زبدة البيان في أحكام القرآن

- المقدس الأردبيلي المزيد...
702 /
1

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّهِ ربّ الْعالَمينَ وَ الصَّلاةُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّد وَ آلِهِ اجْمَعينَ.

أمّا بعد (1):

اعلم أنّ هنا فائدة لا بدّ قبل الشروع في المقصود من الإشارة إليها و هي أنّ المشهور بين الطلبة أنّه لا يجوز تفسير القرآن بغير نصّ و أثر حتّى قال الشيخ أبو علىّ الطبرسيّ (قدس سره) في تفسيره الكبير «و اعلم أنّه قد صحّ عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و عن الأئمّة (عليهم السلام) أنّ تفسير القرآن لا يجوز إلّا بالأثر الصحيح و النصّ الصريح و روى العامّة عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله أنّه قال من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحقّ فقد أخطأ، قالوا و كره جماعة من التابعين القول في القرآن بالرّأي كسعيد بن المسيّب [و عبيدة السلمانيّ] و سالم بن عبد اللّه و غيرهم و القول في ذلك أنّ اللّه سبحانه ندب إلى الاستنباط و أوضح السبيل إليه و مدح أقواما عليه فقال «لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (2)» و ذمّ آخرين على ترك تدبّره و الإضراب عن التفكّر فيه فقال «أَ فَلٰا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا (3)» و ذكر أنّ القرآن منزل بلسان العرب، فقال «إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (4)».

____________

(1) في نسخة مخطوطة هكذا: الحمد لولي الحمد، و الصلاة على خير الخلق محمد و آله الأمجاد و في نسخة اخرى ابتدئ بقوله «اعلم» من دون التحميد و الصلاة.

(2) النساء: 83.

(3) القتال: 24.

(4) الزخرف: 3.

2

إلى أن قال: «هذا و أمثاله يدلّ على أنّ الخبر متروك الظاهر، فيكون معناه إن صحّ أنّ من حمل القرآن على رأيه، و لم يعلم شواهد (1) ألفاظه فأصاب الحقّ فقد أخطأ الدليل و قد روي أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال إنّ القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه».

«و روي عن عبد اللّه بن عبّاس أنّه قسم وجوه التفسير على أربعة أقسام: تفسير لا يعذر أحد بجهالته، و تفسير تعرفه العرب بكلامها، و تفسير يعلمه العلماء، و تفسير لا يعلمه إلّا اللّه عزّ و جلّ: فأمّا الّذي لا يعذر أحد بجهالته، فهو ما يلزم الكافة من الشرائع الّتي في القرآن، و جمل دلائل التوحيد (2) و أمّا الّذي تعرفه العرب بلسانها فهو حقائق اللّغة و مصوغ كلامهم (3) و أمّا الّذي يعلمه العلماء فهو تأويل المتشابه و فروع الأحكام و أمّا الّذي لا يعلمه إلّا اللّه عزّ و جلّ فهو ما يجري مجرى الغيوب و قيام الساعة تمّ كلامه (4).

أقول: تحرير الكلام أنّ الخبر محمول على ظاهره، غير متروك الظاهر، و أنّه صحيح مضمونه على ما اعترف به في أوّل كلامه، حيث قال قد صحّ عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، بيانه أنّ الشيخ أبا عليّ (رحمه اللّه) قال في أوّل تفسيره: التفسير معناه كشف المراد عن اللّفظ المشكل، و التأويل ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الآخر، و قيل التفسير كشف المغطّى، و التأويل انتهاء الشيء و مصيره، و ما يؤل إليه أمره، و هما قريبان من الأوّلين فالمعنى من فسّر و بيّن و جزم و قطع بأنّ المراد من اللّفظ المشكل مثل المجمل و المتشابه كذا، بأن يحمل المشترك اللّفظيّ مثلا على

____________

(1) في المصدر: و لم يعمل بشواهد ألفاظه.

(2) لعل معناه أنه يجب على كل مكلف أن يعرف هذا القسم من الفروع و الأصول المذكورة في القرآن بالاجتهاد أو التقليد على الوجه المعتبر، و لا يلزم أن يعرفه من القرآن بل لا يمكن معرفة البعض من القرآن مثل المعرفة، و لا يقدر على المعرفة من القرآن كل مكلف و كذا معنى القسم الأخير، منه (رحمه اللّه).

(3) في المصدر: موضوع كلامهم.

(4) انتهى كلام الطبرسي، راجع مقدمة تفسيره الفن الثالث.

3

أحد المعاني من غير مرجّح و هو إمّا دليل نقليّ كخبر منصوص أو آية أخرى كذلك أو ظاهر أو إجماع، أو عقليّ. أو المعنويّ (1) المراد به أحد معانيه بخصوصه بدليل بغير الدليل المذكور، على فرد معين، فقد أخطأ (2).

و بالجملة المراد من التفسير الممنوع برأيه و بغير نصّ هو القطع بالمراد من اللّفظ الّذي غير ظاهر فيه من غير دليل، بل بمجرّد رأيه و ميله، و استحسان عقله من غير شاهد معتبر شرعا كما يوجد في كلام المبدعين و هو ظاهر لمن تتبّع كلامهم و المنع منه ظاهر عقلا، و النقل كاشف عنه، و هذا المعنى غير بعيد عن الأخبار المذكورة بل ظاهرها ذلك.

____________

(1) يعني أو بأن يحمل المشترك المعنوي إلخ.

(2) جواب الشرط في قوله «من فسر و بين إلخ.

4

كتاب الطهارة

نبدأ بالفاتحة تيمّنا و تبرّكا ثمّ نذكر آياتها.

بسم اللّه الرحمن الرحيم يمكن الاستدلال بها على راجحيّة التسمية عند الطهارة بل عند كلّ فعل إلّا ما أخرجه الدليل بأنّ الظاهر أنّ المراد بها تعليم العباد ابتداء فعلهم فانّ معناه على ما قاله الشيخ أبو عليّ الطبرسيّ (رحمه اللّه) في كتاب تفسيره الكبير: استعينوا في الأمور باسم اللّه تعالى بأن تبدؤا بها في أوائلها كما فعله اللّه تعالى في القرآن فتقديره استعينوا بأسمائه الحسنى، و كأنّ المراد في أوّل أموركم و ابتدائها كما يظهر من المقام بأن تقولوا «باسم اللّه» فينبغي قوله في ابتداء الأكل و الشرب و اللّبس و الذّبح و غيرها كما قاله الفقهاء، و يؤيّده الخبر المشهور: كلّ أمر ذي بال لم يبدء فيه باسم اللّه فهو أبتر، و غيره من الشواهد.

ثمّ إنّه يمكن الاستدلال بها على وجوب ذلك [في ابتداء الأفعال و الأمور] إلّا ما وقع الاتّفاق أو دليل آخر على عدمه مثل الذبح بالطريق المشهور من الاستدلال:

بأنّ الآية بل الخبر أيضا دلّتا على وجوب التسمية وضع عنه المتّفق على عدمه بقي الباقي تحته فوجب في الذبح.

الحمد للّه ربّ العالمين:

و الاستدلال بها على رجحان قولها عند كلّ فعل مثل الاستدلال الأوّل و يؤيّده أيضا مثله الخبر المشهور كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد للّه فهو أبتر و أجذم و غيره مثل ما نقل في الكافي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال إنّ الرجل إذا أراد أن يطعم فأهوى بيده فقال بسم اللّه و الحمد للّه ربّ العالمين غفر اللّه له قبل أن تصير اللقمة إلى فيه (1) و هذا مؤيّد للتسمية أيضا. و ليس ببعيد كون الفاتحة أوّل القرآن

____________

(1) الكافي ج 6 ص 293.

5

مبتدأ بالتسمية فالتحميد، يكون مؤيدا أيضا. قال في الكشّاف في بيان كون الباء للاستعانة: «إنّ المؤمن لمّا اعتقد أنّ الفعل لا يجيء معتدّا به في الشرع واقعا على السنّة حتّى يصدّره باسم اللّه لقوله (عليه السلام) كلّ أمر ذي بال لم يبدء فيه باسم اللّه فهو أبتر و إلّا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله مفعولا باسم اللّه كما يفعل الكتب بالقلم». و في بيان كونها بمعنى المصاحبة: «هذا مقول على ألسنة العباد إلى قوله و معناه تعليم عباده كيف يتبرّكون باسمه، و كيف يحمدونه» أي في أوائل فعلهم كما هو الظاهر من المقام و البيان. قال البيضاوي في ربّ العالمين أي مربّيها دلالة على أنّ الممكن في بقائه محتاج إلى العلّة كحال حدوثه، و ليس بواضح، نعم في الحمد للّه ربّ العالمين دلالة على كونه تعالى قادرا مختارا من وجهين (1) فيفهم كون العالم حادثا أيضا فافهم.

و في قوله «الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» دلالة على العفو و الصفح و في قوله «مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» دلالة على الترغيب و الترهيب و إثبات القيامة و المعاد لأنّ المكلّف إذا علم ذلك يرجو و يخاف كما قيل «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ» العبادة غاية الخضوع و التذلّل كذا في الكشّاف و تفسير البيضاوي و في مجمع البيان: هي ضرب من الشكر و غاية فيه لأنّها الخضوع بأعلى مراتبه مع التعظيم و في كون المراد هنا ما ذكروه تأمّل فإنّ الظاهر أن ليس ذلك واجبا و لا يدّعيه العباد، و يدلّ على وجوب تخصيصه تعالى بالعبادة إذ حاصله قولوا نخصّك بالعبادة، و لا نعبد غيرك، فيجب العبادة و الإخلاص فيها حتّى يحسن الأمر بالقول، و يكونوا هم صادقين في القول بل الظاهر أنّ المقصود من هذا القول هو التخصيص بالعبادة أي العبادة و الإخلاص فيها، و هي النيّة فيفهم وجوبها فيحرم تركها، و الرئاء بقصد غيره تعالى بالعبادة «وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ» يدلّ على عدم جواز الاستعانة في العبادة بغيره تعالى بل في شيء من الأمور إلّا ما أخرجه

____________

(1) أحدهما أنه دل على أن اللّه تعالى خالق كل ما سواه و من جملته الحادث، فلا يكون موجبا فان أثره قديم و هو ظاهر بين، و ثانيهما أن الحمد إنما يكون على الفعل الاختياري فالمحمود لا يكون إلا مختارا، و يلزم منه حدوث جميع العالم فإن أثر المختار لا يكون قديما و هو ظاهر. منه (رحمه اللّه).

6

الدليل و الأوّل أظهر و الثاني أعم، فعلى الأوّل يدلّ على عدم جواز التولية في العبادات مثل الوضوء و الغسل، بل على عدم جواز التوكيل في سائر العبادات و على عدم [جواز] الاستعانة في الصلاة بالاعتماد على الغير، مثل الآدميّ و الحائط قياما أو قعودا أو ركوعا أو سجودا و غير ذلك ممّا لا يحصى، و على الثاني يدلّ عليها و على عدم الاستعانة بغيره تعالى في شيء من الأمور حتّى السؤال و أيضا يدل عليه أنّه مذموم في الأخبار حتّى نقل عنه صلى اللّه عليه و آله أنّه قال لقوم قالوا له: أضمن لنا الجنّة، قال: بشرط أن لا تسألوا أحدا شيئا فصاروا بحيث لو وقع من يد أحدهم السوط و هو راكب ينزل و يأخذ، و لم يسأل أحدا أن يعطيه، و إذا عطشوا قاموا من محلّهم و شربوا الماء و لم يطلبوه ممّن قرب إليه [المشربة].

و الحاصل أنّ ذمّ السؤال من غير اللّه تعالى معلوم عقلا و نقلا من غير هذه الآية أيضا فعلى هذا يمكن أن تحمل الآية على مرجوحيّة الاستعانة بغيره مطلقا إلّا ما أخرجه الدليل و التفصيل بالكراهية و التحريم يفهم من غيرها أو تحمل على الكراهية إلّا ما يعلم تحريمه أو على التحريم حتّى تعلم الكراهية و الجواز و اللّه يعلم.

«اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ» الآية. الآية تدل على رجحان طلب الخير من اللّه تعالى سيّما أصل الخير و أساسه، و هو الصراط المستقيم: أي دين الإسلام قاله المفسّرون و قيل إنّه النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) القائمون مقامه، و هو المرويّ عن أئمّتنا قاله الشيخ أبو علىّ الطبرسيّ (رحمه اللّه) ثمّ قال الأولى حمل الآية على العموم حتّى يدخل جميع ذلك فيه لأنّ الصراط المستقيم هو الدّين الّذي أمر اللّه تعالى به من التوحيد و العدل و ولاية من أوجب اللّه تعالى طاعته، و لا يخفى المسامحة في التفسير الثاني، أو عبادة اللّه فقط دون غيره كما يدل عليه بعض الآيات مثل قوله تعالى «وَ أَنِ اعْبُدُونِي هٰذٰا صِرٰاطٌ مُسْتَقِيمٌ (1)» فيدلّ على مشروعيّة الدعاء، بل على استحبابه مطلقا حتّى لثبات الأمر الذي عليه مثل الدين و عدم تغيره و حصول دين المغضوب عليهم و الّذين هم الضالّون فيكون تحريضا و ترغيبا إلى الانقطاع إلى اللّه تعالى و طلب التوفيق

____________

(1) يس: 61.

7

منه في الأمور كلّها، و اعتقاد أنّه لا يصير الإنسان من عند نفسه و فعله من دون توفيق اللّه و هدايته إيّاه مقبولا عنده بل مسلما أيضا.

ثمّ اعلم أيضا أنّ في نظم السورة دلالة مّا على طريق تعليم الدعاء و هو كونه بعد التسمية و التحميد و الثناء و التوسّل بالعبادة كما هو المتعارف و ورد به الرواية (1).

و أيضا إنّي ما رأيت أحدا يتوجّه إلى استنباط هذه الأحكام من الفاتحة نعم ذكروا في تفسيرها ما يمكن الاستنباط منه، و كأنّهم تركوها للظهور أو لوجودها في غيرها و اللّه يعلم.

و لمّا توقّفت صحّة العبادة على الإيمان أشرت إلى بعض الآيات الّتي تتعلّق به، منها «أُولٰئِكَ عَلىٰ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» و هي إشارة إلى المتّقين «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ» أمّا إعرابها فظاهر فانّ «أُولٰئِكَ» مبتدأ و «عَلىٰ هُدىً» متعلّق بمقدّر خبره و «مِنْ رَبِّهِمْ» متعلّق بمقدّر صفة هدى و كذا أولئك الثاني مبتدأ، و المفلحون خبره، و هم ضمير فصل لا محلّ له من الاعراب عند البعض، و مبتدأ و ما بعده خبره، و الجملة خبر أولئك عند الآخرين، و اختير أولئك و كرّر للتأكيد و التصريح و المبالغة في كون الفلاح للمتّقين الموصوفين بالصفات المذكورة كما أنّ الفصل يدلّ عليه مع إفادته الحصر، و كذا تعريف الخبر. و أمّا لغتها فأيضا ظاهرة إذ الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب أو الدلالة الموصلة و لعلّ الثاني أولى، و الفلاح النجاح و الظفر على ما قيل و المعنى أنّ هؤلاء الموصوفين هم الّذين اتّصفوا بهداية من اللّه أو المنتفعون بها دون غيرهم، و أنّهم الظافرون بالبغية و المطلوب و هو الخلاص من النار لا غيرهم.

و أمّا الدلالة على الأحكام فلا يخلو من خفاء، بيانها أنّها تدلّ على وجوب ما هو سبب الفلاح من التقوى و الايمان بالغيب، و إقامة الصلاة، أي فعلها و المحافظة عليها أفعالا، و كيفيّة، و وقتا، و إيتاء الزكاة مستحقّها، و الإنفاق ممّا رزقهم اللّه مطلقا لا من المحرّمات و ذلك لأنّه يفهم منه حصر الفلاح في فعل هذه المذكورات، و

____________

(1) راجع الكافي كتاب الدعاء باب الثناء قبل الدعاء ج 2، 484.

8

معلوم أنّ الفلاح الّذي هو النجاة من العذاب و الوصول إلى الجنّة واجب فيكون ما هو موقوف عليه و سبب له واجبا و ذلك هو المطلوب.

و التقوى على ما نقل من أهل البيت (عليهم السلام) هو أن لا يراك اللّه حيث نهاك و لا يفقدك حيث أمرك، أي التقوى هو اجتناب جميع المنهيّات و ارتكاب جميع المأمورات.

و الايمان بالغيب، قيل هو التصديق بالغائب الغير المحسوس: و قيل بما غاب عن العباد علمه، و قيل بما جاء من عند اللّه، و قيل بجميع ما أوجبه اللّه تعالى أو ندب إليه و أباحه، و قيل بالقيامة و الجنّة و النار، و قيل هو التصديق بالقلب فالغيب هو القلب حينئذ.

و اعلم أنّه ينبغي هنا تحقيق الايمان شرعا إذ يتوقّف عليه أمور كثيرة فنقول:

لا شكّ أنّه مطلق التصديق في اللّغة، و أمّا في الشرع، فنقل في مجمع البيان أنّ المعتزلة قالوا بأجمعهم أنّ الايمان هو فعل الطاعات فمنهم من اعتبر الفرائض و النوافل و منهم من اعتبر الفرائض حسب، و اعتبروا اجتناب الكبائر كلّها و كأنّه يريد بفعل الطاعات مجموع الأمور الثلاثة: اعتقاد الحقّ و الإقرار به و العمل بمقتضاه، كما قال في الكشّاف و نقل القاضي البيضاويّ أنّه مذهب المعتزلة و جمهور المحدّثين و الخوارج فمن أخلّ بالاعتقاد فهو منافق و من أخلّ بالإقرار فهو كافر و من أخلّ بالعمل فهو فاسق عند الكلّ، و كافر عند الخوارج، و خارج عن الايمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة.

و أمّا دليلهم فليس ممّا يعتد به إلّا أنّه يفهم ذلك من كثير من الأخبار المذكورة في كتاب الايمان و الكفر من الكافي و غيره من الكتب المعتبرة من الأصحاب حيث يدلّ على دخول الأعمال فيه، و أنّ المؤمن يخرج عن الايمان حين الفسق ثمّ إذا تاب يصير مؤمنا.

منها ما نقل في مجمع البيان قال: و روى العامّة و الخاصّة عن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّ الايمان هو التصديق بالقلب، و الإقرار باللسان، و العمل بالأركان

9

و عنه (عليه السلام) أيضا الإيمان قول مقول و عمل معمول، و عرفان بالعقول، و اتّباع الرسول صلى اللّه عليه و آله.

و يدلّ على ضعف مذهبهم عطف العبادات على الايمان في القرآن العزيز بل الأخبار أيضا. و أيضا إسناد الايمان إلى القلب في مثل قوله تعالى «وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ»- «أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ»- «وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ» (1) و أيضا اقتران الايمان بالمعاصي في مثل قوله «وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا» و «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ» و «الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ» (2) و أيضا تكليف المؤمن بالعبادات و اجتناب المنهيّات مثل قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ» (3) و غير ذلك من الآيات. و لو كان الأعمال داخلة فيه لما حسن جميع ذلك، و يحتاج إلى التأويل و التكلّف، فلا يصار إليه إلّا بدليل قطعي المتن و قويّ الدلالة إذ الخروج عن ظاهر القطعيّ لا يجوز إلّا بأقوى منه أو بالمثل، و أيضا الأصل و الاستصحاب و عدم الخروج عن معناه اللّغويّ، فإنّه فيها بمعنى التصديق اتفاقا على ما قالوه، و معلوم أنّ الخروج عنه إلى التصديق و الإقرار و الأعمال يحتاج إلى دليل قوىّ بخلاف التصديق الخاصّ، فإنّه بعض أفراد معناه اللّغويّ، و لا يبعد ضمّ الإقرار أيضا إليه، باعتبار أنّ الكتمان للعناد و غيره إذا تمكّن من الإظهار لا يجوز، و فيه أنّه لا يستلزم الدخول حتّى أنّه لو لم يقل ذلك بالقول لا يكون مؤمنا بل لا يستلزم عدم العلم أيضا و أيضا باعتبار أنّه إمّا مرادف للإسلام أو أخصّ، و معلوم اعتبار الإقرار فيه، و فيه أيضا أنّ لمانع أن يمنع ذلك و هو ظاهر فالعمل غير داخل في الايمان، و الأخبار الواردة بذلك محمولة على الايمان الكامل الّذي يكون للمؤمنين المتّقين المتورّعين المخلصين المقبولين.

و أمّا الإيمان المطلق عند الأصحاب فهو التصديق و الإقرار باللّه و برسله و

____________

(1) النحل: 106، المجادلة، 22 الحجرات، 14، على الترتيب.

(2) البقرة: 178، الإنعام، 82، على الترتيب.

(3) النساء: 59، القتال، 33.

10

بما جاءت به على الإجمال و بخصوص كلّ شيء علم كونه ممّا جاءت به [على الإجمال] و بالولاية و الإمامة و الوصاية لأهل البيت (عليهم السلام) بخصوص كلّ واحد واحد مع عدم صدور ما يقتضي خروجه عنه و الارتداد، مثل سبّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و إلقاء المصحف في القذورات.

فلنشر إلى ما يدلّ على كون أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما و هو غير محصور، و نقتصر على نبذ منه.

منه قوله تعالى (1) «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» عاطفين عليهم متذلّلين جمع ذليل و دخول «على» إمّا لتضمين معنى العطف أو للتنبيه على أنّه مع ذلك حافظون للمؤمنين، و حاكمون عليهم و هم في حمايتهم أو لمقابلة «أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ» شدائد غالبين عليهم من عزّه إذا غلبه «يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» صفة أخرى لهم أو حال من الضمير في أعزّة «وَ لٰا يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لٰائِمٍ» عطف على يجاهدون بمعنى أنّهم جامعون بين المجاهدة في سبيل اللّه و التصلّب في دينه «ذٰلِكَ فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ» إشارة إلى أنّ الأوصاف المذكورة من عطية اللّه و فضله، و تهيّيء أسبابه، لا يمكن كسبه بغير عون و فضل منه، و هو كثير الفضل، و لا ينقصه إعطاء شيء، «عَلِيمٌ» بمواقع الأشياء يعرف استحقاق كلّ أحد لأيّ مقدار من الفضل و الانعام.

و ظاهر أنّها في أمير المؤمنين (عليه السلام) و أصحابه و الّذين ارتدّوا بعده من الخوارج و محاربيه يوم الجمل و صفّين و غيره إذ ما وقع ارتداد قبله، و لا بعده إلّا أمثال ذلك معه، و لأنّ هذه غير موجودة إلّا فيه و أصحابه لأنّ الحرب الّذي فعله كان محلّ اللّوم فإنّ الخوارج أهل القرآن و الصلحاء و عائشة زوجة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و معها أصحابه و معاوية خال المؤمنين و معه أصحابه، فكان محلّ اللّوم. و لكن ما كان هو و أصحابه يخافون من لومة أيّ لائم كان، لأنّهم كانوا على الحقّ فلا يحبّون غير اللّه مع ذلّتهم و صغر نفوسهم مع المؤمنين، و تواضعه (عليه السلام) معهم مشهور حتّى نسب إلى

____________

(1) المائدة: 54

11

الدّعابة لكثرة تواضعه، و قالوا: إنّه كان فينا كأحدنا في زمان خلافته و يمشي في سوق الكوفة و ينادي خلّوا سبيل المؤمن المجاهد في سبيل اللّه و لأنّه الّذي ثبت محبّة اللّه له أي إرادة اللّه له بالهدي و التوفيق في الدّنيا لما يحبّ و يرضى، و حسن الثواب في الآخرة و محبّته للّه أي إرادة طاعته جميعها و التحرّز عن معاصيه كلّها.

و يؤيّده ما روي من محبّة اللّه تعالى و رسوله له و محبّته للّه و للرسول في خبر الراية قال الإمام نور الدين عليّ بن محمّد المكّيّ المالكيّ في كتابه فصول المهمّة في معرفة الأئمّة هذه عبارته:

فصل في محبّة اللّه تعالى و رسوله له و ذلك أنّه صحّ النقل في كثير من الأحاديث الصحيحة و الأخبار الصريحة في صحيحي البخاري و مسلم و غيرهما أنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال يوم خيبر: لأعطينّ الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه، يحبّ اللّه و رسوله، و يحبّه اللّه و رسوله فبات الناس يخوضون ليلتهم أيّهم يعطاها فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كلّ منهم يرجو أن يعطاها فقال (صلّى اللّه عليه و آله): أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل يا رسول اللّه! هو أرمد فقال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق في عينيه و دعا له فبرأ حتّى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية، فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه أ قاتل حتّى يكونوا مثلنا؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): أنفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم ثمّ ادعهم إلى الإسلام و أخبرهم بما يجب عليهم فيه، فواللّه لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم. قال فمضى ففتح اللّه على يده.

و في صحيح مسلم قال عمر بن الخطّاب فما أحببت الامارة إلّا يومئذ فتساورت لها رجاء أن ادعى لها، قالت العلماء قوله «فتساورت لها» بالسين المهملة أي تطاولت لها و حرصت عليها حتّى أبديت وجهي و تصدّيت لذلك ليتذكّرني قالوا إنّما كانت محبّة عمر لها لما دلّت عليه من محبّة اللّه تعالى و رسوله و محبّتهما له و الفتح على يديه، قاله الشيخ عبد اللّه اليافعي (1) في كتابه المرهم انتهى كلامه.

____________

(1) الشافعي خ و اليافعي هو أبو السعادات عفيف الدين عبد اللّه بن أسعد اليمنى نزيل الحرمين، له تأليفات كثيرة في التصوف و أصول الدين و التفسير و غير ذلك توفى بمكة سنة 168 و دفن بباب المصلي إلى جنب الفضيل بن عياض

12

و رأيت أيضا مثل ما نقله في مواضع منها مصابيح الأنوار بتغيير ما عدّ من الصحاح عن سهل بن سعد أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال يوم خيبر: لأعطينّ هذه الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه يحبّ اللّه و رسوله، و يحبّه اللّه و رسوله فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كلّهم يرجون أن يعطاها فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟

فقالوا: هو يا رسول اللّه يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فبصق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال عليّ: يا رسول اللّه أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا؟ فقال أنفذ على رسلك أي رفقك و لينك و الرّسل السير اللّين و [ذكر] نحو ذلك بحيث لا يتغيّر المعنى و المقصود، و نقله من الصحاح (1).

تأمل رحمك اللّه في هذا الخبر و اختياره للمحبّة من الجانبين و اختصاصه بها مع عدم كونه حاضرا مع الصحابة و تعرّض الصحابة لهذا مع غيبته و هذه القصّة كالصريحة في عدم وجود هذا الوصف في ذلك الزمان إلّا فيه.

و كذا يؤيّده قصّة الطير و هي مشهورة أيضا مرويّة في كتب العامّة و الخاصّة قال أخطب خوارزم في كتاب المناقب في آخر الفصل التاسع في بيان أنّه أفضل الأصحاب: و أخبرنا الشيخ و ذكر الإسناد إلى قوله عن أنس بن مالك قال اهدي لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) طير فقال اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير فقلت: اللّهمّ اجعله رجلا من الأنصار فجاء عليّ بن أبي طالب فقلت: إنّ رسول اللّه على حاجة قال: فذهب ثمّ جاء فقلت: إنّ رسول اللّه على حاجة، قال:

فذهب ثمّ جاء فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) افتح ففتحت ثمّ دخل فقال يا عليّ ما حديثك؟ قال: هذه آخر ثلاث كرّات يردّني أنس يزعم أنّك على حاجة، قال (صلّى اللّه عليه و آله) ما حملك على ما صنعت يا أنس؟ قال سمعت دعاءك فأحببت أن يكون في رجل من قومي فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إنّ الرجل قد يحبّ قومه إنّ الرجل قد يحبّ قومه و مثله في كتب أخر مثل فصول المهمّة ثمّ نقل شعرا في بيان أنّ الرجل يحبّ قومه.

و بالجملة فمحبّته للّه و للرسول، و محبّة اللّه و محبّة رسوله له ظاهر، و في

____________

(1) راجع مشكاة المصابيح، 563.

13

الأخبار ما لا يحصى، من ذلك ما يعلم من كتاب أخطب خوارزم في الفصل السادس في بيان محبّة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) إيّاه و الحثّ على محبّته و موالاته، و نهيه عن بغضه.

و من جملة ذلك ما روي بالإسناد في هذا الفصل عن عائشة قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو في بيتي: ادعوا لي حبيبي فدعوت أبا بكر فنظر إليه رسول اللّه ثمّ وضع رأسه ثمّ قال: ادعوا لي حبيبي فقلت: ويلكم ادعوا له عليّ ابن أبي طالب فواللّه ما يريد غيره، فلمّا رآه فرّج الستور الّذي عليه ثمّ أدخله فيه فلم يزل يحتضنه حتّى قبض و يده عليه، و غير ذلك.

و عدم خوفه من لومة لائم واضح و متّفق عليه و كذا كونه أذلّة على المؤمنين و أعزّة على الكافرين، و كذا ارتداد قوم بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مقاتلته (عليه السلام) معهم و هو أيضا مذكور في الأخبار الكثيرة و معلوم كالشمس عند الارتفاع.

و من ذلك حكاية الخوارج و الجمل و صفّين و غير ذلك ممّا هو معلوم من التواريخ و من كتب أهل العلم مثل كتاب كمال الدين بن طلحة الشافعيّ و فصول المهمّة للمالكيّ. و الخوارزميّ قال بإسناده عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال كنت أمشي مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في بعض طرق المدينة فأتينا على حديقة فقلت: يا رسول اللّه ما أحسن هذه الحديقة؟ فقال: لك في الجنّة أحسن منها، ثمّ أتينا على حديقة أخرى فقلت: يا رسول اللّه ما أحسن هذه الحديقة؟ قال: لك في الجنة أحسن منها حتّى أتينا على سبع حدائق أقول: يا رسول اللّه ما أحسن هذه الحديقة؟ فيقول: لك في الجنة أحسن منها، فلما خلا له الطريق اعتنقني و أجهش باكيا فقلت: يا رسول اللّه ما يبكيك؟ قال الضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلّا بعدي، فقلت في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك.

و في كتاب الخوارزمي بإسناده عن عليّ (عليه السلام) قال: أمرت بقتال ثلاثة: القاسطين و الناكثين و المارقين فأمّا القاسطون فأهل الشام، و أما الناكثون فذكرهم (1) و أمّا

____________

(1) فذكرهم، أى ذكرهم على (عليه السلام)، و لم يذكره الراوي تعصبا أو تقية، و هم طلحة و الزبير و عائشة أم المؤمنين مع أهل البصرة، و لعل الراوي للحديث كان من أهل البصرة الناكثين.

14

المارقون فأهل النهروان يعني الحروريّة.

و نقل في الفصل الثامن في بيان أنّ الحقّ معه و أنّه مع الحقّ جداله (عليه السلام) مع معاوية و قتل عمّار، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) له: ستقتلك الفئة الباغية، و أنت مع الحقّ و الحقّ معك، يا عمّار إذا رأيت عليا سلك واديا و سلك الناس واديا غيره فاسلك مع عليّ و دع الناس فإنّه لن يدليك في ردي و لن يخرجك عن الهدى، يا عمّار إنّه من تقلّد سيفا أعان به عليّا على عدوّه قلّده اللّه تعالى يوم القيامة و شاحا من درّ، و من تقلّد سيفا أعان به عدوّ علىّ قلّده اللّه تعالى يوم القيامة وشاحا من نار قال قلنا: حسبك.

و نقل في هذا الفصل عن عليّ بإسناده قال: يا عجبي أعصي و يطاع معاوية، و نقل أنّ ابن عبّاس قال له: لأنّه يطاع و لا يعصى، أي معاوية و أنت عن قليل تعصي و لا تطاع.

و بالجملة الأوصاف كلّها موجودة فيه و يؤيّد كونها فيه قوله تعالى متّصلا بالآية المذكورة «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» مع إجماع المفسّرين على أنه في شأنه (عليه السلام) و الأدلّة على إمامته و وصايته من المعقول و المنقول غير محصورة و ليس هنا محلّ ذكرها و المقصود من ذكر نبذ منها تزيين هذا الكتاب به فنقول في الطهارة آيات:

الاولى:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ

15

عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (1).

تخصيص المؤمن بالخطاب لأنّ الكافر لم يقم إلى الصلاة، و لأنه المنتفع به كما في أكثر التكاليف «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» أي إذا صلّيتم فإنّ المراد بالقيام قيامها، و التقدير إذا أردتم الصلاة مثل «فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ» (2) فأقيم مسبّب الإرادة مقامها للإشعار بأنّ الفعل ينبغي أن لا يترك و لا يتهاون فيه، و يفعل سابقا على القصد الّذي لا يمكن إلّا بعده، فظاهر الأمر الوجوب، فيجب الوضوء للصّلاة بأن يغسل الوجه. و الغسل محمول على العرفيّ، و فسّر بإجراء الماء على العضو و لو كان بالآلة و أقلّه أن يحري و يتعدّى من شعر إلى آخر، و ظاهرها يدلّ على وجوبه كلّما قام إليها لأنّ ظاهر «إذا» العموم عرفا و إن لم يكن لغة، و لأنّ الظاهر أنّ القيام إليها علّة، و لكن قيّد بالإجماع و الأخبار بالمحدثين.

و قيل: كان ذلك في أوّل الأمر ثمّ نسخ و قيل الأمر فيه للندب و ردّ النسخ بما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله): المائدة آخر القرآن نزولا فأحلّوا حلالها و حرّموا حرامها ولي في النسخ تأمّل إلّا أن يقال المراد نسخ وجوب الوضوء على المتوضّئين المفهوم من عموم فاغسلوا، فعمومه منسوخ، و ليس ذلك بتخصيص حيث كان العموم مرادا معمولا به، و كذا في الندب إلّا أن يقال الندب بالنسبة إلى المتوضّئين فيكون المراد به الرجحان المطلق، فكان الندب بالنسبة إلى المتوضّئين و الوجوب بالنسبة إلى غيرهم هذا صحيح و لكن ليس هذا قولا (3) بأنّ الأمر للندب فقط كما قاله في الكشّاف و أيضا قال فيه حمله على الوجوب و الندب إلغاز و تعمية، فلا يجوز في القرآن لأنّه استعمال اللّفظ في وقت لمعنييه الحقيقيّ و المجازيّ في إطلاق واحد، و فيه تأمّل لأنّه مجاز و المجاز غير إلغاز، و لكن بعيد لعدم القرينة إلّا أن يريد مع فهم التفصيل فهو إلغاز و لكن يجوز ذلك بالبيان النبويّ كما في سائر الإطلاقات و العمومات المخصوصات مثل آيات الصلاة و الزكاة و غيرها.

____________

(1) المائدة: 6.

(2) النحل: 98.

(3) في المطبوعة: و لكن هذا قول إلخ، و هو سهو.

16

على أنّه قال فيه بعده بأسطر: إنّ المراد بمسح الرجلين المفهوم من عطفهما على الرأس الغسل القليل، و لا شكّ أنّه بالنسبة إلى الرأس مسح حقيقيّ فهو لفظ واحد أطلق في إطلاق واحد على المعنى الحقيقيّ و المجازي معا، مع عدم القرينة بل مع الاشتباه، فهو إلغاز و تعمية، و هل هذا إلّا تناقض؟ فظهر كون المراد المعنى الحقيقيّ في الرجلين أيضا كما فهمه بعض الصحابة و أهل البيت (عليهم السلام) فتأمّل فيه.

و الآية تدلّ على وجوب أمور في الوضوء:

الأوّل غسل الوجه و هو العضو المعلوم عرفا، و قد حدّ في بعض الأخبار المعتبرة بأنّه الّذي يدور عليه الإبهام و الوسطى عرضا، و طولا من قصاص شعرا الرأس إلى الذقن، و هو أوّل فعل في الوضوء، فظاهر الآية لا يدلّ على اعتبار النيّة، و لا على تعيين الابتداء، لكن اعتبار النيّة معلوم إذ لا يمكن الفعل الاختياريّ بدونها و فعلهم (عليهم السلام) كان من الأعلى إلى الأسفل في أعضاء الغسل فهو أحوط، و لا على وجوب الترتيب بين أجزاء العضو، بل لا يمكن ذلك حقيقة، نعم ملاحظة العرفيّ حسن و لا على وجوب التخليل مطلقا و يدلّ على عدمه الروايات الصحيحة (1) و لا على وجوب المسّ و الدّلك باليد لصدق الغسل مع الكلّ، فكلّما دلّ عليه دليل من خبر أو إجماع يقال به، و الباقي يبقى على حاله.

الثاني غسل اليدين و الترتيب مستفاد من الإجماع و الخبر و يمكن فهمه من الآية أيضا بتكلّف بأن يقال يفهم تقديم الوجه لوجود الفاء التعقيبيّة و لا قائل بعدم الترتيب حينئذ فإنّ الحنفيّة لا توجب الترتيب أصلا، بل تجوّز تقديم غسل الرجلين على غسل الوجه (2).

____________

(1) الوسائل أبواب الوضوء الباب 46.

(2) قال الشيخ في الخلاف: الترتيب واجب في الوضوء في الأعضاء كلها، و يجب تقديم اليمين على اليسار، و قال الشافعي بمثل ذلك إلا في تقديم اليمين على اليسار، و به قال أمير المؤمنين (عليه السلام) و ابن عباس و به قال قتادة و أبو عبيد القاسم بن سلام و أحمد و إسحاق و قال أبو حنيفة الترتيب غير واجب و به قال مالك و هو المروي عن ابن مسعود و الأوزاعي. أقول ترى تفصيل ذلك في بداية المجتهد ج 1 ص 16، و المغني لابن قدامة ج ص 136.

17

و أيضا عطف الباقي على الوجه الّذي هو مدخول الفاء يفيد التعقيب في كلّ واحد فتأمّل فيه فإنّها تدلّ على فعل المجموع بعد القيام إلى الصلاة فكأنّه قال:

إذا قمتم إلى الصلاة فتوضّؤا و لا تدلّ على الموالاة أيضا و فهمها بأنّه يفهم تعقيب الكلّ بلا فصل، و ذلك غير ممكن فيراعى ما أمكن بعيد، فإنّ المراد مجرّد التعقيب لا بلا مهلة، و على تقدير كونها مرادة فلا يفهم إلّا كون غسل الوجه بلا مهلة.

نعم: يفهم وجوب الموالاة و بطلان الوضوء بتركها، مع جفاف جميع الأعضاء السابقة من الروايات الصّحيحة (1) بل الإجماع و يمكن فهم أنّ محلّ الوجوب في غسل اليدين إلى المرافق، و إنّ سلّم أنّ ظاهرها كون الابتداء من الأصابع، و لكن انعقد إجماع الأمّة على عدم وجوب ذلك فيكون إلى هنا لانتهاء غاية المغسول و محمولة على معناها اللّغويّ لا الغسل بمعنى كونه منتهاه بعد الابتداء من الأصابع، و أنّه يكفي مسمّى الغسل فيه أيضا كالوجه على أيّ وجه كان و لا يبعد وجوب غسل المرفق و إن كان غاية و خارجا من باب المقدّمة لأنّه مفصل و حدّ مشترك، كما ثبت في الأصول فقول القاضي البيضاويّ: وجب غسلها احتياطا غير مناسب.

الثالث مسح الرأس مطلقا، بما يصدق مقبلا و مدبرا قليلا أو كثيرا على أيّ وجه كان إلّا أنّ إجماع الأصحاب، على ما نقل، و فعلهم (عليهم السلام) خصّصه بمقدّم الرأس ببقيّة البلل، لا بالماء الجديد اختيارا، و جوّزه بعض نادر، و دليله ليس بناهض عليه، فإنّه روايتان صحيحتان دالّتان على عدم جواز المسح بفضلة الوضوء و النّدى بل بالماء الجديد، و حملتا، على التقيّة لذلك مع ما فيه، و على غير الاختيار و الاحتياط لا يترك و قد منع بأكثر من ثلاث أصابع استحبابا، و وجوبا كأنّه بالإجماع، و ذهب البعض إلى وجوب ثلاث أصابع، و لا دليل عليه، و عموم الآية و الأخبار بل خصوصها ينفيه.

الرابع مسح الرّجلين بالمسمّى كالرأس و في الرواية الصّحيحة أنّه بكلّ الكفّ و يفهم من الأخرى كلّ الظهر، و إلى أصل الساق و مفصل القدم (2) و هو

____________

(1) الكافي ج 3 ص 35.

(2) الوسائل أبواب الوضوء، الباب 15.

18

المراد بالكعب، و يدلّ عليه اللّغة، و هو مذهب العلّامة و كأنّه موافق لمذهب العامّة فافهم، و دليل مسحهما إجماع الإمامية و أخبارهم، و ظاهر الآية، فإنّ قراءة الجرّ صريحة في ذلك لأنّه عطف على رؤسكم لا يحتمل غيره، و هو ظاهر و جرّ الجوار ضعيف خصوصا مع الاشتباه، و حرف العطف، و لهذا ما قاله في الكشّاف و قال: المراد بالمسح حينئذ الغسل القليل. و قد عرفت ما فيه و قراءة النصب أيضا كذلك، لأنّه عطف على محلّ رؤسكم و أمثاله في القرآن العزيز و غيره كثيرة جدّا و عطفه على الوجه معلوم قبحه خصوصا في مثل القرآن العزيز، و ليس وجود التحديد في المغسول دليلا عليه كما قاله البيضاويّ بل هو دليل على ما ذهب إليه أصحابنا لحصول التعادل بأن يكون العضو الأوّل من المغسول و الممسوح غير محدود و الثاني منهما محدودا و للقاضي هنا مباحث و لنا كذلك، يطلب من الحاشية، و ظاهر الآية عدم الترتيب بينهما، و لا دليل عليه أيضا من الإجماع و الأخبار، بل أكثر الأصحاب على عدمه و الأصل مؤيّد، و لا شكّ في الصّدق مع فعله غير مرتّب فتأمل.

و الظاهر أنّه لا يشترط في المسح عدم تحقّق أقلّ الغسل إذ قد يكون المقابلة باعتبار النيّة أو باعتبار عدم جواز المسح في المغسول، أو باعتبار بعض أفراد الغسل مثل عدم الدّلك لصدق الاسم المذكور في الكتاب و السنّة و الإجماع لغة و عرفا و للزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة لو كان مرادا، و لم يبيّن فتأمّل، و بالجملة لا شكّ في صدق المسح مع المسّ و قلّة البلل الّذي لا يقال أنّه غسل، و إن تحقّق معه أقلّ الغسل المتعارف عندهم، و لأنّه تكليف شاقّ منفيّ فإنّ تحقّق المسح بحيث يظهر البلل على العضو، و لم يوجد أقلّ الغسل كالدّهن مشكل فقول الشيخ زين الدّين في شرح الشرائع (1) بذلك بعيد نعم يمكن كونه أحوط.

و ظاهر إذا قمتم كون الوضوء واجبا لغيره، و هي الصّلاة مثلا و «إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» أي: فاغتسلوا كون الغسل واجبا لنفسه لأنّ الظاهر أنّه معطوف على قوله «إِذٰا قُمْتُمْ» فتقديره يا أيّها الذين آمنوا إن كنتم جنبا فاطّهّروا و يدلّ عليه الأخبار أيضا مثل إذا التقى الختانان وجب الغسل (2) و يتفرّع عليه صحّة نيّة

____________

(1) شرح اللمعة خ.

(2) الكافي ج 3 ص 46.

19

وجوب الغسل لمن لم يجب عليه مشروط به، و على تقدير وجوبه لغيره أيضا ليس بمضيّق بل موسّع و إنّما يتضيّق بتضيّق المشروط به، و قد صرّحوا بذلك.

إلّا أن يقال إنّه معطوف على إن كنتم محدثين محذوفا و كأنّه قيل إذا قمتم إلى الصّلاة إن كنتم محدثين توضّؤوا و إن كنتم جنبا فاغتسلوا، و يؤيّده كون باقي الطهارات كذلك، و يشعر به بعض الأخبار و قوله «إن» و إلّا كان المناسب «إذا» فتخصّص العمومات من الأخبار و الآية أيضا على تقدير كونه معطوفا على إذا و يؤيّده الكثرة و تتمّة الآية أيضا.

«وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ» كأنّه عطف على محذوف هو كنتم صحاحا حاضرين قادرين، أي إذا قمتم إلى الصّلوة و كنتم صحاحا حاضرين قادرين على استعمال الماء فان كنتم محدثين لغير الجنابة توضّؤوا، و إن كنتم جنبا فاغتسلوا و إن كنتم مرضى مرضا يضرّكم استعمال الماء، أو مسافرين فلم تقدروا على استعمال الماء لعدمه أو للتضرّر. «به أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ» لعلّه هنا كناية عن الحدث الخارج من أحد السبيلين فأو، بمعنى الواو «أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ» لعلّه كناية عن الجماع الموجب لغسل الجنابة و هو الدخول حتّى تغيب الحشفة قبلا أو دبرا «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» أي اقصدوا أرضا طاهرة مباحة فامسحوا بأيديكم بعض وجوهكم و بعض أيديكم مبتدئا من الصّعيد أو ببعض الصّعيد، بأن تضعوا أيديكم على بعضه، ثمّ تمسحوا الوجه و اليد أو من بعض التيمّم كما ورد في الرواية أي ما يتيمّم به و هو الصّعيد فلا دلالة على تقدير كونها تبعيضيّة على وجوب لصوق شيء من الصّعيد، فيجب كونه ترابا يلصق كما توهّم.

فالآية تدلّ على وجوب الغسل، و أنّ الجنابة موجبة له، و أنّ الغائط بل البول و الريح أيضا أحداث موجبة للوضوء و أنّ المرض و السفر مع عدم القدرة على الماء موجب للتيمّم بدلهما، و مشعرة بأنّه يبيح به ما يبيح بهما و على اشتراط طاهرية ما يتيمّم به، بل إباحته أيضا بل طهارة الماء و إباحته أيضا في الوضوء و الغسل و أنّ كيفية التيمّم أنّ المسح يكفي ببعض الوجه مطلقا و كذا ببعض اليد و أنّه

20

لا يحتاج إلى الاستيعاب و التخليل و أنّ أوّل أفعال التيمّم مسح الوجه.

و الوضوء و الغسل و التيمّم مبيّنات في كتاب الفروع مع أحكامها و جميع واجباتها و موجباتها و الفروعات الكثيرة ليس هذا محلّها إذا لمقصود هنا ما يمكن فهمه من الآيات الكريمة، ثمّ لا يخفى أنّ نظم هذه الآية مثل الّتي سيجيء لا يخلو عن إشكال على حسب فهمنا مثل ترك الحدث في أوّلها و ذكر الجنابة فقط بعده و الإجمال الّذي لم يفهم أنّ الغسل بعد القيام إلى الصلاة أم لا، و ترك كنتم حاضرين صحاحا قادرين على استعمال الماء، ثمّ عطف إن كنتم عليه، و ترك تقييد المرضى و تأخير فلم تجدوا عن قوله أو جاء و ذكر جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم مع عدم الحاجة إليهما إذ يمكن الفهم عمّا سبق، و العطف بأو، و المناسب بالواو، و غير ذلك مثل الاختصار في بيان الحدث الأصغر على الغائط و التعبير عنه بجاء أحد منكم من الغائط و الأكبر على لامستم و التعبير عن الجنابة به و كأنّه لذلك قال في كشف الكشّاف و نعم ما قال: و الآية من معضلات القرآن ثمّ طوّل الكلام في توجيه «أو» في قوله:

أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ و لعلّ السرّ في ذلك الترغيب على الاجتهاد، و تحصيل العلوم لتظفير السعادات الدائمة.

ثمّ في الآية احتمالات و أبحاث أخر ستجيء في الثانية إنشاء اللّه تعالى و قد استدلّ بقوله «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» على طلب الماء غلوة سهم في الحزنة، و غلوتين في السهلة و لا دلالة عليه فيها، و لا في الخبر (1) و الأصل ينفيه نعم ينبغي الطلب حتّى يتحقّق عدم الماء عنده عرفا مثل رحله و حواليه مع الاحتمال فتأمّل.

«مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ» قيل: أي ما يريد اللّه الأمر بالوضوء للصلاة أو بالتيمّم تضييقا عليكم و يحتمل أن يكون المراد ما يريد اللّه جعل الحرج عليكم بالتكاليف الشاقّة مثل تحصيل الماء على كلّ وجه ممكن مع عدم كون الماء حاضرا و إن كان ممكنا في نفس الأمر، و لا [يكلّف] بالطلب الشاقّ كالحفر

____________

(1) الوسائل أبواب التيمم الباب الأول الحديث 2.

21

و غيره بل بنى على الظاهر فقبل التيمّم و لا كلّف في التيمّم أيضا بأن يوصل الأرض إلى جميع البدن أو أعضاء الوضوء بل التيمّم أيضا و أن يطلب ما يمكن إيصاله بل يكفي مجرّد وجه الأرض، و هو مقتضى الشريعة السمحة.

«وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ» أي من الذنوب فإنّ العبادة مثل الوضوء كفّارة للذنوب أو لينظفكم عن الأحداث و يزيل المنع عن الدخول فيما شرط فيه الطهارة عليكم فيطهّركم بالماء عند وجوده و عند الإعواز بالتراب، فالآية تدلّ على أنّ التيمّم رافع في الجملة و طهارة فيباح به ما يباح بالماء، و يؤيّده ما في الأخبار و يكفيك الصعيد عشر سنين و التراب أحد الطهورين و ربّ الماء و ربّ التراب واحد (1) فيبعد منع إباحة التيمّم ما يبيحه الماء، و أنه يجب لما يجب له.

ثمّ إنّه يزول التيمّم بزوال المانع لأنّه لا يرفع الحدث بالكلّية نعم يحتمل رفعه إلى أن يتحقّق الماء أو توجد القدرة على استعماله إذ لا استبعاد في حكم الشارع بزوال الحدث إلى مدّة فإنّه مجرّد حكم الشارع فلعلّ البحث يرجع إلى اللّفظيّ فتأمّل. و اللّام للعلّة فمفعول يريد محذوف و هو الأمر في الموضعين و قيل زائدة و ليجعل و ليطهّركم مفعول، و التقدير لأنّ يجعل عليكم و لأن يطهّركم و ليس فيه قصور و ضعف: لأنّ «أن» لا تقدّر بعد اللّام المزيدة كما قاله البيضاويّ. لأنّ الشيخ المحقّق الرضىّ (قدس سره) قال في شرح الكافية: و كذا اللّام زائدة في لا أبا لك عند سيبويه، و كذا اللّام المقدّر بعدها أن بعد فعل الأمر و الإرادة كقوله تعالى «وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» على أنّه قال البيضاويّ أيضا في تفسير قوله تعالى «يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» أنّ يبيّن مفعول يريد، و اللّام مزيدة لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإرادة، و هل هذا إلّا تناقض.

«وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ» أي ليتمّ بشرعه ما هو مطهّر لأبدانكم و مكفّر لذنوبكم في الدين، أو ليتمّ برخصه إنعامه «عَلَيْكُمْ» بعزائمه «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» نعمته ثمّ أمر

____________

(1) الكافي: ج 3 ص 63، التهذيب ج 1 ص 195.

22

اللّه تعالى بعد ذلك بذكر النعمة و الميثاق و العهد الّذي عاهدتم به بقوله «وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ مِيثٰاقَهُ الَّذِي وٰاثَقَكُمْ بِهِ» الآية و أمر المؤمنين بكونهم قوّامين للّه شهداء بالعدل فأوجب عليهم ذلك، و نهاهم عن أن يحملهم البغض على العدول و الخروج عن الشرع بقوله «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ لِلّٰهِ شُهَدٰاءَ بِالْقِسْطِ وَ لٰا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلىٰ أَلّٰا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوىٰ» قال البيضاويّ في «اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوىٰ» إذا كان هذا مع الكفّار فما ظنّك بالعدل مع المؤمنين؟ ثمّ أمر بالتقوى و وعدهم بالامتثال و أوعدهم على تركه بقوله «وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا تَعْمَلُونَ».

ثمّ اعلم أنّ في حكاية ابني آدم على نبيّنا و آله و (عليه السلام) إشارة إلى أنّ التقوى شرط لقبول العمل «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ» صفة مصدر محذوف أي أتل و اقرأ تلاوة متلبّسة بالحقّ أو حال من ضمير «أتل» أو من نبإ «إِذْ قَرَّبٰا قُرْبٰاناً» ظرف بناء، أو حال منه، و القربان اسم لما يتقرّب به إلى اللّه من ذبيحة و غيرها كما أنّ الحلوان اسم لما يحلى أي يعطى و هو في الأصل مصدر و لهذا لم يثنّ مع أنّ المراد منه اثنان، و قيل تقديره إذ قرّب كلّ واحد منهما قربانا فلا يحتاج إلى التثنية «فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمٰا وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قٰالَ» قابيل «لَأَقْتُلَنَّكَ» وعده بالقتل بعد عدم قبول قربانه و قبول قربان أخيه، لفرط الحسد على ذلك و لبقاء ما يريده له «قٰالَ» أخوه هابيل «إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» أي إنّما أصابك ما أصابك من عدم القبول عند اللّه من قبل نفسك، لا من قبلي، فلم تقتلني؟ فأقتل نفسك لا نفسي، و فيه إشارة إلى أنّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره فيكون الذنب له لا للمحسود، فلا بدّ أن يجتهد في تحصيل ما صار به المحسود محسودا و محظوظا لا في إزالة حظّ المحسود فانّ ذلك يضرّه و لا ينفع الحاسد، بل يضرّه و هو ظاهر. و فيه دلالة على أنّ القبول يشترط فيه التقوى كما قلناه.

قال البيضاويّ: و فيه إشارة إلى أنّ الطاعة لا تقبل إلّا من مؤمن متّق و فيه إشكال و لهذا ما شرطه الفقهاء فانّ الفسق لا يمنع من صحّة عبادة إذا فعلت على

23

وجهها، و يمكن أن يقال المراد اشتراط التقوى في تلك العبادة أي لا يقبل اللّه العبادة إلّا من المتّقين فيها بأن يأتي بها بحيث لا يكون عصيانا مثل أن يقصد بها الرئاء أو غيره من المبطلات أو المراد تقوى عن ذنب ينافي تلك العبادة فيكون إشارة إلى أنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه و هو موجب للفساد، و بالجملة يشترط في قبولها عدم كونها معصية و لا مستلزما لها، اللّه يعلم «لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مٰا أَنَا بِبٰاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخٰافُ اللّٰهَ رَبَّ الْعٰالَمِينَ» قال في الكشّاف: كان هابيل أقوى من قابيل، و لكنّه تحرّج عن قتله و استسلم له خوفا من اللّه تعالى لأنّ الدفع لم يبح بعد أو تحرّيا لما هو الأفضل، قال عليه الصلاة و السلام: كن عبد اللّه المقتول، و لا تكن عبد اللّه القاتل، و يمكن أن يقال التسليم غير ظاهر، و كذا كونه مباحا فانّ وجوب حفظ النفس عقليّ و لا يمكن إباحة التسليم الّذي هو ينافيه بل هو قتل النفس و الآية لا تدلّ على التسليم، فإنّه قال «مٰا أَنَا بِبٰاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ» فإنّه يدلّ على عدم بسط اليد بقصد قتله لا للدفع أيضا و هو ظاهر و يمكن فهم وجوب الدّفن من آخر الآية (1) فافهم.

الثانية يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَفُوًّا غَفُوراً (2).

أي لا تصلّوا أيّها المؤمنون، و المخاطبون هم الّذين يعلمون ما يقولون من السكارى و ليس كلّ سكران لا يعقل فيصحّ تكليفهم و نهيهم عن الصلاة حين علموا

____________

(1) يعنى قوله تعالى «فَبَعَثَ اللّٰهُ غُرٰاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوٰارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ» و الآيات في سورة المائدة: 27- 31.

(2) النساء: 42.

24

أن يشرعوا في الصلاة لا الّذين لا يعلمون ما يقولون بزوال عقلهم فتأمّل.

«وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ» من الشراب و نحوه بحيث إذا دخلتم في الصلاة ما تعرفون و لا تعلمون ما تقولون «حَتّٰى تَعْلَمُوا» لأنّ الصلاة مع زوال العقل لا تصحّ و هو ظاهر، و لهذا أوجب الفقهاء القضاء على السكران، و جملة «وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ» حال عن فاعل «لٰا تَقْرَبُوا»،. «وَ لٰا جُنُباً» عطف عليها أي لا تقربوا الصلاة جنبا و هو من وجد منه الجنابة و لم يغتسل مذكّرا أو مؤنثا واحدا أو أكثر «حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا» إلّا المسافرين منكم فإنّه تجوز صلاته جنبا لكن بالتيمّم مع تعذّر الغسل كما سيجيء.

و قيد العبور لأغلبية الاحتياج إلى التيمّم في السفر، و قيل المراد لا تقربوا مواضع الصلاة و هي المساجد وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ و لا أنتم جنب إلّا أن تكونوا عابرين فيها بأن تدخلوا من باب و تخرجوا من آخر، و قال في مجمع البيان و هو المرويّ عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) و يؤيّده عدم الاحتياج إلى قيده بالتيمّم و جعل في مجمع البيان ذكر كون الصلاة مع التيمّم بعده مؤيّدا و كأنّه يريد لزوم التكرار و هو غير لازم، و القول بتحريم دخول السكران المسجد غير معلوم إلّا أن يكون للصّلاة فيرجع إلى تحريمها حينئذ، و حذف المضاف تكلّف و عموم المساجد غير جيّد لعدم جواز العبور في المسجدين و أنّ تتمّة الآية أحكام الصلاة، فلو لم يكن المراد الدخول فيها لم يفهم ذلك.

فالظاهر أنّ المراد بصدر الآية الدخول في الصلاة و إن أمكن جعل جنبا باعتبار المساجد بارتكاب تقدير، و يحتمل أن يكون المنهيّ القرب إلى الصلاة مطلقا و مجملا: بالنسبة إلى السكران فعلها، و بالنسبة إلى الجنب الدخول إلى مواضعها و يكون ذلك معلوما بالبيان و لا يخلو عن بعد و الأوّل أبعد هذا كلّه على تقدير عدم صحّة الرواية و أمّا على تقديرها فالقول بمضمونها متعيّن و في الآية دلالة ما على عدم خروج المؤمن عن الايمان بشرب الخمر فتأمّل فيه و على تحريم دخول شارب الخمر الّذي يعقل إذا علم عدم عقله بعد الدخول في الصلاة أو في المساجد

____________

(1) و مثله في تفسير العياشي ج 1 ص 243.

25

أو فيهما و يحتمل كون كلّ مزيل للعقل كذلك و فيها الإشارة إلى أنّ القلب لا بدّ أن لا يكون غافلا حال الصلاة و لا مشغولا بغير ما يتعلّق بها و كذا على تحريم دخول الجنب فيها أو في المسجد إلّا المتيمّم المسافر أو العابر فيه و عدم حصول رفع الحدث بالتيمّم.

«وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ» يعني و لا يقربها الجنب حتّى يغتسل فلا بدّ من الغسل للصّلاة، إن تمكّن منه، فان لم يتمكّن منه لمرض يضرّ معه الغسل ضررا يعدّ ذلك ضررا عرفا فيتيمّم لها و لعلّ القيد للإجماع و الخبر و إلّا ظاهر الآية تجويز التيمّم للمرض مطلقا أو لسفر لا يكون فيه الماء بوجه.

فتقدير الآية: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ: مرضا لا تقدرون على استعمال الماء أو مسافرين كذلك محتاجين إلى التطهير مطلقا محدثين محدث أصغر أو أكبر فتيمّموا! و أشار إلى مطلق المحدث بالحدث الأصغر بقوله «أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ» أي المواضع الّتي يغاط فيها فهو كناية عن الحدث الأصغر و لكن في إدخال الكلّ فيه تأمّل، فإنّ الظاهر أنّه مخصوص بالغائط أو كناية عمّا يخرج عن السبيلين البول و الغائط و الريح أيضا كما أنّ «أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ» كناية عن الجماع الموجب للغسل و قد فسّر به في الروايات (1) و هو مذهب الأصحاب و أبي حنيفة كالمباشرة في الصوم و الاعتكاف، و يحتمل كونه كناية عن مطلق موجب الغسل لكنّه بعيد سيّما المسّ (2) و «فَلَمْ تَجِدُوا» عطف على «أَوْ جٰاءَ» قيدا للمرض و السفر و الفاء إشارة إلى أنّ عدم الوجدان ينبغي أن يكون بعد الحدث فالقبل لا يكفي، و على تقدير تخصيص الغائط و اللّمس (3) كما هو الظاهر يكون كون باقي الموجبات مثل الدماء الثلاثة و خروج المنيّ بغير جماع و مسّ الميت و زوال العقل بالنوم و السكر و نحوه حدثا مفهوما من غير الكتاب من السنّة و الإجماع.

____________

(1) الوسائل الباب التاسع من أبواب نواقض الوضوء الحديث الرابع، و هكذا تفسير العياشي ج 1: 243.

(2) يعنى مس الميت.

(3) الأول بما يخرج من أحد السبيلين و الثاني بالجماع.

26

و المعنى: إن كنتم مرضى أو على سفر، و جاء أحد منكم، فيكون أو بمعنى الواو كما مرّ «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» أي لم تقدروا على استعمال الماء بوجه إمّا لعدمه أو لعدم القدرة على استعماله للتضرّر به أو لعدم تحصيله و حينئذ يكون حكم عدم القدرة على استعمال الماء بغير سفر و مرض مفهوما من غير الآية أو من سوقها للإشعار في قوله: فلم تجدوا ماء.

ثمّ الخلاف في كيفيّة التيمّم كثير و المشهور عند أصحابنا النيّة مقارنة لضرب اليدين على الأرض ضربة للوجه فيمسحه باليدين من قصاص شعر الرأس إلى طرف الأنف الأعلى، و ضربة لليدين فيمسح ببطن كلّ واحدة ظهر الأخرى من الزند إلى أطراف الأصابع إن كان بدلا عن الغسل. و إن كان بدلا عن الوضوء فضرب واحد، و دليله غير ظاهر، و قيل ضربة واحدة فيهما و الآية تدلّ عليه فافهم و كذا الأخبار الصحيحة (1) و قيل ضربتان فيهما لبعض الأخبار و لا يبعد كون الضرب فيهما واحدا و التخيير أو استحباب الثانية جمعا بين الأدلّة و الظاهر أنّهما أحوط و تفصيل باقي الأحكام معلوم من محلّه و المشهور كون الضرب أوّل الأفعال و يمكن فهم كونه المسح من الآية فافهم و الأحوط أن ينوي عند الضرب و المسح و كذا الموالاة في الجملة و لا بدّ من كون التيمّم بالصّعيد، و هو مطلق الأرض و لا يشترط التّراب فيصحّ بالحجر الأملس و هو الأظهر من مذهب الأصحاب و مذهب أبي حنيفة و يؤيّده اللّغة و قوله تعالى «صَعِيداً زَلَقاً» (2) و لا ينافيه ما في سورة المائدة من قوله «مِنْهُ»: لأنّه يدلّ على كون المسح بالوجه و اليد ببعض الأرض فلا بدّ أن يكون شيئا ملصوقا باليد و من للتبعيض لأنّه يجوز كونها لابتداء الغاية لا للتبعيض هكذا قال في الكشاف و غيره، و يجوز كونها للتبعيض مع عدم لزوم لصوق شيء لما مرّ و يؤيّده إهمالها هنا لأنّه لو كان المراد وجوب اللصوق ما كان ينبغي تركها، و لهذا لا يعتبر اللّصوق في اليد لمسح اليد أيضا فتأمّل.

____________

(1) الوسائل أبواب التيمم الباب الثاني عشر.

(2) الكهف: 40.

27

و أيضا في الأخبار ما يدلّ على أنّ المراد بالصعيد مطلق الأرض و يجوز التيمّم بالحجر، و المراد بالطيّب كأنّه الطاهر، و يحتمل المباح أيضا، ففي الآية دلالة على كون الغائط و نحوه حدثا أصغر موجبا للطهارة أي الوضوء و التيمّم، و عدم اشتراط حصول المنيّ في الجنابة فيكفي غيبوبة الحشفة لصدق الملامسة الّتي هي الجماع، و خرج ما دون غيبوبة الحشفة بالإجماع و الخبر، و على كون الجماع حدثا أكبر موجبا للغسل و التيمّم، و عدم احتياج الوضوء في غسل الجنابة، و دلالة الآية السابقة عليه أظهر، و وجوب التيمّم بالصّعيد للعذر و نفي غيره بالأصل، و عدم الدليل، و على كونه مبيحا و اعتبار المسح باليدين و الوجه عرفا و يشعر بأنّ المسح أوّل أفعال التيمّم إلّا أن يريد بالتيمّم بالصعيد الضرب باليد عليه، و على كون التيمّم البدل عن الوضوء و الغسل واحدا فيكفي ضربة واحدة فيهما و على بطلان صلاة السكران للنهي فيجب القضاء لأنّها فائتة.

و لا يبعد فهم عموم بدليّة التيمّم عن الوضوء و الغسل و عموم إباحة ما يبيح بهما به، و منع فخر المحقّقين من جواز الطواف بالبيت للجنب المتيمّم لأنّه جنب و لا يجوز دخوله في المسجد إلّا عابرا لهذه الآية، و ليس الدخول للطواف عبورا، بعيد لعدم الفرق بين العبادات و أيضا يلزم المحذور إمّا عدم وجوب الطواف عليه، أو عدم تحلّله حتّى يتمكّن من الغسل و هو حرج منع بالعقل و النقل و للأخبار الكثيرة جدّا بأنّه أحد الطهورين و أنّه يكفي عشر سنين إشارة إلى دوامه و أنّ ربّ الماء و ربّ التراب واحد (1) و غير ذلك و الكلّ صريح في العموم و ظاهر هذه الآية يشعر به و لا تدلّ على ما ذكره لبعد تقدير مواضع الصّلاة لما مرّ، و أنّ الأولى كون المعنى و لا يقرب الجنب الصّلاة إلّا حال السفر كما تقدّم و أنّ المراد على تقدير مواضع الصّلاة بلا تيمّم يعني لا يجوز دخول الجنب بغير طهور و لو بالتيمّم المسجد إلّا عابرا مع التيمّم و هو ظاهر، و حينئذ ما يفهم كون المتيمّم جنبا و لا عدم

____________

(1) التهذيب ج ص 1 195، الكافي ج 3 ص 63.

28

[جواز] دخوله المسجد فبقي ما ذكرناه من الأدلّة سالما عن المعارض فتأمل.

«إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَفُوًّا غَفُوراً» أي كثير الصّفح و التجاوز كثير المغفرة و الستر على ذنوب عباده.

الثالثة «وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ (1).

لعلّ المأمورين هم الأناس المكلّفون أو الكفّار فقط، و هو أظهر بحسب اللفظ و الأوّل بحسب المعنى «مخلصين» حال عنهم «و الدّين» مفعوله «و حنفاء» حال آخر و «يقيموا و يؤتوا» عطف على «يعبدوا» أي أمروا بأن يعبدوا اللّه مخلصين له ما يوجب الدّين أي الجزاء و الأجر و هي العبادة و لا يعبدوا غيره و لا يشركوه في عبادة اللّه، و فيها إشارة إلى أنّ الرئاء شرك فتأمّل «حُنَفٰاءَ» أي مائلين عن الطريق الباطل إلى طريق الصواب و الحقّ فهو تأكيد لحصر العبادة في اللّه المفهوم من قوله «إلّا» بعد تأكيده بالإخلاص، و عطف يقيموا و يؤتوا يدلّ على زيادة الاهتمام بشأن الصّلاة و الزكاة.

و استدلّ بها على وجوب النيّة في العبادات كلّها حتّى الطهارات مائيّة و ترابيّة، و في الدلالة تأمل ظاهر، خصوصا على ما فسّر البيضاوي و ما أمروا أي الكفّار في كتبهم، نعم يمكن الاستدلال بها على إيقاع ما ثبت كونها عبادة شرعيّة على وجه الإخلاص لا غير، و أمّا النيّة على الوجه الّذي ذكرها الأصحاب فلا، و هم أعرف و يدلّ أيضا على وجوب التعبّد و هو واضح، و الدليل عليه كثير، بل لا يحتاج إلى الدّليل و يؤكّده «وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» أي دين الملّة المستقيمة الحقّة و يحتمل كون المراد بالدّين التعبّد أي إيقاع العبادة مخلصا و إقامة الصّلوة و إيتاء الزكاة هو التعبّد بالملّة المستقيمة و هي شريعة نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و كون الإضافة بيانيّة و تقدير الملّة الّذي فعله المفسّرون لإظهار موصوف القيّمة فإنّها صفة، و أمّا ما قاله في مجمع

____________

(1) البينة: 5.

29

البيان: تقديره دين الملّة القيّمة لأنّه إذا لم يقدّر ذلك كان إضافة للشيء إلى صفته، و ذلك غير جائز لأنّه بمنزلة إضافة الشيء إلى نفسه، فغير واضح، لأنّ الكوفيّين يجوّزونها و الّذين لم يجوّزوها إنّما لم يجوّزوها مع إفادة معنى الصفتيّة لا مطلقا و هو مصرّح، و لهذا يجوز الإضافة البيانيّة بالاتّفاق و على تقدير العدم، فالفرق بين إضافته إلى الملّة و القيّمة غير واضح، خصوصا مع القول بكون الصفة و الموصوف بمنزلة شيء واحد فافهم و القائل به أعرف.

و قريب منه قوله «وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ» (1) أي أمر ربّك أمرا مقطوعا به أي حكم و قال: لا تعبدوا إلّا إيّاه، أي يجب أن تعبدوا اللّه وحده و لا تعبدوا غيره فتجب العبادة للّه و تحرم لغيره، فتدلّ على الإخلاص فافهم، أو حكم بأن لا تعبدوا فعلى الأوّل أن مفسّرة و على الثاني صلة، مع حذف الباء عنها، و هو قياس مطّرد عندهم.

الرابعة «إِنَّهُ» أي المنزل «لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ» (2) صفة أي قرآن حسن مرضيّ أو كثير النفع «فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ» صفة بعد أخرى أو خبر بعد خبر أي مستور عن الخلق في لوحه المحفوظ «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» صفة لقرآن أو كتاب أو خبر إنّ.

قيل: تدلّ على عدم جواز مسّ القرآن للمحدث مطلقا و هو موقوف على كونه خبرا بمعنى النهي و كونه صفة لقرآن أو خبر إنّ بتقدير مقول فيه لا يمسّه إلّا المطهّرون و رجوع ضمير لا يمسّه إلى القرآن أو إلى المنزل. و الرجوع إلى كتاب مكنون و كونه صفة له محتمل واضح مذكور في الكشّاف و يكون المراد حينئذ بالمطهّرون الملائكة المطهّرون من الذنوب مع بقائه بمعناه الخبريّ و جواز كونه صفة لقرآن و خبر إنّ باعتبار ما كان، و الأصل يؤيّده و ليس ههنا إجماع و لا خبر صريح صحيح و الاحتياط واضح.

الخامسة «فِيهِ» أي في مسجد قبا «رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» (3) و في سبب النزول دلالة على استحباب الجمع بين الأحجار و الماء

____________

(1) الإسراء: 23.

(2) الواقعة: 76.

(3) براءة: 109.

30

في الاستنجاء و المبالغة في الاجتناب عن النجاسات و أنّ العلم لا يحتاج [إليه] ظ للعمل في مثل ذلك فتأمّل.

قيل لمّا نزلت قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): يا معشر الأنصار ما الّذي صنعتم فقد نزلت فيكم؟ فخافوا أن نزلت فيهم ما يسوؤهم بفعلهم ذلك، فقالوا: نتبع الأحجار الماء، فتلا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) «فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا» إلخ [و قال:] فقد أثنى عليكم (1) فطابت نفوسهم على محبّتهم و حرصهم على التطهير من النجاسات كحرص المحبّ على المحبوب و محبّة اللّه إيّاهم أنّه يرضى عنهم و يحسن إليهم كما يفعل المحبّ بمحبوبه، و هي تشعر بالمدح على فعل مقدّمات العبادات.

و تدلّ على حصول الأجر، بالسعي في عمل الخير من المقدّمات القريبة و البعيدة، حتّى الخطوات في تحصيل الحجّ و غير ذلك مع بعض الأخبار قوله تعالى:

«ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ» أي المسلمين المجاهدين «لٰا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لٰا نَصَبٌ وَ لٰا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لٰا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّٰارَ وَ لٰا يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلّٰا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَ لٰا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لٰا كَبِيرَةً وَ لٰا يَقْطَعُونَ وٰادِياً إِلّٰا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّٰهُ أَحْسَنَ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ (2)» أي كتب لهم ذلك العمل من الإنفاق و قطع الوادي، أو كتب لهم به عمل صالح فيدلّ على استحباب ما يتوقّف عليه المستحبّ، بل على وجوب ما يتوقّف عليه الواجب فتأمّل (3).

السادسة وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ (4)

____________

(1) راجع تفسير العياشي ج 2 ص 111 و 112، الوسائل أبواب أحكام الخلوة الحديث الأول من الباب 34، تفسير البيضاوي ص 180 ط إيران.

(2) براءة: 120.

(3) قيل: لانه يمكن ان يقال الذي يفهم من ظاهر الآية المدح على ارتكاب الاولى و الأحسن- و ذلك لا يدل على الوجوب.

(4) الأنفال: 1.

31

فيها دلالة على كون الماء طاهرا و مطهّرا و يتطهّر به و يرفع حدث الجنابة به و أنّ الاحتلام من الشيطان، و يحتمل أن يراد من رِجْزَ الشَّيْطٰانِ المنيّ، و يدلّ على نجاسته فتأمّل فيه قال في الكشّاف رجز الشيطان و رجسه تخييله و وسوسته إليهم و تخويفه إيّاهم من العطش، و قيل الجنابة، و ذلك أنّ إبليس تمثّل لهم و كان المشركون قد سبقوهم إلى الماء و نزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء، و ناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمّد ا تزعمون أنّكم على الحقّ، و إنّكم تصلّون على غير الوضوء و على الجنابة، و قد عطشتم، و لو كنتم على الحقّ ما سبق عليكم هؤلاء على الماء، و ما ينتظرون بكم إلّا أن يجهدكم العطش، فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبّوا و ساقوا بقيّتكم إلى مكّة، فحزنوا حزنا شديدا و أشفقوا، فأنزل اللّه مطرا فمطروا ليلا حتّى جرى الوادي، و اتّخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه الحياض على عدوة الوادي، و سقوا الركاب، و اغتسلوا و توضّؤا و تلبّد الرمل الذي كان بينهم و بين العدوّ حتّى ثبتت عليه الأقدام و زالت وسوسة الشيطان و طابت النفوس.

و يؤيّد هذه الآية آيات أخر مثل قوله تعالى «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ مِمّٰا خَلَقْنٰا أَنْعٰاماً وَ أَنٰاسِيَّ كَثِيراً (1)» و هي تدلّ على إباحة الماء و جواز التصرّف فيه أيّ تصرّف كان، حتّى يثبت المانع.

و قريب منه قوله «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ، وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ فَأَنْشَأْنٰا لَكُمْ بِهِ جَنّٰاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنٰابٍ لَكُمْ فِيهٰا فَوٰاكِهُ كَثِيرَةٌ وَ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنٰاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَ صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (2).

فيه دلالة على إباحة الماء و النخل و العنب و الزيتون و في قوله تعالى «وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعٰامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّٰا فِي بُطُونِهٰا وَ لَكُمْ فِيهٰا مَنٰافِعُ كَثِيرَةٌ وَ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ وَ عَلَيْهٰا وَ عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ» دلالة على الانتفاع بالأنعام مثل الإبل و البقر: يحلّ

____________

(1) الفرقان: 50.

(2) المؤمنون: 18- 19 و ما بعدها ذيلها.

32

أكلها و سائر الانتفاعات و كذا الجلوس في السفينة.

و يدلّ عليه أيضا «فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي نَجّٰانٰا مِنَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبٰارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (1)» و تدلّ على رجحان قول ذلك بعد الجلوس في الفلك. و قوله «مُنْزَلًا» إمّا اسم مكان محلّ النزول، أو مصدر ميميّ أي إنزالا مباركا كثير الخير و البركة، و الظاهر استحبابه في مطلق المنزل، كما ورد به الرواية (2).

و يستحبّ بعد ركوب الدابّة تلاوة قوله تعالى «سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنّٰا إِلىٰ رَبِّنٰا لَمُنْقَلِبُونَ» (3) و قوله تعالى «وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ».

السابعة وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (4).

قيل: كانوا في الجاهلية يمتنعون عن مؤاكلة الحيّض و مشاربتهنّ و مجالستهنّ فسألوا عن ذلك فنزلت، و المحيض مصدر كالمجيء و المبيت يعني يسألونك يا محمّد عن الحيض و أحكامه قل يا محمّد إنّه أذى، أي قذر و نجس و موذ لمن يقربه، للنفرة منه «فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ» أي مجامعتهنّ في الفرج زمان الحيض، و هو عن ابن عباس و عائشة و الحسن و قتادة و مجاهد و محمّد رفيق أبي يوسف و هو مذهب أكثر أصحابنا، و يدلّ عليه أنّه المتبادر من اعتزالهنّ، إذ المقصود من معاشرتهنّ

____________

(1) المؤمنون: 28

(2) فقيه من لا يحضره الفقيه الباب 101 راجع ج 2 ص 195.

(3) الزخرف: 13.

(4) البقرة: 222.

33

هو الجماع في الفرج، و الأصل (1) و الاستصحاب و بعض الروايات و الشهرة و الكثرة، و سهولة الجمع بينها و بين ما ينافيها (2) بالحمل على الاستحباب، و الامتناع عن مطلق الدخول، بل مطلق الانتفاع منهنّ حينئذ حسن، و عدم المقاربة بالتعانق و التقبيل أحوط.

و قيل: اجتنبوا عمّا تحت الإزار فيحلّ ما فوقه و هو مذهب أبي حنيفة و أبي يوسف و كونه مذهبا للشافعيّ أيضا كما قاله في مجمع البيان غير ظاهر مع أنّه نقل عن الشافعيّ أنّه قال اجتنبوا مجامعتهنّ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما أمرتم أن تجتنبوا مجامعتهنّ إذا حضن، و لم يأمركم بإخراجهنّ عن البيوت كفعل الأعاجم.

و لم يسنده أيضا في الكشّاف إلّا إلى أبي حنيفة و أبي يوسف و نقل عن عائشة أنّها قالت تجتنب شعار الدم (3) و له ما سوى ذلك و أنت تعلم عدم فهم هذا المعنى من الآية فالحمل عليه بعيد موجب للإجمال الّذي هو منفيّ عن القرآن العزيز إلّا عند الضرورة، و ليس له دليل إلّا ما نقل محمّد صاحب أبي يوسف عن عائشة أنّ عبد اللّه بن عمر سألها هل يباشر الرجل امرأته و هي حائض؟ فقالت تشدّ إزارها على سفلتها ثمّ ليباشرها إن شاء، و ما روى زيد بن أسلم أنّ رجلا سأل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ما يحلّ لي من امرأتي و هي حائض؟ قال لتشدّ عليها إزارها ثمّ شأنك بأعلاها.

ثمّ قال محمّد: و هذا قول أبي حنيفة، و قد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة أنّها قالت تجتنب شعار الدم و له ما سوى ذلك. و أنت تعلم بعد تسليم صحّة الاسناد أنّ: لأوّل منقول عن عائشة و قولها ليس بحجّة و ما أسندته إليه (صلّى اللّه عليه و آله) و دلالته أيضا ليست بصريحة و الثاني غير معلوم الصحّة و ليس بعامّ و لا صريح، و مع ذلك

____________

(1) اى و يدل عليه سوى التبادر الأصل إلخ.

(2) و ذلك لان روايات الباب على طائفتين طائفة تحكم بالاجتناب مطلقا، فتحمل على الاستحباب و طائفة أخرى تقصر وجوب الاجتناب على المجامعة في الفرج فيؤخذ به.

(3) الشعار: الثوب الذي بلى الجسد، و المراد بشعار الدم، الثوب الذي يجعل على الفرج ليقي الدم.

34

يقبل الحمل على الاستحباب، للجمع بين الأدلّة، كما يفهم أنّه فعله محمّد حيث قال:

و قد جاء أرخص.

«وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ» تأكيد للاعتزال، و بيان لغايته، و هو مؤيّد للمعنى الأوّل إذ الظاهر من مقاربة النساء هو ذلك. و أمّا الغاية فقراءة التخفيف يدلّ على أنّه انقطاع الدّم كما هو مذهب أكثر الأصحاب و يدلّ عليه بعض الروايات و الجمع بين الروايات و القراءات، إذ تحمل قراءة التشديد و بعض الروايات الأخر على عدم الرجحان المطلق إلى حين الغسل: التحريم قبل الانقطاع و الكراهية بعده إلى حين الغسل، و قراءة التشديد يدلّ على أنّها إمّا الغسل أو الوضوء أو غسل الفرج بعد الانقطاع.

و الأوّل مذهب الشافعيّ و منسوب إلى بعض الأصحاب و هو ابن بابويه و الظاهر أنّه ليس كذلك (1) و لا بدّ له من حمل قراءة التخفيف أيضا على الغسل للجمع بين القراءتين، حتّى يصحّ هذا، و قال في الكشّاف و ذهب الشافعيّ إلى أنّه لا يقربها حتّى تطهر و تطهّر فيجمع بين الأمرين و هو قول واضح، و يعضده «فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ». كأنّه يريد ذلك و إلّا فغير واضح إذ بين غاية التخفيف و التشديد منافاة و لا يمكن الجمع إلّا على ما قلنا و أشار إليه القاضي و كأنّ في مجيئه كذلك مناقشة سهلة.

و الثاني مختار صاحب مجمع البيان، حيث قال: و اختلف فيه أي في غاية تحريم الوطي فمنهم من جعل الغاية انقطاع الدّم، و منهم من قال إذا توضّأت أو غسّلت فرجها حلّ وطيها عن عطاء و طاوس، و هو مذهبنا (2) و ما اختاره ما نعرف

____________

(1) فإنه قال في الفقيه ج 1 ص 53 (ط- النجف) و لا يجوز مجامعة المرءة في حيضها لان اللّه عز و جل نهى عن ذلك فقال «وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ» يعنى بذلك الغسل من الحيض، فان كان الرجل شبقا- مغرما- بالجماع و قد طهرت المرءة و أراد أن يجامعها قبل الغسل أمرها أن تغسل فرجها ثم يجامعها.

(2) قال الشيخ في الخلاف: إذا انقطع دم الحيض جاز لزوجها وطيها إذا غسلت فرجها، سواء كان ذلك في أقل الحيض أو في أكثره، و إن لم تغتسل، و قال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لأكثر مدّة الحيض و هو عشرة أيام حل وطيها، و لم يراع غسل الفرج و ان انقطع دون العشرة أيام لم يحل ذلك إلّا بعد أن توجد ما ينافي الحيض، و هو أن تغتسل أو تتيمم و تصلى، فإن تيممت و لم تصل لم يجز وطيها فان خرج عنها الوقت و لم تصل جاز وطيها، و قال الشافعي لا يحل وطيها إلا بعد أن تستبيح فعل الصلاة إما بالغسل مع وجود الماء أو بالتيمم عند عدمه فأما قبل استباحة الصلاة فلا يجوز وطيها على حال.

ثم استدل الشيخ (رحمه اللّه) على جواز ذلك بالآية الشريفة ثم قال: و عليه إجماع الفرقة ثم نقل الأحاديث في ذلك فراجع، و العجب من المصنف (قدس سره) حيث قال قبل ذلك بأسطر:

«و أما الغاية فقراءة التخفيف يدل على أنه انقطاع الدم كما هو مذهب أكثر الأصحاب» إلى آخر كلامه، فاعترف بأن تحريم الوطي غايته انقطاع الدم عند الأكثر، ثم يقول ههنا: و ما اختاره ما نعرف مذهبا لأصحابنا.

35

مذهبا لأصحابنا و هو أعرف بما قال، و معلوم زواله بالغسل و لنا في تحقيق هذه الآية مع الأحكام رسالة جامعة للأقوال و الأبحاث و تحقيق المقال فمن أرادها فعليه بمطالعتها، و أمّا مذهب أبي حنيفة على ما ذكره في الكشّاف فبعيد عن الآية كثيرا و لا وجه له، و هو أنّه إن كان لأكثر الدّم فيحرم إلى انقطاع الدّم و في أقلّه إلى بعد الغسل أو بعد مضيّ وقت صلاة كامل مع أنّه بقي حكم الوسط إلّا أن يريد بالأقلّ غير الأكثر أو العكس.

و أنت تعلم بعد إرادة اللّه تعالى مثل هذا المعنى عن هذه الآية، مع احتياج الخلق في أكثر الأوقات إلى حكمها، سيّما مع عدم بيان واضح، و معلوم عدم ذلك، و إلّا لمّا اختلف الفقهاء و ما يختفي عن مثل الشافعي و غيره، فالعقل يجزم بعدم إمكان إرادة هذا المعنى من هذه فتأمل و لا تقل على اللّه ما لا تعلم فإنّ الذي تتخيّل من استحسان العقل من عدم الاحتياج إلى الصبر إذا كان الدّم كثيرا و احتياجه في القليل، باطل بطلانا واضحا، و زمان الغسل قليل جدّا و إنّ وقت الصّلوة حينئذ لا معنى له، و يمكن الاعتبارات الّتي أحسن منها، مثل كونها حارّة المزاج أو الباردة و كونها في البلاد الحارّة أو الباردة و كونها قريبة إلى سنّ

36

الصغر و سنّ اليأس و غيرها ممّا لا يتناهى فلا يمكن، الجرأة في الأحكام الإلهيّة بمثل هذه الأشياء.

«فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ» أي، فجامعوهنّ فالأمر بالجماع للإباحة بالمعنى الأخصّ أو بالمعنى الأعمّ فيمكن حينئذ الأحكام الأربعة فيه «مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ» من قبل الطهر لا من قبل الحيض عن السدّي و الضحّاك، و قيل من قبل النكاح دون الفجور عن ابن الحنفيّة، و الأوّل أليق قال الزّجّاج معناه عن الجهات الّتي يحلّ فيها، و لا تقربوهنّ من حيث لا يجوز مثل كونهنّ صائمات أو محرمات أو معتكفات، و قال الفرّاء: و لو أراد الفرج لقال في حيث فلمّا قال «مِنْ حَيْثُ» علمنا أنّه أراد من الجهة الّتي أمركم اللّه فيها كذا في مجمع البيان «إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» أي بالماء، و يدلّ عليه سبب نزول قوله تعالى «فِيهِ رِجٰالٌ (1)» الآية المشهورة، و قيل التوّابين من الكبائر، و المتطهّرين من الصغائر كأنّه بالتوبة أيضا، أو بأنّهم لم يفعلوها، و لم يذكر المطهّرات لدخولهنّ في المطهّرين كما في كثير من الأحكام، أو يكون المراد بهما النائبين عن الدّخول في الحيض و المتنزّهين عنه (2).

____________

(1) براءة: 108.

(2) أقول: و الذي يحصل بعد التدبر في الآية الشريفة- و هو الظاهر منها- أن الحائض لها ثلاثة أحوال- حالة الطمث التي تجري من رحمها الدم، و قد حرم وطيها بصريح الاية الشريفة «فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ» و حالة اخرى بعدها قد نقيت الرحم من الدم، لكنها لم تغتسل عن قذارة الدم و تبعتها و هي العرق و الأرواح الخبيثة التي صاحبتها، و الآية الشريفة ساكتة عن حكمها، و حالة اخرى بعد الاغتسال و هو غسل البدن كلها، و الآية «فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ» تصرح بجواز إتيانها فإن الأمر عقيب الحظر لمطلق الإباحة و الجواز- بل تدعو إلى إتيانها بقوله «مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ» يعنى بذلك قوله تعالى «نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ».

و الكلام في الحالة الثانية فاما أن نسكت عما سكت اللّه، و اما ان نتدبر في ذلك و التدبر يقتضي الكراهية، لأن الحيض الذي كان بصريح الآية أذى موجبا للاعتزال قد ذهب و حصل النقاء، فلا حرمة، لكنه لم يطب بعد وطيها بحكم الآية الشريفة فإن الآية انما استطاب وطيها و أمر به بعد التطهير المطلق و هو الاغتسال الشرعي (فإن عدم تقييد التطهير بعضو دون عضو كما في غسل الجنابة يقتضي الاستيعاب) فإذا لم تتطهر و لم تغتسل بعد، حكمنا بعدم الاستطابة و هو معنى الكراهية، و دون ذلك في الكراهية ما إذا تطهرت لكن مقيدا بغسل الفرج من قذارة الدم، لا بالإطلاق كما هو مفاد الآية الشريفة. و لذلك أفتى أهل البيت (عليهم السلام) بجواز وطيها خصوصا إذا غسلت فرجها مع شبق زوجها كما في حديث محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) أو بدونه كما في حديث على بن يقطين عن أبى عبد اللّه (عليه السلام).

37

الثامنة «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا (1).

النجس القذر، ظاهرها حصر أوصاف المشركين في النجاسة أي ليس لهم وصف إلّا النجاسة، فالحصر إضافيّ بالنسبة إلى الطهارة أي لا طهارة لهم.

فقول الفخر الرازي: حصر اللّه تعالى في هذه الآية الشريفة النجاسة في المشركين أي لا نجس غيرهم، و عكس بعض الناس ذلك و قال لا نجس إلّا المسلم، حيث ذهب إلى أنّ الماء الّذي استعمله المسلم في رفع الحدث مثل الوضوء و الغسل نجس فالمنفصل من أعضائه من ذلك الماء حينئذ نجس بخلاف الماء الذي استعمله المشرك فإنّه طاهر لعدم إزالة حدثه (2) باطل أراد منه أبا حنيفة فإنّه الّذي ذهب إلى ذلك على ما هو المشهور و فيه تعريض عظيم على أبي حنيفة، حيث إنّه عكس ما قال اللّه تعالى، مع أنّه ليس في محلّه على ما عرفت.

____________

(1) براءة: 28.

(2) قال في تفسيره الكبير بعد كلام له في مدلول الآية الشريفة و دلالتها على نجاسة المشرك: و اعلم أن قوله تعالى «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» يدل على فساد هذا القول، لان كلمة انما للحصر، و هذا يقتضي أن لا نجس إلا المشرك، فالقول بأن أعضاء المحدث نجسة مخالف للنص، و العجب أن هذا النص صريح في أن المشرك نجس و في أن المؤمن ليس بنجس، ثم إن أقواما- يعنى الحنفية- قلبوا القضية و قالوا: المشرك طاهر و المؤمن حال كونه محدثا أو جنبا نجس، و زعموا أن المياه التي استعملها المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهرة، و المياه التي يستعملها أكابر الأنبياء في أعضائهم نجسة نجاسة غليظة، و هذا من العجائب.

38

و منه يعلم أنّ مذهبه نجاسة المشركين نجاسة عينيّة كما هو الظاهر المتبادر لغة و عرفا، فيجب الحمل عليه، و هو مذهب الإماميّة و ابن عبّاس حيث نقل الكشاف و البيضاويّ أنّه قال أعيانهم نجسة كالكلاب و الخنازير، و عن الحسن أنّه قال: من صافح مشركا توضّأ أي غسل يده فحمل الآية على أنّهم ذو نجاسة لأنّ معهم الشرك الّذي هو بمنزلة النجس، أو لأنّهم لا يتطهّرون و لا يغتسلون و لا يجتنبون النجاسات كما فعله صاحب الكشّاف و البيضاويّ بعيد من جهة جعلهما [النجس] ظ بمعنى ذي النجاسة و جعل الشرك بمنزلته مع عدم ظهور ذلك أيضا و إخراج القرآن عن الظاهر بغير دليل و هو غير جائز عقلا و نقلا.

و زاد القاضي بعد قوله فهم ملابسون لها غالبا قوله: و فيه دليل على أنّ ما الغالب فيه النجاسة نجس (1) و أنت تعلم أنّ عدم التطهير و الاجتناب غالبا لا يستلزم نجاستهم حقيقة، نعم يظنّ كونهم ذوي نجاسة، و الأصل في الأشياء الطهارة ما لم يعلم أنّه نجس، فالحكم بالنجاسة حقيقة لا معنى له حينئذ، فكأنّه على وجه المجاز و حينئذ لا دليل فيه إذ لا يلزم من تسميتهم بالنجاسة مبالغة للغلبة، كونهم [ذوي] نجاسة حقيقة فضلا عن نجاسة غيرهم ممّا الغالب فيه ذلك، بل لا يلزم صحّة إطلاقها عليه مجازا لعدم اطّراد المجاز نعم لو قيل بالنجاسة حقيقة و علم أن لا دليل لها إلّا الغلبة و قيل بصحّة القياس قيل بنجاسة ما الغالب فيه أيضا للقياس، و لكن لا شكّ في أنّها مرتبة خاصّة من الغلبة، فمن غلبتها لنجاستهم لا يعلم كون كلّ غلبة كذلك إذ قد يكون مرتبة منها علّة و لا يكون ما دونها كذلك، و أيضا يلزمه كون المسلم الغالب نجاسة بدنه نجسا فلا يعذر قائله (2) و يجب اجتنابه. و ليس كذلك.

ثمّ إنّ الظاهر من المشرك هو الّذي أثبت للواجب شريكا، فهو غير الموحّد فلا يدخل الموحّد الكتابيّ و يحتمل أن يجعل الجميع مشركا لقوله تعالى «عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ و الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ» إلى قوله تعالى «عَمّٰا يُشْرِكُونَ (3)» و قد استدلّ به

____________

(1) تفسير البيضاوي ص 172.

(2) اى إذا قال له: أنت نجس.

(3) براءة: 30 و 31، و الآية هكذا وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ، وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوٰاهِهِمْ يُضٰاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ، قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ. فالظاهر من الآية أن المراد بالشرك شرك العبادة و الطاعة و قلما تنجو منه أمة من الأمم، و أما قولهم بأن عزيرا ابن اللّه أو المسيح ابن اللّه، فكقول اليهود عامة «نَحْنُ أَبْنٰاءُ اللّٰهِ» و لم يعن علماؤهم من الأحبار و الرهبان أنهما أبناء اللّه حقيقة، بل على التأويل، و قولهم هذا ليس بكفر بل يضاهي قول الذين كفروا و قد خرج عن أفواههم لا عن قلوبهم و إنما قالوا ذلك تخليطا و تطبيقا لمذاهب الوثنية و ترغيبا في دخولهم في أديانهم و استجلابا لانظارهم و أفكارهم.

39

على شرك الكلّ أيضا صاحب الكشّاف في غير هذا الموضع فتأمّل فيه و يستفاد من الآية أحكام:

منها كون المشرك نجسا، و يتفرّع عليه نجاسة ما باشره من المائعات كما ينجس سائر الأشياء بملاقات النجاسة رطبا فقوله تعالى: «طعامهم حلّ لكم» (1) يراد به الحبوب كما ورد به الرواية (2) و يحتمل كون المراد حلّيّة طعامهم من حيث إنّه طعامهم (3) أي أنّه لا يصير الطعام بمجرّد أنّه طعامهم حراما بل، إنّما يحرم

____________

(1) المائدة: 5، و الآية هكذا: اليوم أحل لكم الطيبات، و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم».

(2) راجع تفسير العياشي ج 1 ص 296، و قد قال جمع من أساطين اللغة بأن المراد بالطعام في عرف أهل الحجاز البر خاصة، راجع مقاييس اللغة لابن فارس، النهاية لابن الأثير، و قال الجوهري الطعام، ما يؤكل، و ربما خص بالطعام البر، و في حديث أبى سعيد رضى اللّه عنه كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله صاعا من طعام، أو صاعا من شعير.

(3) يعنى أن إطلاق الآية الشريفة إنما هو من جهة إضافة الطعام إليهم إضافة الملك، و لذلك قال، «وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» يعنى أنه لا بأس بأن تبيعوا طعامكم منهم كما أن لا بأس بأن تشتروا أنتم طعامهم، و ليس لها إطلاق من حيث المباشرة و صنع الطعام أو من حيث جنس الطعام حتى يحل لحم الخنزير و الخمر و غير ذلك.

40

منه ما نجس بملاقات النجس فتأمل.

و منها كون الكفّار مكلّفين بالفروع و منها عدم جواز دخولهم في المسجد الحرام صريحا فانّ المراد ذلك و النهي عن القرب للمبالغة كما في قوله «وَ لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ» (1) و الحمل على الحجّ و العمرة كما فعله أبو حنيفة بعيد غير مفهوم، و لا ينافيه الخبر الدالّ على منعهم عن الحجّ و العمرة و لا يضرّ عدم دلالته على المنع عن دخول المسجد فاستدلال أبي حنيفة به عليه غير جيّد، و يمكن فهم تحريم دخولهم المسجد مطلقا أيّ مسجد كان.

[و منها عدم تمكين المسلمين لهم بمعنى منعهم عن دخوله، بل قيل هو المراد من النهي] (2).

و منها عدم جواز إدخال مطلق النجاسة المسجد، و إن لم يتعدّ، كما هو مذهب العلّامة. للتعليل المفهوم فانّ عدم دخولهم المسجد متفرّع على نجاستهم فكأنّه قيل لا يدخلون المسجد لأنّهم أنجاس و الأنجاس لا يجوز دخولهم المسجد لاستلزام كون النجاسة في المسجد و يؤيّده وجوب تعظيم شعائر اللّه، و ما روي من قوله (صلّى اللّه عليه و آله) جنّبوا مساجدكم النجاسة (3) فيجب إزالة النجاسة عن المسجد بالطريق الأولى. و لكنّ الآية ليست بصريحة لاختصاص الحكم بنجاسة الشرك و لم يثبت وجوب تعظيم الشعائر إلى هذه المرتبة، و الرواية ما تعرف سندها فضلا عن صحّتها و لهذا ذهب الأكثر إلى عدم الجواز مع التعدّي لا بدونه، و لعلّ دليلهم الإجماع مؤيّدا بما تقدّم من التعظيم، و الخبر مع الحمل على التعدّي.

التاسعة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- وجه التخصيص قد تقدم- إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ (4).

____________

(1) أسرى: 32.

(2) ما بين العلامتين لا توجد في نسخة عش.

(3) الوسائل أبواب أحكام المساجد الباب 24. و قال الشهيد، لم أقف على اسناد الحديث.

(4) المائدة: 90.

41

قيل: قذر يعاف عند العقول و أفراده لأنّه جنس أو لأنّه خبر للخمر، و خبر المعطوفات محذوف من جنسه، و يدلّ هو عليه، أو المضاف محذوف، و كأنّه قيل إنّما تعاطي الخمر الآية و يحتمل أن يكون خبرا عن كلّ واحد واحد «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ» صفة رجس أو خبر آخر، نسب إليه لأنّه من تزيينه.

«فَاجْتَنِبُوهُ» يحتمل كون الضمير راجعا إلى كلّ واحد من المذكورات أو المنهيّ عنه المفهوم، أو الرّجس، أو عمل الشيطان، أو التعاطي، «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» لكي تفلحوا بالاجتناب عمّا نهى عنه، و في الآية مبالغة زائدة من وجوه شتّى في تحريم الخمر و الميسر من جهة المقارنة بالأصنام الّتي عبادتها كفر، و الحصر بأنّه ليس إلّا الرجس، ثمّ كونه من عمل الشيطان. ثمّ الأمر بالاجتناب بعد ذلك كلّه و التصدير بإنّما و الاشعار بأنّ شاربها لا يفلح ثمّ التأكيد ببيان ضررها بقوله «إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ» و «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (1) و بعده بالأمر بطاعة اللّه و رسوله فيما أمرا به و نهيا عنه، و الحذر. و غير ذلك فتأمل.

و في الآية دلالة على تحريم تعاطي هذه الأشياء المذكورة في الخمر بالشرب قال في مجمع البيان الخمر عصير العنب المشتدّ و هو العصير الّذي يسكر كثيره، و نقل عن ابن عبّاس أنّ المراد بالخمر جميع الأشربة التي تسكر «وَ الْمَيْسِرُ» أي القمار كلّه بلعبه «وَ الْأَنْصٰابُ» بالتعظيم و العبادة لها جمع نصب، و هو الصنم «وَ الْأَزْلٰامُ» بالاستقسام و هي الأقداح و السهام كانوا يستقسمون بها لحوم الجزور في الجاهليّة و نهوا عنه و هو مشهور قال في مجمع البيان في الكلام حذف و المعنى شرب الخمر و تناوله أو التصرّف فيه و عبادة الأنصاب و الاستقسام بالأزلام «رِجْسٌ» أي خبيث إلى قوله: و الرجس واقع على الخمر و ما ذكر بعدها.

و في هذه الآية دلالة على تحريم سائر التصرّفات في الخمر من الشرب و البيع

____________

(1) و الآية ذيل الآية السابقة هكذا: إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ عَنِ الصَّلٰاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ احْذَرُوا الآية.

42

و الشراء و الاستعمال على جميع الوجوه و لا دلالة فيها على نجاسة الخمر، و لهذا قال الصدوق: إنّ اللّه عزّ و جلّ حرّم شربها لا الصلاة في ثوب أصابته فتأمّل و الأخبار مختلفة في ذلك، و الأصل يؤيّده، نعم إن ثبت كون الرجس بمعنى النجس الشرعيّ فقطّ لدلّت عليها لكن قال في القاموس (1) إنّ الرّجس بالكسر القذر و بحرّك و تفتح الراء و تكسر الجيم و المأثم و كلّ ما استقذر من العمل، و العمل المؤدّي إلى العذاب و الشكّ و العقاب و الغضب، و رجس كفرح و كرم رجاسة عمل عملا قبيحا.

قال في مجمع البيان قال الزّجاج: الرجس في اللغة اسم لكلّ ما استقذر من عمل يقال رجس يرجس إذا عمل عملا قبيحا فالإجماع الّذي على كون الرجس بمعنى النجس في التهذيب غير معلوم، بل كونه بمعنى النجس الشرعيّ، إذ ما يفهم ذلك إلّا من القذر، و كونه بذلك المعنى غير ظاهر، و الظاهر أنّه بمعنى المأثم أو الفعل المؤدّي إلى العقاب أو القبيح كما في آية التطهير ليصحّ كونه خبرا عن الميسر و غيره أيضا و إن سلّم مجيئه بمعنى النجس و بالجملة لا دلالة فيها على نجاسة الخمر و هو ظاهر بل لا دلالة في الأخبار (2) أيضا لاختلافها و الجمع بحمل ما يدلّ على وجوب الغسل على الاستحباب أولى من حمل ما يدلّ على عدمه على التقية (3).

العاشرة وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ (4).

قيل في معناه أمور كثيرة، و المتبادر هو الأمر بتطهير الثياب عن النجاسات مؤيّدا بأنّ الكفّار ما كانوا يتطهّرون من النجاسة بأن لا تنجّسها و إن نجست

____________

(1) يفهم منه كون القذر ليس بمعنى النجاسة الشرعية فافهم، منه (رحمه اللّه).

(2) الوسائل الباب 38 من أبواب النجاسات.

(3) و ممن قال بطهارة الخمر: الصدوق و أبوه و الجعفي و العماني من المتقدمين و جماعة من المتأخرين كالمحقق الخوانساري و صاحب المدارك و قال به من أهل السنة ربيعة شيخ الامام مالك، و حكى عن حبل المتين أنه قال: أطبق علماؤنا الخاصة و العامة على نجاسة الخمر، إلا شرذمة منا و منهم لم يعتد الفريقان بمخالفتهم.

(4) المدثر: 4.

43

تطهّرها بالماء المطلق لأنّه المفهوم من التطهير إذ لا عرف في التطهير بغيره، فدلّت على وجوب طهارة الثياب، و كونها بالماء المعروف لا غير، و أنّ صدقه يكفي للطهارة من غير عصر، و لا ورود و لا عدد، إلّا ما أخرجه الدليل من إجماع أو خبر و التفصيل معلوم من كتب الفروع، و إن أريد تقصير الثياب كما قيل و نقل عن الصادق (عليه السلام) أيضا فيمكن فهم الطهارة حينئذ أيضا لأنّها المقصود من التقصير كما علّل القائل به، و في الرواية تشمير الثياب طهور لها، قال اللّه تعالى «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» أي فشمر (1) و يحتمل أن يكون المراد التنظيف الّذي هو الطهارة لغة، فانّ النظافة مطلوبة للشّارع بإزالة الوسخ و نحوه، ففهم وجوب الطهارة الشرعيّة محلّ تأمّل و لكن ظاهر الأمر الوجوب، و معلوم عدم الوجوب غير الشرعيّة، و لهذا على تقدير حملها على الشرعيّة ما حملت على الأعمّ من أن يكون فيما يجب إزالة النجاسة فيه مثل الصلاة، أم لا. بل خصّت بالأوّل فتأمل «وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» أي خصّ الرجز بوجوب الاجتناب، و الحصر إضافيّ أو يكون التقديم لغيره، قيل الرجز بالضمّ و الكسر هو الصنم، و المراد عدم عبادته و عدم تعظيمه و الثبات على هجره، فإنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان بريئا منه، لم يزل و لا يزال، و يحتمل أن يكون المراد أعمّ، فيدخل غيره (صلّى اللّه عليه و آله) و ترك من أهله (2) و رعيّته أو كسره و إهانته بمهما أمكن له (صلّى اللّه عليه و آله) أو أعمّ، و قيل الرجز هو العذاب و المراد وجوب اجتناب موجبه و هو الشرك و عبادة الأصنام و غيره من المعاصي مطلقا، و قيل بالضمّ الصنم و بالكسر العذاب قال في القاموس الرجز بالكسر و الضمّ: القذر و عبادة الأوثان، و العذاب و الشرك، فعلى الأوّل يكون تأكيدا لقوله «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» و تفسيرا له و هو هنا المناسب لتكبير الصلاة و طهارة الثياب و على هذا حمل في بعض استدلالات الأصحاب و قيل معناه أخرج حبّ الدنيا عن قلبك لأنّه رأس كلّ خطيئة.

____________

(1) الكافي ج 6: 455.

(2) عطف على قوله المراد عبادته إلخ.

44

الحادية عشرة وَ إِذِ ابْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ (1).

الابتلاء هو الاختبار و الامتحان و الكلمات هي التكاليف الشاقّة على بعض الاحتمالات مثل ذبح الولد و غيره من تكاليفه المذكورة في التفاسير، و قيل هي السنن الحنيفيّة العشر خمس في الرأس و خمس في البدن أمّا الرأس فالمضمضة، و الاستنشاق و الفرق، و قصّ الشارب، و السواك، و أمّا البدن فالختان، و حلق العانة، و تقليم الأظفار، و نتف الإبطين و الاستنجاء بالماء (2) و نسخ شريعة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) شريعة من قبلنا لا ينافي إثبات بعض أحكامها لأنّ المراد نسخ المجموع من حيث هو مجموع و الإتمام هنا هو فعل التكاليف تامّا، و على ما أمر به، و الامام: المقتدى به في أفعاله و أقواله، و هو أحد معنيي الإمام في مجمع البيان و في الكشّاف هو اسم لمن يؤتمّ به كالإزار لما يؤتزر به، يعني يأتمّون بك في دينهم، و الذرّية هو النسل و من يحصل من الشخص من الأولاد، و النيل هو الوصول و الإدراك، و العهد هو الإمامة كما هو الظاهر و في مجمع البيان و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام).

و الظلم كأنّه الفسق الّذي يصير به الإنسان غير عدل كما يفهم من الكشّاف حيث قال فيه: و إنّما ينال عهدي من كان عادلا بريئا من الظلم، و إذ ظرف اذكر المحذوف في أمثاله، و المخاطب هو نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله). و إبراهيم مفعول ابتلى «و ربّه» فاعله، و الضمير المضاف إليه راجع إلى إبراهيم و «بكلمات» متعلّقة بابتلى و فاء فأتمهنّ للتعقيب و هو فعل و مفعول و فاعله ضمير إبراهيم، و فاعل قال ضمير الربّ و الياء اسم إنّ، و جاعل خبره: مضاف إلى الكاف الّذي هو مفعوله الأوّل و الثاني إماما، و للناس إمّا متعلّق به أو بمقدّر حال عن إماما، و ضمير قال لإبراهيم و الواو للاستيناف و من ابتدائيّة أو زائدة، لوجود زيادتها في المثبت، أو للتبعيض مفعول

____________

(1) البقرة: 124.

(2) راجع تفسير البرهان ذيل الآية الشريفة، الوسائل ب 1 من أبواب السواك الحديث 23.

45

فعل مقدّر، و التقدير و اجعل أو تجعل ذرّيتي أو بعض ذرّيتي إماما أيضا على طريق السؤال، و يحتمل [كون] العطف على محذوف و التقدير و اجعلني إماما و اجعل بعض ذرّيتي أيضا كذلك.

و أمّا عطفه على الكاف في «جاعلك» كما قاله صاحب الكشّاف و القاضي البيضاويّ فممّا لا أعرف له وجه صحّة لأنه حينئذ يصير بعض الذرية مفعولا أوّلا للجعل الّذي أخبر اللّه تعالى بفعله، فيكون من تتمّة قوله، فيلزم أن يكون ذلك البعض أيضا إماما مخبرا بجعله كذلك مع أنّه من كلام إبراهيم و سؤاله الإمامة فكأنّ مقصودهما أنّه يسأل اللّه تعالى أن يجعل البعض أيضا مفعول الجعل مثله، كما قلناه، و العبارة وقعت قاصرة عنه، و مفيدة لغيره كما ترى.

و قد قال صاحب الكشّاف مثله في قوله تعالى بعد هذه الآية «وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هٰذٰا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرٰاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قٰالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلىٰ عَذٰابِ النّٰارِ» فإنّه قال «وَ مَنْ كَفَرَ» عطف على «مَنْ آمَنَ» كما عطف و من ذرّيتي على الكاف في «جاعلك» فزادنا الحيرة و «لٰا يَنٰالُ» فعل فاعله عهدي و الظالمين مفعوله، و لا شكّ أنّه أولى من العكس كما قرئ على ما نقل (1) إذ إسناد النيل إلى العهد أولى فإنّه النائل، لا أنّهم يصلون إليه و ينالونه، و إن صحّ ذلك أيضا لأنّه من الجانبين.

ثمّ اعلم أنّ صاحب الكشاف استدلّ بهذه الآية على اعتبار العدالة في الإمام حيث قال: و قالوا في هذا دليل على أنّ الفاسق لا يصلح للإمامة، و كيف يصلح لها من لا يجوز حكمه و شهادته، و لا تجب طاعته، و لا يقبل خبره، و لا يقدّم للصلاة انتهى فيفهم منه المبالغة في ذلك الاشتراط، و نقل عن أبي حنيفة أيضا ما يدلّ عليه، حيث قال: كان يعني أبا حنيفة يقول في المنصور و أشياعه لو أرادوا بناء مسجد و أرادوني على عدّ أجره لما فعلت، و عن ابن عيينة لا يكون الظالم إماما قطّ و كيف يجوز نصب الظالم للإمامة و الامام إنّما هو لكفّ الظلمة، فإذا نصب من كان ظالما في نفسه فقد جاء المثل السائر «من استرعي الذّئب ظلم» انتهى. و أيضا

____________

(1) نقل عن ابن مسعود أنه قرأ: لا ينال عهدي الظالمون.

46

يفهم من كلامه اشتراط العدالة في القاضي و الشاهد و الراوي و إمام الجماعة مع أنّه حنفيّ المذهب كما هو المشهور و الظاهر من كلامه، و خلاف ذلك كلّه مشهور عنه، و المعمول عندهم.

و في الاستدلال تأمّل إذا الواسطة بين الظلم و العدل ثابتة، فلا يلزم من مانعية الأوّل (1) للإمامة اشتراط الثاني لها، و هو ظاهر و لعلّه يريد به غيره أو يضمّ معه عدم القول بالواسطة أي كلّ من لم يجوّزها للفاسق لم يجوّزها لغير العدل و يمكن الاستدلال بها على اشتراطها في إمام الجماعة، بمعنى عدم تجويز إمامة الفاسق لصدق الامام عليه بالتفسير الماضي، و إن كان المقصود بالسؤال هو الخلافة و الإمامة المطلقة إذ لا يبعد كون المراد بالعهد ما هو الأعمّ منها أي ما اجوّز تفويض أمري إلى الظالم، فإنّه غير معقول، بل ظلم كما يفهم من الكشّاف، و لا شكّ في كون تجويز إمامة الفاسق للجماعة تفويض أمر عظيم إليه، و قد فسّر عهد اللّه بأمره و وصيّته في مجمع البيان، حيث قال في تفسير «وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ» و عهد اللّه وصيّته و أمره يقال عهد الخليفة إلى فلان كذا أي أمره و أوصى به و لاشتراك (2) علّيّة منع الفاسق من مطلق الإمامة فيه، كما يظهر من كلام صاحب الكشّاف و كذا في القاضي و الشاهد و الراوي فتأمّل فإنّ الغرض إظهار الإشعار في الآية بما ذكرناه، و إنّما الاعتماد على غيرها من الآيات و الروايات و إجماع الأصحاب و الاحتياط.

و قال القاضي: و فيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، و أنّ الفاسق لا يصلح للإمامة (3) و الأولى أن يقول: و لو قبل البعثة، و لعلّ وجه الدلالة أنّ فاعل الكبيرة وقتا ما يصدق عليه أنّه ظالم في الجملة، و قد نفى اللّه العهد الّذي هو الإمامة مطلقا عمّن صدق عليه أنّه ظالم في الجملة، و هو ظاهر على تقدير كون

____________

(1) فلا يلزم من نفى ما نفيه الأول خ. من نفى مانعية الأول خ. من نفيه الأول: ظ.

(2) عود إلى كلامه قبل ذلك «لصدق الامام عليه» إلخ.

(3) تفسير البيضاوي: 41.

47

المشتقّ حقيقة لمن اتّصف به وقتا ما، و كذا على تقدير كونه حقيقة حين اتّصاف المشتقّ بالمبدء فقطّ: فانّ ذلك ليس بمراد هاهنا، فيتعيّن الأوّل.

[فقد نفى اللّه العهد الّذي هو الإمامة عمّن صدق عليه أنّه ظالم في الجملة] (1).

فحاصله أنّ الّذي اتّصف أو يتّصف بالظلم بالفعل أي وقتا مّا أو بالإمكان على الخلاف بين المنطقيّين لا تناله الإمامة، و تخصيصه بوقت دون وقت آخر يخرجه عن ظاهره و لا يجوز ذلك إلّا بدليل يجوّز تخصيص مثله بمثله و ليس، و كذا الكلام في الامام و الخليفة فلزم من كلامه عدم جواز كون من اتّصف بفسق مّا وقتا مّا نبيّا و إماما فلا بدّ من كونهم معصومين من أوّل عمرهم إلى آخره من الكبائر على زعمه أيضا و هو خلاف مذهب الأشاعرة بل خلاف معتقده، فإنّه يعتقد وقوع الكبائر منهم مثل ما وقع من آدم على نبيّنا و آله و (عليه السلام) فإنّه سمّي بالعصيان و الظلم أيضا في قوله تعالى:

«وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ. فَتَكُونٰا مِنَ الظّٰالِمِينَ (2)» بل بوقوع الكفر ممّن يعتقد إمامته إلّا أن يؤوّل ذلك بالصغائر و تختصّ الآية بالنبوّة، و هو بعيد، إذ الظاهر أنّ العهد هو الإمامة و هي أعمّ كما ذهب إليه صاحب الكشّاف كما مرّ و فهم من كلام القاضي أيضا حيث قال:

و إنّ الفاسق لا يصلح للإمامة بعد إثبات العصمة للأنبياء قبل البعثة، و أيضا للعلّة الظاهرة من الآية و هي الظلم.

و كذا استدلال الأصحاب بها على وجوب العصمة عن الذنوب مطلقا للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الإمام، فكأنّهم نظروا إلى أنّ الظلم في الأصل هو انتقاص الحقّ، و قيل وضع الشيء في غير موضعه من قولهم «و من أشبه أباه فما ظلم (3)» أي فما وضع الشبه في غير موضعه كذا في مجمع البيان أو التعدّي عن حدود اللّه كما يفهم من قوله تعالى «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ (4)» و غيره إذ لا شكّ أنّ فعل الصغيرة خروج عن الاستقامة و الطاعة، و أنّه نقص و وضع في غير المحلّ، و تعدّ عن

____________

(1) تكرر هذه العبارة هنا في كل النسخ، و الظاهر أنها سهو.

(2) طه: 121 و الآية الثانية في البقرة، 35، الأعراف: 19.

(3) كقول الشاعر

و بأبه اقتدى عدي في الكرم * * * و من يشابه أبه فما ظلم

. (4) الطلاق: 1.

48

الحدود، إذ حدود اللّه هي الأوامر و النواهي و أيضا ترك حكم اللّه و رفضه لا يتفاوت فيه الحال بالكبر و الصّغر، فإنّه يكون عاصيا سيّما بالنسبة إلى الأنبياء و الأئمّة [المعصومين] عليهم أفضل الصّلوات و التسليمات على أنّ البعض لم يقل بالصغيرة، بل يقول: الذنوب كلّها كبائر.

و بالجملة الّذي نقلته عن القاضي ههنا مع عدم انطباقه على مذهبه، و بعض قوانين الأصول عندهم مثل مجازيّة صدق المشتقّ على من انقضى عنه المبدء، و إلّا يلزم صدق الكافر حقيقة على أكابر الصّحابة، و تعليق الحكم على المشتقّ يفيد علّيّة المبدء له حين الاتّصاف، و أنّ الحكم حين وجود العلّة مثل أكرم العلماء، يدلّ على صدوره عنه بغير رويّة و إجرائه على لسانه ليكون حجّة عليه، و فضيحة له عند اللّه و عند الناس، كما هو الموجود مثله في غير هذا المحلّ أيضا منه و من غيره أيضا كثيرا كما سيظهر لك إذا تأملت كلامهم و سيجيء بعضه إنشاء اللّه و قد أشرت إليها في مواضع [شتّى] سأجمعها إنشاء اللّه.

49

كتاب الصلاة

و هو يتنوّع أنواعا الأوّل في البحث عنها بقول مطلق و فيه آيات:

الاولى إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً (1).

مفروضة أو موقّتة فلا تضيّعوها و لا تخلّوا بشرائطها و أوقاتها، و سيأتي تتمّة البحث فيها إنشاء اللّه تعالى.

الثانية حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ (2).

كأنّ الأمر بمحافظة الصّلوات بالأداء لوقتها، و المداومة عليها، بعد بيان أحكام الأزواج و الأولاد لئلّا يلهيهم الاشتغال بهم عنها و «الوسطى» تأنيث الأوسط من الوسط أي البين أو الفضل، و خصّها بعد العموم للاهتمام بحفظها، لأفضليّتها قيل: هي الظهر، و هو المرويّ عن الباقر و الصادق (3) (عليهما السلام) كذا في مجمع البيان و قيل: العصر يدلّ عليه الرواية عنه (صلّى اللّه عليه و آله): شغلونا عن الصّلاة الوسطى صلاة العصر (4) و قيل: كلّ واحدة من الصلوات الخمس، و لكنّ وجه ظاهر، و قيل هي مخفيّة مثل ليلة القدر، و ساعة الإجابة، و اسم اللّه الأعظم، لأن يهتمّوا بالكلّ غاية الاهتمام، و يدركوا الفضيلة في الكلّ، فهي تدلّ على جواز العمل المعيّن لوقت من غير جزم بوجوده، مثل عمل ليلة القدر، و العيد، و أوّل رجب و غيرها مع عدم ثبوت الهلال، و قد صرّح بذلك في الأخبار فلا يشترط الجزم في النيّة، و لهذا جاز الترديد فيها ليلة الشكّ فافهم.

«وَ قُومُوا لِلّٰهِ» في الصّلاة «قٰانِتِينَ» ذاكرين للّه في قيامكم، و القنوت أن يذكر

____________

(1) النساء: 102.

(2) البقرة: 238.

(3) و راجع الوسائل الباب 5 من أبواب أعداد الفرائض، تفسير العياشي ج 1 ص 127.

(4) سنن أبى داود ج 1 ص 97.

50

اللّه قائما و قيل كانوا يتكلّمون في الصّلاة فنهوا عنه و قيل هو الركود و كفّ الأيدي و البصر كذا في الكشّاف.

قال في مجمع البيان «وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ» قال ابن عبّاس معناه داعين و القنوت هو الدعاء في الصلاة حال القيام، و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) (1) و قيل طائعين و قيل خاشعين و قيل ساكتين و الذكر أنسب من الدعاء فإنّه أعمّ و الأصحاب لا يشترطون الدعاء في القنوت فإنّهم يجعلون كلمات الفرج أفضله، و ليس فيها دعاء فدلّت الآية على وجوب محافظة الصّلوات خرج ما ليس بواجبة منها إجماعا بقي الباقي منها تحت العموم فلا يبعد الاستدلال بها على وجوب الجمعة و العيدين و الآيات أيضا.

و استدلّ بها على وجوب القنوت فيها، و فيه تأمّل، لاحتمال معان أخر كما مرّ، و عدم ثبوت كونه بالمعنى المتعارف عند الفقهاء و احتمال كونه مخصوصا بالوسطى كما قيل، و لأنّه أمر بالقيام فهو إمّا قيام حقيقيّ أو كناية عن الاشتغال بالعبادة للّه تعالى في حال القنوت فالواجب حينئذ هو القيام حال القنوت لا القنوت، و إن احتمل حينئذ وجوب القنوت أيضا إذ على تقدير تركه ما وجد المأمور به، و هو القيام حال القنوت فوجوبه يستلزم وجوبه، لكن وجوبه غير معلوم القائل، و على تقديره يكون مشروطا أي إن قنتّم فقوموا، و الأصل عدم الوجوب و هو مذهب الأكثر، و أنّه ليس في روايتي تعليم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلاة الأعرابيّ و الصادق (عليه السلام) حمّاد بن عيسى و غيرهما (2) من الروايات، فالاستحباب غير بعيد، و يمكن حمل الآية عليه فتأمّل.

الثالثة وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلٰاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْهٰا لٰا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ الْعٰاقِبَةُ لِلتَّقْوىٰ (3).

أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة اللّه و الصلاة، و استعينوا بها على حاجتكم

____________

(1) الكافي ج 3 ص 340.

(2) الفقيه ج 1 ص 106، التهذيب ج 1 ص 157.

(3) طه: 132.