مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام - ج5

- محمد بن علي الموسوي العاملي المزيد...
428 /
5

[كتاب الزكاة]

كتاب الزكاة (1) و فيه قسمان:

[الأول: في زكاة المال]

الأول: في زكاة المال، و النظر في: من تجب عليه، و ما تجب فيه، و من تصرف إليه.

____________

كتاب الزكاة

(1) الزكاة لغة: الطهارة و الزيادة و النمو.

قال في المعتبر: و في الشرع اسم لحق يجب في المال يعتبر في وجوبه النصاب (1). فاندرج في الحق (2) الزكاة و الخمس و غيرهما من الحقوق، و خرج بالواجب في المال ما ليس كذلك كحق الشفعة و التحجير و نحوهما، و خرج بالقيد الأخير الكفارة و غيرها من الحقوق المالية التي لا يعتبر فيها النصاب، و اندرجت فيه زكاة الفطرة، لأن النصاب معتبر فيها، إما قوت السنة أو ملك أحد النصب.

و نقض في طرده بالخمس في نحو الكنز و الغوص مما يعتبر فيه النصاب، و في عكسه بالزكاة المندوبة.

____________

(1) المعتبر 2: 485.

(2) في «ح»: الرسم.

6

..........

____________

و أجيب بأن اللام في النصاب للعهد، و المعهود نصاب الزكاة، و بأن المراد بالوجوب هنا مطلق الثبوت و هو يتناول الواجب بالمعنى المصطلح عليه و المندوب. و الأمر في هذه التعاريف هيّن كما بيّنّاه مرارا.

و هنا فوائد:

الأولى: وجوب الزكاة ثابت بالكتاب و السنة و الإجماع، أما الكتاب ففي عدة آيات: منها قوله عزّ و جلّ وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ (1) و قوله تعالى وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ (2).

و أما السنة فمستفيضة جدا: منها ما رواه الكليني في الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان قال، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لما أنزلت آية الزكاة خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا (3) و أنزلت في شهر رمضان فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مناديه فنادى في الناس: إن اللّه فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، فرض اللّه عزّ و جلّ عليكم من الذهب و الفضة و الإبل و البقر و الغنم و من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، فنادى فيهم بذلك في شهر رمضان و عفا لهم عما سوى ذلك» قال: «ثم لم يعرض (4) لشيء من أموالهم حتى حال عليهم الحول من قابل، فصاموا و أفطروا فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيها المسلمون زكّوا أموالكم تقبل صلاتكم» قال: «ثم وجّه عمّال الصدقة و عمّال الطسوق [5]» (6).

و في الحسن، عن أبي بصير قال: كنا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و معنا بعض أصحاب الأموال فذكروا الزكاة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

____________

[5] الطسق: الوظيفة من خراج الأرض، فارسية معرّبة- راجع الصحاح 4: 1517.

____________

(1) البقرة: 43.

(2) فصلت: 6- 7.

(3) التوبة: 103.

(4) في «م»: لم يتعرض.

(6) الكافي 3: 497- 2، الوسائل 6: 3 أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه ب 1 ح 1.

7

..........

____________

إن الزكاة ليس يحمد صاحبها (1)، إنما هو شيء ظاهر، إنما حقن به دمه و سمي بها مسلما، و لو لم يؤدها لم تقبل له صلاة، و إن عليكم في أموالكم غير الزكاة» فقلت: أصلحك اللّه و ما علينا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال:

«سبحان اللّه أما تسمع اللّه عزّ و جلّ يقول في كتابه وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (2)» قال، قلت: ما ذا الحق المعلوم الذي علينا؟ قال: «هو الشيء يعمله الرجل في ماله يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قلّ أو كثر غير أنه يدوم عليه، و قوله عزّ و جلّ وَ يَمْنَعُونَ الْمٰاعُونَ (3) قال:

«هو القرض بعينه و المعروف يعطيه و متاع البيت يعيره و منه الزكاة» فقلت: إن لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا كسروه و أفسدوه فعلينا جناح أن نمنعهم؟ فقال:

«لا، ليس عليكم جناح أن تمنعوهم إن كانوا كذلك» (4).

و أما الإجماع فمن المسلمين كافة، قال العلّامة في التذكرة: و أجمع المسلمون كافة على وجوبها في جميع الأعصار، و هي أحد الأركان الخمسة، إذا عرفت هذا فمن أنكر وجوبها ممن ولد على الفطرة و نشأ بين المسلمين فهو مرتد يقتل من غير أن يستتاب، و إن لم يكن عن فطرة بل أسلم عقيب كفر استتيب مع علم وجوبها ثلاثا، فإن تاب و إلّا فهو مرتد وجب قتله، و إن كان ممن يخفى وجوبها عليه لأنه نشأ بالبادية و كان قريب العهد بالإسلام عرّف وجوبها و لم يحكم بكفره (5). هذا كلامه- (رحمه اللّه)- و هو جيد.

و على ما ذكره من التفصيل يحمل ما رواه الكليني و ابن بابويه- رضي اللّه عنهما- عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دمان في الإسلام حلال من اللّه تبارك و تعالى، لا يقضي فيهما أحد حتى يبعث اللّه

____________

(1) في «م»: فاعلها.

(2) المعارج: 24.

(3) الماعون: 7.

(4) الكافي 3: 499- 9، الوسائل 6: 28 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 7 ح 3.

(5) التذكرة 1: 200.

8

..........

____________

قائمنا أهل البيت، فإذا بعث اللّه قائمنا أهل البيت حكم فيهما حكم اللّه تعالى: الزاني المحصن يرجمه، و مانع الزكاة يضرب عنقه» (1).

الثانية: في علة الزكاة، روى ابن بابويه- رضي اللّه عنه- في من لا يحضره الفقيه في الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن اللّه عزّ و جلّ فرض الزكاة كما فرض الصلاة، فلو أن رجلا حمل الزكاة فأعطاها علانية لم يكن في ذلك عيب، و ذلك أن اللّه عزّ و جلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به، و لو علم أن الذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم، و إنما يؤتى الفقراء فيما أوتوا من منع من منعهم حقوقهم لا من الفريضة» (2).

و روى أيضا عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إنما وضعت الزكاة اختبارا للأغنياء و معونة للفقراء، و لو أن الناس أدّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيرا محتاجا، و لاستغنى بما فرض اللّه، و إن الناس ما افتقروا و لا احتاجوا و لا جاعوا و لا عروا إلّا بذنوب الأغنياء، و حقيق على اللّه تبارك و تعالى أن يمنع رحمته ممن منع حق اللّه في ماله، و أقسم بالذي خلق الخلق و بسط الرزق أنه ما ضاع مال في برّ و لا بحر إلّا بترك الزكاة، و إن أحب الناس إلى اللّه عزّ و جلّ أسخاهم كفّا، و أسخى الناس من أدّى زكاة ماله، و لم يبخل على المؤمنين بما افترض اللّه لهم في ماله» (3).

الثالثة: في فضيلة الزكاة، و يكفي في شرفها و فضلها أن اللّه عزّ و جلّ قرنها بالصلاة التي هي أفضل الأعمال في الآيات الكريمة، و جعلها مطهرة لفاعلها من الأخلاق الرذيلة، و للمال من الأدناس الذميمة، قال اللّه تعالى:

____________

(1) الكافي 3: 503- 5، الفقيه 2: 6- 16، الوسائل 6: 19 أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه ب 4 ح 6.

(2) الفقيه 2: 2- 1، الوسائل 6: 3 أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه ب 1 ح 3.

(3) الفقيه 2: 4- 6، الوسائل 6: 4 أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه ب 1 ح 6.

9

..........

____________

خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا (1) و التاء فيهما للخطاب، أي تطهرهم أيها الآخذ و تزكيهم بواسطة تلك الصدقة. و قيل: التاء في «تُطَهِّرُهُمْ» للتأنيث (2). و فيه نوع انقطاع بين المعطوف و المعطوف عليه.

و التزكية مبالغة في التطهير، أو هي بمعنى الإنماء، كأنه تعالى جعل النقصان سببا للإنماء و الزيادة و البركة، أو تكون عبارة عن تعظيم شأنهم و الأثناء عليهم.

و الآيات و الأخبار الواردة في فضل الصدقة أكثر من أن تحصى، فمن ذلك قوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ أَضْعٰافاً كَثِيرَةً (3). روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «لما نزلت هذه الآية:

مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهٰا (4) قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

رب زدني فأنزل اللّه سبحانه مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا (5) فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): رب زدني فأنزل اللّه عزّ و جلّ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ أَضْعٰافاً كَثِيرَةً (6) و الكثير عند اللّه لا يحصى» (7).

و ما رواه الكليني في الصحيح، عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كان في وصية النبي (صلى اللّه عليه و آله) لأمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): و أما الصدقة فجهدك حتى يقال: قد أسرفت، و لم تسرف أبدا» (8).

____________

(1) التوبة: 103.

(2) قال به الشيخ في التبيان 5: 292، و الطبرسي في مجمع البيان 2: 68.

(3) البقرة: 245.

(4) النمل: 89.

(5) الأنعام: 160.

(6) البقرة: 245.

(7) تفسير العياشي 1: 131- 434.

(8) الكافي 4: 3- 8، الوسائل 6: 263 أبواب الصدقة ب 6 ح 1.

10

..........

____________

و في الحسن، عن عبد اللّه بن سنان قال، سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الصدقة باليد تنفي ميتة السوء، و تدفع سبعين نوعا من أنواع البلاء، و تفك عن لحى سبعين شيطانا كلهم يأمره إلّا يفعل» (1).

و عن أبي ولّاد قال، سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «بكّروا بالصدقة و ارغبوا فيها، فما من مؤمن يتصدق بصدقة يريد بها ما عند اللّه ليدفع اللّه بها عنه شر ما ينزل من السماء إلى الأرض في ذلك اليوم إلّا وقاه اللّه شر ما ينزل من السماء في ذلك اليوم» (2).

الرابعة: في عقاب تارك الزكاة، قال اللّه عزّ و جلّ وَ لٰا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ (3).

و روى الكليني في الحسن، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ فقال: «يا محمد ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلّا جعل اللّه عزّ و جلّ ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوّقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب» ثم قال: «و هو قول اللّه عزّ و جلّ سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يعني ما بخلوا به من الزكاة» (4).

و في الصحيح، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

«وجدنا في كتاب عليّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إذا

____________

(1) الكافي 4: 3- 7، الفقيه 2: 37- 157، الوسائل 6: 262 أبواب الصدقة ب 5 ح 1.

(2) الكافي 4: 5- 1، الوسائل 6: 267 أبواب الصدقة ب 8 ح 3.

(3) آل عمران: 180.

(4) الكافي 3: 502- 1، الوسائل 6: 11 أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه ب 3 ح 3.

11

..........

____________

منعت الزكاة منعت الأرض بركاتها» (1).

و في الحسن، عن عبيد بن زرارة قال، سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «ما من مؤمن (2) يمنع درهما من حق إلّا أنفق اثنين في غير حقه، و ما من رجل يمنع حقا من ماله إلّا طوّقه اللّه عزّ و جلّ به حية من نار يوم القيامة» (3).

و في الصحيح، عن رفاعة بن موسى أنه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «ما فرض اللّه على هذه الأمة شيئا أشد عليهم من الزكاة، و فيها تهلك عامتهم» (4).

و روى ابن بابويه في الحسن، عن حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «ما من ذي مال ذهب أو فضة يمنع زكاة ماله إلّا حبسه اللّه يوم القيامة بقاع قرقر، و سلط عليه شجاعا أقرع يريده و هو يحيد عنه، فإذا رآى أنه لا يتخلص منه أمكنه من يده فقضمها كما يقضم الفجل، ثم يصير طوقا في عنقه، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ و ما من ذي مال إبل أو بقر أو غنم يمنع زكاة ماله إلّا حبسه اللّه يوم القيامة بقاع قرقر تطأه كل ذات ظلف بظلفها و تنهشه كل ذات ناب بنابها، و ما من ذي مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاته إلّا طوّقه اللّه عزّ و جلّ ريعة أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة» (5).

____________

(1) الكافي 3: 505- 17، الوسائل 6: 13 أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه ب 3 ح 12.

(2) في «ض»، «ح»: عبد.

(3) الكافي 3: 504- 7، الفقيه 2: 6- 15، التهذيب 4: 102- 290، المقنعة: 43، الوسائل 6: 25 أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه ب 6 ح 1.

(4) الكافي 3: 497- 3، الوسائل 6: 15 أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه ب 3 ح 18.

(5) الفقيه 2: 5- 10، الوسائل 6: 10 أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه ب 3 ح 1.

12

..........

____________

و في الصحيح، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إن اللّه تبارك و تعالى قرن الزكاة بالصلاة فقال وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ (1) فمن أقام الصلاة و لم يؤت الزكاة فكأنه لم يقم الصلاة» (2).

الخامسة: المشهور بين الأصحاب خصوصا المتأخرين أنه ليس في المال حق واجب سوى الزكاة و الخمس.

و قال الشيخ في الخلاف: يجب في المال حق سوى الزكاة المفروضة و هو ما يخرج يوم الحصاد من الضغث بعد الضغث و الحفنة بعد الحفنة يوم الجذاذ (3). و احتج عليه بإجماع الفرقة، و أخبارهم (4)، و قوله تعالى:

وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ (5).

و أجيب (6) عن الإجماع بالمنع من انعقاده على الوجوب، و إنما انعقد على مطلق الرجحان المتناول للوجوب و الندب.

و عن الأخبار بأنها إنما تدل على الاستحباب لا على الوجوب.

و عن الآية الشريفة أولا باحتمال أن يكون المراد بالحق: الزكاة المفروضة كما ذكره جمع من المفسرين، و أن يكون المعنى فاعزموا على أداء الحق يوم الحصاد، و اهتموا به حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء، لأن قوله وَ آتُوا حَقَّهُ إنما يحسن إذا كان الحق معلوما قبل ورود هذه الآية. لكن ورد في أخبارنا إنكار ذلك، روى المرتضى- رضي اللّه عنه- في

____________

(1) النور: 56.

(2) الكافي 3: 506- 23، الفقيه 2: 6- 11، الوسائل 6: 11 أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه ب 3 ح 2.

(3) الخلاف 1: 299.

(4) الوسائل 6: 134 أبواب زكاة الغلات ب 13.

(5) الأنعام: 141.

(6) التذكرة 1: 200.

13

..........

____________

الانتصار، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ قال: ليس ذلك الزكاة، ألا ترى أنه تعالى قال وَ لٰا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قال المرتضى- رضي اللّه عنه-: و هذه نكتة منه (عليه السلام) مليحة، لأن النهي عن السرف لا يكون إلّا فيما ليس بمقدر، و الزكاة مقدرة (1).

و ثانيا بحمل الأمر على الاستحباب (2)، كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في رواية معاوية بن شريح: «في الزرع حقان حق تؤخذ به و حق تعطيه، أما الذي تؤخذ به فالعشر و نصف العشر، و أما الذي تعطيه فقول اللّه عزّ و جلّ:

وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ يعني من حضرك (3) الشيء بعد الشيء» و لا أعلمه إلا قال: «الضغث- ثم قال-: الضغث حتى يفرغ» (4).

و قول أبي جعفر (عليه السلام) في حسنة زرارة و محمد بن مسلم و أبي بصير في قول اللّه عزّ و جلّ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ: «هذا من الصدقة يعطي المسكين القبضة بعد القبضة، و من الجداد الحفنة بعد الحفنة حتى يفرغ» (5) وجه الدلالة أن المتبادر من قوله (عليه السلام):

«هذا من الصدقة» الصدقة المندوبة.

(فائدة) روى الكليني- رضي اللّه عنه- في الصحيح، عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ وَ لٰا تُسْرِفُوا قال: «كان أبي

____________

(1) الانتصار: 76.

(2) المنتهى 1: 471.

(3) كذا في النسخ، و في المصدر: من حصدك.

(4) الكافي 3: 564- 1، الوسائل 6: 134 أبواب زكاة الغلات ب 13 ح 2.

(5) الكافي 3: 565- 2، التهذيب 4: 106- 303، الوسائل 6: 134 أبواب الزكاة الغلات ب 13 ح 1.

14

..........

____________

يقول: من الإسراف في الحصاد و الجداد أن يصّدق الرجل بكفيه جميعا، و كان أبي إذا حضر شيئا من هذا فرأى أحدا من غلمانه يتصدق بكفيه صاح به أعط بيد واحدة، القبضة بعد القبضة، و الضغث بعد الضغث من السنبل» (1).

____________

(1) الكافي 3: 566- 6، الوسائل 6: 139 أبواب زكاة الغلات ب 16 ح 1.

15

[النظر الأول في من تجب عليه]

النظر الأول في من تجب عليه فتجب الزكاة على البالغ العاقل الحر المالك المتمكن من التصرف، فالبلوغ يعتبر في الذهب و الفضة إجماعا (1).

____________

قوله: (أما الأول، فتجب الزكاة على البالغ العاقل الحر المالك المتمكن من التصرف، فالبلوغ يعتبر في الذهب و الفضة إجماعا).

(1) أجمع علماؤنا كافة على أنه يشترط في وجوب الزكاة في الذهب و الفضة الكمال، فلا تجب زكاتهما على صبي و لا على مجنون، لقوله (عليه السلام):

«رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، و عن المجنون حتى يفيق» (1) و لأن أوامر الزكاة لا تتناول المجنون و الصبي، و تكليف الولي بذلك منفي بالأصل، و لما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

«ليس في مال اليتيم زكاة» (2).

و في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن مال اليتيم فقال: «ليس فيه زكاة» (3).

و في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت

____________

(1) الخصال: 93- 40، الوسائل 1: 32 أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 10.

(2) التهذيب 4: 26- 62، الوسائل 6: 55 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 1 ح 8.

(3) التهذيب 4: 26- 61، الوسائل 6: 55 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 1 ح 7.

16

نعم إذا اتجر له من إليه النظر استحب له إخراج الزكاة

____________

له: في مال اليتيم عليه زكاة؟ فقال: «إذا كان موضوعا فليس عليه زكاة، فإذا عملت به فأنت ضامن و الربح لليتيم» (1).

و في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): امرأة من أهلنا مختلطة، عليها زكاة؟ قال: «إن كان عمل به فعليها زكاة، و إن لم يعمل به فلا» (2).

و إنما تسقط الزكاة عن المجنون المطبق، أما ذو الأدوار فالأقرب تعلق الوجوب به في حال الإفاقة، إذ لا مانع من توجه الخطاب إليه في تلك الحال.

و قال في التذكرة: لو كان الجنون يعتوره أدوارا اشترط الكمال طول الحول، فلو جنّ في أثنائه سقط و استأنف من حين عوده (3). و هو مشكل، لعدم الظفر بما يدل على ما ادعاه، ثم قال: و تجب الزكاة على الساهي و النائم و المغفل دون المغمى عليه، لأنه تكليف و ليس من أهله.

و في الفرق نظر، فإنه إن أراد أن المغمى عليه ليس أهلا للتكليف في حال الإغماء فمسلم لكن النائم كذلك، و إن أراد كون الإغماء مقتضيا لانقطاع الحول و سقوط الزكاة كما ذكره في ذي الأدوار طولب بدليله.

و بالجملة: فالمتجه مساواة الإغماء للنوم في تحقق التكليف بالزكاة بعد زوالهما كما في غيرها من التكاليف، و عدم انقطاع الحول بعروض ذلك في أثنائه.

قوله: (نعم إذا اتجر له من إليه النظر استحب له إخراج الزكاة

____________

(1) الكافي 3: 540- 1، التهذيب 4: 26- 60، الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 1 ح 1.

(2) الكافي 3: 542- 2، التهذيب 4: 30- 75، الوسائل 6: 59 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 3 ح 1.

(3) التذكرة 1: 200.

17

من مال الطفل. (1)

____________

من مال الطفل).

(1) هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل قال المصنف في المعتبر: إن عليه إجماع علمائنا (1). و استدلوا عليه بما رواه الكليني في الحسن، عن محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: «لا، إلّا أن يتجر به أو يعمل به» (2).

و ما رواه الشيخ في الموثق، عن يونس بن يعقوب، قال: أرسلت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أن لي إخوة صغارا فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟

قال: «إذا وجبت الصلاة وجبت الزكاة» قلت: فما لم تجب عليهم الصلاة؟

قال: «إذا اتجر به فزكوه» (3).

و عن سعيد السمان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة إلّا أن يتجر به، فإن اتجر به فالربح لليتيم، و إن وضع فعلى الذي يتجر به» (4).

و عن محمد بن الفضيل، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن صبية صغار لهم مال بيد أمهم و أخيهم، هل تجب على أموالهم زكاة؟

فقال: «لا تجب في مالهم زكاة حتى يعمل به، فإذا عمل به وجبت الزكاة، فأما إذا كان موقوفا فلا زكاة عليه» (5).

____________

(1) المعتبر 2: 487.

(2) الكافي 3: 541- 3، الوسائل 6: 57 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 2 ح 1.

(3) التهذيب 4: 27- 66، الإستبصار 2: 29- 84، الوسائل 6: 55 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 1 ح 5.

(4) الكافي 3: 541- 6، التهذيب 4: 27- 65، الإستبصار 2: 29- 83، الوسائل 6:

57 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 2 ح 2.

(5) التهذيب 4: 27- 67، الإستبصار 2: 29- 85، الوسائل 6: 57 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 2 ح 4.

18

و إن ضمنه و اتّجر لنفسه و كان مليّا كان الربح له و تستحب الزكاة. (1)

____________

و في المسألة قولان آخران: أحدهما الوجوب، ذكره المفيد في المقنعة (1)، لكن قال الشيخ- (رحمه اللّه)- في التهذيب: إنه إنما يريد به الندب و الاستحباب دون الفرض و الإيجاب، لأن المال لو كان لبالغ و اتجر به لما وجب فيه الزكاة عنده وجوب الفرض فالطفل أولى (2). و هو حسن.

و الثاني سقوط الزكاة في ذلك وجوبا و استحبابا، ذهب إليه ابن إدريس في سرائره و قال: إن الرواية الواردة بالاستحباب ضعيفة شاذة أوردها الشيخ في كتبه إيرادا لا اعتقادا (3). و هذا القول جيد على أصله، بل لا يبعد المصير إليه، لأن ما استدل به على الاستحباب غير نقي الإسناد، بل و لا واضح الدلالة أيضا، و مع ذلك فالوجوب منفي بما سنبينه إن شاء اللّه من عدم وجوب الزكاة في هذا النوع مطلقا، و إذا انتفى الوجوب كان الأولى عدم التصرف في مال الطفل على هذا الوجه.

قوله: (فإن ضمنه و اتجر لنفسه و كان مليا كان الربح له و تستحب الزكاة).

(1) المراد بضمان المال هنا نقله إلى ملك الولي بناقل شرعي كالقرض.

و بالملاءة كونه بحيث يقدر على أداء المال المضمون من ماله لو تلف بحسب حاله.

و ذكر الشارح أن المراد بالملاءة أن يكون للمتصرف مال بقدر مال الطفل المضمون فاضلا عن المستثنيات في الدين و عن قوت يومه و ليله له و لعياله الواجبي النفقة (4). و هو مشكل، لأن ذلك قد لا يحصل معه الغرض المطلوب من الملاءة.

____________

(1) المقنعة: 39.

(2) التهذيب 4: 27.

(3) السرائر: 102.

(4) المسالك 1: 50.

19

أما لو لم يكن مليّا أو لم يكن وليا كان ضامنا و لليتيم الربح، و لا زكاة هنا (1)

____________

و يدل على اعتبار ملاءة الولي في جواز التصرف في مال اليتيم روايات:

منها ما رواه الشيخ في الصحيح، عن ربعي بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجل عنده مال ليتيم فقال: «إن كان محتاجا ليس له مال فلا يمس ماله، و إن هو اتجر به فالربح لليتيم و هو ضامن» (1).

و عن أسباط بن سالم، عن أبيه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قلت: أخي أمرني أن أسألك عن مال يتيم في حجره يتجر به قال: «إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شيء غرمه، و إلّا فلا يتعرض لمال اليتيم» (2).

و استثنى المتأخرون من الولي الذي تعتبر ملاءته الأب و الجد، فسوغوا لهما اقتراض مال الطفل مع العسر و اليسر (3)، و هو مشكل. و كيف كان فمتى صح الاقتراض انتقل المال إلى ملك المقترض فيكون ربحه له و زكاته عليه.

قوله: (أما لو لم يكن مليا أو لم يكن وليا كان ضامنا و الربح لليتيم، و لا زكاة هنا).

(1) المراد أن المتجر في مال الطفل إذا اقترضه مع انتفاء الولاية أو الملاءة يكون القرض فاسدا و ربح المال لليتيم و لا زكاة عليه، و يتعلق بالمتصرف ضمان المال، بمعنى أنه بحيث يلزمه مثله أو قيمته مع التلف.

أما الضمان فلأن الاقتراض إنما يسوغ مع الولاية و الملاءة كما تقدم، فمتى انتفى الوصفان أو أحدهما يكون المتصرف على هذا الوجه عاصيا غاصبا فيترتب عليه الضمان لا محالة.

____________

(1) التهذيب 6: 341- 955، الوسائل 12: 191 أبواب ما يكتسب به ب 75 ح 3.

(2) الكافي 5: 131- 4، التهذيب 6: 341- 954، الوسائل 12: 191 أبواب ما يكتسب به ب 75 ح 4 عن أبيه ليس في الكافي.

(3) منهم الكركي في جامع المقاصد 1: 148، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 50.

20

و تستحب الزكاة في غلّات الطفل و مواشيه، و هو أشبه، و قيل:

تجب، (1)

____________

و أما أن ربح المال يكون لليتيم فلأن الشراء وقع بعين ماله كما هو المفروض فيملك المبيع و يتبعه الربح، لكن يجب تقييده بما إذا كان المشتري وليا أو أجازه الولي و كان للطفل غبطة في ذلك، و إلّا وقع الشراء باطلا، بل لا يبعد توقف الشراء على الإجازة في صورة شراء الولي أيضا، لأن الشراء لم يقع بقصد الطفل ابتداء و إنما أوقعه المتصرف لنفسه، فلا ينصرف إلى الطفل بدون الإجازة، و مع ذلك كله فيمكن المناقشة في صحة مثل هذا العقد و إن قلنا بصحة العقد الواقع من الفضولي مع الإجازة، لأنه لم يقع للطفل ابتداء من غير من إليه النظر في ماله، و إنما [1] وقع بقصد المتصرف (2) ابتداء على وجه منهي عنه، و لتفصيل الكلام في ذلك محل آخر.

و أما أنه لا زكاة في مال اليتيم على تقدير انصراف الشراء إليه فعلله الشارح بعدم قصد الطفل عند الشراء فيكون قصد الاكتساب للطفل طارئا عليه و سيأتي أن المقارنة شرط في ثبوت زكاة التجارة (3). و هو توجيه ضعيف، فإن الشرط بتقدير تسليمه إنما هو قصد الاكتساب عند التملك، و هو هنا حاصل بناء على ما هو الظاهر من أن الإجازة ناقلة لا كاشفة.

و رجح الشهيدان (4) و المحقق الشيخ علي استحباب إخراج الزكاة من مال الطفل في كل موضع يقع الشراء له. و لا بأس به.

قوله: (و تستحب الزكاة في غلات الطفل، و هو أشبه، و قيل:

تجب).

____________

[1] في «ح» زيادة: أوقعه المتصرف في مال الطفل لنفسه على وجه.

____________

(2) في «م»: التصرف.

(3) المسالك 1: 51.

(4) الشهيد الأول في الدروس: 57، و البيان: 165، و الشهيد الثاني في الروضة البهية 2:

12.

21

..........

____________

(1) القول بالوجوب للشيخين (1) و أتباعهما (2)، و استدل الشيخ في التهذيب على الوجوب في الغلّات بما رواه في الصحيح، عن زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنهما قالا: «مال اليتيم ليس عليه في العين و الصامت شيء، و أما الغلّات فإن عليها الصدقة واجبة» (3) ثم قال: فأما ما رواه علي بن الحسن، عن حماد، عن حريز، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه سمعه يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة، و ليس عليه صلاة، و ليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة، و إن بلغ فليس عليه لما مضى زكاة، و لا عليه لما يستقبل حتى يدرك، و إذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة، و كان عليه مثل ما على غيره من الناس» (4) فليس بمناف للرواية الأولى، لأنه قال (عليه السلام): و ليس على جميع غلّاته زكاة، و نحن لا نقول إن على جميع غلّاته زكاة، و إنما تجب على الأجناس الأربعة التي هي التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير. و إنما خص اليتامى بهذا الحكم، لأن غيرهم مندوبون إلى إخراج الزكاة عن سائر الحبوب و ليس ذلك في أموال اليتامى، فلأجل ذلك خصوا بالذكر. هذا كلامه (رحمه اللّه).

و لا يخفى ما في هذا التأويل من البعد و شدة المخالفة للظاهر، مع أنها ضعيفة السند بأن راويها مشترك بين الثقة و غيره، و لو كانت صحيحة السند لوجب حملها على نفي الوجوب توفيقا بين الروايتين.

____________

(1) المفيد في المقنعة: 39، و الشيخ في النهاية: 175، و الخلاف 1: 316، و المبسوط 1:

234.

(2) منهم ابن البراج في المهذب 1: 168، و أبو الصلاح في الكافي في الفقه: 166، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 567.

(3) التهذيب 4: 29- 72، الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 1 ح 2.

(4) التهذيب 4: 29- 73، الوسائل 6: 56 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 1 ح 11.

22

و كيف قلنا فالتكليف بالإخراج يتناول الوالي عليه. (1) و قيل: حكم المجنون حكم الطفل، و الأصحّ أنه لا زكاة في ماله، إلا في الصامت إذا اتجر

____________

و كيف كان فالأصح الاستحباب في الغلّات كما اختاره المرتضى (1) و ابن الجنيد و ابن أبي عقيل (2) و عامة المتأخرين، لأن لفظ الوجوب الواقع في رواية زرارة و ابن مسلم لم يثبت إطلاقه في ذلك العرف حقيقة على ما رادف الفرض، بل ربما كان الظاهر خلافه، لأنه قد أطلق في الروايات بكثرة على ما تأكد استحبابه و إن لم يستحق بتركه العقاب.

أما ثبوت الزكاة في المواشي وجوبا أو استحبابا فلم نقف له على مستند، و قد اعترف بذلك المصنف في المعتبر فقال بعد أن عزى وجوب الزكاة في مواشي الأطفال إلى الشيخين و أتباعهما: و عندي في ذلك توقف، لأنا نطالبهم بدليل ذلك، و الأولى أنه لا زكاة في مواشيهم عملا بالأصل السليم عن المعارض (3).

قوله: (و كيف كان فالتكليف بالإخراج يتناول الوالي عليه).

(1) هذا جواب عن سؤال يرد على القول بالوجوب أو الاستحباب، و هو أن كلا منهما من باب خطاب الشرع الذي لا يتعلق بغير المكلف، فكيف يحكم بالوجوب أو الاستحباب في مال الطفل؟

و تقرير الجواب أن الوجوب أو الاستحباب و إن نسب إلى مال الطفل إلّا أن المكلّف به في الحقيقة هو الولي، و به يتعلق الثواب و العقاب، و يحصل للطفل في الآخرة أعواض في مقابلة ما ذهب من ماله.

قوله: (و قيل حكم المجنون حكم الطفل، و الأصح أنه لا زكاة

____________

(1) جمل العلم و العمل: 119، و المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 205، و حكاه عنه في المعتبر 2: 487.

(2) حكاه عنهما في المعتبر 2: 488.

(3) المعتبر 2: 488.

23

له الولي استحبابا (1).

____________

في ماله، إلا في الصامت إذا اتجر له الولي استحبابا).

(1) المراد بالصامت من المال الذهب و الفضة، و يقابله الناطق و هو المواشي كما نص عليه جماعة من أهل اللغة (1).

و القول بمساواة المجنون لطفل في وجوب الزكاة في غلاته و مواشيه للمفيد في المقنعة (2) و الشيخ في جملة من كتبه (3).

قال في المعتبر: و يجب التوقف في ذلك و مطالبتهم بدليل ما ذكراه، فإنا لا نرى وجوب الزكاة على مجنون، ثم لو سلمنا الوجوب في غلة الطفل تبعا لما ادعياه فمن أين يلزم مثله في المجنون؟ فإن جمع بينهما بعدم العقل كان جمعا بقيد عدمي لا يصلح للعلة، و يمكن الفرق بين الطفل و المجنون بأن الطفل لبلوغه التكليف غاية محققة، فجاز أن يجب في ماله، لأنها (4) غاية الحجر و ليس كذلك المجنون، فإذا تحقق الفرق أمكن استناد الحكم إلى الفارق (5). انتهى كلامه- (رحمه اللّه)- و هو جيد في نفسه إلا أنه إنما يحسن مع القائلين بالقياس لا مع الشيخين و من يقول بمقالتهما.

و الأصح ما اختاره المصنف- (رحمه اللّه)- من عدم ثبوت الزكاة في مال المجنون مطلقا إلّا في الصامت إذا اتجر له الولي استحبابا، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): امرأة من أهلنا مختلطة، عليها زكاة؟ فقال: «إن كان عمل به

____________

(1) منهم الجوهري في الصحاح 1: 257، و الفيروزآبادي في القاموس المحيط 1: 157، و ابن الأثير في النهاية 3: 52.

(2) المقنعة: 39.

(3) النهاية: 174، و الخلاف 1: 316، و المبسوط 1: 190.

(4) في المصدر: لانتهاء.

(5) المعتبر 2: 488.

24

و المملوك لا تجب عليه الزكاة، سواء قلنا يملّك أو أحلنا ذلك، و لو ملكه سيده مالا و صرفه فيه لم تجب عليه الزكاة، و قيل: يملك و تجب عليه الزكاة، و قيل: لا يملك و الزكاة على مولاه. (1)

____________

فعليها زكاة، و إن لم يعمل به فلا» (1).

قوله: (و المملوك لا تجب عليه الزكاة سواء قلنا يملك أو أحلنا ذلك، و لو ملّكه سيده مالا و صرّفه فيه لم تجب عليه الزكاة، و قيل:

يملك و تجب عليه الزكاة، و قيل: لا يملك و الزكاة على مولاه).

(1) لا ريب في عدم وجوب الزكاة على المملوك على القول بأنه لا يملك، لأن ما بيده يكون ملكا لمولاه و عليه زكاته، بل لا وجه لاشتراط الحرية على هذا التقدير، لأن اشتراط الملك يغني عنه. و إنما الكلام في وجوب الزكاة على المملوك على القول بملكه، و الأصح أنه لا زكاة عليه، لما رواه ابن بابويه في الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله رجل و أنا حاضر عن مال المملوك أ عليه زكاة؟ قال: «لا و لو كان له ألف درهم» (2).

و ما رواه الكليني في الحسن، عن عبد اللّه بن سنان أيضا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس في مال المملوك شيء، و لو كان له ألف ألف و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا» (3).

و صرح المصنف في المعتبر و العلامة في المنتهى (4) بوجوب الزكاة على المملوك إن قلنا بملكه مطلقا أو على بعض الوجوه. و هو مدفوع بالرواية المتقدمة.

____________

(1) التهذيب 4: 30- 75، الوسائل 6: 59 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 3 ح 1.

(2) الفقيه 2: 19- 62، الوسائل 6: 60 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 4 ح 3.

(3) الكافي 3: 542- 1، الوسائل 6: 59 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 4 ح 1.

(4) المعتبر 2: 489، المنتهى 1: 472.

25

و كذا المكاتب المشروط عليه، و لو كان مطلقا و تحرّر منه شيء وجبت عليه الزكاة في نصيبه إذا بلغ نصابا. (1)

و الملك شرط في الأجناس كلها، و لا بد أن يكون تاما. (2)

____________

قوله: (و كذا المكاتب المشروط عليه، و لو كان مطلقا و تحرّر منه شيء وجبت الزكاة عليه في نصيبه إذا بلغ نصابا).

(1) أما وجوب الزكاة على المكاتب المطلق إذا تحرر منه شيء و بلغ نصيب جزئه الحر نصابا فلا ريب فيه، لأن العموم يتناوله كما يتناول الأحرار.

و أما السقوط عن المكاتب المشروط، و المطلق الذي لم يؤد فهو المعروف من مذهب الأصحاب، و استدل عليه في المعتبر بأنه ممنوع من التصرف فيه إلّا بالاكتساب فلا يكون ملكه تاما (1)، و بما رواه الكليني، عن أبي البختري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس في مال المكاتب زكاة» (2).

و في الدليل الأول نظر، و في سند الرواية ضعف [3]، مع أن مقتضى ما نقلناه عن المعتبر و المنتهى من وجوب الزكاة على المملوك إن قلنا بملكه الوجوب على المكاتب، بل هو أولى بالوجوب.

قوله: (و الملك شرط في الأجناس كلها، و لا بد أن يكون تاما).

(2) أما اشتراط الملك فقال في المعتبر: إن عليه اتفاق العلماء (4)، لأن

____________

[3] و وجهه أن أبا البختري هو وهب بن وهب، و هو كذّاب، عامي المذهب، ضعيف- راجع رجال النجاشي: 430- 1155، و الفهرست: 173- 757.

____________

(1) المعتبر 2: 489.

(2) الكافي 3: 542- 4، الوسائل 6: 60 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 4 ح 5.

(4) المعتبر 2: 490.

26

فلو وهب له نصاب لم يجر في الحول إلا بعد القبض. (1)

____________

وجوب الزكاة مشروط بملك النصاب.

و أما اشتراط تمام الملك فقد ذكره المصنف في هذا الكتاب و جمع من الأصحاب و لا يخلو من إجمال، فإنهم إن أرادوا به عدم تزلزل الملك كما ذكره بعض المحققين (1) لم يتفرع عليه جريان المبيع المشتمل على خيار في الحول من حين العقد، و لا جريان الموهوب فيه بعد القبض فإن الهبة قد تلحقها مقتضيات كثيرة يوجب فسخها بعد القبض من قبل الواهب. و إن أرادوا به كون المالك متمكنا من التصرف في النصاب كما أومأ إليه في المعتبر (2) لم يستقم أيضا، لعدم ملائمته للتفريع، و لتصريح المصنف بعد ذلك باشتراط التمكن من التصرف. و إن أرادوا به حصول تمام السبب المقتضي للملك كما ذكره بعضهم لم يكن فيه زيادة على اعتبار الملك، و كيف كان فالمعتبر تحقق الملك خاصة، و أما التمكن من التصرف فهو شرط آخر، و سيجيء الكلام فيه (3).

قوله: (فلو وهب له نصاب لم يجر في الحول إلا بعد القبض).

(1) هذا متفرع على اشتراط الملك، فإنه لا يحصل في الهبة بدون القبض، لأنه شرط في الصحة عند المصنف (4) و من قال بمقالته (5)، نعم ذهب بعض (6) الأصحاب إلى أنه شرط في اللزوم دون الصحة (7)، و على هذا فلا يعتبر حصوله في جريان الموهوب في الحول، لانتقال الملك بدونه، نعم يعتبر التمكن منه كما يستفاد من الشرط اللاحق.

____________

(1) كالعلّامة في القواعد 1: 51.

(2) المعتبر 2: 490.

(3) في ص 32.

(4) الشرائع 2: 229.

(5) كالعلامة في القواعد 1: 274.

(6) ليست في «م».

(7) منهم ابن إدريس في السرائر: 381، و العلامة في المختلف: 486.

27

و كذا لو أوصي له اعتبر الحول بعد الوفاة و القبول. (1)

____________

و ذكر الشارح أنه لا فرق في ذلك- يعني في توقف جريان الموهوب في الحول على القبض بين أن نقول أنه ناقل للملك أو كاشف عن سبقه بالعقد، لمنع المتهب من التصرف في الموهوب قبل القبض على التقديرين (1). و هو غير جيد، لأن هذا الخلاف (غير واقع في الهبة و إنما الخلاف) (2) فيها في كون القبض شرطا في الصحة أو اللزوم كما نقله الشارح في بحث الهبة (3) و غيره (4).

هذا فيما يعتبر فيه حؤول الحول (5)، أما ما لا يعتبر فيه ذلك كالغلات فيشترط في وجوب زكاته على المتهب حصول القبض قبل تعلق الوجوب بالنصاب.

و لو رجع الواهب بعد الوجوب و قبل الأداء في موضع الجواز قدم حق الفقراء لتعلقه بالعين، و لا يضمنه المتهب لأن هذا الاستحقاق يجري مجرى الإتلاف.

قوله: (و كذا لو أوصي له اعتبر الحول بعد الوفاة و القبول).

(1) لأنه وقت انتقال الموصى به إلى ملك الموصى له عند المصنف (6) و أكثر الأصحاب، و لو قلنا إن القبول كاشف عن انتقال الملك من حين الوفاة كما ذهب إليه بعض الأصحاب (7) اعتبر حصوله أيضا كما يعتبر التمكن من

____________

(1) المسالك 1: 51.

(2) ما بين القوسين ليس في «م».

(3) المسالك 1: 369.

(4) كالعلامة في المختلف: 486.

(5) في «م»: دخول الحول، و في «ح»: حلول الحول.

(6) الشرائع 2: 243.

(7) الخلاف 2: 94.

28

و لو اشترى نصابا جرى في الحول من حين العقد، لا بعد الثلاثة. (1) و لو شرط البائع أو هما خيارا زائدا على الثلاثة بني على القول بانتقال الملك، و الوجه أنه من حين العقد. (2)

____________

القبض، لما سيجيء من اعتبار التمكن من التصرف (1).

قوله: (و لو اشترى نصابا جرى في الحول من حين العقد، لا بعد الثلاثة).

(1) خالف في ذلك الشيخ- (رحمه اللّه)- فحكم بعدم انتقال الملك في البيع المشتمل على خيار إلّا بعد انقضائه (2)، فلا يجري النصاب في الحول عنده إذا كان حيوانا إلّا بعد الثلاثة التي هي خيار الحيوان، و الأصح حصول الملك بالعقد فيجري في الحول من حينه.

قوله: (و لو شرط البائع أو هما خيارا زائدا على الثلاثة بني على القول بانتقال الملك، و الوجه أنه من حين العقد).

(2) أي بني جريانه في الحول على الخلاف في وقت انتقال الملك، فإن قلنا إنه من حين العقد جرى في الحول من حينه، و إن قلنا إنه لا يحصل إلّا بانقضاء الخيار لم يجر في الحول إلّا بعده.

و ربما ظهر من العبارة أن الخلاف في وقت الانتقال إنما وقع في الخيار المختص بالبائع أو المشترك بينه و بين المشتري، مع أن الظاهر تحقق الخلاف فيه مطلقا، فإن الشيخ- (رحمه اللّه)- حكم في الخلاف بأن المبيع لا ينتقل إلى ملك المشتري إلّا بانقضاء الخيار سواء كان لهما أو لأحدهما لكنه قال: إن الخيار إذا اختص بالمشتري ينتقل المبيع عن ملك البائع بالعقد و لا يدخل في ملك المشتري إلّا بانقضاء الخيار (3). و مقتضى ذلك سقوط زكاته

____________

(1) في ص 32.

(2) المبسوط 1: 227، و الخلاف 1: 513.

(3) الخلاف 1: 513.

29

و كذا لو استقرض مالا و عينه باقية جرى في الحول من حين قبضه. (1)

____________

عن البائع و المشتري، و هو ضعيف جدا.

و الأصح ما اختاره المصنف من حصول الملك بالعقد فيجري في الحول من حينه، لكن سيأتي إن شاء اللّه أنه متى كان للبائع خيار فإن المشتري يمنع من التصرفات المنافية لخياره كالبيع و الهبة و الإجارة، فإن ثبت أن ذلك مانع من وجوب الزكاة اتجه اعتبار انتفاء خيار البائع لذلك، لا لعدم انتقال الملك.

قوله: (و كذا لو استقرض مالا و عينه باقية جرى في الحول من حين قبضه).

(1) و ذلك لأنه وقت حصول الملك عند الأكثر، و للشيخ قول بأنه إنما يملك بالتصرف فلا يجري في الحول عنده إلّا بعد ذلك [1].

و الأصح حصوله بالقبض فيجري في الحول من حينه، و قد ورد بذلك روايات (2): منها ما رواه الشيخ في الصحيح، عن يعقوب بن شعيب، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقرض المال للرجل السنة و السنتين و الثلاث أو ما شاء اللّه، على من الزكاة؟ على المقرض أو على المقترض؟

فقال: «على المقترض، لأن له نفعه و عليه زكاته» (3).

و في الحسن، عن زرارة قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل دفع إلى رجل مالا قرضا، على من زكاته؟ على المقترض أو على المقترض؟

قال: «لا بل زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولا على المقترض» قال، قلت: و ليس على المقرض زكاتها؟ قال: «لا، لا يزكى المال من وجهين

____________

[1] لم نعثر عليه، و قال في مفتاح الكرامة 5: 49. فما نسب إليه من القول بأنه إنما يملك بالتصرف لم يصادف محله.

____________

(2) في «م» زيادة: كثيرة.

(3) التهذيب 4: 33- 84، الوسائل 6: 68 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 7 ح 5.

30

و لا تجري الغنيمة في الحول إلا بعد القسمة. (1)

____________

في عام واحد، و ليس على الدافع شيء، لأنه ليس في يده شيء، إنما المال في يد الآخر، فمن كان المال في يده زكّاه» قال، قلت: أ فيزكي مال غيره من ماله؟ فقال: «إنه ماله ما دام في يده و ليس ذلك المال لأحد غيره- ثم قال:- يا زرارة أ رأيت وضيعة ذلك المال و ربحه لمن هو و على من؟» قلت: للمقترض قال: «فله الفضل و عليه النقصان، و له أن ينكح و يلبس منه و يأكل منه و لا ينبغي له أن يزكيه؟! بل يزكيه (1)» (2).

قوله: (و لا تجري الغنيمة في الحول إلا بعد القسمة).

(1) هذا قول أكثر الأصحاب، و استدل عليه في التذكرة بعدم استقرار الملك بدون القسمة قال: فإن للإمام أن يقسم بينهم قسمة تحكّم، فيعطي كل واحد من أي الأصناف شاء، فلم يتم ملكه على شيء معين، بخلاف ما لو ورثوا ما تجب فيه الزكاة، و لو كانت الغنيمة من جنس واحد فالوجه ذلك أيضا، لأن ملكهم في غاية الضعف، و لهذا يسقط بالإعراض (3).

و جزم جدي- (قدس سره)- في فوائد القواعد بتوقفه على القسمة و إن كانت الغنيمة تملك بالحيازة، لأن الغانم قبل القسمة ممنوع من التصرف في الغنيمة، و التمكن من التصرف أحد الشرائط كالملك. و هو جيد لكن على هذا (4) ينبغي الاكتفاء بمجرد التمكن من القسمة.

و ظاهر المصنف في المعتبر جريان الغنيمة في الحول من حين الحيازة، لأنها تملك بذلك (5). و هو مشكل على إطلاقه، لأن التمكن من التصرف أحد الشرائط كالملك.

____________

(1) في «م» و المصدر زيادة: فإنه عليه.

(2) الكافي 3: 520- 6، التهذيب 4: 33- 85، الوسائل 6: 67 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 7 ح 1.

(3) التذكرة 1: 202.

(4) في «ح» زيادة: لا.

(5) المعتبر 2: 564.

31

و لو عزل الإمام قسطا جرى في الحول إن كان صاحبه حاضرا، و إن كان غائبا فعند وصوله إليه. (1) و لو نذر في أثناء الحول الصدقة بعين النصاب انقطع الحول لتعينه للصدقة. (2)

____________

قوله: (و لو عزل الإمام قسطا جرى في الحول إن كان صاحبه حاضرا، و إن كان غائبا فعند وصوله إليه).

(1) إنما اعتبر وصوله إليه مع الغيبة لما سيجيء (1) إن شاء اللّه من أن المال الغائب إنما تجب فيه الزكاة إذا كان مالكه متمكنا منه بنفسه أو بوكيله لا لتوقف الملك على ذلك و إلّا لم يكف العزل مع الحضور.

(و اعتبر الشهيدان قبض الغانم أو وكيله أو قبض الإمام عنه مع الحضور و الغيبة (2)) (3) و هو مشكل إن قلنا بحصول الملك بدونه و حصل التمكن من التصرف.

قوله: (و لو نذر في أثناء الحول الصدقة بعين النصاب انقطع الحول، لتعيّنه للصدقة).

(2) نذر الصدقة بعين النصاب إما أن يكون بعد الحول أو في أثنائه، و في الأول يجب إخراج الزكاة و التصدق بالباقي قطعا، و في الثاني ينقطع الحول لما ذكره المصنف من تعينه للصدقة و امتناع التصرف فيه بغيرها، و أولى منه ما لو جعله صدقة بالنذر لخروجه عن ملكه بمجرد النذر فيما قطع به الأصحاب (4).

هذا إذا كان النذر مطلقا أو معلقا على شرط قد حصل، أما قبل الحصول فيحتمل كونه كذلك لتعلق النذر به المانع من تصرفه فيه بما يخرجه

____________

(1) في ص 34.

(2) الشهيد الأول في البيان: 167، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 51.

(3) ما بين القوسين ليس في «م».

(4) في «ح» زيادة: و للنظر في مجال.

32

و التمكن من التصرّف معتبر في الأجناس كلها. (1)

____________

عن الملك، و يحتمل العدم لعدم تحقق الشرط الموجب لصرفه في النذر، و المتجه منع المالك من التصرفات المنافية للنذر كما في المطلق، فإن ثبت أن ذلك مانع من وجوب الزكاة كما ذكره الأصحاب انقطع الحول بمجرد النذر، و إلّا وجبت الزكاة مع تمامه و كان القدر المخرج من النصاب كالتالف من المنذور، و تجب الصدقة بالباقي مع حصول الشرط.

قوله: (و التمكن من التصرف معتبر في الأجناس كلها).

(1) هذا الشرط مقطوع به في كلام الأصحاب، بل قال في التذكرة: إنه قول علمائنا أجمع (1). و استدل عليه بما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا صدقة على الدين، و لا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك» (2).

و في الصحيح، عن إبراهيم بن أبي محمود قال، قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): الرجل يكون له الوديعة و الدين فلا يصل إليهما ثم يأخذها متى تجب عليه الزكاة؟ قال: «إذا أخذها ثم يحول عليه الحول يزكي» (3).

و في الموثق، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه قال: «فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، و إن كان يدعه متعمدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مرّ به من السنين» (4).

____________

(1) التذكرة 1: 201.

(2) التهذيب 4: 31- 78، الوسائل 6: 62 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 5 ح 6.

(3) التهذيب 4: 34- 88، الإستبصار 2: 28- 80، الوسائل 6: 63 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 6 ح 1.

(4) التهذيب 4: 31- 77، الاستبصار 2: 28- 81 ليس فيه: عن زرارة، الوسائل 6: 63 أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه ب 5 ح 7.

33

و إمكان أداء الواجب معتبر في الضمان لا في الوجوب. (1)

____________

و هذه الروايات إنما تدل على سقوط الزكاة في المال الغائب الذي لا يقدر صاحبه على أخذه، لا على اعتبار التمكن من التصرف، فلا يتم الاستدلال بها على سقوط الزكاة في المبيع المشتمل على خيار للبائع و نحو ذلك.

نعم، يمكن الاستدلال عليه بأنه لو وجبت الزكاة في النصاب مع عدم التمكن من التصرف فيه عقلا أو شرعا للزم وجوب الإخراج من غيره، و هو معلوم البطلان فإن الزكاة إنما تجب في العين، إلّا أن ذلك إنما يقتضي اعتبار التمكن من التصرف وقت الوجوب لا توقف جريانه في الحول عليه، و المسألة محل إشكال و للنظر فيها مجال.

قوله: (و إمكان أداء الواجب معتبر في الضمان لا في الوجوب).

(1) أما أنه لا يشترط التمكن من الأداء في الوجوب فقال في المنتهى: إنه قول علمائنا أجمع (1). و يدل عليه إطلاق الأمر السالم من التقييد.

و استدل عليه في المعتبر أيضا بقوله (عليه السلام): «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (2) و ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، و بأنه لو حال على النصاب أحوال و لم يتمكن من الأداء وجبت زكاة الأحوال و هو دليل الوجوب (3).

و أما أن الضمان مشروط بالتمكن من الأداء فهو مجمع عليه بين الأصحاب أيضا، و يدل عليه أن الزكاة تجب في العين لا في ذمة المالك فيكون النصاب في يده كالأمانة لا يضمن إلّا بالتعدي أو التفريط، فلو تلف قبل التمكن من الأداء من غير تفريط لم يضمنه، و لو تلف بعضه سقط عنه بالنسبة.

____________

(1) المنتهى 1: 490.

(2) سنن أبي داود 2: 100- 1573.

(3) المعتبر 2: 505.

34

و لا تجب الزكاة في المال المغصوب. (1) و لا الغائب إذا لم يكن في يد وكيله أو وليّه. (2)

____________

قوله: (فلا زكاة في المغصوب).

(1) إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في المغصوب بين كونه مما يعتبر فيه الحول كالأنعام أو لا يعتبر فيه ذلك كالغلات، و بهذا التعميم حكم الشارح- (قدس سره)- و قال: إن الغصب إذا استوعب مدة شرط الوجوب و هو نموه في الملك بأن لم يرجع إلى مالكه حتى بدا الصلاح لم يجب (1). و هو مشكل جدا، لعدم وضوح مأخذه، إذ غاية ما يستفاد من الروايات المتقدمة أن المغصوب إذا كان مما يعتبر فيه الحول و عاد إلى مالكه يكون كالمملوك ابتداء فيجري في الحول من حين عوده، و لا دلالة لها على حكم ما لا يعتبر فيه الحول بوجه، و لو قيل بوجوب الزكاة في الغلّات متى تمكن المالك من التصرف في النصاب لم يكن بعيدا. و إنما تسقط الزكاة في المغصوب و نحوه إذا لم يمكن تخليصه و لو ببعضه فتجب فيما زاد على الفداء.

قوله: (و لا الغائب إذا لم يكن في يد وكيله أو وليّه).

(2) إنما ذكر الولي ليندرج في هذا الحكم مال الطفل و المجنون إن قلنا بثبوت الزكاة فيه وجوبا أو استحبابا.

و لا يعتبر في وجوب الزكاة في الغائب كونه بيد الوكيل كما قد يوهمه ظاهر العبارة بل إنما تسقط الزكاة فيه إذا لم يكن مالكه متمكنا منه كما يقتضيه ظاهر التفريع، و دلت عليه الأخبار المتقدمة، و صرح به جماعة منهم المصنف في النافع حيث قال: فلا تجب في المال الغائب إذا لم يكن صاحبه متمكنا منه (2). و نحوه قال في المعتبر فإنه قال بعد أن اشترط التمكن من التصرف:

فلا يجب في المغصوب، و لا في المال الضائع، و لا في الموروث عن غائب

____________

(1) المسالك 1: 51.

(2) المختصر النافع: 53.

35

و لا الرهن على الأشبه. (1)

____________

حتى يصل إلى المالك أو وكيله، و لا فيما يسقط في البحر حتى يعود إلى مالكه فيستقبل به الحول (1).

و قال الشيخ في النهاية: و لا زكاة على مال غائب إلّا إذا كان صاحبه متمكنا منه أيّ وقت شاء، فإن كان متمكنا منه لزمته الزكاة (2). و نحوه قال في الخلاف (3).

و بالجملة فعبارات الأصحاب ناطقة بوجوب الزكاة في المال الغائب إذا كان صاحبه متمكنا منه، و عمومات الكتاب و السنة تتناوله، و الظاهر أن المرجع في التمكن إلى العرف.

قوله: (و لا الرهن على الأشبه).

(1) اختلف كلام الشيخ- (رحمه اللّه)- في وجوب الزكاة في الرهن فقال في موضع من المبسوط: لو رهن النصاب قبل الحول فحال الحول و هو رهن وجبت الزكاة، فإن كان موسرا كلّف إخراج الزكاة و إن كان معسرا تعلق بالمال حق الفقراء يؤخذ منه لأن حق المرتهن في الذمة (4). و قال في موضع آخر منه: لو استقرض ألفا و رهن ألفا لزمه زكاة الألف القرض دون الرهن، لعدم تمكنه من التصرف في الرهن (5).

و قال في الخلاف: لو كان له ألف و استقرض ألفا غيرها و رهن هذه عند المقرض فإنه يلزمه زكاة الألف التي في يده إذا حال الحول دون الألف التي هي رهن، ثم استدل بأن المال الغائب الذي لا يتمكن منه مالكه لا يلزمه زكاته، و الرهن لا يتمكن منه. ثم قال: و لو قلنا إنه يلزم المستقرض زكاة

____________

(1) المعتبر 2: 490.

(2) النهاية: 175.

(3) الخلاف 1: 352.

(4) المبسوط 1: 208.

(5) المبسوط 1: 225.

36

و لا الوقف. (1)

____________

الألفين كان قويا، لأن الألف القرض لا خلاف بين الطائفة بأنه يلزمه زكاتها، و الألف المرهونة هو قادر على التصرف فيها بأن يفك رهنها، و المال الغائب إذا كان متمكنا منه يلزمه زكاته بلا خلاف (1).

و هذا التفصيل حسن إن ثبت أن عدم تمكن الراهن من التصرف في الرهن مسقط للوجوب، و إلّا فما أطلقه في المبسوط أوّلا (2).

قال الشارح- (قدس سره)-: و لو كان الرهن مستعارا اعتبر في وجوب الزكاة على المعير فكّه لا قدرة المستعير عليه (3). و لا بأس به خصوصا مع تحقق غيبته عن المالك.

قوله: (و لا الوقف).

(1) إنما لم تجب الزكاة في الوقف لأنها لو وجبت لوجبت في العين فيخرج به عن الوقف، و علله في المنتهى أيضا بعدم تمام الملك باعتبار مشاركة غيره من الطبقات في الاستحقاق، و كون الموقوف عليه ممنوعا من التصرف في العين بغير الاستمناء (4). و هو حسن.

و لو نتج الوقف وجبت الزكاة في نتاجه إذا كان لمعيّن كسائر الأموال المملوكة.

و قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: لو ولدت الغنم الموقوفة و بلغ الأولاد نصابا و حال عليه الحول وجبت الزكاة إلّا أن يكون الواقف شرط أن يكون الغنم و ما يتوالد منها وقفا (5). و هو جيد إن ثبت صحة اشتراط ذلك، لكنه محل نظر.

____________

(1) الخلاف 1: 351.

(2) في «م»، «ح»: أولى.

(3) المسالك 1: 51.

(4) المنتهى 1: 475.

(5) المبسوط 1: 205.

37

و لا الضّال، و لا المال المفقود، (1) فإن مضى عليه سنون و عاد زكّاه لسنة استحبابا. (2)

____________

قوله: (و لا الضال، و لا المال المفقود).

(1) المراد بالضال الحيوان الضائع، و بالمفقود غيره من الأموال الضائعة.

قال الشارح- (قدس سره)-: و يعتبر في مدة الضلال و الفقد إطلاق الاسم، فلو حصل لحظة أو يوما في الحول لم ينقطع (1). و هو جيّد، بل ينبغي إناطة السقوط بحصول الغيبة التي لا يتحقق معها التمكن من التصرف.

قوله: (فإن مضى عليه سنون و عاد زكّاه لسنة استحبابا).

(2) هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا، و أسنده العلّامة في المنتهى إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و حكى عن بعض العامة القول بالوجوب (2).

و المستند في ذلك ما رواه الشيخ في الموثق، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه قال:

«فلا زكاة عليه حتى يخرج فإذا خرج زكّاه لعام واحد، و إن كان يدعه متعمدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مرّ به من السنين» (3).

و ما رواه الكليني بسند صحيح، عن العلاء بن رزين، عن سدير الصيرفي و هو ممدوح قال، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في رجل (4) له مال فانطلق به، فدفنه في موضع، فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الذي ظن أن المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثم إنه احتفر الموضع من جوانبه كله فوقع على المال بعينه

____________

(1) المسالك 1: 51.

(2) المنتهى 1: 475.

(3) المتقدمة في ص 32.

(4) في المصدر و «ح» زيادة: كان.

38

و لا القرض حتى يرجع إلى صاحبه. (1)

____________

كيف يزكيه؟ قال: «يزكيه لسنة واحدة، لأنه كان غائبا عنه و إن كان احتبسه» (1).

و يدل على أن هذا الأمر للاستحباب قوله (عليه السلام) في صحيحة إبراهيم بن أبي محمود في الوديعة التي لا يصل مالكها إليها: «إذا أخذها ثم يحول عليه الحول يزكي» (2).

و مقتضى العبارة أن التزكية لسنة واحدة إنما تستحب إذا كانت مدة الضلال و الفقد ثلاث سنين فصاعدا، و أطلق العلامة في المنتهى استحباب تزكية المغصوب و الضالّ مع العود لسنة واحدة (3)، و لا بأس به.

قوله: (و لا القرض حتى يرجع إلى صاحبه).

(1) لانتقاله إلى ملك المقترض بالقبض فيجب زكاته عليه دون المقرض، و يدل على الحكمين روايات: منها ما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة قال، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل دفع إلى رجل مالا قرضا على من زكاته؟ على المقرض أو على المقترض؟ قال: «لا، بل زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولا على المقترض» قال، قلت: و ليس على المقرض زكاتها؟ قال: «لا» (4).

و لو تبرع المقرض بالإخراج عن المقترض فالوجه الإجزاء، سواء أذن له المقترض في ذلك أم لا، و به قطع في المنتهى قال: لأنه بمنزلة أداء الدين (5) و يدل عليه صريحا ما رواه الشيخ في الصحيح، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجل استقرض مالا فحال عليه الحول و هو عنده فقال: «إن كان الذي أقرضه يؤدّي زكاته فلا زكاة عليه، و إن كان لا يؤدّي أدّى

____________

(1) الكافي 3: 519- 1، الوسائل 6: 61 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5 ح 1.

(2) المتقدمة في ص 32.

(3) المنتهى 1: 475.

(4) التهذيب 4: 33- 85، الوسائل 6: 67 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 7 ح 1.

(5) المنتهى 1: 477.

39

و لا الدين، فإن كان تأخيره من جهة صاحبه قيل: تجب الزكاة على مالكه، و قيل: لا، و الأول أحوط. (1)

____________

المستقرض» (1).

و اعتبر الشهيد في الدروس و البيان في الإجزاء إذن المقترض (2)، و الرواية مطلقة.

قوله: (و لا الدين، و إن كان تأخيره من قبل صاحبه قيل: تجب الزكاة على مالكه، و قيل: لا، و الأول أحوط).

(1) اختلف الأصحاب في وجوب الزكاة في الدين إذا كان تأخيره من قبل صاحبه بأن يكون على باذل يسهل على المالك قبضه منه متى رامه، بعد اتفاقهم على سقوط الزكاة فيه إذا كان تأخيره من قبل المدين، فقال ابن الجنيد (3)، و ابن إدريس (4)، و ابن أبي عقيل (5): لا تجب الزكاة فيه أيضا.

و قال الشيخان بالوجوب (6). و المعتمد الأول.

لنا: التمسك بمقتضى الأصل، و الروايات المتضمنة لسقوط الزكاة في مال القرض عن المقرض فإنه من أنواع الدين، و ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا صدقة على الدين، و لا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك» (7).

و في الموثق، عن إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الدين عليه زكاة؟ قال: «لا حتى يقبضه» قلت: فإذا قبضه

____________

(1) التهذيب 4: 32- 83، الوسائل 6: 67 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 7 ح 2.

(2) الدروس: 58.

(3) حكاه عنه في المختلف: 174.

(4) السرائر: 102.

(5) حكاه عنه في المختلف: 174.

(6) المفيد في المقنعة: 39، و الشيخ في الجمل و العقود (الرسائل العشر): 205.

(7) التهذيب 4: 31- 78، الوسائل 6: 62 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5 ح 6.

40

..........

____________

يزكيه؟ فقال: «لا حتى يحول عليه الحول» (1).

و في الموثق أيضا، عن محمد بن علي الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال، قلت: ليس في الدين زكاة؟ فقال: «لا» (2).

احتج الشيخ في التهذيب بما رواه عن درست، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «ليس في الدين زكاة إلّا أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخره، فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه» (3).

و عن عبد العزيز، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون له الدين، أ يزكيه؟ قال: «كل دين يدعه هو إذا أراد أخذه فعليه زكاته، و ما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاته» (4).

و الجواب بالطعن في سند الروايتين باشتماله على عدة من الضعفاء.

و أجاب العلّامة في المختلف عنهما بالحمل على الاستحباب، ثم قال، لا يقال: لم لا يجوز أن يكون وجه الجمع ما فصّل في هذين الخبرين؟ لأنا نقول: لمّا سأله الحلبي عن الدين و أطلق (عليه السلام) القول بانتفاء الوجوب وجب انتفاؤه مطلقا، إذ لو كان في صورة ما لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو باطل (5). هذا كلامه- (رحمه اللّه)- و هو جيّد (كما نبهنا عليه مرارا) (6).

و اعلم أن العلّامة- (رحمه اللّه)- صرح في التذكرة بأنه لو كان الدين نعما

____________

(1) التهذيب 4: 34- 87، الإستبصار 2: 28- 79، الوسائل 6: 63 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 6 ح 3.

(2) التهذيب 4: 32- 80، الوسائل 6: 64 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 6 ح 4.

(3) التهذيب 4: 32- 81، الوسائل 6: 64 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 6 ح 7.

(4) التهذيب 4: 32- 82، الوسائل 6: 64 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 6 ح 5.

(5) المختلف: 174.

(6) ما بين القوسين مشطوبة في «ض».

41

و الكافر تجب عليه الزكاة لكن لا يصحّ منه أداؤها، (1)

____________

فلا زكاة فيه، ثم قال: و من أوجبه في الدين توقف هنا، لأن السوم شرط، و ما في الذمة لا يوصف بكونه سائما، ثم استشكله بأنهم ذكروا في السلم في اللحم التعرض لكونه لحم راعية أو معلوفة، و إذا جاز أن يثبت في الذمة لحم راعية جاز أن يثبت راعية (1). و هو جيد.

و أورد عليه جدي- (قدس سره)- في فوائد القواعد أنه إنما يتجه إذا جعلنا مفهوم السوم عدميا و هو عدم العلف كما هو الظاهر من كلامهم، أما إن جعلناه أمرا وجوديا و هو أكلها من مال اللّه المباح لم يعقل كون ما في الذمة سائما.

و في الفرق نظر، فإنه إذا جاز ثبوت الحيوان في الذمة جاز ثبوت هذا النوع المخصوص منه و هو ما يأكل من المباح، لكن المتبادر من الروايتين المتضمنتين لثبوت الزكاة في الدين أن المراد به النقد فلا يبعد قصر الحكم عليه، لأصالة البراءة من الوجوب في غيره.

قوله: (و الكافر تجب عليه الزكاة لكن لا يصح منه أداؤها).

(1) أما الوجوب فلإطلاق الأمر، و ظاهر قوله تعالى وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ (2).

و أما أنه لا يصح منه الأداء فعلله في المعتبر بأنه مشروط بنية القربة و لا تصح منه (3). و فيه بحث و إن كان الحكم لا إشكال فيه، للأخبار المستفيضة المتضمنة لبطلان عبادة المخالف (4) فضلا عن الكافر، و الإجماع على أن الكافر لا يدخل الجنة، و لو وقعت منه عبادة صحيحة لأثيب عليها

____________

(1) التذكرة 1: 202.

(2) فصلت: 6- 7.

(3) المعتبر 2: 490.

(4) الوسائل: 90 أبواب مقدمة العبادات 29.

42

فإذا تلفت لا يجب عليه ضمانها و إن أهمل. (1)

____________

و لزم دخوله الجنة لإيصال الثواب إليه، إذ لا يقع في غيرها إجماعا كما نقله جماعة.

و قد نص المصنف في المعتبر (1)، و العلّامة في جملة من كتبه (2) على أن الزكاة تسقط عن الكافر بالإسلام و إن كان النصاب موجودا، لقوله (عليه السلام): «الإسلام يجبّ ما قبله» (3).

و يجب التوقف في هذا الحكم، لضعف الرواية المتضمنة للسقوط سندا و متنا، و لما روي في عدة أخبار صحيحة من أن المخالف إذا استبصر لا يجب عليه إعادة شيء من العبادات التي أوقعها في حال ضلالته سوى الزكاة فإنه لا بد أن يؤديها (4)، و مع ثبوت هذا الفرق في المخالف فيمكن إجراؤه في الكافر.

و بالجملة: فالوجوب على الكافر متحقق فيجب بقاؤه تحت العهدة إلى أن يحصل الامتثال أو يقوم على السقوط بالإسلام دليل يعتد به، على أنه ربما لزم من هذا الحكم عدم وجوب الزكاة على الكافر كما في قضاء العبادة، لامتناع أدائها في حال الكفر و سقوطها بالإسلام، إلّا أن يقال: إن متعلق الوجوب إيصالها إلى الساعي و ما في معناه في حال الكفر، و ينبغي تأمل ذلك.

قوله: (فإن تلفت لم يجب عليه ضمانها و إن أهمل).

(1) هذا الحكم مشكل أيضا، لعدم وضوح مأخذه. و قال الشارح- (قدس سره)-: إن الحكم بعدم الضمان مع التلف لا تظهر فائدته مع إسلامه، لما

____________

(1) المعتبر 2: 490.

(2) المنتهى 1: 476، و القواعد 1: 52، و التحرير 1: 58، و التذكرة 1: 204.

(3) غوالي اللآلي 2: 54- 145 و 224- 38، الجامع الصغير 1: 123.

(4) الوسائل 1: 97 أبواب مقدمة العبادات ب 31.

43

و المسلم إذا لم يتمكن من إخراجها و تلفت لم يضمن، و لو تمكن و فرّط ضمن. (1) و المجنون و الطفل لا يضمنان إذا أهمل الولي مع القول بالوجوب في الغلّات و المواشي. (2)

____________

عرفت من أنها تسقط عنه و إن بقي المال، بل إنما تظهر فائدة التلف فيما لو أراد الإمام أو الساعي أخذ الزكاة منه قهرا فإنه يشترط فيه بقاء النصاب، فلو وجده قد أتلفه لم يضمنه الزكاة و إن كان بتفريطه (1). و لم أقف على دليل يدل على اعتبار هذا الشرط.

قوله: (و المسلم إذا لم يتمكن من إخراجها و تلفت لم يضمن، و لو تمكن و فرط ضمن).

(1) أما الضمان مع التفريط فمعلوم من قواعد الأمانات، و أما مع التمكن من الإخراج فقال في التذكرة: إنه قول علمائنا أجمع (2). و يدل عليه روايات: منها قول أبي جعفر (عليه السلام) في حسنة محمد بن مسلم: «إذا وجد لها موضعا لم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها» (3).

و إنما يتحقق تلف الزكاة مع العزل أو تلف جميع النصاب، و لو تلف بعضه وزّع على حصة المالك و نصيب الفقراء، و ضمن المالك نصيبهم في موضع الضمان، و قيل: إن التالف يكون من مال المالك خاصة (4). و هو بعيد.

قوله: (و المجنون و الطفل لا يضمنان إذا أهمل الولي مع القول بالوجوب في الغلات و المواشي).

(2) لا ريب في عدم ضمان الطفل و المجنون، لعدم تعلق الوجوب بهما

____________

(1) المسالك 1: 51.

(2) التذكرة 1: 225.

(3) الكافي 3: 553- 1، الفقيه 2: 15- 46، التهذيب 4: 47- 125، الوسائل 6:

198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 1.

(4) قال به الأردبيلي في مجمع الفائدة 4: 26.

44

..........

____________

و انتفاء التقصير منهما، و إنما الكلام في تضمين الولي و لا يبعد تضمينه، لأنه مخاطب بالإخراج فجرى مجرى المالك.

45

[النظر الثاني في بيان ما تجب فيه، و ما تستحب]

النظر الثاني في بيان ما تجب فيه، و ما تستحب

[تجب الزكاة]

تجب الزكاة في الأنعام: الإبل و البقر و الغنم، و في: الذهب و الفضة، و الغلات الأربع: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب. و لا تجب فيما عدا ذلك. (1)

____________

قوله: (تجب الزكاة في الأنعام: الإبل و البقر و الغنم، و في الذهب و الفضة، و الغلات الأربع: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و لا تجب فيما عدا ذلك).

(1) أما وجوب الزكاة في هذه الأنواع التسعة فقال العلّامة- (رحمه اللّه)- في التذكرة و المنتهى: إنه مجمع عليه بين المسلمين (1). و الأخبار به مستفيضة (2).

و أما أنها لا تجب فيما عدا ذلك فقال في المعتبر: إنه مذهب الأصحاب عدا ابن الجنيد (3). و نقل عن ابن الجنيد أنه قال: تؤخذ الزكاة في أرض العشر من كل ما دخل القفيز من حنطة و شعير و سمسم و أرز و دخن و ذرة و عدس و سلت و سائر الحبوب (4). و هو ضعيف.

لنا: أن الأصل عدم الوجوب فيما لم يقم دليل على خلافه، و ما رواه ابن بابويه في الصحيح، عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان قال، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أنزلت آية الزكاة

____________

(1) التذكرة 1: 205، المنتهى 1: 473.

(2) الوسائل 6: 32 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8.

(3) المعتبر 2: 493.

(4) حكاه عنه في المختلف: 180.

46

..........

____________

خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا (1) في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مناديه فنادى في الناس: إن اللّه تبارك و تعالى فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض اللّه عليكم من الذهب و الفضة، و الإبل و البقر و الغنم، و من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و نادى فيهم بذلك في شهر رمضان و عفا لهم عما سوى ذلك» (2).

و ما رواه الكليني- رضي اللّه عنه- عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة و محمد بن مسلم و أبي بصير و بريد بن معاوية العجلي و فضيل بن يسار، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام)، قالا:

«فرض اللّه الزكاة مع الصلاة في الأموال، و سنّها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في تسعة أشياء و عفا عما سواهن: في الذهب و الفضة و الإبل و البقر و الغنم و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و عفا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عما سوى ذلك» (3).

و ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغ خمسة أوساق- و الوسق ستون صاعا فذلك ثلاثمائة صاع- ففيه العشر» ثم قال:

«و ليس فيما دون الثلاثمائة صاع شيء، و ليس فيما أنبتت الأرض شيء إلا في هذا الأربعة أشياء» (4).

و عن عبيد اللّه بن علي الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سئل عن الزكاة فقال: «الزكاة على تسعة أشياء: على الذهب و الفضة،

____________

(1) التوبة: 103.

(2) الفقيه 2: 8- 26، الوسائل 6: 32 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8 ح 1، و أوردها في الكافي 3: 497- 2.

(3) الكافي 3: 509- 1، الوسائل 6: 34 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8 ح 4.

(4) التهذيب 4: 13- 34، الإستبصار 2: 14- 40، الوسائل 6: 120 أبواب زكاة الغلات ب 1 ح 5.

47

..........

____________

و الحنطة و الشعير و الزبيب و التمر، و الإبل و البقر و الغنم» (1) و الأخبار الواردة بذلك كثيرة جدا (2).

و لا ينافي ذلك ما رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم، قال: سألته (عليه السلام) عن الحرث ما يزكى منه؟ فقال: «البرّ و الشعير و الذرة و الدخن و الأرز و السّلت و العدس و السمسم كل هذا يزكّى و أشباهه» (3).

و عن أبي مريم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن الحرث مما يزكى؟ فقال: «البرّ و الشعير و الذرة و الأرز و السّلت و العدس كل هذا مما يزكى» و قال: «كل ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة» (4).

لأنا نجيب عنهما بالحمل على الاستحباب كما ذكره الشيخ في التهذيب و الإستبصار (5)، لئلا تتناقض الأخبار. ثم قال في الاستبصار: و لا يمكن حمل هذا الأخبار يعني المتضمنة للأنواع التسعة على ما ذهب إليه يونس بن عبد الرحمن من أن هذه التسعة كانت الزكاة عليها في أوّل الإسلام، ثم أوجب اللّه تعالى بعد ذلك في غيرها من الأجناس، لأن الأمر لو كان على ما ذكره لما قال الصادق (عليه السلام): عفا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عما سوى ذلك. لأنه إذا وجب فيما عدا هذه التسعة أشياء بعد إيجابه في التسعة لم يبق شيء معفو عنه، فهذا القول واضح البطلان.

____________

(1) التهذيب 4: 3- 4، الإستبصار 2: 3- 4، الوسائل 6: 36 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8 ح 11.

(2) الوسائل 6: 32 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8.

(3) التهذيب 4: 3- 7، الإستبصار 2: 3- 7، الوسائل 6: 40 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 9 ح 4.

(4) الكافي 3: 511- 6، الوسائل 6: 39 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 9 ح 3.

(5) التهذيب 4: 4، و الإستبصار 2: 4.

48

[و تستحب]

و تستحب في كل ما تنبت الأرض مما يكال أو يوزن، عدا الخضر، كالقتّ و الباذنجان و الخيار و ما شاكله. (1)

____________

قوله: (و تستحب في كل ما أنبتت الأرض مما يكال أو يوزن، عدا الخضر و القت و الباذنجان و الخيار و ما شاكله).

(1) هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب عدا ابن الجنيد فإنه قال بالوجوب (1). و يدل على الاستحباب مضافا إلى ما سبق ما رواه الكليني في الحسن، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «كل ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة» و قال: «جعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الصدقة في كل شيء أنبتت الأرض إلّا ما كان من الخضر و البقول و كل شيء يفسد من يومه» (2).

و يدل على انتفاء الوجوب مضافا إلى ما سبق ما رواه الشيخ (3)، عن زرارة و بكير ابني أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «ليس في شيء أنبتت الأرض من الأرز و الذرة و الحمّص و العدس و سائر الحبوب و الفواكه غير هذه الأربعة الأصناف و إن كثر ثمنه زكاة، إلّا أن يصير مالا يباع بذهب أو فضة يكنزه ثم يحول عليه الحول و قد صار ذهبا أو فضة فيؤدي عنه من كل مائتي درهم خمسة دراهم، و من كل عشرين دينارا نصف دينار» (4).

و القتّ- بفتح القاف و التاء المثناة- نوع من الخضر يطعم للدواب يعرف بالفصّة (5) و هي الرطبة و القضب.

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 180.

(2) الكافي 3: 510- 2، الوسائل 6: 40 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 9 ح 6.

(3) في «ح» زيادة: في الصحيح.

(4) التهذيب 4: 6- 12، الإستبصار 2: 6- 12، الوسائل 6: 41 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 9 ح 9.

(5) كذا، و الموجود في كتب اللغة: الفصفصة- راجع الصحاح 1: 261، و النهاية لابن الأثير 4: 11.

49

و في مال التجارة قولان، أحدهما الوجوب، و الاستحباب أصحّ. (1)

____________

قوله: (و في مال التجارة قولان، أحدهما الوجوب، و الاستحباب أصح).

(1) اختلف علماؤنا في زكاة مال التجارة، فذهب الأكثر و منهم الشيخان (1)، و المرتضى (2)، و ابن إدريس (3)، و أبو الصلاح (4)، و ابن البراج (5)، و ابن أبي عقيل (6)، و سلّار (7)، و سائر المتأخرين إلى أنها مستحبة. و حكى المصنف عن بعض علمائنا قولا بالوجوب، و هو الظاهر من كلام ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه فإنه قال: و إذا كان مالك في تجارة و طلب منك المتاع برأس مالك و لم تبعه تبتغي بذلك الفضل فعليك زكاته إذا حال عليه الحول (8). و المعتمد الاستحباب.

لنا: الأخبار الكثيرة المتضمنة للأمر بالزكاة في مال الطفل إذا اتجر له به الولي (9)، و قد تقدم طرف منها فيما سبق (10)، و ما رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اشترى متاعا و كسد عليه و قد زكى ماله قبل أن يشتري المتاع متى يزكيه؟

فقال: «إن كان أمسك متاعه يبتغي رأس ماله فليس عليه زكاة، و إن كان احتبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه بعد رأس المال» قال:

____________

(1) المفيد في المقنعة: 40، و الشيخ في النهاية: 176، و المبسوط 1: 220، و الجمل و العقود (الرسائل العشر): 204.

(2) الانتصار: 78، و جمل العلم و العمل: 119.

(3) السرائر: 103.

(4) الكافي في الفقه: 165.

(5) المهذب 1: 167.

(6) نقله عنه في المختلف: 179.

(7) المراسم: 136.

(8) الفقيه 2: 11.

(9) الوسائل 6: 57 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 2.

(10) في ص 17.

50

..........

____________

و سألته عن الرجل توضع عنده الأموال يعمل بها فقال: «إذا حال عليها الحول فليزكها» (1).

و عن أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجل اشترى متاعا فكسد عليه متاعه و قد كان زكى ماله قبل أن يشتري به هل عليه زكاة أو حتى يبيعه؟ فقال: «إن كان أمسكه التماس الفضل على ماله فعليه الزكاة» (2) و بظاهر هذه الروايات أخذ الموجبون.

و يدل على أن هذه الأوامر للاستحباب الروايات المتضمنة لحصر ما يجب فيه الزكاة في الأنواع التسعة، و ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، قال: كنت قاعدا عند أبي جعفر (عليه السلام) و ليس عنده غير ابنه جعفر (عليه السلام) فقال: «يا زرارة إن أبا ذر و عثمان تنازعا في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال عثمان: كل مال من ذهب أو من فضة يدار و يعمل به و يتجر به ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول، و قال أبو ذر: أما ما اتجر به أو دير أو عمل به فليس فيه زكاة، إنما الزكاة فيه إذا كان كنزا موضوعا، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة، فاختصما في ذلك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال ما قال أبو ذر» (3).

و في الصحيح، عن سليمان بن خالد، قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل كان له مال كثير فاشترى به متاعا ثم وضعه فقال: هذا متاع موضوع فإذا أحببت بعته فيرجع إليّ رأس مالي و أفضل منه هل عليه صدقة و هو متاع؟ قال: «لا حتى يبيعه» قال: فهل يؤدي عنه إن باعه لما

____________

(1) التهذيب 4: 68- 186، الإستبصار 2: 10- 29، الوسائل 6: 46 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13 ح 3.

(2) الكافي 3: 527- 1، التهذيب 4: 68- 185، الإستبصار 2: 10- 28، الوسائل 6: 46 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13 ح 4.

(3) التهذيب 4: 70- 192، الإستبصار 2: 9- 27، الوسائل 6: 48 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 14 ح 1.

51

و في الخيل الإناث. (1)

____________

مضى إذا كان متاعا؟ قال: «لا» (1).

و في الموثق عن إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) الرجل يشتري الوصيفة يثبتها عنده لتزيد و هو يريد بيعها، أ على ثمنها زكاة؟

قال: «لا حتى يبيعها» قلت: فإن باعها أ يزكي ثمنها؟ قال: «لا حتى يحول عليه الحول و هو في يديه» (2).

قوله: (و في الخيل الإناث).

(1) استحباب الزكاة في الخيل الإناث مجمع عليه بين الأصحاب، و يدل عليه روايات: منها ما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة و محمد بن مسلم، عنهما جميعا (عليهما السلام)، قال (3): «وضع أمير المؤمنين (عليه السلام) على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين، و جعل على البراذين دينارا» (4).

و في الحسن، عن زرارة قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): هل على البغال شيء؟ فقال: «لا» فقلت: كيف صار على الخيل و لم يصر على البغال؟ فقال: «لأن البغال لا تلقح و الخيل الإناث ينتجن، و ليس على الخيل الذكور شيء» قال، قلت: هل على الفرس أو البعير (5) يكون للرجل يركبها شيء؟ فقال: «لا ليس على ما يعلف شيء، إنما الصدقة على

____________

(1) التهذيب 4: 70- 191، الإستبصار 2: 9- 26، الوسائل 6: 49 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 14 ح 2.

(2) الكافي 3: 529- 6، التهذيب 4: 69- 188، الإستبصار 2: 11- 31، الوسائل 6: 49 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 14 ح 4.

(3) كذا، و في المصدر: قالا.

(4) التهذيب 4: 67- 183، الإستبصار 2: 12- 34، الوسائل 6: 51 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 16 ح 1.

(5) في «ض»: البقر.

52

..........

____________

السائمة المرسلة في مراحها [1] عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فأما ما سوى ذلك فليس فيه شيء» (2).

قوله: (و لو تولد حيوان بين حيوانين أحدهما زكاتي روعي في إلحاقه بالزكاتي إطلاق الاسم).

(1) إنما كان المعتبر إطلاق الاسم، لأنه مناط الحكم. و كذا الكلام لو كان تولده من حيوانين محللين غير زكويين، أو من محلل و محرم. و لو كانا محرمين و جاء بصفة الزكوي احتمل حلّه و وجوب الزكاة فيه، لإطلاق الاسم الذي هو مدار الحكم، و استوجه الشارح تحريمه لكونه فرع محرمين فتنتفي الزكاة (3).

و تسقط عما عدا ذلك إلّا ما سنذكره. فلا زكاة في البغال، و الحمير، و الرقيق: و لو تولّد حيوان بين حيوانين أحدهما زكاتي روعي في إلحاقه بالزكاتي إطلاق اسمه.

____________

[1] كذا، و في المصدر: مرجها، و هو الظاهر لأن الموضع الذي ترعى فيه الدواب- راجع الصحاح 1: 340، و القاموس المحيط 1: 214، أما المراح بالضم فهو ما يأوي إليه الإبل و الغنم بالليل- الصحاح 1: 369.

____________

(2) الكافي 3: 530- 2، التهذيب 4: 67- 184، الوسائل 6: 51 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 16 ح 3.

(3) المسالك 1: 52.

53

[القول في زكاة الأنعام]

القول في زكاة الأنعام و الكلام في الشرائط، و الفريضة، و اللواحق

[أما الشرائط فأربعة]

أما الشرائط فأربعة:

[الأول: اعتبار النصب]

الأول: اعتبار النصب، و هي في الإبل اثنا عشر نصابا: خمسة كل واحد منها خمس، فإذا بلغت ستا و عشرين صارت كلها نصابا، ثم ست و ثلاثون، ثم ست و أربعون، ثم إحدى و ستون، ثم ست و سبعون، ثم إحدى و تسعون، فإذا بلغت مائة و إحدى و عشرين فأربعون أو خمسون أو منهما. (1)

____________

قوله: (أما الشروط فأربعة: الأول: اعتبار النصب، و هي في الإبل اثنا عشر نصابا: خمسة كل واحد منها خمس، فإذا بلغت ستا و عشرين صارت كلها نصابا واحدا، ثم ست و ثلاثون، ثم ست و أربعون، ثم إحدى و ستون، ثم ست و سبعون، ثم إحدى و تسعون، فإذا بلغت مائة و إحدى و عشرين فأربعون أو خمسون أو منهما).

(1) هذه النصب مجمع عليها بين علماء الإسلام كما نقله جماعة منهم المصنف في المعتبر (1)، سوى النصاب السادس فإن ابن أبي عقيل و ابن الجنيد أسقطاه و أوجبا بنت المخاض في خمس و عشرين إلى ست

____________

(1) المعتبر 2: 498.

54

..........

____________

و ثلاثين (1)، و هو قول الجمهور (2).

و المعتمد ما عليه أكثر الأصحاب.

لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «في خمس قلاص [3] شاة، و ليس فيما دون الخمس شيء، و في عشر شاتان، و في خمس عشرة ثلاث، و في عشرين أربع، و في خمس و عشرين خمس، و في ست و عشرين ابنة مخاض [4] إلى خمس و ثلاثين.

فإذا زادت واحدة ففيها ابنة لبون [5] إلى خمس و أربعين.

فإذا زادت واحدة ففيها حقّة [6] إلى ستين.

فإذا زادت واحدة ففيها جذعة [7] إلى خمس و سبعين.

فإذا زادت واحدة ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها

____________

[3] القلوص من النوق: الشابة. و قال العدوي: القلوص أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثني فإذا أثنت فهي ناقة، و جمع القلوص قلص و قلائص و جمع القلص قلاص- الصحاح 3: 1054.

[4] قيل للفصيل إذا استكمل الحول و دخل في الثانية: ابن مخاض، و الأنثى ابنة مخاض، لأنه فصل عن أمه و ألحقت أمه بالمخاض- الصحاح 3: 1105.

[5] اللبون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية و دخل في الثالثة، الأنثى ابنة لبون، لأن أمه وضعت غيره فصار لها لبن- الصحاح 6: 2192.

[6] الحقّ بالكسر: ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين و قد دخل في الرابعة، و الأنثى حقّة و حقّ أيضا، سمي بذلك لاستحقاقه أن يحمل عليه و أن ينتفع به- الصحاح 4: 1460.

[7] الجذعة: هو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة- الصحاح 3: 1194.

____________

(1) حكاه عنهما في المختلف: 175.

(2) منهم ابن رشد في بداية المجتهد 1: 259، و ابن قدامة في المغني 2: 441.