مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج3

- الشهيد الثاني المزيد...
471 /
5

[تتمة القسم الأول في العبادات]

[كتاب الجهاد]

كتاب الجهاد (1)

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الجهاد و النظر في أركان أربعة

[الأوّل: من يجب عليه]

الأوّل: من يجب عليه.

و هو فرض على كلّ مكلّف، حرّ، ذكر، غير همّ (2). فلا يجب على الصبي، و لا على المجنون، و لا على المرأة، و لا على الشيخ الهمّ، و لا على المملوك.

____________

قوله: «كتاب الجهاد».

(1) هو فعال من الجهد بفتح الجيم، و هو- لغة- المشقّة، يقال: جهد الرجل في كذا، أي جدّ فيه و بالغ (1). و منه- في الدعاء- الاستعاذة من جهد البلاء. أو من الجهد بالضمّ و الفتح معا، و هو الوسع و الطاقة، تقول: أنفق على جهدك، أي على طاقتك. و- شرعا- بذل الوسع بالنفس، و ما يتوقّف عليه من المال، في محاربة المشركين أو الباغين على وجه مخصوص.

و عرّفه الشهيد ((رحمه الله)) بأنّه بذل النفس و المال في إعلاء كلمة الإسلام، و إقامة شعائر الايمان. و أراد بالأوّل إدخال جهاد المشركين، و بالثاني جهاد الباغين.

و هو غير مانع، فإنّ إعزاز الدّين أعمّ من كونه بالجهاد المخصوص، كما لا يخفى.

قوله: «و هو فرض على كلّ مكلّف حرّ ذكر غير همّ. إلخ»

(2) اعلم أنّ الجهاد على أقسام:

أحدها: أن يكون ابتداء من المسلمين للدعاء إلى الإسلام. و هذا هو المشروط

____________

(1) الصحاح 2: 460.

8

و فرضه على الكفاية (1)،

____________

بالبلوغ و العقل و الحرية و الذكورية و نحوها، و إذن الامام أو من نصبه. و وجوبه على الكفاية إجماعا.

و الثاني: أن يدهم المسلمين عدوّ من الكفّار، يريد الاستيلاء على بلادهم أو أسرهم أو أخذ مالهم و ما أشبهه من الحريم و الذرّية.

و جهاد هذا القسم و دفعه واجب على الحرّ و العبد و الذكر و الأنثى إن احتيج إليها. و لا يتوقف على إذن الامام و لا حضوره. و لا يختص بمن قصدوه من المسلمين.

بل يجب على من علم بالحال النهوض، إذا لم يعلم قدرة المقصودين على المقاومة.

و يتأكّد الوجوب على الأقربين فالأقربين. و يجب على من قصدوه بخصوصه المدافعة بحسب المكنة، سواء في ذلك الذكر و الأنثى و السليم و الأعمى و المريض و الأعرج و العبد و غيرهم. فإن علم أنّه يقتل لم يعذر في التأخّر بوجه، و ان لم يعلم القتل، بل جوّز السلامة و الأسر، و رجا السلامة مع المدافعة فكذلك، و إن علم أنّه يقتل مع عدم الاستسلام وجب عليه الاستسلام، فإنّ الأسر يحتمل مع الخلاص (1).

و الثالث: ان يكون بين المشركين أسيرا أو غيره، و يغشاهم عدوّ، و يخشى المسلم على نفسه، فيدفع عنها بحسب الإمكان، على وجه يدفع به الضرر عن نفسه. و هذا أيضا لا يتوقف على الشرائط المتقدّمة. و مقصود المصنّف من الباب المعقود له الشرائط هو الأوّل، فمن ثمَّ أطلق الاشتراط.

قوله: «و فرضه على الكفاية».

(1) معنى وجوبه على الكفاية أنّ الخطاب به عامّ على جميع الناس، فإذا قام به من يحصل الكفاية بجهاده سقط عن الباقين، سقوطا مراعى باستمرار القائم به إلى أن يحصل الغرض المطلوب منه شرعا. كلّ ذلك مع عدم استنفار الامام شخصا على الخصوص، فيجب عليه النهوض، و إن حصلت الكفاية بغيره.

و فروض الكفايات كثيرة، قد مضى ذكر جملة منها في الكتاب. و ضابطها «كلّ

____________

(1) كذا في «ج» و «ك» و «م». و في سائر النسخ يحتمل معه الخلاص.

9

بشرط وجود الإمام (1)، أو من نصبه للجهاد (2).

و لا يتعيّن، إلّا أن يعينه (3) الامام، لاقتضاء المصلحة، أو لقصور القائمين عن الدفع إلّا بالاجتماع، أو يعيّنه على نفسه بنذر و شبهه.

____________

مهمّ ديني تعلّق غرض الشارع بحصوله حتما، و لا يقصد به عين من يتولّاه». و من أهمّه الجهاد بشرطه، و اقامة الحجج العلمية، و الجواب عن الشبهات الواقعة على الدين، و التفقّه، و حفظ ما يتوقف عليه من المقدمات العلمية و الحديث و الرجال، فيجب نسخ كتبه و تصحيحها و ضبطها على الكفاية، و إن كان المكلّف بذلك عاجزا عن بلوغ درجة التفقه قطعا، فانّ ذلك واجب آخر. و منه روايتها عن الثقات، و رواية الثقة لها ليحفظ الطريق، و يصل إلى من ينتفع به، فينبغي التيقّظ في ذلك كلّه، فإنّه قد صار في زماننا نسيا منسيّا.

و من فروض الكفايات القيام بالصناعات و الحرف الّتي يتوقف عليها نظام النّوع و ان كانت وضيعة، فإنّها موصوفة بالوجوب عند عدم قيام أحد بها. و لا بعد في اختلاف درجات الواجب شرعا، كما في الصلاة و غيرها من الواجبات.

و منها دفع الضرر عن المسلمين، و إغاثة المستغيثين في النائبات المشتمل على إطعام الجائعين، و كسوة المحتاجين، و ازالة فاقتهم، و إنقاذ الغرقى و نحوه للقادر عليه. و افراده غير منضبطة.

و منها ردّ السلام، و تحمل الشهادة، و إقامتها، و القضاء، و تجهيز الموتى.

قوله: «بشرط وجود الإمام».

(1) أراد بوجوده كونه ظاهرا مبسوط اليد متمكّنا من التصرف.

قوله: «أو من نصبه للجهاد».

(2) يتحقق ذلك بنصبه له بخصوصه، أو بتعميم ولايته على وجه يدخل فيه الجهاد، فالفقيه في حال الغيبة و إن كان منصوبا للمصالح العامّة لا يجوز له مباشرة أمر الجهاد بالمعنى الأوّل.

قوله: «و لا يتعيّن إلّا أن يعيّنه. إلخ».

(3) اعلم أنّ فرض الكفاية قد يوافق فرض العين في وجوبه على الجميع، و ذلك

10

..........

____________

في مطلق فرض الكفاية إذا ظنّ كلّ واحد عدم قيام من فيه الكفاية به، فيجب على الجميع القيام عينا، و لا يخرجه ذلك عن كونه كفائيّا، فإنّ معنى كونه كفائيّا سقوطه عن البعض عند قيام بعض آخر فيه الكفاية، و هذا وصف له بإحدى جهاته. و قد ظهر بذلك انّ قوله «و لا يتعين الّا أن يعيّنه. إلخ» ليس استثناء من كونه كفائيا، بل ذكر لبعض أحكامه، و هو كون الشخص المعيّن لا يجب عليه القيام به حتما، إلّا بأسباب ثلاثة:

أحدها: تعيين الإمام له، و إن كان غير محتاج اليه للقتال، بسبب قيام من فيه الكفاية، فإنّ الإمام قد يرى في نهوضه معهم مصلحة من جهة أخرى، كجودة رأيه، و حسن تدبيره، و أشباه ذلك.

و ثانيها: قصور القائمين عن فرض الكفاية، بحيث يتوقف على قيامه، فيجب عليه أيضا ذلك عينا، و الّا فلا يلزم من قصور القائمين الوجوب على من لم يقم عينا، لجواز تعدّده، بحيث لمّا علموا بقصور القائمين نهضوا مع زيادتهم عن الكفاية، فيجب القيام عليهم كفاية أيضا.

و ثالثها: تعيينه الجهاد على نفسه بنذر و شبهه حيث ينعقد النذر، فيجب عليه القيام عينا، و إن استغني عنه، لأنّه راجح في الجملة.

إذا تقرّر ذلك، فلا يخفى ما في عبارة المصنف من التهافت و القصور عن تحصيل المراد، فانّ الظاهر كون قوله: «أو لقصور القائمين» معطوفا على قوله:

«لاقتضاء المصلحة» المجعول علّة لتعيين الإمام، فيكون المعنى أنّه يجب مع تعيين الامام له، الناشي من اقتضاء المصلحة تعيينه له، أو من قصور القائمين، فيكون العلّة في الثاني مركّبة من قصور القائمين و تعيين الامام، مع أنّ القصور علّة لوجوب النهوض مستقلّة، كما أنّ تعيين الإمام علّة بذاتها أيضا، و إن لم يكن هناك قصور، و كذا مع النذر و شبهه.

و لو جعل قوله: «أو لقصور. إلخ» معطوفا على المستثنى- و هو قوله:

«أن يعيّنه الإمام» ليكون قسيما لتعيين الإمام، مغايرا له- جاز، إلّا أنّه خلاف

11

و قد تجب المحاربة على وجه الدفع، كأن يكون بين أهل الحرب، و يغشاهم عدوّ يخشى منه (1) على نفسه، فيساعدهم دفعا عن نفسه، و لا يكون جهادا.

____________

الظاهر. و فيه أيضا عطف الاسميّة على الفعليّة و ليس بالغا حدّ المنع، مع أنّ قوله:

«أن يعينه الإمام» في قوّة الاسم، لتأويلهما بالمصدر و هو التعيين.

و في العبارة أيضا- على التقدير الأوّل- أنّ التعيين لقصور القائمين تعيين لاقتضاء المصلحة، فذكره بعده في قوّة التكرار. و يندفع على تقدير تعيّنه بأن عطف بعض أفراد العام عليه لمزيّة خاصّة به حسن واقع في الفصيح. و هو هنا كذلك، فانّ قصور القائمين أبلغ أفراد المصلحة و أهمّها، فيحسن ذكره. و هذا يندفع أيضا بعطفه على الأوّل. و أمّا عطف قوله: «أو يعيّنه بنذر و شبهه» على تعيّنه أوّلا [أولى و أوفق] (1) فلا إشكال فيه.

قوله: «و يغشاهم عدوّ يخشى منه. إلخ».

(1) أي يجب عليه قصد المدافعة، فلا يكفي قتالهم بدونه، و إن لم يقصد الجهاد، لأنّ الفعل الواحد الواقع على وجوه مختلفة بعضها سائغ و بعضها محرّم إنّما يتميّز بالنيّة، كمسح رأس اليتيم، فلو ترك القصد كان مأثوما، ضامنا لما يحترم من النفوس و الأموال.

و هل يشترط في العدوّ الهاجم كونه كافرا، أم يجوز دفعه و إن كان مسلما؟ قيل:

بالأوّل، و به صرّح الشيخ في النهاية (2)، لتحريم قتل المسلم. و ظاهر الأكثر عدم الاشتراط، لأنّه مدافعة عن نفسه، و المسلم يجوز دفعه كذلك.

و أشار المصنف بقوله: «و لا يكون جهادا» إلى أنّ حكم الشّهيد من عدم تغسيله و تكفينه لا يلحق المقتول هنا، و كذا حكم الجهاد من تحريم الفرار و قسمة

____________

(1) هذا ساقط في «م» و «ك» و مشطوب عليه في «ه». و لعلّه أولى.

(2) النّهاية: 291.

12

و كذا كلّ من خشي (1) على نفسه مطلقا، أو ماله إذا غلّبت السلامة.

و يسقط فرض الجهاد بأعذار أربعة: العمى (2)، و الزمن كالمقعد (3)، و المرض المانع من الركوب و العدو (4)، و الفقر الذي يعجز معه عن نفقة طريقه، و عياله، و ثمن سلاحه.

____________

الغنيمة. نعم هو بمنزلة الشهيد في الأجر. و إطلاق الأخبار (1) بكونه شهيدا ينزّل على ذلك.

قوله: «و كذا كلّ من خشي. إلخ».

(1) أشار بالإطلاق إلى أنّ الخائف على نفسه من القتل يجب عليه الدفاع، سواء غلب السلامة به أم لا، لأنّ غايته على تقدير تركه إلى العطب، بخلاف المال، فإنّما يجب المدافعة عنه مع ظنّ السلامة. فقوله: «إذا غلّبت السلامة» شرط للمال خاصّة. و غلّب- بالتشديد- يفيد معنى ظنّ، لأنّه رجحان أحد الطرفين.

و وجوب المدافعة عن المال بالشرط- كما تقتضيه العبارة- هو الأولى، سواء تضرّر بفواته أم لا، لأنّ في تركه تضييع، و هو غير جائز. و قيل: لا تجب المدافعة عن المال إلّا مع اضطراره إليه و غلبة ظنّ الظفر. و به قطع في الدروس (2). و هو أقوى.

و قطع العلّامة بعدم الوجوب مطلقا (3). و الحريم كالنفس في وجوب الدفاع عنه مع الإمكان. و لو عجز و أمكن الهرب فيهما وجب.

قوله: «العمى».

(2) و إن وجد الأعمى قائدا. و يتحقق العمى بذهاب البصر من العينين معا، فيجب على الأعور و الأعشى و غيرهما.

قوله: «و الزمن كالمقعد».

(3) و إن وجد مطيّة و معينا. و لا يلحق به الأعرج الذي يمكنه المشي بدون مشقّة.

قوله: «و المرض المانع من الركوب و العدو».

(4) أي المانع من مجموعهما من حيث هو مجموع، فيسقط عنه و إن قدر على

____________

(1) انظر الوسائل 11: 91 ب «46» من أبواب جهاد العدوّ.

(2) الدروس: 167.

(3) قواعد الأحكام 2: 273.

13

و يختلف ذلك بحسب الأحوال (1).

[فروع ثلاثة]

فروع ثلاثة

[الأوّل: إذا كان عليه دين مؤجّل فليس لصاحبه منعه]

الأوّل: إذا كان عليه دين مؤجّل (2) فليس لصاحبه منعه. و لو كان حالّا، و هو معسر، قيل: له منعه، و هو بعيد.

____________

أحدهما، كما يسقط عمّن تقدّم مع إمكان الركوب خاصّة، أو العدو خاصّة، فإنّ الراكب قد يحتاج إلى العدو بأن يصير ماشيا بقتل دابّته و نحوه، و من يقدر على العدو قد يحتاج إلى الركوب.

قوله: «و يختلف ذلك بحسب الأحوال».

(1) أي بحسب أحوال الشخص، بالنسبة إلى ما يحتاج إليه من النفقة له و لعياله، و ما يحتاج إليه من السّلاح من سيف، و قوس، و سهام، و رمح، و غير ذلك، فإنّ من الناس من يحسن الرَّمي بالسهم خاصّة فيعتبر في حقّه، و منهم من يحسن الضرب بالسيف فيعتبر في حقّه، و منهم من يعتاد النفقة الواسعة و هو من أهلها فيعتبر في حقّه، و هكذا. و كذلك الفقر يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأشخاص، فقد يطلق الفقير على شخص مع ملكه لمال كثير، و غيره يعدّ غنيا بذلك المال. و يجوز اعتباره في المرض أيضا، فإنّ الأمراض تختلف في اعتبارها بالنسبة إلى أحوال الجهاد و أنواعه، فإنّ بعض أفراد الجهاد لا يحتاج الى ركوب و لا عدو، فلا يعتبران في المرض.

قوله: «إذا كان عليه دين مؤجّل. إلخ».

(2) إطلاق المؤجّل يشمل ما لو كان يحلّ قبل رجوعه من الجهاد بحسب العادة و عدمه، و ما لو كان به رهن أو ترك مالا في بلده مقابلة الدّين و عدمه. و الأمر فيه كذلك، لعدم استحقاق المطالبة حينئذ. و يحتمل في الذي يحلّ أجله قبل رجوعه عادة جواز منعه، لاستلزامه تعطيل حقّه عند استحقاقه. و أمّا المعسر فالأقوى أنّه ليس له منعه مطلقا. و القول بجواز منعه بخصوصه غير معلوم القائل. و إنّما ذكر الشيخ في

14

[الثاني: للأبوين منعه عن الغزو]

الثاني: للأبوين منعه عن الغزو ما لم يتعيّن عليه (1).

[الثالث: لو تجدّد العذر بعد التحام الحرب]

الثالث: لو تجدّد العذر بعد التحام الحرب (2)، لم يسقط فرضه على

____________

المبسوط كلاما (1) يدخل فيه المعسر، لا بخصوصه.

قوله: «للأبوين منعه عن الغزو ما لم يتعيّن عليه».

(1) المراد بالأبوين الأب و الأمّ المسلمين العاقلين، فلو كانا كافرين أو مجنونين لم يعتبر إذنهما. و في إلحاق الأجداد بهما قول قويّ. و لو كانا مع الأبوين ففي اعتبار إذن الجميع، أو سقوط الأجداد وجهان، أجودهما الأوّل. و في اشتراط حرّيتهما في ولاية المنع قولان، أقربهما العدم.

و المراد بتعيّنه عليه أن يأمره الإمام به، أو يكون في المسلمين ضعف بحيث يتوقّف الأمر عليه، فيسقط اعتبارهما حينئذ، لوجوبه عليه عينا، كما يسقط اعتبار إذنهما في الواجبات العينيّة كالصلاة.

و كما يعتبر إذنهما في الجهاد يعتبر في سائر الأسفار المباحة و المندوبة و الواجبة الكفائية مع قيام من فيه الكفاية. فالسفر إلى طلب العلم إن كان لمعرفة العلم العيني، كإثبات الصانع، و ما يجب له و يمتنع عليه، و النبوّة و الإمامة و المعاد، لم يفتقر إلى إذنهما. و إن كان لتحصيل الزائد منه على الفرض العيني، كدفع الشبهات، و إقامة البراهين المروّجة للدّين زيادة على الواجب، كان فرضه كفاية، فحكمه و حكم السفر إلى أمثاله من العلوم الكفائيّة كطلب التفقّه، أنّه إن كان هناك قائم بفرض الكفاية اشترط إذنهما. و هذا في زماننا فرض بعيد، فإنّ فرض الكفاية في التفقّه لا يكاد يسقط مع وجود مائة فقيه مجتهد في العالم. و إن كان السفر إلى غيره من العلوم الأدبيّة مع عدم وجوبها، توقّف على إذنهما.

هذا كلّه إذا لم يجد في بلده من يعلّمه ما يحتاج اليه، بحيث لا يجد في السفر زيادة يعتدّ بها، لفراغ أو جودة استاد، بحيث يسبق به إلى بلوغ الدرجة التي يجب تحصيلها سبقا معتدّا به، و إلّا اعتبر إذنهما أيضا.

قوله: «لو تجدّد العذر بعد التحام الحرب. إلخ».

(2) إذا تجدّد العذر بعد التحام الحرب، فإن كان خارجيا، كرجوع الأبوين

____________

(1) المبسوط 2: 6.

15

تردّد، إلّا مع العجز عن القيام به.

و إذا بذل للمعسر ما يحتاج إليه وجب، و لو كان على سبيل الأجرة لم يجب (1).

و من عجز عنه بنفسه (2) و كان موسرا، وجب إقامة غيره، و قيل

____________

و صاحب الدّين لم يعتبر رجوعه، لعموم الأوامر الدالّة على الثبات (1) حينئذ. و إن كان ذاتيا، كالمرض و العمى و الإقعاد ففي السقوط قولان، أقربهما ذلك، لعدم القدرة التي هي شرط الوجوب. قال ابن الجنيد يجب الثبات هنا أيضا (2). و هو ضعيف. نعم لو لزم من رجوعه تخاذلا في المسلمين و انكسارا، اتّجه عدم السقوط.

و اعلم أنّ ظاهر العبارة كون الخلاف في القسم الأوّل خاصّة، و الموجود في كتب الخلاف كونه في الثاني.

قوله: «و إذا بذل للمعسر ما يحتاج اليه وجب، و لو كان على سبيل الأجرة لم يجب».

(1) و الفرق بين الأمرين أنّ الإجارة لا تتم إلّا بالقبول، و هو نوع اكتساب لا يجب تحصيله للواجب المشروط به، بخلاف البذل، فإنّه يتحقق بالإيجاب خاصّة، و هو من فعل الباذل. و وجوب القبول على المبذول له هو المشهور، بل لم ينقلوا فيه خلافا.

و قد تقدم في الحجّ مثله (3). و ذهب بعض الأصحاب إلى اشتراط كونه بوجه لازم، كالنذر، أو قبوله البذل، و إلّا لم يجب (4). و الأوّل أقوى.

قوله: «و من عجز عنه بنفسه. إلخ».

(2) الأقوى وجوب الاستئجار مع الحاجة إليه، أو أمر الإمام له بذلك، و إلّا فلا،

____________

(1) كما في سورة الأنفال: 15 و 45، راجع أيضا الوسائل 11: 65 ب «29» من أبواب جهاد العدوّ و ما يناسبه.

(2) نقله عنه العلامة في المختلف: 324.

(3) راجع الجزء الثاني: 133.

(4) المحقق الثاني في حاشيته على الشرائع: 181 و جامع المقاصد 3: 373.

16

يستحبّ، و هو أشبه. و لو كان قادرا فجهّز غيره (1) سقط عنه، ما لم يتعيّن.

و يحرم الغزو في أشهر (1) الحرم إلّا أن يبدأ الخصم، أو يكونوا ممّن لا يرى للأشهر حرمة.

و يجوز القتال في الحرم، و قد كان محرّما فنسخ (2).

و يجب المهاجرة عن بلد الشرك (3) على من يضعف عن إظهار شعائر

____________

لأصالة البراءة، فيكون الاستئجار واجبا على الكفاية، كما يجب النهوض على القادر.

قوله: «و لو كان قادرا فجهّز غيره. إلخ».

(1) يتحقق التعيّن بتوقف الأمر عليه لقوّته أو رأيه، أو بأمر الإمام له. و بدونه تجوز الاستنابة، لأنّ الغرض من الواجب الكفائي المقتضي لسقوطه عمّن زاد عمّن فيه الكفاية بحصول من فيه الكفاية تحصيله (2) على المكلّف بالواجب، بنفسه أو بغيره.

قوله: «و يجوز القتال في الحرم و قد كان محرّما فنسخ.

(2) نسخه قوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3). و كذلك قيل:

نسخت تحريم القتال في الأشهر الحرم مطلقا، بجواز قتل من لا يرى لها حرمة، و من بدأ بالقتل فيها.

قوله: «و يجب المهاجرة عن بلد الشرك. إلخ».

(3) المراد بشعائر الإسلام الأمور التي يختص بشرعه كالأذان و الصلاة (4) و صوم شهر رمضان و نحو ذلك. قيل: و أصل الشعار الثوب الملاصق للبدن، أستعير للأحكام اللاصقة اللازمة للدين الخاص. و في الصحاح شعار القوم في الحرب علامتهم ليعرف بعضهم بعضا (5). و هذا المعنى هنا أولى، بمعنى علامات الإسلام التي يعرف بها الفاعل كونه مسلما، كالعبادات المذكورة.

____________

(1) كذا في النسخ المطبوعة للشرائع و متن الجواهر المطبوع و الصحيح «الأشهر الحرم».

(2) كذا في أكثر النسخ و في «ج» فيجوز تحصيله. و هو أولى بشرط حذف الباء عن كلمة «بحصول» فتأمّل.

(3) التوبة: 5.

(4) كذا في «ج» و «و» و في سائر النسخ بدل الصلاة «الإقامة».

(5) الصّحاح 2: 699.

17

الإسلام، مع المكنة.

و الهجرة باقية ما دام الكفر باقيا (1).

____________

و احترز بمن يضعف عن إقامتها، عن ذي القوّة أو العشيرة، بحيث يمنعه ذلك من أذى المشركين، و يقدر على إقامة الشعار، فلا يجب عليه الهجرة. و مع ذلك يستحب له الهجرة، لئلا يكثر به سواد المشركين. و لو تعذّرت على من يجب عليه لمرض، أو عدم نفقة، فلا حرج، لقوله تعالى إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ (1). و اليه أشار المصنف بقوله: «مع المكنة».

و ألحق الشهيد- فيما نقل عنه- ببلاد الشرك بلاد الخلاف التي لا يتمكن فيها المؤمن من إقامة شعار الايمان، فيجب عليه الهجرة منها- مع إمكان انتقاله- إلى بلد يحصل فيه اقامة الشعار.

قوله: «و الهجرة باقية ما دام الكفر باقيا».

(1) نبّه بذلك على خلاف بعض العامّة، حيث زعم انقطاعها بالفتح، لقوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «لا هجرة بعد الفتح» (2). و هو معارض بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، و لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (3). و حينئذ فيحمل الخبر الأوّل على الهجرة من مكّة، لأنّها صارت دار الإسلام، فلا يلزم نفي الهجرة من غيرها.

و لا يرد أنّ الأصل عدم الإضمار، و إجراء العام على عمومه، لأنّ ذلك حيث لا يلزم تنافي الأخبار، و إلّا وجب الجمع بينها ما أمكن، و لو بما هو أبعد من الإضمار و التخصيص. و هو موضع وفاق. و أجيب أيضا بأنّ الهجرة المنفيّة هي الفاضلة، كفضلها قبل الفتح، لقوله تعالى لٰا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ (4).

____________

(1) النساء: 98.

(2) الكافي 5: 443 ح 5، الفقيه 3: 227 ح 1070، الوسائل 11: 77 ب «36» من أبواب جهاد العدو ح 7.

(3) سنن أبي داود 3: 3 ح 2479، و قريبا من لفظه في مسند أحمد 1: 192.

(4) الحديد: 10.

18

[و من لواحق هذا الركن المرابطة]

و من لواحق هذا الركن المرابطة. و هي الإرصاد لحفظ الثغر (1). و هي مستحبّة، و لو كان الامام مفقودا، لأنها لا تتضمن قتالا، بل حفظا و إعلاما. و من لم يتمكّن منها بنفسه يستحب أن يربط فرسه هناك (2). و لو نذر المرابطة وجبت، مع وجود الإمام و فقده. و كذا لو نذر أن يصرف شيئا في المرابطين وجب على الأصحّ، و قيل: يحرم (3)، و يصرفه في وجوه البرّ، إلّا مع خوف الشنعة، و الأوّل أشبه.

____________

قوله: «و هي الإرصاد لحفظ الثغر».

(1) الثغر هنا هو الموضع الذي يكون بأطراف بلاد الإسلام، بحيث يخاف هجوم المشركين منه على بلاد الإسلام. و كلّ موضع يخاف منه يقال له ثغر لغة (1).

قوله: «أن يربط فرسه هناك».

(2) لينتفع بها من يرابط بغير فرس، فهي بمعنى إباحة الانتفاع بها على هذا الوجه.

قوله: «و كذا لو نذر أن يصرف شيئا في المرابطين وجب على الأصح و قيل: يحرم. إلخ».

(3) القول للشيخ (2). و حاصله أنّ من نذر شيئا للمرابطين حال الغيبة، بل حال عدم تمكّن الامام و بسط يده و إن كان حاضرا، كما اتّفق في مورد النصّ (3)، وجب صرف المنذور في وجوه البرّ، إن لم يكن سمع نذره أحد من المخالفين، و اشتهر بينهم أنّه نذر ذلك، بحيث يخاف بترك صرف المنذور في المرابطين من تشنيعهم عليه، بعدم الوفاء بالنذر، أو بأنّه لا يرى صحّة النذر للمرابطين منهم، و نحو ذلك. فإن حصل له خوف من ذلك، وجب عليه صرفه في المرابطين. و مستند هذا التفصيل رواية (4) تدل ظاهرا عليه. و حملها على النذر لمرابط لا يسوغ صرف النذر إليه لا مطلق المرابط

____________

(1) لسان العرب 4: 103، الصحاح 2: 605.

(2) المبسوط 2: 9 و النهاية: 291.

(3) الوسائل 11: 21 ب «7» من أبواب جهاد العدو ح 1.

(4) الوسائل 11: 21 ب «7» من أبواب جهاد العدو ح 1.

19

و لو آجر نفسه وجب عليه القيام بها، و لو كان الامام مستورا.

و قيل: إن وجد (1) المستأجر أو ورثته ردّها، و إلّا قام بها. و الأولى الوجوب من غير تفصيل.

____________

أولى. و الأقوى صحة النذر و وجوب الوفاء به كما عيّن مطلقا.

قوله: «و لو آجر نفسه وجب عليه القيام بها و لو كان الامام مستورا و قيل: إن وجد. إلخ».

(1) القول للشيخ (1) ((رحمه الله)) استنادا إلى الرواية (2). و مختار المصنف أقوى، لأنّه طاعة فضلا عن كونه مباحا يصحّ الاستئجار عليه.

____________

(1) المبسوط 2: 9 و النهاية: 291.

(2) قرب الاسناد: 150، الوسائل 11: 21 ب «7» من أبواب جهاد العدو ح 2. و في دلالتها على مورد الإجارة نظر، راجع الجواهر 21: 45.

20

[الركن الثاني في بيان من يجب جهاده و كيفية الجهاد]

الركن الثاني في بيان من يجب جهاده و كيفية الجهاد.

و فيه أطراف:

[الأوّل: في من يجب جهاده]

الأوّل: في من يجب جهاده. و هم ثلاثة: البغاة على الإمام من المسلمين، و أهل الذمّة و هم اليهود و النصارى و المجوس إذا أخلّوا بشرائط الذّمة، و من عدا هؤلاء من أصناف الكفّار.

و كلّ من يجب جهاده (1) فالواجب على المسلمين النفور إليهم، إمّا لكفّهم، و امّا لنقلهم إلى الإسلام.

____________

قوله: «و كلّ من يجب جهاده. إلخ».

(1) غاية الكفّ يتحقق في البغاة، لأنّهم مسلمون، فيطلب بجهادهم كفّهم عن أهل الحقّ، و رجوعهم عن البغي. و في باقي الكفّار إذا لم يقدر على نقلهم إلى الإسلام، بأن كان فيهم قوّة و قد قصدوا المسلمين بحيث لا يرجى نقلهم. و أمّا إذا كان في المسلمين قوّة قصدوا بسببها الكفّار رجاء نقلهم إلى الإسلام تحقّقت الغاية الأخرى. و قد يتحقق للجهاد غاية ثالثة، و هي التزامهم بشرائط الذمّة.

و ممّا ذكرناه يعلم أنّ قولهم: «إمّا لكفّهم و إمّا لنقلهم إلى الإسلام» ليس لفّا و نشرا مرتّبا، على أن يكون «لكفّهم» للقسم الأوّل ممّن يجاهد، و «لنقلهم» للقسمين الأخيرين، بناء على أنّ البغاة مسلمون، و إنّما يطلب كفّهم عن الخروج عن طاعة الامام. و في الحقيقة كل واحدة من الغايتين يمكن طلبها لكلّ واحد من الأقسام، أمّا للقسمين الأخيرين فظاهر ممّا بيّناه، و أمّا البغاة فإنهم عندنا كفّار مرتدّون، فقد

21

فإن بدأوا فالواجب محاربتهم (1)، و إن كفّوا وجب بحسب المكنة و أقلّه في كلّ عام مرّة. و إذا اقتضت المصلحة مهادنتهم جاز، لكن لا يتولّى ذلك إلّا الإمام، أو من يأذن له الامام.

____________

يطلب نقلهم إلى الإسلام مع الإمكان.

فإن قيل: إذا كانوا مرتدّين فارتدادهم فطري، فكيف يطلب إسلامهم، مع أنّه لا يقبل توبة هذا القسم من المرتدّين عندنا؟ قلنا: قد قبل علي (عليه السلام) توبة من تاب من الخوارج و هو أكثرهم. و قد قال لخارجي لم يرجع: «لكم علينا ثلاث:

أن لا نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا فيها اسم اللّه، و لا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، و لا نبدأ بقتالكم» (1). و هذا يدلّ على أنّ لهذا النوع من المرتدين حكما خاصّا. و جاز أن يكون السبب- مع النص- تمكّن الشبهة من قلوبهم، فيكون ذلك عذرا في قبول توبتهم قبل دفعها، كما أنّ أحكام المرتدّين ليست جارية عليهم مع التوبة.

قوله: «فإن بدأوا فالواجب محاربتهم. إلخ».

(1) لا شك أنّ وجوب (2) محاربتهم مع بداءتهم به إنّما يجب أيضا مع المكنة، فإطلاق الوجوب فيه و تقييد ابتدائنا لهم يوهم وجوب الأوّل مطلقا. و ليس كذلك، و إنّما قيد الثاني لملاحظة (3) تتمة القيد و هو وجوبه في كلّ عام مرّة، بمعنى أنّ المكنة و إن كانت معتبرة في الأمرين، لكنّ الأوّل لا يتقيّد بقيد آخر، فيجب مع المكنة مطلقا، و الثاني إنّما يجب مع المكنة في كلّ عام مرّة، لقوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (4) أوجب بعد انسلاخها الجهاد، و الأصل عدم وجوب الزائد عن المرّة، بناء على أنّ الأمر لا يقتضي التكرار، كذا احتجّوا له. و فيه نظر واضح [1].

____________

[1] في هامش «ج» و «ه» و «و» هكذا «فان ذلك يقتضي عدم وجوب تكراره مطلقا كما في قول السيّد لعبده:

إذا دخلت السوق فاشتر اللحم. منه».

____________

(1) الكامل في التاريخ 3: 335.

(2) كذا في جميع ما لدينا من النسخ و الأولى حذف كلمة وجوب.

(3) في «ن» و «و» بملاحظة. و هو أولى.

(4) التوبة: 5.

22

[الطرف الثاني في كيفية قتال أهل الحرب]

الطرف الثاني في كيفية قتال أهل الحرب و الأولى أن يبدأ بقتال من يليه (1)، إلّا أن يكون الأبعد أشدّ خطرا.

و يجب التربّص إذا كثر العدوّ و قلّ المسلمون، حتى تحصل الكثرة للمقاومة، ثمَّ تجب المبادرة.

____________

و أيضا فالمكنة مختلفة في الموضعين، فإنّ المراد منها في الأوّل القدرة على مدافعتهم و ردّهم عن بلاد الإسلام و كفّ أذاهم، و في الثاني القدرة على مقاومتهم و قهرهم، بحيث يقتلوا، أو يسلموا، أو يلتزموا بشرائط الذّمة إن كانوا من قبيلها.

و التحقيق أنّ الوجوب كلّ عام مرّة ليس مطلقا في الوجود و العدم، بل يجب الزيادة عليها مع الحاجة إليه، كخوف قوّة العدوّ مع الاقتصار عليها، و أدائه إلى ضعف المسلمين عنهم، و نحو ذلك. و يجوز تركه في السنة و السنين أصلا مع العذر، مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدّة، أو لحصول مانع في الطريق من عدم الماء و نحوه، أو رجاء رغبة العدوّ في الإسلام زيادة على حالة قتالهم، و نحو ذلك ممّا يراه الإمام من المصلحة، فيجوز حينئذ تركه بهدنة و غيرها، كما صالح النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) قريشا عشرين سنة [1]، و أخّر قتالهم حتّى نقضوا عهده، و أخّر قتال قبائل من العرب بغير هدنة. و أمّا إذا بدأ العدوّ بالقتال وجب جهاده مع الإمكان مطلقا.

قوله: «و الأولى أن يبدأ بقتال من يليه. إلخ».

(1) هذا الحكم على وجه الوجوب، لقوله تعالى قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّٰارِ (2) و الأمر للوجوب. و يستثنى من ذلك ما لو كان الأبعد أشدّ خطرا، فإنّه يسوغ حينئذ الانتقال إليه، كما فعل النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم بالحارث بن أبي ضرار، لمّا بلغه أنّه يجمع له، و كان بينه و بينه عدوّ أقرب، و بخالد بن سفيان

____________

[1] لا شك أن المراد به صلح الحديبية، و الوارد في كتب السير و التاريخ ان مدّته عشر سنين. راجع سيرة ابن هشام 2: 317 و الكامل 2: 204 و غير ذلك.

____________

(2) التوبة: 123.

23

و لا يبدءون إلا بعد الدعاء إلى محاسن الإسلام (1)، و يكون الداعي الإمام أو من نصبه. و يسقط اعتبار الدعوة في من عرفها (2).

و لا يجوز الفرار إذا كان العدوّ على الضّعف من المسلمين، أو أقلّ، إلّا لمتحرّف (3) كطالب السعة، أو موارد المياه، أو استدبار الشمس، أو تسوية لأمته (4)، أو لمتحيّز الى فئة، قليلة كانت أو كثيرة (5).

____________

كذلك (1). و مثله في جواز الانتقال إلى الأبعد ما إذا كان الأقرب منها دنا لا ضرر منه.

و كما يجب قتال الأقرب قبل من يليه، كذا يجب قتال القريب قبل من يليه أيضا، و هكذا.

قوله: «و لا يبدءون إلّا بعد الدعاء إلى محاسن الإسلام».

(1) محاسن الإسلام هي الشهادتان و التوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة و جميع شرائع الإسلام.

قوله: «و يسقط اعتبار الدعوة في من عرفها».

(2) سواء كانت المعرفة نشأت من الدعاء إليه، أو من بلوغه و معرفته الغرض من القتال، و مع ذلك يستحب الدعاء قبل القتال، كما فعل عليّ (عليه السلام) بعمرو و غيره. مع علمهم بالحال.

قوله: «الّا لمتحرّف».

(3) هو بالتاء المثناة من فوق. و المراد به الانتقال من حالته التي هو عليها إلى حالة هي أدخل في تمكّنه من القتال، كما ذكر من الأمثلة.

قوله: «أو تسوية لأمته».

(4) اللامة- بالهمزة- هي الدرع. و يجمع على لأم بفتح اللام و سكون الهمز، و لؤم بضم اللام و فتح الهمز. و مثله نزع شيء، أو لبسه، أو نحو ذلك.

قوله: «أو لمتحيّز الى فئة، قليلة كانت أو كثيرة».

(5) المراد بالتحيّز إلى فئة الانضمام إليها، ليستنجد بها في القتال مع صلاحيتها له.

____________

(1) راجع سنن البيهقي 9: 38.

24

و لو غلب عنده الهلاك لم يجز الفرار، و قيل: يجوز (1)، لقوله تعالى:

وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (1). و الأوّل أظهر، لقوله تعالى إِذٰا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا (2).

و إن كان المسلمون أقلّ من ذلك لم يجب الثبات. و لو غلب على الظن السلامة استحبّ. و إن غلب العطب قيل: يجب الانصراف، و قيل: يستحب، و هو أشبه (2).

____________

و يشترط أن لا تكون بعيدة جدّا، بحيث يخرج بالتحيّز إليها عن كونه مقاتلا عادة.

و لو وصل إليها في زمان لا يخرج عن الوصف، لكن بدا له حينئذ الانتقال إلى أخرى جاز، بشرط أن لا يخرج بمجموع التحيّز عن الوصف، لا بكلّ واحد على انفراده، مع اتصال الانتقال. أمّا لو طرأ بعد القتال معها اعتبر كلّ على حدة.

و اعلم أنّ هذا الاستثناء في الموضعين إنّما هو للمختار. امّا المضطر- كمن عرض له مرض، أو فقد سلاحه- فإنّه يجوز له الانصراف حيث شاء.

قوله: «و لو غلب عنده الهلاك لم يجز له الفرار و قيل: يجوز. إلخ».

(1) فرض المسألة في ما إذا كان العدوّ على الضّعف أو أقلّ، مع كونه من جملة فئة، أمّا لو كان المسلم وحده فسيأتي الخلاف فيه. و منشأ القولين من دلالة الإطلاقين على المراد، و الأقوى وجوب الثبات. و طريق الجمع منع كون الثبات على هذا الوجه إلقاء باليد إلى التّهلكة، بل إلى الحياة الباقية المخلّدة، فلا تعارض بين الإطلاقين.

قوله: «و إن كان المسلمون أقلّ من ذلك- إلى قوله- و هو الأشبه».

(2) وجه الوجوب اشتماله على حفظ النفس الواجب دائما. و وجه الاستحباب ذلك، إلّا أنّ عدم المنع من النقيض لما فيه من تحصيل الشهادة على تقديرها، و هو أمر مطلوب، و لظاهر قوله تعالى كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً (3) فإنّ فيه ترغيبا في الثبات، و ليس ببعيد.

____________

(1) البقرة: 195.

(2) الأنفال: 45.

(3) البقرة: 249.

25

و لو انفرد اثنان بواحد من المسلمين لم يجب الثبات، و قيل: يجب، و هو المرويّ (1).

و يجوز محاربة العدوّ بالحصار، و منع السابلة دخولا و خروجا، و بالمجانيق، و هدم الحصون و البيوت، و كلّ ما يرجى به الفتح. و يكره قطع الأشجار، و رمي النّار، و تسليط المياه إلّا مع الضرورة.

و يحرم بإلقاء السمّ (2)، و قيل يكره، و هو أشبه، فان لم يمكن الفتح إلّا به جاز.

و لو تترّسوا بالنساء أو الصبيان منهم كفّ عنهم، إلّا في حال التحام الحرب (3)، و كذا لو تترّسوا بالأسارى من المسلمين و إن قتل الأسير، إذا لم

____________

قوله: «و لو انفرد اثنان بواحد من المسلمين- إلى قوله- و هو المرويّ».

(1) هي رواية الحسن بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان يقول:

«من فرّ من رجلين في القتال من الزحف فقد فرّ. و من فرّ من ثلاثة فلم يفرّ» (1). و في الرواية ضعف. و وجوب الثبات قويّ مع عدم ظنّ العطب.

قوله: «و يحرم بإلقاء السمّ. إلخ».

(2) التحريم قول الشيخ في النهاية (2)، و اختاره ابن إدريس (3)، استنادا إلى رواية السكوني أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم نهى عنه (4). و الرواية مع ضعفها، يمكن حملها على الكراهة، لجواز قتالهم بأنواع العذاب.

نعم لو أدّى إلى قتل نفس محترمة حرم لذلك، كما أنّه لو توقّف الفتح عليه وجب. و العجب في ذلك من ابن إدريس المانع من العمل بخبر الواحد الصحيح.

قوله: «و لو تترّسوا بالنساء و الصبيان منهم كفّ عنهم إلّا في حال التحام الحرب».

(3) يجب حينئذ توقّي الترس ما أمكن، لأنّه محترم. و لو توقّف الوصول إليهم بقتله

____________

(1) الكافي 5: 34 ح 1، التهذيب 6: 174 ح 342، الوسائل 11: 63 ب «27» من أبواب جهاد العدوّ ح 1.

(2) النهاية: 293.

(3) السرائر 2: 7.

(4) التهذيب 6: 143 ح 244، الوسائل 11: 46 ب «16» من أبواب جهاد العدو ح 1.

26

يمكن جهادهم إلّا كذلك. و لا يلزم القاتل دية (1)، و يلزمه كفّارة. و في الأخبار و لا الكفّارة. و لو تعمّده الغازي مع إمكان التحرّز، لزمه القود و الكفّارة.

و لا يجوز قتل المجانين، و لا الصبيان، و لا النساء منهم، و لو عاونّهم (2)، إلّا مع الاضطرار. و لا يجوز التمثيل بهم (3).

____________

جاز، كما يجوز قتل الترس المسلم كذلك.

قوله: «و لا يلزم القاتل دية. إلخ».

(1) لا إشكال في وجوب الكفّارة، لأنها تجب مع الخطأ في نحو هذا الباب، كما دلّ عليه قوله تعالى فَإِنْ كٰانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (1). و إنّما الكلام في كونها كفّارة الخطأ عملا بظاهر الآية، و نظرا إلى أنّه في الأصل غير قاصد للمسلم، و انّما مطلوبه قتل الكفّار فلم يجعل عامدا؟ و أنّ هذا القتل لمّا كان مأذونا فيه شرعا و مأمورا به لم يكن عمدا، أو كفّارة العمد نظرا إلى صورة الواقع، فإنّه متعمّد لقتله، و أنّ الآية إنّما وردت في من قتل المسلم خطأ. و لعلّه أوجه. و ينبغي أن يكون من بيت المال، لأنّه من المصالح، بل من أهمّها، و لأنّ في إيجابها على المسلم تخاذل المسلمين عن حرب المشركين، حذرا من الغرم.

قوله: «و لا يجوز قتل المجانين و لا الصبيان و لا النساء منهم و لو عاونّهم. إلخ».

(2) نون «عاونّ» مشدّدة، ضمير جمع المؤنث، راجع إلى النسوة. و يجوز كونها مخفّفة، و الفاعل ضمير مستتر عائد إلى المذكور. و في بعض النسخ «عاونوهم» و هو أشهر و أجود. و في حكم من ذكر الخنثى المشكل، و الشيخ الفاني، إلّا أن يعاون برأي أو قتال.

قوله: «و لا يجوز التمثيل بهم».

(3) أي بالكفّار حين قتلهم، كجدع أنوفهم و آذانهم، و إن فعلوا ذلك بالمسلمين.

____________

(1) النساء: 92.

27

و لا الغدر (1).

و يستحب أن يكون القتال بعد الزوال (2). و تكره الإغارة عليهم ليلا، و القتال قبل الزوال إلّا لحاجة، و أن يعرقب الدابّة (3) و إن وقفت به، و المبارزة بغير إذن الإمام و قيل: يحرم (4). و يستحب المبارزة إذا ندب إليها الإمام و تجب إذا ألزم (5).

____________

قوله: «و لا الغدر».

(1) أي قتالهم بغتة بعد الأمان. و كذا يحرم الغلول منهم، لقول النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم «لا تغلّوا و لا تمثّلوا و لا تغدروا» (1).

قوله: «و يستحب أن يكون القتال بعد الزوال».

(2) لأنّ أبواب السماء تفتح عنده، و ينزل النصر، و تقبل الرحمة، و هو أقرب إلى اللّيل، فيقلّ القتلى. و ينبغي أن يكون بعد صلاة الظهرين، حذرا من الاشتغال عنها.

قوله: «و أن يعرقب الدابّة».

(3) أي يعرقب المسلم دابّته إذا وقفت به، أو أشرف على القتل. و ضمير «به» يعود إليه بدلالة المقام. و لو رأى ذلك صلاحا زالت الكراهية، كما فعله جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) بمؤتة (2). و لو ذبحها كان أجود. و أمّا دابّة الكافر فيجوز أن تعرقب، لأنّه يؤدّي إلى أضعافهم. و إتلافها بالذّكاة أولى مطلقا.

قوله: «و المبارزة بغير إذن الإمام، و قيل: يحرم».

(4) مستند التحريم رواية (3). و الكراهة أقوى جمعا بين الأخبار.

قوله: «و يستحب المبارزة إذا ندب إليها الإمام، و تجب إذا ألزم».

(5) أي تستحب و تجب إذا ندب و ألزم بها شخصا بعينه. و لو فعل ذلك من غير

____________

(1) المحاسن: 355 ح 51، الكافي 5: 27 ح 1، التهذيب 6: 138، الوسائل 11: 43 ب «15» من أبواب جهاد العدوّ ح 2، 3.

(2) الكافي 5: 49 ح 9، الوسائل 11: 396 ب «52» من أبواب أحكام الدّواب ح 2.

(3) الوسائل 11: 67 ب «31» من أبواب جهاد العدو.

28

[فرعان]

فرعان:

[الأوّل: المشرك إذا طلب المبارزة و لم يشترط جاز معونة قرنه]

الأوّل: المشرك إذا طلب المبارزة و لم يشترط جاز معونة قرنه. فإن شرط أن لا يقاتله غيره وجب الوفاء به. فإن فرّ فطلبه الحربيّ جاز دفعه.

و لو لم يطلبه لم يجز محاربته، و قيل: يجوز (1) ما لم يشترط الأمان، حتّى يعود إلى فئته.

[الثاني: لو اشترط أن لا يقاتله غير قرنه]

الثاني: لو اشترط أن لا يقاتله غير قرنه، فاستنجد أصحابه، فقد نقض أمانه. و إن تبرّعوا فمنعهم فهو في عهدة شرطه. و إن لم يمنعهم جاز قتاله معهم.

[الطرف الثالث في الذمام]

الطرف الثالث في الذمام و الكلام في العاقد و العبارة و الوقت.

[أمّا العاقد]

أمّا العاقد فلا بدّ أن يكون بالغا عاقلا مختارا. و يستوي في ذلك الحرّ و المملوك، و الذكر و الأنثى. و لو أذمّ المراهق أو المجنون لم ينعقد، لكن يعاد إلى مأمنه (2). و كذا كلّ حربيّ دخل في دار الإسلام بشبهة الأمان كأن

____________

تعيين استحبّت أو وجبت كفاية. و مع الوجوب الكفائي تستحبّ لمن لم تجب عليه.

قوله: «و لو لم يطلبه لم يجز محاربته و قيل: يجوز. إلخ».

(1) عدم الجواز قويّ وفاء بمقتضى الشرط، فإنّه لا يزول حتّى تتغيّر تلك الحالة، و يعود إلى فئته.

قوله: «و لو أذمّ المراهق و المجنون لم ينعقد لكن يعاد إلى مأمنه».

(2) هذا إذا ادّعى الحربيّ توهّمه صحّة الأمان، امّا لو علم فساده ثمَّ دخل لم يعتد به. و مراد المصنف هو الأوّل.

29

يسمع لفظا فيعتقده أمانا، أو يصحب رفقة فيتوهمها أمانا (1). و يجوز أن يذمّ الواحد من المسلمين لآحاد من أهل الحرب (2)، و لا يذمّ عامّا، و لا لأهل إقليم.

و هل يذمّ لقرية أو حصن؟ قيل: نعم (3)، كما أجاز عليّ (عليه السلام) ذمام الواحد لحصن من الحصون، و قيل: لا، و هو الأشبه. و فعل علي (عليه السلام) قضية في واقعة، فلا يتعدّى.

و الامام يذمّ لأهل الحرب عموما و خصوصا. و كذا من نصبه الامام للنّظر في جهة يذمّ لأهلها. و يجب الوفاء بالذّمام، ما لم يكن متضمّنا لما يخالف الشرع. و لو أكره العاقد لم ينعقد.

[و امّا العبارة]

و امّا العبارة، فهو أن يقول: أمّنتك، أو أجرتك، أو أنت في ذمّة الإسلام. و كذا كل لفظ دلّ على هذا المعنى صريحا. و كذا كل كناية (4) علم بها ذلك من قصد العاقد.

____________

قوله: «أو يصحب رفقة فيتوهمها أمانا».

(1) أي يتوهم الصحبة المدلول عليها بالفعل تضمّنا. و يكفي في مثل ذلك دعواه.

قوله: «و يجوز أن يذمّ الواحد من المسلمين لآحاد من أهل الحرب».

(2) المراد بالآحاد العدد اليسير، و هو يطلق على العشرة فما دون. و يذمّ- بضم اوّله و كسر ثانية- مضارع أذمّ، أي أجار.

قوله: «و هل يذم لقرية أو حصن؟ قيل: نعم. إلخ».

(3) الأقوى العدم، كما اختاره المصنّف. و قد استثنى جماعة (1) من الأصحاب الحصن الصغير، و البلد الصغير، و ألحقوه بالآحاد. و في صحته على الإطلاق نظر.

قوله: «و كذا كلّ كناية. إلخ».

(4) الكناية بالنّون، و المراد بها اللفظ الدالّ على الذمام بفحواه، دون صريحه،

____________

(1) كالعلامة في المنتهى 2: 914، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 3: 429.

30

و لو قال: لا بأس عليك، أو لا تخف لم يكن ذماما (1)، ما لم ينضم اليه ما يدلّ على الأمان.

[و أمّا وقته]

و أمّا وقته فقبل الأسر. و لو أشرف جيش الإسلام على الظهور، فاستذمّ الخصم، جاز مع نظر المصلحة. و لو استذمّوا بعد حصولهم في الأسر فأذمّ، لم يصحّ. و لو أقرّ المسلم أنّه أذمّ لمشرك، فان كان في وقت يصحّ منه إنشاء الأمان، قبل (2).

و لو ادّعى الحربيّ على المسلم الأمان، فأنكر المسلم، فالقول قوله (3).

____________

بحيث يعلم بالقرائن ارادة الأمان به من قصد العاقد. و يجوز كونها بالتاء المثناة من فوق، فإنها كافية أيضا. و الضابط كلّ ما دلّ على إرادة الأمان من لفظ، و كتابة، و إشارة، و غيرها.

قوله: «و لو قال: لا بأس عليك، أو لا تخف لم يكن ذماما.

إلخ».

(1) لا فرق في المنضمّ اليه بين كونه مقاليا أو حاليا، كما لو طلبوا منه الأمان، أو طلبه هو منهم، و نحو ذلك، ممّا يدل- بانضمامه إلى اللفظ القاصر- عليه.

قوله: «و لو أقرّ المسلم أنه أذمّ لمشرك، فان كان في وقت يصحّ منه إنشاء الأمان قبل».

(2) احترز به عمّا لو وقع الإقرار بعد الأسر، فإنّه لا يقبل، و إن أسنده الى ما قبله، من الحال الّتي يصحّ فيها الأمان، لأنّه إقرار في حقّ الغير فلا يسمع. و كذا لو أقرّ بذلك ما فوق الواحد من المسلمين، و إن كانوا ثلاثة على الأقوى.

قوله: «و لو ادّعى الحربي على المسلم الأمان فأنكره فالقول قوله».

(3) من غير يمين، كما صرّح به جماعة (1). و علّلوه بأنّ القتل و الأسر حكمان ثابتان

____________

(1) كالعلامة في القواعد 1: 110 و المحقق الثاني في جامع المقاصد 3: 432. و التعليل المذكور فيه أيضا.

31

و لو حيل بينه و بين الجواب بموت أو إغماء، لم تسمع دعوى الحربي. و في الحالين يردّ إلى مأمنه، ثمَّ هو حرب (1). و إذا عقد الحربيّ لنفسه الأمان، ليسكن في دار الإسلام، دخل ماله تبعا. و لو التحق بدار الحرب للاستيطان، انتقض أمانه لنفسه، دون ماله. و لو مات انتقض الأمان في المال أيضا، إن لم يكن له وارث مسلم، و صار فيئا. و يختصّ به الإمام (2)، لأنّه لم يوجف عليه. و كذا الحكم لو مات في دار الإسلام.

____________

على الحربي، و بمجرّد دعواه لا يسقطان. و إنكار المسلم لا يأتي على حقّ يترتب عليه، بل على ما يقتضي سقوط ما قد علم ثبوته.

و في التعليل نظر، لأنّه إن كان في حالة يمكن المسلم فيها إنشاء الأمان، ينفعه إقراره له، فينبغي على القاعدة المستمرة ثبوت اليمين. و إن كان في وقت لا ينفعه، كما لو كان أسيرا، لم يثبت عليه يمين، لأنّ إقراره في تلك الحال لا ينفعه، بل إنشاؤه كذلك.

و يمكن الجواب عن الأوّل بأنّ الحق في الأمان ليس منحصرا في المسلم، بل يتعلق به و بغيره، ممّن يستحق المال و النفس، فيكون في ذلك كالوكيل الذي يقبل إقراره، و لا يتوجّه عليه يمين.

قوله: «و في الحالين يردّ إلى مأمنه، ثمَّ هو حرب».

(1) أي في حالة إنكار المسلم، و الحيلولة بينه و بين الجواب، فيردّ الكافر إلى مأمنه، للشبهة. و لو أقام بيّنة سمعت.

قوله: «و إذا عقد الحربي لنفسه الأمان ليسكن في دار الإسلام- إلى قوله- و يختص به الإمام. إلخ».

(2) نبّه بقوله: «تبعا» على أنّ لفظ «الأمان لنفسه» لم يتناول ماله نصّا، فإنّ أحدهما غير الآخر، و لكن يدخل تبعا له، بناء على أنّ إتلاف ماله ضرر عليه، و الأمان يقتضي عدم الضرر. و متى دخل تبعا، صار بحكم ما لو صرّح بأمانة. فاذا

32

و لو أسره المسلمون فاسترقّ، ملك ماله تبعا لرقبته (1).

و لو دخل المسلم دار الحرب مستأمنا فسرق، وجب اعادته (2)، سواء كان صاحبه في دار الإسلام، أو في دار الحرب. و لو أسر المسلم، و أطلقوه، و شرطوا عليه الإقامة في دار الحرب، و الأمن منه، لم يجب

____________

رجع الكافر عن الأمان بنفسه، بقي ماله على أصل الذمام، إلى ان يردّ اليه، فيصير بحكمه. و انّما دخل في الأمان تبعا، و لم يدخل في الحرب تبعا، لأنّ الأصل يقتضي عدم التبعيّة فيهما، خرج منه التبعيّة في الاحترام، بدلالة القرائن على ارادته، فيبقى الباقي.

و قيّده بعضهم بكون الأمان له مطلقا، فلو كان مقيّدا بكونه في دار الإسلام، انتقض أمان المال أيضا. و يشكل بأنّ الأمان لا يكون إلّا في دار الإسلام. و من ثمَّ يبطل امانه لو انتقل الى دار الحرب بنيّة الإقامة، أمّا لو دخله بنيّة العود، لم ينتقض أمانه في نفسه و لا ماله قطعا.

و على الأوّل لو بعث بطلبه، بعث به اليه، تحقيقا للأمان فيه. و يصحّ تصرّفه فيه ببيع و هبة و غيرهما. فان مات و هو على ملكه، انتقل الى وارثه، فان كان مسلما ملكه مستقرّا. و ان كان حربيّا انتقل اليه، و انتقض فيه الأمان، و صار للإمام (عليه السلام)، بمنزلة ما لا وارث له.

قوله: «و لو أسره المسلمون ملك ماله تبعا لرقبته».

(1) هذا من تتمّة المسألة السابقة. و حيث زال امانه في نفسه جاز أسره إذا تمكّنوا منه. فان قتلوه كان بحكم ما لو مات. و إن استرقّوه زال ملكه عن ماله، بناء على انّه لا يملك شيئا، و يكون فيئا للإمام (عليه السلام)، كما مرّ. فقول المصنف «ملك ماله تبعا» أراد به التبعية في الملك، لا في المالك، فلا يستحقه مسترقّه، لانّه مال لم يوجف عليه. و لو أعتق بعد ذلك لم يعد اليه. امّا لو منّ عليه عاد اليه.

قوله: «و لو دخل المسلم دار الحرب مستأمنا فسرق وجبت إعادته».

(2) أي فسرق شيئا. و إليه يعود ضمير «اعادته» و انّما تركه لدلالة السرقة عليه، فإنّها مقتضية لمسروق. و انّما حرم عليه خيانتهم، مع انّ لفظ الأمان وقع لنفسه، لأنّ

33

الإقامة، و حرمت عليه أموالهم بالشرط. و لو أطلقوه على مال، لم يجب الوفاء به.

و لو أسلم الحربيّ، و في ذمّته (1) مهر، لم يكن لزوجته مطالبته، و لا لوارثها.

و لو ماتت ثمَّ أسلم، أو أسلمت قبله ثمَّ ماتت، طالبه وارثها المسلم، دون الحربيّ.

____________

لازمه ترك الخيانة من الجانبين، و ان لم يصرّح به، كما دخل مال الكافر تبعا له، فدخول المال معلوم من حيث المعنى.

قوله: «و لو أسلم الحربي و في ذمته. إلخ».

(1) انّما لم يكن لها المطالبة بالمهر، مع إسلامه قبلها و حياتها، و لا لوارثها بعد ذلك، لأنّها من أهل الحرب، و لا أمان لها على المهر، فيجوز للزوج منعها منه، كما يجوز له أخذ مالها الذي في يدها. لكن لو ماتت قبل إسلامه، و لها وارث مسلم، انتقل اليه ما يخصّه من المهر، فإذا أسلم الزوج بعد ذلك، بقي في ذمّته للمسلم. و لو كان وارثها حربيا كان بحكمها، فليس له المطالبة به. و كذا لو أسلمت قبل إسلامه، استقرّ المهر لها في ذمّته، و لم يسقط بإسلامه، لمصادفته مالكا محترما.

بقي في المسألة أمران:

الأوّل: أنّ إطلاق قوله «و لا لوارثها» يشمل الوارث المسلم و الحربيّ. و اتّحاد الحكم فيهما متّجه، من حيث إنّ إسلام الزوج قبلها أوجب جواز استيلائه على ما أمكنه من مالها الّذي من جملته المهر. و كلّ ما استولى عليه منه يملكه، كغيره من أموال أهل الحرب. و كونه في ذمّته بمنزلة المقبوض في يده، فينبغي أن يملكه بإسلامه، مع بقائها على الحرب. و حينئذ فلا يزيله ما يتجدد من إسلامها، و لا موتها مع كون وارثها مسلما. فهذا الإطلاق في محلّه. و كذلك أطلق العلّامة في كثير من كتبه (1). لكن ذكر في التذكرة و التحرير (2) أنّ وارثها إذا كان مسلما يجوز له مطالبته به.

____________

(1) القواعد 1: 111، الإرشاد 1: 344.

(2) التذكرة 1: 418، التحرير 1: 137، و كذلك في المنتهى 2: 917.

34

..........

____________

و ظاهره أنّ الحكم في ما لو أسلم قبلها. و ينبغي على هذا أنّه لو أسلمت أيضا جاز لها المطالبة بطريق أولى، لأنّ حقّ المطالبة من الوارث المسلم إنّما جاء من قبل موتها مستحقة للمال، لكن لمّا لم يكن لها المطالبة لكونها حربيّة، يثبت لوارثها المسلم، لزوال المانع، فاذا زال المانع عنها في حياتها بإسلامها ثبت لها ذلك.

و يشكل ذلك بأمرين:

أحدهما: ما أسلفناه من أنّه بإسلامه قبلها صارت يده على مالها و هو غير محترم، فينبغي أن يحكم له بملكه. فكيف يمنع من المطالبة به، و يبقى على ملكها؟!.

و الثاني: انّه لم يذكر هو و لا غيره هنا جواز مطالبتها لو أسلمت بعد ذلك، مع أنّ اللازم من مطالبة وارثها و استحقاقه له، مطالبتها و استحقاقها كما مرّ.

و قد أكّد العلّامة الشبهة المستفادة من مدلول ما حكيناه عنه، في باب النكاح، فحكم في الإرشاد (1) بأنّ إسلام الزوج الحربيّ يوجب للحربيّة عليه نصف المهر إن كان قبل الدخول، و جميعه إن كان بعده، فإنّه لو لا إمكان مطالبته به على وجه، بأن تسلم بعد ذلك، أو تخلّف (2) وارثا مسلما، بحيث يستحق المطالبة به، لم يكن لاستحقاقها المهر فائدة.

و كأنّه يفرّق في تملّك المسلم لمال الحربي بين العين و الدين، فيمنع الاستيلاء على الدين على وجه يوجب ملكه له، بناء على تعذّر قبضه، لأنّه أمر كلّي غير مشخص. و من ثمَّ لم يجز هبته و لا غيرها ممّا يشترط فيه القبض. و لو كان عينا جاز له تملكه، و استقرّ ملكه عليه، و ان أسلمت بعد ذلك، أو خلّفت مسلما. لكن هذا كلّه مشكل بما أسلفناه. و إطلاق عباراتهم يؤيّد ما حقّقناه.

الثاني: ذكر جماعة من الأصحاب أنّ الحربي إذا أسلم يسقط عنه مال أهل

____________

(1) الإرشاد 2: 23.

(2) في «ن» و «ك» و «و» بأن يسلم بعد ذلك أو يخلّف. و الصحيح ما أثبتناه كما في «ه» و «م».

35

[خاتمة فيها فصلان]

خاتمة فيها فصلان

[الأوّل: يجوز أن يعقد العهد على حكم الإمام]

الأوّل: يجوز أن يعقد العهد على حكم الإمام، أو غيره ممّن نصبه للحكم. و يراعى في الحاكم كمال العقل، و الإسلام، و العدالة (1).

____________

الحرب الذي كان في ذمّته، إذا كان غصبا أو إتلافا، أو غير ذلك ممّا حصل بغير التراضي و الاستئمان. و أمّا ما ثبت في ذمّته بالاستئمان، كالقرض و ثمن المعاوضات، فإنّه يبقى في ذمّته لشبهة الأمان، و إن لم يكن وقع صيغة أمان. و يؤيّده ما ذكروه من أنّ المسلم أو الحربي لو دخل إليهم و خرج لهم بمال ليشتري به شيئا لم يجز التعرض له، لأنّه أمانة و كذا لو دفعوا الى أحد شيئا وديعة، لم يجز التعرض لها، إلحاقا للأمانة بالأمان.

و حينئذ يشكل الحكم بعدم وجوب دفع المهر إليها، و ان بقيت على الكفر، فانّ المهر من باب الأمانات كثمن المبيع. و يتوجّه الإشكال حينئذ على جميع أقسام المسألة. و يكون ذلك القيد الذي زاده العلّامة أقعد في الحكم من باقيها.

اللهمّ الّا ان يفرّق بين المعاوضة المحضة و غيرها كالمهر، أو يمنع أصل الحكم، و يدّعى استباحة مال الحربي مطلقا، ما لم يسبقه الأمان الخاص. و لكن عموم الآية (1) بالأمر بأداء الأمانة يشمل ما ذكروه في الوديعة. و قد ينازع في دخول ما في الذمة، سواء كان من معاوضة محضة كالثمن، أو غيرها كالمهر.

قوله: «و يراعى في الحاكم كمال العقل و الإسلام و العدالة».

(1) لا ريب في اعتبار العقل، و يخرج به المجنون و السكران و المغمى عليه و أشباههم، و الإسلام لتعليق الحكم عليه في الخبر [1]. و اما العدالة فلأنّ الفاسق

____________

[1] لعل المراد به رواية مسعدة بن صدقة و ما يشابهها لقوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم «و لكن أنزلهم على حكمكم» راجع الوسائل 11: 43 ب «15» من أبواب جهاد العدو ح 3.

____________

(1) النساء: 58.

36

و هل يراعى الذكورة و الحرّية؟ قيل: نعم، و فيه تردّد (1).

و يجوز المهادنة على حكم من يختاره الإمام، دون أهل الحرب، إلا أن يعيّنوا رجلا يجتمع فيه شروط الحاكم (2). و لو مات الحاكم قبل الحكم، بطل الأمان، و يردّون إلى مأمنهم. و يجوز أن يسند الحكم إلى اثنين و أكثر.

و لو مات أحدهم، بطل حكم الباقين (3)، و يتبع ما يحكم به الحاكم،

____________

ظالم، و قد نهى اللّٰه تعالى عن الركون إليه (1). و اشترط في التذكرة- زيادة على ذلك- الفقه بأحكام الجهاد (2). و المراد به الاجتهاد في مسائله، كما يقتضيه إطلاق هذا اللفظ. و به صرّح المحقّق المحشي (3).

قوله: «و هل يراعى الذكورة و الحرية؟ قيل: نعم، و فيه تردّد».

(1) منشؤه أصالة عدم الاشتراط، و أنّ العبد و المرأة قاصران عن مرتبة الحكم.

و اشتراطهما أجود.

قوله: «إلا أن يعيّنوا رجلا، يجتمع فيه شروط الحاكم».

(2) فتجوز المهادنة على حكم من يختارونه حينئذ، كما أقرّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم بني قريظة، حين طلبوا النزول على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل الرجال، و سبي الذراري، و غنيمة المال. فقال له النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم:

«لقد حكمت بما حكم اللّٰه تعالى من فوق سبعة أرقعة» (4). قال الجوهري: «الرّقيع اسم سماء الدنيا، و كذلك سائر السماوات» (5). و قال الخليل: «كلّ واحدة رقيع للأخرى، فهي أرقعة» (6).

قوله: «و لو مات أحدهم، بطل حكم الباقين».

(3) لأنه جعل الحكم منوطا برأي الجميع فيفوت بفواته و هو يتحقق بفوات بعضه،

____________

(1) هود: 113.

(2) التذكرة 1: 418.

(3) هو المحقق الثاني في حاشيته على الشرائع: 185 «مخطوط».

(4) الإرشاد للمفيد: 58.

(5) الصحاح 3: 1222.

(6) العين 1: 157.

37

الا ان يكون منافيا لوضع الشرع.

و لو حكم بالسبي و القتل و أخذ المال فأسلموا، سقط الحكم في القتل خاصة لا في المال (1). و لو جعل للمشرك فدية عن اسراء المسلمين، لم يجب الوفاء، لأنه لا عوض للحرّ.

[الثاني: يجوز لوالي الجيش]

الثاني: يجوز لوالي الجيش، جعل الجعائل، لمن يدلّه على مصلحة، كالتّنبيه على عورة القلعة، و طريق البلد الخفيّ. فإن كانت الجعالة من ماله دينا (2)، اشترط كونها معلومة الوصف و القدر.

و إن كانت عينا، فلا بدّ أن تكون مشاهدة، أو موصوفة.

و إن كانت من مال الغنيمة، جاز أن تكون مجهولة، كجارية و ثوب.

[تفريع]

تفريع لو كانت الجعالة عينا، و فتح البلد على أمان، فكانت في الجملة،

____________

و مثله ما لو مات أحد الوصيّين على الجميع.

قوله: «و لو حكم بالسبي و القتل و أخذ المال فأسلموا، سقط الحكم في القتل لا في المال و السبي» [1].

(1) لأن الإسلام يحقن الدماء، بخلاف الاسترقاق و المال، فإنّهما يجامعان الإسلام، كما لو أسلم المشرك بعد الأخذ.

قوله: «فإن كانت الجعالة من ماله دينا. إلخ».

(2) اشتراط العلم بالجعالة- كما في الأولى- واضح، لما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى،

____________

[1] اختلفت نسخ الشرائع ففي بعضها لم يذكر «خاصة» كما في المسالك و في بعضها الى قوله «في القتل» كما في متن الجواهر. و الظاهر أن الموجود في نسخة الشهيد ما نقلناه. و ان احتمل ان يكون قوله «لا في المال و السبي» من عبارة الشهيد ((قدس سره)).

38

فإن اتّفق المجعول له و أربابها على بذلها أو إمساكها بالعوض جاز. و إن تعاسرا، فسخت الهدنة، و يردّون إلى مأمنهم (1).

و لو كانت الجعالة جارية، فأسلمت قبل الفتح لم تدفع اليه (2) و دفعت القيمة. و كذا لو أسلمت بعد الفتح، و كان المجعول له كافرا. و لو ماتت قبل الفتح أو بعده، لم يكن له عوض.

____________

من أنّ الجعالة شرطها العلم بالعوض. و أمّا جواز الجهالة في الثانية فللنصّ [1]، و دعاء الحاجة إليه، مع أنه سيأتي في الجعالة أنّ الجهالة تصحّ فيه حيث يتعذّر العلم به، و لا تكون مانعة من التسليم، ك«من ردّ عبدي فله نصفه» فيكون القسم الثاني من هذا القبيل.

قوله: «و إن تعاسرا فسخت الهدنة و يردّون إلى مأمنهم».

(1) هذا قول الشيخ (2) ((رحمه الله)) و وجهه- مع كون الحقّين متضادّين- أنّ حق صاحب الجعل أسبق فيقدّم. و قيل بعدم الفسخ، لأنّ الصلح متعلّقه مصلحة عامة، و فسخه مصلحة خاصة، و مراعاة العامة أولى، فإنّ إتلاف مال الغير عند معارضة المصلحة العامة جائز، بل قد يجب. و حينئذ فيعطى المجعول له عوضها.

و قوّى العلّامة (3) في المختلف اعتبار المصلحة للمسلمين، فإن كانت مصلحتهم في بقاء الصلح عوّض المجعول له عنها، و لم يفسخ الصلح، كما لو أسلمت. و إن لم يكن في إفساد الصّلح ضرر على المسلمين، لقوّتهم و استظهارهم جاز فسخه، و أخذت الجارية مع التعاسر. و هو حسن.

قوله: «و لو كانت الجعالة جارية، فأسلمت قبل الفتح لم تدفع إليه».

(2) لا فرق هنا بين كون المجعول له مسلما و كافرا، لأنّها قد ملكت نفسها

____________

[1] المراد به ظاهرا ما ورد من أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم- نقل للسرية ثلث المغنم أو ربعه و المغنم مجهول كما في التذكرة 1: 429 و غيرها. راجع كنز العمال 4: 532 و 536.

____________

(2) المبسوط 2: 28.

(3) المختلف: 326- 327.

39

[الطرف الرابع في الأسارى]

الطرف الرابع في الأسارى و هم ذكور و إناث. فالإناث يملكن بالسبي، و لو كانت الحرب قائمة، و كذا الذراري (1). و لو اشتبه الطفل بالبالغ اعتبر بالإنبات، فمن لم ينبت و جهل سنّه، ألحق بالذراري، و الذكور البالغون يتعين عليهم القتل، إن كانت الحرب قائمة، ما لم يسلموا (2).

____________

بإسلامها، فلا يجوز له استرقاقها حينئذ، بخلاف ما لو أسلمت بعد الفتح، فإنّها تدفع إليه إن كان مسلما، لأنّ طروّ الإسلام على الملك لا يزيله. و إن كان كافرا دفعت إليه القيمة، لأن الكافر لا يملك المسلم.

قوله: «و كذا الذراري».

(1) الذراري جمع ذرّية، و هم ولد الرجل. قاله الجوهري (1). و المراد هنا غير البالغين منهم، بقرينة المقام. و لو أبدل الذراري بالأطفال كان أجود.

قوله: «و الذكور البالغون يتعين عليهم القتل إن كانت الحرب قائمة ما لم يسلموا».

(2) اي إن أسروا قبل تقضّي الحرب، و انقضاء القتال، فإنّه يتعيّن قتلهم.

و مقتضى قوله: «ما لم يسلموا» منع تعيّن قتلهم مع الإسلام، لكن لم يبيّن حكمهم معه، و قد حكم الشيخ (2) ((رحمه الله)) بالتخيير فيهم مع الإسلام بين المنّ و الفداء و الاسترقاق، كما لو أسلموا مع أخذهم بعد تقضّي الحرب. و يمكن أن يريد المصنّف بقوله فيما بعد: «و لو أسلموا بعد الأسر لم يسقط عنهم هذا الحكم» ما يعمّ الأمرين، أعني إسلامهم بعد أخذهم حال قيام الحرب و بعده.

و ذهب بعض الأصحاب (3) إلى تعيّن المنّ عليهم في هذه الصورة، لأنّه لم يكن

____________

(1) الصحاح 2: 663 مادة «ذرر».

(2) المبسوط 2: 20.

(3) حاشية المحقق الثاني على الشرائع: 186 «مخطوط».

40

و الإمام مخيّر، إن شاء ضرب أعناقهم، و إن شاء قطع أيديهم (1) و أرجلهم من خلاف، و تركهم ينزفون حتى يموتوا.

____________

له استرقاقهم في حال الكفر، إذ يتعين قتلهم حينئذ، ففي حال الإسلام أولى. و فيه أنّ المنع من استرقاقهم حينئذ إهانة لهم ليقتلوا، فلا يلزم مثله مع المنع من قتلهم بالإسلام، مع أنّ الإسلام غير مناف للتملّك، و لهذا لمّا امتنع قتلهم بأخذهم بعد تقضّي الحرب جاز استرقاقهم، فيمكن أن يقلب الدليل، و يقال: إذا جاز استرقاقهم مع أخذهم بعد تقضّي الحرب و إسلامهم، فلأن يجوز ذلك قبله أولى، لأنّ حكمهم في هذه الحالة أخفّ، و منع استرقاقهم مع الكفر لأجل أن يفعل بهم ما هو أعظم من الاسترقاق- و هو القتل- لا ينفيه، حيث لا مانع. و أيضا لا شبهة في أنّ أخذهم بعد تقضّي الحرب أخفّ، فثبوت التخيير بين الثلاثة مع إسلامهم، و تحتّم المنّ مع إسلامهم في الحالة القويّة غير جيّد، فقول الشيخ ((رحمه الله)) متّجه.

قوله: «و الإمام مخيّر، إن شاء ضرب أعناقهم، و إن شاء قطع أيديهم. إلخ».

(1) ظاهر هذا التخيير أنه تخيير شهوة لا اجتهاد، لأن المطلوب قتلهم، بخلاف التخيير الآتي بين المنّ و غيره، فإنه تخيير اجتهاد في المصلحة، لا شهوة، كما صرّح به العلّامة (1)، لأنّ الإمام وليّ المسلمين فيرى لهم الأصلح من الثلاثة. و يحتمل هنا كون التخيير كذلك، فإنّ قطع الأيدي و الأرجل قد يكون أصلح، ليعتبر الكفّار و يرهبوا، و يرغب ضعيف العقيدة في اتّباع المسلمين، و يمكن كون ضرب العنق أصلح باعتبار آخر.

و «ينزفوا» بضمّ الياء و فتح الزاء، على البناء للمفعول، لأنّ الدم هو الفاعل للنزف لغة. قال الجوهري: «يقال: نزفه الدم، إذا خرج منه دم كثير حتى يضعف، فهو نزيف و منزوف» (2). و نبّه بقوله «حتى يموتوا» على أن لا بدّ من موتهم، فلو لم

____________

(1) المنتهى 2: 928.

(2) الصحاح 4: 1431 مادة «نزف».

41

و إن أسروا بعد تقضّي الحرب، لم يقتلوا، و كان الامام مخيرا بين المنّ و الفداء و الاسترقاق (1).

و لو أسلموا بعد الأسر، لم يسقط عنهم هذا الحكم. و لو عجز الأسير عن المشي، لم يجب قتله (2)، لأنه لا يدرى ما حكم الامام فيه؟ و لو بدر مسلم فقتله، كان هدرا.

____________

يموتوا بخروج الدم أجهز عليهم بغيره.

قوله: «و لو أسروا بعد تقضّي الحرب لم يقتلوا، و كان الامام مخيّرا، بين المنّ و الفداء و الاسترقاق».

(1) هذا هو المشهور. و قيل: يجوز القتل هنا. و هو ضعيف. و لا فرق في ذلك بين الكتابيّ و غيره، خلافا للشيخ، حيث نفى الاسترقاق عن غير الكتابي، لأنه لا يقرّ على دينه (1). و يتعيّن هنا الأصلح من الثلاثة للمسلمين، و هو في قوّة رفع التخيير.

نعم لو تساوت المصالح في الثلاثة تحقّق التخيير، كما أنها لو تساوت في اثنين تخيّر فيهما خاصة. و مال الفداء و المسترق من جملة الغنيمة.

قوله: «و لو عجز الأسير عن المشي، لم يجب قتله. إلخ».

(2) و المراد بالأسير هنا المأخوذ و الحرب قائمة، لا بعد انقضائها، لأن القتل عن الثاني مرتفع أصلا، و التعليل يشعر بذلك، للعلم بأن الإمام لا يحكم بقتل هذا النوع. و أمّا الأول فلأنّه لا يعلم ما حكم الامام فيه بالنسبة إلى نوع القتل الذي يقتله به، و أيضا فقتله بعد انقضاء الحرب إلى الامام، فلا يجوز لغيره، كما في الزاني المحصن و نحوه. و كان حقّ العبارة نفي الجواز، لا نفي الوجوب، لما عرفته من التقرير. و يمكن أن يكون نفي الوجوب على أصله، بمعنى أن الأسير إن عجز عن المشي، و لم يتمكّن من ركوبه، و لا من إيصاله إلى الإمام، فإنّه يحتمل هنا أن يقال:

يجب قتله، لأن القتل متعيّن عليه، فلا يجوز للمسلم أن يتركه و ينصرف، لما فيه من الإخلال بالواجب و تقوية الكفار، فإنه يستريح و يذهب إليهم، و لأنه يؤدّي إلى جعل

____________

(1) المبسوط 2: 20.

42

و يجب أن يطعم الأسير، و يسقى، و إن أريد قتله (1).

و يكره قتله صبرا (2)، و حمل رأسه من المعركة (3).

و يجب مواراة الشهيد دون الحربي. و ان اشتبها يوارى من كان كميش الذكر.

و حكم الطفل المسبيّ حكم أبويه. فإن أسلما، أو أسلم أحدهما،

____________

ذلك وسيلة إلى الخلاص بالحيلة. و على ما بيّناه لا يجوز قتله حينئذ، بل يتركه و يذهب. و عليه العمل، لقول زين العابدين (عليه السلام): «إذا أخذت أسيرا فعجز عن المشي، و لم يكن معك محمل، فأرسله و لا تقتله، فإنّك لا تدري ما حكم الإمام فيه» (1). و لو بدر و قتله مسلم أو كافر فلا قصاص و لا دية و لا كفّارة، لأنه كافر لا أمان له. نعم يعزّر قاتله. و كذا الحكم لو قتله قاتل من غير عجز.

قوله: «و يجب أن يطعم الأسير، و يسقى، و إن أريد قتله».

(1) أي و إن أريد قتله في ذلك الوقت الذي يحتاج فيه إلى الطعام و الشراب، لقول الصادق (عليه السلام): «الأسير يطعم و إن كان قد تقدّم للقتل» (2).

قوله: «و يكره قتله صبرا».

(2) القتل صبرا هو الحبس للقتل. فإن أريد قتله قتل على غير ذلك الوجه. كذا فسّره جماعة (3). قال الصادق (عليه السلام): «لم يقتل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم رجلا صبرا قطّ غير عقبة بن أبي معيط» (4). و قيل: المراد به التّعذيب حتى يموت، و قيل: قتله جهرا بين الناس، و قيل: أن يتهدّد بالقتل ثمَّ يقتل.

قوله: «و حمل رأسه من المعركة».

(3) أي حمل رأس الكافر المقتول، المدلول عليه بالمقام. و لو كان في حمله نكاية

____________

(1) الكافي 5: 35 ح 1، علل الشرائع: 565 ب «366» ح 1، التهذيب 6: 153 ح 267، الوسائل 11: 53 ب «23» من أبواب جهاد العدو ح 2.

(2) التهذيب 6: 153 ح 268، الوسائل 11: 69 ب «32» من أبواب جهاد العدو ح 2. و لفظ الحديث «و ان كان يقدّم».

(3) كما في السرائر 2: 9، و التنقيح الرائع 1: 588.

(4) التهذيب 6: 173 ح 340، الوسائل 11: 112 ب «66» من أبواب جهاد العدو.

43

تبعه الولد. و لو سبي منفردا، قيل: يتبع السابي في الإسلام (1).

____________

للكفار لم يكره.

قوله: «و لو سبي منفردا، قيل: يتبع السابي في الإسلام».

(1) القول للشيخ (1) ((رحمه الله))، و ابن الجنيد (2)، و ابن البراج (3). و قوّاه الشهيد ((رحمه الله)) في بعض فوائده [4]. و هو مذهب العامّة أجمع. و حجّتهم في ذلك أن الدّين إنما يثبت له تبعا، و قد انقطعت تبعيّته لأبويه، لانقطاعه عنهما، و إخراجه عن دارهما، و مصيره إلى دار الإسلام تبعا لسابيه المسلم فكان تابعا له في دينه، و لظاهر قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «كلّ مولود يولد على الفطرة و إنما أبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه» (5) و هما معه [6]، فإذا انقطع عنهما و زالت المعيّة، انتفى المقتضي لكفره، فيرجع إلى الفطرة. و يظهر من المصنّف التوقّف فيه، حيث جعله قولا. و كذلك العلّامة توقّف فيه في أكثر كتبه (7). و في القواعد (8) قرّب تبعيّته له في الطهارة خاصة، و تبعه عليه ولده في الشرح (9). و هو مذهب ابن إدريس (10). و اختاره المحقق الشيخ

____________

[4] لم نعثر عليه صريحا و ربما يستظهر من قوله في القواعد و الفوائد 1: 334 القاعدة «120» في ضمن أحكام الأب و الجد: «و منعهما تبعية السابي في الإسلام إذا كان الصغير مع أحدهما».

[6] يبدو من العبارة أنه ((رحمه الله)) اعتبر هذه الجملة من تتمة الحديث. و لم نجد في مصادر الخاصة و العامة هذا الذيل بالرغم من اختلاف عبارات الحديث. نعم حكاه العلامة في التذكرة 1: 425 مع هذا الذيل.

____________

(1) المبسوط 2: 23.

(2) نقله عنه العلامة في المختلف: 331 و الشهيد في الدروس: 163.

(3) المهذّب 1: 318.

(5) الفقيه 2: 26 ح 96، علل الشرائع: 376 ب «104» ح 2، الوسائل 11: 96 ب «48» من أبواب جهاد العدو ح 3.

(7) المختلف: 331، التحرير 1: 141، المنتهى 2: 932، التذكرة 1: 425.

(8) قواعد الأحكام 1: 105.

(9) إيضاح الفوائد 1: 364.

(10) لم نعثر عليه.

44

..........

____________

علي في حاشيته (1). و احتجّوا عليه بأصالة الطهارة السالمة عن معارضة يقين النجاسة، و بلزوم الحرج المنفيّ لو حكم بنجاسته، و بالاقتصار بالرّخصة على موضع اليقين.

و عندي في الاستدلال من الجانبين نظر، فإنّا نمنع- أولا- انقطاع تبعيّته لأبويه، بمجرّد مفارقته لهما، و استقراره عند المسلم في دار الإسلام، فإنّه لا دليل عليه، مع تحقّق الحكم قبل السبي بنجاسته، بل قبل انفراده عنهما، الموجب لاستصحابها، و لانتفاضه بما لو ماتا عنه بعد سبيهما معه، فإنه لا يحكم بإسلامه حينئذ عند الشيخ (2)، و بما لو انفرد ولد الذّميين عنهما بمسلم (3) في دار الإسلام، فإنه لا يرتفع عنه حكم الكفر إجماعا، مع تحقّق المفارقة.

فإن قيل: العلّة مركّبة من المفارقة و ملك المسلم و دار الإسلام، فلا يرد عليها ما لا يجمع الأوصاف الثلاثة، فإن الملك في ولد الذمّيين غير متحقّق.

قلنا: هذه العلّة تحتاج إلى الدليل، و مع ذلك فإنّ دار الإسلام و إن ذكر في الدليل، لكنه غير معتبر في نفسه قطعا، فإنّ السّابي لو أقام به في دار الكفر، للتجارة و غيرها، لحكموا بتبعيّته له أيضا. و أمّا الملك فيتخلّف قبل قسمة الغنيمة، و بعد الاستقلال بالسبي، و الانفراد، فإنّ الملك لم يتحقق لأحد عند جماعة منهم، مع تحقّق الحكم. اللهمّ إلا أن يمنعوا الحكم هنا على تقدير منع الملك، فيبقى تخلّف الولد عن أبويه و انقطاعه عنهما فإنّ الظاهر أن حقيقة دليلهم يرجع إليه عملا بظاهر الخبر و حينئذ فينتقض بما ذكرناه.

ثمَّ لا شبهة في أنّه حيوان متفرع من حيوانين نجسين و من ثمَّ كان قبل الأسر نجسا لأنّ ذلك هو مقتضى الفرعيّة. و انفراده عنهما ليس من المطهّرات المعدودة

____________

(1) حاشية المحقق الثاني على الشرائع: 298 «مخطوط».

(2) المبسوط 2: 22.

(3) كذا في جميع ما لدينا من النسخ و في «و» لمسلم. و لعله اولى.

45

..........

____________

و استصحاب الحكم في ذلك حجّة و متى ثبتت النجاسة لم يثبت الإسلام (1).

و أمّا الخبر فظاهره يدلّ على كون المولود على الفطرة، و ذلك يقتضي أن لا يكون أحد مرتدا عن ملّة، و هذا الظاهر غير مراد منه. و من ثمَّ حمله المرتضى ((رحمه الله)) على أن المعنى أنّ كلّ مولود يولد ليكون على الفطرة (2)، فلا دلالة للحديث حينئذ على مطلوبهم، لأن الكون إنما يتحقق بعد البلوغ.

سلّمنا دلالة صدره، لكن قوله: «و إنما أبواه يهوّدانه إلى آخره» يقتضي أنّه لا ينتقل إلى الكفر عن الفطرة، إلا أن يكونا يهوديّين أو نصرانيّين أو مجوسيّين، فولد غيرهم من أهل الملل لا يدخل فيه. إلا أن يقال: إنّ ذلك ثابت بالإجماع على عدم الفرق.

سلّمنا، لكنّ ذلك يتحقق بوجوده معهما وقتا ما، بدليل نجاسته قبل السبي، فإنّ سببها ليس إلّا تأثيرهما فيه ذلك، فيستصحب مع العمل بمقتضى الخبر، فيكون الخبر دليلا عليهم لا لهم، لأنه دلّ على كونهما صيّراه قبل السبي بحكمهما في الدين، فما الذي أزاله؟.

و أمّا أصالة الطهارة فحقّها أن تقلب، لتحقّق النجاسة بمجرّد الولادة، فيجب استصحابها، و هو أصل سالم عن معارضة يقين الطهارة.

و دليل الحرج ليس بصالح لتأسيس الحكم لتخلفه في موارد أعظم حرجا و ضررا منه، مع بقاء النجاسة، كما لو استأجر المسلم ولد الذمّي مدّة صغره، بل مطلق الكفّار في المدّة الطويلة، و لم يقل أحد بالحكم بالطهارة حينئذ بسبب الحرج.

و أما الاقتصار بالرخصة على موضع اليقين، فهو جيّد في موضعه، إن لم يكن هناك قائل بعدم التبعيّة مطلقا، فإنه حينئذ لا يجوز المصير اليه، و يتعيّن اتّباع أحد القولين، و يكون الاقتصار على الطهارة موضع اليقين. لكن الحكم بالطهارة أيضا

____________

(1) في «و» و «ه» ثبت الكفر. و ورد «لم يثبت الإسلام» في هامش «ه» بعنوان نسخة بدل.

(2) أمالي السيّد المرتضى 2: 83.

46

..........

____________

من دون الإسلام انفكاك غير معهود شرعا، إلّا أنّه مع عدم القائل بالنجاسة غير ضائر إن شاء اللّٰه. فلا بأس بالعمل بهذا القول.

و لو فرض أنّ الطفل سبي مع أحدهما خاصة تبعه في الكفر، على ما صرّح به الشيخ (1)، مع احتمال العدم على مذهبه، لما تقدّم من أن الحكم بكفره في الخبر معلّق على شيئين، فلا يثبت بأحدهما. لكن دلالة المفهوم ضعيفة.

و لو فرض أنهما ماتا بعد سبيهما معه، فمقتضى دليل الشيخ تبعيته الآن للسّابي، لكنه وافق هنا على عدم الحكم بإسلامه، محتجا بأنه مولود من كافرين، فإذا ماتا أو مات أحدهما لم يحكم بإسلامه، كما لو كانا في دار الحرب، و بأنه كافر أصلي فلم يحكم بإسلامه بموت أبويه كالبالغ. و هذه الحجة بعينها قائمة فيما لو انفرد عنهما، و الخبر على الوجه الذي ذكره يتناولهما، فالفرق غير واضح.

ثمَّ يتفرع على القولين أمور:

الأول: لو مات في يد المسلم قبل البلوغ، فعلى قول الشيخ يجب تغسيله و تكفينه و الصلاة عليه، ان بلغ الست و يستحبّ قبلها. و على القول الآخر لا يصحّ ذلك، لأنه بحكم الكافر، كما لو مات مصاحبا لأبويه، و إن كان ملكا للمسلم، و حكم بطهارته.

الثاني: لو بلغ، استمرّ مسلما عند الشيخ، و إن لم يسمع منه الاعتراف بما يوجب الإسلام، كما في ولد المسلم. و على القول الآخر، لا يحكم بطهارته بعد البلوغ، إلا أن يظهر الإسلام، كغيره من أولاد الكفّار. فينبغي لمن ابتلي بذلك أن يعلّمه ما يتحقّق معه الإسلام قبل البلوغ، و يستنطقه به عند تحقق البلوغ، ليتّصل الحكم بالطهارة.

الثالث: لو اشتبه سنّه و بلوغه، بني على أصالة العدم، فيستصحب الطهارة على القول الثاني إلى أن يعلم. و ينبغي مراعاته عند ظهور الأمارات المفيدة للظن،

____________

(1) المبسوط 2: 22.

47

[تفريع]

تفريع إذا أسر الزوج لم ينفسخ النكاح (1). و لو استرقّ انفسخ، لتجدّد الملك. و لو كان الأسير طفلا أو امرأة، انفسخ النكاح، لتحقّق الرقّ بالسّبي. و كذا لو أسر الزوجان. و لو كان الزوجان مملوكين لم ينفسخ، لأنه لم يحدث رقّ. و لو قيل: بتخيّر الغانم في الفسخ، كان حسنا (2).

____________

بالاختبار لعانته، و تكرار الإقرار بالشّهادتين في مختلف الأوقات.

الرابع: عدم بيعه لغير المسلم على قول الشيخ، و على القول الآخر يجوز، مع احتمال العدم، لتشبّثه بالإسلام، و اتّصافه منه ببعض الأحكام، بخلاف الكافر المحض، و من هو بحكمه. و بهذا يظهر أن القول بتبعيّته في الطهارة خاصة ليس هو أحوط القولين، بل الحكم بإسلامه أحوط في الأمر الأوّل و الأخير.

الخامس: لو مات قريبة المسلم و له وارث مسلم فعلى قول الشيخ يشاركه إن كان في درجته، و يختص إن كان أقرب. و على القول الآخر الإرث للآخر خاصة. و لو فرض أنه بلغ قبل القسمة مع تعدّد الوارث، و أسلم شارك، أو اختص على الثاني.

و لو لم يكن لقريبه المسلم وارث سواه، اشتري من التركة، و ورث على الأوّل، و كان الميراث للإمام على الثاني. إلى غير ذلك من الأحكام.

قوله: «إذا أسر الزوج، لم ينفسخ النكاح».

(1) هذا الحكم عندنا موضع وفاق، و إنما نبّه به على خلاف أبي حنيفة (1)، حيث حكم بالانفساخ، بناء على طروّ الملك. و منعه ظاهر، فإن الملك لا يحصل في الكبير إلا بالاسترقاق، لا بمجرد الأسر. و المراد بالزوج هنا البالغ، بدليل ما يأتي من قوله:

«و لو كان الأسير فلا أو امرأة انفسخ». و الفرق تحقّق الرقّ بمجرد الأسر فيهما دونه.

قوله: «و لو كان الزوجان مملوكين لم ينفسخ- إلى قوله- كان حسنا».

(2) ما حسّنه المصنّف حسن، كما لو ملكهما بالبيع. و ألحق به في التذكرة ما لو سباهما

____________

(1) انظر الشرح الكبير لابن قدامة 10: 407.

48

و لو سبيت امرأة، فصولح أهلها على إطلاق أسير في يد أهل الشرك فأطلق، لم يجب إعادة المرأة (1). و لو أعتقت بعوض جاز، ما لم يكن قد استولدها مسلم.

[و يلحق بهذا الطرف مسألتان]

و يلحق بهذا الطرف مسألتان:

[الأولى: إذا أسلم الحربيّ في دار الحرب]

الأولى: إذا أسلم الحربيّ في دار الحرب، حقن دمه، و عصم ماله ممّا ينقل، كالذهب [و الفضة] و الأمتعة، دون ما لا ينقل كالأرضين و العقار، فإنّها للمسلمين، و لحق به ولده الأصاغر، و لو كان فيهم حمل.

و لو سبيت أم الحمل، كانت رقّا دون ولدها منه. و كذا لو كانت الحربية حاملا من مسلم بوطء مباح (2).

____________

واحد و ملكهما، فلا ينفسخ النكاح إلّا بفسخه (1). و كأنّه أراد به ما لو سباهما في حال الغيبة، ممّن يدخل في إذن الإمام (عليه السلام)، فإنه يملكهما دفعة، و يتخيّر في نكاحهما، و إلّا كانت هي الأولى، لأنّ مجرد السّبي لا مدخل له في الحكم بالنسبة إلى الغانمين.

قوله: «و لو سبيت امرأة، فصولح أهلها- إلى قوله- لم يجب إعادة المرأة».

(1) لفساد الصلح بكون أحد عوضيه حرّا و من ثمَّ لو كان مالا جاز، و وجب إعادتها، ما لم يكن قد استولدها مسلم، كما نبّه بقوله: «و لو أعتقت» أي أطلقت.

و إنّما عبر بالعتق، للحكم بملكها بالأسر، فردّها إلى الكفّار إطلاق لها من التملّك، فكان كالعتق.

قوله: «و كذا لو كانت الحربية حاملا من مسلم بوطء مباح».

(2) كما لو وطئها بشبهة، أو بنكاح متعة إن كانت كتابية.

____________

(1) التذكرة 1: 426.

49

و لو أعتق مسلم عبدا ذميّا بالنذر (1)، فلحق بدار الحرب، فأسره المسلمون، جاز استرقاقه و قيل: لا، لتعلّق ولاء المسلم به. و لو كان المعتق ذمّيا، استرقّ إجماعا.

[الثانية: إذا أسلم عبد الحربيّ في دار الحرب قبل مولاه]

الثانية: إذا أسلم عبد الحربيّ في دار الحرب قبل مولاه (2)، ملك نفسه، بشرط أن يخرج قبله. و لو خرج بعده كان على رقّه و منهم من لم يشترط خروجه. و الأوّل أصح.

____________

قوله: «و لو أعتق مسلم عبدا ذمّيا بالنذر. إلخ».

(1) قيّد العتق بكونه بالنذر، تنبيها على عدم جواز عتق العبد الكافر تبرّعا، و يصحّ بالنذر. و هو أحد الأقوال في المسألة و للشيخ قول بجوازه مطلقا (1). و عليه يتفرّع الولاء، فإنّ شرطه كون العتق تبرعا. و المصنف جمع بين العتق بالنذر و بين الولاء، و هما متنافيان، كما سيأتي. و يمكن حمله على ولاء تضمن الجريرة، بأن يتعاقد المولى و المعتق بعد العتق على ضمانها، فيصحّ فيثبت ولاؤها، و إن كان الحمل بعيدا. و أصحّ القولين حينئذ أنّه يسترقّ، للعموم (2)، و تعلّق الولاء لا يمنع. فإن مات سابيه ثبت الولاء، و إلّا فلا.

قوله: «إذا أسلم عبد الحربي في دار الحرب قبل مولاه. إلخ».

(2) اشتراط خروج العبد قبل مولاه إلى دار الإسلام في ملك نفسه هو الأقوى، للخبر (3)، و لأنّ إسلام العبد لا ينافي تملك الكافر له، غايته أنّه يجبر على بيعه. و إنما يملك نفسه بالقهر لسيّده، و لا يتحقق إلّا بالخروج إلينا قبله. و لو أسلم بعده لم يملك نفسه، و إن خرج إلينا قبله، مع احتماله، لإطلاق الخبر. و متى ملك نفسه أمكن بعد ذلك أن يسترقّ مولاه، إذا قهره. و الأمة في ذلك كالعبد.

____________

(1) الخلاف «ط- كوشانپور» 2: 652 مسألة 11، المبسوط 6: 70.

(2) الوسائل 11: 53 ب «23» من أبواب جهاد العدو ح 1.

(3) التهذيب 6: 152 ح 264، الوسائل 11: 89 ب «44» من أبواب جهاد العدو ح 1، و سنن البيهقي 9: 229.

50

[الطرف الخامس في أحكام الغنيمة]

الطرف الخامس في أحكام الغنيمة و النظر في الأقسام، و أحكام الأرضين المفتوحة، و كيفية القسمة.

[أما الأوّل في الأقسام]

أما الأوّل: فالغنيمة هي الفائدة المكتسبة، سواء اكتسبت برأس مال كأرباح التجارات، أو بغيره كما يستفاد من دار الحرب (1). و النظر هاهنا يتعلّق بالقسم الأخير. و هي أقسام ثلاثة: ما ينقل، كالذهب، و الفضة، و الأمتعة. و ما لا ينقل، كالأرض، و العقار. و ما هو سبي، كالنساء و الأطفال.

و الأوّل ينقسم إلى ما يصحّ تملكه للمسلم، و ذاك يدخل في الغنيمة. و هذا القسم يختص به الغانمون بعد الخمس و الجعائل.

و لا يجوز لهم التصرّف في شيء منه إلّا بعد القسمة و الاختصاص.

و قيل: يجوز لهم تناول ما لا بدّ منه، كعلف الدابة، و أكل الطعام (2). و إلى ما

____________

قوله: «الغنيمة هي الفائدة المكتسبة، سواء اكتسبت برأس مال

(1) كأرباح التجارات، أو غيره، أو ما يستفاد من دار الحرب».

استطرد البحث عن مفهومها لغة بالمعنى العام، مع أن المقصود هنا هو القسم الثاني، للتنبيه على أنّ مفهومها العام باق عندنا على أصله. و منه يستفاد وجوب الخمس في أرباح التجارات و نحوها، لعموم قوله تعالى أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ (1)، خلافا للعامة حيث خصّوها بالمعنى الثاني، و نقلوها عن موضوعها اللغوي إلى غنائم دار الحرب خاصة، أو خصّوها به (2).

قوله: «و قيل: يجوز لهم تناول ما لا بدّ منه، كعلّيق الدابة، و أكل الطعام».

(2) حكايته قولا يشعر بتوقّفه فيه، و الأصحّ جوازه.

____________

(1) الأنفال: 41.

(2) انظر التفسير الكبير للفخر الرازي 15: 164.

51

لا يصحّ تملكه، كالخمر و الخنزير، و لا يدخل في الغنيمة، بل ينبغي إتلافه [إن أمكن] كالخنزير، أو يجوز إتلافه و إبقاؤه للتخليل كالخمر (1).

[فروع]

فروع

[الأوّل: إذا باع أحد الغانمين غانما شيئا، أو وهبه، لم يصحّ]

الأوّل: إذا باع أحد الغانمين غانما شيئا، أو وهبه، لم يصحّ.

و يمكن أن يقال: يصحّ (2) في قدر حصّته، و يكون الثاني أحقّ باليد على

____________

و قد ادّعى عليه العلّامة (1) الإجماع منّا و من العامة، إلّا من شذّ منهم. و عموم قوله تعالى فَكُلُوا مِمّٰا غَنِمْتُمْ (2) يتناوله. و الأخبار (3) ناطقة به. و لا يشترط في تناول الطعام كونه مأكولا بالفعل، بل كلّ ما يصلح له كالغنم، فيجوز لهم ذبح ما يحتاجون إليه، لكن يجب ردّ جلودها إلى الغنيمة، لأنها ليست مأكولة، و إن احتاجوا إليها للسّقاء و الحذاء. و لو فضل من المأكول فضلة وجب ردّها. و يجب الاقتصار على الأكل في دار الحرب، أو المفازة التي في الطريق أمّا عمران دار الإسلام الّتي يمكن فيها الشراء، فيجب الإمساك فيها. و تناول الأدوية و نحوها في حكم الطعام، دون غسل الثوب بالصابون و إن احتيج إليه.

قوله: «أو يجوز إتلافه و إبقاؤه للتّخليل كالخمر».

(1) يستفاد من التخيير أنه لا يجب إبقاؤه حتما رجاء التّخليل، لأنّه ليس مالا بالفعل، فيجوز إراقته. و يعلم من ذلك أن النجاسة لا تثبت بالقرائن الحالية ما لم يحصل العلم بها، و إلّا لم يطهر خمرهم بالتخليل.

قوله: «إذا باع أحد الغانمين غانما شيئا، أو وهبه، لم يصحّ. و يمكن أن يقال يصحّ. إلخ».

(2) هذا الاحتمال مبنيّ على أن الغانم يملك حصّته من الغنيمة بالاستيلاء، لا

____________

(1) المنتهى 2: 923، التذكرة 1: 419.

(2) الأنفال: 69.

(3) الكافي 5: 29 ح 8، التهذيب 6: 138 ح 232، الوسائل 11: 43 ب «15» من أبواب جهاد العدو ح 3.

52

قول. و لو خرج هذا إلى دار الحرب أعاده إلى المغنم، لا الى دافعه. و لو كان القابض من غير الغانمين لم تقرّ يده عليه.

[الثاني: الأشياء المباحة في الأصل]

الثاني: الأشياء المباحة في الأصل، كالصّيود و الأشجار، لا يختصّ بها أحد، و يجوز تملّكها لكلّ مسلم. و لو كان عليه أثر ملك و هو في دار الحرب، كان غنيمة بناء على الظاهر، كالطّير المقصوص و الأشجار المقطوعة.

[الثالث: لو وجد شيء في دار الحرب]

الثالث: لو وجد شيء في دار الحرب يحتمل أن يكون للمسلمين و لأهل الحرب، كالخيمة و السلاح، فحكمه حكم اللقطة. و قيل: يعرّف سنة (1) ثمَّ يلحق بالغنيمة. و هو تحكّم.

____________

بالقسمة. و يضعّف- على تقديره- بأن حصّته مجهولة، فلا يصح بيعها. و أيضا فلا يعلم تعلّق حقّه بعين المبيع، لجواز أن يخرج لغيره من الغانمين، أو يجعل في الخمس، أو الجعائل، فالملك على تقديره ضعيف لا يفيد جواز نقله.

و قول المصنف: «و يكون الثاني أحق باليد» معطوف على قوله: «لم يصحّ» لا على الاحتمال، و المعنى أنّ البيع و نحوه و إن لم يصحّ، لكن يكون المدفوع إليه أحق بما وصل إليه من الدافع، لو كان ممّا يجوز الانتفاع به للغانم، كالطعام و العلف، فلا يجوز للدافع أخذه منه، بناء على فساد البيع، لأنّهما في الأصل متساويان فيه. و قد يرجّح القابض باليد، كما يرجّح الأول- حيث كان في يده- بها. و هذا القول قويّ، حتى لو كان المبيع طعاما بطعام، كان كل واحد منها أولى من الآخر بما وصل إليه، و إن كان ربويّا. و مثلهما في ذلك كالضيفين يتبادلان لقمة بلقمة عند عدم قرينة التخصيص، فانّ ذلك يفيد إباحة التصرف فيما وصل إلى كل منهما، و لا يفيد ملكا حقيقيا، فلا يصرفانه في غير ما اذن لهما فيه شرعا.

قوله: «فحكمه حكم اللقطة، و قيل يعرّف سنة. إلخ».

(1) القول الثاني للشيخ (1) ((رحمه الله)). أما تعريفه سنة، فلأنّه مال ضائع، فيكون

____________

(1) المبسوط 2: 30.

53

[الرابع: إذا كان في الغنيمة من ينعتق على بعض الغانمين]

الرابع: إذا كان في الغنيمة من ينعتق على بعض الغانمين، قيل:

ينعتق نصيبه (1)، و لا يجب أن يشتري حصص الباقين، و قيل: لا ينعتق إلا أن يجعله الإمام في حصّته، أو حصّة جماعة هو أحدهم ثمَّ يرضى هو، فيلزمه شراء حصص الباقين إن كان موسرا.

و أما ما لا ينقل فهو للمسلمين قاطبة، و فيه الخمس. و الامام مخيّر بين إفراد خمسه لأربابه، و بين إبقائه و إخراج الخمس من ارتفاعه و أمّا النساء و الذّراري، فمن جملة الغنائم، و يختص بهم الغانمون و فيهم الخمس لمستحقّه.

____________

بحكم اللقطة في وجوب التعريف، و أمّا جعله بعد ذلك غنيمة، فبناء على الظاهر من أنه لو كان له مالك لظهر، فيكون حينئذ بحكم أموال أهل الحرب. و هو ضعيف، لأنه لقطة حقيقة، فيكون له حكمها، و إنما وجب تعريفه سنة لذلك، فكيف يرجع غنيمة بعد التعريف الموجب لجواز التملّك و غيره من أحكام اللقطة؟! فمختار المصنف أقوى.

قوله: «إذا كان في الغنيمة من ينعتق على بعض الغانمين، قيل:

ينعتق نصيبه. إلخ».

(1) مبنى القولين على أن الغانم هل يملك حصّته بالاستيلاء، أو يملك به أن يملك، و إنما يحصل الملك الحقيقي بالقسمة؟ قيل بالأوّل، لأن الاستيلاء على ما ليس بمعصوم من الأموال سبب الملك، و لزوال ملك الكفّار به، فلو لم يملكها المسلمون لكان ملكا بغير مالك، و على هذا فيكون القسمة مميّزة للحق، كالمال المشترك، و قيل: كاشفة عن سبق الملك بالاستيلاء، إذ يمكن زواله قبلها بالإعراض و التلف. و قيل بالثاني، لأن الإمام يقسم الغنيمة بين الغانمين قسمة تشهّ و إجبار،

54

[الثاني: في أحكام الأرضين.]

الثاني: في أحكام الأرضين.

كلّ أرض فتحت عنوة (1) و كانت محياة، فهي للمسلمين قاطبة.

و الغانمون في الجملة (2).

____________

لا قسمة تراض منهم و اختيار، و لو ملكوا حقيقة لم يجز ذلك إلا برضاهم، و لأن خفّهم يزول بالإعراض و لا شيء من المملوك كذلك، و لعدم وجوب الزكاة على أحد منهم إلى أن يتحقق القسمة، فيجري حينئذ في حولها، و لدخول المولود بعد الحيازة و المدد معهم، و هو ينافي الملك. و في هذه الأدلّة نظر. و الأوّل لا يخلو من قوة. و عليها تتفرّع هذه المسألة و نظائرها. فعلى الأوّل ينعتق نصيبه منها و لا يسري عليه، لأن الملك قهريّ. و هو اختيار الشيخ (1) و العلامة (2).

قوله: «كل أرض فتحت عنوة».

(1) العنوة- بفتح العين و إسكان النون- الخضوع و الذل، يقال: عنا، يعنو:

خضع و ذلّ. و منه قوله تعالى وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ (3). و المراد هنا فتحها بالقهر و الغلبة.

قوله: «و كانت محياة فهي للمسلمين قاطبة و الغانمون في الجملة».

(2) المراد بكونها محياة كونها كذلك وقت الفتح. و يثبت كونها مفتوحة عنوة بنقل من يوثق بنقله، و اشتهاره بين المؤرّخين. و قد عدّوا من ذلك مكّة المشرّفة، و سواد العراق، و بلاد خراسان، و الشام. و جعل بعض الأصحاب (4) من الأدلة على ذلك ضرب الخراج من الحاكم و ان كان جائرا، و أخذ المقاسمة من ارتفاعها، عملا بأن الأصل في تصرّفات المسلمين الصحّة، و كونها عامرة وقت الفتح بالقرائن المفيدة للظّن المتاخم للعلم، كتقادم عهد البلد، و اشتهار تقدّمها على الفتح، و كون الأرض مما يقتضي القرائن المذكورة بكونها مستعملة في ذلك الوقت، لقربها من البلد و عدم

____________

(1) المبسوط 2: 32- 33.

(2) المنتهى 2: 934.

(3) طه: 111.

(4) حاشية المحقق الثاني على الشرائع: 301 «مخطوط».