مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام - ج7

- محمد بن علي الموسوي العاملي المزيد...
446 /
5

[كتاب الحج]

كتاب الحج و هو يعتمد على ثلاثة أركان

[الأوّل: في المقدمات، و هي أربع]

الأوّل: في المقدمات، و هي أربع:

[المقدمة الأولى: الحج]

المقدمة الأولى: الحج.

و إن كان في اللغة القصد، فقد صار في الشرع اسما لمجموع المناسك المؤدّاة في المشاعر المخصوصة. (1)

____________

كتاب الحج

بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين الحمد للّه حمدا كثيرا يليق بجلاله، و الصلاة على سيدنا محمد و آله.

قوله (رحمه اللّه): (كتاب الحج، و هو يعتمد على ثلاثة أركان.

الأول: في المقدمات، و هي أربع، المقدمة الأولى: الحج، و إن كان في اللغة القصد، فقد صار في الشرع اسما لمجموع المناسك المؤداة في المشاعر المخصوصة).

(1) ذكر في القاموس للحج معاني: القصد، و الكف، و القدوم، و الغلبة

6

..........

____________

بالحجة، و كثرة الاختلاف و التردد، و قصد مكة للنسك (1).

و قال الخليل الحج: كثرة القصد إلى من يعظّمه، و سمي الحج حجا لأن الحاج يأتي قبل الوقوف بعرفة إلى البيت، ثم يعود إليه لطواف الزيارة، ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الوداع (2).

و يستفاد من قول المصنف: الحج و إن كان في اللغة القصد فقد صار في الشرع اسما لمجموع المناسك. أنّ الحج منقول عن معناه اللغوي، و لا ريب في تحقق النقل عند الفقهاء إن لم يثبت كونه حقيقة لغوية في المعنى المصطلح عليه عندهم، و إن لم يثبت النقل عند الشارع.

و ما قيل (3) من أنّ النقل عند الفقهاء إنما يتحقق على تعريف المصنف، و أما على تعريف الشيخ- (قدس سره)- من أنه عبارة عن قصد البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة عنده (4)، فلا، بل المتحقق على هذا التعريف تخصيص المعنى اللغوي خاصة. ففاسد، لأن النقل متحقق على هذا التقدير جزما، غاية الأمر أنّ النقل على تعريف الشيخ يكون لمناسبة، و على تعريف المصنف لغير مناسبة.

و أورد المصنف في المعتبر على تعريف الشيخ أنه يخرج عنه الوقوف بعرفة و المشعر، لأنهما ليسا عند البيت الحرام، مع أنهما ركنان من الحج إجماعا، قال: فأذن الأسلم أن يقال: الحج اسم لمجموع المناسك المؤداة في المشاعر المخصوصة (5). و هذا التعريف مع سلامته مما أورده المصنف على تعريف الشيخ مطابق لما هو المتبادر من لفظ الحج عند أهل الشرع من كونه عبادة مركبة من جملة عبادات، كالصلاة المؤلفة من الأفعال و الأذكار

____________

(1) القاموس المحيط 1: 188.

(2) كتاب العين 3: 9.

(3) قال به الشهيد الثاني في المسالك 1: 86.

(4) المبسوط 1: 296.

(5) المعتبر 2: 745.

7

..........

____________

المخصوصة، لا مجرد القصد، فقوله: اسم لمجموع المناسك، وقع في التعريف بمنزلة الجنس، و قوله: المؤداة في المشاعر المخصوصة- و هي محال العبادة- بمنزلة الفصل، يخرج به ما عدا الحج من العبادات حتى العمرة، فإن مشاعرها خلاف مشاعر الحج.

و أورد عليه شيخنا الشهيد في الشرح أنّ الآتي بالبعض التارك للبعض الذي لا مدخل له في البطلان يصدق عليه اسم الحاج فلا يكون الحج اسما للمجموع، و أنه منقوض في طرده بالعمرة و بكل عبادة مقيدة بمكان، إذ هي مناسك لأنها عبادات و واقعة في أماكن مخصوصة (1).

و يمكن تكلف الجواب عن ذلك لكن لا مشاحة في هذه التعريفات كما بيناه مرارا.

و قد أجمع المسلمون كافة على وجوب الحج، و الأصل فيه قول اللّه عزّ و جلّ وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (2) و في الآية ضروب من التأكيد و المبالغة، منها: قوله وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ أي حق واجب عليهم لكونه إلها، فيجب عليهم الانقياد، سواء عرفوا وجه الحكمة فيه أم لم يعرفوا، فإنّ كثيرا من أفعال الحج تعبّد محض.

و منها: بناء الكلام على الإبدال ليكون تثبيتا (3) للمراد، و تفصيلا بعد الإجمال، و إيرادا للغرض في صورتين، تقريرا له في الأذهان.

و منها: ذكر من كفر مكان من لم يحج، و فيه من التغليظ ما فيه، و إليه الإشارة بقول النبي (صلى اللّه عليه و آله): «من مات و لم يحج فليمت إن شاء

____________

(1) المسالك 1: 86.

(2) آل عمران: 97.

(3) في «ض»، «م»: تثنية.

8

..........

____________

يهوديا و إن شاء نصرانيا» (1) و قول الصادق (عليه السلام): «من مات و لم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديا أو نصرانيا» (2).

و منها: إظهار الغنى، و تهويل الخطب بذكر اسم اللّه دون أن يقول فإنه أو فإني، و إنه يدل على غاية السخط و الخذلان.

و منها: وضع المظهر مقام المضمر، حيث قال: عن العالمين، و لم يقل عنه، لأنه إذا كان غنيا عن كل العالمين فلأن يكون غنيا عن طاعة ذلك الواحد أولى.

و لنورد هنا عشرين خبرا تتضمن فوائد في هذا الباب:

الأول: ما رواه الكليني في الصحيح، عن أبي العباس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لما ولد إسماعيل حمله أبوه إبراهيم و أمه على حمار و أقبل معه جبرائيل حتى وضعه في موضع الحجر و معه شيء من زاد و سقاء فيه شيء من ماء، و البيت يومئذ ربوة حمراء من مدر، فقال إبراهيم لجبرائيل (عليهما السلام): هاهنا أمرت؟ قال: نعم» قال: «و مكة يومئذ سلم و سمر، و حول مكة يومئذ ناس من العماليق» (3).

الثاني: ما رواه ابن بابويه في كتاب علل الشرائع و الأحكام في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّ إبراهيم (عليه السلام) لما خلّف إسماعيل بمكة عطش الصبي، و كان فيما بين الصفا و المروة شجر، فخرجت أمه حتى قامت على الصفا، فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد، فمضت حتى انتهت إلى المروة فقالت:

____________

(1) المعتبر 2: 746، الوسائل 8: 21 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 7 ح 5.

(2) الكافي 4: 268- 1، التهذيب 5: 17- 49، المقنعة: 61، الوسائل 8: 19 أبواب الحج و شرائطه ب 7 ح 1.

(3) الكافي 4: 201- 1.

9

..........

____________

هل بالوادي من أنيس؟ فلم تجب، ثم رجعت إلى الصفا و قالت، حتى صنعت ذلك سبعا، فأتاها جبرائيل (عليه السلام)، فقال لها: من أنت؟

قالت: أنا أم ولد إبراهيم، فقال: إلى من وكلكم؟ فقالت: أما إذا قلت ذلك فقد قلت له حيث أراد الذهاب: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ فقال: إلى اللّه عزّ و جلّ، فقال جبرائيل: لقد وكلكم إلى كاف، قال: و كان الناس يتجنبون الممر بمكة لمكان الماء، ففحص الصبي برجله فنبعت زمزم، و رجعت من المروة إلى الصبي و قد نبع الماء، فأقبلت تجمع التراب حوله مخافة أن يسيح الماء، و لو تركته لكان سيحا، قال: فلما رأت الطير الماء حلقت عليه، قال: فمر ركب من اليمن، فلما رأوا الطير حلقت عليه قالوا:

ما حلقت إلا على ماء، فأتوهم فسقوهم من الماء و أطعموهم الركب من الطعام، و أجرى اللّه عزّ و جلّ لهم بذلك رزقا، فكانت الركب تمر بمكة فيطعمونهم من الطعام و يسقونهم من الماء» (1).

الثالث: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أحمد بن محمد، قال:

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحرم و أعلامه فقال: «إنّ آدم (عليه السلام) لما هبط على أبي قبيس شكى إلى ربه الوحشة، و أنه لا يسمع ما كان يسمع في الجنة، فأنزل اللّه عليه ياقوتة حمراء فوضعها في موضع البيت، فكان يطوف بها، و كان قد بلغ ضوءها موضع الاعلام، فعلمت الاعلام على ضوئها، فجعله اللّه حرما» (2).

الرابع: ما رواه ابن بابويه في الصحيح، عن سعيد بن عبد اللّه الأعرج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّ قريشا في الجاهلية هدموا البيت، فلما أرادوا بناءه حيل بينه و بينهم، و ألقي في روعهم الرعب، حتى قال قائل منهم: ليأت كل رجل منكم بأطيب ماله، و لا تأتوا بمال اكتسبتموه من قطيعة رحم أو حرام، ففعلوا فخلي بينهم و بين بنيانه فبنوه، حتى انتهوا

____________

(1) علل الشرائع: 432- 1، الوسائل 9: 512 أبواب السعي ب 1 ح 10.

(2) التهذيب 5: 448- 1562، الوسائل 9: 334 أبواب مقدمات الطواف ب 13 ح 1.

10

..........

____________

إلى موضع الحجر الأسود فتشاجروا فيه، أيهم يضع الحجر في موضعه، حتى كاد أن يكون بينهم شر، فحكّموا أول من يدخل من باب المسجد، فدخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، فلما أتاهم أمر بثوب فبسط، ثم وضع الحجر في وسطه، ثم أخذت القبائل بجوانب الثوب فرفعوه، ثم تناوله (عليه السلام) فوضعه في موضعه، فخصه اللّه عزّ و جلّ به» (1).

قال ابن بابويه بعد نقل هذه الرواية: و روي أن الحجاج لما فرغ من بناء الكعبة سأل علي بن الحسين (عليهما السلام) أن يضع الحجر في موضعه، فأخذه و وضعه في موضعه.

الخامس: ما رواه ابن بابويه في الصحيح أيضا، عن سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنما سمي البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق و أعتق الحرم معه، كفّ عنه الماء» (2).

السادس: ما رواه في الصحيح أيضا، عن الفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنما سميت بكة لأنه تبك بها الرجال و النساء، و المرأة تصلي بين يديك و عن يمينك و عن شمالك و معك، و لا بأس بذلك، و إنما يكره في سائر البلدان» (3).

السابع: ما رواه في الصحيح أيضا، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «كان الحجر الأسود أشد بياضا من اللبن، فلو لا ما مسه من أرجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا بريء بإذن اللّه تعالى» (4).

الثامن: ما رواه الكليني في الحسن، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لما أفاض آدم من منى تلقته الملائكة فقالوا:

____________

(1) الفقيه 2: 160- 693، الوسائل 9: 329 أبواب مقدمات الطواف ب 11 ح 9.

(2) علل الشرائع: 399- 4.

(3) علل الشرائع: 397- 4، الوسائل 3: 429 أبواب مكان المصلي ب 5 ح 10.

(4) الفقيه 2: 124- 541، الوسائل 9: 404 أبواب الطواف ب 13 ح 6 (بتفاوت يسير).

11

..........

____________

يا آدم برّ حجّك، أما إنا قد حججنا هذا البيت قبل أن تحجه بألفي عام» (1).

التاسع: ما رواه ابن بابويه في الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان: أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جلّ وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً (2) قال: «من دخل الحرم مستجيرا به فهو آمن من سخط اللّه عزّ و جلّ، و ما دخل من الطير و الوحش كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم» (3).

العاشر: ما رواه الكليني في الحسن، عن ابن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ (4) ما هذه الآيات البينات؟

قال: «مقام إبراهيم حيث قام على الحجر فأثّرت فيه قدماه، و الحجر الأسود، و منزل إسماعيل (عليه السلام)» (5).

الحادي عشر: ما رواه ابن بابويه في الصحيح، عن حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «وجد في حجر: إني أنا اللّه ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السماوات و الأرض، و يوم خلقت الشمس و القمر، و حففتها بسبعة أملاك حفا، مبارك لأهلها في الماء و اللبن، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، من أعلاها و أسفلها و الثنية» (6).

الثاني عشر: ما رواه الكليني في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «أتي النبيّ صلى اللّٰه عليه و آله رجلان،

____________

(1) الكافي 4: 194- 4، الوسائل 8: 5 أبواب وجوب الحج ب 1 ح 6.

(2) آل عمران: 97.

(3) الفقيه 2: 163- 703، الوسائل 9: 339 أبواب مقدمات الطواف ب 14 ح 12.

(4) آل عمران 96، 97.

(5) الكافي 4: 223- 1، الوسائل 9: 346 أبواب مقدمات الطواف ب 18 ح 5.

(6) الفقيه 2: 158- 684، الوسائل 9: 349 أبواب مقدمات الطواف ب 19 ح 2.

12

..........

____________

رجل من الأنصار و رجل من ثقيف، فقال الثقيفي: يا رسول اللّه حاجتي، فقال: سبقك أخوك الأنصاري، فقال: يا رسول اللّه إني على ظهر سفر، و إني عجلان، و قال الأنصاري: إني قد أذنت له، فقال: إن شئت سألتني، و إن شئت نبأتك، فقال: نبئني يا رسول اللّه، فقال: جئت تسألني عن الصلاة و عن الوضوء و عن المسجد، فقال الرجل: إي و الذي بعثك بالحق، فقال: أسبغ الوضوء، و املأ يديك من ركبتيك، و عفر جبينك في التراب، و صل صلاة مودع، و قال الأنصاري يا رسول اللّه حاجتي، قال: إن شئت سألتني، و إن شئت نبأتك، فقال: يا رسول اللّه نبئني، فقال: جئت تسألني عن الحج و عن الطواف بالبيت، و السعي بين الصفا و المروة، و رمي الجمار، و حلق الرأس، و يوم عرفة، فقال الرجل: إي و الذي بعثك بالحق نبيا، فقال: لا ترفع ناقتك خفا إلا كتب اللّه لك حسنة، و لا تضع خفا إلا حطّ به عنك سيئة، و طواف بالبيت و سعي بين الصفا و المروة تنفتل كما ولدتك أمك من الذنوب، و رمي الجمار ذخر يوم القيامة، و حلق الرأس لك بكل شعرة نور يوم القيامة، و يوم عرفة يوم يباهي اللّه عزّ و جلّ به الملائكة، فلو حضرت ذلك اليوم برمل عالج و قطر السماء و أيام العالم ذنوبا تبت ذلك اليوم» (1).

الثالث عشر: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام): «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لقيه أعرابي فقال: يا رسول اللّه إني خرجت أريد الحج ففاتني و أنا رجل مميل، فمرني أن أصنع في مالي ما أبلغ به مثل أجر الحاج، قال:

فالتفت إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال له: انظر إلى أبي قبيس، فلو أن أبا قبيس لك ذهبة حمراء أنفقته في سبيل اللّه ما بلغت ما يبلغ الحاج. ثم قال: إن الحاج إذا أخذ في جهازه لم يرفع شيئا و لم يضعه إلا كتب اللّه له

____________

(1) الكافي 4: 261- 37، الوسائل 8: 159 أبواب أقسام الحج ب 2 ح 16 و أورد صدره في ج 4: 677 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 7.

13

..........

____________

عشر حسنات، و محي عنه عشر سيئات، و رفع له عشر درجات، فإذا ركب بعيره لم يرفع خفا و لم يضعه إلا كتب اللّه له مثل ذلك، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه، فإذا سعى بين الصفا و المروة خرج من ذنوبه، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه، فإذا وقف بالمشعر خرج من ذنوبه، فإذا رمى الجمار خرج من ذنوبه، قال: فعدد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كذا و كذا موقفا إذا وقفها الحاج خرج من ذنوبه، ثم قال: أنى لك أن تبلغ ما يبلغه الحاج» قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «و لا تكتب عليه الذنوب أربعة أشهر و تكتب له الحسنات إلا أن يأتي بكبيرة» (1).

الرابع عشر: ما رواه الكليني في الصحيح، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «الحاج على ثلاثة أصناف: صنف يعتق من النار، و صنف يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه، و صنف يحفظ في أهله و ماله، و هو أدنى ما يرجع به الحاج» (2).

الخامس عشر: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

الحج و العمرة ينفيان الفقر و الذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد» قال معاوية، فقلت له: حجة أفضل أو عتق رقبة؟ قال: «حجة أفضل» قلت:

فثنتين؟ قال: «فحجة أفضل» قال معاوية: فلم أزل أزيد و يقول حجة أفضل حتى بلغت ثلاثين رقبة، فقال: «حجة أفضل» (3).

السادس عشر: ما رواه الشيخ في الصحيح أيضا، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «من مات في طريق مكة ذاهبا أو جائيا أمن من الفزع الأكبر يوم القيامة» (4).

____________

(1) التهذيب 5: 19- 56، الوسائل 8: 79 أبواب وجوب الحج ب 42 ح 1.

(2) الكافي 4: 262- 40، الوسائل 8: 65 أبواب وجوب الحج ب 38 ح 3.

(3) التهذيب 5: 21- 60، الوسائل 8: 74 أبواب وجوب الحج ب 38 ح 43.

(4) التهذيب 5: 23- 68، الوسائل 8: 69 أبواب وجوب الحج ب 38 ح 21.

14

..........

____________

السابع عشر: ما رواه الكليني في الحسن، عن حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «النظر إلى الكعبة عبادة، و النظر إلى الوالدين عبادة، و النظر إلى الإمام عبادة» قال: «من نظر إلى الكعبة كتبت له حسنة، و محيت عنه عشر سيئات» (1).

الثامن عشر: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن صفوان الجمال، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إلا أن يكون فيه خصال ثلاث: حلم يملك به غضبه، و خلق يخالق به من صحبه، و ورع يحجزه عن معاصي اللّه» (2).

التاسع عشر: ما رواه الكليني في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «ما يعبأ بمن يسلك هذا الطريق إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي اللّه، و حلم يملك به غضبه، و حسن الصحبة لمن صحبه» (3).

العشرون: ما رواه الكليني مرسلا، عن أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) أنه قال في خطبة له: «و لو أراد اللّه جل ثناؤه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان، و معادن العقيان [4]، و مغارس الجنان، و أن يحشر معهم طير السماء و وحوش الأرض لفعل، و لو فعل لسقط البلاء، و بطل الجزاء، و اضمحل الابتلاء، و لما وجب للعالمين أجور المبتلين، و لا لحق المؤمنين ثواب المحسنين، و لا لزمت الأسماء أهاليها على معنى مبين، و كذلك لو أنزل اللّه من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين، و لو فعل لسقط البلوى

____________

[4] معادن العقيان: هو الذهب الخالص و قيل: هو ما ينبت فيه نباتا. و الألف و النون زائدتان- النهاية لابن الأثير 3: 283.

____________

(1) الكافي 4: 240- 5، الوسائل 9: 364 أبواب مقدمات الطواف ب 29 ح 4.

(2) التهذيب 5: 445- 1549، الوسائل 8: 403 أبواب أحكام العشرة ب 2 ح 5.

(3) الكافي 4: 286- 2، الوسائل 8: 402 أبواب أحكام العشرة ب 2 ح 4.

15

..........

____________

هذه الأحكام كلها إجماعية على ما نقله جماعة منهم المصنف في المعتبر (1). أما الوجوب على كل مكلف مستطيع فيدل عليه عموم قوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2) و هو يتناول الرجال و النساء و الخناثى.

و أما أنّ الوجوب بأصل الشرع مرة واحدة فقال الشيخ في التهذيب: إنه لا خلاف فيه بين المسلمين، فلأجل ذلك لم نتشاغل بإيراد الأخبار فيه (3).

ثم أورد بعد ذلك عدة أحاديث متضمنة لأن اللّه عزّ و جلّ فرض الحج على أهل الجدة في كل عام، و فيها ما هو صحيح السند. و أجاب عنها بالحمل على أنّ المعنى أنه يجب على أهل الجدة في كل عام على طريق البدل، لأن من وجب عليه الحج في السنة الأولة فلم يفعل وجب عليه في الثانية، و كذلك إذا لم يحج في الثانية وجب عليه في الثالثة، و على هذا في كل سنة إلى أن يحج (4).

و قال المصنف في المعتبر: إنّ هذه الروايات محمولة على الاستحباب، لأن تنزيلها على ظاهرها مخالف لإجماع المسلمين كافة (5).

و هو حسن.

و أما أنّ الوجوب فوري فيدل عليه مضافا إلى الإجماع روايات كثيرة، كصحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا قدر الرجل على ما يحج به ثم دفع ذلك و ليس له شغل يعذره اللّه فيه فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام» (6).

____________

(1) المعتبر 2: 745.

(2) آل عمران: 97.

(3) التهذيب 5: 16.

(4) التهذيب 5: 16.

(5) المعتبر 2: 747.

(6) التهذيب 5: 18- 54، الوسائل 8: 17 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 6 ح 3.

16

و هو فرض كل من اجتمعت فيه الشرائط الآتية، من الرجال و النساء و الخناثى.

و لا يجب بأصل الشرع إلا مرة واحدة، و هي حجة الإسلام.

و تجب على الفور. و التأخير مع الشرائط كبيرة موبقة. (1)

____________

يهزّوا مناكبهم ذللا للّه حوله، و يرملوا (1) على أقدامهم شعثا غبرا قد نبذوا القنع و السراويل وراء ظهورهم، و حسروا بالشعور حلقا عن رؤسهم، ابتلاء عظيما، و اختبارا كثيرا، و امتحانا شديدا، و تمحيصا بليغا، و فتونا مبينا، جعله اللّه سببا لرحمته، و وصلة و وسيلة إلى جنته، و علة لمغفرته، و ابتلاء للخلق برحمته، و لو كان اللّه تبارك و تعالى وضع بيته الحرام و مشاعره العظام بين جنات و أنهار، و سهل و قرار، جم الأشجار، داني الثمار، ملتف النبات، متصل القرى، بين برة سمراء، و روضة خضراء، و أرياف محدقة، و عراص مغدقة، و زروع ناضرة، و طرق عامرة، و حدائق كثيرة، لكان قد صغر قدر الجزاء، على حسب ضعف البلاء، ثم لو كانت الأساس المحمول عليها و الأحجار المرفوع بها بين زمردة خضراء و ياقوتة حمراء و نور و ضياء لخفف ذلك مصارعة الشك في الصدور، و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، و لنفى معتلج الريب من الناس، و لكن اللّه عزّ و جلّ يختبر عبيده بأنواع الشدائد، و يتعبدهم بألوان المجاهد، و يبتليهم بضروب المكاره، إخراجا للتكبر من قلوبهم، و إسكانا للتذلل في نفوسهم، و ليجعل ذلك أبوابا إلى فضله، و أسبابا ذللا لعفوه» (2).

قوله: (و هو فرض على كل من اجتمعت فيه الشرائط الآتية، من الرجال و النساء و الخناثى. و لا يجب بأصل الشرع إلا مرّة واحدة، و هي حجة الإسلام، و تجب على الفور، و التأخير مع الشرائط كبيرة موبقة).

(1) عن الناس أجمعين، و لكن اللّه جل ثناؤه جعل رسله أولي قوة في عزائم

____________

(1) الرمل: الهرولة (الصحاح 4: 1713)، و في بعض النسخ: يزملوا، و في المصدر:

يرملون.

(2) الكافي 4: 198- 2.

17

..........

____________

نياتهم، و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، من قناعة تملأ القلوب و العيون غناؤه، و خصاصة تملأ الأسماع و الأبصار أذاؤه، و لو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام، و عزة لا تضام، و ملك تمد نحوه أعناق الرجال، و يشد إليه عقد الرحال، لكان أهون على الخلق في الاختبار، و أبعد لهم من الاستكبار، و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم، أو رغبة مائلة بهم، فكانت النيات مشتركة، و الحسنات مقتسمة، و لكن اللّه سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله و التصديق بكتبه و الخشوع لوجهه و الاستكانة لأمره و الاستسلام إليه أمورا له خاصة، لا تشوبها من غيرها شائبة. و كلما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة و الجزاء أجزل، ألا ترون أن اللّه جل ثناؤه اختبر الأولين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر و لا تنفع، و لا تبصر و لا تسمع، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا، و أقل نتائق [1] الدنيا مدرا، و أضيق بطون الأودية معاشا، و أغلظ محال المسلمين مياها، بين جبال خشنة، و رمال دمثة [2]، و عيون و شلة [3]، و قرى منقطعة، و أثر من مواضع قطر السماء داثر، ليس يزكو به خف و لا ظلف و لا حافر، ثم أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، و غاية لملقى رحالهم، تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز [4] قفار متصلة، و جزائر بحار منقطعة، و مهاوي فجاج عميقة، حتى

____________

[1] نتائق: جمع نتيقة، فعيلة بمعنى مفعولة، من النتق، و هو أن تقلع الشيء فترفعه من مكانه لترمي به، هذا هو الأصل. و أراد بها هنا البلاد، لرفع بنائها و شهرتها في موضعها- النهاية لابن الأثير 5: 13.

[2] دمثة: الدمث، و هو الأرض السهلة الرخوة، و الرمل الذي ليس بمتلبّد- النهاية لابن الأثير 2: 132.

[3] وشلة: الوشل: الماء القليل، و قد وشل يشل وشلانا- النهاية لابن الأثير 5: 189.

[4] المفاوز: المفاز و المفازة: البرّيّة القفر، و الجمع: المفاوز، سميت بذلك لأنها مهلكة- النهاية لابن الأثير 3: 478.

18

و قد يجب الحج بالنذر و ما في معناه، و بالإفساد، (1)

____________

و صحيحة ذريح المحاربي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «من مات و لم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديا أو نصرانيا» (1) و الوعيد مطلقا دليل التضييق.

و معنى وجوب الفورية فيه: وجوب المبادرة إليه في أول عام الاستطاعة مع الإمكان، و إلا ففيما يليه و هكذا، و لو توقف على مقدمات من سفر و غيره تعين الإتيان بها على وجه يدركه كذلك.

و لو تعددت الرفقة في العام الواحد قيل: وجب عليه المسير مع أولها، فإن أخّر عنها و أدركه مع التالية، و إلا كان كمؤخره عمدا في استقراره، و به قطع جدي- (قدس سره)- في الروضة (2). و جوز الشهيد في الدروس التأخر عن الأولى إن وثق بالمسير مع غيرها (3)، و هو حسن، بل (4) يحتمل قويا جواز التأخير بمجرد احتمال سفر الثانية، لانتفاء الدليل على فورية المسير بهذا المعنى. و أطلق العلامة في التذكرة جواز التأخير عن الرفقة الأولى (5)، لكن المسألة في كلامه مفروضة في حج النائب.

و ينبغي القطع بالجواز إذا كان سفر الأولى قبل أشهر الحج و قبل تضيّق الوقت الذي يمكن إدراكه فيه، لأنه الأصل، و لا مقتضى للخروج عنه، و اللّه أعلم.

قوله: (و قد يجب الحج بالنذر، و ما في معناه، و بالإفساد).

(1) المراد بما في معنى النذر: العهد و اليمين. و لو لم يعطف عليه الإفساد

____________

(1) الكافي 4: 268- 1، الفقيه 2: 273- 1333، التهذيب 5: 17- 49، المحاسن:

88- 31، عقاب الأعمال: 281- 2، المقنعة: 61، المعتبر 2: 746، الوسائل 8:

19 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 7 ح 1.

(2) الروضة البهية 2: 161.

(3) الدروس: 85.

(4) في «م»: و.

(5) التذكرة 1: 313.

19

و بالاستيجار للنيابة. (1) و يتكرر بتكرر السبب. (2)

و ما خرج عن ذلك مستحب.

و يستحب لفاقد الشروط، كمن عدم الزاد و الراحلة إذا تسكع، سواء شقّ عليه السعي أو سهل، و كالمملوك إذا أذن له مولاه. (3)

____________

و الاستيجار لأمكن اندراجهما فيه أيضا. و لا فرق في وجوب الحج ثانيا بإفساده بين كونه واجبا أو مندوبا، فإن المندوب يجب بالشروع فيه، كما سيجيء بيانه إن شاء اللّه (1).

قوله: (و بالاستيجار للنيابة).

(1) لا فرق في ذلك بين الواجب و المندوب أيضا.

قوله: (و يتكرر بتكرر السبب).

(2) الضمير يرجع إلى الحج الواجب بالعارض مطلقا، و لا ريب في تكرر الوجوب في هذه المواضع بتكرر السبب، لأن وجوده يقتضي وجود المسبب.

قوله: (و ما خرج عن ذلك مستحب، و يستحب لفاقد الشرائط، كمن عدم الزاد و الراحلة إذا تسكّع، سواء شق عليه السعي أو سهل، و كالمملوك إذا أذن له مولاه).

(3) لا ريب في استحباب الحج في جميع هذه الصور، لعموم الترغيب فيه. و يستحب لمن حج تكرار الحج استحبابا مؤكدا، فروى ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه، عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «من حج حجة الإسلام فقد حل عقدة النار من عنقه، و من حج حجتين لم يزل في خير حتى يموت، و من حج ثلاث حجج متواليات ثم حج أو لم يحج فهو بمنزلة

____________

(1) في ج 8 ص 408.

20

[المقدمة الثانية: في الشرائط]

المقدمة الثانية: في الشرائط، و النظر في: حجة الإسلام، و ما يجب بالنذر، و ما في معناه، و في أحكام النيابة.

[القول في حجة الإسلام]

القول في حجة الإسلام.

[و شروط وجوبها خمسة]

و شروط وجوبها خمسة:

[الأول: كمال العقل]

الأول: كمال العقل، فلا تجب على الصبي، و لا على المجنون.

و لو حج الصبي أو حجّ عنه أو عن المجنون لم يجز عن حجة الإسلام. (1)

____________

مدمن الحج» (1) قال: و قد روي أن من حج ثلاث حجات لم يصبه فقر أبدا (2) و الأخبار الواردة بذلك أكثر من أن تحصى.

و يكره ترك الحج للموسر خمس سنين، لما رواه الكليني، عن ذريح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «من مضت له خمس سنين فلم يفد إلى ربه و هو موسر، إنه لمحروم» (3).

و عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) إنه قال: «إنّ للّه ملكا ينادي: أيّ عبد أحسن اللّه إليه و أوسع عليه في رزقه فلم يفد إليه في كل خمسة أعوام مرة ليطلب نوافله، إنّ ذلك لمحروم» (4).

قوله: (القول في حجة الإسلام، و شرائط وجوبها خمسة:

الأول: البلوغ و كمال العقل، فلا تجب على الصبي و لا على المجنون، و لو حج الصبي أو حج عنه أو عن المجنون لم يجز عن حجة الإسلام).

(1) أما أنه لا يجب على الصبي و المجنون فقال المصنف في المعتبر: إنه

____________

(1) الفقيه 2: 139- 603، الوسائل 8: 90 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 45 ح 13.

(2) الفقيه 2: 139- 604، الوسائل 8: 90 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 45 ح 14.

(3) الكافي 4: 278- 1، الوسائل 8: 98 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 49 ح 1.

(4) الكافي 4: 278- 2، الوسائل 8: 98 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 49 ح 2.

21

و لو دخل الصبيّ المميز و المجنون في الحجّ ندبا ثم كمل كل واحد منهما و أدرك المشعر أجزأ عن حجة الإسلام على تردد. (1)

____________

قول العلماء كافة (1). و يدل عليه مضافا إلى استحالة توجه الخطاب إلى غير الكامل قوله (عليه السلام): «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، و عن المجنون حتى يفيق» (2).

و أما إنهما إذا حجا أو حج عنهما فزال نقصهما بعد انقضاء الحج لم يجزهما عن حجة الإسلام فقال في المنتهى: إنه لا يعرف فيه خلافا (3).

و يدل عليه روايات كثيرة، منها ما رواه ابن بابويه في الصحيح، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: «عليه حجة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت» (4).

و ما رواه الشيخ، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «و لو أنّ غلاما حج عشر سنين ثم احتلم كانت عليه فريضة الإسلام» (5).

و عن شهاب، قال: سألته عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: «عليه حجة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت» (6).

قوله: (و لو دخل الصبي المميز و المجنون في الحج ندبا ثم كمل كل واحد منهما و أدرك المشعر أجزأ عن حجة الإسلام على تردد).

(1) إذا دخل الصبي المميز أو المجنون في الحج ندبا ثم كمل في أثنائه،

____________

(1) المعتبر 2: 747.

(2) الخصال: 175- 233، الوسائل 1: 32 أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11.

(3) المنتهى 2: 648.

(4) الفقيه 2: 266- 1296، الوسائل 8: 30 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 12 ح 1.

(5) التهذيب 5: 6- 15، الإستبصار 2: 146- 477، الوسائل 8: 30 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 13 ح 2.

(6) الكافي 4: 276- 8، التهذيب 5: 6- 14، الإستبصار 2: 146- 476، الوسائل 8:

30 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 12 ح 2.

22

..........

____________

فإن كان بعد الوقوف بالموقفين أتم تطوعا، و لم يجزيه عن حجة الإسلام إجماعا، قاله في التذكرة (1)، لأصالة عدم إجزاء المندوب عن الواجب. و إن أدرك المشعر كاملا فقد ذكر الشيخ و أكثر الأصحاب أنه يدرك الحج بذلك و يجزيه عن حجة الإسلام (2)، و نقل فيه في التذكرة الإجماع، و استدل عليه بالروايات المتضمنة للإجزاء في العبد إذا أدرك المشعر معتقا (3). و هو قياس مع الفارق.

و استدل عليه في المنتهى بأنه زمان يصح إنشاء الحج فيه فكان مجزيا بأن يجدد فيه نية الوجوب (4).

و يتوجه عليه أن جواز إنشاء الحج في ذلك الزمان على بعض الوجوه بنص خاص لا يقتضي إلحاق غيره به، خصوصا مع مصادمته لمقتضى الأصل من عدم إجزاء المندوب عن الواجب. و من ثم تردد في ذلك المصنف (رحمه اللّه) هنا و في المعتبر (5) و هو في محله. ثم إن قلنا بالإجزاء فيجب تجديد نية الوجوب لباقي الأفعال.

و هل يعتبر فيه كون الصبي أو المجنون مستطيعا قبل ذلك الحج من حيث الزاد و الراحلة؟ قيل: نعم، و به قطع الشهيدان (6)، لأن البلوغ و العقل أحد الشرائط الموجبة، كما إنّ الاستطاعة كذلك، فوجود أحدهما دون الآخر

____________

(1) التذكرة 1: 283.

(2) النهاية: 202.

(3) التذكرة 1: 299.

(4) المنتهى 2: 649.

(5) المعتبر 2: 749.

(6) الشهيد الأول في الدروس: 83، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 87، و الروضة 2:

165.

23

و يصحّ إحرام الصبي المميّز و إن لم يجب عليه. (1)

____________

غير كاف في الوجوب، و قيل: لا (1)، و هو ظاهر الأكثر، حيث لم يتعرضوا لاشتراط ذلك، تمسكا بالإطلاق، و التفاتا إلى النصوص الصحيحة المتضمنة للإجزاء في العبد إذا أدرك المشعر معتقا، مع امتناع الاستطاعة السابقة في حقه عند من قال بإحالة ملكه.

ثم إن قلنا باعتبار الاستطاعة فيكفي حصولها من الميقات، بل لا يبعد الاكتفاء بحصولها من حين التكليف، و ظاهر الشهيدين اعتبار حصولها من البلد (2)، و هو غير واضح لما سنبينه إن شاء اللّه تعالى من عدم اعتبار ذلك مطلقا.

و اعلم أنّ إطلاق كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في الإجزاء عند القائلين به بين حج التمتع و غيره، و هو ظاهر اختيار الشهيد في الدروس حيث قال: و يعتد بالعمرة المتقدمة لو كان الحج تمتعا في ظاهر الفتوى (3). و نقل عن شارح ترددات الكتاب أنه قوّى اختصاص ذلك بالقارن و المفرد، استبعادا لإجزاء العمرة الواقعة بتمامها على وجه الندب عن الواجب (4)، و لا بأس به قصرا لما خالف الأصل على موضع الوفاق إن تم، و إلا اتجه عدم الإجزاء مطلقا.

قوله: (و يصح إحرام الصبي المميّز و إن لم يجب عليه).

(1) أما انتفاء الوجوب عليه فقد تقدم الكلام فيه، و أما صحة إحرامه فظاهر التذكرة و المنتهى أنه لا خلاف فيه بين العلماء (5)، و يدل عليه روايات كثيرة سيجيء طرف منها إن شاء اللّه في غضون هذا الباب. و إنما يصح إحرام الصبي المميز مع إذن وليه، لأن الإحرام عقد يؤدي إلى لزوم مال، فجرى

____________

(1) قاله العلامة في التبصرة: 86.

(2) الشهيد الأول في الدروس: 83، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 87.

(3) الدروس: 83.

(4) المسالك 1: 87.

(5) التذكرة 1: 297، و المنتهى 2: 648.

24

و يصح أن يحرم عن غير المميز وليه ندبا، و كذا المجنون. (1)

____________

مجرى سائر عقوده التي لا تصح إلا بإذن وليه.

و اختلف الأصحاب في توقف الحج المندوب من الولد البالغ على إذن الأب أو الأبوين، فأطلق الشيخ عدم اعتبار استئذانهما (1)، و هو ظاهر اختيار الشهيد في الدروس (2). و اعتبر العلامة في القواعد إذن الأب خاصة (3)، و قوى الشارح توقفه على إذن الأبوين (4). و قال في الروضة: إنّ عدم اعتبار إذنهما حسن إذا لم يكن الحج مستلزما للسفر المشتمل على الخطر، و إلا فالاشتراط أحسن (5). و لم أقف في هذه المسألة على نص بالخصوص، و مقتضى الأصل عدم الاشتراط، و الواجب المصير إليه إلى أن يثبت المخرج عنه.

قوله: (و يصح أن يحرم عن غير المميز وليه ندبا، و كذا المجنون).

(1) ليس المراد بإحرام الولي عن غير المميز و المجنون كونه نائبا عنهما في ذلك، بل جعلهما محرمين، سواء كان هو محلا أو محرما، كما صرح به الأصحاب، و نطقت به الأخبار، كصحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): قال: «إذا حج الرجل بابنه و هو صغير فإنه يأمره أن يلبّي و يفرض الحج، فإن لم يحسن أن يلبي لبوا عنه، و يطاف به، و يصلى عنه» قلت: ليس لهم ما يذبحون عنه، قال: «يذبح عن الصغار و يصوم الكبار، و يتقى ما يتقي المحرم من الثياب و الطيب، فإن قتل صيدا فعلى أبيه» (6).

____________

(1) الخلاف 1: 495.

(2) الدروس: 82.

(3) القواعد 1: 73.

(4) المسالك 1: 87.

(5) الروضة البهية 2: 164.

(6) الكافي 4: 303- 1، الفقيه 2: 265- 1291، التهذيب 5: 409- 1424، الوسائل 8:

208 أبواب أقسام الحج ب 17 ح 5.

25

..........

____________

و صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة، أو إلى بطن مرو، يصنع بهم ما يصنع بالمحرم، و يطاف بهم، و يرمى عنهم، و من لم يجد الهدي فليصم عنه وليه» (1).

و يستفاد من هاتين الروايتين و ما في معناهما أنّ الولي يأمر الصبي بالتلبية، فإن لم يحسنها لبى عنه، ثم يلبسه ثوبي الإحرام، و يجنبه ما يجتنبه المحرم، و يحضره الموقفين و منى، و يرمي عنه إن لم يحسن الرمي، و يطوف به إن لم يتمكن من المباشرة، و إذا طاف به فليكونا متطهرين، و احتمل في الدروس الاجتزاء بطهارة الولي (2). و لا يخلو من قوة.

و لو أركبه دابة فيه أو في السعي قيل: وجب كونه سائقا به أو قائدا، إذ لا قصد لغير المميز (3).

و ينبغي القطع بجواز الاستنابة في ذلك، لإطلاق الأمر بالطواف به، و لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المتضمنة لكيفية حج الصبيان حيث قال فيها: «ثم مروا الخادم أن يطوف به بالبيت و بين الصفا و المروة» (4).

و يستفاد من إطلاق الأمر بالصلاة عن الصبي أنه لا يؤمر بإيقاع صورة الصلاة كما يؤمر بالإتيان بالطواف، و احتمل في الدروس أمره بالإتيان بصورة

____________

(1) الكافي 4: 304- 4، الفقيه 2: 266- 1294، التهذيب 5: 409- 1423، الوسائل 8:

207 أبواب أقسام الحج ب 17 ح 3.

(2) الدروس: 82.

(3) قال به الشهيد الأول في الدروس: 82.

(4) الكافي 4: 300- 5، التهذيب 5: 410- 1425، الوسائل 8: 207 أبواب أقسام الحج ب 17 ح 1، في الكافي و الوسائل بتفاوت يسير.

26

و الوليّ: هو من له ولاية المال، كالأب، و الجدّ للأب، و الوصيّ. (1)

و قيل: للأمّ ولاية الإحرام بالطفل. (2)

____________

الصلاة أيضا كالطواف (1). و هو غير بعيد، إلا أن ظاهر النص الفرق بين الأمرين.

و اعلم أنّ ما وقفت عليه في هذه المسألة من الروايات مختص بالصبي (2)، و لا ريب أن الصبية في معناه.

و ألحق به الأصحاب المجنون، و استدل عليه في المنتهى بأنه ليس أخفض حالا منه (3). و هو مشكل، لأنه قياس مع الفارق.

قوله: (و الولي من له ولاية المال، كالأب و الجد للأب و الوصي).

(1) أما ولاية الأب و الجد للأب في ذلك فقال في التذكرة: إنه قول علمائنا أجمع (4)، و في الأخبار دلالة عليه. و أما ولاية الوصي فمقطوع بها في كلام الأصحاب، و استدل عليه بأن له ولاية المال على الطفل فكان له ولاية الإذن في الحج. و هو حسن، و في النصوص بإطلاقها دلالة عليه أيضا.

و ربما ظهر من قول المصنف (رحمه اللّه): و الولي من له ولاية المال، ثبوت الولاية في ذلك للحاكم أيضا، و نقل عن الشيخ- (رحمه اللّه)- في بعض كتبه التصريح بذلك (5)، و لا بأس به لأنه كالوصي.

قوله: (و قيل، للأم ولاية الإحرام بالطفل).

(2) القول للشيخ (6)- (رحمه اللّه)- و أكثر الأصحاب، و استدلوا عليه بما رواه

____________

(1) الدروس: 82.

(2) الوسائل 8: 207 أبواب أقسام الحج ب 17.

(3) المنتهى 2: 649.

(4) التذكرة 1: 281.

(5) المبسوط 1: 328.

(6) المبسوط 1: 329.

27

و نفقته الزائدة تلزم الولي دون الطفل. (1)

____________

الشيخ في الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال، سمعته يقول: «مر رسول اللّه صلى اللّٰه عليه و آله برويثة و هو حاج، فقامت إليه امرأة و معها صبي لها، فقالت يا رسول اللّه: أ يحج عن مثل هذا؟

قال: نعم، و لك أجره» (1) و لا يضاف إليها الأجر إلا لتبعيته لها في الأفعال.

و قال ابن إدريس: لا ولاية لها في ذلك، لانتفاء ولايتها في المال و النكاح، فتنتفي هنا (2). و قواه فخر المحققين (3). و هو مدفوع بالرواية المتقدمة.

قوله: (و نفقته الزائدة تلزم الولي دون الطفل).

(1) المراد بها: ما يغرمه زائدا عما كان يغرمه لو كان حاضرا في بلده، كأجرة الدابة، و آلات السفر، و نحوهما. و إنما كانت النفقة الزائدة على الولي لأنه غرم أدخله عليه فلزمه بالتسبيب، و لأن الولي يلزمه كفارة الصيد على ما تضمنته صحيحة زرارة المتقدمة (4) فالنفقة أولى.

و ألحق الأكثر بالنفقة الزائدة الفدية التي تلزم المكلف في حالتي العمد و الخطأ، و هي كفارة الصيد. و جزم في التذكرة بلزومها للصبي للزومها بجنايته، فكان كما لو أتلف مال غيره (5). و تدفعه صحيحة زرارة.

و اختلف الأصحاب أيضا فيما يختلف حكم عمده و سهوه في البالغ، كالوطء و اللبس إذا تعمده الصبي، فقال الشيخ (رحمه اللّه): الظاهر أنه تتعلق به الكفارة على وليه، و إن قلنا لا يتعلق به شيء لما روي عنهم

____________

(1) التهذيب 5: 6- 16، الإستبصار 2: 146- 478، الوسائل 8: 37 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 20 ح 1.

(2) السرائر: 150.

(3) إيضاح الفوائد 1: 264.

(4) في ص 24.

(5) التذكرة 1: 297.

28

[الثاني: الحريّة]

الثاني: الحريّة، فلا يجب على المملوك و لو أذن له مولاه. و لو تكلّفه بإذنه صحّ حجّه، لكن لا يجزيه عن حجة الإسلام. (1)

____________

(عليهم السلام): «إنّ عمد الصبي و خطأه واحد» (1) و الخطأ في هذه الأشياء لا يتعلق به كفارة من البالغين كان قويا (2). و هو جيد لو ثبت اتحاد عمد الصبي و خطائه على وجه العموم، لكنه غير واضح، لأن ذلك إنما ثبت في الديات خاصة.

و قيل بالوجوب، تمسكا بالإطلاق، و نظرا إلى أن الولي يجب عليه منع الصبي عن هذه المحظورات، و لو كان عمده خطأ لما كان وجب عليه المنع، لأن الخطأ لا يتعلق به حكم، و لا يجب المنع منه (3). و المسألة محل تردد، و إن كان الأقرب عدم الوجوب اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع النص و هو الصيد.

و ذكر الشيخ- (رحمه اللّه)- أنه يتفرع على الوجهين ما لو وطئ قبل أحد الموقفين متعمدا، فإن قلنا إنّ عمده و خطأه سواء لم يتعلق به فساد الحج، و إن قلنا إن عمده عمد فسد حجه و لزمه القضاء. ثم قال: و الأقوى الأول، لأن إيجاب القضاء يتوجه إلى المكلف، و هذا ليس بمكلف (4). و هو جيد.

ثم إن قلنا بالإفساد فلا يجزئه القضاء حتى يبلغ (فيما قطع به الأصحاب، و لا يجزئه عن حج الإسلام) (5) إلا أن يكون بلغ في الفاسد قبل الوقوف بالمشعر أن اجتزأنا بذلك.

قوله: (الثاني، الحرية، فلا يجب على المملوك و إن أذن له مولاه، و لو تكلّفه بإذنه صح حجه، لكن لا يجزيه عن حجة الإسلام).

(1) أما عدم وجوب الحج على المملوك و إن أذن له مولاه، فقال في

____________

(1) التهذيب 10: 233- 920، الوسائل 19: 307 أبواب العاقلة ب 11 ح 2.

(2) المبسوط 1: 329.

(3) قال به العلامة في التذكرة 1: 297.

(4) المبسوط 1: 329.

(5) بدل ما بين القوسين في «ض»: و لا يجزي حج الإسلام.

29

..........

____________

المعتبر: إنّ عليه إجماع العلماء (1). و يدل عليه روايات، منها رواية آدم بن علي، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «ليس على المملوك حج و لا عمرة حتى يعتق» (2).

و أما إنه إذا تكلف الحج بإذن مولاه يصح حجه و لا يجزئه عن حجة الإسلام، فقال في المنتهى: إنه قول كل من يحفظ عنه العلم (3). و يدل عليه روايات كثيرة، كصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: «المملوك إذا حج ثم عتق فإن عليه إعادة الحج» (4).

و صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

«المملوك إذا حج و هو مملوك ثم مات قبل أن يعتق أجزأه ذلك، و إن أعتق أعاد الحج» (5).

و رواية إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن أم الولد يكون الرجل قد أحجها، أ يجزيها ذلك عن حجة الإسلام؟ قال: «لا» قلت: لها أجر في حجتها، قال: «نعم» (6).

و لا ينافي ذلك ما رواه الشيخ عن حكم الصيرفي، قال: سمعت أبا

____________

(1) المعتبر 2: 749.

(2) التهذيب 5: 4- 5، الوسائل 8: 32 أبواب وجوب الحج ب 15 ح 4، بتفاوت يسير.

(3) المنتهى 2: 650.

(4) التهذيب 5: 4- 7، الإستبصار 2: 147- 479، الوسائل 8: 33 أبواب وجوب الحج ب 16 ح 3.

(5) التهذيب 5: 4- 8، الإستبصار 2: 147- 480، الوسائل 8: 33 أبواب وجوب الحج ب 16 ح 4.

(6) الفقيه 2: 265- 1288، التهذيب 5: 5- 10، الإستبصار 2: 147- 482، الوسائل 8:

34 أبواب وجوب الحج ب 16 ح 6.

30

فإن أدرك الوقوف بالمشعر معتقا أجزأه. (1)

____________

عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «أيما عبد حج به مواليه فقد قضى حجة الإسلام» (1) لأنا نجيب عنه بالحمل على من استمر به العبودية إلى وفاته، أو على من أدرك العتق قبل الوقوف، كما ذكره العلامة في المنتهى، قال: لأن الأمّة لم تخالف في هذا الحكم، فيحمل مثل هذا الخبر الواحد الذي لا يبلغ المعارضة للإجماع على مثل هذا التأويل (2). و هو حسن.

و يستفاد من قول المصنف: و لو تكلفه بإذنه صح حجه، أنه لو حج بغير إذن سيده لم يصح، و هو كذلك، لأن منافعه مستحقة للسيد، فصرفها فيما لم يأذن فيه يكون منهيا عنه، فلا يقع عبادة، لتضاد الوجهين.

قوله: (فإن أدرك الوقوف بالمشعر معتقا أجزأه).

(1) هذا قول علمائنا أجمع، حكاه في المنتهى (3). و المستند فيه ما رواه ابن بابويه في الصحيح، عن معاوية بن عمار، قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): مملوك أعتق يوم عرفة، قال: «إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج» (4).

و في الصحيح عن الحسن بن محبوب، عن شهاب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجل أعتق عشية عرفة عبدا له، قال: «يجزى العبد حجة الإسلام، و يكتب للسيد أجران: ثواب العتق، و ثواب الحج» (5).

و إنما جزم المصنف هنا بالاجتزاء و تردد في الصبي و المجنون لوجود

____________

(1) التهذيب 5: 5- 11، الإستبصار 2: 147- 483، الوسائل 8: 34 أبواب وجوب الحج ب 16 ح 7.

(2) المنتهى 2: 650.

(3) المنتهى 2: 650.

(4) الفقيه 2: 265- 1290، الوسائل 8: 35 أبواب وجوب الحج ب 17 ح 2.

(5) الفقيه 2: 265- 1289، المحاسن: 66- 122، الوسائل 8: 35 أبواب وجوب الحج ب 17 ح 1.

31

..........

____________

النص في العبد دونهما.

و ينبغي القطع بعدم اعتبار الاستطاعة هنا مطلقا، لإطلاق النص، خصوصا السابقة. و اعتبر الشهيد في الدروس تقدم الاستطاعة و بقاءها مع حكمه بإحالة ملك العبد (1). و هو عجيب.

فروع:

الأول: لو أذن السيد لعبده في الحج لم يجب عليه التلبس به، لكن لو تلبس وجب كغيره من أفراد المندوب. و يجوز لسيده الرجوع في الإذن قبل التلبس لا بعده.

و لو رجع قبل التلبس و لم يعلم العبد حتى أحرم فالظاهر وجوب الاستمرار، لدخوله دخولا مشروعا، فكان رجوع المولى كرجوع الموكل قبل التصرف و لم يعلم الوكيل.

و قال الشيخ: إنه يصح إحرامه، و للسيد أن يحلله (2)، و ضعفه ظاهر، لأن صحة الإحرام إنما هو لبطلان رجوع المولى، فكان كما لو لم يرجع، و الإحرام ليس من العبادات الجائزة، و إنما يجوز الخروج منه في مواضع مخصوصة، و لم يثبت أن هذا منها.

الثاني: لو أحرم العبد بإذن مولاه ثم باعه صح البيع إجماعا، لأن الإحرام لا يمنع التسليم، فلا يمنع صحة البيع. ثم إن كان المشتري عالما بذلك فلا خيار له، و إن لم يعلم ثبت له الخيار على الفور، إلا مع قصر الزمان بحيث لا يفوته شيء من المنافع.

الثالث: لا فرق في المملوك بين القن و المكاتب المطلق الذي لم يؤد و المشروط و أم الولد و المبعض. نعم لو تهايا المبعض مع المولى و وسعت

____________

(1) الدروس: 83.

(2) المبسوط 1: 327.

32

..........

____________

نوبته للحج و انتفى الخطر و الضرر كان له الحج ندبا بغير إذن السيد، كما يجوز له غيره من الأعمال.

الرابع: لو جنى العبد في إحرامه بما يلزم به الدم كاللباس و الطيب و حلق الشعر و قتل الصيد قال الشيخ (رحمه اللّه): إنه يلزم العبد، لأنه فعل ذلك بدون إذن مولاه، و يسقط الدم إلى الصوم، لأنه عاجز ففرضه الصيام، و لسيده منعه منه، لأنه فعل موجبه بدون إذن مولاه (1). و قال المفيد (رحمه اللّه): على السيد الفداء في الصيد (2). و قال المصنف- (رحمه اللّه)- في المعتبر: إن جناياته كلها على السيد، لأنها من توابع إذنه في الحج (3).

و لما رواه الشيخ و ابن بابويه- رضي اللّه عنهما- في الصحيح، عن حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «كلما أصاب العبد و هو محرم في إحرامه فهو على السيد إذا أذن له» (4).

و يظهر من كلام الشيخ في التهذيب اختيار ذلك، فإنه قال بعد نقل هذه الرواية: و لا يعارض هذا الحديث ما رواه سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، قال:

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن عبد أصاب صيدا و هو محرم، هل على مولاه شيء من الفداء؟ فقال: «لا شيء على مولاه» لأن هذا الخبر ليس فيه أنه كان قد أذن له في الإحرام أو لم يأذن، و إذا لم يكن في ظاهره حملناه على من أحرم من غير إذن مولاه فلا يلزمه حينئذ حسب ما تضمنه الخبر (5).

و استوجه العلامة في المنتهى سقوط الدم و لزوم الصوم، إلا أن يأذن له

____________

(1) المبسوط 1: 328.

(2) المقنعة: 69.

(3) المعتبر 2: 751.

(4) الفقيه 2: 264- 1284، التهذيب 5: 382- 1334، الإستبصار 2: 216- 741، الوسائل 9: 251 أبواب كفارات الصيد ب 56 ح 1.

(5) التهذيب 5: 383.

33

و لو أفسد حجه ثم أعتق مضى في الفاسد و عليه بدنة و قضاؤه، و أجزأه عن حجة الإسلام. و إن أعتق بعد فوات الموقفين وجب القضاء، و لم يجزئه عن حجة الإسلام. (1)

____________

السيد في الجناية، فيلزمه الفداء (1). و المسألة محل تردد، و إن كان مختار المعتبر لا يخلو من قوة.

قوله: (و لو أفسد حجه ثم أعتق مضى في الفاسد و عليه بدنة و قضاؤه، و أجزأه عن حجة الإسلام، و إن أعتق بعد فوات الموقفين وجب القضاء، و لم يجزه عن حجة الإسلام).

(1) إذا أفسد العبد حجة المأذون فيه وجب عليه المضي فيه و بدنة و القضاء كالحر، لأنه حج صحيح، و إحرام متعبد به، فيترتب عليه أحكامه.

و هل يجب على السيد تمكينه من القضاء؟ قيل: نعم (2)، لأن إذنه في الحج إذن في مقتضياته، و من جملتها القضاء لما أفسده. و قيل: لا (3)، لأن المأذون فيه الحج لا إفساده، و ليس الإفساد من لوازم معنى الحج، بل من منافيات المأذون فيه، لأن الإذن في العبادة الموجبة للثواب دون ما يترتب على فعله العقاب.

و ربما بني الوجهان على أن القضاء هل هو الفرض و الفساد عقوبة أم بالعكس؟ فعلى الثاني لا يجب التمكين، لعدم تناول الإذن له، و على الأول يجب، لأن الإذن بمقتضى الإفساد انصرفت إلى القضاء، و قد لزم بالشروع، فلزمه التمكين (4)، و يشكل بأن الإذن لم تتناول الحج ثانيا و إن قلنا إنه الفرض، لأنها إنما تعلقت بالأول خاصة. و المسألة محل تردد، و إن كان

____________

(1) المنتهى 2: 651.

(2) قال به العلامة في التذكرة 1: 300، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 88.

(3) قال به المحقق الثاني في جامع المقاصد 1: 159، و احتمله و استدل له فخر المحققين في الإيضاح 1: 266.

(4) كما في جامع المقاصد 1: 159.

34

[الثالث: الزاد و الراحلة]

الثالث: الزاد و الراحلة، و هما يعتبران فيمن يفتقر إلى قطع المسافة. (1)

____________

القول بعدم وجوب التمكين لا يخلو من قوة.

و لو أعتقه المولى في الفاسد قبل الوقوف بالمشعر أتم حجه و قضى في القابل، و أجزأه عن حجة الإسلام، سواء قلنا إن الأولى عقوبة و الثانية حجة الإسلام، أم قلنا بالعكس، أما على الأول فظاهر، لوقوع حجة الإسلام في حال الحرية التامة، و أما على الثاني فلما سبق من أن العتق على هذا الوجه يقتضي إجزاء الحج من حج الإسلام (1).

و لو كان العتق بعد فوات الموقفين كان عليه إتمام الحجة و القضاء، و لا يجزئه عن حجة الإسلام، بل تجب عليه مع الاستطاعة، و يجب تقديمها على القضاء، للنص و الإجماع على فوريتها، فلو بدأ بالقضاء قال الشيخ:

انعقد عن حجة الإسلام، و لو كان القضاء في ذمته، و إن قلنا لا يجزي عن واحدة منهما كان قويا (2). هذا كلامه (رحمه اللّه)، و هو جيد إن قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص، و إلّا اتّجه صحة القضاء و إن أثم بتأخير حج الإسلام. و إنما يجب عليه حجة الإسلام مع الاستطاعة الشرعية، فلو لم تكن حاصلة وجب القضاء خاصة، إذ يكفي فيه الاستطاعة العادية.

قوله: (الثالث، الزاد و الراحلة، و هما معتبران فيمن يفتقر إلى قطع المسافة).

(1) أجمع العلماء كافة على أن الاستطاعة شرط في الحج، قال اللّه تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (3) و قال عزّ و جلّ لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (4).

____________

(1) راجع ص 30.

(2) المبسوط 1: 328.

(3) آل عمران: 97.

(4) البقرة: 286.

35

..........

____________

قال في المنتهى: و قد اتفق علماؤنا على أن الزاد و الراحلة شرطان في الوجوب، فمن فقدهما أو أحدهما مع بعد مسافته لم يجب عليه الحج و إن تمكن من المشي (1).

و يدل على اعتبارهما مضافا إلى عدم تحقق الاستطاعة عرفا بدونهما غالبا صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي، قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحا في بدنه، مخلا سربه، له زاد و راحلة، فهو ممن يستطيع الحج- أو قال-:

ممن كان له مال» فقال له حفص الكناسي: و إذا كان صحيحا في بدنه، مخلا سربه، له زاد و راحلة، فلم يحج فهو ممن يستطيع الحج؟ قال:

«نعم» (2).

و صحيحة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قال: «يكون له ما يحج به» قلت: فإن عرض عليه الحج فاستحيا؟ قال: «هو ممن يستطيع، و لم يستحيي؟! و لو على حمار أجذع أبتر. قال: فإن كان يستطيع أن يمشي بعضا و يركب بعضا فليفعل» (3).

و حسنة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في قول اللّه عزّ و جلّ:

وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ما السبيل؟ قال: «أن يكون له ما يحج به». قال، قلت: من عرض عليه ما يحج به فاستحيا من ذلك، أ هو ممن يستطيع إليه سبيلا؟ قال: «نعم، ما شأنه يستحي؟! و لو

____________

(1) المنتهى 2: 652.

(2) التهذيب 5: 3- 2، الإستبصار 2: 139- 454، الوسائل 8: 22 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 8 ح 4.

(3) التهذيب 5: 3- 4، الإستبصار 2: 140- 456، الوسائل 8: 22 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 8 ح 1.

36

..........

____________

يحج على حمار أبتر، فإن كان يستطيع أن يمشي بعضا و يركب بعضا فليحج» (1).

قال في المنتهى: و إنما يشترط الزاد و الراحلة في حق المحتاج إليهما لبعد مسافته، أما القريب فيكفيه اليسير من الأجرة بنسبة حاجته، و المكي لا تعتبر الراحلة في حقه، و يكفيه التمكن من المشي (2). و نحوه قال في التذكرة، و صرح بأن القريب إلى مكة لا يعتبر في حقه وجود الراحلة إذا لم يكن محتاجا إليها (3). و هو جيد، لكن في تحديد القرب الموجب لذلك خفاء، و الرجوع إلى اعتبار المشقة و عدمها جيد، إلا أن اللازم منه عدم اعتبار الراحلة في حق البعيد أيضا إذا تمكن من المشي من غير مشقة شديدة، و لا نعلم به قائلا.

و مقتضى روايتي محمد بن مسلم و الحلبي المتقدمتين وجوب الحج على من يتمكن من المشي في بعض الطريق و الركوب في بعض، بل ورد في كثير من الروايات وجوب الحج على من أطاق المشي، كصحيحة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عليه دين، أ عليه أن يحج؟ قال: «نعم، إن حجة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين» (4).

و رواية أبي بصير قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): قول اللّه عزّ و جلّ وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قال:

«يخرج و يمشي إن لم يكن عنده» قلت: لا يقدر على المشي، قال:

____________

(1) التهذيب 5: 3- 3، الإستبصار 2: 140- 455، الوسائل 8: 22 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 8 ح 3.

(2) المنتهى 2: 652.

(3) التذكرة 1: 301.

(4) الفقيه 2: 193- 882، التهذيب 5: 11- 27، الإستبصار 2: 140- 458، الوسائل 8:

29 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 11 ح 1.

37

و لا تباع ثياب مهنته، (1)

____________

«يمشي و يركب» قلت: لا يقدر على ذلك، يعجز عن المشي، قال:

«يخدم القوم و يخرج معهم» (1).

و أجاب عنهما الشيخ في التهذيب بالحمل على الاستحباب (2). و هو مشكل، خصوصا في الرواية الثانية، حيث وقع السؤال فيها عن معنى الآية الشريفة.

و بالجملة فالمسألة قوية الإشكال، إذ المستفاد من الآية الشريفة تعلق الوجوب بالمستطيع، و هو القادر على الحج، سواء كانت استطاعته بالقدرة على تحصيل الزاد و الراحلة، أو بالقدرة على المشي، كما اعترف به الأصحاب في حق القريب، و الأخبار غير منافية لذلك، فإن الاستطاعة مفسرة (3) في صحيحة محمد بن مسلم و حسنة الحلبي المتقدمتين (4) بأن يكون له ما يحج به. و رواية محمد بن يحيى الخثعمي المتضمنة لاعتبار الراحلة (5) يمكن حملها على من يشق عليه المشي كما هو شأن البعيد غالبا. و كيف كان فلا ريب في اعتبار الراحلة إذا شق المشي مطلقا.

و لا يخفى أن الراحلة إنما تعتبر مع توقف قطع المسافة عليها، فلو أمكن السفر في البحر من غير مشقة شديدة اعتبر قدرته على أجرة المركب خاصة.

قوله: (و لا تباع ثياب مهنته).

(1) المهنة- بالفتح-: الخدمة. و نقل الجوهري عن الكسائي الكسر،

____________

(1) الفقيه 2: 194- 883، التهذيب 5: 10- 26، الإستبصار 2: 140- 457، الوسائل 8:

29 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 11 ح 2.

(2) التهذيب 5: 11.

(3) في «م»: معتبرة.

(4) في ص 35.

(5) المتقدمة في ص 35.

38

و لا خادمه، و لا دار سكناه للحج. (1)

____________

يقال: امتهنت الشيء إذا ابتذلته (1). و المراد بثياب المهنة ما يبتذل من الثياب.

و ربما أشعرت العبارة بعدم استثناء ثياب التجمل، و قيل باستثناء الثياب مطلقا إذا كانت لائقة بحاله بحسب زمانه و مكانه (2).

و ذكر الشارح أن حليّ المرأة المعتاد لها بحسب حالها و زمانها و مكانها في حكم الثياب (3).

و عندي في جميع ذلك توقف، لعموم ما دل على وجوب الحج على المستطيع، و فقد النص المقتضي لاستثناء ذلك على الخصوص. و الأجود استثناء ما تدعو الضرورة إليه من ذلك خاصة، اقتصارا في تقييد الآية الشريفة على موضع الضرورة و الوفاق.

قوله: (و لا خادمه، و لا دار سكناه للحج).

(1) هذا الحكم مجمع عليه بين العلماء كافة، حكاه في المنتهى، و استدل عليه بأن ذلك مما تمس الحاجة إليه، و تدعو إليه الضرورة، فلا يكلف ببيعه (4).

و ألحق بذلك فرس الركوب، و كتب العلم، و أثاث البيت من فراش و بساط و آنية و نحو ذلك. و لا ريب في استثناء جميع ما تدعو الضرورة إليه من ذلك، لما في التكليف ببيعه مع الحاجة الشديدة إليه من الحرج المنفي.

و لو غلت هذه المستثنيات و أمكنه بيعها و شراء ما يليق به من ذلك بأقل من ثمنها فالأقرب وجوب البيع و شراء الأدون، تمسكا بإطلاق الآية الشريفة،

____________

(1) الصحاح 6: 2209.

(2) قال به الشهيد الثاني في المسالك 1: 88.

(3) المسالك 1: 88.

(4) المنتهى 2: 653.

39

و المراد بالزاد: قدر الكفاية من القوت و المشروب ذهابا و عودا.

و بالراحلة: راحلة مثله (1).

____________

السالم من معارضة الحرج المنفي.

و لو زادت أعيانها من قدر الحاجة وجب بيع الزائد قطعا (1).

و جزم الشارح- (قدس سره)- بأن من لم يكن له هذه المستثنيات يستثنى له أثمانها (2). و هو جيد إذا دعت الضرورة إليه، أما مع الاستغناء عنها أو عن بعضها باستئجار و نحوه، و وثق بحصوله عادة، و لم يكن عليه في ذلك مشقة فمشكل. و لا يتوجه (عليه) (3) مثل ذلك إذا كانت له هذه المستثنيات و أمكنه الاستغناء عنها بتحصيل بدلها بإجارة و نحوها، حيث لا يجب عليه بيعها للمشقة اللازمة من وجوب البيع. و لو لا الإجماع على الاستثناء مطلقا أمكن المناقشة فيه في هذا الفرض.

و بالجملة فمقتضى الآية الشريفة و الأخبار المستفيضة وجوب الحج على كل من تمكن من تحصيل الزاد و الراحلة، بل قد عرفت أن مقتضى كثير من الأخبار الوجوب على من أطاق المشي، فيجب الاقتصار في تخصيصها أو تقييدها على قدر الضرورة، و اللّه تعالى أعلم.

قوله: (و المراد بالزاد قدر الكفاية من القوت و المشروب ذهابا و عودا، و بالراحلة راحلة مثله).

(1) المعتبر في القوت و المشروب تمكنه من تحصيلهما إما بالشراء في المنازل، أو بالقدرة على تحميلهما من بلده، أو من غيره.

و قال العلامة في التذكرة و المنتهى: إن الزاد إذا لم يجده في كل منزل وجب حمله، بخلاف الماء و علف البهائم، فإنهما إذا فقدا من المواضع

____________

(1) في «م»: مطلقا.

(2) المسالك 1: 88.

(3) زيادة من «م».

40

..........

____________

المعتادة لهما لم يجب حملهما من بلده، و لا من أقرب البلدان إلى مكة كأطراف الشام، و يسقط الحج إذا توقف على ذلك (1). و هو مشكل، و المتجه عدم الفرق في وجوب حمل الجميع مع الإمكان و سقوطه مع المشقة الشديدة.

و قول المصنف: (و بالراحلة راحلة مثله) يمكن أن يريد المماثلة في القوة و الضعف، و به قطع الشهيد في الدروس حيث قال: و المعتبر في الراحلة ما يناسبه و لو محملا إذا عجز عن القتب، و لا يكفي علو منصبه في اعتبار المحمل و الكنيسة، فإن النبيّ صلى اللّٰه عليه و آله و الأئمة (عليهم السلام) حجوا على الزوامل (2). و يمكن أن يريد المماثلة في الرفعة و الضعة، و هو ظاهر اختيار العلامة في التذكرة (3) و الأصح الأول، لقوله (عليه السلام) فيمن عرض عليه الحج فاستحيا: «هو ممن يستطيع، و لم يستحي و لو على حمار أجذع أبتر» (4).

و على هذا فمن كان يستمسك على الراحلة من غير محمل و لا يلحقه من ذلك ضرر و لا مشقة لم يعتبر في حقه إلا وجدان الراحلة، و إن لحقه من ذلك مشقة اعتبر في حقه وجود المحمل، و لو وجد مشقة عظيمة في ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة، و لا فرق في ذلك كله بين الرجل و المرأة.

و في حكم الزاد و الراحلة الآلات و الأوعية التي يحتاج إليها في الطريق، كالغرائر و أوعية الماء من القربة و نحوها، و السفرة و شبهها، لأن ذلك كله مما يحتاج إليه في السفر، فلا تتحقق الاستطاعة بدونه.

و إطلاق العبارة و غيرها يقتضي اعتبار قدر الكفاية من الزاد و الراحلة ذهابا

____________

(1) التذكرة 1: 300، و المنتهى 2: 653.

(2) الدروس: 84.

(3) التذكرة 1: 301.

(4) التهذيب 5: 3- 4، الإستبصار 2: 140- 456، الوسائل 8: 26 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 10 ح 1.

41

و يجب شراؤها و لو كثر الثمن مع وجوده، و قيل: إن زاد عن ثمن المثل لم يجب، و الأول أصحّ. (1)

____________

و إيابا، سواء كان له أهل و عشيرة يأوي إليهم أو لم يكن، و سواء كان له في بلدة مسكن أم لا. و بهذا التعميم صرح في التذكرة و المنتهى، محتجا بأن في التكليف بالإقامة في غير الوطن مشقة شديدة و حرجا عظيما فيكون منفيا (1). و هو حسن في صورة تحقق المشقة بذلك، أما مع انتفائها كما إذا كان وحيدا لا تعلّق له بوطن، أو كان له وطن و لا يريد العود إليه، فيحتمل قويا عدم اعتبار كفاية العودة في حقه، تمسكا بإطلاق الأوامر السالم من معارضة الحرج.

و لا يعتبر في الاستطاعة حصولها من البلد، فلو اتفق كون المكلف في غير بلده و استطاع للحج و العود إلى بلده وجب عليه الحج قطعا و إن كان في أحد المواقيت. و يدل عليه مضافا إلى صدق الاستطاعة بذلك ما رواه الكليني في الصحيح، عن معاوية بن عمار قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

الرجل يمر مجتازا يريد اليمن أو غيرها من البلدان و طريقه بمكة، فيدرك الناس و هم يخرجون إلى الحج، فيخرج معهم إلى المشاهد، أ يجزيه ذلك من حجة الإسلام؟ قال: «نعم» (2).

و ذكر الشارح- (قدس سره)- أن من أقام في غير بلده إنما يجب عليه الحج إذا كان مستطيعا من بلده، إلا أن تكون إقامته في الثانية على وجه الدوام، أو مع انتقال الفرض، كالمجاور بمكة بعد السنتين (3). و هو غير واضح، و سيجيء تمام الكلام في ذلك إن شاء اللّه تعالى (4).

قوله: (و يجب شراؤهما و لو كثر الثمن مع وجوده، و قيل: إن زاد عن ثمن المثل لم يجب، و الأول أصحّ).

(1) القول للشيخ- (رحمه اللّه)

____________

(1) التذكرة 1: 300، و المنتهى 2: 653.

(2) الكافي 4: 275- 6، الوسائل 8: 40 أبواب وجوب الحج ب 22 ح 2.

(3) المسالك 1: 102.

(4) ج 8 ص 209.

42

و لو كان له دين و هو قادر على اقتضائه وجب عليه. فإن منع منه و ليس له سواه سقط الفرض. (1)

____________

في المبسوط (1)، و استدل عليه بأن من خاف على ماله التلف لم يجب عليه الحج حفظا للمال، فكذا هنا (2). و هو ضعيف، لمنع الأصل، و وجود الفرق، كما سيجيء بيانه إن شاء اللّه تعالى (3).

و الأصح ما عليه الأكثر من وجوب شراء كلما يتوقف عليه الحج مع التمكن منه مطلقا، لأن الحج و إن كان واجبا مشروطا بالاستطاعة إلا أنه بعد حصولها يصير وجوبه مطلقا، فيكون ما يتوقف عليه من المقدمات واجبا.

قوله: (و لو كان له دين و هو قادر على اقتضائه وجب عليه، و إن منع منه و ليس له سواه سقط الفرض).

(1) تتحقق القدرة على الاقتضاء بإمكان تحصيله بنفسه أو وكيله، و لو احتاج إلى مساعدة الحاكم الشرعي و وجد فهو مستطيع.

و لو توقف على إمداد حاكم الجور و انتفى الضرر ففيه وجهان، أظهرهما أنه كذلك.

و متى امتنع الاقتضاء، إما لتأجيل الدين، أو لكونه على جاحد و لم يكن له سواه لم يجب عليه الحج، لأن الاستطاعة غير حاصلة. و لا تجب عليه الاستدانة، و يحتمل قويا الوجوب إذا كان بحيث يمكنه الاقتضاء بعد الحج، كما إذا كان عنده مال لا يمكنه الحج به.

و بالجملة فالحج واجب مشروط بالنظر إلى الاستطاعة، و مطلق بالنسبة إلى غيرها من المقدمات، فمتى لم تتحقق الاستطاعة لم يجب تحصيلها

____________

(1) المبسوط 1: 300.

(2) كما في إيضاح الفوائد 1: 268.

(3) ص 62.

43

و لو كان له مال و عليه دين بقدره لم يجب، إلا أن يفضل عن دينه ما يقوم بالحج. (1) و لا يجب الاقتراض للحج، إلا أن يكون له مال بقدر ما يحتاج إليه زيادة عما استثنيناه. (2)

____________

بإجارة و لا بكسب و إن سهل، لأن شرط الواجب المشروط لا يجب تحصيله.

و متى تحققت الاستطاعة صار الوجوب مطلقا، فيجب تحصيل ما يتوقف عليه من شراء الزاد و الراحلة و غيرهما، لأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب.

قوله: (و لو كان له مال و عليه دين بقدره لم يجب، إلا أن يفضل عن دينه ما يقوم بالحج).

(1) إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الدين بين أن يكون حالا أو مؤجلا، و بهذا التعميم صرح في المنتهى، و استدل عليه بعدم تحقق الاستطاعة مع الحلول، و توجه الضرر مع التأجيل، فيسقط الحج (1).

و لمانع أن يمنع توجه الضرر في بعض الموارد، كما إذا كان الدين مؤجلا أو حالا لكنه غير مطالب به، و كان للمديون وجه للوفاء بعد الحج، و متى انتفى الضرر و حصل التمكن من الحج تحققت الاستطاعة المقتضية للوجوب. و قد روى الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عليه دين، أ عليه أن يحج؟ قال:

«نعم، إن حجة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين» (2).

قوله: (و لا يجب الاقتراض للحج، إلا أن يكون له مال بقدر ما يحتاج إليه زيادة عما استثنيناه).

(2) مقتضى العبارة وجوب الاقتراض إذا كان له مال بقدر ما يحتاج إليه،

____________

(1) المنتهى 2: 653.

(2) التهذيب 5: 11- 27، الإستبصار 2: 140- 458، الوسائل 8: 29 أبواب وجوب الحج ب 11 ح 1.

44

و لو كان معه قدر ما يحج به فنازعته نفسه إلى النكاح لم يجز صرفه في النكاح و إن شقّ تركه، و كان عليه الحج. (1)

____________

و هو إنما يتم إذا كان ماله من جنس لا يمكنه تحصيل الزاد و الراحلة به، فإنه يجب اقتراض الجنس الذي يمكن به الحج مع الإمكان. اللهم إلا أن يراد بالوجوب الأعم من العيني و التخييري، فإن وجوب الاقتراض ثابت مع إمكان الحج بماله لكن على وجه التخيير.

و لقد أحسن الشهيد في الدروس حيث قال: و يجب الاستدانة عينا إذا تعذر بيع ماله و كان وافيا بالقضاء، و تخييرا إذا أمكن الحج بماله (1).

و يستفاد من وجوب الاستدانة إذا تعذر بيع ماله أنه لو كان له دين مؤجل يكفي للحج و أمكنه اقتراض ما يحج به كان مستطيعا، و هو كذلك، لصدق التمكن من الحج.

و من هنا يظهر أن ما ذكره في المنتهى من أن من كان له مال فباعه قبل وقت الحج مؤجلا إلى بعد فواته سقط عنه الحج، لأنه غير مستطيع. فليس بجيد على إطلاقه، قال: و هذه حيلة يتصور ثبوتها في إسقاط فرض الحج على الموسر، و كذا لو كان له مال فوهبه قبل الوقت أو أنفقه، فلما جاء وقت الحج كان فقيرا لم يجب عليه، و جرى مجرى من أتلف ماله قبل حلول الأجل (2). و ينبغي أن يراد بالوقت وقت خروج الوفد الذي يجب الخروج معه، و قد تقدم الكلام فيه (3).

قوله: (و لو كان معه قدر ما يحج به فنازعته نفسه إلى النكاح لم يجز صرفه في النكاح و إن شق تركه، و كان عليه الحج).

(1) و ذلك لأن الحج مع الاستطاعة واجب، و النكاح مندوب، و المندوب لا يعارض الواجب. و لو حصل له من ترك النكاح ضرر شديد لا يتحمل مثله في

____________

(1) الدروس: 84.

(2) المنتهى 2: 653 و فيه: الحول، بدل: الأجل.

(3) ص 18.

45

و لو بذل له زاد و راحلة و نفقة له و لعياله وجب عليه. (1)

____________

العادة، أو خشي منه حدوث مرض، أو الوقوع في الزنا قدم النكاح كما صرح به العلامة في المنتهى (1).

و لا يخفى أن تحريم صرف المال في النكاح إنما يتحقق مع توجه الخطاب بالحج و توقفه على المال، فلو صرف فيه قبل سفر الوفد الذي يجب الخروج معه، أو أمكنه الحج بدونه، انتفى التحريم قطعا.

قوله: (و لو بذل له زاد و راحلة و نفقة له و لعياله وجب عليه).

(1) هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، حكاه في التذكرة (2). و يدل عليه مضافا إلى صدق الاستطاعة بذلك روايات كثيرة، كصحيحة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قال: «يكون له ما يحج به» قلت: فإن عرض عليه الحج فاستحيا، قال: «هو ممن يستطيع، و لم يستحي، و لو على حمار أجذع أبتر» قال: «فإن كان يستطيع أن يمشي بعضا و يركب بعضا فليفعل» (3).

و صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال:

«فإن كان دعاه قوم أن يحجوه فاستحيا فلم يفعل، فإنه لا يسعه إلا أن يخرج و لو على حمار أجذع أبتر» (4).

و حسنة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال، قلت: من عرض عليه ما يحج به فاستحيا من ذلك، أ هو ممن يستطيع إليه سبيلا؟ قال:

«نعم، ما شأنه يستحيي، و لو يحج على حمار أبتر، فإن كان يستطيع أن

____________

(1) المنتهى 2: 653.

(2) التذكرة 1: 302.

(3) التهذيب 5: 3- 4، الإستبصار 2: 140- 456، الوسائل 8: 26 أبواب وجوب الحج ب 10 ح 1.

(4) التهذيب 5: 18- 52، الوسائل 8: 26 أبواب وجوب الحج ب 10 ح 3.

46

..........

____________

يمشي بعضا و يركب بعضا فليحج» (1).

و صحيحة هشام بن سالم، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «من عرض عليه الحج و لو على حمار أجذع مقطوع الذنب فأبى فهو مستطيع للحج» (2).

و إطلاق هذه الروايات يقتضي عدم الفرق في البذل بين الواجب و غيره، و لا في الباذل بين أن يكون موثوقا به أم لا.

و نقل عن ابن إدريس أنه اعتبر في وجوب الحج بالبذل تمليك المبذول (3). و هو تقييد للنص من غير دليل.

و اعتبر في التذكرة وجوب البذل بنذر و شبهه، حذرا من استلزام تعليق الواجب بغير الواجب (4). و هو ضعيف، لأنا نعتبر في استمرار الوجوب استمرار البذل، كما أن من شرائط الوجوب استمرار الاستطاعة التي يمكن زوالها في ثاني الحال.

نعم لا يبعد اعتبار الوثوق بالباذل، لما في التكليف بالحج بمجرد البذل مع عدم الوثوق بالباذل من التعرض للخطر على النفس، المستلزم للحرج التعظيم و المشقة الزائدة، فكان منفيا.

و ينبغي التنبيه لأمور:

الأول: إطلاق النص و كلام (أكثر) (5) الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين بذل عين الزاد و الراحلة و أثمانهما، و به صرح في التذكرة (6).

____________

(1) الكافي 4: 266- 1، التهذيب 5: 3- 3، الإستبصار 2: 140- 455، الوسائل 8: 27 أبواب وجوب الحج ب 10 ح 5.

(2) الفقيه 2: 259- 1256، الوسائل 8: 27 أبواب وجوب الحج ب 10 ح 7.

(3) السرائر: 121.

(4) التذكرة 1: 301.

(5) ليست في «ض».

(6) التذكرة 1: 301.

47

..........

____________

و اعتبر الشارح- (قدس سره)- بذل عين الزاد و الراحلة، قال: فلو بذل له أثمانهما لم يجب القبول، و كذا لو نذر لمن يحج و أطلق ثم بذل لمعين، أو أوصى بمال لمن يحج ثم بذله كذلك، لأن ذلك موقوف على القبول، و هو شرط للواجب المشروط، فلا يجب تحصيله (1).

و يتوجه عليه أولا أن مقتضى الروايات المتقدمة تحقق الاستطاعة ببذل ما يحج به، و هو كما يتناول بذل عين الزاد و الراحلة، كذا يتناول أثمانهما.

و ثانيا أن الظاهر تحقق الاستطاعة- و هي التمكن من الحج- بمجرد البذل، و متى تحققت الاستطاعة يصير الوجوب مطلقا، و حينئذ فيجب كلما يتوقف عليه من المقدمات.

الثاني: لا فرق بين بذل الزاد و الراحلة و هبتهما، و قال في الدروس:

إنه لا يجب قبول هبتهما، ثم تنظّر في الفرق (2). و وجه النظر معلوم مما قررناه.

الثالث: لا يشترط في الوجوب بالبذل عدم الدين أو ملك ما يوفيه به، بل يجب عليه الحج و إن بقي الدين، لإطلاق النص.

الرابع: لو وجد بعض ما يلزمه الحج و عجز عن الباقي فبذل له ما عجز عنه وجب عليه الحج، لأنه ببذل الجميع مع عدم تمكنه من شيء أصلا يجب عليه، فمع تمكنه من البعض يكون الوجوب أولى.

الخامس: الأصح أنه لا يجب على المبذول له إعادة الحج بعد اليسار، و هو قول الأكثر، للأصل، و صدق الامتثال، و صحيحة معاوية بن عمار قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل لم يكن له مال فحج به رجل من إخوانه، هل يجزي ذلك عنه من حجة الإسلام أو هي ناقصة؟

____________

(1) المسالك 1: 89.

(2) الدروس: 83.

48

و لو وهب له مال يجب عليه قبوله. (1)

و لو استؤجر للمعونة على السفر و شرط له الزاد و الراحلة أو بعضه و كان بيده الباقي مع نفقة أهله وجب عليه، و أجزأه عن الفرض إذا حج عن نفسه. (2)

____________

قال: «بل هي حجة تامة» (1).

و قال الشيخ في الاستبصار: تجب عليه الإعادة، و استدل عليه بما رواه عن الفضل بن عبد الملك، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل لم يكن له مال فحج به أناس من أصحابه، أقضى حجة الإسلام؟ قال:

«نعم، فإن أيسر بعد ذلك فعليه أن يحج» (2) و هي مع ضعف سندها بالإرسال و اشتماله على عدة من الواقفية محمولة على الاستحباب، جمعا بين الأدلة.

قوله: (و لو وهب له مال لم يجب قبوله).

(1) علله الشارح- (قدس سره)- بأن الهبة نوع اكتساب، و هو غير واجب للحج، لأن وجوبه مشروط بوجود الاستطاعة، فلا يجب تحصيل شرطه (3).

و ربما علل باشتماله على المنّة و لا يجب تحملها. و يتوجه على الأول ما سبق، و على الثاني منع تأثير مثل ذلك في سقوط الواجب، مع أن ذلك بعينه يأتي في بذل عين الزاد و الراحلة، و هو غير ملتفت إليه.

قوله: (و لو استؤجر للمعونة على السفر و شرط له الزاد و الراحلة أو بعضه و كان بيده الباقي مع نفقة أهله وجب عليه، و أجزأه عن الفرض إذا حج عن نفسه).

(2) إنما وجب عليه الحج و الحال هذه لتحقق الاستطاعة- التي هي القدرة

____________

(1) التهذيب 5: 7- 17، الإستبصار 2: 143- 468، الوسائل 8: 26 أبواب وجوب الحج ب 10 ح 2.

(2) الاستبصار 2: 143- 467، و الرواية في التهذيب 5: 7- 18، و الوسائل 8: 27 أبواب وجوب الحج ب 10 ح 6.

(3) المسالك 1: 89.

49

و لو كان عاجزا عن الحج فحجّ عن غيره لم يجزئه عن فرضه، و كان عليه الحج إن وجد الاستطاعة. (1)

____________

على تحصيل الزاد و الراحلة- بعد إجارة نفسه لذلك، و إن كانت الإجارة غير واجبة، لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب المشروط.

و أورد هنا إشكال (1)، و هو أن الوصول إلى مكة و المشاعر قد صار واجبا على الأجير بالإجارة، فكيف يكون مجزيا عن حجة الإسلام، و ما الفرق بينه و بين ناذر الحج في سنة معينة إذا استطاع في تلك السنة لحجة الإسلام، حيث حكموا بعدم تداخل الحجتين.

و جوابه: أن الحج الذي هو عبارة عن مجموع الأفعال المخصوصة لم تتعلق به الإجارة، و إنما تعلقت بالسفر خاصة، و هو غير داخل في أفعال الحج، و إنما الغرض منه مجرد انتقال البدن إلى تلك الأمكنة ليقع الفعل، حتى لو تحققت الاستطاعة فانتقل ساهيا أو مكرها أو على وجه محرم ثم أتى بتلك الأفعال صح الحج، و لا يعتبر وقوعه لأجل الحج قطعا، و هذا بخلاف نذر الحج في السنة المعينة، فإن الحج نفسه يصير واجبا بالنذر، فلا يكون مجزيا عن حجة الإسلام، لاختلاف السببين، مع احتمال التداخل فيه أيضا، كما سيجيء بيانه إن شاء اللّه تعالى (2).

قوله: (و لو كان عاجزا عن الحج فحجّ عن غيره لم يجزئه عن فرضه، و كان عليه الحج إن وجد الاستطاعة).

(1) هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا. و استدل عليه في المنتهى (3) بأن من هذا شأنه يصدق عليه بعد اليسار أنه مستطيع و لم يحج عن نفسه فيجب عليه الحج، عملا بالمقتضي السالم من المعارض. و بما رواه

____________

(1) كما في المسالك 1: 89.

(2) في ص 99.

(3) المنتهى 2: 654.

50

..........

____________

الشيخ، عن آدم بن علي، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «من حج عن إنسان و لم يكن له مال يحج به أجزأت عنه حتى يرزقه اللّه ما يحج به، و يجب عليه الحج» (1).

و عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لو أن رجلا معسرا أحجه رجل كانت له حجة، فإن أيسر بعد ذلك كان عليه الحج، و كذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج» (2).

و الروايتان ضعيفتا السند [3]، مع أن مورد الثانية خلاف محل النزاع، و بإزائهما أخبار دالة بظاهرها على الاجتزاء بذلك عن حجة الإسلام، كصحيحة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل حج عن غيره، أ يجزيه ذلك عن حجة الإسلام؟ قال: «نعم» (4).

و صحيحة جميل بن دراج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجل ليس له مال حج عن رجل، أو أحجه رجل ثم أصاب مالا، هل عليه الحج؟

فقال: «يجزي عنهما» (5).

و أجاب الشيخ في الاستبصار عن الرواية الأولى بالحمل على أن المراد بحجة الإسلام الحجة المندوب إليها في حال الإعسار، دون التي تجب في حال اليسار (6). و هو تأويل بعيد، مع أنه لا يجري في الرواية الثانية، إلا أنه

____________

[3] بجهالة راوي الأولى و اشتراك راوي الثانية بين الضعيف و الثقة.

____________

(1) التهذيب 5: 8- 20، الإستبصار 2: 144- 469، الوسائل 8: 38 أبواب وجوب الحج ب 21 ح 1.

(2) الكافي 4: 273- 1، الفقيه 2: 260- 1265، التهذيب 5: 9- 22، الإستبصار 2:

144- 470، الوسائل 8: 39 أبواب وجوب الحج ب 21 ح 5.

(4) الكافي 4: 274- 3، الفقيه 2: 260- 1264، التهذيب 5: 8- 19، الإستبصار 2:

144- 471، الوسائل 8: 39 أبواب وجوب الحج ب 21 ح 4.

(5) الفقيه 2: 261- 1268، الوسائل 8: 39 أبواب وجوب الحج ب 21 ح 6.

(6) الاستبصار 2: 144.

51

[الرابع: أن يكون له ما يموّن عياله حتى يرجع]

الرابع: أن يكون له ما يموّن عياله حتى يرجع، فاضلا عما يحتاج إليه. و لو قصر ماله عن ذلك لم يجب (1) عليه. و لو حج عنه من يطيق الحج لم يسقط عنه فرضه، سواء كان واجدا للزاد و الراحلة أو فاقدهما. (2)

____________

لا خروج عما عليه الأصحاب.

قوله: (الرابع، أن يكون له ما يموّن به عياله حتى يرجع، فاضلا عما يحتاج إليه، و لو قصر ماله عن ذلك لم يجب).

(1) المراد بعياله: الواجبي النفقة، و بالمؤنة: ما يتناول الكسوة و غيرها حيث يحتاجون إليها. و إنما اعتبر ذلك في الاستطاعة، لأنه حق لآدمي سابق على وجوب الحج، فكان مقدما عليه، و لرواية أبي الربيع الشامي: أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السبيل إلى الحج، فقال: «السعة في المال، إذا كان يحج ببعض و يبقى بعضا لقوت عياله» (1).

و لا يعتبر حصول المؤذنة دفعة قبل السفر، بل لو حصلت إدرارا من عقار و غيره كفى. و يعتبر فيها القصد بحسب حالهم، من غير إسراف و لا تقتير.

قوله: (و لو حج عنه من يطيق الحج لم يسقط عنه فرضه، سواء كان واجدا للزاد و الراحلة أو فاقدهما).

(2) هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء، لأن الواجب على المستطيع إيقاع الحج مباشرة، فلا تكون الاستنابة فيه مجزية.

(و لا وجه لقول المصنف: و لو حج عنه من يطيق الحج، بل كان الأولى أن يقول: و لو حج عنه غيره) [2] و لو أريد بمن يطيق الحج من يمكنه

____________

[2] بدل ما بين القوسين في «ض»: و الأوجه لقول المصنف و لو حج عنه غيره.

____________

(1) الكافي 4: 267- 3، الفقيه 2: 258- 1255، التهذيب 5: 2- 1، الإستبصار 2:

139- 453، الوسائل 8: 24 أبواب وجوب الحج ب 9 ح 1.

52

و كذا لو تكلف الحج مع عدم الاستطاعة. (1) و لا يجب على الولد بذل ماله لوالده في الحج. (2)

____________

الحج عقلا ليتناول المستطيع و غيره أمكن، لكن لا يخفى ما فيه من السماحة.

قوله: (و كذا لو تكلف الحج مع فقد الاستطاعة).

(1) و ذلك لأن الحج على هذا الوجه مندوب، و المندوب لا يجزي عن الواجب كما هو واضح.

قوله: (و لا يجب على الولد بذل ماله لوالده في الحج).

(2) اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فقال الشيخ في النهاية: من لم يملك الاستطاعة و كان له ولد له مال وجب أن يأخذ من مال ولده قدر ما يحج به على الاقتصاد و يحج (1). و به قال ابن البراج (2).

و قال في المبسوط و الخلاف: روى أصحابنا أنه إذا كان له ولد له مال وجب أن يأخذ من ماله ما يحج به، و يجب عليه إعطاؤه (3). ثم قال في الخلاف: و لم يرو الأصحاب خلاف هذه الرواية، فدل على إجماعهم عليها.

و قال المفيد- (رحمه اللّه)- في المقنعة: و إن كان الرجل لا مال له و لولده مال، فإنه يأخذ من مال ولده ما يحج به من غير إسراف و تقتير (4). و استدل له الشيخ- (رحمه اللّه)- في التهذيب بما رواه في الصحيح، عن سعيد بن يسار قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يحج من مال ابنه و هو صغير، قال: «نعم، يحج منه حجة الإسلام» قلت: و ينفق منه؟ قال: «نعم» ثم

____________

(1) النهاية: 204.

(2) المهذب 1: 267.

(3) المبسوط 1: 299، و الخلاف 1: 413.

(4) لم نعثر عليه في المقنعة، و لكنه موجود في التهذيب 5: 15.

53

[الخامس: إمكان المسير]

الخامس: إمكان المسير، و هو يشتمل على الصحة، و تخلية السّرب، و الاستمساك على الراحلة، و سعة الوقت لقطع المسافة. (1)

____________

قال: «إن مال الولد لوالده، إن رجلا اختصم هو و والده إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، فقضى أن المال و الولد للوالد» (1).

و منع ابن إدريس (2) و من تأخر عنه (3) من ذلك، لأن مال الولد ليس مالا للوالد.

و أجاب العلامة في المختلف عن الرواية بالحمل على الاستدانة بعد تحقق الاستطاعة، أو على من وجب عليه الحج أولا و استقر في ذمته و فرط فيه ثم تمكن من الاقتراض من مال الولد، فإنه يلزمه ذلك (4). و هذا الحمل بعيد جدا، لمنافاته لما تضمنته الرواية من قضاء النبيّ صلى اللّٰه عليه و آله.

و كيف كان فالأصح ما ذهب إليه المتأخرون، لأن هذه الرواية لا تبلغ حجة في إثبات هذا الحكم المخالف للأدلة القطعية.

قوله: (الخامس، إمكان المسير، و هو يشتمل على الصحّة، و تخلية السرب، و الاستمساك على الراحلة، و سعة الوقت لقطع المسافة).

(1) هذا الشرط متفق عليه بين العلماء، قاله في المعتبر (5). و يدل عليه مضافا إلى عدم تحقق الاستطاعة عرفا مع انتفائه قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة ذريح: «من مات و لم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديا أو

____________

(1) التهذيب 5: 15- 44، الوسائل 8: 63 أبواب وجوب الحج ب 36 ح 1.

(2) السرائر: 121.

(3) كالعلامة في المختلف: 256، و التذكرة 1: 301.

(4) المختلف: 256.

(5) المعتبر 2: 754.

54

فلو كان مريضا بحيث يتضرر بالركوب لم يجب. و لا يسقط باعتبار المرض مع إمكان الركوب. (1) و لو منعه عدو، أو كان معضوبا لا يستمسك على الراحلة، أو عدم المرافق مع اضطراره إليه، سقط الفرض. (2)

____________

نصرانيا» (1).

قوله: (فلو كان مريضا بحيث يتضرر بالركوب لم يجب، و لا يسقط باعتبار المرض مع إمكان الركوب).

(1) المراد بالتضرر بالركوب حصول المشقة الشديدة منه. و لا خلاف في كون ذلك مسقطا للفرض، لما في التكليف بالحج مع من العسر و الحرج المنفيين بالآية و الرواية.

و لو كان المرض يسيرا لا يشق معه الركوب لم يسقط الحج باعتباره قطعا، تمسكا بعموم الآية السالم من معارضة الحرج المنفي.

قوله: (و لو منعه عدو، أو كان معضوبا لا يستمسك على الراحلة، أو عدم المرافق مع اضطراره إليه، سقط الفرض).

(2) لا ريب في سقوط الفرض في جميع هذه الصور، لعدم تحقق الاستطاعة مع هذه العوارض، و لما في التكليف بالحج معها من الضرر و الحرج و العسر، و الكل منفي.

و المعضوب لغة: الضعيف (2)، و الزمن لا حراك به، قاله في القاموس (3). فعلى المعنى الأول يكون الوصف بعدم الاستمساك مخصصا، و على الثاني كاشفا.

و المراد بالاستمساك المنفي: ما يتناول الاستمساك على القتب

____________

(1) الكافي 4: 268- 1، التهذيب 5: 462- 1610، الوسائل 8: 19 أبواب وجوب الحج ب 7 ح 1.

(2) الصحاح 1: 184.

(3) القاموس المحيط 1: 109.