكثريّ لا كلّيّ، و بأنّه لا تنافي أن يقع في الأنقص زيادة معنى بسببٍ آخر، كالإلحاق بالأُمور الجبلّيّة ك«شَرِه» و «نَهم» و بأنّ الكلام فيما إذا كان المتماثلان في الاشتقاق متّحدَي النوع في المعنى، ك«غَرِث» و «غَرثان» و «صَدٍ» «صَديان» لا ك «حَذِر» و «حاذر» للاختلاف.

و إنّما قدّم و القياس يقتضي الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، كقولهم: «عالِم نحرير» و «جواد فيّاض؛ لأنّه صار كالعَلَم من حيث إنّه لا يوصف به غيره، أو أنّه صفة في الأصل لكنّه صار عَلَماً بالغلبة، كما اختاره جماعة من المحقّقين.

قال ابن هشام: و ممّا يُوضّح أنّه غير صفة: مجيئهُ كثيراً غير تابع، نحو: الرَّحْمٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ (1) قُلِ ادْعُوا اللّٰهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمٰنَ (2) وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمٰنِ (3) (4). انتهى.

____________

(1) الرحمن (55): 1 و 2.

(2) الإسراء (17): 110.

(3) الفرقان (25): 60.

(4) مغني اللبيب 2: 602.

26

و فيه: إمكان بناء ذلك على حذف الموصوف و إبقاء الصفة، كقوله تعالى أَنِ اعْمَلْ سٰابِغٰاتٍ (1) و أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ (2) و يرجّح الأوّل مجازيّة الإضمار، و يبتنى على عَلَميّته أنّه بدل لا نعت، و أنّ «الرحيم» بعده نعت له لا للاسم دونه (3)؛ إذ لا يتقدّم البدل على النعت.

(الحمد) و هو لغةً: الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم، فخرج بالجميل الثناءُ على غيره على قول بعضهم: إنّ الثناء حقيقة في الخير و الشرّ، و على رأي الجمهور: إنّه حقيقة في الخير فقط، ففائدة ذِكْر ذلك تحقيق الماهيّة، أو دفع توهّم إرادة الجمع بين الحقيقة و المجاز عند مُجوّزه من الأُصوليّين.

و بالاختياري المدحُ، فإنّه يعمّ الاختياري و غيره عند الأكثر. و على القول بالأُخوّة بمعنى الترادف يحذف القيد ليعمّ.

و «على جهة التعظيم» يخرج ما كان على جهة الاستهزاء أو السخرية، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (4) و يتناول الظاهر و الباطن، إذ لو تجرّد عن مطابقة الاعتقاد أو خالفته أفعال الجوارح، لم يكن حمداً، بل هو تهكّم أو تمليح، و هذا لا يقتضي دخول الجوارح و الجنان في التعريف؛ لأنّهما اعتُبرا فيه شرطاً لا شطراً.

و نُقض في عكسه بالثناء على اللّه تعالى بصفاته الذاتيّة؛ فإنّها ليست اختياريّةً.

و أُجيب بأنّه يتناولها تبعاً، أو أنّها منزّلة منزلة أفعال اختياريّة حيث إنّ ذاته اقتضت وجودها على ما هي عليه، أو أنّها مبدأ أفعال اختياريّة، فالحمد عليها باعتبار تلك الأفعال، فالمحمود عليه اختياريّ في المآل؛ تنزيلًا للمسبّب منزلة السبب، و الكلّ تكلّف.

و «الحمدُ» عرفاً: فعل يُنبئ عن تعظيم المُنْعِمِ من حيث إنّه مُنعم على الحامد أو غيره، سواء كان باللسان أم بالجنان أم بالأركان.

و «الشكر» لغةً: هو هذا الحمد. و عرفاً: صرف العبد جميع ما أنعم اللّه به عليه إلى

____________

(1) سبأ (34): 11.

(2) الحديد (57): 25.

(3) في «ق، م» بدل «لا للاسم دونه»: «لا لاسم اللّه».

(4) الدخان (44): 49.

27

ما خلق لأجله.

و «المدح» لغةً: الثناء باللسان على الجميل مطلقاً على جهة التعظيم. و عرفاً: ما يدلّ على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل، فبين كلّ من الستّة و البقيّة نسبة: إمّا تباين كالحمد اللغوي لا بالنظر إلى شرطه، و المدح اللغوي مع الشكر العرفي؛ لصدقهما بالثناء باللسان فقط، و الشكر إنّما يصدق بذلك مع غيره، أو تساوٍ كالحمد العرفي مع الشكر اللغوي، أو عموم و خصوص مطلق كالحمد اللغوي مع كلّ من المدحين؛ لصدقه بالاختياري فقط، و صدقهما به و بغيره، أو مع الشكر العرفي بالنظر إلى شمول متعلّق الحمد للّه تعالى و لغيره، و اختصاص متعلّق الشكر به تعالى، و كالشكر اللغوي مع الشكر العرفي؛ لصدقه بالنعمة فقط، و صدق العرفي بها و بغيرها، و كذا بين المدحين و بين الحمد و الشكر العرفيّين، و بين الشكر و المدح كذلك، و بين الحمد و المدح كذلك، و بين الشكر اللغوي و المدح العرفي، أو عموم من وجه كالحمد اللغوي مع العرفي؛ لصدقهما بالثناء باللسان في مقابلة نعمة، و انفراد اللغوي؛ لصدقه بذلك في غيرها، و العرفي؛ لصدقه بغير اللسان، فمورده أعمّ، و متعلّقه أخصّ، و اللغوي عكسه، أو مع الشكر اللغوي كذلك، و كالحمد العرفي و الشكر اللغوي مع المدح اللغوي؛ لاجتماعهما معه في الثناء باللسان على النعمة، و انفرادهما عنه؛ لصدقهما بغير اللسان، و انفراده عنهما؛ لصدقه بغير النعمة، فمورده أخصّ، و متعلّقه أعمّ، و هُما بالعكس.

و اعلم أنّ نقيض الحمد الذمُ، و الشكرِ الكفرانُ، و المدحِ الهجوُ، و الثناءِ النثاءُ بتقديم النون.

(للّه) الجار و المجرور ظرف مستقرّ مرفوع المحلّ على أنّه خبر لقوله: «الحمد» و هو في الأصل ظرف لغوٍ لَهُ؛ لأنّه من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة، كقولهم: «شكراً» و «كفراً» فكان في الأصل أحمد حمداً للّه، و إنّما عدل عن النصب إلى الرفع ليدلّ على ثبات المعنى و استقراره.

و منه قوله تعالى قٰالُوا سَلٰاماً قٰالَ سَلٰامٌ* (1) فزاد إبراهيم (عليه السلام) تحيّته بالرفع؛ لتكون أحسن.

____________

(1) هود (11): 69.

28

و اللام في «الحمد» للاستغراق عند الجمهور. و للجنس عند الزمخشري (1)، و لا فرق هنا؛ لأنّ لام «للّه» للاختصاص، فلا فرد منه لغيره، و إلا لوُجد الجنس في ضمنه، فلا يكون الجنس مختصّاً به. و للحقيقة عند بعضهم بمعنى أنّ حقيقة الحمد و طبيعته ثابتة للّه. و للعهد عن آخرين. و أجازه الواحدي (2) بمعنى أنّ الحمد الذي حَمِد اللّه به نفسه و حَمِدَه به أنبياؤه و أولياؤه مختصّ به، و العبرة بحَمْد مَنْ ذُكر.

و إنّما قدّم الحمد؛ لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به و إن كان ذكر اللّه أهمّ في نفسه؛ و لأنّ فيه دلالةً على اختصاص الحمد به. و جملة الحمد خبريّة لفظاً، إنشائيّة معنىً؛ لحصول الحمد بالتكلّم بها، و يجوز أن تكون موضوعةً شرعاً للإنشاء.

(المتفرّد) بالتاء المثنّاة من فوق، و الراء المشدّدة بعد الفاء. و يحتمل على ضعفٍ أن تكون بالنون مع تخفيف الراء.

و إنّما رجّح الأوّل؛ ليناسب مفتتح بقيّة الفقرات، ك«المتنزّه» و «المتفضّل» و «المتطوّل؛ و لأنّه يقتضي المبالغة في الوصف؛ لما مرّ من أنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى.

(بالقِدَم) الذاتي فلا أوّل لوجوده، و لا يشركه فيه شيء، و هذا الوصف يستدعي كمال قدرته و علمه؛ لأنّ مشاركة غيره له فيه موجبة لواجبيّته المنافية لذلك، و يندرج فيه باقي الصفات الثبوتيّة لزوماً.

و فيه تكذيب للقائل بِقدَم الأجسام السمائيّة، كأرسطو، و للقائل بأنّ مادّة العالم قديمة، كسقراط، على اختلافٍ في تلك المادّة.

(و الدوام) الذاتي، فلا آخر لوجوده، و لا يشركه فيه شيء.

و التقييد بالذاتي يخرج أهل الجنّة؛ فإنّهم يشاركونه فيه، لكن دوامهم ليس ذاتيّاً، و هذا القيد من لوازم صفاته تعالى و إن لم يصرّح به؛ فإنّها أُمور اعتباريّة، و مرجعها حقيقةً إلى الذات المقدّسة.

و ربما يقال في دفع المشاركة أيضاً: إنّ المراد انفراده تعالى بالقِدَم و الدوام معاً بجعل الواو بمعنى «مع» و أهل الجنّة لا يشاركونه في الأُولى. و الأوّل أولى.

____________

(1) الكشّاف 1: 9- 10.

(2) انظر: الوسيط- للواحدي- 1: 65- 66.

29

و أولويّة تقديم هذه الفقرة على ما بعدها مبنيّة على أشرفيّة الصفات الثبوتيّة على السلبيّة بناءً على أنّها وجوديّة؛ و الوجود أشرف من العدم.

و فيه بحث في محلّ يليق به، و لا يخفى خلوّ افتتاح المقال من براعة الاستهلال.

(المتنزّه) من النزاهة بفتح النون و هي البُعْد، أي المتباعد (عن مشابهة الأعراض و الأجسام؛ لحدوثهما و اللّه تعالى قديم واجب الوجود، كما برهن عليه في محلّه.

و تعبيره بالبُعْد عن المشابهة كناية عن نفي المشابهة أصلًا، لا أنّ بينهما مشابهةً بعيدة، و هذه قاعدة معروفة من قواعد العرب يعبّرون بهذا و ما جرى مجراه، و مرادهم بذلك المبالغة في النفي و تأكيده.

و من القاعدة قولهم: فلان بعيد عن الخنا (1) و غير سريع إليه.

قال المرتضى رضي اللّه عنه: يريدون أنّه لا يقرب الخنا، لا نفي الإسراع إليه حسب. (2).

و هكذا القول في البُعْد عن المشابهة في كلام المصنّف يراد به عدمها أصلًا، لا حصولها على بُعْدٍ.

قال (رحمه اللّه): و منها: قوله تعالى الَّذِي رَفَعَ السَّمٰاوٰاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهٰا (3) وَ لٰا تَكُونُوا أَوَّلَ كٰافِرٍ بِهِ (4) و لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً. (5).

و من كلامهم: فلان لا يرجى خيره، و ليس مرادهم أنّ فيه خيراً لا يرجى، و إنّما غرضهم أنّه لا خير عنده على وجه من الوجوه.

و قول بعضهم:

لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهوالُها* * * و لا ترى الضبّ بها يَنْجَحِر

أراد ليس بها أهوال تفزع الأرنب، و لا ضبّ بها فينجحر.

و قول الآخر:

من أُناس ليس في أخلاقهم* * * عاجلُ الفحش و لا سوءُ الجَزعْ

____________

(1) الخنا: الفحش. لسان العرب 14: 244، «خ ن ا».

(2) أمالي السيّد المرتضى 1: 230.

(3) الرعد (13): 2.

(4) البقرة (2): 41.

(5) البقرة (2): 273.

30

لم يرد أنّ في أخلاقهم فحشاً آجلًا و لا جزعاً غير سيّء، و إنّما أراد نفي الفحش و الجزع عن أخلاقهم. (1)

و نظائر ذلك كثيرة في كلامهم.

و في هذه الفقرة إشارة إلى سائر صفاته السلبيّة إجمالًا.

(المتفضّل) أي: المحسن، (2)، و مجيئُهُ بصيغة التفعّل مبالغة فيه، كما سبق.

(بسوابغ الأنعام) أي بالأنعام السوابغ، و أضاف الصفة إلى موصوفها مراعاةً للفاصلة، و جرى في ذلك على مذهب الكوفيّين، ك«جرد قطيفة» و «أخلاق ثياب» و عند المانعين من إضافة الصفة إلى الموصوف يُؤوّل هنا بما أُوّل به تلك الأمثلة بأنّهم حذفوا الأنعام هنا حتى صارت السوابغ كأنّها اسم غير صفة، فلمّا قصدوا تخصيصه بكونه صالحاً لأن يكون للأنعام و غيرها مثل خاتم في كونه صالحاً لأن يكون فضّةً و غيرها أضافوه إلى جنسه الذي يتخصّص به، كما أضافوا خاتماً إلى فضّة، فليس إضافته إليها من حيث إنّه صفة لها، بل من حيث إنّه جنس مبهم أُضيف إليها ليتخصّص، و على هذا القياس نظائر ذلك. (3).

و السوابغ جمع كثرةٍ ل«سابغة» و هي التامّة الكاملة. قال الجوهري: يقال: شيء سابغ، أي: كامل وافٍ، و سبغت النعمة تسبغ بالضمّ سبوغاً، أي اتّسعت. و أسبغ اللّه عليه النعمة، أي: أتمّها، و منه إسباغ الوضوء: إتمامه. (4).

و الأنعام جمع قلّة ل«نعمة» و هي لغةً: اليد و الصنيعة و المنّة. و عرفاً هي: المنفعة الحسنة الواصلة إلى الغير على جهة الإحسان إليه، و هي إمّا: ظاهرة أو باطنة، قال اللّه تعالى وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً (5) و ربما تخصّ الباطنة باسم الآلاء. و العموم هنا أبلغ.

(المتطوّل) من الطّوْل بالفتح و هو المنّ، يقال: طال عليه و تطوّل عليه: إذا امتنّ عليه، (6)، أي: الممتنّ (بالفواضل) جمع «فاضلة» و هي الإحسان.

و أبلغ في وصفه مع إتيانه بجمع الكثرة بقوله: (الجسام) بالكسر، أي: العظام، جمع

____________

(1) أمالي السيّد المرتضى 1: 228- 230.

(2) في «م» زيادة: «و أيّ إحسان».

(3) في الطبعة الحجريّة بدل «ذلك»: «كثيرة».

(4) الصحاح 4: 1321، «س ب غ».

(5) لقمان (31): 20.

(6) في «ق» زيادة: قاله الجوهري. أنظر: الصحاح 5: 1755، «ط و ل».

31

جسيم، يقال: جسُم الشيء، أي: عظم، فهو جسيم و جُسام بالضمّ.

و إنّما ترك ذكر المتفضّل و المتطوّل عليه؛ لكون الغرض إثبات الوصف له على الإطلاق، ثمّ مقام الخطابة يفيد العموم في أفراد مَنْ يصلح تعلّقه به، أو للاختصار مع إرادة التعميم، كما تقول: قد كان منك ما يؤلم، أي: كلّ أحد، و منه قوله تعالى وَ اللّٰهُ يَدْعُوا إِلىٰ دٰارِ السَّلٰامِ (1) أي: يدعو كلّ أحد، أو لمجرّد الاختصار، كقولك: أصغيت إليه، أي: اذني، و منه قوله تعالى أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ (2) أي: إلى ذاتك، و قوله تعالى أَ هٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللّٰهُ رَسُولًا (3) أي: بعثه اللّه، أو لغير ذلك ممّا هو مقرّر في محلّه من فنّ المعاني.

(أحمده) بفتح الميم؛ لأنّ ماضيه «حمِد» بكسرها، كعَلِم يعلَم، و ما في قوله: (على ما) موصولة، و صلتها (فضّلنا) و العائد على الموصول الهاء في (به) و «من» في قوله: (من الإكرام) لبيان الجنس.

و أشار بذلك إلى قوله تعالى وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ إلى قوله وَ فَضَّلْنٰاهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنٰا تَفْضِيلًا (4).

و الذي كرم به بنو آدم على ما اختاره محصّلو المفسّرين: القوّة و العقل و النطق و العلم و الحكمة و تعديل القامة و الأكل باليد، و تسليطهم على غيرهم، و تسخير سائر الحيوانات لهم، و أنّهم يعرفون اللّه، و أن جَعَل محمّداً (صلّى اللّه عليه و آله) منهم، و غير ذلك من النعم التي خُصّوا بها.

و يحتمل أن يريد المصنّف ما هو أخصّ من ذلك، و على هذا يجوز كون «من» تبعيضيّةً، لكنّ الأوّل أمتن و أبدع.

(و أشكره على جميع الأقسام) أي: الأحوال؛ لأنّه تعالى في جميع الحالات لا يفعل إلا لغرضٍ تعود مصلحته على العبد، فيستحقّ الشكر على جميعها.

و هاتان الفقرتان و إن كانتا خبريّتين لفظاً لكنّهما إنشائيّتان معنىً، فإنّ الإنشاء أكثر فائدةً و أعم نفعاً و أقوى حمداً و شكراً.

____________

(1) يونس (10): 25.

(2) الأعراف (7): 143.

(3) الفرقان (25): 41.

(4) الإسراء (17): 70.

32

و لمّا فرغ من حمد اللّه و الثناء عليه بما هو أهله توسّل في تحصيل مرامه بالدعاء للأرواح المقدّسة المتوسّطة بين النفوس الناقصة المنغمسة في الكدورات البشريّة، و بين المبدإ الفيّاض المتنزّه عن شوائب النقص في استفادة العنايات و الأنوار منه و إفاضتها عليها بقوله: (و صلّى اللّه) من الصلاة المأمور بها في قوله تعالى صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا (1).

و كان الأحسن أن تقرن الصلاة عليه بالسلام، كما يقتضيه ظاهر الآية، لكنّ أصحابنا جوّزوا أن يراد بقوله وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (2) أي: انقادوا لأمره انقياداً، كما في قوله: فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ إلى قوله وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (3) فلذلك سهل الخطب عندهم في إفراد الصلاة عن السلام و إن احتمل أن يراد به التحيّة المخصوصة؛ لعدم تحتّم ذلك.

و الصلاة: الدعاء من اللّه و غيره، لكنّها منه مجاز في الرحمة، كما قال بعضهم. و قال آخرون: هي منه الرحمة.

و يرجّح الأوّل أنّ المجاز خير من الاشتراك، و قوله تعالى أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ (4) فإنّ العطف يقتضي المغايرة. و ربما يرد هذا على الأوّل أيضاً، لكن يمكن دفعه بأنّ التصريح بالحقيقة بعد إرادة المجاز يفيد تقوية المدلول المجازيّ، و لجأ بعضهم إلى أنّها من اللّه تعالى بمعنى الرضوان حذراً من ذلك.

و الأولى في الجواب عن ذلك: المنع من اختصاص العطف بلزوم المغايرة؛ فإنّ من أنواع «الواو» العاطفة عطف الشيء على مرادفه، كما ذكره ابن هشام في المغني (5). و ذَكَر من شواهده قوله تعالى أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ (6) و قوله تعالى إِنَّمٰا أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللّٰهِ (7) و نحو لٰا تَرىٰ فِيهٰا عِوَجاً وَ لٰا أَمْتاً (8) و قوله (عليه السلام): (صلّى اللّه عليه و آله): «لِيَلِيني منكم ذوو الأحلام و النهى» (9).

____________

(1) الأحزاب (33): 56.

(2) الأحزاب (33): 56.

(3) النساء (4): 65.

(4) البقرة (2): 157.

(5) مغني اللبيب 1: 467.

(6) البقرة (2): 157.

(7) يوسف (12): 86.

(8) طه (20): 107.

(9) سنن ابن ماجة 1: 312- 313/ 976؛ سنن أبي داود 1: 180/ 674؛ سنن النسائي 2: 78؛ سنن الدارمي 1: 290؛ سنن البيهقي 3: 137، ذيل ح 5161؛ المستدرك- للحاكم- 2: 8؛ مسند أحمد 5: 102/ 6653 باختلاف يسير.

33

و قول الشاعر:

و ألفى قولها كذباً و مَيْناً (1)

و هذه الجملة إنشائية معنىً؛ لأنّ الدعاء كلّه من قبيل الإنشاء، و وقوعه بصيغة المضي؛ للتفاؤل بحصول المسئول و الحرص على وقوعه، كما قرّر في المعاني، و لمناسبة المقام، فلا إشكال في عطفها على ما قبلها من هذا الوجه.

نعم، تخالف جملة الحمد الاولى في كونها فعليّةً. و في عطفها على الاسميّة كلام، و الحقّ جوازه و إن كان مرجوحاً، و لو جُعلت الواو للاستئناف صحّ أيضاً إلا أنّه لا ضرورة إليه.

(على سيّدنا محمّد) عطف بيان على «سيّدنا» أو بدل منه على ما اختاره ابن مالك (2) من أنّ نعت المعرفة إذا تقدّم عليها أُعرب بحسب العوامل، و أُعيدت المعرفة بدلًا، و صار المتبوع تابعاً، كقوله تعالى إِلىٰ صِرٰاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللّٰهِ (3) على قراءة الجرّ.

و «محمد» عَلَم منقول من اسم المفعول المضعّف للمبالغة، سُمّي بِه نبيّنا عليه الصلاة و السلام؛ إلهاماً من اللّه تعالى؛ و تفؤلًا بأنّه يكثر حمد الخلق له لكثرة خصاله الحميدة.

و قال الجوهري: المحمّد: الذي كثرت خصاله المحمودة (4).

و قد ورد أنّه قيل لجدّه عبد المطلب و قد سمّاه في سابع ولادته لموت أبيه قبلها: لِمَ سمّيْتَ ابنك محمداً و ليس من أسماء آبائك و لا قومك؟ قال: رجوت أن يُحْمد في السماء و الأرض (5). و قد حقّق اللّه رجاءه.

(النبيء) بالهمز من النبإ، و هو الخبر؛ لأنّ النبيّ مُخبر عن اللّه تعالى، و يجوز ترك الهمز و هو الأكثر إمّا تخفيفاً من المهموز بقلب همزته ياءً، و إمّا لأنّ أصله من النّبوة بفتح النون و سكون الباء، أي: الرفعة؛ لأنّ النبيّ مرفوع الرتبة على غيره من الخلق.

____________

(1) عجز بيت لعدي بن زيد العبادي من شعراء الجاهليّة، و صدره:

فقدّدت الأديم لراهشيه

مغني اللبيب 1: 467؛ الصحاح 6: 2210؛ لسان العرب 13: 425، «م ى ن».

(2) حاشية الصبّان على شرح الاشموني على الفيّة ابن مالك 3: 72.

(3) إبراهيم (14): 1 و 2.

(4) الصحاح 2: 466، «ح م د».

(5) البداية و النهاية- لابن كثير- 2: 325.

34

و هو إنسان أوحى إليه بشرع و إن لم يؤمر بتبليغه، فإن أُمر بذلك فرسول أيضاً.

و قيل: و أُمر بتبليغه و إن لم يكن له كتاب أو نَسْخ لبعض شَرع مَنْ قبله، فإن كان له ذلك فرسول أيضاً. (1) فهارون رسول، على الأوّل دون الثاني، و يوشع غير رسولٍ، عليهما.

و قيل: إنّهما بمعنى (2).

و إطلاق الرسول على المَلَك غير مستعمل هنا، فعموم الرسول من هذه الجهة غير مراد.

(المبعوث) أي: المرسل (إلى الخاصّ) و هُم أهله و عشيرته، أو العلماء، أو مَنْ كان في زمانه (و العامّ) و هو في مقابلة الخاصّ بالاعتبارات الثلاثة، و هي مترتّبة في القوّة ترتّبها في اللفظ.

(و على عترته) و هُم الأئمّة الاثنا عشر، و فاطمة «.

قال الجوهري: عترة الرجل: نسله و رهطه الأدنون (3). فيدخل في الأوّل مَنْ عدا عليّ (عليه السلام)، و يدخل هو في الثاني.

(الأماجد) جمع أمجد؛ مبالغة في ماجد. يقال: مجُد الرجل بالضمّ، فهو مجيد و ماجد، أي: كرم.

(الكرام) قال ابن السكّيت: الشرف و المجد يكونان في الآباء، يقال: رجل شريف ماجد: له آباء متقدّمون في الشرف.

قال: و الحسب و الكرم يكونان في الرجل و إن لم يكن له آباء لهم شرف (4).

(أمّا بعد) ما سبق من الحمد و الصلاة. و آثر هذه الكلمة؛ للأحاديث الكثيرة أنّ رسول اللّهُ يقولها في الخُطبة و شبهها، رواه عنه اثنان و ثلاثون صحابيّاً. و فيه (5) إشارة إلى الباعث على التصنيف، كما هو دأبهم.

و «أمّا» كلمة فيها معنى الشرط، و التقدير: مهما يكن من شيء بعد الحمد و الصلاة فهو كذا، كما نصّ عليه سيبويه (6)، و لذلك كانت الفاء لازمةً لها.

____________

(1) أنظر الكشّاف 3: 164؛ و التفسير الكبير- للرازي- 12: 50.

(2) مجمع البيان 7- 8: 91.

(3) الصحاح 2: 735، «ع ت ر».

(4) نقله عنه الجوهري في الصحاح 2: 536- 537، «م ج د».

(5) قوله: «ما سبق من الحمد .. و فيه» لم يرد في «م».

(6) كما في شرح ابن عقيل 2: 390.

35

قال الشيخ الرضي (رحمه اللّه):

أصل «أمّا زيد فقائم» مهما يكن من شيء فزيد قائم، أي إن يقع في الدنيا شيء يقع قيام زيد، فهذا جزم بوقوع قيامه و قطع به؛ لأنّه جعل حصول قيامه لازماً لحصول شيء في الدنيا و ما دامت الدنيا، فلا بدّ من حصول شيء فيها.

ثمّ لمّا كان الغرض الكلّي من هذه الملازمة المذكورة لزوم القيام لزيدٍ حُذف الملزوم الذي هو الشرط، أعني «يكن من شيء» و أُقيم ملزوم القيام و هو زيد مقام ذلك الملزوم، و بقي الفاء بين المبتدأ و الخبر؛ لأنّ فاء السببيّة ما بعدها لازم لما قبلها، فحصل لهم من حذف الشرط و إقامة بعض الجزاء موقعه شيئان مقصودان، أحدهما: تخفيف الكلام بحذف الشرط، و الثاني: قيام ما هو الملزوم حقيقة في قصد المتكلّم مقام الملزوم في كلامهم، أعني الشرط، و حصل أيضاً من قيام بعض الجزاء موضع الشرط ما هو المتعارف من شغل حيّز واجب الحذف بشيء آخر، و حصل أيضاً بقاء الفاء متوسّطةً في الكلام كما هو حقّها (1). انتهى.

و إنّما حكيناه ملخّصاً مع طوله؛ لعظم قدره و محصوله.

و «بعد» من الظروف الزمانيّة، و كثيراً ما يحذف منه المضاف إليه و ينوى معناه. و تُبنى على الضمّ. و يجوز في ضبطها (2) هنا أربعة أوجه: ضمّ الدال، و فتحها، و رفعها منوّنةً، و كذا نصبها. و مجموع الكلمتين يُسمّى بفصل الخطاب.

و قد اختلف فيمن تكلّم (3) بهذه الكلمة أوّلًا، فقيل: داوُد (عليه السلام) (4) و قيل (5) نبيّنا محمّدُ (صلّى اللّه عليه و آله). و قيل: عليّ (عليه السلام) (6). و قيل: قُسّ بن ساعدة (7). و قيل: كعب بن لُؤيّ (8). و قيل: يَعْرب بن قحطان (9). و قيل: سحبان بن وائل (10). و لا فائدة مهمّة في هذا الخلاف.

____________

(1) شرح الكافية في النحو 2: 396.

(2) في «م»: «و في تجويز ضبطها» بدل «و يجوز في ضبطها».

(3) في «م»: «في المتكلّم» بدل «فيمن تكلّم».

(4) الأوائل- للعسكري-: 45؛ الأوائل- للطبراني-: 68/ 40؛ الأوائل- لابن أبي عاصم النبيل-: 67/ 191؛ الوسائل إلى مسامرة الأوائل: 21/ 117؛ الجامع لأحكام القرآن 15: 162.

(5) لم نعثر على القائل فيما بين أيدينا من المصادر.

(6) كما في كشف الالتباس 1: 7.

(7) الأوائل- للعسكري-: 45؛ الوسائل إلى مسامرة الأوائل: 21/ 118؛ الأغاني 15: 246.

(8) الوسائل إلى مسامرة الأوائل: 21/ 119.

(9) الوسائل إلى مسامرة الأوائل: 21/ 119.

(10) خزانة الأدب 10: 369.

36

(فإنّ اللّه سبحانه كما أوجب على الولد طاعة أبويه) بقوله وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ* (1) و نظائرها.

و المراد بالأبوين: الأب و الأُمّ، و جمعهما باسم أحدهما؛ تغليباً و مراعاةً لجانب التذكير، كما يراعى جانب الأخفّ مع التساوي فيه، كالحسنين و العمرين، و لو تساويا خفّةً و ثقْلًا، جاز جمعهما باسم أيّهما كان، كالكسوفين و الظهرين.

(كذلك أوجب عليهما) أي على الأبوين (الشفقة عليه بإبلاغ مراده) حذف المفعول في الإبلاغ إيجازاً و مبالغةً و تفخيماً لشأن المريد، أي بإبلاغه مراده (في الطاعات و تحصيل مآربه) جمع إرب. و فيه خمس لغات، و هي: الحاجة (من القُرُبات) واحدها قُربة، و هي ما يطلب بها التقرّب إلى اللّه تعالى قرب الشرف لا الشرف.

(و لمّا) حرف وجود لوجود، و عند جماعة (2) ظرف بمعنى «حين» أو بمعنى «إذ» استعمل استعمال الشرط، يليه فعل ماضٍ مقتضٍ جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود الأُولى، و الفعل الماضي هنا قوله (كثر طلب الولد العزيز) و هو هنا «الكريم» تقول: عززتُ على فلان: إذا كَرُمتَ عليه (محمّد) بدل من الولد، أو عطف بيان عليه.

(أصلح اللّه له أمر دارَيْه) دنياه و آخرته (و وفّقه للخير) التوفيق: جَعْل الأسباب متوافقة، و حاصله توجيه الأسباب بأسرها نحو المسبّبات، و يقال: هو اجتماع الشرائط و ارتفاع الموانع (و أعانه عليه، و أمدّ) أي: أمهل و طوّل (له في العمر السعيد) أي: الميمون، خلاف النحس.

و إذا كان الوصف للإنسان، قابلَ الشقيّ، لكن يختلف فيهما الفعل الماضي، فإنّه في الأوّل مفتوح العين، و في الثاني مكسورها، قاله الجوهري. (3).

(و العيش الرغيد) أي: الطيّب الواسع، يقال: عيشَة رَغد و رَغَد: أي طيّبة واسعة.

(لتصنيف) متعلّق ب«طلب» و التصنيف جَعل الشيء أصنافاً، و تمييز بعضها من بعض.

(كتاب) فعال من الكَتب، و هو الجمع بمعنى المكتوب، إلا أنّه خصّ استعماله بما فيه كثرة المباحث.

____________

(1) العنكبوت (29): 8؛ لقمان (31): 14؛ الأحقاف (46): 15.

(2) أنظر: مغني اللبيب 1: 369.

(3) الصحاح 2: 487، «س ع د».

37

(يحوي النكت) جمع نكتة، و هي الأثر في الشيء يتميّز به بعض أجزائه عن بعض، و يوجب له التفات الذهن إليه، كالنقطة في الجسم و الأثر فيه الموجب للاختصاص بالنظر، و منه رُطَبَة مُنكِتة: إذا بدا إرطابها، ثمّ عُدّي إلى الكلام و الأُمور المعقولة التي يختصّ بعضها بالدقّة الموجبة لمزيد العناية و الفكر فيها، فيسمّى ذلك البعض نكتة.

(البديعة) و هي فعيلة بمعنى مفعولة، و هي: الفعل على غير مثالٍ، ثمّ صار يستعمل في الفعل الحسن و إن سُبق إليه مبالغةً في حسنه، فكأنّه لكمال حسنه لم يسبق إليه.

(في مسائل) جمع مسألة، و هي القول من حيث إنّه يُسأل عنه، و يسمّى ذلك القول أيضاً مبحثاً من حيث إنّه يقع فيه البحث، و مطلوباً من حيث يطلب بالدليل، و نتيجةً من حيث يستخرج بالحجّة، و مدّعىً من حيث إنّه يدّعى، فالمسمّى واحد و إن اختلفت العبارات باختلاف الاعتبارات.

(أحكام) واحدها: حكم، و هو بإضافته إلى (الشريعة) خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.

و يدخل في الاقتضاء ما عدا المباح من الأحكام الخمسة، و يدخل هو في التخيير، و في الوضع: السبب و الشرط و العلّة و المانع و غيرها من الأحكام الوضعيّة، و بسطه في محلّه.

و «الشريعة» فعيلة بمعنى مفعولة: ما شرعه اللّه لعباده من الدين.

و في بعض النسخ: «في مسائل الشريعة» بغير توسّط الأحكام.

(على وجه الإيجاز و الاختصار) و المعنى واحد، و هو: أداء المقصود بأقلّ من العبارة المتعارفة بين الأوساط الذين ليسوا في مرتبة البلاغة و لا في غاية الفهاهة. (1).

(خالٍ عن التطويل و الإكثار) و هُما أيضاً بمعنى، و هو: أداء المعنى المقصود بلفظ أزيد من المتعارف بين مَنْ ذُكر، و ليس مطلق التطويل و الإطناب واقعاً على وجه ينبغي العدول عنه، بل مع خلوّه من النكتة و الفائدة الموجبة له حسب مقتضى الحال، و إلا فقد يكون مقتضى البلاغة استعماله، كما قرّر في محلّه.

و لمّا كان الغرض من التصنيف إيصال المعنى إلى فهم المكلّف كان التطويل زيادةً على ما تحصل به التأدية خالياً عن البلاغة، فلا جرم حسُن خُلوّ الكتاب من الإطناب.

____________

(1) الفهّة و الفهاهة: العيّ. الصحاح 6: 2245، «ف ه ه».

38

(فأجبت) جواب «لمّا» أي: كان ما تقدّم سبباً لإجابة (مطلوبه) و في جَعل المجاب هو المطلوب ضرب من التعظيم للمجاب.

(و صنّفت هذا الكتاب) و «هذا» إشارة إلى المدوّن في الخارج، و يناسبه قوله: «فأجبت و صنّفت» فتكون الديباجة بعد التصنيف، أو إلى المرتّب الحاضر في الذهن.

و الإتيان بصيغة الماضي؛ تفؤّلًا بلفظه على أنّه من الأُمور الحاصلة التي من حقّها أن يخبر عنها بأفعال ماضية، أو لإظهار الحرص على وقوعه؛ لأنّ الإنسان إذا عظمت رغبته في شيء كثر تصوّره إيّاه، فيورده بلفظ الماضي تخييلًا لحصوله. و من هذا القبيل الدعاء بلفظ الماضي مع أنّه من قبيل الإنشاء، كما هو مقرّر في المعاني.

و التحقيق أنّه إشارة إلى المرتب الحاضر في الذهن، سواء كان وضع الديباجة قبل التصنيف أم بعده؛ إذ لا حضور للألفاظ المرتّبة و لا لمعانيها في الخارج.

و توضيح ذلك أنّ الكتاب المؤلّف لا يخلو إمّا أن يكون عبارةً عن الألفاظ المعيّنة أي العبارات التي من شأنها أن يلفظ بها الدالّة على المعاني المخصوصة، و هو الظاهر، و إمّا عن النقوش الدالّة عليها بتوسّط تلك الألفاظ، و إمّا عن المعاني المخصوصة من حيث إنّها مدلولة لتلك العبارات أو النقوش، فهذه ثلاثة احتمالات بسيطة و تتركّب منها ثلاثة أُخرى (1) ثنائيّة، و رابع ثلاثي، فالاحتمالات سبعة.

و أنت خبير بأنّه لا حضور في الخارج للألفاظ المرتّبة و لا لمعانيها و لا لما يتركّب منهما و لا لما يتركّب من النقوش معهما أو مع أحدهما، و هذا كلّه واضح.

و أمّا النقوش الدالّة على الألفاظ فيحتمل أن يشار إليها بذلك. لكن فيه أنّ الحاضر من المنقوش لا يكون إلا شخصاً، و لا ريب في أنّه ليس المراد تسمية ذلك الشخص باسم الكتاب، بل تسمية نوعه، و هو النقش الكتابي الدالّ على تلك الألفاظ المخصوصة بإزاء المعاني المخصوصة أعمّ من أن يكون ذلك الشخص أو غيره ممّا يشاركه في ذلك المفهوم، و لا حضور لذلك الكلّي في الخارج، فالإشارة إلى الحاضر المرتّب في الذهن أصوب على جميع التقديرات، فكأنّه نزّل العبارات الذهنيّة التي أراد كتابتها منزلة الشخص المشاهد المحسوس، فاستعمل لفظ «هذا» الموضوع لكلّ مشار إليه محسوس.

____________

(1) في «ق، م»: «احتمالات أخرى».

39

(الموسوم) أي المسمّى، يقال: وسمت الشيء وَسماً و سِمَةً، إذا أثّرت فيه أثراً. و الهاء عوض من الواو، و لمّا كانت السمة علامةً و الاسم علامةً على مسمّاه اشتقّ له منه لفظ، و هو أحد القولين في الاسم (بإرشاد الأذهان) جمع ذهن، و هو قوّة للنفس مُعدّة لاكتساب الآراء (إلى أحكام الإيمان) المراد به هنا مذهب الإماميّة دامت بركاتهم (مستمدّاً) حال من الضمير في «صنّفت» أي: صنّفت هذا الكتاب في حال (1) كوني مستمدّاً (من اللّه حسن التوفيق) و قد تقدّم تعريفه (و هداية الطريق) إليه سبحانه.

و المراد بها الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب.

و قيل: الدلالة الموصلة إلى المطلوب (2).

و يؤيّد الأوّل إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ (3).

و يرد عليه إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ (4) و على الثاني وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ (5).

و أُجيب عن الإيراد الأوّل بأنّ الهداية المنفيّة في الآية محمولة على الفرد الكامل، و هو ما يكون موصلًا بالفعل لمن له الهداية، أو يقال: الآية من قبيل وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ (6) في تنزيل وجود الشيء منزلة عدمه؛ فإنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا لم يكن مستقِلا بالهداية و الدلالة، بل دلالته بإقدار اللّه تعالى و تمكينه و توفيقه فكأنّه ليس بهادٍ، بل الهادي هو اللّه تعالى، و الحاصل يرجع إلى نفي الاستقلال في الهداية.

و أُورد عليه: بأنّه يلزم أنّ مَنْ يكون عارفاً بالشريعة، متقاعداً عن العمل بمقتضاها مُهتدٍ، و ليس كذلك.

و أُجيب: بالتزام أنّه مُهتدٍ بالمعنى اللغوي، أو مُهتدٍ بالنسبة إلى العلم و ضالّ بالنسبة إلى مطلوبٍ آخر، و هو نيل الثواب و الفوز بالسعادة الأُخرويّة حيث لم يعمل بمقتضى علمه، فيصدق الاسمان بالحيثيّتين.

و قد اتّسع مسلك الكلام بين العلماء الأعلام من الجانبين، و لا يبعد القول بالاشتراك،

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «حالة».

(2) الكشّاف 1: 35.

(3) الشورى (42): 52.

(4) القصص (28): 56.

(5) فصّلت (41): 17.

(6) الأنفال (8): 17.

40

و أولى منه أنّها حقيقة في الأوّل مجاز في الثاني؛ لأرجحيّته على الاشتراك، و كثرة استعمالها فيه. و تحقيقه في غير هذا المحلّ.

و اعلم أنّ المصنّف (رحمه اللّه) أضاف الهداية إلى مفعولها الثاني، و هي تتعدّى بنفسها إلى المفعول الأوّل و إلى الثاني بنفسها أيضاً، و ب«إلى» و باللام. و من الأوّل قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرٰاطَ (1) و من الثاني هَدٰانِي رَبِّي إِلىٰ صِرٰاطٍ (2) و من الثالث الَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا (3).

(و التمست منه) أي: طلبت. و يُطلق على الطلب من المساوي حقيقةً أو ادّعاءً حسب ما يقتضيه المقام (المجازاة على ذلك) التصنيف، و في الإشارة إليه بصيغة البعيد توسّع (بالترحّم عليّ عقيب الصلوات، و الاستغفار) و هو سؤال المغفرة (لي في الخلوات) فإنّها مظنّة إجابة الدعوات و نزول البركات (و إصلاح ما يجده) في هذا الكتاب بمقتضى السياق. و يحتمل أن يريد الأعمّ منه و من غيره، كما صرّح به في وصيّته له في آخر القواعد (4) (من الخلل و النقصان) بينهما عموم و خصوص مطلق؛ فإنّ كلّ نقصان خلل و لا ينعكس.

(فإنّ السهو) و هو زوال الصورة عن القوّة الذاكرة، أو عدم العلم بعد حصوله عمّا من شأنه أن يكون عالماً (كالطبيعة الثانية للإنسان).

و توضيح ذلك: أنّ الطبيعة الأُولى للشيء هي ذاته و ماهيّته، كالحيوان الناطق بالنسبة إلى الإنسان، و ما خرج عن ماهيّته من الصفات و الكمالات الوجوديّة اللاحقة لها تسمّى (5) طبيعة ثانية، سواء كانت لازمةً، كالضحك و التنفّس بالقوّة للإنسان، أم مفارقةً، كهُما بالفعل له، و سواء كانت لاحقةً بلا واسطة، كالتعجّب اللاحق للإنسان، أم بواسطة أمرٍ خارج عنه مساوٍ له، كالضحك اللاحق له بواسطة التعجّب، أم بواسطة جزئه، كالحركة الإراديّة اللاحقة له بواسطة أنّه حيوان.

ثمّ لمّا كان السهو ليس طبيعةً أُولى و هو ظاهر، و لا ثانيةً؛ لأنّه أمر عدميّ فإنّ العدم

____________

(1) الفاتحة (1): 6.

(2) الأنعام (6): 161.

(3) الأعراف (7): 43.

(4) قواعد الأحكام 2: 347.

(5) في الطبعة الحجريّة: «سمّي».

41

جزء مفهومه؛ لأنّه زوال الصورة العلميّة عن القوّة الذاكرة، أو عدم العلم بعد حصوله عمّا من شأنه أن يكون عالماً، كما تقدّم، لكنّه أشبه الطبيعة الثانية في العروض و الكثرة التي تشبه اللزوم، كان كالطبيعة الثانية للإنسان خصوصاً على التعريف الثاني؛ فإنّ العدم المنسوب إلى الملكة له حظّ من الوجود بافتقاره إلى محلّ وجوديّ، كافتقار الملكة إليه؛ فإنّه عبارة عن عدم شيء مع إمكان اتّصاف الموضوع بذلك الشيء، كالعمى؛ فإنّه عدم البصر لا مطلقاً بل عن شيء من شأنه أن يكون بصيراً، فهو يفتقر إلى الموضوع الخاصّ المستعدّ للملكة، كما تفتقر الملكة إليه، بخلاف باقي الأعدام. ثمّ أكّد الاعتذار عمّا يجده من الخلل بقوله (و مثلي) ممّن لم يتّصف بالعصمة من بني آدم، و التعبير بالمثل كناية عن أنّي لا أخلو من ذلك من قبيل قولهم: «مثلك لا يبخل» و «مثلك مَنْ يجود» فإنّه كناية عن ثبوت الفعل أو نفيه عمّن أُضيف إليه لفظ «مثل» لأنّه إذا ثبت الفعل لمن يسدّ مسدّه و مَنْ هو على أخصّ أوصافه أو نُفي عنه، كان من مقتضى القياس و العرف أن يفعل هو كذا أو أن لا يفعل، و من لازم هذه الكناية تقديم لفظ «مثل» كما قرّر في المعاني.

و لفظة «يخلو» من قوله (لا يخلو) ليس بعدها ألف؛ لأنّ الواو فيها لام الفعل المعتلّ، و إنّما أثبتوا الألف بعد الواو المزيدة و هي واو الجماعة فرقاً بينها و بين الأصليّة، كهذه و نظائرها، فإتيانه بعدها خطأ (من تقصير في اجتهاد) لابتنائه على مقدّمات متعدّدة و قواعد متبدّدة يحتاج إلى استحضارها في كلّ مسألة يجتهد فيها، و ذلك مظنّة التقصير، و لهذا اختلفت الأنظار في الفروع التي لم ينصّ على عينها، كما هو معلوم.

(و اللّه الموفّق للسداد) و هو الصواب و القصد من القول و العمل، قاله في الصحاح. (1).

(فليس المعصوم) من بني آدم كما يقتضيه الاستثناء من النفي المستلزم لحصر الإثبات في المستثنى مع الإجماع على عصمة الملائكة (عليهم السلام) مع خروجهم عن الأنبياء و الأوصياء، فلو لا التقييد ببني آدم، أشكل الحصر (إلا مَنْ عصمه اللّه).

و «من» في قوله (من أنبيائه و أوصيائه) لبيان الجنس، لاتّفاقنا على عصمة الجميع، و التقدير: ليس المعصوم من نوع الإنسان إلا الأنبياء و أوصياءهم (عليهم أفضل الصلوات

____________

(1) الصحاح 2: 458، «س د د».

42

و أكمل التحيّات) جمع تحيّة و الأصل: تحيية، نُقلت كسرة الياء إلى ما قبلها و أُدغم الياء في الياء. و اشتقاقها من الحياة؛ لأنّ المحيّي إذا حيّا صاحبه فقد دعا له بالسلامة من المكاره، و الموت من أشدّها، فدخل في ضمنها. و اختصّت بالاشتقاق منها؛ لقوّتها. و المراد هنا ما هو أعمّ من ذلك.

(و نبدأ في الترتيب) و هو جمع الأشياء المختلفة و جَعلها بحيث يطلق عليها اسم الواحد، و يكون لبعضها نسبة إلى بعضٍ بالتقدّم و التأخّر في النسبة العقليّة و إن لم تكن مؤتلفةً، و هو أعمّ من التأليف من وجه؛ لأنّه ضمّ الأشياء مؤتلفة، سواء كانت مرتّبة الوضع أم لا، و هُما معاً أخصّ من التركيب مطلقاً؛ لأنّه ضمّ الأشياء مؤتلفةً كانت أم لا، مرتّبة الوضع أم لا. و منهم مَنْ جَعَل الترتيب أخصّ مطلقاً من التأليف. و منهم مَنْ جَعَلهما مترادفين. و منهم مَنْ جَعَل التركيب و التأليف مترادفين. فهذه ألفاظ ثلاثة موضوعة للدلالة على ضمّ شيء إلى آخر يحسن التنبيه عليها (بالأهمّ فالأهمّ).

أي: نبدأ بالأهمّ أوّلًا، فإذا فرغنا منه، ذكرنا الأهمّ بالنسبة إلى الباقي. فبدأ بالعبادات أوّلًا؛ إذ الأحكام الأُخرويّة أهمّ من الدنيويّة؛ لأنها المقصودة بالذات من خلق المكلّفين. و أتبعها بالعقود؛ لتوقّف نظام النوع و قوامه على معرفتها، ثمّ بالإيقاعات؛ لأنّها بالنسبة إلى العقود كالفروع، فإنّ الطلاق و توابعه فرع النكاح، و العتق و توابعه فرع الملك الحاصل بالابتياع و نحوه، و هكذا القول في نظائرها.

و أُخّرت الأحكام؛ لأنّها خارجة عن حقيقة مستحقّ التقدّم، كالفرائض و الجنايات، أو لازمة للعقود و الإيقاعات معاً، كالقضاء و الشهادات، و اللازم متأخّر عن الملزوم طبعاً، فأُخّر وضعاً ليطابق الطبع الوضع.

ثمّ بدأ من العبادات بالصلاة؛ لأنّها أفضل و أكثر تكرّراً، و قدّم عليها الطهارة؛ لكونها شرطاً فيها، و الشرط مقدّم على المشروط، و كان من حقّها أن تجعل باباً من أبواب الصلاة، كباقي شروطها، كما فعل الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى، لكن لكثرة مسائلها و تشعّب أنواعها أفردها عن باقي الشروط في كتابٍ، و قدّم منها الوضوء؛ لعموم البلوى به و تكرّره ضرورة في كلّ يوم، بخلاف الغسل و التيمّم. و قدّم بعده الغسل على التيمّم؛ لأصالته عليه، و التيمّم طهارة ضروريّة، و قدّم على إزالة النجاسات؛ لأنّها تابعة للطهارة بالمعنى

43

المعتبر عند علماء الخاصّة.

ثمّ أتى بالزكاة بعد الصلاة؛ لاقترانها معها في الآيات (1) الكريمة، و تكرّرها في كلّ سنة بالنسبة إلى الخمس و الحجّ، و الخمس و الاعتكاف تابعان للزكاة و الصوم من وجه، فناسب ذكرهما معهما، ثمّ بالصوم؛ لاختصاصه ببعض هذه العلل، ثمّ بالحجّ؛ لوقوعه في العمر مرّة. و أخّر الجهاد؛ لخلوّ وقتنا منه غالباً. و هكذا قرّر ما يرد عليك من بقيّة أجزاء الكتاب لا زلت موفّقاً لصوب الصواب.

____________

(1) البقرة (2): 43 و 110 و 277؛ النساء (4): 162؛ المائدة (5): 12؛ التوبة (9): 5 و 11 و 18 و 71؛ مريم (19):

31؛ الأنبياء (21): 73؛ الحجّ (22): 41 و 78؛ النور (24): 37 و 56؛ النمل (27): 3؛ لقمان (31): 3؛ الأحزاب (33): 33؛ المجادلة (58): 13؛ المزّمّل (73): 20؛ البيّنة (98): 5.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

[كتاب الطهارة]

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

كتاب الطهارة خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب الطهارة، و كذا القول في بقيّة الفصول و الأبواب.

و الكتاب اسم مفرد، و جمعه كتب بضمّ التاء و سكونها. و هو فعال من الكتب بفتح الكاف، سمّي به المكتوب، كالخلق بمعنى المخلوق، و كقولهم: هذا درهم ضرب الأمير، و ثوب نسج اليمن.

و قد صرّح الجوهري و غيره من أهل اللغة بأنّه نفسه مصدر، تقول: كَتَبتُ كَتباً و كِتاباً و كِتابَةً. (1).

و استشكل ذلك جماعة من المحقّقين بأنّ المصدر لا يشتقّ من المصدر، بل الخلاف منحصر في أنّ الفعل هل يشتقّ من المصدر أو بالعكس كما هو المعلوم؟

و أسدّ ما يقال في الجواب: إنّ الكلام إنّما هو في المصدر المجرّد، و أمّا المزيد فإنّه مشتقّ منه؛ لموافقته إيّاه بحروفه و معناه، و قد نصّ على ذلك العلامة التفتازاني (2).

و الكتب معناه: الجمع، تقول: كتبتُ البغلَةَ: إذا جمعت بين شُفريها بحَلقةٍ أو سيرٍ. و كتبتُ القِربةَ أيضاً كَتباً: إذا خرزتها. و منه: تكتّب بنو فلان: إذا تجمّعوا. و منه سُمّي الكتاب؛ لأنّه يجمع أُموراً من علمٍ يُعبّر عنها تارة بالأبواب، و أُخرى بالفصول و غيرها.

و الطهارة مصدر طهر بضمّ عين الفعل و فتحها، و الاسم: الطهر، و هي لغةً: النظافة و النزاهة، و قد نقلت في الاصطلاح الشرعي إلى معنى آخر بناءً على وجود الحقائق الشرعيّة.

____________

(1) الصحاح 1: 208؛ لسان العرب 1: 698، «ك ت ب».

(2) شرح التصريف (ضمن جامع المقدّمات) 1: 211.

48

و قد اختلف الأصحاب في تعريفها؛ لاختلافهم في المعنى المنقول إليه، فكلّ عرّفها بحسب (1) ما ذهب إليه، و لا تكاد تجد تعريفاً سليماً عن الطعن حتى لجأ بعضهم (2) إلى أنّ المراد بتعريفها اللفظي على قانون اللغة، و هو تبديل لفظ بلفظ آخر أجلى منه من دون اشتراط الاطّراد و الانعكاس.

و حاصل الخلاف: أنّ منهم مَنْ يُطلقها على المبيح دون إزالة الخبث. و منهم مَنْ يُطلقها عليه و على إزالة الخبث. و علماؤنا الأكثرون على الأوّل بناءً على أنّ إزالة الخبث في الحقيقة أمر عدميّ، فلا حظّ له في المعاني الوجوديّة.

ثمّ هُم مختلفون في إطلاقها على الصورة غير المبيحة حقيقةً أو ظاهراً، كوضوء الحائض و المجدّد: و المصنّف لم يتعرّض لتعريفها في هذا الكتاب، لكن قد استقرّ أمره تبعاً لغيره على تقييدها بالمبيحة و لو بالصلاحيّة.

و من الإشكال العامّ أنّهم يُخرجون من التعريف وضوءَ الحائض إمّا لعدم الإباحة به، أو للحديث (3) الدالّ على عدم تسميته طُهراً.

ثمّ يقسّمون الطهارة إلى واجبٍ و ندبٍ، و الندب إلى المجدّد و إلى وضوء الحائض، و غسل الجمعة، و التيمّم لصلاة الجنازة و نحوها، فاللازم إمّا فساد التقسيم أو خلل التعريف.

و ربما اعتذر بأنّ المقسم غير المعرّف، أو بأنّ ذكر هذه الأشياء في التقسيم لضربٍ من المجاز و الاستطراد، و مثله يجوز ارتكابه في التقسيم بعد سلامة التعريف. و لا يخفى بُعْدهما.

و قد ناقش شيخنا الشهيد (رحمه اللّه) في إخراج وضوء الحائض و إدخال المجدّد: بأنّ التعريف إن كان للطهارة المبيحة للصلاة، فينبغي إخراج المجدّد منه عند مَنْ لا يكتفي بنيّة التقرّب منفردة؛ لأنّه غير صالح للتأثير. و إن أُريد بالصلاحيّة ما يعمّ البعيدة و هو أنّه لو اقترن به ما يجب اقتران غيره به لأثّر فيدخل (4) وضوء الحائض؛ إذ الصلاحيّة حاصلة

____________

(1) في «ق، م»: «حسب».

(2) المحقّق الحلّي في الرسائل التسع: 200- 201.

(3) الكافي 3: 100- 101/ 1.

(4) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «دخل». و ما أثبتناه من المصدر.

49

لكلّ وضوء من حيث هو، و ما بالذات لا يزيله ما بالعرض. و إن كان لما يقع عليه لفظ الطهارة صحيحاً أم لا، مبيحاً أم لا، فلا معنى للتقييد بالمبيح للصلاة أو بالصالح لها. (1)

و اعتذر عن ذلك بالفرق بين ما اقترن به ما يمنع الإباحة بحالٍ، كما في وضوء الحائض، و بين ما أخلّ فيه بشرط لو أتى به لكان مبيحاً، فكأنّه صالح بالقوّة، و من ثَمَّ قال جمع بإباحة المجدّد. و منهم مَنْ يرى الاكتفاء بالقربة.

و أنت خبير بأنّ هذا الاعتذار اقتضى اختلافهما، و أنّ أحدهما أقوى من الآخر، أمّا جواب ما نحن بصدده فلا؛ لأنّ الكلام إنّما هو على القول بعدم رفعه و عدم الاجتزاء بالقربة، و حينئذٍ فلا دَخْلَ له في الإباحة على وجه الحقيقة، و إلا فنحن لا ننازع في أنّه أقوى و أقرب إلى الإباحة، لكن تعريفهم لا يجتزئ بذلك.

اللّهمّ إلا أن ترتكب في التعريف ضرباً من التجوّز. بأن تحمل الإباحة أو الصلاحيّة لها على ما يعمّ القوّة القريبة على معنى أنّه لو أتى ببقيّة الشروط المعتبرة حصلت، فيندرج في ذلك المجدّد و الأغسال المسنونة، و يخرج عنه وضوء الحائض، لكن يبقى الكلام في إدخال وضوء الحائض في التقسيم، و قد مرّ الكلام فيه.

(و النظر) يقع في الطهارة من ستّة أوجه على وجه الحصر الجعلي الاستحساني، لا العقلي و الاستقرائي (في أقسامها و أسبابها) و يندرج فيها واجباتها و كيفيّتها و أحكامها. و يقع النظر فيها من ثلاثة أوجه بحسب تعدّد أنواعها (و ما تحصل به) و هو الماء المطلق، و التراب على ما يأتي (و توابعها) و هي إزالة النجاسات و تعدادها، و بقيّة المطهّرات، و أحكام الأواني.

و وجه ما اختاره من الحصر أنّ البحث إمّا عن المقصود بالذات أولا، و الأوّل إمّا عن تقسيمه و تفصيله على وجه يصير الشارع فيه على بصيرةٍ منه، و هو النظر الأوّل، أو عن كيفيّته و ما معه من السبب و الحكم، و هو الثاني و الثالث و الرابع حسب تعدّد أنواعه. و تقديم الثاني و الثالث على الرابع ظاهر؛ لأنّه طهارة اضطراريّة مشروطة بفقد الاختياريّة التي هي المائيّة. و المائيّة قسمان: وضوء و غسل، و قدّم الوضوء على الغسل؛ لزيادة الحاجة إليه. و الثاني إمّا أن يتوقّف عليه المقصود بالذات أولا، و الأوّل هو الخامس، و هو

____________

(1) غاية المراد 1: 26- 27 و فيه: بالصالح له.

50

البحث عن المياه و أقسامها و أحكامها، و إنّما أخّره عمّا سبق مع أنّه مادّته و هي متقدّمة على الصورة؛ لأنّ ما بالذات أولى ممّا بالعرض و لما ذكرناه من العلّة قدّم غيره البحثَ عن المياه أوّلًا حتّى المصنّف في غير هذا الكتاب و الثاني هو السادس، و هو التابع، و رتبته التأخّر عن متبوعه. و لأنّه طهارة لغويّة عنده، و إنّما بحث عنه في كتاب الطهارة؛ لأنّ النجاسة مانعة من الصلاة.

و لمّا بحث عن الطهارة الشرعيّة التي هي شرط الصلاة بحث عن المانع منها؛ ليتمّ للمكلّف معرفة ما به يخرج عن التكليف بها. و لأنّه عند بعضهم طهارة شرعيّة حقيقةً، و مجازاً عند الباقين، فالمناسبة حاصلة على التقديرين.

و ربما نظر بعضهم إلى أنّه يتوقّف عليه استعمال ما يتطهّر به ليتحقّق الخروج عن العهدة باستعماله، فقدّم البحث عنه على المقصود بالذات؛ لذلك، كما فَعَل المصنّف في القواعد، و لكلٍّ وجه. و المرجّح ما يقع في الخَلَد (1) وقت التصنيف.

____________

(1) الخَلَد: البال. الصحاح 2: 469، «خ ل د».

51

[النظر الأوّل في أقسامها]

(النظر الأوّل: في أقسامها) (و هي) أي الطهارة منقسمة انقسام الكلّي إلى جزئيّاته لا الكلّ إلى أجزائه إلى ثلاثة أنواع (وضوء و غسل و تيمّم) و لمّا كان هذا الكلّي لا وجود له في الخارج إلا في ضمن جزئيّاته صدق على كلّ جزئيّ من الثلاثة أنّه طهارة.

و ينساق إلى هذا و نظائره شكّ لطيف، و هو أنّ الانقسام لازم لمطلق الطهارة، و هو لازم لكلّ واحد من أقسامها، فيلزم أن يكون الانقسام لازماً لكلّ واحد من أقسامها، و يلزم منه انقسام الشيء إلى نفسه و مباينه أو مساواة الجزئي لكلّيّة، و كلاهما فرض محال.

و جوابه: أنّ المنقسم إلى الثلاثة هو الطهارة المطلقة، أي مقيّدة بقيد العموم، لا مطلق الطهارة، و فرق بين الصيغتين؛ فإنّ الطهارة من حيث إنّها عامّ موصوفة بالانقسام، كما أنّ الحيوان من حيث إنّه عامّ موصوف بالجنسيّة، و هي قسم من المطلق، و ما هو ملزوم للانقسام هو مطلق الطهارة، بل الطهارة المطلقة. و فيه بحث.

أو نقول: الانقسام المذكور لازم للطهارة بحسب وجودها الذهني، و هي لازمة لأقسامها من حيث حصولها العينيّ لأمن تلك الحيثيّة، و لازم الشيء باعتبارٍ لا يلزم أن يكون لازماً لملزومه باعتبارٍ آخر، كالكلّيّة اللازمة لمفهوم الحيوان، اللازم لزيدٍ مثلًا.

و اعلم أنّ الظاهر من هذا الانقسام أنّ مقوليّة الطهارة على أنواعها الثلاثة بطريق الحقيقة لا بالمجاز، و لا ريب في ذلك بالنسبة إلى المائيّة.

و يؤيّده بالنسبة إلى الترابيّة: قوله (عليه السلام): (صلّى اللّه عليه و آله)

الصعيد طهور المسلم

(1)

و

جُعلت لي الأرض

____________

(1) سنن الترمذي 1: 212/ 124.

52

مسجداً و ترابها طهوراً

(1)

إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على إطلاق الطهارة على التيمّم؛ لأنّ السياق لإباحة الصلاة بالنسبة إلى الحدث، و لصدق التعريفات بأسرها عليه.

ثمّ على تقدير الحقيقة فهل تلك المقوليّة بطريق الاشتراك اللفظي أو التواطؤ أو التشكيك؟ الظاهر انتفاء الأوّل؛ لاشتراك الثلاثة في معنى مشترك بينها، و هو صلاحيّة الإباحة للصلاة و لو بالقوّة القريبة على ما تقرّر، و هو ينفي الاشتراك. و مُحتمِل الاشتراك ينظر إلى اختلاف ذاتَي المائيّة و الترابيّة، فهي كالعين.

و هو ضعيف؛ إذ لا جامع لأفراد العين غير اللفظ، بخلافه هنا.

نعم، يقع الشكّ بين الأخيرين؛ لاشتراكهما في هذا الوجه.

و ليس ببعيد مقوليّتها على الثلاثة بالتشكيك، و على الوضوء و الغسل بالتواطؤ؛ فإنّ إطلاقها على المائيّة أقوى من الترابيّة، و فردا المائيّة متساويان.

و تظهر فائدة الخلاف في نذر الطهارة، و سيأتي.

(و كلّ منها) أي الثلاثة التي هي الوضوء و الغسل و التيمّم (واجب) إمّا بأصل الشرع أو بالعرض، كالنذر و شبهه (و ندب) بالأصالة أو بالعرض أيضاً. فالأقسام أربعة، و يخرج من ضربها في الأنواع الثلاثة اثنا عشر قسماً ذكر المصنّف (رحمه اللّه) منها تسعة الواجبة بأصل الشرع و العارض، و الثلاثة المندوبة بأصل الشرع، و ستراها مفصّلةً. و بقي ثلاثة أقسام، و هي المندوب من الثلاثة بسببٍ من المكلّف، و ذلك حيث يكون أحدها متعلّقاً بما يستحبّ الوفاء به، كالنذر المنوي غير المتلفّظ به.

[أما الوضوء]

[فمنه الواجب]

(فالوضوء يجب) بأصل الشرع (للصلاة و الطواف الواجبين).

إمّا للصلاة: فلقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا (2) و لقوله (عليه السلام): (صلّى اللّه عليه و آله)

لا صلاة إلا بطهور

(3)

و للإجماع.

و يلحق بالصلاة أجزاؤها المقضيّة منفردةً، كالسجدة و التشهّد و سجود السهو و الاحتياط إن لم نجعله صلاةً مستقلّة، لا سجود التلاوة.

____________

(1) صحيح مسلم 1: 371/ 522؛ سنن البيهقي 1: 328/ 1023.

(2) المائدة (5): 6.

(3) التمهيد- لابن عبد البرّ- 8: 215.

53

و أمّا للطواف: فلقوله (عليه السلام): (صلّى اللّه عليه و آله)

الطواف بالبيت صلاة

(1)

فيشترط فيه ما يشترط فيها إلا ما أخرجه الدليل.

(و) يجب الوضوء أيضاً بالأصالة ل (مسّ كتابة القرآن إن وجب) المسّ بنذرٍ و شبهه على الأصحّ من توقّف المسّ على الطهارة؛ للآية. (2)

و الضابط في وجوب الوضوء ما كانت غايته واجبةً، و لمّا كان الصلاة و الطواف واجبين بأصل الشرع جعل الوجوب معهما وصفاً، و لمّا لم يجب المسّ بالأصل (3) جعل الوجوب فيه شرطاً.

و ربما أُعيد ضمير «وجب» إلى الوضوء إشارة إلى الخلاف في وجوب الوضوء على المحدث للمسّ.

و فيه بُعْد؛ لحكم (4) المصنّف بوجوبه، فلا وجه لتردّده هنا، بل الوجه ما قلناه.

[و منه المستحبّ]

(و يستحبّ) الوضوء بأصل الشرع (لمندوبَي الأوّلين) و هُما: الصلاة و الطواف؛ فإنّ الغاية لمّا لم تجب لم يجب شرطها؛ لجواز تركها، فكان الشرط كإلغائه؛ إذ لا يتصوّر وجوب الشرط لمشروطٍ غير واجب، لكن مع الشرطيّة في الصلاة فلا تصحّ بدونه.

و قد يطلق عليه هنا الوجوب؛ لمشابهته الواجب في أنّه لا بدّ منه بالنسبة إلى مشروطه، و يعبّر عنه بالوجوب الشرطي. و كذا القول في مسّ خطّ المصحف مع عدم وجوبه.

و أمّا الطواف المندوب فهو من كماله على الأصحّ، فيصحّ الطواف بدونه. و اشترطها فيه المصنّف في النهاية. (5)

(و دخول المساجد) للخبر، (6) و لاستحباب التحيّة، و هي متوقّفة على الوضوء (و قراءة القرآن، و حمل المصحف، و النوم، و صلاة الجنائز، و السعي في حاجة، و زيارة المقابر) كلّ ذلك للنصّ. (7)

____________

(1) سنن النسائي 5: 222؛ سنن البيهقي 5: 141- 142/ 9304؛ سنن الدارمي 2: 44؛ المعجم الكبير- للطبراني- 11:

34/ 10955؛ المستدرك للحاكم- 1: 459، و 2: 267.

(2) الواقعة (56): 79.

(3) في «م»: «بالأصالة».

(4) في «ق، م»: «و لحكم».

(5) نهاية الإحكام 1: 20.

(6) التهذيب 3: 263/ 743.

(7) انظر: الكافي 3: 468/ 5؛ و الفقيه 1: 296/ 1353، و 3: 95/ 365؛ و التهذيب 1: 127/ 344، 359/ 1077، و 2: 116/ 434، و 3: 203/ 476؛ و الاستبصار 1: 113- 114/ 378؛ و قرب الإسناد: 395/ 1386؛ و الخصال 2: 627. و لم نعثر على نصّ بالخصوص لاستحباب الوضوء لزيارة المقابر. نعم، قال الشهيد في الذكرى 1: 193: و يستحبّ لندبي الصلاة و الطواف .. و لصلاة الجنازة و زيارة قبور المؤمنين .. كلّ ذلك للنصّ.

54

و في كلّ هذه ينوي الاستباحة أو الرفع، و يحصلان له عدا النوم ففيه نظر.

أمّا نيّة الرفع: فلا إشكال فيها بعد ثبوت إيقاع هذه الأشياء على طهارة.

و أمّا الاستباحة: فذكرها الشهيد (رحمه اللّه) في بيانه (1) ساكتاً عليها. و أمرها مشكل فيما عدا الصلاة المندوبة؛ لإباحة هذه الأشياء بدونها، فكيف ينوي استباحتها بها!؟ و الأولى في النيّة رفع الحدث أو إيقاع هذه الأشياء على الوجه الأكمل؛ لتوقّفه على رفع الحدث.

و أمّا النوم: فالوضوء له غايته الحدث فكيف يرفعه!؟

و ألحقه في المعتبر (2) بالصحيح؛ لأنّه قصد النوم على أفضل أحواله، و لما في الحديث من استحباب النوم على طهارة، و هو مشعر بحصولها.

و اعترضه شيخنا الشهيد (رحمه اللّه) بأنّه لا يلزم من استحباب النوم على الطهارة صحّة الطهارة للنوم؛ إذ الموصل إلى ذلك وضوء رافع للحدث، فلينو رفعه أو استباحة مشروط به لا منافٍ له.

قال: و التحقيق أنّ جَعْل النوم غايةً مجاز؛ إذ الغاية هي الطهارة في آن قبل النوم بحيث يقع النوم عليها، فيكون من باب الكون على طهارة، و هي غاية صحيحة. (3)

(و نوم الجنب) و إنّما خصّه بالذكر مع دخوله في استحباب الوضوء للنوم؛ لمزيد الاهتمام به، و لورود النصّ (4) عليه بخصوصه، و لدفع توهّم عدم شرعيّة الوضوء للجنب. (و جماع المحتلم) قبل الغسل. و عُلّل في الخبر (5) بأنّه لا يؤمن أن يجيء الولد مجنوناً لو حملت من ذلك الجماع. و هو يقتضي تخصيص الكراهة بوقت احتمال الحمل، فتنتفي بدونه.

و الأولى تعميم الحكم؛ إذ لا يلزم من تأثيره في الحمل على تقدير كونه مسبّباً عنه انتفاء

____________

(1) البيان: 37.

(2) المعتبر 1: 140.

(3) الذكرى 2: 111- 112.

(4) الكافي 3: 51/ 10؛ الفقيه 1: 47/ 179؛ التهذيب 1: 370/ 1127.

(5) الفقيه 3: 256/ 1212؛ علل الشرائع 2: 229/ 3، الباب 289؛ التهذيب 7: 412/ 1646.

55

الكراهة لو لم يكن، و الكراهة منوطة بالاحتلام، فلا يكره الجماع من غير وضوء؛ للأصل.

(و ذِكْر الحائض) للّه تعالى في وقت كلّ صلاة. و الخبر (1) ورد في الحائض. و الظاهر إلحاق النفساء بها؛ لأنّها حائض في المعنى.

و هذه الثلاثة لا يتصوّر فيها رفع الحدث؛ لمصاحبته لها، و عدم صلاحيّته للارتفاع به في هذه الحالة.

(و الكون) بالجرّ عطفاً على ما قبله، أي: و يستحبّ الوضوء أيضاً للكون (على طهارة) أي: للبقاء على حكمها، فاندفع توهّم التكرار حيث يصير التقدير: تستحبّ الطهارة للكون على طهارةٍ؛ لأنّ البقاء على حكمها ليس هو نفسها، بل لازمها، و ليس الكون غايةً مستقلّة، بل مستلزمة للرفع أو الاستباحة؛ إذ لا تحصل إلا بأحدهما، فكأنّ المنوي أحدهما، و من ثَمَّ صحّ الوضوء المنوي به ذلك، كما قرّبه في الذكرى، (2) مع أنّ ذلك وارد في بقيّة الغايات المستحبّة، و الجواب واحد.

و يجوز رفع «الكون» عطفاً على الضمير المستتر في قوله: «و يستحبّ» أو على الابتداء، و الخبر محذوف، و تقديره: مستحبّ.

و ربما توهّم التكرار على التقدير الأوّل من هذين بناءً على أنّه في قوّة: يستحبّ الوضوء و يستحبّ الكون على وضوء.

و لا وجه له؛ لأنّ المعطوف عليه ليس هو استحباب الوضوء مطلقاً، بل للمذكور من الصلاة و الطواف المندوبين و غيرهما ممّا عُدّ.

ثمّ إنّ المكلّف إذا أراد الكون، فإن نوى رفع الحدث، فلا ريب في الصحّة و حصول ما نواه؛ إذ لا يحصل الكون عليها إلا مع ارتفاعه مع الاختيار، و هو إحدى الغايتين. و إن نوى الاستباحة لشيء ممّا يتوقّف على الوضوء، حصل المقصود أيضاً لزوماً، لكن يكون الكون حينئذٍ تابعاً. و إن نوى الكون على طهارةٍ، فقد قرّب الشهيد (رحمه اللّه) الإجزاء كما حكيناه عنه، (3) و هو حسن؛ لأنّه إحدى الغايات المطلوبة للشارع، و لأنّه يستلزم الرفع؛ لأنّ الكون على طهارةٍ لا يتحقّق إلا معه.

____________

(1) الكافي 3: 101/ 4؛ التهذيب 1: 159/ 456.

(2) الذكرى 2: 111.

(3). آنفا

56

(و التجديد) بالجرّ أيضاً عطفاً على ما سبق. و لا ينوي هنا الرفع و لا الاستباحة. و لا يرفع الحدث على المشهور؛ لعدم نيّته.

و حُكي عن الشيخ في المبسوط الرفعُ، (1) و قوّاه الشهيد في الدروس (2) لأنّ شرعيّة المجدّد لتدارك الخلل و كماليّة الطهارة، مع أنّهما يشترطان في الوضوء الواجب الاستباحةَ أو الرفع. (3) و سيأتي في ذلك بحث آخر إن شاء اللّه.

و لو اكتفينا في الوضوء بالقربة، فلا إشكال حينئذٍ في رفع المجدّد على تقدير الحاجة إليه.

ثمّ إنّ تجديد الوضوء إن كان بعد أن صلّى بالأوّل و لو نافلةً، فلا ريب في استحبابه.

و ألحق المصنف في التذكرة الطوافَ و سجودَ الشكر و التلاوة بها. (4)

و رجّح الشهيد عدمَ اللّحاق. (5)

و هل يستحبّ قبل الصلاة أو ما يلحق بها؟ جزم به المصنّف في التذكرة (6) للعموم.؛ و توقّف الشهيد. (7)

و يقوى الإشكال في تعدّده لصلاة واحدة؛ لعدم النصّ على الخصوص. و توقّف فيه المصنّف في المختلف. (8)

و يمكن دخوله في عموم الإذن فيه من غير تقييدٍ.

و رجّح العدم في الذكرى محتجّاً بأصالة عدم المشروعيّة، و أدائه إلى الكثرة المفرطة. (9)

و يضعّف الأوّل ما ذكرناه، و الثاني لا يصلح للدلالة.

[و أما الغسل]

[فمنه الواجب]

(و الغسل يجب) بأصل الشرع (لما وجب له الوضوء) و هو الصلاة و الطواف الواجبان، و المسّ إن وجب؛ للآية (10) و الحديث (11) و الإجماع، فيشترك مع الوضوء في هذه الثلاثة.

____________

(1) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 2: 112.

(2) الدروس 1: 86.

(3) المبسوط 1: 19؛ الدروس 1: 90.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 203- 204، الفرع «ه».

(5) الذكرى 2: 196.

(6) تذكرة الفقهاء 1: 204.

(7) الذكرى 2: 195- 196.

(8) مختلف الشيعة 1: 141، المسألة 92.

(9) الذكرى 2: 196.

(10) الواقعة (56): 79.

(11) التهذيب 1: 127/ 344؛ الاستبصار 1: 113- 114/ 378.