مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام - ج2

- محمد بن علي الموسوي العاملي المزيد...
397 /
7

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة و هذا الكتاب يعتمد على أربعة أركان]

[تتمة الركن الثاني في الطهارة المائية]

[تتمة الغسل]

[تتمة الأغسال الواجبة]

[الفصل الثالث: في الاستحاضة]

الفصل الثالث:

في الاستحاضة، و هو يشتمل على أقسامها، و أحكامها.

[أما الأول]

أما الأول:

فدم الاستحاضة في الأغلب أصفر بارد رقيق يخرج بفتور. (1)

____________

قوله: أما الأول، فدم الاستحاضة في الأغلب أصفر بارد رقيق يخرج بفتور.

(1) الاستحاضة في الأصل استفعال من الحيض، يقال استحيضت على وزن استقيمت بالبناء للمجهول، فهي تستحاض لا تستحيض: إذا استمر بها الدم بعد أيامها فهي مستحاضة. كذا ذكره الجوهري (1)، و مقتضاه عدم سماع المادة مبنية لغير المجهول، ثم استعمل لفظ الاستحاضة في دم فاسد يخرج من عرق في أدنى الرحم يسمّى العاذل.

و ما ذكره المصنف من الصفات خاصة مركبة له، و هي مستفادة من الأخبار. و أما الصفرة و البرودة فمن حسنة حفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام)، قال: «و دم الاستحاضة أصفر بارد» (2).

و أما الرقة فمن قوله (عليه السلام) في خبر علي بن يقطين: «تدع الصلاة ما دامت ترى

____________

(1) الصحاح (3: 1073).

(2) الكافي (3: 91- 1)، التهذيب (1: 151- 429)، الوسائل (2: 537) أبواب الحيض ب (3) ح (2).

8

و قد يتفق بمثل هذا الوصف حيضا، إذ الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض، و في أيام الطهر طهر. (1)

____________

الدم العبيط، فإذا رقّ و كانت صفرة اغتسلت» (1).

و أما الخروج بفتور، أي ضعف و تثاقل فلم أقف له على مستند.

قال المصنف في المعتبر: و إنما قيّدنا بالأغلب لأنه قد يتفق الأصفر حيضا، كما إذا رأته في العادة (2). و هو غير جيد، فإنّ القيد إنما تعلق بدم الاستحاضة، لا بالدم الأصفر.

و الأولى أن يقال: إن فائدته التنبيه على أنّ دم الاستحاضة قد يكون أسود أو أحمر، كالموجود بعد أكثر الحيض و النفاس، فإنه يحكم بكونه استحاضة، و إن كان بصفة الحيض.

و ينبغي أن يعلم أنه لما ثبت أنّ دم الاستحاضة هو ما كان جامعا للأوصاف المذكورة وجب الاقتصار في إلحاق ما عداه به على مورد النصّ خاصة، و كلام الأصحاب في هذه المسألة غير منقح (3).

قوله: و قد يتفق بمثل هذا الوصف حيضا، إذ الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض، و في أيام الطهر طهر.

(1) قال الشارح- (رحمه اللّه)-: المراد بأيام الحيض: ما يحكم على الدم الواقع فيها بأنه حيض، سواء كانت أيام العادة أو غيرها، فتدخل المبتدئة و من تعقب عادتها دم بعد أقل

____________

(1) التهذيب (1: 174- 497) الوسائل (2: 615) أبواب النفاس ب (3) ح (16).

(2) المعتبر (1: 241).

(3) في «س»: واضح.

9

و كل دم تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام و لم يكن دم قرح و لا جرح فهو استحاضة. (1) و كذا ما يزيد عن العادة و يتجاوز العشرة، (2) أو يزيد عن أيام النفاس، أو يكون مع الحمل على الأظهر، (3) أو مع اليأس، أو قبل البلوغ.

____________

الطهر. و ضابطه ما أمكن كونه حيضا، و ربما فسرت بأيام العادة (1). هذا كلامه (رحمه اللّه) تعالى.

و أقول: إن هذا التفسير أولى، إذ الظاهر اعتبار الأوصاف في غير العادة مطلقا، كما بيناه.

قوله: و كل دم تراه المرأة أقل من ثلاثة و لم يكن دم قرح و لا جرح فهو استحاضة.

(1) هذه الكلية إنما تتم إذا استثني دم النفاس، و مع ذلك فلا بد من تقييدها بما إذا كان الدم بصفة دم الاستحاضة، إلا فيما دلّ الدليل على خلافه كما تقدم.

قوله: و كذا ما يزيد عن العادة و يتجاوز العشرة.

(2) قد تقدم الكلام في ذلك، و أنّ المستفاد من الأخبار أنّ ما تجده المرأة بعد العادة و أيام الاستظهار فهو استحاضة مطلقا. و أما أنه مع التجاوز يكون ما تجده في أيام الاستظهار استحاضة، حتى أنه يجب عليها قضاء ما أخلت به فيها من العبادات فلم أقف على دليله، و لا ريب أنه أحوط.

قوله: أو يكون مع الحمل على الأظهر.

(3) اختلف الأصحاب في هذه المسألة فذهب الأكثر الى أنّ الحامل قد تحيض

____________

(1) المسالك (1: 10).

10

..........

____________

كالحائل (1)، و هو اختيار أبي جعفر بن بابويه (2) و السيد المرتضى (3).

قال الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار: و ما تجده المرأة الحامل في أيام عادتها يحكم بكونه حيضا. و ما تراه بعد عادتها بعشرين يوما فليس بحيض (4).

و قال في الخلاف: إنه حيض قبل أن يستبين الحمل لا بعده. و نقل فيه الإجماع (5).

و قال المفيد (6)- (رحمه اللّه)- و ابن الجنيد (7)- (رحمه اللّه)-: لا يجتمع حيض مع حمل.

و يدفع هذا القول صريحا ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، إنه سئل عن الحبلى ترى الدم أ تترك الصلاة؟ قال: «نعم، إنّ الحبلى ربما قذفت الدم» (8).

و في الصحيح عن صفوان، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدم

____________

(1) الحائل: كل حامل ينقطع عنها الحمل سنة أو سنوات (لسان العرب 11: 189).

(2) المقنع: (16).

(3) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): (191).

(4) النهاية: (25)، التهذيب (1: 388)، الاستبصار (1: 140).

(5) الخلاف (1: 74).

(6) نقله في منتهى المطلب (1: 96)، و المعتبر (1: 200).

(7) نقله في المختلف: (36).

(8) الكافي (3: 97- 5) التهذيب (1: 386- 1187)، الإستبصار (1: 138- 474)، الوسائل (2:

576) أبواب الحيض ب (30) ح (1).

11

..........

____________

ثلاثة أيام أو أربعة أيام أ تصلي؟ قال: «تمسك عن الصلاة» (1).

و في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الحبلى ترى الدم كما كانت ترى أيام حيضها مستقيما في كل شهر؟ قال: «تمسك عن الصلاة كما كانت تصنع في حيضها، فإذا طهرت صلّت» (2).

و روى الكليني في الحسن عن سليمان بن خالد، قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك، الحبلى ربما طمثت، فقال: «نعم، و ذلك أنّ الولد في بطن امه غذاؤه الدم فربما كثر ففضل عنه، فإذا فضل دفعته، فإذا دفعته حرمت عليها الصلاة» (3).

قال: و في رواية أخرى: إذا كان كذلك تأخّر الولادة (4). و بهذه الروايات احتج القائلون بأنّ الحامل تحيض كالحائل.

احتج الشيخ في كتابي الأخبار على القول الثاني بصحيحة الحسين بن نعيم الصحاف، قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ أم ولدي ترى الدم و هي حامل كيف تصنع بالصلاة؟ فقال: «إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم في الشهر الذي كانت تقعد فيه فإنّ ذلك ليس من الرحم و لا من الطمث فلتتوضأ و لتحتش و تصلّ، فإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي

____________

(1) التهذيب (1: 387- 1193)، الإستبصار (1: 139- 478)، الوسائل (2: 577) أبواب الحيض ب (30) ح (4).

(2) الكافي (3): 97- 3)، التهذيب (1: 387- 1194)، الإستبصار (1: 139- 479)، الوسائل (2:

578) أبواب الحيض ب (30) ح (7).

(3) الكافي (3: 97- 6)، الوسائل (2: 579) أبواب الحيض ب (30) ح (14).

(4) الكافي (3: 97- 6)، الوسائل (2: 579) أبواب الحيض ب (30) ح (15).

12

و إذا تجاوز الدم عشرة أيام و هي ممّن تحيض فقد امتزج حيضها بطهرها فهي إما مبتدئة، و إما ذات عادة، مستقرة أو مضطربة. (1)

____________

كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة» (1). و هي مع صحتها صريحة في المدعى فيتجه (2) العمل بها، و إن كان القول الأول لا يخلو من قوة.

و أما القول الثالث فلم أقف له على مستند.

احتج المفيد- (رحمه اللّه)- برواية السكوني عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: «قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما كان اللّه ليجعل حيضا مع حبل» (3) و صحيحة حميد بن المثنى، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدفعة و الدفعتين من الدم في الأيام و في الشهر و الشهرين، فقال: «تلك الهراقة، ليس تمسك هذه عن الصلاة» (4).

و الجواب أن الرواية الأولى ضعيفة السند، و الثانية في غير موضع النزاع، لأن الدم المذكور لم يجمع شرائط الحيض.

قوله: و إذا تجاوز الدم عشرة أيام و هي ممّن تحيض فقد امتزج حيضها بطهرها، فهي إما مبتدئة و إما ذات عادة مستقرة أو مضطربة.

(1) قد تقدم الكلام في ذات العادة. و المبتدئة بكسر الدال و فتحها اسم فاعل أو اسم مفعول: هي التي ابتدأت الحيض، أو ابتدأ بها الحيض. و فسرها المصنف في المعتبر بأنها

____________

(1) الكافي (3: 95- 1)، التهذيب (1: 388- 1197)، الإستبصار (1: 140- 482)، الوسائل (2:

577) أبواب الحيض ب (30) ح (3).

(2) في «ح»: فيتعين.

(3) التهذيب (1: 387- 1196)، الإستبصار (1: 140- 481)، الوسائل (2: 579) أبواب الحيض ب (30) ح (12).

(4) التهذيب (1: 387- 1195)، الإستبصار (1: 139- 480)، الوسائل (2: 578) أبواب الحيض ب (3) ح (8).

13

..........

____________

التي رأت الدم أول مرة. و فسر المضطربة بأنها التي لم تستقر لها عادة، و جعل الناسية للعادة قسيما لهما (1).

و يظهر من كلام المصنف في هذا الكتاب أن المبتدئة من لم تستقر لها عادة، و المضطربة من استقر لها عادة ثم اضطرب عليها الدم و نسيتها، و هو الذي صرح به العلامة (2)- (رحمه اللّه)- و من تأخر عنه (3). و الاختلاف في ذلك لفظي.

و ما قيل من أنّ فائدته رجوع هذا النوع من المبتدئة، أعني التي لم تستقر لها عادة إلى الأقارب و الأقران، فإنه إنما يكون على الثاني دون الأول (4) فضعيف جدا، لأن الحكم في النصوص الواردة بذلك ليس منوطا بالمبتدئة ليرجع إلى تفسيرها، و يختلف الحكم باختلافه كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

إذا تقرر ذلك فنقول: إذا تجاوز الدم العشرة فقد امتزج الحيض بالطهر، و لا يخلو إما أن تكون المرأة مبتدئة، أو ذات عادة عددية و وقتية، أو عددية فقط، أو وقتية كذلك، أو مضطربة ناسية للوقت و العدد، أو للعدد خاصة مع ذكر أول الوقت أو وسطه أو آخره أو وقت منه في الجملة، أو ناسية للوقت خاصة، و على هذا فالعدد المحفوظ إما أن يتحقق له إضلال في وقت يقصر نصفه من العدد أو لا. و على التقادير فإما أن يتحقق لها تمييز أو لا. فهذه أقسام المستحاضات، و سيجيء أحكامها مفصلة إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) المعتبر (1: 204).

(2) كما في المختلف: (37).

(3) منهم الشهيد الثاني في المسالك (1: 10).

(4) كما في الروضة البهية (1: 104).

14

[فالمبتدئة]

فالمبتدئة: ترجع إلى اعتبار الدم، فما شابه دم الحيض فهو حيض و ما شابه دم الاستحاضة فهو استحاضة، بشرط أن يكون ما شابه دم الحيض لا ينقص عن ثلاثة و لا يزيد عن عشرة. (1)

____________

قوله: فالمبتدئة ترجع إلى اعتبار الدم، فما شابه دم الحيض فهو حيض، و ما شابه دم الاستحاضة فهو استحاضة، بشرط أن يكون ما شابه دم الحيض لا ينقص عن ثلاثة و لا يزيد عن عشرة.

(1) هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، قاله في المعتبر (1)، و استدل عليه بالروايات المتضمنة لأوصاف الحيض، كقوله (عليه السلام) في رواية إسحاق بن جرير (2): «إنّ دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حار تجد له حرقة» (3) و في رواية حفص بن البختري:

«إنّ دم الحيض حار عبيط أسود و له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة أصفر بارد. فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة» (4).

و اشترط المصنف (5) و غيره (6) في العمل بالتمييز أن لا يقصر ما شابه دم الحيض عن أقله، و لا يتجاوز أكثره، و اشتراطهما ظاهر. و يعتبر فيه أيضا توالي الأيام الثلاثة على مذهب من يعتبر التوالي.

____________

(1) المعتبر (1: 204).

(2) الرواية هكذا في «ق» «م» و الكافي، و في التهذيب الرواية عن إسحاق بن جرير عن حريز. و الظاهر أن الصحيح ما أثبتناه، لعدم ثبوت رواية إسحاق بن جرير عن حريز (راجع معجم رجال الحديث 3: 40، 41).

(3) الكافي (3: 91- 3)، التهذيب (1: 151- 431)، الوسائل (2: 537) أبواب الحيض ب (3) ح (3).

(4) الكافي (3: 91- 1)، التهذيب (1: 151- 429)، الوسائل (2: 537) أبواب الحيض ب (3) ح (2).

(5) المعتبر (1: 205).

(6) منهم العلامة في نهاية الأحكام (1: 134).

15

فإن كان لونا واحدا أو لم يحصل فيه شريطتا التميز رجعت إلى عادة نسائها إن اتفقن، (1)

____________

و هل يعتبر فيه بلوغ الدم الضعيف مع أيام النقاء أقلّ الطهر؟ وجهان: أحدهما نعم، و به قطع العلامة في النهاية (1)، لأنا إذا جعلنا القوي حيضا كان الضعيف طهرا، لأنه مقابله. و الثاني لا، للعموم، و ضعفه ظاهر. فلو رأت خمسة أسود ثم أربعة أصفر ثم عاد الأسود عشرة فعلى الأول لا تمييز لها، و على الثاني حيضها خمسة.

ثم إنّ المشابهة تحصل باللون، فالأسود قوي الأحمر، و هو قوي الأشقر، و هو قوي الأصفر. و القوام، فالثخين قوي الرقيق. و الرائحة، فالمنتن قوي بالنسبة إلى غيره. و متى اجتمع في دم خصلة و في آخر ثنتان فهو أقوى. و لو استوى العدد مع الاختلاف، كما لو كان في أحدهما الثخانة و في الآخر الرائحة فلا تمييز لها.

فرعان: الأول: لا يشترط في التمييز التكرار، لأنه علامة الحيض، فيكفي امتيازه بخلاف العادة. و ظاهر المنتهى أنه موضع وفاق بين العلماء (2)، فلو رأت في شهر ثلاثة أسود (و في آخر أربعة) (3) و في آخر خمسة، فما هو بالصفة حيض و الباقي طهر.

الثاني: العادة كما تحصل بالأخذ و الانقطاع كذا تحصل بالتمييز، فلو مرّ بها شهران رأت فيهما سواء، ثم اختلف الدم في باقي الأشهر رجعت إلى عادتها في الشهرين، و لا تنظر إلى اختلاف الدم، لأنّ الأول صار عادة.

قوله: فإن كان لونا واحدا أو لم يحصل فيه شرطا التميز رجعت الى عادة نسائها إن اتفقن.

(1) المراد بالنساء هنا: الأقارب من الأبوين أو أحدهما، و لا يعتبر العصبة، لأنّ المعتبر

____________

(1) نهاية الأحكام (1: 135).

(2) منتهى المطلب (1: 104).

(3) بين القوسين ليست في «م».

16

..........

____________

الطبيعة، و هي جاذبة (1) من الطرفين.

و هذا الحكم أعني رجوع المبتدئة مع فقد التمييز إلى عادة نسائها هو المعروف من مذهب الأصحاب، و عزاه في المعتبر إلى الخمسة و أتباعهم.

و احتج عليه بأنّ الحيض يعمل فيه بالعادة و بالأمارة، كما يرجع إلى صفات الدم، و مع اتفاقهن يغلب أنها كإحداهن، إذ من النادر أن تشذ واحدة عن جميع الأهل (2).

و بما رواه الشيخ عن سماعة، قال: سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر و هي لا تعرف أيام أقرائها، قال: «أقراؤها مثل أقراء نسائها، فإن كان نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيام، و أقله ثلاثة أيام» (3).

و عن زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المستحاضة تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها ثم تستظهر على ذلك بيوم» (4).

و في الروايتين قصور من حيث السند. أما الأولى فبالإرسال، و الإضمار، و اشتمال سندها على عدة من الواقفية (5).

____________

(1) في «س» حادثة.

(2) المعتبر (1: 207).

(3) التهذيب (1: 380- 1181)، الإستبصار (1: 138- 471)، الوسائل (2: 547) أبواب الحيض ب (8) ح (2) و قد رواها في الكافي (3: 79- 3).

(4) التهذيب (1: 401- 1252)، الإستبصار (1: 138- 472)، الوسائل (2: 557) أبواب الحيض ب (13) ح (5).

(5) منهم زرعة بن محمد راجع رجال النجاشي: (176- 466)، و سماعة بن مهران راجع رجال الصادق (ع) (351)، و الواقفية هم الذين وقفوا على موسى بن جعفر (عليه السلام) و قالوا أنه الإمام القائم و أنه راجع فرق الشيعة للنوبختي: (81).

17

و قيل: أو عادة ذوات أسنانها من بلدها، (1)

____________

و أما الثانية فلأن في طريقها علي بن الحسن بن فضال و هو فطحي [1]، و أيضا فإنها تتضمن الرجوع إلى بعض نسائها، و هو خلاف الفتوى. لكن الشيخ في الخلاف نقل على صحة الرواية الأولى إجماع الفرقة (2)، فإن تمّ فهو الحجة، و إلّا أمكن التوقف في هذا الحكم لضعف مستنده.

و مقتضى كلام المصنف هنا و في المعتبر أنّ رجوعها إلى نسائها مشروط باتفاقهن (3)، و به صرح العلامة في النهاية و قال: حتى لو كنّ عشرا فاتفق فيهن تسع رجعت إلى الأقران (4).

و رجح الشهيد- (رحمه اللّه)- اعتبار الأغلب مع الاختلاف (5). و هو ضعيف جدا، لأنه إن استند في الحكم إلى مقطوعة سماعة وجب القطع بالانتقال عن نسائها بمجرد الاختلاف كما هو منطوق الرواية، و إن استند إلى رواية زرارة و محمد بن مسلم وجب القول برجوعها إلى بعض نسائها مطلقا و لا قائل به.

قوله: و قيل، أو عادة ذوات أسنانها من بلدها.

(1) هذا الحكم ذكره الشيخ في المبسوط (6)، و جمع من الأصحاب. قال المصنف في المعتبر: و نحن نطالب بدليله، فإنه لم يثبت. و لو قال كما يغلب في الظن أنها كنسائها

____________

[1] راجع رجال النجاشي: (257- 676). و الفطحية: هم الذين قالوا بإمامة عبد اللّه بن جعفر الأفطح بعد أبيه جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام). و سمي الأفطح لأنه كان أفطح الرأس. (راجع فرق الشيعة للنوبختي: 77).

____________

(2) الخلاف (1: 73).

(3) المعتبر (1: 208).

(4) نهاية الأحكام (1: 139).

(5) كما في الذكرى: (30).

(6) المبسوط (1: 46).

18

فإن كنّ مختلفات جعلت حيضها في كل شهر سبعة أيام، أو عشرة من شهر و ثلاثة من الآخر، مخيّرة فيهما، و قيل: عشرة، و قيل: ثلاثة، و الأول أظهر (1)

____________

مع اتفاقهن يغلب في الأقران منعنا ذلك، فانّ ذوات القرابة بينها مشابهة في الطباع و الجنسية و الأصل، فقوى الظن مع اتفاقهن بمساواتها لهن، و لا كذا الأقران، إذ لا مناسبة تقتضيه لأنا نرى النسب يعطي شبها و لا نرى المقارنة لها أثر فيه (1).

و اعترضه الشهيد- (رحمه اللّه)- في الذكرى بأنّ لفظ نسائها دالّ عليه، لأن الإضافة تصدق بأدنى ملابسة، قال: و لما لا بسنها في السن و البلد صدق عليهن النساء، و أما المشاكلة فمع اتحاد السن و اتحاد البلد تحصل غالبا (2). و هذا كلامه- (رحمه اللّه).

و لا يخلو من نظر، لأن ذلك خلاف المتبادر من اللفظ، و لأن اللازم مما ذكره الاكتفاء باتحاد البلد أو السن، لصدق الملابسة معه، و لا قائل به.

هذا كله على تقدير العمل بالخبرين الأولين، و إلّا فالبحث ساقط من أصله.

قوله: فإن كنّ مختلفات جعلت حيضها في كل شهر سبعة أيام، أو عشرة من شهر و ثلاثة من الآخر، مخيّرة فيهما، و قيل: عشرة، و قيل: ثلاثة، و الأول أظهر.

(1) اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فقال الشيخ في الجمل في المبتدئة: إذا فقدت الأقارب و الأقران، أو اختلفن إنها تترك الصلاة في الشهر الأول أقل أيام الحيض، و في الشهر الثاني أكثر أيام الحيض، أو تترك الصلاة في كل شهر سبعة أيام (3). و نحوه قال

____________

(1) المعتبر (1: 208).

(2) الذكرى: (30).

(3) الجمل و العقود (الرسائل العشر): (163)، لكن الموجود في النسخة التي عندنا هذه العبارة فقط:

فلتترك الصلاة في كل شهر سبعة أيام مخيرة في ذلك.

19

..........

____________

في المبسوط (1). و قال في موضع آخر منه: إنها مع استمرار الدم تتحيض عشرة أيام، ثم تجعل طهرا عشرة أيام، ثم حيضا عشرة أيام و هكذا (2).

و حكى في المعتبر عن بعض فقهائنا أنها تجلس في كل شهر عشرا و هو أكثر أيام الحيض، لأنه زمان يمكن أن يكون حيضا (3).

و قال المرتضى- (رحمه اللّه)-: تجلس من ثلاثة إلى عشرة (4).

و قال ابن الجنيد- (رحمه اللّه)-: إنها تترك الصلاة في كل شهر ثلاثة أيام، و تصلي سبعة و عشرين يوما (5).

احتج الشيخ و من تبعه على التحيّض بالسبعة بمرسلة يونس عن الصادق (عليه السلام):

قال: «و تحيضي في كل شهر في علم اللّه سبعة أيام أو ستة أيام» (6) و مقتضاها التخيير بين الستة و السبعة، فلا وجه للاقتصار على السبعة.

و استدلوا على تحيّضها بالثلاثة و العشرة بما رواه الشيخ عن الحسن بن علي بن فضّال، عن عبد اللّه بن بكير، عن الصادق (عليه السلام)، قال: «المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها و استمر الدم تركت الصلاة عشرة أيام ثم تصلي عشرين يوما، فإن استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام و صلّت سبعة و عشرين يوما» قال الحسن، و قال

____________

(1) المبسوط (1: 47).

(2) المبسوط (1: 46).

(3) المعتبر (1: 209).

(4) نقله عنه في التنقيح الرائع (1: 104).

(5) نقله عنه في المختلف: (38).

(6) الكافي (3: 83- 1)، التهذيب (1: 381- 1183)، الوسائل (2: 547) أبواب الحيض ب (8) ح (3).

20

..........

____________

ابن بكير: هذا مما لا يجدون منه بدا (1).

و عن عبد اللّه بن بكير أيضا قال: في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة إنها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة، ثم صلّت فمكثت تصلي بقية شهرها، ثم تترك الصلاة في المرة الثانية أقل ما تترك امرأة الصلاة و تجلس أقلّ ما يكون من الطمث و هو ثلاثة أيام، فإن دام عليها الحيض صلّت في وقت الصلاة التي صلت و جعلت وقت طهرها أكثر ما يكون من الطهر و تركها الصلاة أقل ما يكون من الحيض (2).

و الأخبار الواردة في هذا الباب كلها ضعيفة السند، كما اعترف به المصنف في المعتبر (3)، و العلامة في المختلف (4). و مع ذلك فمقتضى روايتي ابن بكير التحيّض بالثلاثة دائما في غير الدور الأول، و لا دلالة لهما على التحيّض بالعشرة بعد الثلاثة كما ذكره الشيخ (5) و أتباعه (6).

قال المصنف في المعتبر بعد أن حكم بضعف الروايات الواردة في هذا الباب:

و الوجه عندي أن تتحيض كل واحدة منهما- يعني المبتدئة و المضطربة بالتفسير الذي ذكره- ثلاثة أيام، لأنه المتيقن في الحيض، و تصلي و تصوم بقية الشهر استظهارا،

____________

(1) التهذيب (1: 381- 1182)، الإستبصار (1: 137- 469)، الوسائل (2: 549) أبواب الحيض ب (8) ح (6).

(2) التهذيب (1: 400- 1251)، الإستبصار (1: 137- 470)، الوسائل (2: 549) أبواب الحيض ب (8) ح (5).

(3) المعتبر (1: 210).

(4) المختلف: (38).

(5) الاستبصار (1: 137)، و المبسوط (1: 47)، و النهاية: (25).

(6) كالقاضي ابن البراج في المهذب (1: 37).

21

[و ذات العادة]

و ذات العادة تجعل عادتها حيضا و ما سواه استحاضة، فإن اجتمع لها مع العادة تمييز، قيل: تعمل على العادة، و قيل: على التمييز، و قيل: بالتخيير و الأول أظهر. (1)

____________

و عملا بالأصل في لزوم العبادة (1). هذا كلامه- (رحمه اللّه). و لا يخلو من قوة، و يؤيده الروايتان المتقدمتان و الإجماع، فإن الخلاف إنما وقع في الزائد عن الثلاثة.

و اعلم أنّ مقتضى مرسلة يونس المتقدمة (2): تخييرها بين الستة و السبعة، و به قطع في المعتبر بناء على العمل بالرواية. و قوّى العلامة في النهاية وجوب العمل بما يؤدي اجتهادها إليه، لئلّا يلزم التخيير في السابع بين وجوب الصلاة و عدمه (3). و هو منقوض بأيام الاستظهار. و قال في المعتبر: إنه لا مانع من ذلك، إذ قد يقع التخيير في الواجب، كما يتخير المسافر بين الإتمام و القصر في بعض المواضع (4).

و متى اختارت عددا كان لها وضعه حيث شاءت من الشهر، و لا يتعين أوله و إن كان أولى.

و مقتضى خبري ابن بكير أخذ الثلاثة بعد العشرة، ثم أخذها بعد السبعة و العشرين دائما، و لا ريب أنه أولى.

قوله: و ذات العادة تجعل عادتها حيضا و ما سواه استحاضة، فإن اجتمع لها مع العادة تمييز، قيل: تعمل على العادة، و قيل: على التمييز، و قيل بالتخيير، و الأول أظهر.

(1) إذا اجتمعت العادة و التمييز فإن توافقا في الوقت، أو مضى بينهما أقلّ الطهر فلا

____________

(1) المعتبر (1: 210).

(2) في ص (19).

(3) نهاية الأحكام (1: 138).

(4) المعتبر (1: 211).

22

..........

____________

بحث. و إن اختلفا و لم يمكن الجمع بينهما، كما إذا رأت في العادة صفرة و قبلها أو بعدها بصفة الحيض و تجاوز المجموع العشرة أو لم يتخلل بينهما أقلّ الطهر، فقال الشيخ في الجمل، و المبسوط: ترجع إلى العادة (1)، و هو مذهب المفيد، و المرتضى (2)، و أتباعهم. و قال في النهاية: ترجع إلى التمييز (3). و حكى المصنف هنا قولا بالتخيير، و لم يذكره في المعتبر و لا غيره من الأصحاب. و المعتمد الأول.

لنا: الأخبار الكثيرة الدالة على اعتبار العادة مطلقا من غير تقييد بانتفاء التمييز، كقوله (عليه السلام) في صحيحة الحسين الصحاف: «فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها» (4).

و في صحيحة محمد بن عمرو بن سعيد: «تنتظر عدة ما كانت تحيض، ثم تستظهر بثلاثة أيام، ثم هي مستحاضة» (5).

احتج الشيخ- (رحمه اللّه)- على الرجوع إلى التمييز بقوله (عليه السلام) في حسنة حفص بن البختري: «إن دم الحيض حار عبيط أسود» (6) و غير ذلك من الأخبار المتضمنة لبيان الأوصاف (7).

____________

(1) الجمل و العقود (الرسائل العشر): (163)، و المبسوط (1: 49).

(2) نقله عنهما في المختلف: (39).

(3) النهاية: (24).

(4) الكافي (3: 95- 1)، التهذيب (1: 388- 1197)، الإستبصار (1: 140- 482)، الوسائل (2: 543) أبواب الحيض ب (5) ح (6).

(5) التهذيب (1: 172- 491)، الإستبصار (1: 149- 515)، الوسائل (2: 557) أبواب الحيض ب (13) ح (10).

(6) المتقدمة في ص (14).

(7) الوسائل (2: 534، 535) أبواب الحيض ب (1، 2).

23

[و هاهنا مسائل]

و هاهنا مسائل:

[الأولى: إذا كانت عادتها مستقرة عددا و وقتا]

الأولى: إذا كانت عادتها مستقرة عددا و وقتا. فرأت ذلك العدد متقدما على ذلك الوقت أو متأخرا عنه تحيّضت بالعدد و ألغت الوقت، لأن العادة تتقدم و تتأخر، و سواء رأته بصفة دم الحيض أو لم يكن. (1)

[الثانية: رأت الدم قبل العادة و في العادة]

الثانية: رأت الدم قبل العادة و في العادة، فإن لم يتجاوز العشرة فالكل

____________

و الجواب: أنّ صفة الدم يسقط اعتبارها مع العادة، لأن العادة أقوى في الدلالة، و لما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة و الكدرة في أيامها، قال: «لا تصل حتى تنقضي أيامها، فإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت و صلّت» (1).

و رجح المحقق الشيخ علي- (رحمه اللّه)- تقديم العادة المستفادة من الأخذ و الانقطاع، دون المستفادة من التمييز، حذرا من لزوم زيادة الفرع على أصله (2). و هو ضعيف.

قوله: الأولى، إذا كانت عادتها مستقرة عددا و وقتا فرأت ذلك العدد متقدما على ذلك الوقت أو متأخرا عنه تحيّضت بالعدد و ألقت الوقت، لأن العادة تتقدم و تتأخر، سواء رأته بصفة دم الحيض أو لم يكن.

(1) إطلاق العبارة يقتضي عدم وجوب الاحتياط إلى الثلاثة في ذات العادة مطلقا، و ربما قيل بوجوبه على من تقدم دمها العادة إلى أن تمضي الثلاثة، أو يحضر الوقت. و هو ضعيف. و قد تقدم الكلام في ذلك.

____________

(1) الكافي (3: 78- 1)، التهذيب (1: 396- 1230)، الوسائل (2: 540) أبواب الحيض ب (4) ح (1).

(2) جامع المقاصد (1: 39).

24

حيض، و إن تجاوز جعلت العادة حيضا، و كان ما تقدّمها استحاضة. و كذا لو رأت في وقت العادة و بعدها. و لو رأت قبل العادة و في العادة و بعدها، فإن لم يتجاوز فالجميع حيض، و إن زاد على العشرة فالحيض وقت العادة و الطرفان استحاضة.

[الثالثة: لو كانت عادتها في كل شهر مرة واحدة عددا معينا فرأت في شهر مرتين بعدد أيام العادة كان ذلك حيضا]

الثالثة: لو كانت عادتها في كل شهر مرة واحدة عددا معينا فرأت في شهر مرتين بعدد أيام العادة كان ذلك حيضا. و لو جاء في كل مرة أزيد من العادة لكان ذلك حيضا إذا لم يتجاوز العشرة، فإن تجاوز تحيّضت بقدر عادتها و كان الباقي استحاضة.

[و المضطربة العادة]

و المضطربة العادة ترجع إلى التمييز فتعمل عليه، (1)

____________

قوله: و المضطربة العادة ترجع إلى التمييز فتعمل عليه.

(1) يلوح من قول المصنف: فإن فقدت التمييز. أنّ المضطربة هي التي اضطرب عليها الدم و نسيت عادتها. و صرح في المعتبر (1) في هذه المسألة بأنّ المضطربة من لم تستقر لها عادة. و الأظهر رجوعها بتفسيريها إلى التمييز، لعموم الأدلة الدالة على ذلك.

قال بعض المحققين- و قد تقدم-: إن المضطربة من نسيت عادتها إما عددا، أو وقتا، أو عددا و وقتا. و الحكم برجوعها إلى التمييز مطلقا لا يستقيم (2)، لأن ذاكرة العدد الناسية للوقت لو عارض تمييزها عدد أيام العادة لم ترجع إلى التمييز، بناء على ترجيح العادة على التمييز، و كذا القول في ذاكرة الوقت ناسية العدد. و يمكن الاعتذار عنه بأنّ المراد برجوعها إلى التمييز ما إذا طابق تمييزها العادة، بدليل ما ذكر من ترجيح العادة على التمييز (3). هذا كلامه (رحمه اللّه).

____________

(1) المعتبر (1: 204).

(2) في «ق»، «م»، «س»، و المصدر: لا يستمر.

(3) كما في جامع المقاصد (1: 39).

25

و لا تترك هذه الصلاة إلا بعد مضي ثلاثة أيام على الأظهر، (1) فإن فقدت التميز فهنا مسائل ثلاث:

الأولى: ذكرت العدد و نسيت الوقت، قيل: تعمل في الزمان كلّه ما تعمله المستحاضة، و تغتسل للحيض في كل وقت يحتمل انقطاع الدم فيه، و تقضي صوم عادتها. (2)

____________

و لا يخفى أنه على هذا الاعتذار لا يظهر لاعتبار التمييز فائدة. و يمكن أن يقال باعتبار التمييز في الطرف المنسي خاصة، أو تخصيص المضطربة بالناسية للوقت و العدد (1).

قوله: و لا تترك هذه الصلاة إلا بعد مضي ثلاثة أيام على الأظهر.

(1) الضمير يعود إلى المضطربة الشاملة لأقسامها الثلاثة. و الحكم بوجوب الاحتياط عليها إنما يتم في ناسية الوقت، أما ذاكرته فإنها تتحيض برؤية الدم قطعا. و قد تقدم أنّ الأظهر تحيّض الجميع برؤية الدم إذا كان بصفة الحيض.

قوله: فإن فقدت التمييز فهنا مسائل ثلاث، الأولى: ذكرت العدد و نسيت الوقت قيل: تعمل في الزمان كلّه ما تعمله المستحاضة، و تغتسل للحيض في كل وقت يحتمل انقطاع الدم فيه، و تقضي صوم عادتها.

(2) القائل بذلك: هو الشيخ في المبسوط (2)، و لم يكتف بذلك بل أوجب عليها أيضا اجتناب ما تجتنبه الحائض، أخذا بمجامع الاحتياط. و ذهب الأكثر إلى أنها تتخير في وضع عددها في أي وقت شاءت من الشهر.

و موضع الخلاف ما إذا لم يحصل لها وقت معلوم في الجملة، بأن تضل العدد في وقت

____________

(1) في «ح» زيادة: و لعل هذا أولى.

(2) المبسوط (1: 51).

26

الثانية: ذكرت الوقت و نسيت العدد، فإن ذكرت أول حيضها أكملته ثلاثة، (1)

____________

يزيد نصفه عن ذلك العدد، أو يساويه. أما لو زاد العدد على نصف الزمان الذي تعلق به الإضلال، فإنه يتعين كون الزائد و ضعفه حيضا بيقين، و حينئذ فلا تعمل في الجميع عمل المستحاضة.

مثال الأول: إذا أضلّت خمسة أو أربعة في عشرة، فإنه لا حيض لها بيقين، لمساواة العدد لنصف الزمان أو نقصانه عنه.

و مثال الثاني: ما إذا أضلّت ستة في العشرة، فإن الخامس و السادس حيض بيقين، لاندراجهما بتقدير تقدم الحيض و تأخره و توسطه.

و من هنا يعلم أحكام مسائل المزج، فمنها ما لو قالت: الحيض ستة و كنت أمزج أحد نصفي الشهر بالآخر بيوم، فهذه أضلت ستة في العشرة الأواسط، فلها يومان حيض بيقين، و هما الخامس عشر و السادس عشر. و العشرة الاولى من الشهر طهر بيقين، و يتعلق احتمال الانقطاع بالسادس عشر إلى العشرين، فعلى الاحتياط تجمع في الأربعة الأولى (1) بين أفعال المستحاضة و تروك الحائض، و في الأربعة الثانية (2) بينهما و بين غسل الانقطاع عند كل صلاة. و على المشهور تضمّ إلى اليومين بقية العدد متقدما أو متأخرا أو بالتفريق. و رتّب على ذلك ما يرد عليك من نظائر هذه الأمثلة.

قوله: الثانية: ذكرت الوقت و نسيت العدد، فإن ذكرت أول حيضها أكملته ثلاثة.

(1) لتيقن كونها حيضا، و يبقى الزائد عنها إلى تمام العشرة مشكوكا فيه، فعلى الاحتياط تجمع بين التكاليف الثلاثة، و على القول برجوعها إلى الروايات تأخذ منها

____________

(1) أي: من اليوم الحادي عشر إلى الرابع عشر.

(2) أي: من اليوم السابع عشر إلى العشرين.

27

و إن ذكرت آخره جعلته نهاية الثلاثة، و عملت في بقية الزمان ما تعمله المستحاضة، و تغتسل للحيض في كل زمان يفرض فيه الانقطاع، (1) و تقضي صوم عشرة أيام احتياطا، ما لم يقصر الوقت الذي عرفته. (2)

____________

ما تختاره و يكون الباقي استحاضة. و رجح المصنف في المعتبر الاقتصار على الثلاثة، و التعبّد في باقي الشهر، أخذا بالمتيقن (1). و هو حسن.

قوله: و إن ذكرت آخره جعلته نهاية الثلاثة، و عملت في بقية الزمان ما تعمله المستحاضة، و تغتسل للحيض في كل زمان تفرض فيه الانقطاع.

(1) الكلام فيه كما سبق في ذاكرة الأول، غير أنها تقتصر في السبعة المتقدمة على أفعال المستحاضة، لعدم إمكان الانقطاع.

و لو علمت وسط الحيض، و هو ما بين الطرفين، فإن ذكرت يوما واحدا حفّته بيومين حيضا متيقنا. و لو ذكرت يومين حفتهما بآخرين، و كان الحكم في بقية الزمان كما تقدم.

و لو ذكرت وقتا في الجملة فهو الحيض المتيقن، فعلى الاحتياط تكمّله عشرة، تجمع فيها بين التكاليف الثلاثة، أو تجعله نهاية عشرة تجمع فيها بين تكليفي الحائض و المستحاضة خاصة. و على القول برجوعها إلى الروايات تجعله إحداهما (2) إن قصر عنها، قبله أو بعده، أو بالتفريق، و إن ساوى إحداها (3) كان لها الاقتصار عليه.

قوله: و تقضي صوم عشرة أيام احتياطا، ما لم يقصر الوقت الذي عرفته عن العشرة.

(2) كما لو تيقّنت أنّ حيضها يكون في كل شهر في التسعة الأولى، فإنه لا يجب قضاء

____________

(1) المعتبر (1: 220).

(2) قد تقرأ في بعض النسخ: إحداهما.

(3) في «م»، «س»، «ح»: إحداهما.

28

الثالثة: نسيتهما جميعا، فهذه تتحيض في كل شهر سبعة أيام أو ستة، أو عشرة من شهر و ثلاثة من آخر، ما دام الاشتباه باقيا. (1)

____________

العاشر، أو في الثمانية الاولى، فلا تقضي التاسع، و هكذا. هذا إذا علمت انتفاء الكسر، و إلّا تعيّن عليها قضاء أحد عشر، و زيادة يوم على العدد المحفوظ، لاحتمال التلفيق فيفسد اليومان.

قوله: الثالثة، نسيتهما جميعا فهذه تتحيض في كل شهر سبعة أيام أو ستة، أو عشرة من شهر و ثلاثة من آخر، ما دام الاشتباه باقيا.

(1) هذه هي المشهورة بين الفقهاء بالمتحيرة، و القول برجوعها إلى الروايات هو المعروف من المذهب، و نقل عليه في الخلاف الإجماع (1)، مع أنه أفتى في المبسوط (2) بوجوب الاحتياط عليها، و الجمع بين التكاليف. و كلا القولين مشكل.

أما الأول: فلضعف مستنده (3) بالإرسال، و بأنّ في طريقه محمد بن عيسى عن يونس (4). قال في الذكرى: و الشهرة في النقل و الإفتاء بمضمونه حتى عدّ إجماعا تدفعهما (5). و يؤيده أنّ حكمة الباري أجلّ من أن يدع أمرا مبهما تعم به البلوى، في كل زمان و مكان، و لم يبينه على لسان صاحب الشرع.

و أما الثاني: فلما فيه من العسر و الحرج المنفيين بالآية (6) و الرواية (7).

____________

(1) الخلاف (1: 76).

(2) المبسوط (1: 51).

(3) الذي يظهر أنّ مستنده هو رواية يونس الطويلة.

(4) قال في رجال النجاشي: (333- 896): و ذكر أبو جعفر بن بابويه، عن ابن الوليد أنه قال: ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس و حديثه لا يعتمد عليه.

(5) الذكرى: (32).

(6) الحج: (78).

(7) التهذيب (1: 37- 100)، الإستبصار (1: 20- 46)، الوسائل (1: 175) أبواب الماء المطلق ب (8) ح (11).

29

[و أما الأحكام]

و أما الأحكام فنقول:

دم الاستحاضة إما أن لا يثقب الكرسف، أو يثقبه و لا يسيل، أو يسيل.

و في الأول: يلزمها تغيير القطنة، و تجديد الوضوء عند كل صلاة، و لا تجمع بين صلاتين بوضوء واحد.

و في الثاني: يلزمها مع ذلك تغيير الخرقة، و الغسل لصلاة الغداة.

و في الثالث: يلزمها مع ذلك غسلان، غسل للظهر و العصر تجمع بينهما، و غسل للمغرب و العشاء تجمع بينهما. (1)

____________

و رجح المصنف في المعتبر أنها تتحيض بثلاثة أيام، و تصلي و تصوم بقية الشهر استظهارا، و عملا بالأصل في لزوم العبادة (1). و هو متجه.

قوله: و أما أحكامها فنقول: دم الاستحاضة إما أن لا يثقب الكرسف، أو يثقبه و لا يسيل، أو يسيل، و في الأول يلزمها تغيير القطنة و تجديد الوضوء عند كل صلاة و لا تجمع بين الصلاتين بوضوء واحد، و في الثاني يلزمها مع ذلك تغيير الخرقة و الغسل لصلاة الغداة و في الثالث يلزمها مع ذلك غسلان، غسل للظهر و العصر تجمع بينهما، و غسل للمغرب و العشاء تجمع بينهما.

(1) المشهور بين الأصحاب أنّ لدم الاستحاضة ثلاث مراتب: القلة، و التوسط، و الكثرة، فيجب على المستحاضة أن تعتبر نفسها، فإن لطّخ الدم باطن القطنة و لم يثقبها إلى ظاهرها، فالاستحاضة قليلة، و إن غمسها ظاهرا و باطنا و لم يسل منها إلى غيرها فمتوسطة، و إلّا فكثيرة. فهنا مسائل ثلاث:

الاولى: أن لا يثقب الدم الكرسف إلى ظاهره، و قد ذكر المصنف أنه يجب عليها

____________

(1) المعتبر (1: 210).

30

..........

____________

تغيير القطنة، و الوضوء لكل صلاة.

أما وجوب تغيير القطنة: فعلّل بعدم العفو عن هذا الدم في الصلاة، قليله و كثيره.

و هو غير جيد لما سيجيء- ان شاء اللّه تعالى- من العفو عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه مطلقا. و يظهر من العلامة- (رحمه اللّه)- في المنتهى دعوى الإجماع على ذلك، فإنه قال:

و لا خلاف عندنا في وجوب الإبدال (1)، و لعله الحجة.

و أما الوضوء لكل صلاة: فقال في المعتبر: إنه مذهب الخمسة و أتباعهم. و قال ابن أبي عقيل: لا يجب في هذه الحالة وضوء و لا غسل (2). و المعتمد الأول.

لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في المستحاضة، قال: «تصلي كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدم» (3).

و في الصحيح عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «و إن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت، و دخلت المسجد، و صلّت كل صلاة بوضوء» (4).

و احتج ابن أبي عقيل- على ما نقل عنه- بصحيحة ابن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر، و تصلي الظهر و العصر، ثم تغتسل عند المغرب، و تصلي المغرب و العشاء، ثم تغتسل عند الصبح، و تصلي الفجر» (5). قال: و ترك الوضوء يدل على عدم وجوبه (6).

____________

(1) منتهى المطلب (1: 120).

(2) المعتبر (1: 242).

(3) التهذيب (1: 169- 483)، الوسائل (2: 607) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (9).

(4) الكافي (3: 88- 2)، التهذيب (1: 107- 277)، (170- 484)، الوسائل (2: 604) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (1).

(5) الكافي (3: 90- 5)، التهذيب (1: 171- 487)، الوسائل (2: 605) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (4).

(6) نقله عنه في المختلف: (40).

31

..........

____________

و الجواب: أنّ هذه الرواية إنما تدل على سقوط الوضوء مع الاغتسال، و هو غير محل النزاع.

و قوله- (رحمه اللّه)-: و لا تجمع بين صلاتين بوضوء تأكيد للكلام السابق.

قال الشارح(قدّس سرّه): و فيه ردّ على المفيد- (رحمه اللّه)- حيث اكتفى بوضوء واحد للظهرين، و وضوء للعشاءين كالغسل (1). و فيه نظر فإن المفيد لا يقول بالاجتزاء بالوضوء الواحد للظهرين و العشاءين في هذا القسم، و إنما اجتزأ به مع الغسل، كما هو صريح عبارة المقنعة (2) و سيجيء الكلام فيه.

الثانية: أن يثقب الدم الكرسف و لا يسيل. و ذكر المصنف أنه يجب عليها مع ذلك تغيير الخرقة، و الغسل لصلاة الغداة. أما تغيير الخرقة فالكلام فيه كما سبق.

و أما الغسل لصلاة الغداة، و الوضوء للصلوات الأربع، فقال في المعتبر: إنه مذهب شيخنا المفيد- (رحمه اللّه)- في المقنعة، و الطوسي في النهاية و المبسوط و الخلاف، و المرتضى، و ابني بابويه (3).

و نقل عن ابن الجنيد، و ابن أبي عقيل: أنهما سويّا بين هذا القسم و بين الثالث في وجوب ثلاثة أغسال (4). و به جزم المصنف في المعتبر، فقال: و الذي ظهر لي: أنه إن ظهر الدم على الكرسف وجب ثلاثة أغسال، و إن لم يظهر لم يكن عليها غسل، و كان عليها الوضوء لكل صلاة (5). و رجحه العلامة في المنتهى أيضا (6). و إليه ذهب شيخنا

____________

(1) المسالك (1: 11).

(2) المقنعة: (7).

(3) المعتبر (1: 243).

(4) نقله عنهما في المختلف: (40)

(5) المعتبر (1: 245).

(6) منتهى المطلب (1: 120).

32

..........

____________

المعاصر (1). و هو المعتمد.

لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «المستحاضة تنتظر أيامها فلا تصلي فيها و لا يقربها بعلها، فإذا جازت أيامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر، تؤخر هذه و تعجل هذه، و للمغرب و العشاء غسلا، تؤخر هذه و تعجل هذه، و تغتسل للصبح» (2).

و ما رواه الكليني- (رحمه اللّه)- في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر، و تصلي الظهر و العصر، ثم تغتسل عند المغرب، فتصلي المغرب و العشاء، ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر، و لا بأس أن يأتيها بعلها إذا شاء، إلّا أيام حيضها فيعتزلها زوجها، قال، و قال: لم تفعله امرأة احتسابا إلا عوفيت من ذلك» (3). و هي مطلقة في وجوب الأغسال الثلاثة، خرج منها من لم يثقب دمها الكرسف بالنصوص المتقدمة فيبقى الباقي مندرجا في الإطلاق.

و مثلها صحيحة صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال، قلت له:

جعلت فداك إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم ثم طهرت، فمكثت ثلاثة أيام طاهرا ثم رأت الدم بعد ذلك، أ تمسك عن الصلاة؟ قال: «لا، هذه مستحاضة، تغتسل و تستدخل قطنة بعد قطنة، و تجمع بين صلاتين بغسل، و يأتيها زوجها إذا أراد» (4).

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان (1: 155).

(2) التهذيب (1: 106- 277)، و (170- 484) (بتفاوت يسير)، الوسائل (2: 604) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (1). رواها أيضا في الكافي (3: 88- 2).

(3) الكافي (3: 90- 5)، الوسائل (2: 605) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (4)، رواها أيضا في التهذيب (1: 171- 487).

(4) الكافي (3: 90- 6)، التهذيب (1: 170- 486)، الوسائل (2: 604) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (3).

33

..........

____________

احتج المفصلون بصحيحة الحسين بن نعيم الصحاف، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث قال فيها: «ثم لتنظر، فإن كان الدم فيما بينها و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ و لتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف، فإن طرحت الكرسف عنها و سال الدم وجب عليها الغسل. و إن طرحت الكرسف و لم يسل الدم فلتتوضأ و لتصل و لا غسل عليها. قال: و إن كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقى فإنّ عليها أن تغتسل في كل يوم و ليلة ثلاث مرات» (1).

و صحيحة زرارة قال، قلت: النفساء متى تصلي؟ قال: «تقعد قدر حيضها و تستظهر بيومين، فإن انقطع الدم و إلّا اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت، فإن جاز الدم الكرسف تعصبت و اغتسلت، ثم صلّت الغداة بغسل، و الظهر و العصر بغسل، و المغرب و العشاء بغسل، و إن لم يجز الكرسف صلّت بغسل واحد» (2).

و الجواب عن الرواية الاولى: أنّ موضع الدلالة فيها قوله (عليه السلام): «فإن طرحت الكرسف عنها و سال الدم وجب عليها الغسل». و هو غير محل النزاع، فإنّ موضع الخلاف ما إذا لم يحصل السيلان، مع أنّه لا إشعار في الخبر بكون الغسل للفجر، فحمله على ذلك تحكم، و لا يبعد حمله على الجنس، و يكون تتمة الخبر كالمبيّن له.

و عن الرواية الثانية: أنها قاصرة من حيث السند بالإضمار، و من حيث المتن:

بأنها لا تدل على ما ذكروه نصا، فإنّ الغسل لا يتعيّن كونه لصلاة الفجر، بل و لا للاستحاضة، لجواز أن يكون المراد به غسل النفاس، فيمكن الاستدلال بها على المساواة بين القسمين.

____________

(1) الكافي (3: 95- 1)، التهذيب (1: 168- 482)، الإستبصار (1: 140- 482)، الوسائل (2:

606) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (7).

(2) الكافي (3: 99- 4)، الوسائل (2: 605) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (5).

34

..........

____________

الثالثة: أن يسيل الدم، بأن يتعدّى الكرسف إلى غيره بنفسه. و قد أجمع الأصحاب على وجوب الأغسال الثلاثة في هذا القسم، و إنما الخلاف في وجوب الوضوء معها، و تعدّده بتعدد الصلاة، فاقتصر الشيخ في النهاية و المبسوط على الأغسال (1)، و كذا المرتضى (2)، و ابنا بابويه (3)، و ابن الجنيد (4). و قال المفيد- (رحمه اللّه)-: تصلي بوضوئها و غسلها الظهر و العصر معا على الاجتماع، و تفعل مثل ذلك في المغرب و العشاء، و تفعل مثل ذلك لصلاة الليل و الغداة (5).

و نقل عن ابن إدريس أنه أوجب على هذه مع الأغسال الثلاثة الوضوء لكل صلاة (6)، و إليه ذهب عامة المتأخرين، تمسكا بعموم قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (7). و هو متمسك ضعيف، إذ من المعلوم تقييد الأمر بمن كان محدثا، و لم يثبت كون الدم الخارج بعد الغسل على هذا الوجه حدثا، لأن ذلك إنما يستفاد بتوقيف الشارع، و هو منتف.

و قد بالغ المصنف في المعتبر في نفي هذا القول و التشنيع على قائله فقال: و ظنّ غالط من المتأخرين أنه يجب على هذه مع هذه الأغسال وضوء مع كل صلاة، و لم يذهب إلى ذلك أحد من طائفتنا. و يمكن أن يكون غلطه لما ذكره الشيخ في المبسوط و الخلاف: إنّ المستحاضة لا تجمع بين فرضين بوضوء، فظن انسحابه على مواضعها، و ليس على ما ظن،

____________

(1) النهاية: (28)، المبسوط: (1: 67).

(2) كما في المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): (188).

(3) الفقيه (1: 50)، المقنع: (15)، و نقله عنهما في المعتبر (1: 247).

(4) نقله عنه في المختلف: (40)، و المعتبر (1: 244).

(5) كما في المقنعة: (7).

(6) السرائر: (30).

(7) المائدة: (6).

35

..........

____________

بل ذلك مختص بالموضع الذي يقتصر فيه على الوضوء (1).

و يدل على الاجتزاء بالأغسال هنا مضافا إلى العمومات الدالة على ذلك ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «فإن جاز الدم الكرسف تعصّبت و اغتسلت ثم صلّت الغداة بغسل، و الظهر و العصر بغسل، و المغرب و العشاء بغسل» (2). و في صحيحة ابن سنان: «تغتسل عند صلاة الظهر و تصلي.» (3).

و لم أقف لمن أوجب الوضوء هنا على حجة سوى عموم قوله (عليه السلام): «في كل غسل وضوء الا غسل الجنابة» (4) و قد تقدم الكلام عليه متنا و سندا (5).

و ينبغي التنبيه لأمور:

الأول: اعتبار الجمع بين الصلاتين إنما هو ليحصل الاكتفاء بغسل واحد، فلو أفردت كل صلاة بغسل جاز قطعا، و جزم في المنتهى باستحبابه (6).

الثاني: اشترط جماعة من الأصحاب في صحة صلاتها معاقبتها للغسل، و هو حسن. و لا يقدح في ذلك الاشتغال بنحو الاستقبال و الأذان و الإقامة من مقدمات الصلاة.

و في اعتبار معاقبة الصلاة للوضوء قولان، أحدهما: نعم، لاستمرار الحدث (7).

____________

(1) المعتبر (1: 247).

(2) الكافي (3: 99- 4)، الوسائل (2: 605) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (5).

(3) الكافي (3: 90- 5)، التهذيب (1: 171- 487)، الوسائل (2: 605) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (4).

(4) التهذيب (1: 143- 403)، (303- 881)، الوسائل (1: 516) أبواب الجنابة ب (35) ح (2).

(5) في ج 1 ص (358).

(6) منتهى المطلب (1: 122).

(7) كما في السرائر: (30)، و المبسوط (1: 68).

36

..........

____________

و الثاني: لا، للأصل، و هو خيرة المختلف (1).

الثالث: قيل: المعتبر في قلة الدم و كثرته بأوقات الصلاة، و هو خيرة الشهيد في الدروس (2). و قيل: إنه كغيره من الأحداث، متى حصل كفى في وجوب موجبه، و اختاره الشهيد في البيان (3)، و قواه جدي في روض الجنان (4)، تمسكا بإطلاق الروايات المتضمنة لكون الاستحاضة موجبة للوضوء أو الغسل (5)، و بقوله (عليه السلام) في خبر الصحاف: «فلتغتسل و تصلي الظهرين ثم لتنظر، فإن كان الدم لا يسيل فيما بينها و بين المغرب فلتتوضأ و لا غسل عليها، و إن كان إذا أمسكت يسيل من خلفه صبيبا فعليها الغسل» (6).

و ذكر شيخنا الشهيد في الذكرى: إن هذه الرواية مشعرة باعتبار وقت الصلاة (7).

و هو غير واضح، و لا ريب أنّ الأول أحوط (8).

و يتفرع عليهما: ما لو كثر قبل الوقت ثم طرأت القلة، فعلى الثاني يجب الغسل للكثرة المتقدمة، و على الأول لا غسل عليها ما لم يوجد في الوقت متصلا أو طارئا، و لو تجددت الكثرة بعد صلاة الظهرين و انقطعت قبل الغروب وجب عليها الغسل على الثاني دون الأول.

____________

(1) المختلف: (41).

(2) الدروس: (7).

(3) البيان: (21).

(4) روض الجنان: (85).

(5) الوسائل (2: 604) أبواب الاستحاضة ب (1).

(6) الكافي (3: 95- 1)، التهذيب (1: 168- 482)، الإستبصار (1: 140- 482)، الوسائل (2:

606) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (7).

(7) الذكرى: (30).

(8) في «م»: أجود.

37

و إذا فعلت ذلك صارت بحكم الطاهر. (1)

____________

الرابع: لم يتعرض الأصحاب لبيان زمان اعتبار الدم و لا لقدر القطنة، مع أنّ الحال قد يختلف بذلك. و الظاهر أنّ المرجع فيهما إلى العادة.

قوله: و إذا فعلت ذلك كانت بحكم الطاهرة.

(1) الظاهر أنّ المشار إليه بذلك: جميع ما تقدم من الغسل و الوضوء و تغيير القطنة و الخرقة بحسب اختلاف حال الدم.

و المراد من كونها بحكم الطاهر: أنّ جميع ما يصحّ من الطاهر من الأمور المشروطة بالطهارة يصح منها، فتصح صلاتها و صومها و دخولها المساجد مطلقا، و يأتيها زوجها إن شاء. و هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء. و الأظهر جواز دخولها المساجد بدون ذلك.

و في جواز إتيانها قبله أقوال، أظهرها: الجواز مطلقا، و هو خيرة المصنف في المعتبر (1)، لعموم قوله تعالى (فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) (2)، و قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان: «و لا بأس أن يأتيها بعلها متى شاء إلّا في أيام حيضها» (3)، و في صحيحة صفوان بن يحيى: «و يأتيها زوجها إذا أراد» (4).

و قيل بتوقفه على الغسل خاصة (5)، لقوله (عليه السلام) في رواية عبد الملك بن أعين:

____________

(1) المعتبر (1: 249).

(2) البقرة: (222).

(3) الكافي (3: 90- 5)، التهذيب (1: 171- 487)، الوسائل (2: 605) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (4).

(4) الكافي (3: 90- 6)، التهذيب (1: 170- 486)، الوسائل (2: 604) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (3).

(5) كما في الهداية: (22).

38

و إن أخلّت بذلك لم تصحّ صلاتها، (1) و إن أخلّت بالأغسال لم يصحّ صومها. (2)

____________

في المستحاضة: «و لا يغشاها حتى يأمرها بالغسل» (1) و في السند ضعف (2)، و في المتن احتمال لأن يكون الغسل المأمور به غسل الحيض.

و قيل باشتراط الوضوء أيضا (3) لقوله (عليه السلام) في رواية زرارة و فضيل: «فإذا أحلت لها الصلاة حلّ لزوجها أن يغشاها» (4) و هي مع ضعف سندها (5) و خلوها من ذكر الوضوء لا تدل على المطلوب، بل ربما دلّت على نقيضه، إذ الظاهر أنّ المراد من حلّ الصلاة: الخروج من الحيض، كما يقال: لا تحلّ الصلاة في الدار المغصوبة، فإذا خرجت حلّت، فان معناه: زوال المانع الغصبي، و إن افتقر بعد الخروج منها إلى الطهارة و غيرها من الشرائط.

قوله: و إن أخلّت بذلك لم تصحّ صلاتها.

(1) و ذلك لأنها إما محدثة أو ذات نجاسة لم يعف عنها. و قد تقدم الكلام في ذلك.

قوله: و إن أخلّت بالأغسال لم يصحّ صومها.

(2) هذا مذهب الأصحاب، و الأصل فيه ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار، قال، كتبت إليه: امرأة طهرت من حيضها أو نفاسها من أول شهر رمضان، ثم استحاضت و صلّت و صامت شهر رمضان من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة: من

____________

(1) التهذيب (1: 402- 1257)، الوسائل (2: 609) أبواب الاستحاضة ب (3) ح (1). (و الموجود هو رواية علي بن رئاب عن مالك بن أعين و الظاهر هو الصواب. (راجع معجم رجال الحديث (12: 18) و جامع الرواة 2: 37).

(2) لعل وجه الضعف هو وقوع علي بن الحسن بن فضال في طريقها و هو فطحي، و طريق الشيخ إليه ضعيف بعلي بن محمد بن الزبير (راجع معجم رجال الحديث 11: 337).

(3) كما في المبسوط (1: 67).

(4) التهذيب (1: 401- 1253)، الوسائل (2: 608) أبواب الاستحاضة ب (1) ح (12).

(5) الوجه المتقدم في هامش (2).

39

..........

____________

الغسل لكل صلاتين، فهل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب: «تقضي صومها و لا تقضي صلاتها، لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يأمر فاطمة (عليها السلام) و المؤمنات من نسائه بذلك» (1). و هي مع كونها مضمرة، متروكة الظاهر، من حيث تضمّنها إيجاب قضاء الصوم دون الصلاة.

قال الشيخ في التهذيب: قال محمد بن الحسن: لم يأمرها بقضاء الصلاة إذا لم تعلم أنّ عليها لكل صلاتين غسلا، و لا تعلم ما يلزم المستحاضة، فأما مع العلم بذلك و الترك له على العمد يلزمها القضاء (2).

و فيه إنه إن بقي الفرق بين الصوم و الصلاة فالإشكال بحاله، و إن حكم بالمساواة بينهما و نزل قضاء الصوم على حالة العلم و عدم قضاء الصلاة على حالة الجهل فتعسف ظاهر. و حملها شيخنا المعاصر على أنّ المراد أنه لا يجب عليها قضاء جميع الصلوات، لأن منها ما كان واقعا في الحيض (3)، و هو بعيد أيضا.

و يظهر من الشيخ في المبسوط التوقف في هذا الحكم، حيث أسنده إلى رواية الأصحاب (4)، و هو في محله.

و اعلم أنّ إطلاق العبارة يقتضي أنّ إخلال المستحاضة بشيء من الأغسال مقتض لفساد الصوم (و هو مشكل، و قيدها الشارحون (5) بالأغسال النهارية، و قطعوا بعدم

____________

(1) الكافي (4: 136- 6)، التهذيب (4: 310- 937)، الفقيه (2: 94- 419)، الوسائل (2: 590) أبواب الحيض ب (41) ح (7) (بتفاوت يسير).

(2) التهذيب (4: 311).

(3) مجمع الفائدة و البرهان (5: 48).

(4) المبسوط (1: 68).

(5) كما في المسالك (1: 11).

40

..........

____________

توقف صوم اليوم على غسل الليلة المستقبلة و ترددوا في غسل الليلة الماضية) (1).

و فصّل جدي في روض الجنان فقال: و الحق أنها إن قدّمت غسل الفجر ليلا أجزأها عن غسل العشاءين بالنسبة إلى الصوم، و إن أخّرته إلى الفجر بطل الصوم هنا (و إن لم نبطله لو لم يكن غيره) (2) (3).

و المسألة محل توقف، فإنّ الرواية مع تسليم سندها إنما تدل على فساد الصوم بترك الأغسال كلها، فإثبات هذه الأحكام (4) مشكل. و كيف كان فيجب القطع بعدم وجوب تقديم غسل الفجر عليه، بل يكفي فعله للصلاة، و أنّ الإخلال بما يجب عليها من الأغسال إنما يوجب القضاء خاصة، و اللّه أعلم.

و هنا مباحث:

الأول: نقل عن الشيخ أنه حكم بأنّ انقطاع دم الاستحاضة موجب للوضوء (5).

و قيّده بعض الأصحاب بكونه انقطع للبرء، أي الشفاء (6). و هو حسن، لكن لا يخفى أنّ الموجب له في الحقيقة هو الدم السابق على الانقطاع، لا نفس الانقطاع، و أنّ دم الاستحاضة يوجب الوضوء تارة و الغسل أخرى، فإسناد الإيجاب إلى الانقطاع،

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «س»: و ربما قيل باختصاص الحكم بالأغسال النهارية. دون الليلية. و صرح جدي(قدّس سرّه) في جملة من كتبه بعدم توقف الصوم الماضي على غسل الليلة المستقبلة لسبق.

صحته قبل وجوب الغسل. و استقرب توقف الصوم المقبل على اغتسال الليلة الماضية.

(2) روض الجنان: (87).

(3) بدل ما بين القوسين في «م»، «ق»، «ح»: و إن كان تقديم الغسل على الفجر هنا غير واجب لولا ذلك. و ما أثبتناه هو المطابق للمصدر. و معناها: و إن لم نقل بأنّ تأخير غسل الفجر خاصة موجب لبطلان الصوم.

(4) في «س»: ما زاد على ذلك.

(5) المبسوط (1: 68).

(6) كما في التحرير (1: 16).

41

..........

____________

و الاقتصار على إيجاب الوضوء خاصة لا يستقيم.

قال في الذكرى: و هذه المسألة لم نظفر فيها بنص من قبل أهل البيت (عليهم السلام)، و لكن ما أفتى به الشيخ هو قول العامة، بناء منهم على أنّ حدث الاستحاضة يوجب الوضوء لا غير، فإذا انقطع بقي على ما كان عليه، و لما كان الأصحاب يوجبون به الغسل فليكن مستمرا (1). هذا كلامه- (رحمه اللّه). و محصله أنّ الحدث هو دم الاستحاضة، فينبغي أن يترتب عليه مسببه، وضوءا كان أو غسلا. و لو قلنا إنّ المعتبر فيه وقوعه في أوقات (2) الصلاة وجب اعتباره هنا.

الثاني: لو توضأت و دمها بحاله، فانقطع بعد الطهارة قبل الدخول في الصلاة، قال في المبسوط (3): استأنفت الوضوء، لأن دمها حدث و قد زال العذر و ظهر حكم الحدث، و لو انقطع بعد الدخول في الصلاة لم يجب الاستيناف، لأنها دخلت في الصلاة دخولا مشروعا و لا دليل على إيجاب الخروج. و في الفرق نظر، إذ الوجه المقتضي لوجوب الاستئناف في الصورة الأولى موجود في الثانية، لأن الحدث كما يمنع من ابتداء الدخول في الصلاة يمنع من استدامتها، و التمسك بالاستصحاب ضعيف كما سبق تقريره مرارا.

و مال في المعتبر إلى عدم وجوب الاستئناف مطلقا (4)، لأن خروج دمها بعد الطهارة معفو عنه، فلم يكن مؤثرا في نقضها، و الانقطاع ليس بحدث. و هو متجه.

و ما أورده عليه في الذكرى (5)، من أنّ العفو عن الدم الخارج بعد الطهارة إنما هو مع

____________

(1) الذكرى: (31).

(2) في «س» و «ح»: في أول أوقات.

(3) المبسوط (1: 68).

(4) المعتبر (1: 250).

(5) الذكرى: (31).

42

[الفصل الرابع: في النفاس]

الفصل الرابع: في النفاس النفاس: دم الولادة، (1)

____________

استمرار الدم لا مع الانقطاع، مدفوع بعموم الإذن لها في الصلاة بعد الوضوء، المقتضي للعفو عما يخرج منها من الدم بعد ذلك مطلقا.

الثالث: يجب على المستحاضة الاستظهار في منع الدم من التعدي بقدر الإمكان، كما يدل عليه الأمر في الأخبار بالاحتشاء و الاستثفار. و كذا يلزم من به السلس و البطن، لقوله (عليه السلام) و قد سئل عن الرجل يقطر منه البول: «يجعل خريطة إذا صلى» (1).

قال في المعتبر: و لا يجب على من به السلس أو جرح لا يرقى أن يغير الشداد عند كل صلاة، و إن وجب ذلك في المستحاضة، لاختصاص الاستحاضة بالنقل، و التعدي قياس (2).

قوله: النفاس دم الولادة.

(1) النفاس بالكسر: ولادة المرأة، يقال: نفست المرأة، و نفست، بضم النون و فتحها، و في الحيض، بالفتح لا غير، قاله الهروي في الغريبين (3).

و هو مأخوذ إما من النفس: و هو الدم أو الولد، أو من تنفس الرحم بالدم. و قد نقله الفقهاء عن معناه اللغوي إلى معنى آخر، و هو الدم الخارج من الرحم عقيب الولادة أو معها، قاله الشيخ في المبسوط و الخلاف (4). و قال المرتضى في المصباح: النفاس هو

____________

(1) التهذيب (1: 351- 1037)، الوسائل (1: 211) أبواب نواقض الوضوء ب (19) ح (5).

(2) المعتبر (1: 251).

(3) الغريبين «نفس».

(4) المبسوط (1: 68)، الخلاف (1: 78).

43

..........

____________

الدم الذي تراه المرأة عقيب الولادة. و نحوه كلام الشيخ في الجمل (1).

و مقتضى ذلك أنّ الخارج مع الولادة لا يكون نفاسا. و هو بعيد، لحصول المعنى المشتق منه، و خروجه بسبب الولادة، فيتناوله إطلاق النصوص.

قال المصنف في المعتبر بعد إيراد القولين: و التحقيق أنّ ما تراه مع الطلق ليس بنفاس، و كذا ما تراه عند الولادة قبل خروج الولد، أما ما يخرج بعد ظهور شيء من الولد فهو نفاس (2). و كأنه- (رحمه اللّه)- أراد بذلك رفع الخلاف، و به صرح في المختلف فإنه قال: و الظاهر أنه لا منافاة بينهما، فإن كلام الشيخ في الجمل محمول على الغالب، لا أنّ النفاس يجب أن يكون عقيب الولادة (3). و هو حسن.

و تصدق الولادة بخروج جزء مما يعدّ آدميا، أو مبدأ نشوء آدمي، و لو كان مضغة مع اليقين، على ما قطع به المصنف و غيره. أما العلقة و النطفة فقد قطع المصنف في المعتبر (4)، و العلامة في المنتهى (5) بعدم ترتب الحكم عليهما.

و قال في الذكرى: إنه لو فرض العلم بكونه مبدأ نشوء إنسان بقول أربع من القوابل كان نفاسا (6). و توقف فيه بعض المحققين، لانتفاء التسمية (7). و اعترضه جدي: بأنّه لا وجه للتوقف بعد فرض العلم (8). و فيه: إنّ منشأ التوقف عدم صدق الولادة عرفا، و إن علم أنه علقة، فالتوقف في محله.

____________

(1) الجمل و العقود «الرسائل العشر»: (165).

(2) المعتبر (1: 252).

(3) المختلف: (41).

(4) المعتبر (1: 252).

(5) منتهى المطلب (1: 123).

(6) الذكرى: (33).

(7) منهم المحقق الكركي في جامع المقاصد (1: 47).

(8) روض الجنان: (88).

44

و ليس لقليله حدّ، فجائز أن يكون لحظة واحدة. (1) و لو ولدت و لم تر دما لم يكن لها نفاس. (2) و لو رأت قبل الولادة كان طهرا. (3)

____________

قوله: و ليس لقليله حدّ، فجائز أن يكون لحظة واحدة.

(1) هذا مذهب علمائنا و أكثر العامة، لأن الشرع لم يقدره، فيرجع فيه إلى الوجود، و لما رواه علي بن يقطين في الصحيح عن أبي الحسن (عليه السلام)، إنه سأله عن النفساء، قال: «تدع الصلاة ما دامت ترى الدم العبيط» (1).

قوله: و لو ولدت و لم تر دما لم يكن لها نفاس.

(2) المراد أنها لم تر دما في الأيام المحكوم بكون الدم الموجود فيها نفاسا. و قد أجمع الأصحاب على أنّ النفاس لا يكون إلّا مع الدم، لأصالة البراءة مما لم يقم دليل على ثبوته.

و خالف في ذلك بعض العامة، فأوجب الغسل بخروج الولد (2)، و جعله بعضهم حدثا أصغر (3). و كلاهما باطل، لأنه إيجاب شيء لا دليل عليه. و حكى المصنف في المعتبر: أنّ امرأة ولدت على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم تر دما، فسمّيت الجفوف (4).

قوله: و لو رأت قبل الولادة كان طهرا.

(3) لأنه ليس بنفاس إجماعا، و لا حيض عند المصنف و من قال بمقالته (5). و على ما اخترناه يجب الحكم بكونه حيضا مع إمكانه.

و في اشتراط تخلّل أقل الطهر بينه و بين النفاس قولان، أظهرهما: العدم، و هو خيرة

____________

(1) التهذيب (1: 174- 497)، الوسائل (2: 615) أبواب النفاس ب (3) ح (16).

(2) منهم الزهري في السراج الوهاج: (33).

(3) منهم المرداوي في الإنصاف (1: 386).

(4) المعتبر (1: 253).

(5) أي: من قال بعدم اجتماع الحيض مع الحمل.

45

و أكثر النفاس عشرة أيام على الأظهر. (1)

____________

العلامة في التذكرة و المنتهى (1).

قوله: و أكثر النفاس عشرة أيام على الأظهر.

(1) اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فقال الشيخ في النهاية: و لا يجوز لها ترك الصلاة و لا الصوم إلّا في الأيام التي كانت تعتاد فيها الحيض- ثم قال بعد ذلك-: و لا يكون حكم نفاسها أكثر من عشرة أيام (2)، و نحوه قال في الجمل و المبسوط (3).

و قال المفيد- (رحمه اللّه)- في المقنعة: و أكثر النفاس ثمانية عشر يوما- ثم قال-:

و قد جاءت الأخبار المعتمدة أن أقصى مدة النفاس عشرة أيام، و عليها أعمل لوضوحها عندي (4).

و قال المرتضى: أكثر أيام النفاس ثمانية عشر يوما (5). و هو اختيار ابن الجنيد (6)، و ابن بابويه في كتابه (7). و قال ابن أبي عقيل في كتابه المتمسك [8]: أيامها عند آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أيام حيضها، و أكثره أحد و عشرون يوما، فإن انقطع دمها في تمام حيضها صلّت و صامت، و إن لم ينقطع صبرت ثمانية عشر يوما، ثم استظهرت

____________

[8] قال في رجال النجاشي: (48- 100) في معرض ترجمة ابن أبي عقيل ما نصه: الحسن بن علي بن أبي عقيل: أبو محمد العماني الحذاء، فقيه متكلم ثقة له كتب في الفقه و الكلام منها: كتاب المتمسك بحبل آل الرسول كتاب مشهور في الطائفة، و قيل ما ورد حاج من خراسان إلا طلب و اشتري منه نسخ.

____________

(1) التذكرة (1: 36)، و منتهى المطلب (1: 97).

(2) النهاية: (29).

(3) الجمل و العقود (الرسائل العشر): (165)، المبسوط (1: 69).

(4) المقنعة: (7).

(5) الانتصار: (35).

(6) نقله عنه في المختلف: (41).

(7) الفقيه (1: 55).

46

..........

____________

بيوم أو يومين. و إن كانت كثيرة الدم صبرت ثلاثة أيام ثم اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت (1).

و ذهب جماعة منهم: العلامة في جملة من كتبه (2)، و الشهيد في الذكرى (3) إلى أنّ ذات العادة المستقرة في الحيض تتنفس بقدر عادتها، و المبتدئة بعشرة أيام. و اختار في المختلف أنّ ذات العادة ترجع إلى عادتها، و المبتدئة تصبر ثمانية عشر يوما (4).

و الأخبار الواردة في هذه المسألة (5) مختلفة جدا على وجه يشكل الجمع بينها، فمنها: ما يدل على أن أيام النفاس هي أيام الحيض، و هي كثيرة، فمن ذلك: ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «النفساء تكفّ عن الصلاة أيامها التي كانت تمكث فيها، ثم تغتسل كما تغتسل المستحاضة» (6).

و في الصحيح أيضا عن زرارة قال، قلت له: النفساء متى تصلي؟ قال: «تقعد بقدر حيضها، و تستظهر بيومين، فإن انقطع الدم و إلا اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت» (7).

و في الحسن عن الفضيل بن يسار و زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

«النفساء تكفّ عن الصلاة أيام أقرائها التي كانت تمكث فيها، ثم تغتسل و تعمل كما

____________

(1) نقله عنه في المعتبر (1: 253).

(2) المختلف: (41)، و القواعد (1: 16).

(3) الذكرى: (33).

(4) المختلف: (41).

(5) الوسائل (2: 611) أبواب النفاس ب (3).

(6) التهذيب (1: 173- 495)، الوسائل (2: 611) أبواب النفاس ب (3) ح (1).

(7) الكافي (3: 99- 4)، التهذيب (1: 173- 496)، الوسائل (2: 616) أبواب النفاس ب (3) ح (2).

47

..........

____________

تعمله المستحاضة» (1).

و في الصحيح، عن يونس بن يعقوب، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

«النفساء تجلس أيام حيضها التي كانت تحيض، ثم تستظهر و تغتسل و تصلي» (2).

و عن مالك بن أعين، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن النفساء يغشاها زوجها و هي في نفاسها من الدم؟ قال: «نعم إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر عدة أيام حيضها ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعد أن يغشاها زوجها، يأمرها فتغتسل ثم يغشاها إن أحب» (3).

قال الشيخ في التهذيب و الاستبصار: و قد روينا عن ابن سنان أن أيام النفاس مثل أيام الحيض (4). و لم نقف على هذه الرواية في الكتابين.

و منها: ما يدل على أنّ أيام النفاس ثمانية عشر يوما كصحيحة محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كم تقعد النفساء حتى تصلّي؟ قال: «ثماني عشرة سبع عشرة، ثم تغتسل و تحتشي و تصلي» (5).

و صحيحة أخرى له أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن النفساء

____________

(1) الكافي (3: 97- 1)، التهذيب (1: 175- 499)، الاستبصار (1: 150- 519)، و في الوسائل (2:

611) أبواب النفاس ب (3) ح (1) (بتفاوت في المتن).

(2) الكافي (3: 99- 5)، التهذيب (1: 175- 500)، الإستبصار (1: 150- 520)، الوسائل (2: 613) أبواب النفاس ب (3) ح (8).

(3) التهذيب (1: 176- 505)، الإستبصار (1: 152- 525)، الوسائل (2: 612) أبواب النفاس ب (3) ح (4).

(4) التهذيب (1: 178)، و الاستبصار (1: 153).

(5) التهذيب (1: 177- 508)، الإستبصار (1: 152- 528)، الوسائل (2: 614) أبواب النفاس ب (3) ح (12).

48

..........

____________

كم تقعد؟ فقال: «إن أسماء بنت عميس أمرها رسول اللّه أن تغتسل لثمان عشرة، و لا بأس أن تستظهر بيومين» (1).

و صحيحة ابن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «تقعد النفساء تسع عشرة ليلة، فإن رأت دما صنعت كما تصنع المستحاضة» (2).

و أجاب المصنف في المعتبر عن هذه الروايات و ما في معناها: بأنها لا تصلح لمعارضة الأخبار المتضمنة للرجوع إلى العادة، لأنها أكثر، و الكثرة أمارة الرجحان، و لأن العمل بها أحوط للعبادة، و أشبه بمقتضى الدليل (3). و هو حسن.

و أجاب عنها الشيخ في كتابي (4) الأخبار بوجوه أقربها الحمل على التقية.

و يمكن الجمع بينهما أيضا بحمل الأخبار الواردة بالثمانية عشر على المبتدئة كما اختاره في المختلف (5)، أو بالتخيير بين الغسل بعد انقضاء العادة و الصبر إلى انقضاء الثمانية عشر.

و كيف كان، فلا ريب في أن للمعتادة الرجوع إلى العادة، لاستفاضة الروايات الواردة بذلك و صراحتها. و إنما يحصل التردد في المبتدئة خاصة من الروايات الواردة بالثمانية عشر، و من أن مقتضى رجوع المعتادة إلى العادة كون النفاس حيضا في المعنى، فيكون أقصاه عشرة، و طريق الاحتياط بالنسبة إليها واضح.

____________

(1) التهذيب (1: 178- 511)، الإستبصار (1: 153- 531)، الوسائل (2: 615) أبواب النفاس ب (3) ح (15)، (بتفاوت يسير).

(2) التهذيب (1: 177- 510)، الإستبصار (1: 152- 530)، الوسائل (2: 615) أبواب النفاس ب (3) ح (14).

(3) المعتبر (1: 254).

(4) التهذيب (1: 178)، و الاستبصار (1: 153).

(5) المختلف: (41).

49

و لو كانت حاملا باثنين و تراخت ولادة أحدهما كان ابتداء نفاسها من الأول، و عدد أيامها من وضع الأخير. (1)

____________

و قد ورد في المسألة روايات أخر دالة على اعتبار ما زاد على ذلك كصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «تقعد النفساء إذا لم ينقطع عنها الدم ثلاثين أربعين يوما إلى خمسين يوما» (1).

و صحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن الماضي عن النفساء و كم يجب عليها ترك الصلاة؟ قال: «تدع الصلاة ما دامت ترى الدم العبيط إلى ثلاثين يوما، فإذا رقّ و كانت صفرة اغتسلت و صلّت إن شاء اللّه» (2).

و أجاب عنها الشيخ في كتابي الأخبار بالحمل على التقية (3)، و هو حسن.

و قال ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه: و الأخبار التي رويت في قعودها أربعين يوما و ما زاد إلى أن تطهر معلولة كلها، وردت للتقية، لا يفتي بها إلا أهل الخلاف (4).

قوله: و لو كانت حاملا باثنين و تأخرت ولادة أحدهما كان ابتداء نفاسها من وضع الأول، و عدد أيامها من وضع الأخير.

(1) الظاهر أن ما تراه المرأة من الدم بعد الولادة كل منهما يحكم بكونه نفاسا مستقلا لتعدد العلة فيعطى كل نفاس حكمه، فتكون نفساء من وضع الأول، و مع ولادة الثاني يتحقق لها نفاس آخر فيعتبر العدد من وضعه. و يمكن تخلل الطهر بينهما كما إذا كانت ولادة الثاني بعد مضي أكثر النفاس من وضع الأول، و إن كان بعيدا.

____________

(1) التهذيب (1: 177- 509)، الإستبصار (1: 152- 529)، الوسائل (2: 614) أبواب النفاس ب (3) ح (13).

(2) التهذيب (1: 174- 497)، الوسائل (2: 615) أبواب النفاس ب (3) ح (16).

(3) التهذيب (1: 178)، و الاستبصار (1: 153).

(4) الفقيه (1: 56).

50

و لو ولدت و لم تر دما ثم رأت في العاشر كان ذلك نفاسا. (1)

و لو رأت عقيب الولادة ثم طهرت ثم رأت العاشر أو قبله كان الدمان و ما بينهما نفاسا.

و يحرم على النفساء ما يحرم على الحائض، (2) و كذا ما يكره لها.

____________

قوله: و لو لم تر دما ثم رأت في العاشر كان ذلك نفاسا.

(1) هذا التفريع جيد على ما ذهب إليه المصنف من اعتبار العشرة مطلقا، و المتجه تفريعا على ما اخترناه تقييدها بما إذا كانت عادتها عشرة أو دونها و انقطع على العاشر على ما ذكره المصنف (1) و غيره (2).

و اعلم، أن هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، و هو محل إشكال، لعدم العلم بإسناد هذا الدم إلى الولادة، و عدم ثبوت الإضافة إليها عرفا.

قوله: و يحرم على النفساء ما يحرم على الحائض.

(2) هذا مذهب الأصحاب، بل قال في المعتبر: إنه مذهب أهل العلم كافة (3). و لعله الحجة، و ذكر جمع من الأصحاب (4) أن النفساء كالحائض في جميع الأحكام، و استثنى من ذلك أمور:

الأول: الأقل، إجماعا.

الثاني: الأكثر، فإن في أكثر النفاس خلافا مشهورا بخلاف الحيض.

الثالث: إن الحيض قد يدل على البلوغ بخلاف النفاس.

____________

(1) المعتبر (1: 256).

(2) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان: (91).

(3) المعتبر (1: 257).

(4) منهم ابن إدريس في السرائر: (30)، و الشهيد الثاني في روض الجنان: (90)، و المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة (1: 170).

51

و لا يصحّ طلاقها. و غسلها كغسل الحائض سواء. (1)

____________

الرابع: انقضاء العدة بالحيض دون النفاس غالبا، و لو حملت من زنا و رأت قرائن في زمان الحمل حسب النفاس قرءا آخر و انقضت العدة به.

الخامس: أنه لا يشترط في النفاسين مضي أقل الطهر كما في التوأمين بخلاف الحيض.

السادس: أن النفساء لا ترجع إلى عادتها في النفاس و لا إلى عادة نسائها بخلاف الحيض.

قوله: و غسلها كغسل الحائض سواء.

(1) هذا مذهب العلماء كافة قاله في المعتبر (1)، و يدل عليه إطلاق الأمر بالغسل، و الكلام في اكتفائها بالغسل عن الوضوء كما تقدم في غسل الحيض (2).

____________

(1) المعتبر (1: 257).

(2) في ج (1 (ص) 256).

52

[الفصل الخامس في أحكام الأموات]

الفصل الخامس في أحكام الأموات و هي خمسة:

[الأول: في الاحتضار]

الأول: في الاحتضار (1) و يجب فيه توجيه الميت إلى القبلة، بأن يلقى على ظهره و يجعل وجهه و باطن رجليه إلى القبلة. (2)

____________

قوله: الفصل الخامس في أحكام الأموات، و هي خمسة، الأول:

الاحتضار.

(1) الاحتضار: هو السوق- أعاننا اللّه عليه و ثبتنا بالقول الصادق لديه- سمّي به إما لحضور الملائكة عنده، أو لحضور أهله و أقاربه، أو لحضور المؤمنين عنده ليشيعوه، أو لاستحضاره عقله كما ورد في الحديث (1).

قوله: و يجب فيه توجيه الميت إلى القبلة، بأن يلقى على ظهره و يجعل وجهه و باطن قدميه إلى القبلة.

(2) هذا هو المشهور بين الأصحاب، قال جدّي- (رحمه اللّه)-: و مستنده من الأخبار السليمة سندا و متنا ما رواه محمد بن يعقوب الكليني- (رحمه اللّه)- عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا مات لأحدكم ميّت فسجّوه تجاه القبلة، و كذلك إذا

____________

(1) الفقيه (1: 79- 7)، علل الشرائع: (297- 1)، ثواب الأعمال: (231)، الوسائل (2: 662) أبواب الاحتضار ب (35) ح (6).

53

..........

____________

غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة، فيكون مستقبل باطن قدميه و وجهه إلى القبلة» (1) و أما غيره من الأخبار التي استدل بها على الوجوب فلا يخلو من شيء إما في السند أو الدلالة (2). هذا كلامه- (رحمه اللّه).

و يمكن المناقشة في هذه الرواية من حيث السند بإبراهيم بن هاشم حيث لم ينص علماؤنا على توثيقه، و بأن راويها و هو سليمان بن خالد في توثيقه كلام (3). و من حيث المتن بأنّ المتبادر منها أنّ التسجية تجاه القبلة إنما يكون بعد الموت لا قبله، و من ثم ذهب جمع من الأصحاب (4) منهم المصنف في المعتبر (5) إلى الاستحباب، استضعافا لأدلة الوجوب، و هو متجه.

و كيفية التوجيه ما ذكره المصنف- (رحمه اللّه)- من أنه يلقى على ظهره و يجعل وجهه و باطن قدميه إلى القبلة بحيث لو جلس لكان مستقبلا، و قد ورد بذلك روايات كثيرة:

منها: رواية سليمان بن خالد المتقدمة. و ما رواه الشيخ عن إبراهيم الشعيري، عن غير واحد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في توجيه الميت قال: «تستقبل بوجهه القبلة

____________

(1) الكافي (3: 127- 3)، الوسائل (2: 661) أبواب الاحتضار ب (35) ح (2) و رواها في التهذيب (1: 286- 835). إلا أنّ فيها: مستقبلا بباطن.

(2) روض الجنان: (93).

(3) لعل منشأ هذا الكلام عنده هو ما رواه الكشي في اختيار معرفة الرجال (2: 641- 662). و لأن أبا داود ذكره في قسم الضعفاء في كتاب الرجال: (248- 221).

(4) منهم الشيخ في الخلاف (1: 279)، و الأردبيلي في مجمع الفائدة (1: 173).

(5) المعتبر (1: 258).

54

و هو فرض كفاية، (1) و قيل: هو مستحب.

____________

و تجعل قدميه مما يلي القبلة» (1).

و يسقط الاستقبال به مع اشتباه القبلة، لعدم إمكان توجيهه في حالة واحدة إلى الجهات المختلفة.

و هل يسقط بالموت أو يجب دوام الاستقبال به حيث يمكن؟ يحتمل الأول، لصدق الامتثال، و أصالة البراءة من الزائد. و الثاني، لإطلاق رواية سليمان بن خالد المتقدمة و غيرها من الأخبار (2).

و قال في الذكرى: إنّ ظاهر الأخبار سقوط الاستقبال بموته، و أنّ الواجب أن يموت إلى القبلة، قال: و في بعضها احتمال دوام الاستقبال، و نبّه عليه ذكره حالة الغسل و وجوبه حال الصلاة و الدفن، و إن اختلفت الهيئة عندنا (3).

و لم أقف على ما ذكره- (رحمه اللّه)- من الأخبار المتضمنة للسقوط. و كيف كان فالأولى دوام الاستقبال به، و ينبغي أن يكون كحالة الاحتضار، لأنه المستفاد من الروايات المتضمنة لذلك.

قوله: و هو فرض على الكفاية.

(1) اعلم: أنّ غرض الشارع قد يتعلق بتحصيل الفعل من كل واحد من المكلفين بعينه،

____________

(1) الكافي (3: 126- 1)، التهذيب (1: 285- 833)، الوسائل (2: 662) أبواب الاحتضار ب (35) ح (3).

(2) الوسائل (2: 661) أبواب الاحتضار ب (35).

(3) الذكرى: (37)، و ذكر هيئته حال الصلاة و الدفن في ص (61، 64).

55

و يستحب تلقينه الشهادتين، و الإقرار بالنبي و الأئمة (عليهم السلام)، (1) و كلمات الفرج، (2)

____________

و يسمى وجوبا على الأعيان كالصلاة و الصوم، و قد يتعلق بتحصيله لا من مباشر معيّن، و يسمى وجوبا على الكفاية. و هل يجب على الجميع و يسقط بفعل البعض أو يجب على البعض خاصة؟ قيل بالأول (1)، لأن الجميع إذا تركوه يأثمون، و قيل بالثاني، لأنه لو وجب على الجميع لما سقط بفعل البعض، و تحقيق المسألة في الأصول. و الظاهر بقاء الوجوب إلى أن يثبت وقوع الفعل شرعا، و ربما قيل بسقوطه بظن قيام الغير به مطلقا (2)، و هو ضعيف.

قوله: و يستحب تلقينه الشهادتين و الإقرار بالنبي و الأئمة (عليهم السلام).

(1) لا يخفى أن تلقينه الإقرار بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) في العبارة مكرر، لأنه داخل في تلقينه الشهادتين. و يدل على هذا الحكم روايات: منها: ما رواه الحلبي في الحسن، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا حضرت الميت قبل أن يموت فلقنه شهادة أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله» (3).

و في خبر أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لقنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلّا اللّه و الولاية» (4).

قوله: و كلمات الفرج.

(2) روى زرارة في الحسن، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا أدركت الرجل عند

____________

(1) كما في المنتهى (1: 443).

(2) كما في معارج الأصول: (75)، و مبادئ الأصول: (111).

(3) الكافي (3: 121- 1)، التهذيب (1: 286- 836)، الوسائل (2: 662) أبواب الاحتضار ب (36) ح (1).

(4) الكافي (3: 123- 5)، التهذيب (1: 287- 838)، الوسائل (2: 665) أبواب الاحتضار ب (37) ح (2).

56

و نقله إلى مصلاه، (1)

____________

النزع فلقّنه كلمات الفرج: لا إله إلا اللّه الحليم الكريم، لا إله إلا اللّه العلي العظيم، سبحان اللّه رب السماوات السبع، و رب الأرضين السبع، و ما فيهن و ما بينهن و رب العرش العظيم، و الحمد للّه رب العالمين» (1).

و يستحب للمحتضر متابعة الملقّن في ذلك، لما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق (عليه السلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دخل على رجل من بني هاشم و هو يقضي، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قل ذلك، يعني هذه الكلمات فقالها، فقال رسول اللّه: الحمد للّه الذي استنقذه من النار» (2).

و يستحب للمحتضر أن يقول: اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك، و اقبل مني اليسير من طاعتك، و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إذا حضرتم ميتا فقولوا له هذا الكلام ليقوله» (3).

و ليكن آخر كلامه: لا إله إلا اللّه، فقد روي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة» (4).

قوله: و نقله إلى مصلاه.

(1) و هو الموضع الذي كان يكثر الصلاة فيه أو عليه، و إنما يستحب ذلك إذا تعسّر عليه الموت و اشتد به النزع لا مطلقا، لما رواه عبد اللّه بن سنان في الصحيح، عن الصادق عليه

____________

(1) الكافي (3: 122- 3)، التهذيب (1: 288- 839)، الوسائل (2: 666) أبواب الاحتضار ب (38) ح (1).

(2) الكافي (3: 124- 9)، الفقيه (1: 77- 346)، الوسائل (2: 666) أبواب الاحتضار ب (38) ح (2) بتفاوت يسير.

(3) الكافي (3: 124- 10)، الوسائل (2: 667) أبواب الاحتضار ب (39) ح (1).

(4) الفقيه (1: 78- 348)، الوسائل (2: 664) أبواب الاحتضار ب (36) ح (6).