مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج9

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
5

الجزء التاسع

[القسم الثالث في الإيقاعات]

القسم الثالث في الإيقاعات، و هي أحد عشر كتابا

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[كتاب الطلاق]

كتاب الطلاق (1)

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

كتاب الطلاق و النظر في الأركان و الأقسام و اللواحق.

[و أركانه]

و أركانه: أربعة.

[الركن الأول: في المطلّق]

الركن الأول: في المطلّق. و يعتبر فيه شروط أربعة:

[الأول: البلوغ]

الأول: البلوغ.

فلا اعتبار بعبارة الصبيّ (2) قبل بلوغه عشرا. و فيمن بلغ عشرا عاقلا و طلّق للسنّة رواية بالجواز فيها ضعف.

____________

قوله: «الطلاق. إلخ».

(1) الطلاق- لغة- حلّ القيد، و يطلق على الإرسال و الترك، يقال: ناقة طالق أي: مرسلة ترعى حيث تشاء، و طلّقت القوم: إذا تركتهم (1). و شرعا: إزالة قيد النكاح بصيغة طالق و شبهها. و يقال: طلّق الرجل امرأته تطليقا، و طلقت هي تطلق طلاقا، فهي طالق و طالقة (2). و عن الأخفش أنّه لا يقال: طلقت بالضمّ (3). و في ديوان الأدب (4) أنه لغة.

قوله: «فلا اعتبار بعبارة الصبيّ. إلخ».

(2) الرواية التي أشار إليها رواها ابن فضّال، عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يجوز طلاق الصبيّ إذا بلغ عشر سنين» (5). و ضعفها بالرجلين

____________

(1) لسان العرب 10: 226.

(2) لسان العرب 10: 226.

(3) لسان العرب 10: 226.

(4) لم نجده فيه.

(5) التهذيب 8: 75 ح 254، الاستبصار 3: 302 ح 1072.

10

..........

____________

المذكورين، فإنهما فطحيّان، و مع ذلك عمل بمضمونها الشيخان [1] و جماعة (2) من المتقدّمين. و قد روى في معناها ابن أبي عمير في الحسن مرسلا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «يجوز طلاق الصبيّ إذا بلغ عشر سنين» (3).

و روى ابن بكير جواز طلاقه غير مقيّد بالعشر أيضا عنه (عليه السلام) قال:

«يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل، و وصيّته و صدقته و إن لم يحتلم» (4). و في معناها موقوفة سماعة قال: «سألته عن طلاق الغلام و لم يحتلم و صدقته، قال: إذا طلّق للسنّة و وضع الصدقة في موضعها و حقّها فلا بأس، و هو جائز» (5) و عمل بمضمونها ابن الجنيد (6) فلم يقيّد بالعشر. و لم يعتبر المصنف خلافه، بل اقتصر على نقل القول المشهور.

و الأصحّ عدم صحّته مطلقا، لضعف المستند، و مخالفته للأصول الشرعيّة و أكثر الأمّة. مع أنه قد روى أبو الصبّاح الكناني بطريق قريب إلى الصحّة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ليس طلاق الصبيّ بشيء» [2]. و روى أبو بصير عنه عليه

____________

[1] لم نجده في باب الطلاق من المقنعة. نعم، حكم في باب الوصيّة (667) بصحّة وصيّة الصبيّ إذا بلغ عشر سنين، و ربما استظهر منه صحّة سائر تصرّفاته. النهاية: 518.

[2] في هامش «و»: «الطريق صحيح إلا أنّ فيه محمد بن الفضيل، و هو مشترك، و الظاهر أنه الثقة. منه رحمه اللّٰه». لاحظ الكافي 6: 124 ح 2، التهذيب 8: 76 ح 256، الاستبصار 3: 303 ح 1074، الوسائل الباب المتقدّم ح 1.

____________

(2) راجع المهذّب 2: 288، الوسيلة: 323.

(3) الكافي 6: 124 ح 5 و فيه: لا يجوز، الوسائل 15: 324 ب (32) من أبواب مقدّمات الطلاق ح 2.

(4) الكافي 6: 124 ح 4، التهذيب 8: 76 ح 257، الاستبصار 3: 303 ح 1075، الوسائل الباب المتقدّم ح 5، و في الكافي و الوسائل: لا يجوز.

(5) الكافي 6: 124 ح 1، الفقيه 3: 325 ح 1575، التهذيب 8: 76 ح 255، الاستبصار 3: 303 ح 1073، الوسائل الباب المتقدّم ح 7.

(6) انظر المختلف: 589.

11

و لو طلّق وليّه (1) لم يصحّ، لاختصاص الطلاق بمالك البضع، و توقّع زوال حجره غالبا.

و لو بلغ فاسد (2) العقل طلّق وليّه، مع مراعاة الغبطة. و منع منه قوم.

و هو بعيد.

____________

السلام قال: «لا يجوز طلاق الصبيّ و لا السكران» (1). و هذا مذهب ابن إدريس (2) و المتأخّرين (3).

قوله: «و لو طلّق وليّه. إلخ».

(1) أشار بالتعليل الأول إلى الرواية عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:

«الطلاق بيد من أخذ بالساق» (4) و المبتدأ منحصر في خبره، و هو يقتضي انحصار وقوع الطلاق المعتبر في الزوج المستحقّ للوصف. و بقوله: «و توقّع زوال حجره» إلى بيان الفرق بينه و بين المجنون، حيث يجوز للوليّ أن يطلّق عنه مع المصلحة بخلاف الصبيّ، لأنّ الصبيّ لحجره أمد يتوقّع زواله بالبلوغ غالبا، بخلاف المجنون، فإنه لا أمد له. و قيّد بالغلبة لجواز بلوغه فاسد العقل، فيجوز طلاقه عنه حينئذ مع المصلحة، كما سيأتي.

قوله: «و لو بلغ فاسد. إلخ».

(2) المشهور بين الأصحاب المتقدّمين منهم و المتأخّرين- و منهم الشيخ

____________

(1) الكافي 6: 124 ح 3، الوسائل الباب المتقدّم ح 4.

(2) السرائر 2: 664.

(3) راجع قواعد الأحكام 2: 60، إيضاح الفوائد 3: 291، التنقيح الرائع 3: 291- 292، المقتصر:

269.

(4) سنن ابن ماجه 1: 672 ح 2081، المعجم الكبير للطبراني 11: 300 ح 11800، سنن الدارقطني 4: 37، سنن البيهقي 7: 360، كنز العمال 9: 640 ح 27770.

12

..........

____________

في النهاية (1) و ابن الجنيد (2) و ابن بابويه (3) و أتباع (4) الشيخ و المتأخّرون (5)- جواز طلاق الوليّ عن المجنون المطبق مع الغبطة، لأن مصلحة المجنون منوطة بالوليّ عنه، لتعذّر إسنادها إليه، و عدم توقّع زوال عذره، فلو لم يجعل للوليّ هذا التصرّف لزم تضرّر المجنون بتقدير استغنائه عن الزوجة و كون مصلحته في مفارقتها، و الضرر منفيّ بالآية (6) و الرواية (7)، بخلاف الطفل، لأن نكاحه منوط بالمصلحة، و عذره متوقّع الزوال. و لصحيحة أبي خالد القمّاط قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل الأحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليّه عليه؟ قال: و لم لا يطلّق هو؟ قلت: لا يؤمن إن هو طلّق أن يقول غدا لم أطلّق، أو لا يحسن أن يطلّق.

قال: ما أرى وليّه إلا بمنزلة السلطان» (8).

و روى الصدوق عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن طلاق المعتوه الزائل العقل أ يجوز؟ قال: لا» (9). و عن أبي بصير عنه (عليه السلام):

«أنه سئل عن المعتوه يجوز طلاقه؟ فقال: ما هو؟ فقلت: الأحمق الذاهب العقل، فقال: نعم» (10). ثمَّ قال ابن بابويه: يعني إذا طلّق عنه وليّه، فأما أن يطلّق هو فلا، لما

____________

(1) النهاية: 518- 519.

(2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 589.

(3) المقنع: 119.

(4) راجع المهذب 2: 288، الوسيلة: 323.

(5) راجع الجامع للشرائع: 466، قواعد الأحكام 2: 60، إيضاح الفوائد 3: 292.

(6) الحج: 78.

(7) لاحظ الوسائل 17: 341 ب «12» من أبواب إحياء الموات ح 3، 4، 5.

(8) الكافي 6: 125 ح 1، التهذيب 8: 75 ح 253، الاستبصار 3: 302 ح 1071، الوسائل 15: 329 ب (35) من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(9) الفقيه 3: 326 ح 1576.

(10) الفقيه 3: 326 ح 1577.

13

..........

____________

رواه صفوان بن يحيى عن أبي خالد القمّاط قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

رجل يعرف رأيه مرّة و ينكره أخرى، يجوز طلاق وليّه عنه؟ فقال: ما له هو لا يطلّق؟ قال: قلت: لا يعرف حدّ الطلاق، و لا يؤمن عليه إن طلّق اليوم أن يقول غدا لم أطلّق، فقال: ما أراه إلّا بمنزلة الإمام، يعني الولي» (1).

و في الاحتجاج بهذه الأخبار نظر، لأن جعل الولي بمنزلة الإمام أو السلطان لا يدلّ على جواز طلاقه عنه. و لأن متن الحديثين لا يخلو من قصور، لأنّ السائل وصف الزوج بكونه ذاهب العقل، ثمَّ يقول له الإمام: ما له لا يطلّق؟

مع الإجماع على أن المجنون ليس له مباشرة الطلاق و لا أهليّة التصرّف، ثمَّ يعلّل السائل عدم طلاقه بكونه ينكر الطلاق أو لا يعرف حدوده، ثمَّ يجيبه بكون الولي بمنزلة السلطان. و كلّ هذا يضعّف الاحتجاج بها.

و الدليل الأول من غير الأخبار بمجرّده لا يصلح حجّة في ذلك إلا مع تحقّق الضرر ليمكن الاحتجاج بخبر الإضرار، لا بمجرّد ما ادّعوه من الجواز مع الغبطة.

و أيضا فهذه الأخبار ليس فيها تقييد باشتراط طلاقه بالمصلحة و الغبطة للمجنون. و من ثمَّ ذهب ابن إدريس (2) إلى عدم الجواز، و قبله الشيخ في الخلاف (3)، محتجّا بإجماع الفرقة، و بأصالة بقاء العقد و صحّته، و بقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «الطلاق لمن أخذ بالساق» (4) و الزوج هو الذي له ذلك دون

____________

(1) الفقيه 3: 326 ح 1578.

(2) السرائر 2: 673، 694.

(3) الخلاف 4: 442 مسألة (29).

(4) مرّ ذكر مصادره في ص: 11، هامش (4).

14

..........

____________

غيره.

و زاد ابن إدريس الاحتجاج بقوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (1) فأضاف الطلاق إلى الزوج، فمن جعله لغيره يحتاج إلى دليل. و ذكر حديث الساق، ثمَّ أورد على نفسه: إن هذا وال عليه و ناظر في مصالحه، فله فعل ما يشاء ممّا هو راجع إلى مصالحه. و أجاب بالمعارضة بالصبي، فإنه لا يطلّق عنه وليّه مع كونه ناظرا في مصالحه. و بأن الطلاق شرطه مقارنة نيّة المطلّق الذي هو الزوج، و هو مفقود في المجنون.

و لقد تمالأ (2) عليه في المختلف (3)، و زاد في تضعيف كلامه بما لا يحتمله، و بالغ في إنكاره عليه، مع سبق الشيخ إلى ذلك، و دعواه الإجماع عليه، مع مخالفته هو نفسه في ذلك في النهاية (4) و كتابي الأخبار (5).

و العجب هنا أن الشيخ فخر الدين ادّعى في شرحه (6) الإجماع على جواز طلاق الولي عن المجنون المطبق، مع دعوى الشيخ الإجماع على عدمه و موافقة ابن إدريس له.

و الحقّ أن الإجماعين ممنوعان. و تكلّف الاستناد في مثل ذلك على معلوميّة نسب المخالف في الحكم مشترك بين معظم الأحكام الشرعيّة. و مع هذا

____________

(1) البقرة: 230.

(2) في النسخ الخطّية و الحجريّتين: تمالى، و في «م»: مال، و الصحيح ما أثبتناه.

(3) المختلف: 589.

(4) النهاية: 518- 519.

(5) التهذيب 8: 75، الاستبصار 3: 302.

(6) إيضاح الفوائد 3: 292.

15

[الشرط الثاني: العقل]

الشرط الثاني: العقل. فلا يصحّ (1) طلاق المجنون، و لا السكران، و لا من زال عقله بإغماء أو شرب مرقد، لعدم القصد.

و لا يطلّق الوليّ عن السكران، لأن زوال عذره غالب، فهو كالنائم.

و يطلّق عن المجنون. و لو لم يكن له وليّ طلّق عنه السلطان أو من نصبه للنظر في ذلك.

____________

كلّه فاعتمادنا على العمل بالمشهور من الجواز.

و الجواب عن حجّة المانع بمنع الإجماع. و الأصالة مقطوعة بالطلاق.

الصادر من الولي المراعي للمصلحة أو الدافع للضرر، النافذ تصرّفه فيما فيه مصلحته من غير الطلاق، و استثناؤه ليس بجيّد. و الخبر (1)- مع تسليم سنده- لا ينافي ذلك، لأن طلاق الولي كطلاقه، كما يجوز طلاق الوكيل بالإجماع، إذ لم يوجب أحد إيقاع الطلاق مباشرة لأجل ذلك. و ينبغي أن يجعل دلالته على عدم جواز طلاق الفضولي و نحوه. و الكلام في دلالة الآية (2) كالخبر. و اشتراط نيّة المطلّق يعتبر في مباشرته كالوكيل، و تجعل نيّته كنيّة الزوج.

قوله: «فلا يصحّ. إلخ».

(1) لا خلاف في عدم صحّة طلاق من ذكر مباشرة. و يدلّ عليه- مع الإجماع- أنه مشروط بالقصد، و لا قصد لهؤلاء. و يدلّ عليه- مع ذلك- أخبار كثيرة، منها رواية الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن طلاق السكران و عتقه، قال:

____________

(1) راجع ص: 13، هامش (4).

(2) البقرة: 230.

16

..........

____________

لا يجوز» (1) و سأل زكريّا بن آدم الرضا (عليه السلام) عن طلاق السكران و الصبيّ و المعتوه و المغلوب على عقله و من لم يتزوّج بعد فقال: «لا يجوز» (2) و غيرهما.

و المراد بالسكران من بلغ بتناول المسكر حدّا يرفع قصده. و قد قال بعض الفضلاء (3) في حدّه: إذا اختلط كلامه المنظوم و انكشف سرّه المكتوم.

و المقصود أن يصير مثل المجنون الذي لا تنتظم أموره، أما ما دام في ابتداء نشاطه فهو كالعاقل، و إذا سقط كالمغشيّ عليه فكالنائم و المغمى (4) عليه، و لا اشتباه إذا بلغ هذا الحدّ. و لا يصحّ طلاق الوليّ عنه، كما لا يصحّ عن الصبيّ و النائم و المغمى عليه، لاشتراك الجميع في أن لهم أمدا يرتقب، بخلاف المجنون.

و المراد به المطبق كما استفيد من أدلّة الجواز، فلو كان يعتريه أدوارا لم يجز الطلاق عنه حالة الدور، لأن ترقّب عقله أقرب من الصبيّ الممتنع الطلاق عنه. و إطلاق المصنف و جماعة (5) المجنون منزّل عليه، و لو أرادوا العموم منعنا الحكم فيه.

و المراد بقوله: «و لو لم يكن له وليّ» الوليّ الخاص كالأب و الجدّ، و إلّا فالسلطان وليّه على العموم، و كذا من نصبه.

____________

(1) الكافي 6: 126 ح 4، التهذيب 8: 73 ح 245، الوسائل 15: 328 ب «34» من أبواب مقدمات الطلاق ح 5.

(2) التهذيب 8: 73 ح 246، الوسائل الباب المتقدّم ح 7.

(3) راجع روضة الطالبين 6: 59.

(4) في «ش»: أو المغمى.

(5) لاحظ النهاية: 509، إرشاد الأذهان 2: 42، اللمعة الدمشقيّة: 123.

17

[الشرط الثالث: الاختيار]

الشرط الثالث: الاختيار. فلا يصحّ (1) طلاق المكره. و لا يتحقّق الإكراه ما لم تكمل أمور ثلاثة:

كون المكره قادرا على فعل ما توعّد به.

و غلبة الظنّ أنه يفعل ذلك مع امتناع المكره.

و أن يكون ما توعّد به مضرّا بالمكره في خاصّة نفسه أو من يجري مجرى نفسه كالأب و الولد، سواء كان ذلك الضرر قتلا أو جرحا أو شتما أو ضربا. و يختلف بحسب منازل المكرهين في احتمال الإهانة. و لا يتحقّق الإكراه مع الضرر اليسير.

____________

قوله: «الاختيار، فلا يصحّ. إلخ».

(1) التصرّفات القوليّة المحمول عليها بالإكراه باطلة عندنا و عند أكثر العلماء، سواء في ذلك الطلاق و النكاح و البيع و سائر المعاملات و غيرها. و الأصل فيه وراء الإجماع قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا طلاق في إغلاق» (1) فسّره علماء (2) الغريب بالإكراه، و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه» (3) و المراد رفع أحكامه. و روى زرارة في الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن طلاق المكره و عتقه، فقال: ليس طلاقه بطلاق

____________

(1) مسند أحمد 6: 276، سنن ابن ماجه 1: 659 ح 2046، سنن أبي داود 2: 258 ح 2193، مسند أبي يعلى الموصلي 7: 421 ح 88.

(2) معالم السنن للخطّابي 3: 242، غريب الحديث لابن الجوزي 2: 161، النهاية لابن الأثير 3:

379.

(3) المصنف لابن أبي شيبة 5: 49، سنن ابن ماجه 1: 659 ح 2045، علل الحديث 1: 431 ح 1296.

18

..........

____________

و لا عتقه بعتق» (1). و روى عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

«سمعته يقول: لو أن رجلا مسلما مرّ بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوّف على نفسه أن يعتق أن يطلّق ففعل لم يكن عليه شيء» (2).

و قد جرت عادة الفقهاء بذكر حدّ الإكراه في هذا المحلّ، مع الاحتياج إليه فيما قبله من العقود و غيرها. و قد أشار المصنف إلى أمور يتحقّق معها الإكراه، و يظهر من جملتها حدّه. و جملة ذلك أمور ثلاثة: كون المكره غالبا قادرا على ما يهدّده به بولاية أو تغلّب، و كون المكره مغلوبا عاجزا عن الدفع بفرار أو مقاومة أو استعانة بالغير. و أن يعلم أو يغلبه [على] (3) ظنّه أنه لو امتنع ممّا يطلبه منه وقع به المكروه. و أن يكون ما توعّد به مضرّا بالمكره في خاصّة نفسه أو من يجري مجرى نفسه من أبيه و ولده و غيرهما، من قتل أو جرح أو ضرب شديد أو حبس أو شتم أو إهانة و استخفاف إذا كان المطلوب منه وجيها (4) يغضّ ذلك منه.

و يختلف الضرب و الشتم و ما يجري مجراهما من الإهانة باختلاف طبقات الناس و أحوالهم. أمّا التخويف بالقتل و القطع فلا يختلف.

و لم يذكر المصنف من وجوه الإكراه التوعّد بأخذ المال. و الأصحّ تحقّقه به، و اختلافه باختلاف حال الناس في اليسار و ضدّه كالأخيرين، فإن منهم من يضرّ بحاله أخذ عشرة دراهم و منهم من لا يضرّه أخذ مائة. و من العلماء (5) من جعل

____________

(1) الكافي 6: 127 ح 2، الوسائل 15: 331 ب «37» من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(2) الكافي 6: 126 ح 1، الوسائل الباب المتقدّم ح 2.

(3) من «ش» و إحدى الحجريّتين.

(4) في «ش»: وجها.

(5) روضة الطالبين 6: 56.

19

..........

____________

المال من قبيل الأول، فلا يختلف الحال فيه باختلاف الناس، و جعل الكثير منه و القليل محقّقا للإكراه. و ما ذكرناه أظهر.

و العبارة الجامعة لذلك كلّه أنه حمل القادر على فعل أو توعّده بما يكون مضرّا بالمحمول ظلما، مع رجحان إيقاعه به لو لم يفعل مطلوبه و عجز (1) عن دفعه.

و تحرير المبحث يتمّ بأمور:

الأول: يستثنى من الحكم ببطلان فعل المكره ما إذا كان الإكراه بحقّ، فإنه صحيح، كإكراه الحربي على الإسلام و المرتدّ، إذ لو لم يصحّ لما كان للإكراه عليه معنى. و له موارد كثيرة ذكرناها فيما سلف (2) من هذا الكتاب. و العبارة الجامعة لها- مع السابقة- أن يقال: ما لا يلزمه في حال الطواعية لا يصحّ منه إذا أتى به مكرها، و ما يلزمه في حال الطواعية يصحّ مع الإكراه عليه.

و لا يخلو الحكم بإسلام الكافر مع إكراهه عليه من غموض من جهة المعنى و إن كان الحكم به ثابتا من فعل النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فما بعده، لأن كلمتي الشهادة نازلتان في الإعراب عمّا في الضمير منزلة الإقرار، و الظاهر من حال المحمول عليه بالسيف أنه كاذب. لكن لعلّ الحكمة فيه أنه مع الانقياد ظاهرا و صحبة المسلمين و الاطّلاع على دينهم يوجب له التصديق القلبي تدريجا، فيكون الإقرار اللساني سببا في التصديق القلبي.

الثاني: إنما يمنع (3) وقوع الطلاق بالإكراه إذا لم يظهر ما يدلّ على اختياره.

____________

(1) في «ش»: و عجزه.

(2) في ج 3: 157.

(3) في «ح»: يمتنع.

20

..........

____________

أما إذا ظهر بأن خالف المكره و أتى بغير ما حمله عليه حكم بوقوع الطلاق، لأن مخالفته له تشعر باختياره فيما أتى به. و ذكروا لذلك صورا، منها ما يظهر فيه الاختيار، و منها ما يلتبس أمره.

فمنها: أن يكرهه على طلقة واحدة فيطلّق ثلاثا، فإنه يشعر برغبته و اتّساع صدره للطلاق، فيقع الجميع لا اثنتان، مع احتماله، لأن صيغته الأولى يحكم عليها بالإكراه لعدم المعارض، فتلغو و يقع ما بعدها. و وجه وقوع الجميع أن إيقاع الأخيرتين قرينة اختياره في الأولى.

و لو أوقع الثلاث بصيغة واحدة، فإن كان يعتقد عدم صحّة ما زاد على الواحدة بذلك فهو كما لو أوقع واحدة خاصّة، بل أولى، لأن التلّفظ بالثلاث على هذا الوجه مختلف في أنه يسدّ مسدّ الواحدة أم لا كما سيأتي (1)، فقد أتى بالمحمول عليه على أدنى مراتبه. و إن كان يعتقد وقوع الثلاث بهذا اللفظ كالمخالف وقع عليه الثلاث، لدلالته على الاختيار. و لا يحتمل هنا إلغاء واحدة كما احتمل في السابق المترتّب، لأنّ هذا لفظ واحد مخالف للمكره عليه ابتداء فوقع صحيحا، بخلاف الثلاث المترتّبة، فإن الأول منها عين المكره عليه.

و منها: ما لو انعكس، بأن أكرهه على ثلاث طلقات فطلّق واحدة، فقيل تقع الواحدة، لأنها غير ما أكرهه عليه، و الأقوى هنا عدم الوقوع، لأن الواحدة بعض ما أكرهه عليه، و لأنه قد يقصد دفع مكروهة بإجابته إلى بعض مطلوبه، و لا يقصد إيقاع الواحدة.

و منها: لو أكرهه على طلاق زوجته فطلّق زوجتين، فإن وقع ذلك بلفظ

____________

(1) في ص: 29- 31.

21

..........

____________

واحد- كما لو قال له: طلّق زوجتك زينب، فقال لها و لفاطمة: أنتما طالقتان- وقع عليهما، لأن ذلك خلاف المكره عليه و قد عدل عنه إلى غيره فلا مانع من صحّته.

و إن قال: زينب طالق و فاطمة طالق، طلّقت فاطمة و لم تطلّق زينب، لأنّها مكره عليها بخلاف الأخرى. و منهم من لم يفصّل بين العبارتين و أطلق الحكم بوقوع الطلاق عليهما. و الفرق متّجه.

و منها: لو أكرهه على طلاق زوجتين فطلّق واحدة عكس السابقة، قيل:

يقع. و الوجه عدم الوقوع كما (1) قلناه فيما لو أكرهه على طلقات فطلّق واحدة.

و منها: لو أكرهه على طلاق واحدة معيّنة فطلّق غيرها. و لا شبهة هنا في الوقوع، لأن ذلك مباين لما أكرهه عليه بكلّ وجه.

و منها: ما لو أكرهه على طلاق إحدى زوجتيه لا على التعيين فطلّق واحدة بعينها، قيل: يقع الطلاق، لأنه مختار في تعيينها، و لأنّه لمّا عدل عن الإبهام إلى التعيين فقد زاد على ما أكرهه عليه، لأن الإكراه على طلاق إحداهما لا على طلاق هذه، و طلاق هذه طلاق إحداهما مع زيادة، و قد تقرّر في الأصول أن الأمر بالكلّي ليس أمرا بجزئيّ معيّن.

و يحتمل قويّا عدم الوقوع، لأن متعلّق الإكراه و إن كان كلّيا لكنّه يتأدّى في ضمن طلاق كلّ واحدة بعينها و بطلاق واحدة غير معيّنة، فكلّ واحد من الأفراد داخل في المكره عليه و مدلول عليه بالتضمّن.

نعم، لو صرّح له بالحمل على طلاق واحدة مبهمة- بأن يقول: إحداكما طالق مثلا- فعدل عنه إلى طلاق معيّنة فلا شبهة هنا في وقوع الطلاق على

____________

(1) في «و»: لما.

22

..........

____________

المعيّنة، لأنه غير المكره عليه جزما.

و منها: لو أكرهه على أن يطلّق بكناية من الكنايات فطلّق باللفظ الصريح، أو بالعكس عند القائل بصحّته، أو عدل من صريح مأمور به إلى صريح آخر، فإنه يقع الطلاق خصوصا في الأول، لأنه قد حمله على طلاق فاسد فعدل إلى صحيح، و عند مجوّزة عدل إلى غير الصيغة المكره عليها.

الثالث: لا يعتبر في الحكم ببطلان طلاق المكره التورية و إن كان يحسنها عندنا، لأن المقتضي لعدم وقوعه هو الإكراه الموجب لعدم القصد إليه، فلا يختلف الحال بين التورية و عدمها. و لكن ينبغي التورية للقادر عليها، بأن ينوي بطلاق فاطمة المكره عليها غير زوجته ممّن يشاركها في الاسم، أو ينوي طلاقها من الوثاق، أو يعلّقه في نفسه بشرط. و لو كان جاهلا بها، أو أصابته دهشة عند الإكراه- كسلّ السيف مثلا- عذر إجماعا.

الرابع: لو قصد المكره إيقاع الطلاق ففي وقوعه وجهان، من أن الإكراه أسقط أثر اللفظ و مجرّد النيّة لا تعمل، و من حصول اللفظ و القصد. و هذا هو الأصحّ.

الخامس: لو قال: طلّق زوجتي و إلّا قتلتك، أو غير ذلك ممّا يتحقّق به الإكراه، فطلّق ففي وقوع الطلاق وجهان أصحّهما الوقوع، لأنه أبلغ في الإذن.

و وجه المنع: أن الإكراه يسقط حكم اللفظ، فصار كما لو قال لمجنون: طلّقها، فطلّق. و الفرق بينهما: أن عبارة المجنون مسلوبة أصلا، بخلاف عبارة المكره، فإنّها مسلوبة لعارض (1) تخلّف القصد، فإذا كان الآمر قاصدا لم يقدح إكراه

____________

(1) في «ح»: بعارض.

23

..........

____________

المأمور.

السادس: لو أكره الوكيل على الطلاق دون الموكّل ففي صحّته وجهان أيضا، من تحقّق اختيار الموكّل المالك للتصرّف، و من سلب عبارة المباشر.

السابع: لو توعّده بفعل مستقبل كقوله: إن لم تفعل لأقتلنّك أو أضربنّك غدا، ففي عدّه إكراها نظر، من حصول الخوف بإيقاع الضرر، و من سلامته منه الآن، و التخلّص من الضرر يحصل بإيقاعه عند خوف وقوعه في الحال. و هذا قويّ (1). نعم، لو كان محصّل الإكراه في الآجل، على أنه إن لم يفعل الآن أوقع به المكروه في الآجل و إن فعله ذلك الوقت، و رجّح وقوع المتوعّد به، اتّجه كونه إكراها، لشمول الحدّ له.

الثامن: لا يحصل الإكراه بأن يقول: طلّق امرأتك و إلّا قتلت نفسي أو كفرت أو تركت الصلاة و نحوها، و لا بأن يقول وليّ القصاص لمن هو عليه: طلّق امرأتك و إلّا اقتصصت منك، لأن ذلك حقّه فلا يعدّ استيفاؤه ضررا بالمأمور.

التاسع: لو تلفّظ بالطلاق ثمَّ قال: كنت مكرها، و أنكرت المرأة، فإن كان هناك قرينة تدلّ على صدقه- بأن كان محبوسا، أو في يد متغلّب، و دلّت القرينة على صدقه- قبل قوله بيمينه، و إلّا فلا. و لو طلّق في المرض ثمَّ قال: كنت مغشيّا عليّ أو مسلوب القصد، لم يقبل قوله إلّا ببيّنة تقوم على أنه كان زائل العقل في ذلك الوقت، لأن الأصل في تصرّفات المكلّف الصحّة إلى أن يثبت خلافها. و إنما عدلنا في دعوى الإكراه عن ذلك بالقرائن، لظهورها و كثرة وقوعها و وضوح قرائنها، بخلاف المرض.

____________

(1) في الحجريّتين: أقوى.

24

[الشرط الرابع: القصد]

الشرط الرابع: القصد. (1)

و هو شرط في الصحّة مع اشتراط النطق بالصريح. فلو لم ينو الطلاق لم يقع، كالساهي و النائم و الغالط. و لو نسي أن له زوجة فقال:

نسائي طوالق، أو: زوجتي طالق، ثمَّ ذكر لم يقع به فرقة.

____________

العاشر: جميع ما ذكرناه آتٍ في غير الطلاق من النكاح و البيع و العتق و سائر التصرّفات، و لكن جرت العادة بالبحث عنه هنا كما أسلفناه.

قوله: «القصد. إلخ».

(1) القصد معتبر في صحّة التصرّفات القوليّة من الطلاق و غيره إجماعا. و يدلّ عليه في الطلاق بخصوصه صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا طلاق إلا لمن أراد الطلاق» (1) و قول الباقر (عليه السلام): «لا طلاق على سنّة و على طهر من غير جماع إلا بنيّة. و لو أن رجلا طلّق و لم ينو الطلاق لم يكن طلاقه طلاقا» (2). و المراد به أن يكون قاصدا بلفظ الطلاق- مثلا- معناه، و لا يكفي القصد إلى لفظه من غير قصد معناه.

ثمَّ عدم القصد قد يكون متخلّفا عنهما معا، كالنائم تجري كلمة الطلاق على لسانه، و مثله السّاهي، و قد قال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبيّ حتى يبلغ، و عن النائم حتى يستيقظ، و عن المجنون حتى يفيق» (3). و لو استيقظ النائم و قد جرى لفظ الطلاق على لسانه فقال: أجزت ذلك

____________

(1) التهذيب 8: 51 ح 160، الوسائل 15: 286 ب (11) من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 4.

(2) الكافي 6: 62 ح 3، الوسائل 15: 283 ب (10) من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 8، و ذكر ذيله في ص: 285 ب (11) ح 1. و فيهما: إلّا ببيّنة.

(3) مسند أحمد 6: 100- 101، سنن الدارمي 2: 171، سنن ابن ماجه 1: 658 ح 2041، سنن أبي داود 4: 141 ح 4402- 4403، مسند أبي يعلى 7: 366 ح 44.

25

..........

____________

الطلاق أو أوقعته، فهو لغو.

و قد يكون القصد متخلّفا عن المعنى دون اللفظ كالغالط، بأن سبق لسانه إلى لفظ الطلاق في محاورته و كان يريد أن يتكلّم بكلمة أخرى، فإنه لا يقع طلاقه، لعدم القصد إلى معناه. و هل يقبل دعوى سبق اللسان؟ ظاهر العبارة يدلّ عليه. و وجهه: أن ذلك أمر باطني لا يعلم إلا من قبله، فيرجع إليه فيه، و لأن الأصل عدم القصد. و يحتمل عدم القبول، لأن الأصل في الأفعال و الأقوال الصادرة عن العاقل المختار وقوعها عن قصد. و يمكن حمل عدم الوقوع في كلام المصنف عليه في نفس الأمر لا في الظاهر، و أما في الظاهر فإن وجد قرينة تدلّ عليه قوي القبول و إلا فلا.

و من هذا الباب ما لو نسي أن له زوجة فقال: نسائي طوالق، أو: زوجتي طالق، ثمَّ ذكر بعد التلفّظ بذلك أن له زوجة، فإنه لا يقع في نفس الأمر، لأنه غير قاصد لطلاق زوجته من اللفظ أصلا، و أما في الظاهر فيحكم عليه به. و يظهر من المصنف و أكثر الأصحاب قبول قوله في عدم القصد.

و لو كان اسم امرأته ما يقارب حروفه حروف طالق ك: طالب و طارق و طالع، فقال: أنت طالق، ثمَّ قال: أردت أن أقول: طالب أو نحو ذلك فالتفّ الحرف بلساني، قبل قوله، لقوّة القرينة و ظهورها هنا، بخلاف السابق.

و لو قال لها و هو يحلّ وثاقها عنها: أنت طالق، و قال: أردت: عن الوثاق، ففي قبول قوله ظاهرا وجهان كالسابق. و وجه المنع: أن التلفّظ بكلمة الطلاق كالمستنكر في حالة النكاح، فإذا نطق بها بعد قبول التأويل.

و في معنى الساهي من يحكي لفظ الغير، مثل أن يقول: قال فلان: زوجتي

26

و لو أوقع (1) و قال: لم أقصد الطلاق قبل منه ظاهرا، و ديّن بنيّته باطنا و إن تأخّر تفسيره، ما لم تخرج من العدّة، لأنه إخبار عن نيّته.

____________

طالق. و كذا الفقيه إذا كان يكرّر لفظ الطلاق في تصويره و تدريسه. و من صور سبق اللسان ما إذا طهرت امرأته من الحيض أو ظنّ طهارتها فأراد أن يقول: أنت الآن طاهرة، فقال: طالقة.

قوله: «و لو أوقع. إلخ».

(1) إطلاقه القبول يشمل ما لو أوقع لفظا صريحا مجرّدا عن قرينة عدم القصد إلى الطلاق و غيره، و ما إذا كانت المرأة في العدّة الرجعيّة و البائنة، و ما لو صادقته المرأة على ذلك و عدمه. و الوجه في الجميع ما أشار إليه من أن ذلك إخبار عن نيّته، و لا يمكن الاطّلاع عليها إلا من قبله، فكان قوله مقبولا كنظائره من الأمور التي لا تعلم إلا من المخبر.

و يشكل ذلك على إطلاقه بما قدّمناه من أن الظاهر من حال العاقل المختار القصد إلى الفعل، فإخباره بخلافه مناف للظاهر. و لو كان الأصل مرجّحا عليه هنا لزم مثله في البيع و غيره من العقود و الإيقاعات مع الاتّفاق على عدم قبول قوله فيه. و اختصاص الطلاق بذلك مشكل، بل الأمر فيه أشدّ، لقول النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «ثلاثة جدّهنّ جدّ و هزلهنّ جدّ: النكاح و الطلاق و الرجعة» (1). و لأن حقّ الغير متعلّق به فلا يقبل في حقّه.

و لو فرّق بين الطلاق و غيره من العقود- بأنّ القبول فيه مقيّد بالعدّة، و ما

____________

(1) سنن سعيد بن منصور 1: 369 ح 1603، سنن ابن ماجه 1: 657 ح 2039، سنن أبي داود 2:

259 ح 2194، سنن الترمذي 3: 490 ح 1184، شرح معاني الآثار للطحاوي 3: 98، موضّح أوهام الجمع و التفريق للخطيب البغدادي 1: 343.

27

..........

____________

دامت المرأة فيها فهي في علاقة الزوجيّة فلم تخرج عنه رأسا، بخلاف النكاح و البيع و غيرهما، فإن أمره يثبت بالعقد فلا يقبل من العاقد خلافه- لانتقض ذلك بالعدّة البائنة، فإن الزوجيّة زائلة معها بالكلّية، و إنّما فائدتها استبراء الرحم من أثر الزوج و ذلك أمر خارج عن الزوجيّة، و من ثمَّ تثبت العدّة البائنة للوطء بالشبهة مع انتفاء الزوجيّة أصلا.

و ربّما خصّه بعضهم بوقوعه في العدّة الرجعيّة. و هو كالمستغنى عنه أيضا، لأن الزوج له الرجعة في العدّة الرجعيّة بكلّ لفظ دلّ عليها، فدعواه عدم القصد حينئذ يقوم مقام الرجعة كما لو أنكر الطلاق، بل أقوى، لأن إنكار الطلاق قد يستند إلى عدم التفطّن إليه و لو ذكره لما رجع، بخلاف دعوى عدم القصد إليه، لأنه صريح في إرادة نقضه و عود الزوجيّة المقتضي للرجعيّة (1)، فقبول قوله حينئذ من حيث انّه رجعة لا من حيث الرجوع إليه في القصد.

و يمكن أن يكون مستند حكمهم بذلك و تخصيص الطلاق بذلك رواية منصور بن يونس في الموثّق عن الكاظم (عليه السلام) في حديث طويل محصّله أنه طلّق امرأته و لم يكن له في طلاقها نيّة و إنما حمله عليه بعض أقاربه، فقال له (عليه السلام): «ما بينك و بين اللّٰه فليس بشيء، و لكن إن قدّموك إلى السلطان أبانها منك» (2).

و الأقوى عدم القبول إلا مع قيام القرينة على صدقه كالأمثلة السابقة، أو كونها في عدّة رجعيّة فيجعل ذلك بمنزلة الرجعة. نعم، لو صادقته الزوجة على

____________

(1) في الحجريّتين: للرجعة.

(2) الكافي 6: 127 ح 3، الوسائل 15: 332 ب (38) من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

28

و تجوز الوكالة (1) في الطلاق للغائب إجماعا، و للحاضر على الأصحّ.

____________

ذلك لم يبعد القبول، لأن الحقّ منحصر فيهما فيديّنان بما يتّفقان عليه، و يوكّل أمرهما إلى اللّٰه تعالى.

قوله: «و تجوز الوكالة. إلخ».

(1) القول بجواز الوكالة فيه مطلقا هو المشهور بين الأصحاب. و يدلّ عليه صحيحة سعيد الأعرج عن الصادق (عليه السلام): «في رجل جعل أمر امرأته إلى رجل فقال: اشهدوا أنّي قد جعلت أمر فلانة إلى فلان، فيطلّقها، أ يجوز ذلك للرجل؟ قال: نعم» (1) و ترك الاستفصال يفيد العموم، و غيرها من الأخبار (2). و لأنه فعل قابل للنيابة، إذ لا يتعلّق غرض الشارع بإيقاعه من مباشر بعينه، و من ثمَّ وقع من الغائب إجماعا فكذا من الحاضر، لاشتراكهما في المقتضي.

و ذهب الشيخ (3) و أتباعه (4) إلى المنع من توكيل الحاضر فيه، استنادا إلى رواية زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا تجوز الوكالة في الطلاق» (5) فحملها الشيخ على الحاضر جمعا بين الروايات و إلّا فلا دلالة لها على الاختصاص. و ضعف سندها بجماعة يمنع من جعلها معارضة للصحيح و تخصيصه بها. و على قول الشيخ تتحقّق الغيبة بمفارقة مجلس الطلاق و إن كان في البلد.

____________

(1) الكافي 6: 129 ح 2، التهذيب 8: 39 ح 116، الاستبصار 3: 278 ح 987، الوسائل 15: 333 ب (39) من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(2) لاحظ الوسائل 15 الباب المتقدّم ح 2، 3، 4، 6.

(3) النهاية: 511.

(4) راجع المهذب 2: 277، و الوسيلة: 323.

(5) الكافي 6: 130 ح 6، التهذيب 8: 39 ح 120، الاستبصار 3: 279 ح 991، الوسائل 15 الباب المتقدّم ح 5.

29

و لو وكّلها (1) في طلاق نفسها، قال الشيخ: لا يصحّ. و الوجه الجواز.

[تفريع على الجواز]

تفريع (2) على الجواز لو قال: طلّقي نفسك ثلاثا، فطلّقت واحدة، قيل: يبطل، و قيل:

يقع واحدة. و كذا لو قال: طلّقي واحدة، فطلّقت ثلاثا، قيل: يبطل، و قيل: يقع واحدة، و هو أشبه.

____________

قوله: «و لو وكّلها. إلخ».

(1) ما دلّ على جواز النيابة فيه مطلقا يشمل استنابتها كغيرها. و استند الشيخ (1) في تخصيصها بالمنع إلى أن القابل لا يكون فاعلا، و ظاهر قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «الطلاق بيد من أخذ بالساق» (2) فإنه يقتضي عدم صحّة التوكيل مطلقا، خرج منه غير المرأة بدليل من خارج فتبقى هي على أصل المنع.

و لا يخفى ضعف الدلالة، فإن المغايرة بين القابل و الفاعل يكفي فيه الاعتبار، و هما مختلفان بالحيثيّة. و الخبر- مع تسليمه- لا يفيد الحصر. و على تقدير تسليم إفادته فما أخرج غيرها من الوكلاء عنه يخرجها، لتناوله لها. و أما الاستدلال على الجواز بتخيير النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) نساءه (3) فضعيف، لأن ذلك من خصائصه. و قد قيل يجب عليه طلاق من يختار مفارقتها. و قد تقدّم (4) الكلام فيه.

قوله: «تفريع. إلخ».

(2) هنا مسألتان:

____________

(1) راجع المبسوط 5: 29، و لم نجد الاستدلال في باب الطلاق و الوكالة منه، و كذا فيما لدينا من كتبه.

نعم، احتجّ له في إيضاح الفوائد 3: 293.

(2) مرّ ذكر مصادره في ص: 11، هامش (4).

(3) لاحظ الوسائل 15: 335 ب «41» من أبواب مقدّمات الطلاق.

(4) في ج 7: 71.

30

..........

____________

الأولى: لو قال: طلّقي نفسك ثلاثا، فاقتصرت على واحدة، هل تصحّ الواحدة أم تبطل؟ قولان.

و تحرير المبحث: أنه إما أن يقصد بقوله «طلّقي ثلاثا» الثلاث المرسلة بلفظ واحد، أو يريد بها الثلاث الصحيحة الشرعيّة. و على تقدير إرادة الأول: إما أن نقول إن الثلاث المرسلة تصحّ منها واحدة، أو يبطل الجميع.

فإن أراد الأول و قلنا ببطلانه مطلقا فلا شبهة في بطلان ما فعلته من الواحدة، لأنه وكّلها في طلاق فاسد فطلّقت طلاقا صحيحا.

و إن قلنا بصحّة واحدة منها احتمل أن تصحّ الواحدة التي أتت بها، لأن قوله «طلّقي ثلاثا» على هذا التقدير في قوّة: طلّقي نفسك واحدة، لأن المعتبر منها هو الواحدة. و لأن الواحدة مدلول عليها من الإذن في الثلاث تضمّنا، فلا مانع من صحّتها.

و وجه البطلان: أن التوكيل وقع في المجموع من حيث هو مجموع، و الواحدة غيره. و الوكالة تتبع غرض الموكّل، و جاز تعلّق غرضه بهذه الصيغة (1) بعينها، بل لو لم يعلم الغرض فالواجب اتّباع مدلول لفظه. و أيضا فإن الصحيح من الثلاث واحدة على خلاف فيها، و التي أتت بها طلقة صحيحة بالإجماع، فلا تكون هي التي وكّل فيها. و هذا أقوى.

و إن قصد بقوله «طلّقي ثلاثا» الطلاق الصحيح فوقوع الثلاث كذلك يتوقّف على تخلّل الرجعة بينها. فإن وكّلها في الرجعة، أو قلنا إن التوكيل في الطلقات يستلزم التوكيل في الرجعة، لأنها لا تكون صحيحة إلا بها، فالتوكيل

____________

(1) في «ح»: الصورة.

31

..........

____________

فيها يقتضي الإذن في تحصيل كلّ ما تتوقّف عليه الصحّة، فطلّقت واحدة احتمل صحّتها، لدخولها في ضمن ما وكّل فيه كما مرّ. و لأن صحّة الثلاث تتوقّف على سبق صحّة الواحدة، فلو اشترطت صحّة الواحدة بوقوع الثلاث لزم الدور. و لأن الحكم بتوقّف الثانية على الرجوع في الأول يستلزم صحّة الأولى، فإذا أوقعتها و اقتصرت استصحب حكم الصحّة. و يحتمل البطلان، لأن الموكّل فيه هو المجموع و لم يحصل. و الغرض المتعلّق بالثلاث- و هو البينونة التامّة- لا يحصل بالواحدة.

و لو قلنا إن التوكيل في الطلاق لا يقتضي التوكيل في الرجعة و لم يصرّح بها لم يكن التوكيل في الثلاث صحيحا، فيحتمل قويّا صحّته في الواحدة، إذ لا مانع منها، و يقع حينئذ منها لو أوقعتها، و عدمه، لأن التوكيل وقع في مجموع و لم يحصل.

و الفرق بين الوكالة على هذا التقدير و الوكالة في الثلاث المرسلة على القول بوقوع واحدة: أن الواحدة هناك وقعت في ضمن لفظ واحد لم يقع مدلوله، و ما وقع منه مختلف فيه، بخلاف الموكّل فيه هنا، فإنه أمور متعدّدة لا بدّ على تقدير وقوعها صحيحة من صحّة كلّ واحدة منها قبل أن تقع الأخرى، و الواحدة صحيحة على كلّ تقدير.

الثانية: لو عكس فقال: طلّقي نفسك واحدة، فطلّقت ثلاثا، فإن أوقعت الثلاث مرسلة و قلنا بصحّة الواحدة ففي صحّتها هنا وجهان: نعم، لأنها فعلت ما وكّلها فيه، لأن الفرض أنه لم يقع إلّا واحدة، فكأنّها لم تطلّق إلّا واحدة كما أمرها، و: لا، لأن الواحدة الموكّل فيها منفردة صحيحة بالإجماع، بخلاف ما لو أوقعتها، فإن فيها خلافا، فلا تكون فعلت ما وكّلها فيه.

32

..........

____________

و يمكن أن يقال: إن توكيلها في واحدة يقتضي إيقاع واحدة صحيحة أعمّ من أن تقع على وجه متّفق عليه أو مختلف فيه، إذا كان الحاكم يحكم بصحّتها.

و لا نسلّم أن توكيلها في طلقة واحدة يدلّ على إيقاعها منفردة، بل على إيقاع واحدة في الجملة أعمّ من كونها منفردة أو مجامعة لغيرها، فيكون ما فعلته من الواحدة في ضمن الثلاث المرسلة- حيث يحكم بصحّتها- فردا من أفراد ما وكّلت فيه، فيصحّ.

و إن أوقعت ثلاثا متعاقبة فلا إشكال في صحّة واحدة و هي الأولى، لأنها بإيقاعها قد امتثلت عين ما وكّلت فيه، و الباقي وقع فضولا إن خلّلت بينها رجعتين و باطلة محضا إن لم ترجع. و على التقديرين فالأخيرتان باطلتان، و لا يمنع بطلانهما من صحّة الأولى التي حكم بصحّتها و طابقت مقتضى الوكالة.

و اعلم أن الشيخ فخر الدين (1) نزّل المسألتين على وقوع الطلقات الثلاث مرسلة، و لم يتعرّض لحكم المتعاقبة. و حكم بالبطلان في الصورتين، للمخالفة في الأولى بإيقاع واحدة إجماعيّة مع كون الوكالة في واحدة مختلف فيها، و الثانية بالعكس. و في ترجيح المصنّف صحّة الواحدة في الثانية دون الأولى ما يؤذن بإرادة المرتّبة (2)، إذ لا وجه للفصل بينهما على تقدير الإرسال.

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 293- 294.

(2) في «و»: المترتّبة.

33

[الركن الثاني: في المطلّقة]

الركن الثاني: في المطلّقة. (1) و شروطها أربعة (1):

[الأول: أن تكون زوجة]

الأول: أن تكون زوجة. (2) فلو طلّق الموطوءة بالملك لم يكن له حكم. و كذا لو طلّق أجنبيّة و إن تزوّجها. و كذا لو علّق الطلاق بالتزويج لم يصحّ، سواء عيّن الزوجة كقوله: إن تزوّجت فلانة فهي طالق، أو أطلق كقوله: كلّ من أتزوّجها.

____________

قوله: «و شروطها أربعة. إلخ».

(1) لا منافاة بين قوله إنها أربعة و عدّه في التفصيل خمسة، لأن الخامس- و هو التعيين- ذكره على وجه التنبيه على الخلاف فيه ثمَّ اختار عدم كونه شرطا، فيرجع الأمر إلى الأربعة، و كلامه في قوّة قوله: و اشترط بعضهم خامسا. و الأشبه عدم اشتراطه.

قوله: «أن تكون زوجة. إلخ».

(2) لمّا كان حلّ النكاح أمرا مستفادا من الشرع متلقّى في موضع الإذن كان زواله أيضا موقوفا على حكم الشارع به، فما لم يعلم حكمه بالزوال فالحكم بالحلّ مستصحب. و قد ثبت بالنصّ (2) و الإجماع أن طلاق الزوجة الدائمة موجب لرفع نكاحها، فإلحاق غيرها بها- من الأمة و الأجنبيّة- غير صحيح. فإذا أوقعه على الموطوءة بالملك لم يفد حكما، و بقيت محلّلة بأصل الملك. و كذا لو أوقعه على أجنبيّة، سواء علّقه بتزويجها أم لا.

____________

(1) كذا في النسخة الخطّية المعتمدة من الشرائع و نسخة الشارح «قده»، و في متن الجواهر و الشرائع الحجريّة: خمسة. و سيأتي الشرط الخامس في ص: 48.

(2) لاحظ الوسائل 15: 286 ب «12» من أبواب مقدمات الطلاق.

34

[الثاني: أن يكون العقد دائما]

الثاني: أن يكون العقد (1) دائما. فلا يقع الطلاق بالأمة المحلّلة، و لا المستمتع بها و لو كانت حرّة.

____________

و خالف فيه العامّة، فحكم بعضهم [1] بوقوعه على الأجنبيّة و إن لم يعلّقه على تزويجها. و تظهر الفائدة في انتقاص عدد طلقاتها المحرّمة على تقدير تزويجها. و آخرون [2] جوّزوا تعليقه على نكاحها عامّة أو خاصّة على اختلاف آرائهم.

و احتجّ المانع منهم بما روي أن عبد الرحمن بن عوف قال: «دعتني أمي إلى قريب لها فراودتني في المهر، فقلت: إن نكحتها فهي طالق، ثمَّ سألت النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: انكحها فإنه لا طلاق قبل النكاح» (3). و أخبار الأصحاب (4) عن زين العابدين و الباقر و الصادق (عليهم السلام) به كثيرة.

قوله: «أن يكون العقد. إلخ».

(1) الحكم في هذين موضع وفاق. و التقريب فيه كما مرّ في السابقة. و لأن التحليل نوع إباحة، فمتى شاء الزوج تركها بغير طلاق، فلا حاجة إليه. و المتمتّع بها تبين بانقضاء المدّة و بإسقاطه لها كما مرّ (5). و قد روى محمد بن إسماعيل في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) قال: «قلت: و تبين بغير طلاق؟ قال: نعم» (6).

____________

[1] في هامش «و»: «المجوّز لوقوعه بالأجنبيّة مطلقا أبو حنيفة، و كذا تعليقه بالنكاح مطلقا.

و جوّزه مالك بشرط أن يخصّص المرأة، أو عيّنها في نساء محصورات كنساء قرية و قبيلة. منه رحمه اللّٰه». لاحظ الإشراف على مذاهب العلماء 4: 185، حلية العلماء 7: 8- 9، تحفة الفقهاء 2: 196.

[2] في هامش «و»: «المجوّز لوقوعه بالأجنبيّة مطلقا أبو حنيفة، و كذا تعليقه بالنكاح مطلقا.

و جوّزه مالك بشرط أن يخصّص المرأة، أو عيّنها في نساء محصورات كنساء قرية و قبيلة. منه رحمه اللّٰه». لاحظ الإشراف على مذاهب العلماء 4: 185، حلية العلماء 7: 8- 9، تحفة الفقهاء 2: 196.

____________

(3) لم نظفر عليه في الصحاح و سائر الجوامع الحديثيّة للعامّة، أنظر سنن البيهقي 7: 318- 321، و تلخيص الحبير 3: 212، ففيه ما يناسب المقام.

(4) لاحظ الوسائل 15: 287 ب «12» من أبواب مقدّمات الطلاق.

(5) في ج 7: 461.

(6) الكافي 5: 459 ذيل ح 2، التهذيب 7: 266 ح 1147، الاستبصار 3: 151 ح 553، الوسائل 14: 478 ب «25» من أبواب المتعة ح 1.

35

[الثالث: أن تكون طاهرا من الحيض و النفاس]

الثالث: أن تكون طاهرا (1) من الحيض و النفاس. و يعتبر هذا في المدخول بها الحائل، الحاضر زوجها.

____________

و الاعتماد على الاتّفاق و إلا فتعدّد الأسباب ممكن.

قوله: «أن تكون طاهرا. إلخ».

(1) اتّفق العلماء من الأصحاب و غيرهم على تحريم طلاق الحائض، و في معناها النّفساء. و استدلّوا عليه بقوله تعالى إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (1). قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا طلّق عبد اللّٰه بن عمر امرأته حائضا لأبيه: «مره فليراجعها حتى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر، ثمَّ إن شاء طلّقها، و إن شاء أمسكها، فتلك العدّة الّتي أمر اللّٰه تعالى أن يطلّق لها النساء» (2) و أراد به قوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ.

و اتّفق أصحابنا على بطلان الطلاق على تقدير وقوعه، و أخبارهم به كثيرة، فمنها: صحيحة الحلبي قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يطلّق امرأته و هي حائض، قال: الطلاق على غير السنّة باطل» (3). و روى الفضلاء زرارة، و محمد بن مسلم، و بكير، و بريد، و فضيل، و إسماعيل الأزرق، و معمر بن يحيى، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) أنّهما قالا: «إذا طلّق الرجل في دم النفاس أو طلّقها بعد ما يمسّها فليس طلاقه إيّاها بطلاق» (4).

و استثني من هذا العام ثلاثة: غير المدخول بها، و الغائب زوجها، و الحامل

____________

(1) الطلاق: 1.

(2) مسند أحمد 2: 63، صحيح البخاري 7: 52، سنن ابن ماجه 1: 651 ح 2019، سنن أبي داود 2:

255 ح 2179.

(3) الكافي 6: 58 ح 3، التهذيب 8: 47 ح 144، الوسائل 15: 277 ب «8» من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه ح 3.

(4) الكافي 6: 60 ح 11، التهذيب 8: 47 ح 147، الوسائل الباب المتقدّم ح 5.

36

لا الغائب عنها (1) مدّة يعلم انتقالها من القرء الذي وطئها فيه إلى آخر.

فلو طلّقها و هما في بلد واحد، أو غائبا دون المدّة المعتبرة و كانت حائضا أو نفساء، كان الطلاق باطلا، علم بذلك أو لم يعلم.

أما لو انقضى من غيبته ما يعلم انتقالها فيه من طهر إلى آخر ثمَّ طلّق صحّ و لو اتّفق في الحيض. و كذا لو خرج في طهر لم يقربها فيه جاز طلاقها مطلقا.

و كذا لو طلّق التي لم يدخل بها و هي حائض كان جائزا.

و من فقهائنا (1) من قدّر المدّة التي يسوغ معها طلاق الغائب بشهر، عملا برواية (2) يعضدها الغالب في الحيض. و منهم (3) من قدّرها بثلاثة أشهر، عملا برواية جميل (4) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام). و المحصّل ما ذكرناه و لو زاد عن الأمد المذكور.

____________

على القول بأنها تحيض، لصحيحة محمد بن مسلم و زرارة و غيرهما عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) قال: «خمس يطلّقهنّ أزواجهنّ متى شاءوا:

الحامل المستبين حملها، و الجارية التي لم تحض، و المرأة التي قعدت عن المحيض، و الغائب عنها زوجها، و التي لم يدخل بها» (5).

قوله: «لا الغائب عنها. إلخ».

(1) قد عرفت أن طلاق الحائض إذا كان زوجها غائبا جائز في الجملة،

____________

(1) راجع النهاية: 512، و الوسيلة: 320.

(2) لاحظ الوسائل 15: 307 ب «26» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 3، 5.

(3) كابن الجنيد، راجع المختلف: 587.

(4) لاحظ الوسائل 15: 308 ب «26» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 7.

(5) التهذيب 8: 70 ح 230، الوسائل 15: 306 ب «25» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 4.

37

..........

____________

للنصوص (1) الصحيحة و الإجماع. و لكن اختلف الأصحاب في أنه هل يكفي في جوازه مجرّد الغيبة أم لا بدّ معها من أمر آخر؟ و منشأ الاختلاف اختلاف الأخبار الواردة في ذلك، فإن منها ما هو مطلق (2) في تجويزه له كالأخبار السابقة و غيرها ممّا هو في معناها، و بعضها (3) مقيّد بمدّة. فذهب المفيد (4) و علي بن بابويه (5) و ابن أبي عقيل (6) و أبو الصلاح (7) و غيرهم (8) إلى جواز طلاقها حيث لا يمكنه استعلام حالها من غير تربّص، لما مرّ، و لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلّق امرأته و هو غائب، قال: يجوز طلاقه على كلّ حال، و تعتدّ امرأته من يوم طلّقها» (9). و صحيحة إسماعيل الجعفي عن الباقر (عليه السلام) قال: «خمس يطلّقهنّ الرجل على كلّ حال: الحامل، و التي لم يدخل بها زوجها، و الغائب عنها زوجها، و التي لم تحض، و التي قد يئست من المحيض» (10). و غيرهما (11) من الأخبار.

____________

(1) لاحظ الوسائل 15: 305 ب «25» من أبواب مقدّمات الطلاق.

(2) لاحظ الوسائل 15: 305 ب «25» من أبواب مقدّمات الطلاق.

(3) لاحظ الهامش (2 و 4) في الصفحة السابقة.

(4) المقنعة: 526.

(5) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 587.

(6) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 587.

(7) الكافي في الفقه: 306.

(8) راجع المراسم: 161.

(9) الكافي 6: 80 ح 7، الوسائل 15: 307 ب «26» من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(10) الكافي 6: 79 ح 1، الفقيه 3: 334 ح 1615، التهذيب 8: 61 ح 198، الاستبصار 3: 294 ح 1039، الوسائل 15: 205 ب «25» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(11) الوسائل 15: 305 ب «25» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

38

..........

____________

و ذهب الشيخ في النهاية (1) و ابن حمزة (2) إلى اعتبار مضيّ شهر منذ غاب، لموثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الغائب إذا أراد أن يطلّق امرأته تركها شهرا» (3). و لأن الحاضر يجب عليه استبراؤها مدّة تنتقل فيها من الطهر الذي واقعها فيه إلى غيره، و أقلّ ما يحصل ذلك في شهر غالبا، فإذا غاب و لم يعلم انتقالها و اشتبه عليه حالها كان انتظاره هذه المدّة موجبا لانتقالها إلى طهر آخر بحسب الغالب في عادات النساء. و الأخبار السابقة مطلقها يجب حمله على المقيّد حذرا من التنافي.

و ذهب ابن الجنيد (4) و العلّامة في المختلف (5) إلى اعتبار مضيّ ثلاثة أشهر، لصحيحة جميل بن درّاج عن الصادق (عليه السلام) قال: «الرجل إذا خرج من منزله إلى السفر فليس له أن يطلّق حتى تمضي ثلاثة أشهر» (6).

و روى إسحاق بن عمّار قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الغائب الذي يطلّق كم غيبته؟ قال: خمسة أشهر ستّة أشهر. قال: حدّ دون ذلك، قال:

ثلاثة أشهر» (7).

____________

(1) النهاية: 512.

(2) الوسيلة: 320.

(3) الكافي 6: 80 ح 2 و 3، الفقيه 3: 325 ح 1574، التهذيب 8: 62 ح 202، الاستبصار 3: 295 ح 1041، الوسائل 15: 307 ب «26» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 3.

(4) راجع المختلف: 587.

(5) راجع المختلف: 587.

(6) التهذيب 8: 62 ح 203، الوسائل 15: 308 ب «26» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 7.

(7) الفقيه 3: 325 ح 1573، التهذيب 8: 62 ح 204، الاستبصار 3: 295 ح 1043، الوسائل 15:

308 ب «26» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 8.

39

..........

____________

و ذهب المصنّف و أكثر المتأخّرين (1)- و قبلهم الشيخ في الاستبصار (2)- إلى اعتبار مضيّ مدّة يعلم انتقالها من الطهر الذي واقعها فيه إلى آخر بحسب عادتها، و لا تقدّر بمدّة غير ذلك، و هو الذي جعله المصنّف المحصّل في المسألة. و وجه ذلك الجمع بين الأخبار، بتنزيل اختلافها كذلك على اختلاف عادة النساء في الحيض، فمن علم من حال امرأته أنها تحيض في كلّ شهر حيضة جاز له أن يطلّق بعد شهر، و من يعلم أنها لا تحيض إلّا بعد كلّ ثلاثة أشهر أو خمسة لم يجز له أن يطلّقها إلّا بعد مضيّ هذه المدّة، و هكذا.

و هذا القول لا بأس به، لما فيه من الجمع بين الأخبار المعتبرة المختلفة ظاهرا، إلّا أنه لا يخلو من إشكال من حيث إن الأخبار المعتبرة الصحيحة بين مطلق في عدم التربّص، و لا شيء من عادات النساء بمتروك أصلا، و بين مقيّد بثلاثة أشهر، و هو مخالف للغالب من عادات النساء. و أيضا فليس في هذه الأخبار سؤال عن واقعة مخصوصة حتى يتوجّه حملها على كون تلك المرأة معتادة بتلك العادة، و إنما وقع السؤال في كلّ حديث عن مطلق النساء على وجه القاعدة الكلّية، فحملها على العادات المختلفة بعيد. و حديث الشهر أقرب إلى الغالب إلّا أنه ليس كالسابق في وضوح السند.

و بالجملة فأظهر الأقوال من جهة النقل ما دلّ على اعتبار ثلاثة أشهر، لصحّة روايته، و حمل الأحاديث المطلقة المشاركة لها في صحّة السند عليه جمعا

____________

(1) راجع السرائر 2: 690، الإرشاد 2: 42، المقتصر: 269، رسائل المحقّق الكركي 2: 211- 212.

(2) الاستبصار 3: 295 ذيل ح 1043.

40

..........

____________

بين المطلق و المقيّد. و هو مع ذلك موافق للحكم بالتربّص للمجهولة الحال و هي المسترابة و المرضع، مع أن الغالب من حال الغائب عن زوجته أن يكون حالها مجهولا و حملها ممكنا في وقته، و مع جهله بحالها تصير في معنى المسترابة.

و هذا هو الأقوى، إلّا أن يعلم عادة المرأة و انتقالها بحسبه من طهر إلى آخر فيكفي تربّصه ذلك المقدار كما في الحاضر، لأن حكم الغائب أخفّ من حكمه شرعا، فمع إمكان إلحاقه به لا يزيد عليه، و مع الجهل يجب التربّص ثلاثة لما ذكرناه. و هذا اختيار الشيخ فخر الدين في شرحه (1). و هو أيضا جامع بين الأخبار مع زيادة في الاعتبار.

إذا تقرّر ذلك فنقول: إذا طلّق الغائب زوجته فلا يخلوا: إما أن يطلّقها بعد مضيّ المدّة المعتبرة، أو قبلها. و على التقديرين: إما أن يوافق فعله كونها جامعة لشرائطه في الواقع، بأن يكون قد حاضت بعد طهر المواقعة و طهرت فوقع الطلاق حال الطهر، أو لا يوافق، بأن تبيّن وقوعه في طهر المواقعة أو حالة الحيض، أو يستمرّ الاشتباه. و بيان الحكم ينتظم في مسائل: الأولى: أن يطلّقها مراعيا للمدّة المعتبرة ثمَّ تظهر الموافقة، بأن كانت قد انتقلت من طهر المواقعة إلى آخر. و هنا يصحّ الطلاق إجماعا، لاجتماع الشرائط المعتبرة في صحّته ظاهرا و في نفس الأمر.

الثانية: أن يطلّقها كذلك و لكن ظهر بعد ذلك كونها حائضا حال الطلاق.

و هنا يصحّ الطلاق أيضا، لأن شرط صحّته للغائب مراعاة المدّة المعتبرة و قد

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 305.

41

..........

____________

حصل. و الحيض هنا غير مانع، لعدم العلم به، و هو ممّا قد استثني من صور المنع من طلاق الحائض بالنصّ (1) و الفتوى. و في رواية أبي بصير: «قلت: الرجل يطلّق امرأته و هو غائب، فيعلم أنه يوم طلّقها كانت طامثا، قال: يجوز» (2).

و المراد من هذه الرواية أنه لم يكن عالما بالحيض حال الطلاق ثمَّ علم، لعطفه العلم على الطلاق بالفاء المفيدة للتعقيب. و لا خلاف في هذه الصورة أيضا.

الثالثة: الصورة بحالها في أنه طلّق بعد المدّة المعتبرة و لكن ظهر بعد ذلك كونها باقية في طهر المواقعة لم تنتقل منه إلى حيض و لا إلى طهر آخر. و هو صحيح أيضا كالسابقة، لعين ما ذكر فيها، و هو وقوعه على الوجه المعتبر شرعا.

و لأن الطلاق إذا حكم بصحّته في حالة الحيض بالنصّ (3) و الإجماع فلأن يحكم بصحّته في حالة الطهر أولى، لما قد عرفت من أن شرط الطلاق في غير الغائب أمران: وقوعه في طهر، و كون الطهر غير طهر المواقعة، فإذا اتّفق وقوعه في حالة الحيض تخلّف الشرطان، لعدم طهر آخر غير طهر المواقعة و عدم الخلوّ من الحيض، و إذا اتّفق وقوعه في حالة الطهر فالمتخلّف شرط واحد و هو كون الطهر غير طهر المواقعة، فإذا كان تخلّف الشرطين في الغائب غير مانع فتخلّف أحدهما أولى بعدم المنع.

و ربما قيل (4) هنا بعدم الوقوع، لانتفاء شرط الصحّة و هو استبراء الرحم،

____________

(1) لاحظ الوسائل 15: 305 ب «25» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(2) التهذيب 8: 62 ح 201، الاستبصار 3: 294 ح 1040، و الوسائل 15: 308 ب «26» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 6.

(3) لاحظ الوسائل 15: 305 ب «25» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(4) أنظر رسائل المحقّق الكركي 2: 212.

42

..........

____________

خرج منه حالة الحيض للرواية (1) فيبقى الباقي. و للمنع من وجود الشرط. و أن الإذن في الطلاق استنادا إلى الظنّ لا يقتضي الحكم بالصحّة إذا ظهر بطلان الظنّ.

و جوابه: أن الشرط المعتبر في استبراء الرحم للغائب إنما هو مراعاة المدّة المعتبرة و هو حاصل، و موضع النصّ (2) و الفتوى- و هو حالة الحيض- منبّه عليه.

و ظهور بطلان الظنّ غير مؤثّر فيما حكم بصحّته.

و الحاصل: أن الشرط المعتبر حاصل. و المانع- و هو ظهور الخطأ- غير معلوم المانعيّة، و قد تخلّف فيما هو أولى بالحكم- أو مساو- في المنع.

و كون الحكمة في الانتظار المدّة المقرّرة هو استبراء الرحم غير لازم، لأنها مستنبطة لا منصوصة فلا يلزم اطّرادها، و إنما المنصوص (3) اعتبار انقضاء المدّة المعتبرة، و استنبط معها (4) الاكتفاء بظنّ الانتقال من طهر إلى آخر، و كلاهما متحقّق.

الرابعة: أن يطلّقها مراعيا للمدّة المعتبرة و يستمرّ الاشتباه، فلا يعلم كونها حائضا حال الطلاق أو طاهرا طهر المواقعة أو غيره. و هنا يصحّ الطلاق قولا واحدا، لوجود المقتضي للصحّة، و هو استبراؤها المدّة المعتبرة مع باقي الشرائط، و انتفاء المانع، إذ ليس ثمَّ إلا اشتباه الحال، و هو غير صالح للمانعيّة.

و كون انتقالها من طهر المواقعة إلى آخر شرطا في صحّة الطلاق مخصوص بالحاضر، و أما الشرط في الغائب فهو مضيّ المدّة المعتبرة مع عدم العلم بكونها

____________

(1) لاحظ الهامش (1) في الصفحة السابقة.

(2) لاحظ الهامش (1) في الصفحة السابقة.

(3) لاحظ الوسائل 15: 307 ب «26» من أبواب مقدّمات الطلاق ح 3، 5، 7، 8.

(4) في إحدى الحجريّتين: منها.

43

..........

____________

حائضا حال الطلاق أو باقية في طهر المواقعة، فمتى انتفى العلم بذلك حصل الشرط.

الخامسة: أن يطلّقها قبل مضيّ المدّة المعتبرة و لكن ظهر بعد الطلاق وقوعه في طهر لم يقربها فيه. و في صحّة الطلاق حينئذ وجهان، من حصول شرط الصحّة في نفس الأمر و ظهور الحال، و من عدم اجتماع الشرائط المعتبرة في الطلاق حال إيقاعه المقتضي لبطلانه. و يمكن أن يجعل ظهور اجتماع الشرائط بعد ذلك كاشفا عن صحّته، خصوصا مع جهله ببطلان الطلاق من دون مراعاة الشرط، لقصده حينئذ إلى طلاق صحيح ثمَّ ظهر اجتماع شرائطه. و الأظهر الصحّة.

السادسة: أن يطلّقها قبل الاستبراء و تبيّن عدم الانتقال، أو يستمرّ الاشتباه، فيبطل الطلاق عند كلّ من اعتبر المدّة، لوجود المقتضي للبطلان، و هو عدم التربّص به المدّة المعتبرة، و عدم انكشاف حصول ما يقتضي الصحّة، بخلاف السابق.

السابعة: لو طلّقها بعد [انقضاء] (1) المدّة المعتبرة و لكن اتّفق له مخبر يجوز الاعتماد عليه شرعا بأنها حائض بسبب تغيّر عادتها، ففي صحّة الطلاق حينئذ وجهان أجودهما العدم. و كذا لو أخبره ببقائها في طهر المواقعة، أو بكونها حائضا حيضا آخر بعد الطهر المعتبر في صحّة الحيض، لاشتراك الجميع في المقتضي للبطلان. و صحّة طلاقه غائبا مشروط بعدم الظنّ بحصول

____________

(1) من الحجريّتين.

44

..........

____________

المانع.

الثامنة: لو كان خروج الزوج في طهر آخر غير طهر المواقعة صحّ طلاقها من غير تربّص ما لم يعلم كونها حائضا. و لا يشترط هنا العلم أو الظنّ بعدم الحيض، بخلاف ما سبق. و الفرق: أن شرط الصحّة هنا موجود، و هو استبراؤها بالانتقال من طهر إلى آخر، و إنما الحيض بعد ذلك مانع من صحّة الطلاق، و لا يشترط في الحكم بصحّة الفعل العلم بانتفاء موانعه، بل يكفي عدم العلم بوجودها، بخلاف السابق، فإن شرط صحّة الطلاق مضيّ المدّة المعتبرة المشتملة على العلم بانتقالها من طهر إلى آخر، و الجهل بالشرط يقتضي الجهل بصحّة المشروط.

التاسعة: النفاس هنا كالحيض في المنع و الاكتفاء بطهرها منه. فلو غاب و هي حامل و مضت مدّة يعلم بحسب حال الحمل وضعها و طهرها من النفاس جاز طلاقها، كما لو انتقلت من الحيض. و يكفي في الحكم بالنفاس ظنّه المستند إلى عادتها و إن كان عدمها ممكنا كما قلناه في الحيض. و مثله ما لو كان حاضرا و وطئها قبل الوضع، فإنه يكتفي بنفاسها في الاستبراء.

العاشرة: لو وطئها حاملا ثمَّ غاب و طلّق قبل مضيّ مدّة تلد فيها غالبا و تنفس فصادف الطلاق ولادتها و انقضاء نفاسها، ففي صحّته الوجهان الماضيان (1) في الحيض. و الحكم فيهما واحد.

و اعلم أن المراد بالعلم في هذه المواضع كلّها معناه العام، و هو الاعتقاد

____________

(1) في الصفحة السابقة، المسألة الخامسة.

45

..........

____________

الراجح الشامل للظنّ المستند إلى عادتها في الحيض و الطهر و الحمل. و ينبّه عليه إطلاقهم العلم ثمَّ ظهور خلافه، كما قال المصنّف: «أما لو انقضى من غيبته ما يعلم انتقالها من طهر إلى آخر ثمَّ طلّق صحّ و لو اتّفق في الحيض». و المراد بقوله: «و لو اتّفق في الحيض» ما يشمل الحيض المتعقّب للطهر الذي جامعها فيه و غيره. و نبّه بقوله: «اتّفق» على أنه لم يكن معلوما له حال الطلاق، و إنما اتّفق ذلك في الواقع و إن انكشف بعد الطلاق.

و قوله: «و كذا لو خرج في طهر لم يقربها فيه جاز طلاقها مطلقا» أي:

سواء مضت مدّة يعلم انتقالها فيها من ذلك الطهر إلى آخر أم لا، لكن بشرط أن لا يعلم أنها حائض كما نبّهنا عليه، لأن الحيض مانع مطلقا إلّا على تقدير وقوعه في نفس الأمر و لم يظهر في حقّ الغائب كما فصّلناه. فقوله: «مطلقا» منزّل على ما ذكرناه لا على ما يشمل كونها حائضا مع العلم به.

و قوله: «و لو زاد الأمد المذكور» يريد به ما لو كان عادتها أن تحيض في كلّ أربعة أشهر مرّة، فإنه على ما اختاره من أن المعتبر في صحّة طلاق الغائب العلم بانتقالها من طهر إلى آخر يعتبر في صحّة طلاقها في هذه الصورة مضيّ الأربعة الأشهر، كما يعتبر مضيّ المدّة القليلة لو كانت تحيض فيها، و ذلك أزيد ممّا ورد في النصوص (1) من اعتبار مضيّ ثلاثة أشهر.

و بقي في هذه المسألة مباحث شريفة حرّرناها في موضع آخر برسالة (2) مفردة من أراد استقصاء البحث فيها فليراجعها.

____________

(1) لاحظ ص: 36، هامش (4).

(2) طبعت ضمن مجموعة تضمّ عشرة مباحث.

46

و لو كان حاضرا (1) و هو لا يصل إليها بحيث يعلم حيضها فهو بمنزلة الغائب.

____________

قوله: «و لو كان حاضرا. إلخ».

(1) أقسام المطلّق بالنسبة إلى الحضور و الغيبة و حكمهما أربعة، ففي حكم الغائب الحاضر الذي لا يمكنه معرفة حالها، و في حكم الحاضر الغائب الذي يطّلع على حالها بورود الأخبار عليه ممّن يعتمد عليه في وقت الحاجة.

و يدلّ على حكم من هو بمنزلة الغائب صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة سرّا من أهلها و هي في منزل أهلها، و قد أراد أن يطلّقها و ليس يصل إليها فيعلم طمثها إذا طمثت و لا يعلم بطهرها إذا طهرت، قال: فقال: هذا مثل الغائب عنه أهله يطلّقها بالأهلّة و الشهور. قلت: أ رأيت إن كان يصل إليها الأحيان و الأحيان لا يصل إليها فيعلم حالها كيف يطلّقها؟ فقال: إذا مضى له شهر لا يصل إليها فيه يطلّقها إذا نظر إلى غرّة الشهر الآخر بشهود» (1) الحديث. و في هذا الخبر دلالة على الاكتفاء في الغيبة بشهر. و هو صحيح السند أولى بالحجّة للقول من خبر (2) إسحاق بن عمّار.

و أنكر ابن إدريس (3) إلحاق غير الغائب به، محتجّا بأصالة بقاء الزوجيّة، و بأن حمله عليه قياس. و قد عرفت أن مستنده الخبر الصحيح، مع اشتراكهما في العلّة، و هو يرفع الأصل، و لا يحوج إلى القياس.

____________

(1) الكافي 6: 86 ح 1، الفقيه 3: 333 ح 1614، التهذيب 8: 69 ح 229، الوسائل 15: 310 ب (28) من أبواب مقدمات الطلاق ح 1.

(2) تقدم ذكر مصادره في ص: 38، هامش (3).

(3) السرائر 2: 686، 687.

47

[الرابع: أن تكون مستبرأة]

الرابع: أن تكون مستبرأة (1)، فلو طلّقها في طهر واقعها فيه لم يقع طلاقه.

و يسقط اعتبار ذلك في اليائسة، و فيمن لم تبلغ المحيض، و في الحامل، و المسترابة بشرط أن يمضي عليها ثلاثة أشهر لم تر دما معتزلا لها. و لو طلّق المسترابة قبل مضيّ ثلاثة أشهر من حين المواقعة لم يقع الطلاق.

____________

قوله: «أن تكون مستبرأة. إلخ».

(1) قد تقدّم (1) ما يدلّ على اشتراط استبراء المرأة بالانتقال من الطهر الذي واقعها فيه إلى غيره في صحّة الطلاق، و أن ذلك هو العدّة التي أمر اللّٰه تعالى بالطلاق لها في قوله فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (2) و على سقوط اعتبار ذلك في اليائسة و التي لم تبلغ المحيض و الحامل بقوله (عليه السلام): «خمس يطلّقن على كلّ حال» (3).

و أما المسترابة و هي (4) التي في سنّ من تحيض و لا تحيض، سواء كان لعارض من رضاع أو مرض أو خلقيّ (5). و أطلق عليها اسم الاسترابة تبعا للنصّ (6) و إلّا فقد يحصل لها مع انقطاع حيضها في هذا السنّ استرابة بالحمل و قد لا يحصل. و يدلّ على حكمها صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري قال: «سألت

____________

(1) في ص: 35- 36.

(2) الطلاق: 1.

(3) لاحظ الوسائل 15: 305 ب (25) من أبواب مقدّمات الطلاق.

(4) كذا في النسخ، و لعلّ الصحيح: فهي.

(5) كذا في النسخ و الحجريّتين، و في «ح»: خلع، و لعلّ الصحيح: خلق.

(6) لاحظ الوسائل 15: 410 ب (4) من أبواب العدد.

48

[الخامس: تعيين المطلّقة]

الخامس: تعيين المطلّقة. (1)

و هو أن يقول: فلانة طالق، أو يشير إليها بما يرفع الاحتمال. فلو كان له واحدة فقال: زوجتي طالق، صحّ، لعدم الاحتمال. و لو كان له زوجتان أو زوجات فقال: زوجتي طالق، فإن نوى معيّنة صحّ، و يقبل تفسيره. و إن لم ينو قيل: يبطل الطلاق، لعدم التعيين. و قيل: يصحّ و تستخرج بالقرعة. و هو أشبه.

____________

الرضا (عليه السلام) عن المسترابة من المحيض كيف تطلّق؟ قال: تطلّق بالشهور» (1). و في رواية أخرى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في المرأة التي يستراب بها التي مثلها تحيض و مثلها لا تحيض و قد واقعها زوجها كيف يطلّقها؟

قال: «يمسك عنها ثلاثة أشهر ثمَّ يطلّقها» (2).

و لا يلحق بالمسترابة من يعتاد الحيض في كلّ مدّة تزيد عن ثلاثة أشهر، فإن تلك لا استرابة فيها، بل هي من أقسام ذوات الحيض يجب استبراؤها بحيضة و إن توقّف على ستّة أشهر و أزيد.

قوله: «تعيين المطلّقة. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب في أن تعيين المطلّقة بالنيّة هل هو شرط في صحّة الطلاق أم لا؟ فذهب جماعة- منهم المرتضى (3)، و المفيد (4)، و ابن إدريس (5)،

____________

(1) التهذيب 8: 68 ح 225، الوسائل 15: 414 ب (4) من أبواب العدد ح 17.

(2) الكافي 6: 97 ح 1، التهذيب 8: 69 ح 228، الوسائل 15: 335 ب (40) من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه ح 1، مع اختلاف في اللفظ.

(3) الانتصار: 139.

(4) المقنعة: 525.

(5) السرائر 2: 665.

49

..........

____________

و الشيخ (1) في أحد قوليه، و المصنّف في أحدهما، و العلّامة (2) في أحدهما، و الشهيد (3) في أحدهما، و جماعة (4) آخرون- إلى اشتراطه إما لفظا كقوله «فلانة» باسمها المميّز لها عن غيرها، أو بالإشارة إليها الرافعة للاشتراك، أو بذكر الزوجة حيث لا غيرها، أو نيّة كقوله «زوجتي» و له زوجات و نوى واحدة معيّنة. فلو لم يعيّن لفظا و لا قصدا بطل، لأصالة بقاء النكاح فلا يزول إلّا بسبب معلوم السببيّة.

و لأن الطلاق أمر معيّن فلا بدّ له من محلّ معيّن، و حيث لا محلّ فلا طلاق.

و قال الشيخ في المبسوط (5): لا يشترط، و اختاره المصنّف هنا، و العلّامة في أكثر كتبه (6)، و الشهيد في الشرح (7)، لأصالة عدم الاشتراط، و عموم مشروعيّة الطلاق. و محلّ المبهم جاز أن يكون مبهما، و كما أن كلّ واحدة بخصوصها زوجة فإحداهما أيضا زوجة، فيصحّ طلاقها للعموم.

إذا تقرّر ذلك [فلو كان له زوجتان أو زوجات فقال: زوجتي طالق] (8) فحيث ينوي واحدة بعينها يؤمر بالتبيين على الفور، لزوال الزوجيّة عنها، و يمنع من الاستمتاع بهما إلى أن يبيّن. و لو أخّر أثم، لأن الحقّ لهما في ذلك فعليه بيانه،

____________

(1) النهاية: 510.

(2) المختلف: 593، 594.

(3) اللمعة الدمشقيّة: 123.

(4) انظر الكافي في الفقه: 305، الجامع للشرائع: 465، كشف الرموز 2: 210، إيضاح الفوائد 3:

294، التنقيح الرائع 3: 301- 302، المقتصر: 269- 270.

(5) المبسوط 5: 78.

(6) إرشاد الأذهان 2: 43، قواعد الأحكام 2: 61.

(7) غاية المراد: 218.

(8) من إحدى الحجريّتين فقط.

50

..........

____________

إذا لم يعلم من غيره. و يحتمل الفرق بين البائن و الرجعي، لأن الرجعيّة بمنزلة الزوجة، و له وطؤها بنيّة الرجوع و الأخرى على الحلّ.

و إن أرسل اللفظ و لم يرد واحدة بعينها و قلنا بصحّته فهل يرجع إلى تعيينه كالسابقة، أو يقرع بينهما؟ جزم المصنّف- رحمه اللّٰه- بالقرعة، لأن المطلّقة مبهمة عنده كما هي مبهمة عندنا فتستخرج بالقرعة، لأنها لكلّ أمر مشكل.

و قيل: يرجع إلى تعيينه هنا أيضا، لأن الطلاق بيده و قد أرسله بينهما و لم يتعلّق بإحداهما بخصوصها، فيكون تعلّقه منوطا به كأصله.

و تفترق المسألتان على الثاني- مع اشتراكهما في رجوع التعيين إليه- في أنه إذا بيّن في الأولى فادّعت الأخرى عليه أنّك عنيتني سمعت الدّعوى و أحلفته، فإن نكل حلفت و طلّقتا، بخلاف الثّانية، فإنّ دعوى الأخرى غير مسموعة، لأنّه اختيار تشهّ، و كأنّه طلّق واحدة ابتداء.

و يشتركان أيضا في وجوب الإنفاق عليهما إلى البيان أو التعيين و إن كانت إحداهما مطلّقة، لأنهما محبوستان عنده حبس الزوجات، و النفقة واجبة لكلّ واحدة قبل الطلاق فيستصحب. و إذا بيّن أو عيّن فلا يستردّ المصروف إلى المطلّقة، لما ذكر.

و يفترقان في أن وقوع الطلاق يحصل في الأولى بصيغة الطّلاق المبهمة، و تحتسب عدّة الّتي بيّن الطلاق فيها من وقت اللفظ. و أمّا إذا عيّن و لم يكن نوى من الابتداء معيّنة ففي وقوعه من وقت التلفّظ بالطّلاق، أو من حين التّعيين؟

وجهان:

51

..........

____________

أحدهما- و هو قول الشيخ (1)-: أنّه يقع من وقت التلفّظ، لأنّه جزم بالطّلاق فلا يجوز تأخيره، إلّا أن محلّه غير معيّن فيؤمر بالتّعيين. و لأنّ التّعيين يبيّن الّتي يختارها للنّكاح، فيكون اندفاع نكاح الأخرى باللّفظ السّابق، كما أن التّعيين فيما إذا أسلم على أكثر من أربع لمّا تبيّن به من يختارها للنكاح كان اندفاع نكاح الأخريات بالإسلام السّابق.

و الثّاني: أنّه من وقت التّعيين، لأنّ الطّلاق لا ينزّل إلّا في محلّ معيّن.

و يعبّر عن هذا الخلاف بأنّ التّعيين بيان موقع أو إيقاع، أو بأنّ إرسال اللفظ المبهم إيقاع طلاق أو التزام طلاق في الذمّة.

و رجّح العلّامة في القواعد (2) و التّحرير (3) الثّاني. و يشكل عليه الحكم بتحريمهما عليه قبل التّعيين، لعدم وقوع الطّلاق على واحدة حينئذ مع اتّفاقهم عليه. و فيما لو ماتتا أو إحداهما قبل التّعيين فلوارثها (4) المطالبة بن لتبيّن حكم الإرث، و لا سبيل إلى إيقاع الطّلاق بعد الموت، و إنّما يتّضح حكمه على الأول.

و لو وطئ واحدة منهما قبل التّعيين نظر فإن كان قد نوى واحدة بعينها فهي المطلّقة، و قد تعيّنت بالنيّة المقترنة باللّفظ، و الوطء لا يكون بيانا لذلك التّعيين.

و تبقى المطالبة بالبيان، فإن بيّن الطّلاق في الموطوءة فعليه الحدّ إن كان الطّلاق بائنا، و المهر لجهلها بأنّها المطلّقة. و إن بيّن في غير الموطوءة قبل. فلو ادّعت

____________

(1) المبسوط 5: 78.

(2) قواعد الأحكام 2: 61.

(3) تحرير الأحكام 2: 53.

(4) في الحجريّتين: فلوارثهما.

52

..........

____________

الموطوءة أنّه أرادها حلّف، فإن نكل و حلفت حكم بطلاقها، و عليه المهر، و لا حدّ للشبهة، فإن الطلاق ثبت بظاهر اليمين.

و لو لم ينو واحدة بعينها فهل يكون الوطء تعيينا؟ وجهان:

أحدهما: أن الوطء يعيّن الأخرى للطلاق، لأن الظاهر أنه إنما يطأ من تحلّ له، و صار كوطء الجارية المبيعة في زمن الخيار، فإنه يكون فسخا أو إجازة.

و الثاني: أنه لا يكون تعيينا كما لا يكون بيانا. و لأن ملك النكاح لا يحصل بالفعل فلا يتدارك بالفعل. و يخالف وطء الجارية المبيعة بشرط الخيار، فإن ملك اليمين يحصل بالفعل ابتداء فجاز أن يتدارك بالفعل.

و ربما بني الوجهان على أن الطلاق يقع عند اللفظ أو عند التعيين.

فعلى الأول الوطء تعيين لا على الثاني، لأن الفعل لا يصلح موقعا.

ثمَّ إن جعلنا الوطء تعيينا للطلاق في الأخرى فلا مهر للموطوءة، و إلّا فيطالب بالتعيين، فإن عيّن الطلاق في الموطوءة وجب المهر إن قلنا بوقوع الطلاق عند اللفظ. و إن قلنا بوقوعه عند التعيين ففي وجوب المهر وجهان، من أنها لم تكن مطلّقة وقته، و من حصول ما له صلاحيّة التأثير، و من ثمَّ حرم الوطء قبل التعيين.

هذا ما يتعلّق بحكمه حال الحياة. أما لو طرأ الموت قبل البيان أو التعيين فله حالتان:

إحداهما: أن تموت الزوجتان أو إحداهما و يبقى الزوج، فالمطالبة بحالها بالبيان أو التعيين لتبيين حال الميراث إن قلنا بوقوع الطلاق عند اللفظ، و إلّا

53

..........

____________

أشكل، لاستحالة وقوعه بعد الموت. و لو ماتت إحداهما لم يتعيّن الطلاق للأخرى. و يوقف له من تركة كلّ واحدة منهما أو من تركة الميّتة منهما ميراث زوج إلى أن يبيّن أو يعيّن. فإذا بيّن أو عيّن لم يرث من المطلّقة إن كان الطلاق بائنا، سواء قلنا إن الطلاق عند اللفظ أو التعيين، لأن الإيقاع سابق و إن كان الوقوع حينئذ، مع احتماله على القول بوقوعه بالتعيين، لموتها و هي زوجة. و أما الأخرى فيرث منها.

ثمَّ إن كان قد نوى معيّنة و بيّن، فقال الورثة: هي التي أردتها للطلاق و لا إرث لك، فلهم تحليفه، فإن حلف فذاك، و إن نكل حلفوا و حرم ميراثها أيضا باليمين المردودة. و إن لم ينو معيّنة و عيّن لم يتوجّه عليه لورثة الأخرى دعوى، لأن التعيين يتعلّق باختباره.

و يتفرّع على النزاع في الأولى أنه إذا حلّفه ورثة الأخرى التي عيّنها للنكاح أخذوا جميع المهر إن كان بعد الدخول، و إن كان قبله أخذوا نصفه. و في النصف الآخر وجهان، من اعترافه لهم به، و انتفائه بكونها مطلّقة قبل الدخول بزعمهم. و لو كذّبه ورثة التي عيّنها للطلاق، و غرضهم استقرار جميع المهر إذا كان قبل الدخول، فلهم تحليفه، و هم مقرّون له بإرث لا يدّعيه، ففيه ما في نصف المهر.

الحالة الثانية: أن يموت الزوج قبل البيان أو التعيين، ففي قيام الوارث مقامه وجهان:

أحدهما: نعم، كما يخلفه في سائر الحقوق كالردّ بالعيب و حقّ الشفعة و غيرهما، و كما يقوم مقامه في استلحاق النسب.

54

..........

____________

و الثاني: المنع، لأن حقوق النكاح لا تورث، و لأنه إسقاط و إرث فلا يتمكّن الوارث منه، كنفي النسب باللعان.

و الأقوى (1) الفرق بين البيان و التعيين، فيقبل في الأول مع دعواهم العلم بالحال دون الثاني، لأن البيان إخبار و قد يعرفه الوارث قبل الموت، و التعيين اختيار و شهوة فلا يخلفه الوارث فيه، كما لو أسلم الكافر على أكثر من أربع و مات قبل الاختيار. و إن (2) لم يدّع الوارث العلم فالأقوى القرعة. و الفرق: ثبوت الطلاق في المنويّة و اشتباهها فتتوجّه القرعة للإشكال، بخلاف الثاني، لعدم وقوع الطلاق قبل التعيين على واحدة، سواء جعلنا وقوعه بعد التعيين باللفظ أو بالتّعيين، فلا وجه للقرعة، إذ لا إشكال. و في القواعد (3) حكم بالقرعة في الثانية أيضا. و هو بعيد.

و ممّا يتفرّع على ذلك أنه لو لم نقل بقيامه مقامه، أو قال: لا أعلم، و لم نقل بالقرعة، أوقف ميراث زوجة بينهما حتى يصطلحا أو تصطلح ورثتهما بعد موتهما. و إن ماتتا قبل موت الزوج أوقف من تركتهما ميراث زوج، فإن توسّط موته موتهما أوقف من تركة الأولى ميراث زوج حتى يحصل الاصطلاح.

و إن قلنا يقوم مقامه، فإن مات الزوج قبلهما فتعيين الوارث كتعيينه. و إن ماتت الزوجتان ثمَّ مات الزوج، فإذا بيّن الوارث إحداهما فلورثة الأخرى تحليفه أنه لا يعلم أن مورّثه طلّق مورّثتهم. و إن توسّط موته موتهما و بيّن الوارث الطلاق

____________

(1) في الحجريّتين: و الأولى.

(2) كذا في «و» و في سائر النسخ و الحجريّتين: فإن.

(3) قواعد الأحكام 2: 62.