مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج10

- الشهيد الثاني المزيد...
532 /
5

[تتمة القسم الثالث في الإيقاعات]

[كتاب الظهار]

كتاب الظهار

[الكفّارات]

الكفّارات و يلحق بذلك: (1) النظر في الكفّارات و فيه مقاصد:

[الأول: في ضبط الكفّارات]

الأول: في ضبط الكفّارات. و قد سبق (1) الكلام في كفّارات الإحرام، فلنذكر ما سوى ذلك.

و هي: مرتّبة، و مخيّرة، و ما يحصل فيه الأمران، و كفّارة الجمع.

____________

قوله: «و يلحق بذلك. إلخ».

(1) الكفّارة اسم للتكفير، و أصلها الستر، لأنها تستر الذنب، و منه الكافر، لأنه يستر الحقّ، و يقال للّيل: كافر، لأنه يستر من يفعل فيه شيئا. و تكفير اليمين فعل ما يجب بالحنث فيها، و كفّارة الظهار ما يجب بالعود فيه. و قد ورد القرآن بلفظ الكفّارة كقوله تعالى فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ (2). و هي أنواع كثيرة منها كفّارة الظهار، و استطرد الباب كلّه عندها لمناسبة ذكرها و كونها تجمع الخصال الثلاث التي هي- مع البحث عن أحكامها- عمدة الباب.

و قد عرّفها بعضهم بأنها: طاعة مخصوصة مسقطة للعقوبة أو مخفّفة غالبا.

و قيّد بالأغلبيّة لتدخل كفّارة قتل الخطأ فيها، فإنها ليست عقوبة. و ينتقض في طرده بالتوبة، فإنها طاعة مخصوصة، بل هي من أعظم الطاعات، ثمَّ قد تكون

____________

(1) في ج 1: 326.

(2) المائدة: 89.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

..........

____________

مسقطة للذنب كما إذا كان الذنب حقّ اللّه تعالى و لم يجب قضاؤه، و قد تكون مخفّفة له كما إذا اقترنت بوجوب القضاء أو ردّ الحقّ و نحوه. و كذا ينتقض بقضاء العبادات، فإنه طاعة مسقطة للذنب المترتّب على التهاون في الفعل إلى أن خرج الوقت، أو مخفّفة له من حيث افتقار سقوطه رأسا إلى التوبة.

و اعلم أن الكفّارة الواجبة إن لم تكن عن ذنب- ككفّارة قتل الخطأ- فوجوبها على التراخي، لأن مطلق الأمر لا يقتضي الفور على أصحّ القولين.

و إن كانت مسقطة للذنب أو مخفّفة له ففي وجوبها على الفور وجهان: من أنها في معنى التوبة من حيث كانت مسقطة للذنب أو مخفّفة، و التوبة واجبة على الفور، و من أصالة عدم وجوب الفوريّة، و لا يلزم من مشاركتها للتوبة في ذلك مساواتها لها في جميع الأحكام، فإنها في الأصل حقّ مالي أو بدني، و في نظائرها من العبادات و الحقوق ما يجب على الفور و منها ما لا يجب، و أصل وجوبه متوقّف على دليل يقتضيه غير أصل الأمر.

و أطلق بعضهم (1) وجوبها على الفور، مستدلّا بأنها كالتوبة الواجبة لذلك، لوجوب الندم على كلّ قبيح أو إخلال بواجب. و لا يخفى فساده على إطلاقه، فإن منها ما ليس مسبّبا عن قبيح.

ثمَّ على تقدير فعلها لا يكفي في إسقاط استحقاق العقاب حيث يكون عن ذنب، بل لا بدّ معها من التوبة المشتملة على ترك الذنب في الحال، و الندم على فعله فيما سلف، و العزم على عدم العود إليه في الاستقبال، و لو وجب معها قضاء

____________

(1) التنقيح الرائع 3: 391.

9

[فالمرتّبة]

فالمرتّبة ثلاث (1) كفّارات:

الظهار، و قتل الخطأ. و يجب في كلّ واحدة العتق، فإن عجز فالصوم شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستّين مسكينا.

____________

العبادة كإفساد الصوم فلا بدّ معها من القضاء للقادر عليه. و مثله القول في الحدود و التعزيرات على المعاصي.

قوله: «فالمرتّبة ثلاث. إلخ».

(1) وجوب الكفّارتين على الترتيب هو الذي يقتضيه ظاهر القرآن، قال تعالى وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ إلى قوله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ ثمَّ قال فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً (1) و قال تعالى في كفّارة القتل وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ثمَّ قال فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ (2) و هو نصّ في الترتيب فيهما.

و يؤيّد ذلك الأخبار الكثيرة (3)، و قد تقدّم (4) ما يتعلّق بالظهار منها، و في القتل روى عبد اللّه بن سنان في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا قتل خطأ أدّى ديته إلى أوليائه ثمَّ أعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستّين مسكينا مدّا مدّا» (5).

____________

(1) المجادلة: 3- 4.

(2) النساء: 92.

(3) لاحظ الوسائل 15: 506 ب «1» من أبواب الظهار، و 548 ب «1»، و 559 ب «10» من أبواب الكفّارات.

(4) في ج 9: 482- 483 و 536، هامش (2).

(5) التهذيب 8: 322 ح 1196، الوسائل 15: 559 ب «10» من أبواب الكفّارات.

10

و كفّارة من أفطر (1) يوما من قضاء شهر رمضان بعد الزوال إطعام عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام متتابعات.

____________

و لا نعلم في كفّارة الظهار مخالفا، لكن روى معاوية بن وهب في الصحيح قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المظاهر قال: عليه تحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكينا، و الرقبة تجزي ممّن ولد في الإسلام» (1) و «أو» ظاهرة في التخيير. و الأولى حملها على الترتيب، للجمع، و موافقة الآية، و إن كان ذلك خلاف الظاهر.

و أما قتل الخطأ فالأكثر على أن كفّارته مرتّبة، لما ذكرناه. و قال سلّار (2):

أنها مخيّرة. و هو ظاهر المفيد (3) حيث جعلها ككفّارة من أفطر يوما من شهر رمضان، و ذكر في كفّارة رمضان أنها مخيّرة. و المذهب هو الأول.

قوله: «و كفّارة من أفطر .. إلخ».

(1) ما ذكره المصنّف من الكفّارة في ذلك هو المشهور بين الأصحاب رواية و فتوى، رواه الصدوق عن بريد بن معاوية العجلي عن الباقر (عليه السلام): «في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان قبل الزوال: لا شيء عليه إلا يوما مكان يوم، و إن أتى أهله بعد زوال الشمس فإن عليه أن يتصدّق على عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ، فإن لم يقدر صام يوما مكان يوم، و صام ثلاثة أيّام كفّارة لما صنع» (4).

____________

(1) الكافي 6: 158 ح 22، التهذيب 8: 321 ح 1192، الاستبصار 4: 58 ح 198، الوسائل 15:

549 ب «1» من أبواب الكفّارات ح 3.

(2) المراسم: 187.

(3) المقنعة: 569.

(4) الفقيه 2: 96 ح 430، و لاحظ الكافي 4: 122 ح 5، التهذيب 4: 278 ح 844، الوسائل 7: 253 ب «29» من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

11

..........

____________

قال الصدوق عقيب هذه الرواية: «و قد روي أنه إن أفطر قبل الزوال فلا شيء عليه، و إن أفطر بعد الزوال فعليه الكفّارة مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان». و هذا يدلّ على اختياره الأول. و في كتابه المقنع عكس الحال، فجعل الأول رواية و الثاني فتوى، فقال: «و إذا قضيت صوم شهر رمضان كنت بالخيار في الإفطار إلى زوال الشمس، فإن أفطرت بعد الزوال فعليك مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان. و قد روي أن عليه إذا أفطر بعد الزوال إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ من طعام، فإن لم يقدر عليه صام يوما بدل يوم، و صام ثلاثة أيام كفّارة لما فعل» (1).

و في طريق الرواية الأولى الحارث بن محمد، و هو مجهول. و الرواية الثانية الدالّة على أنها كفّارة رمضان رواها زرارة في الموثّق عن الباقر (عليه السلام) أيضا قال: «سألته عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء، قال: عليه من الكفّارة ما على الذي أصاب في رمضان، ذلك اليوم عند اللّه من أيام رمضان» (2).

و ليس في هذه الرواية تقييد بكون الإفطار بعد الزوال كما قيّدوه. و حملها على المقيّد بعيد، لأنه مخالف له في الحكم. و في طريقها عليّ بن فضّال، و باقي سندها صحيح، فهي من الموثّق.

و روى الشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل وقع على أهله و هو يقضي شهر رمضان، قال: إن كان وقع

____________

(1) المقنع: 63.

(2) التهذيب 4: 279 ح 846، الاستبصار 2: 121 ح 393، الوسائل 7: 254 ب «29» من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3.

12

..........

____________

عليها قبل صلاة العصر فلا شيء عليه يصوم يوما بدل يوم، و إن فعل بعد العصر صام ذلك اليوم و أطعم عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفّارة لذلك» (1). و هذه كالأولى في الكفّارة إلا أنها مخالفة لها في الوقت. و هي أصحّ ما في الباب من الروايات، و لكن لم يعمل بمضمونها أحد.

و الشيخ (2)- (رحمه الله)- حمل الخبر الدالّ على أنها كفّارة رمضان على من فعل ذلك استخفافا [به] (3) و تهاونا بما يجب عليه من فرض اللّه تعالى، فيجب عليه حينئذ من الكفّارة ما يجب على من أفطر يوما من رمضان عقوبة له و تغليظا عليه، فأما من أفطر معتقدا أن الأفضل إتمام صومه فليس عليه إلا ما تقدّم إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام. و هذا الحمل يوجب قولا آخر للشيخ (4) في المسألة. و له قول ثالث في النهاية (5) أنها كفّارة يمين. و هو قول سلّار (6).

و قال ابن أبي عقيل (7): ليس عليه شيء. و يدلّ على مذهبه رواية عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فيها: «فإن نوى الصوم ثمَّ أفطر بعد ما زالت الشمس، قال: قد أساء و ليس عليه شيء إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن

____________

(1) التهذيب 4: 279 ح 845، الاستبصار 2: 120 ح 392، و لاحظ الوسائل 7: 254 ب «29» من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2.

(2) التهذيب 4: 279 ذيل ح 846، الاستبصار 2: 121 ذيل ح 393.

(3) من «د» و الحجريّتين فقط.

(4) انظر النهاية: 164.

(5) النهاية: 572.

(6) المراسم: 187.

(7) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 665.

13

[و المخيّرة]

و المخيّرة: (1) كفّارة من أفطر في يوم من شهر رمضان- مع وجوب صومه- بأحد الأسباب الموجبة للتكفير.

____________

يقضيه» (1).

و الشيخ (2) حمل قوله (عليه السلام): «و ليس عليه شيء» على أنه ليس عليه شيء من العقاب، لأن من أفطر في هذا اليوم لا يستحقّ العقاب و إن أفطر بعد الزوال، و تلزمه الكفّارة.

و هذا اعتراف من الشيخ بعدم تحريم الإفطار، فتبعد مجامعته حينئذ للكفّارة. و لو حملوها على الاستحباب- لاختلاف تقديرها في الروايات، و اختلاف تحديد وقت ثبوتها، و قصورها من حيث السند عن إفادة الوجوب- لكان جيّدا. و يؤيّده رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الإفطار قال: «لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال» (3) و «لا ينبغي» ظاهرة في الكراهة، و هو يناسب ما حكم به الشيخ من عدم تحريم الإفطار بعد الزوال، و لكن في طريقها سماعة، و هو واقفي. و على كلّ تقدير فالحكم مختصّ بقضاء رمضان، و لا يتعدّى إلى قضاء غيره و إن كان معيّنا على الأقوى، للأصل.

قوله: «و المخيّرة .. إلخ».

(1) وجوب كفّارة شهر رمضان على التخيير هو المشهور بين الأصحاب،

____________

(1) التهذيب 4: 280 ح 847، الاستبصار 2: 121 ح 394، الوسائل الباب المتقدّم ح 4.

(2) التهذيب 4: 280 ذيل ح 847، الاستبصار 2: 122 ذيل ح 394.

(3) الكافي 4: 122 ح 6، الفقيه 2: 96 ح 432، التهذيب 4: 278 ح 842، الاستبصار 2: 120 ح 390، الوسائل 7: 8 ب «4» من أبواب وجوب الصوم ح 2.

14

..........

____________

ذهب إليه الشيخان (1) و أتباعهما (2) و جملة المتأخّرين. و يدلّ عليه من الأخبار صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أفطر في شهر رمضان متعمّدا يوما واحدا من غير عذر: «قال: يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستّين مسكينا، فإن لم يقدر تصدّق بما يطيق» (3). و للشيخ قول آخر في المبسوط (4) أنها مرتّبة إذا كان الإفطار بالجماع.

و ابن أبي عقيل (5) جعلها مرتّبة مطلقا، لما رواه الصدوق: «أن رجلا من الأنصار أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: هلكت و أهلكت، فقال: و ما أهلكك؟ قال: أتيت امرأتي في شهر رمضان و أنا صائم. فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أعتق رقبة، قال: لا أجد. قال: صم شهرين متتابعين، قال: لا أطيق. قال: تصدّق على ستّين مسكينا، قال: لا أجد. قال: فأتي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعرق خمسة عشر صاعا من تمر، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): خذها فتصدّق بها، فقال له الرجل: و الذي بعثك بالحقّ ما بين لابتيها أحوج منّا إليها، فقال: خذه و كله و أطعم عيالك، فإنه كفّارة لك» [1].

____________

[1] الفقيه 2: 72 ح 309، معاني الأخبار: 336 باب معنى العرق و اللابتين، المقنع: 61، الوسائل 7: 30 ب «8» من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 5. و في المصادر عدا معاني الأخبار: بعذق.

و في نسخ المسالك الخطّية و الحجريّتين: ثمانية عشر صاعا، و في نسخة بدل إحدى الحجريّتين و مصادر الحديث: خمسة عشر.

____________

(1) المقنعة: 569، النهاية: 571.

(2) المراسم: 187، المهذّب 2: 422، الوسيلة: 353.

(3) الكافي 4: 101 ح 1، الفقيه 2: 72 ح 308، التهذيب 4: 205 ح 594، الاستبصار 2: 95 ح 310، الوسائل 7: 28 ب «8» من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1.

(4) المبسوط 5: 171، و 6: 207.

(5) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 664.

15

..........

____________

و أجيب بعدم دلالته صريحا على الترتيب، و جاز إطلاق الأمر بأحد أفراد الواجب المخيّر كذلك. مع أن الشيخ رواه في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فيه: «أن رجلا أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: هلكت يا رسول اللّه، فقال: ما لك؟ قال: النار يا رسول اللّه. قال: و ما لك؟ قال: وقعت على أهلي. قال:

تصدّق و استغفر ربّك» (1) فبدأ بالصدقة، و هو دليل على عدم ترتّبها على الخصلتين الأخريين و إلّا لبيّن له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و في تمام هذا الحديث أن الرجل قال: «و الذي عظّم حقّك ما تركت في البيت شيئا قليلا و لا كثيرا. قال:

فدخل رجل من الناس بمكتل من تمر فيه عشرون صاعا تكون عشرة أصوع بصاعنا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): خذ هذا التمر فتصدّق به، فقال:

يا رسول اللّه على من أتصدّق و قد أخبرتك أن ليس في يدي قليل و لا كثير، قال:

فخذه و أطعمه عيالك و استغفر اللّه عزّ و جلّ، قال: فلما رجعنا قال أصحابنا: إنه بدأ بالعتق فقال: أعتق أو صم أو تصدّق». و هذا أيضا يدلّ على التخيير. و فيه: أن الاستغفار يجب عند العجز، و هو أولى من جعل إطعام أهله كفّارة كما في الحديث السابق.

و اعلم أن إطلاق المصنّف الحكم فيمن أفطر بأحد الأسباب الموجبة للتكفير يشمل المحلّل منها و المحرّم، و كذلك إطلاق الرواية (2) الصحيحة. و الحكم به على الإطلاق هو المشهور بين الأصحاب. و ذهب جماعة منهم الشيخ في

____________

(1) التهذيب 4: 206 ح 595، الاستبصار 2: 80 ح 245، و انظر الكافي 4: 102 ح 2، الوسائل 7:

29 ب «8» من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2.

(2) المتقدّمة في ص: 14، هامش (3).

16

..........

____________

كتابي (1) الأخبار و الصدوق (2) إلى أن ذلك مختصّ بمن أفطر على المحلّل، أما من أفطر على محرّم- يعني أفسد صومه به- فإن الواجب عليه كفّارة الجمع، لما رواه الصدوق عن عبد الواحد بن عبدوس النيسابوري، عن عليّ بن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: «قلت للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول اللّه قد روي عن آبائك فيمن جامع في شهر رمضان و أفطر فيه ثلاث كفّارات، و روي عنهم أيضا كفّارة واحدة، فبأيّ الخبرين آخذ؟ قال: بهما جميعا، فمتى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان عليه ثلاث كفّارات: عتق رقبة، و صيام شهرين متتابعين، و إطعام ستّين مسكينا، و قضاء ذلك اليوم. و إن كان نكح حلالا أو أفطر على حلال كفاه كفّارة واحدة» (3).

و طريق الرواية صحيح فيمن عدا ابن عبدوس، فحاله مجهول. قال في المختلف: «إن ابن عبدوس لا يحضرني حاله، فإن كان ثقة فالرواية صحيحة يتعيّن العمل بها» (4). و في التحرير جزم بصحّتها، فقال: «روى ابن بابويه في حديث صحيح عن الرضا (عليه السلام)» (5) و ساق الحديث. و ذكر ابن بابويه (6) أنه وجد ذلك في روايات أبي الحسين الأسدي فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري أحد نوّاب صاحب الزمان (عليه السلام). و طريقه جيّد

____________

(1) التهذيب 4: 208 ذيل ح 604، الاستبصار 2: 97 ذيل ح 315.

(2) الفقيه 2: 73 ح 317.

(3) الفقيه 3: 238 ح 1128، و انظر التهذيب 4: 209 ح 605، الاستبصار 2: 97 ح 316، الوسائل 7: 35 ب «10» من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1.

(4) المختلف: 226- 227.

(5) تحرير الأحكام 2: 110.

(6) الفقيه 2: 73 ح 317.

17

و كفّارة من أفطر (1) يوما نذر صومه على أشهر الروايتين.

و كذا كفّارة الحنث في العهد. و في النذر على التردّد.

و الواجب في كلّ واحدة: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكينا، على الأظهر.

____________

أيضا، فلا بأس بالعمل بمضمونه.

قوله: «و كفّارة من أفطر. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب في كفّارة خلف النذر على أقوال:

أحدها: أنها كفّارة رمضان مطلقا. ذهب إليه الشيخان (1) و أتباعهما (2)، و المصنّف، و العلّامة في المختلف (3)، و أكثر المتأخّرين (4)، لصحيحة عبد الملك بن عمرو عن الصادق (عليه السلام) قال: «من جعل للّه عليه ألّا يركب محرّما سمّاه فركبه، قال: و لا أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة، أو ليصم شهرين متتابعين، أو ليطعم ستّين مسكينا» (5).

و ثانيها: أنها كفّارة يمين مطلقا. ذهب إليه الصدوق (6) و المصنّف في النافع (7)، لحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: «إن قلت: للّه عليّ كذا

____________

(1) المقنعة: 562، النهاية: 570.

(2) راجع الكافي في الفقه: 225، المهذّب 2: 421، الوسيلة: 353.

(3) المختلف: 664.

(4) راجع كشف الرموز 2: 260، إيضاح الفوائد 4: 78، المهذّب البارع 3: 557.

(5) التهذيب 8: 314 ح 1165، الاستبصار 4: 54 ح 188، الوسائل 15: 575 ب «23» من أبواب الكفارات ح 7.

(6) الفقيه 3: 232.

(7) المختصر النافع: 208.

18

..........

____________

فكفّارة يمين» (1). و رواية حفص بن غياث عنه (عليه السلام) قال: سألته عن كفّارة النذر، فقال: كفّارة النذر كفّارة اليمين» (2). و رواه العامّة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنه قال: «كفّارة النذر كفّارة يمين» (3).

و ثالثها: التفصيل، فإن كان النذر لصوم فأفطره فكفّارة رمضان، و إن كان لغير ذلك فكفّارة يمين. ذهب إلى ذلك المرتضى (4)، و ابن إدريس (5)، و العلّامة (6) في غير المختلف.

و وجهه: الجمع بين الروايات حيث دلّ بعضها على أن كفّارته كفّارة رمضان، فيناسبه حمله على إفطار نذر صوم معيّن، لمشاركته لصوم رمضان في الوجوب المعيّن، و حمل غيره على غيره. و هو أولى من العمل بأحد الجانبين خاصّة المستلزم لاطّراح الآخر مع تقاربها (7) في القوّة.

و يدلّ على حكم إفطار المنذور روايات أخر، منها رواية القاسم الصيقل: «أنه كتب إليه: يا سيّدي رجل نذر أن يصوم يوما للّه فوقع ذلك اليوم

____________

(1) الكافي 7: 456 ح 9، الفقيه 3: 230 ح 1087، التهذيب 8: 306 ح 1136، الاستبصار 4: 55 ح 193، الوسائل 15: 574 ب «23» من أبواب الكفّارات ح 1.

(2) الكافي 7: 457 ح 13، التهذيب 8: 307 ح 1141، الاستبصار 4: 54 ح 186، الوسائل الباب المتقدّم ح 4.

(3) مسند أحمد 4: 144، صحيح مسلم 3: 1265 ح 1645، سنن أبي داود 3: 241 ح 3323، سنن النسائي 7: 26.

(4) رسائل الشريف المرتضى 1: 246.

(5) السرائر 3: 59.

(6) تحرير الأحكام 2: 109.

(7) في «ق» و الحجريّتين: تقاربهما.

19

..........

____________

على أهله ما عليه من الكفّارة؟ فأجابه: يصوم يوما بدل يوم، و تحرير رقبة مؤمنة» (1). و مثله عن ابن مهزيار (2) أنه كتب إليه يسأله عن ذلك. و هذا هو الموجب لجزم المصنّف بحكم المفطر و تردّده في غيره. لكن في طريق الروايتين محمد بن عيسى، و المسؤول فيهما غير مذكور و إن كان الظاهر أنه الإمام.

لا يقال: الخبر (3) الأول صحيح فيكون مقدّما على الحسن و الضعيف لو عملنا بالجميع، كيف و الحسن لا يشتمل رواية على وصف العدالة التي هي شرط في الراوي؟ فيكون العمل بالصحيح متعيّنا لذلك.

لأنّا نقول: الخبر الأول و إن كان قد وصفه بالصحّة جماعة من المحقّقين- كالعلّامة (4) و ولده (5) و الشهيد (6) في الشرح- إلا أن فيه منعا بيّنا، لأن عبد الملك بن عمرو لم ينصّ أحد عليه بالتعديل، و إنما هو ممدوح مدحا بعيدا عن التعديل، و لم يذكره النجاشي و لا الشيخ في كتابيه. و ذكره العلّامة (7)، و نقل عن الكشّي أن الصادق (عليه السلام) قال له: «إنه يدعو له حتى إنه يدعو لدابّته». و هذا غايته أن

____________

(1) التهذيب 4: 286 ح 865، الاستبصار 2: 125 ح 406، الوسائل 7: 277 ب «7» من أبواب بقيّة الصوم الواجب ح 3.

(2) الكافي 7: 456 ح 12، التهذيب 4: 286 ح 866، الاستبصار 2: 125 ح 407، الوسائل الباب المتقدّم ح 1.

(3) المذكور في ص: 17، هامش (5).

(4) المختلف: 664.

(5) إيضاح الفوائد 4: 78.

(6) غاية المراد: 261.

(7) رجال العلّامة الحلي: 115 رقم (7)، و انظر اختيار معرفة الرجال: 389 رقم 730.

20

..........

____________

يقتضي المدح لا التوثيق، مع أن الرواية [الأولى] (1) منقولة عنه. و مثل هذا لا يثبت به حكم، و غايته أن يكون من الحسن. و الأولى أن يريدوا بصحّتها توثيق الرجال إسنادها إلى عبد الملك المذكور، و هي صحّة إضافيّة مستعملة في اصطلاحهم كثيرا. و حينئذ فلا يترجّح على الروايات الأخر، بل يمكن ترجيح تلك بوجوه:

ألف: إن حسنة الحلبي في ذلك الجانب من أعلى مراتب الحسن، لأن حسنها باعتبار دخول إبراهيم بن هاشم في طريقها، و هو من الأجلّاء الأعيان كما ذكرناه غير مرّة، بخلاف تلك الرواية، فإن الظاهر أنها لا تلحق أدنى مراتب الحسن فضلا عمّا فوقه، فكانت تلك أرجح على كلّ حال، فيكون العمل بمضمونها أولى.

ب: تأيّدها برواية حفص بن غياث (2)، و هو و إن كان عاميّا إلا أن الشيخ (3) قال: إن كتابه معتمد عليه.

ج: اتّفاق روايات العامّة التي صحّحوها (4) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و هي و إن لم تكن حجّة إلا أنها لا تقصر عن أن تكون مرجّحة.

د: تأيّدها بصحيحة عليّ بن مهزيار قال: «كتب بندار مولى إدريس: يا سيّدي إني نذرت أن أصوم كلّ سبت، و إن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفّارة؟

____________

(1) من «ط، و» و الحجريّتين.

(2) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 18، هامش (2).

(3) الفهرست: 61 رقم (232).

(4) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 18، هامش (3).

21

..........

____________

فكتب و قرأته: لا تتركه إلا من علّة، و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلا أن يكون نويت ذلك، و إن كنت أفطرت فيه من غير علّة فتصدّق بقدر كلّ يوم على سبعة مساكين» (1). و بمثله عبّر الصدوق في المقنع (2)، إلّا أنه قال بدل «سبعة»:

عشرة، فيكون بعض أفراد كفّارة اليمين. و لعلّ السبعة وقعت سهوا في نسخة التهذيب، و يؤيّده رواية الصدوق لها على الصحيح، فقال في المقنع: «و إن نذر الرجل أن يصوم كلّ يوم سبت أو أحد أو سائر الأيام فليس عليه أن يتركه إلا من علّة، و ليس عليه صومه في سفر و لا مرض إلّا أن يكون نوى ذلك، فإن أفطر من غير علّة تصدّق مكان كلّ يوم على عشرة مساكين» (3). هكذا عبّر الصدوق، و هو عندي بخطّه الشريف، و هو لفظ الرواية، و يكون اقتصاره على إحدى خصال كفّارة اليمين كاقتصار رواية إفطار المنذور في مكاتبة (4) الصيقل على تحرير رقبة من خصال كفّارة رمضان.

ه: إن الحكم في هذه الأخبار وقع بطريق القطع، و في الخبر السابق ما يظهر منه رائحة التردّد، لقوله: «قال: و لا أعلمه إلّا قال كذا» و هو يشعر بتردّد الراوي في مقول الامام، و إن كان قد أتى بلفظ العلم الدالّ على الجزم، إلّا أن قرينة المقام تقتضي أن يريد بالعلم هنا معناه الأعمّ، و هو مطلق الرجحان و إن لم يمنع من النقيض، فيجامع الظنّ، إذ لو أراد العلم القطعي لقال ابتداء: «قال: فليعتق

____________

(1) الكافي 7: 456 ح 10، التهذيب 4: 286 ح 867، الاستبصار 2: 125 ح 408، الوسائل 7: 277 ب «7» من أبواب بقيّة الصوم الواجب ح 4.

(2) المقنع: 137.

(3) المقنع: 137.

(4) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 19، هامش (1).

22

..........

____________

رقبة. إلخ» و هو واضح.

و الشيخ (1) جمع بين الأخبار بحمل الخبر الأول على المتمكّن من إحدى الخصال الثلاث، و الأخبار المتضمّنة لكفّارة اليمين على من عجز عن ذلك.

و استدلّ عليه بصحيحة جميل بن صالح عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) أنه قال: «كلّ من عجز عن نذر نذره فكفّارته كفّارة يمين» (2). و هو قول رابع في المسألة.

و لسلّار (3) و الكراجكي (4) قول خامس أنها كفّارة ظهار. و هو يقتضي كونها مرتّبة. و فيها أقوال أخر نادرة.

و أما خلف العهد فأصحاب القول الأول في النذر ألحقوه به، لرواية عليّ بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «أنه سأله في رجل عاهد اللّه في غير معصية ما عليه إن لم يف بعهد اللّه؟ قال: يعتق رقبة، أو يتصدّق بصدقة، أو يصوم شهرين متتابعين» (5). و الظاهر أن المراد بالصدقة إطعام ستّين [مسكينا] (6)، لرواية أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) أنه قال: «من جعل عليه عهد اللّه و ميثاقه في أمر فيه للّه طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين

____________

(1) التهذيب 8: 306 ذيل ح 1136، الاستبصار 4: 55 ذيل ح 194.

(2) الكافي 7: 457 ح 17، التهذيب 8: 306 ح 1137، الاستبصار 4: 55 ح 192، الوسائل 15:

575 ب «23» من أبواب الكفّارات ح 5.

(3) المراسم: 187، و طبع خطأ: و كفّارة خلف النذر و كفّارة الظهار، و الواو الثانية زائدة.

(4) حكاه عنه الشهيد في غاية المراد: 261.

(5) التهذيب 8: 309 ح 1148، الاستبصار 4: 55 ح 189، الوسائل 15: 576 ب «24» من أبواب الكفّارات.

(6) من «م» و الحجريّتين.

23

..........

____________

أو إطعام ستّين مسكينا» (1). و هاتان الروايتان [1] ضعيفتا الإسناد، إلّا أنه لا معارض لهما.

و المفيد (3) جعلها ككفّارة قتل الخطأ. و لم نقف على مستنده.

و اضطرب كلام العلّامة في كلّ واحد من القواعد و الإرشاد، فأفتى في القواعد (4) أولا بأن كفّارة خلف العهد كبيرة مخيّرة مطلقا، ثمَّ أفتى في موضع (5) آخر من باب الكفّارات بأنها كفّارة يمين مطلقا. و في الإرشاد (6) أفتى أولا بالتفصيل في العهد كالنذر، فإن كان صوما فأفطره فكفّارة رمضان و إلّا فكفّارة يمين، ثمَّ بعد ذلك أفتى بأنها كفّارة يمين مطلقا.

و لا يخفى أن المصير إلى التفصيل في النذر إنما هو لاختلاف الروايات و للتوصّل إلى الجمع بينها، و الأمر في العهد ليس كذلك، بل إما أن يحكم فيه بالكبيرة المخيّرة نظرا إلى ما ذكرناه من الروايات الخاصّة فيه، و إما أن يجعل فيه كفّارة يمين التفاتا إلى ضعفها و كونه كاليمين في الالتزام (7)، و لأصالة البراءة من الزائد.

ثمَّ عد إلى عبارة المصنّف. و اعلم أن قوله: «و كذا كفّارة الحنث في العهد،

____________

[1] في هامش «و، ق»: «في طريق الاولى محمد بن أحمد، و هو مجهول، و في طريق الثانية إسماعيل مطلق، و حفص بن عمر و أبوه مجهولان. منه (قدّس سرّه)».

____________

(1) التهذيب 8: 315 ح 1170، الاستبصار 4: 54 ح 187، الوسائل الباب المتقدّم ح 2.

(3) المقنعة: 569.

(4) قواعد الأحكام 2: 144.

(5) قواعد الأحكام 2: 150.

(6) إرشاد الأذهان 2: 97 و 100.

(7) في «و»: الإلزام.

24

و ما يحصل فيه (1) الأمران كفّارة اليمين. و هي: عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن عجز صام ثلاثة أيّام.

و كفّارة الجمع (2) هي: كفّارة قتل المؤمن عمدا ظلما. و هي: عتق رقبة، و صوم شهرين متتابعين، و إطعام ستّين مسكينا.

____________

و في النذر على التردّد» يقتضي إيجاب الكفّارة المخيّرة في خلف العهد و النذر مطلقا، كما في حكمه إذا كان صوما فأفطره، لكن في الإفطار بجزم و في باقي أفراد النذر و مطلق العهد على تردّد. و قوله بعد ذلك: «و الواجب في كلّ واحدة عتق رقبة- إلى قوله- على الأظهر» يقتضي العود إلى ترجيح وجوب الكفّارة المخيّرة في الجميع بعد التردّد، و هو نظير ما يتّفق في قوله: فيه تردّد أظهره كذا.

قوله: «و ما يحصل فيه. إلخ».

(1) أي: يجتمع فيها (1) التخيير و الترتيب. فالأول في الخصال الثلاث الأول، و الثاني في الصيام، فإنه مرتّب على العجز عن الثلاث السابقة.

و الحكم في هذه الكفّارة محلّ وفاق بين المسلمين، من حيث إنها منصوصة (2) في القرآن.

قوله: «و كفّارة الجمع .. إلخ».

(2) المراد بالمؤمن هنا المسلم و من بحكمه، كولده الصغير و المجنون، و لا فرق فيه بين الذكر و الأنثى، و الحرّ و العبد. و يشترط كون القتل مباشرة لا تسبيبا، كما سيأتي في بابه إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) في الحجريّتين: فيه.

(2) المائدة: 89.

25

[المقصد الثاني في: ما اختلف فيه]

المقصد الثاني في: ما اختلف فيه.

و هي سبع:

[الاولى: من حلف بالبراءة فعليه كفّارة ظهار]

الاولى: من حلف (1) بالبراءة فعليه كفّارة ظهار، فإن عجز فكفّارة يمين. و قيل: يأثم و لا كفّارة. و هو أشبه.

____________

قوله: «من حلف .. إلخ».

(1) لا خلاف في تحريم الحلف بالبراءة من اللّه أو من رسوله أو من الأئمّة (عليهم السلام). و قد روي أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سمع رجلا يقول: أنا برئ من دين محمد، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «ويلك أ برئت من دين محمد! فعلى دين من تكون؟ قال: فما كلّمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتى مات» (1). و عن يونس بن ظبيان قال: «قال لي: يا يونس لا تحلف بالبراءة منّا، فإنّه من حلف بالبراءة منّا صادقا أو كاذبا فقد برئ منّا» (2).

و اختلف في أنه هل تجب بذلك كفّارة أم لا؟ فذهب الشيخان (3) و جماعة (4) إلى وجوب كفّارة ظهار، فإن عجز فكفّارة يمين. و هو الذي نقله المصنّف. و قال ابن حمزة (5): يلزمه كفّارة النذر. و قال الصدوق (6): إنه يصوم ثلاثة أيّام، و يتصدّق على عشرة مساكين.

____________

(1) الكافي 7: 438 ح 1، الفقيه 3: 234 ح 1107، التهذيب 8: 284 ح 1041، الوسائل 16: 125 ب «7» من أبواب تحريم الحلف بالبراءة من اللّه و رسوله صادقا ح 1.

(2) الكافي 7: 438 ح 2، الفقيه 3: 236 ح 1114، التهذيب 8: 284 ح 1042، الوسائل الباب المتقدّم ح 2.

(3) المقنعة: 558- 559 و لم يذكر كفّارة اليمين، النهاية: 570.

(4) راجع المهذّب 2: 421، المراسم: 185 و لم يذكر كفّارة اليمين.

(5) الوسيلة: 349.

(6) المقنع: 136- 137.

26

..........

____________

و الكلّ ضعيف لا يرجع إلى مستند صالح، فلذلك اختار المصنّف أنه يأثم و لا كفّارة. و لكن روى محمد بن يحيى في الصحيح قال: «كتب محمد بن الحسن الصفّار إلى أبي محمد العسكري (عليه السلام): رجل حلف بالبراءة من اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فحنث ما توبته و كفّارته؟ فوقّع (عليه السلام): يطعم عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ و يستغفر اللّه عزّ و جلّ» (1). و بمضمونها أفتى في المختلف (2). و لا بأس بالعمل بمضمونها لصحّتها.

و قال المصنّف في نكت النهاية: «الحقّ عندي أنه لا كفّارة في شيء من ذلك، لأن ما ذكره الشيخان لم يثبت، و ما تضمّنته الرواية نادر، فلا تنهض المكاتبة بالحجّة، لما يتطرّق إليها من الاحتمال» (3).

و اعلم أن ظاهر عبارة المصنّف ترتّب الكفّارة على مجرّد التلفّظ بذلك و إن لم يخالف. و هو الذي يقتضيه إطلاق الشيخ (4) و القاضي (5) و الصدوق (6) و جماعة (7).

و المفيد (8) صرّح بترتّبها على المخالفة، و كذلك في المختلف (9)، استنادا إلى ما دلّت عليه المكاتبة المذكورة. و هذا أقوى، وقوفا فيما خالف الأصل على مورد

____________

(1) الكافي 7: 461 ح 7، الفقيه 3: 237 ح 1127، التهذيب 8: 299 ح 1108، الوسائل 15: 572 ب «20» من أبواب الكفّارات ح 1.

(2) المختلف: 649.

(3) نكت النهاية 3: 65.

(4) النهاية: 570.

(5) المهذّب 2: 421.

(6) المقنع: 136- 137.

(7) راجع اللمعة الدمشقيّة: 47.

(8) المقنعة: 558- 559.

(9) المختلف: 649.

27

[الثانية: في جزّ المرأة شعرها في المصاب]

الثانية: في جزّ المرأة (1) شعرها في المصاب: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكينا. و قيل: مثل كفّارة الظهار.

و الأول مروي. و قيل: تأثم و لا كفّارة، استضعافا للرواية و تمسّكا بالأصل.

____________

النصّ.

قوله: «في جزّ المرأة. إلخ».

(1) القول الأول لابن البرّاج (1)، استنادا إلى رواية خالد بن سدير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا خدشت المرأة وجهها، أو جزّت شعرها، أو نتفته، ففي جزّ الشعر: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكينا» (2).

و المفهوم من «في» الإيجاب مثل: في أربعين شاة شاة، و: في النفس المؤمنة مائة من الإبل، لأنها للسببيّة. و إنكار بعضهم إفادتها ذلك مردود. نعم، طريق الرواية ضعيف، فإن خالد بن سدير غير موثّق، و قد قال الصدوق [1]: إن كتابه موضوع، و في طريقه أيضا محمد بن عيسى، و هو ضعيف.

و القول بوجوب كفّارة الظهار لسلّار (4) و ابن إدريس (5)، و أسنده إلى ما رواه بعض الأصحاب. و هو مستند واه، فلذلك قال المصنّف: إنه (6) تأثم و لا كفّارة، تمسّكا بالأصل و استضعافا للحكم الناقل عنه. و هذا هو الأقوى.

و اعلم أن الكفّارة على تقدير وجوبها مترتّبة على جزّه في المصاب،

____________

[1] انظر الفهرست للطوسي: 66، رقم (259) و فيه: خالد بن عبد اللّه بن سدير، و في مصادر الحديث:

خالد بن سدير أخو حنان بن سدير.

____________

(1) المهذّب 2: 424.

(2) التهذيب 8: 325 ح 1207، الوسائل 15: 583 ب «31» من أبواب الكفّارات.

(4) المراسم: 187.

(5) السرائر 3: 78.

(6) كذا في النسخ الخطّية، و لعلّ الصحيح: أنها.

28

[الثالثة: تجب على المرأة في نتف شعرها في المصاب، كفارة يمين]

الثالثة: تجب على المرأة (1) في نتف شعرها في المصاب، و خدش وجهها، و شقّ الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته، كفّارة يمين.

____________

و المفهوم منه جزّ جميعه. و المراد من الجزّ القصّ، فلا يلحق به النتف و لا الإحراق و لا القرض بالسنّ. و يحتمل قويّا إلحاق الحلق. و لا يلحق جزّه في غير المصاب به على الأقوى. و أولويّة دخوله ممنوعة، لجواز اختصاص المصاب بما فيه من إشعار السخط بقضاء اللّه تعالى. و ظاهر الرواية وقوع ذلك منها مباشرة، فلو تسبّبت به ففي إلحاقه نظر أقربه العدم، وقوفا فيما خالف الأصل على موضع اليقين. و لو فعلت ذلك لحاجة فلا شيء إجماعا.

قوله: «تجب على المرأة .. إلخ».

(1) لم ينقل المصنّف في ذلك خلافا مع أنه صدّر المقصد بالمواضع المختلف فيها. و الوجه في ذلك عدم ظهور مخالف في أكثرها، مع ضعف المستند في الجميع، فإن (1) الرواية (2) السابقة عن خالد بن سدير بطريق محمد بن عيسى قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل شقّ ثوبه على أخيه أو على أمّه أو على أخته أو على قريب له، قال: لا بأس بشقّ الجيوب، فقد شقّ موسى بن عمران جيبه على أخيه هارون (عليهما السلام). و لا يشقّ الوالد على ولده، و لا زوج على امرأته، و تشقّ المرأة على زوجها، و إذا شقّ زوج على امرأته أو والد على ولده فكفّارته حنث يمين، و لا صلاة لهما حتى يكفّرا و يتوبا من ذلك. و إذا خدشت المرأة وجهها، أو جزّت شعرها، أو نتفته، ففي جزّ الشعر: عتق رقبة، أو صيام

____________

(1) في «ق، د، ط»: فإنه.

(2) تقدّم ذكر مصادرها في الصفحة السابقة، هامش (2).

29

..........

____________

شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكينا. و في خدش الوجه إذا أدمت، و في النتف كفّارة حنث يمين. و لا شيء في لطم الخدود سوى الاستغفار و التوبة، و لقد شققن و لطمن الخدود الفاطميّات على فقد الحسين (عليه السلام)، و على مثله تلطم الخدود و تشقّ الجيوب». و قد عرفت حال الرواية.

و اعلم أن الكلام في نتف الجميع أو البعض كالكلام في الجزّ. و المراد من الشعر هنا شعر الرأس، لأنه المفهوم منه عرفا. و المراد بخدش الوجه قطع شيء من جلده و إن لم يبلغ حدّ الخارصة. و في الرواية تقييد بكونه مدميا، و الفتاوى مطلقة، بل صرّح بعضهم (1) بعدم اعتباره، و هو مطالب بالمستند (2)، و لعلّه يعتمد على ما يظهر من الإجماع لا على الفتوى مجرّدة. و لا يلحق به اللّطم من غير خدش، و لا خدش غير الوجه من سائر الجسد. و لا يتعدّى الحكم إلى الرجل، كما أن حكم شقّ الثوب لموت الولد و الزوجة مخصوص به، فلا تجب على المرأة بشقّه مطلقا، و إن كان محرّما على الجميع، لما فيه من إضاعة المال. و يدخل في الولد الذكر و الأنثى و إن نزل، لا ولد الأنثى على الأقوى. و لا كفّارة بشقّه على غيرهما من الأقارب مطلقا و إن حرم. و روي جوازه على الأب و الأخ. و لا تلحق أمّ الولد و السريّة بالزوجة. نعم، يلحق المتمتّع بها و المطلّقة رجعيّا، و المعتبر مسمّى الشقّ لمسمّى الثوب.

____________

(1) تحرير الأحكام 2: 109.

(2) في «ط»: بالمعتمد.

30

[الرابعة: كفّارة [الوطء (1) في] الحيض مع التعمّد]

الرابعة: كفّارة [الوطء (1) في] الحيض مع التعمّد و العلم بالتحريم و التمكّن من التكفير، قيل: تستحب، و قيل: تجب، و هو الأحوط.

____________

قوله: «كفّارة الوطء. إلخ».

(1) القول بالوجوب للشيخين (1) و المرتضى (2) و ابن إدريس (3) و جماعة (4)، استنادا إلى روايات مختلفة التقدير ضعيفة الإسناد، و أشهرها رواية داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في كفّارة الطمث أنه: «يتصدّق إذا كان في أوّله بدينار، و في أوسطه بنصف دينار، و في آخره بربع دينار. قلت: فإن لم يكن عنده ما يكفّر؟ قال: فليتصدّق على مسكين واحد و إلّا استغفر اللّه و لا يعود، فإن الاستغفار توبة و كفّارة لمن لم يجد السبيل إلى شيء من الكفّارة» (5). و في طريقها ضعف و إرسال.

و القول بالاستحباب للشيخ أيضا في النهاية (6) و أكثر المتأخّرين (7). و هو الأقوى، للأصل، و صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«سألته عن رجل واقع امرأته و هي طامث، قال: لا يلتمس فعل ذلك قد نهى اللّه أن

____________

(1) المقنعة: 55 و 569، النهاية: 571.

(2) الانتصار: 33.

(3) السرائر 1: 144، 3: 76.

(4) راجع المقنع: 16، فقه القرآن 1: 54، المراسم: 43- 44، المهذّب 2: 423.

(5) التهذيب 1: 164 ح 471، الاستبصار 1: 134 ح 459، الوسائل 2: 574 ب «28» من أبواب الحيض ح 1.

(6) النهاية: 26.

(7) راجع كشف الرموز 2: 261، قواعد الأحكام 1: 15، تحرير الأحكام 1: 15، إيضاح الفوائد 1:

55- 56.

31

و لو وطئ (1) أمته حائضا كفّر بثلاثة أمداد من طعام.

____________

يقربها. قلت: فإن فعل أ عليه الكفّارة؟ قال: لا أعلم فيه شيئا، يستغفر اللّه» (1).

و غيرها من الأخبار (2). و العجب من ذهاب المرتضى و ابن إدريس إلى الوجوب مع عدم عملهما بخبر الواحد الصحيح فضلا عن الضعيف، و لكنّهما استندا إلى ما فهماه من كونه إجماعا نظرا إلى العلم بنسب المخالف، و هو مشترك الإلزام.

و الأصحّ الاستحباب، للتسامح في أدلّة السنن. و مقدارها بحسب أوقات الحيض مقرّر في بابه (3).

و احترز بقوله: «مع التعمّد و العلم» عن الجاهل و الناسي، فلا شيء عليهما مطلقا. و الحكم مختصّ بالرجل، فلا كفّارة على المرأة مطلقا.

قوله: «و لو وطئ. إلخ».

(1) هذا متفرّع على السابق، فمن نفى الوجوب في وطء الزوجة نفاه هنا، و من أثبته أثبته. ثمَّ اختلفوا هنا، فالشيخ في النهاية (4) و ابن بابويه (5) على الوجوب بما ذكره، و كذلك المرتضى (6) مدّعيا الإجماع، و الباقون على الاستحباب، و هو أقوى، تمسّكا بالبراءة الأصليّة، و استضعافا لمستند الحكم، و تساهلا بأدلّة السنن.

____________

(1) التهذيب 1: 164 ح 472، الاستبصار 1: 134 ح 460، الوسائل 2: 576 ب «29» من أبواب الحيض ح 1.

(2) لاحظ الوسائل 2: 576 ب «29» من أبواب الحيض.

(3) في ج 1: 64.

(4) النهاية: 571- 572.

(5) المقنع: 16.

(6) الانتصار: 165.

32

[الخامسة: من تزوّج امرأة في عدّتها]

الخامسة: من تزوّج (1) امرأة في عدّتها فارق و كفّر بخمسة أصوع من دقيق. و في وجوبها خلاف، و الاستحباب أشبه.

____________

قوله: «من تزوّج. إلخ».

(1) القول بوجوب هذه الكفّارة للشيخ في النهاية (1) ظاهرا، و لابن حمزة (2) صريحا، و كذلك العلّامة في القواعد (3) و التحرير (4)، و ولده في الشرح (5)، و المستند رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة تزوّجها رجل فوجد لها زوجا، قال: عليه الحدّ و عليها الرجم، لأنه قد تقدّم بعلم و تقدّمت هي بعلم، و كفّارته إن لم يقدّم إلى الامام أن يتصدّق بخمسة أصوع دقيقا» (6). و روى الصدوق عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة و لها زوج فقال: «إذا لم يرفع خبره إلى الامام فعليه أن يتصدّق بخمسة أصوع دقيقا بعد أن يفارقها» (7). و المفهوم من «عليه» الوجوب. و حملوا المعتدّة على ذات البعل، أما في العدّة الرجعيّة فظاهر، و أما في البائن فلعدم فرق الأصحاب بين العدّتين، فالفرق إحداث قول ثالث. و لا يخفى عليك ضعف هذا الاستدلال، و عدم المانع من إحداث مثل هذا القول الثالث لمن يعتمد مثل هذه الرواية، لأن قول المعصوم ليس بمتحقّق في أحد القولين، و من الجائز كونه قائلا بخلاف قولهما، كما لا

____________

(1) النهاية: 572.

(2) الوسيلة: 354.

(3) قواعد الأحكام 2: 144.

(4) تحرير الأحكام 2: 109.

(5) إيضاح الفوائد 4: 83.

(6) الكافي 7: 193 ح 3 و فيه: تقدّم بغير علم، التهذيب 10: 21 ح 62، الاستبصار 4: 209 ح 781، الوسائل 18: 397 ب «27» من أبواب حدّ الزنا ح 5.

(7) الفقيه 3: 301 ح 1440.

33

[السادسة: من نام عن العشاء حتى جاوز نصف الليل]

السادسة: من نام عن العشاء (1) حتى جاوز نصف الليل أصبح صائما، على رواية فيها ضعف، و لعلّ الاستحباب أشبه.

____________

يخفى على المنصف.

ثمَّ في الرواية ضعف باشتراك أبي بصير بين جماعة منهم الثقة و الضعيف، و في طريقها أيضا إسماعيل بن مرار و حاله مجهول.

ثمَّ فرض المسألة في المعتدّة دون المزوّجة مع ورود النصّ فيها ليس بجيّد، و إن تمَّ الحمل لا وجه لجعل الفرع أصلا، و من ثمَّ أنكر ابن إدريس (1) الوجوب، و كذلك المصنّف، عملا بالأصل. و هو أقوى. نعم، لا بأس بالاستحباب لما ذكرناه، مع أن الرواية لا تدلّ على الوجوب، لعدم لفظ الأمر و معناه.

و اعلم أن الأصوع بإسكان الصاد و ضمّ الواو، أو بالهمزة المضمومة مكان الواو، أما أصيع بلا واو و لا همزة فهو لحن، و ما وجد في الرواية و نهاية الشيخ بغير همز و لا واو فذلك بحسب صورة الخطّ لكنّها مهموزة كما هو أحد لغاتها، و الكتابة واحدة، و بواسطة ذلك اشتبه الحال على ابن إدريس (2) فأورد على الشيخ السهو في الخطّ، و ليس كذلك، قال الشهيد: «وجدته بخطّ الشيخ بيده في النهاية كذلك، و عليه همزة إيذانا بأنها مهموزة» (3).

قوله: «من نام عن العشاء. إلخ».

(1) القول بوجوب ذلك للمرتضى (4) مدّعيا الإجماع، و للشيخ (5) في النهاية، استنادا إلى رواية عبد اللّه بن المغيرة عمّن حدّثه عن الصادق (عليه السلام) في رجل

____________

(1) السرائر 3: 77.

(2) السرائر 3: 77.

(3) غاية المراد: 263.

(4) الانتصار: 165.

(5) النهاية: 572.

34

[السابعة: من نذر صوم يوم فعجز عنه]

السابعة: من نذر صوم يوم (1) فعجز عنه أطعم مسكينا مدّين، فإن عجز تصدّق بما استطاع، فإن عجز استغفر اللّه.

و ربما أنكر ذلك قوم بناء على سقوط النذر مع تحقّق العجز.

____________

نام عن العتمة و لم يقم إلّا بعد انتصاف الليل قال: «يصلّيها و يصبح صائما» (1).

و الإجماع ممنوع، و الرواية مرسلة، و مع ذلك لا تدلّ على الوجوب، إذ لا أمر، و لا يلزم من عطفه على الصلاة الواجبة وجوبه. و الأصحّ الاستحباب كما اختاره المصنّف.

قوله: «من نذر صوم يوم. إلخ».

(1) هذا قول الشيخ (2) و تبعه عليه جماعة منهم المصنّف و العلّامة (3) في بعض كتبه. و المستند رواية إسحاق بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) في رجل يجعل عليه صياما في نذر و لا يقوى قال: «يعطي من يصوم عنه كلّ يوم مدّين» (4). و في بعض (5) الروايات مدّ. و الجميع مشترك في ضعف السند و القصور في الدلالة على المدّعى، إذ ليس فيها ما يدلّ على الأمر المفيد للوجوب، و لا على وجوب الصدقة بما استطاع على تقدير العجز عن المدّين أو المدّ، و مع ذلك يخالف الأصول المقرّرة من أن العجز عن المنذور يوجب سقوطه بغير كفّارة. فالقول بالاستحباب أجود.

____________

(1) الكافي 3: 295 ح 11، التهذيب 8: 328 ح 1200، الوسائل 3: 157 ب «29» من أبواب المواقيت ح 8.

(2) النهاية: 571.

(3) تبصرة المتعلّمين: 160.

(4) الكافي 7: 457 ح 15، الفقيه 3: 235 ح 1111، التهذيب 8: 306 ح 1138، الوسائل 16: 195 ب «12» من كتاب النذر و العهد ح 1.

(5) الكافي 4: 143 ح 2، الفقيه 2: 99 ح 442، التهذيب 4: 313 ح 946، الوسائل 7: 286 ب «15» من أبواب بقيّة الصوم الواجب ح 2.

35

[المقصد الثالث: في خصال الكفّارة]

المقصد الثالث: في خصال الكفّارة. (1)

و هي: العتق، (2) و الإطعام، و الصيام،

[القول في العتق]

القول في العتق و يتعيّن على الواجد في الكفّارات المرتّبة.

و يتحقّق الوجدان بملك الرقبة، و ملك الثمن مع إمكان الابتياع.

[و يعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف]

و يعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف:

____________

قوله: «في خصال الكفّارة .. إلخ».

(1) اللام في الكفّارة إما للمعهود الذكري، و هي المذكورة (1) سابقا الموجبة للخصال الثلاث على الترتيب ككفّارة الظهار، أو هي خاصّة بقرينة ذكر الترتيب في أوّل (2) البحث عن كلّ خصلة، و أحكام المخيّرة و كفّارة الجمع يستفاد ممّا يذكر في المرتّبة. و أما الكسوة فإنها و إن كانت من خصال الكفّارة إلّا أنها مختصّة بكفّارة اليمين، فأدرجها في آخر (3) بحث الإطعام. و إنما خصّ البحث بالمرتّبة لأنها المعقود لأجلها الكلام و المستطرد بسببها باقي الأقسام، و هي كفّارة الظهار، و إلّا ففي الكفّارات ما لا تجتمع فيه الخصال مطلقا، و فيها ما لا عتق فيه كما لا يخفى.

قوله: «في العتق .. إلخ».

(2) حكم الشارع على من وجب عليه الكفّارة بالعتق مرتّب على وجودها بالفعل أو بالقوّة، كما ينبّه عليه قوله تعالى- بعد قوله فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ-:

____________

(1) في ص: 7.

(2) كما هنا و لاحظ ص: 80 و 91.

(3) في ص: 102.

36

[الوصف الأول: الايمان]

الوصف الأول: الايمان. (1)

و هو معتبر في كفّارة القتل إجماعا، و في غيرها على التردّد، و الأشبه اشتراطه. و المراد بالإيمان هنا الإسلام أو حكمه. و يستوي في الإجزاء الذكر و الأنثى، و الصغير و الكبير. و الطفل في حكم المسلم. و يجزي إن كان أبواه مسلمين أو أحدهما و لو حين يولد. و في رواية: لا يجزي في القتل خاصّة إلا البالغ الحنث. و هي حسنة.

____________

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ (1) و الوجدان أعمّ من الملك، لأنه يشمل- لغة و عرفا- من لا يملك الرقبة و لكنّه يقدر على شرائها بما يملكه من الثمن فاضلا عن المستثنيات، كما يعتبر فيها مع وجودها على ملكه أن تكون فاضلة عنها.

و سيأتي (2) تفصيله إن شاء اللّه تعالى.

قوله: «الإيمان. إلخ».

(1) اتّفق العلماء على اشتراط الإيمان في المملوك الذي يعتق عن كفّارة القتل بقوله (3) تعالى في كفّارة قتل الخطأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (4). و حملوا الكفّارة الواجبة في قتل العمد عليه، لاتّحاد جنس السبب و هو القتل.

و اختلفوا في اشتراطه في باقي الكفّارات حيث يجب فيها العتق، فالأكثر على الاشتراط، حملا للمطلق على المقيّد و إن اختلف السبب، على ما يقوله جمع (5) من الأصوليّين. و لرواية سيف بن عميرة عن الصادق (عليه السلام) قال:

____________

(1) المجادلة: 3- 4.

(2) في ص: 80.

(3) في «د» و الحجريّتين: لقوله.

(4) النساء: 92.

(5) انظر العدّة لأبي يعلى الفرّاء 2: 637- 638، التمهيد للكوذاني 2: 180- 181، الإحكام للآمدي 3: 7.

37

..........

____________

«سألته أ يجوز للمسلم أن يعتق مملوكا مشركا؟ قال: لا» (1). و لقوله تعالى وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ (2) و الكافر خبيث، و الكفّارة إنفاق، و النهي يدلّ على الفساد. و لأن الذمّة مشغولة بالعتق يقينا، و بدون المؤمن لا يخرج عن عهدة التكليف يقينا، فلا يجزي في رفع ما وجب باليقين إلا اليقين.

و في الكلّ نظر:

أما الأول فلأن الجمع بين المطلق و المقيّد إنما يجب حيث يحصل التنافي بينهما، و ذلك مع اتّحاد السبب لا مع اختلافه، إذ لا منافاة بين أن يقول الشارع:

أعتق رقبة مؤمنة في كفّارة القتل و لا تجزي الكافرة، و بين قوله في كفّارة الظهار و نحوها: تجزي الكافرة. و القول بوجوب حمل المطلق على المقيّد مع اختلاف السبب قد تبيّن ضعفه في الأصول. و هؤلاء المحقّقون القائلون باشتراط الإيمان مطلقا لا يقولون بذلك القول، و إنما مشوا فيه هنا مع قائله. و رواية سيف ضعيفة السند، و أخصّ من المدّعى.

و أما النهي عن إنفاق الخبيث فالظاهر منه- و هو الذي صرّح به المفسّرون (3)- أنه الرديء من المال يعطى الفقير، و ربما كانت الماليّة في الكافر أكثر منها في المسلم، و الإنفاق لماليّته لا لمعتقده، مع أن مثل هذا لا يطلق عليه

____________

(1) الفقيه 3: 85 ح 310، التهذيب 8: 218 ح 782، الاستبصار 4: 2 ح 1، الوسائل 16: 20 ب «17» من كتاب العتق ح 5.

(2) البقرة: 267.

(3) راجع مجمع البيان 1: 381 ذيل الآية 267 من سورة البقرة، النكت و العيون للماوردي 1: 343، الكشّاف 1: 314.

38

..........

____________

الإنفاق لغة و لا عرفا.

و أما شغل الذمّة بالعتق فيتفرّغ منه بامتثال ما أمر به الشارع، فإذا أمر بتحرير رقبة و أطلق برئت الذمّة بامتثال الأمر كذلك، و لا يراد من الخروج عن عهدة التكليف في هذا و غيره إلا ذلك. نعم، القائلون بالقياس قاسوا على كفّارة القتل غيرها بجامع الكفّارة، و استأنسوا له باشتراط العدالة في الشاهدين من قوله:

وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (1) مع إطلاق قوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ .. وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ (2) و غير ذلك من المطلقات. و مثل هذا لا يجدي عند أصحابنا.

و ذهب جماعة- منهم الشيخ في المبسوط (3) و الخلاف (4) و ابن الجنيد (5)- إلى عدم اشتراط الإيمان في غير كفّارة القتل، للأصل، و عملا بالإطلاق.

إذا تقرّر ذلك فالمراد بالايمان هنا الإسلام و هو الإقرار بالشهادتين، لا معناه الخاصّ و هو التصديق القلبي بهما، لأن ذلك لا يمكن الاطّلاع عليه و إنما التكليف متعلّق بإظهار الشهادتين، و لا معناه الأخصّ و هو اعتقاد الإماميّة، لأن ذلك أمر متأخّر عن الإيمان المعتبر في الكفّارة و اصطلاح خاصّ، و الأصل عدم اشتراطه بعد انصرافه إلى غيره. و ربما قيل باشتراط الايمان الخاصّ، لشبهة أن الإسلام لا يتحقّق بدونه، أو بدلالة النهي عن إنفاق الخبيث

____________

(1) الطلاق: 2.

(2) البقرة: 282.

(3) المبسوط 6: 212.

(4) الخلاف (طبعة كوشانپور) 2: 265 مسألة (27).

(5) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 667.

39

..........

____________

عليه. و ضعفهما واضح. و لا فرق بين الصغير و الكبير في ذلك، و لا بين الذكر و الأنثى، عملا بالعموم (1). و يتحقّق الإسلام في الصغير بالتبعيّة لأبويه أو أحدهما، و من ثمَّ يقتل به المسلم. و لا فرق في تبعيّته لهما بين كونهما مسلمين حين يولد و بعده، و لا بين موته قبل أن يبلغ و يعزب (2) عن الإسلام و بعده عندنا. و للعامّة (3) في هذا اختلاف.

و الرواية التي أشار إليها بعدم إجزاء الصغير في كفّارة القتل رواها معمر بن يحيى في الحسن عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يظاهر من امرأته يجوز عتق المولود في الكفّارة؟ فقال: كلّ العتق يجوز فيه المولود إلّا في كفّارة القتل، فإن اللّه تعالى يقول فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يعني بذلك: مقرّة قد بلغت الحنث» (4). و مثله روى الحسين بن سعيد (5) عن رجاله عن الصادق (عليه السلام).

و بمضمونها عمل ابن الجنيد (6). و هو قول موجّه، إلا أن المختار الأول، للحوق أحكام الإيمان به و الارتداد بعد بلوغه و لو لم يسبق تلفّظه (7) بالشهادة بعد

____________

(1) النساء: 92.

(2) في «ق» و الحجريّتين: و يعرب.

(3) راجع روضة الطالبين 4: 496 و 6: 255- 256.

(4) نوادر أحمد بن محمد بن عيسى: 67 ح 139، تفسير العيّاشي 1: 263 ح 219، الكافي 7: 462 ح 15، الوسائل 15: 556 ب (7) من أبواب الكفّارات، ذيل ح 6، و الآية في سورة النساء: 92.

(5) التهذيب 8: 320 ح 1187، الوسائل 15: 556 ب (7) من أبواب الكفّارات ح 6.

(6) راجع المختلف: 667، إيضاح الفوائد 4: 86.

(7) في «ط، و»: بلفظه، و في الحجريّتين: بتلفّظه.

40

و لا يجزي الحمل (1) و لو كان أبواه مسلمين، و إن كان بحكم المسلم.

و إذا بلغ المملوك أخرس و أبواه كافران، فأسلم بالإشارة، حكم بإسلامه و أجزأ.

و لا يفتقر مع وصف الإسلام في الإجزاء إلى الصلاة. و يكفي في الإسلام الإقرار بالشهادتين. و لا يشترط التبرّي ممّا عدا الإسلام.

____________

البلوغ فيكون حقيقة، و لقوله تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمٰانٍ أَلْحَقْنٰا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ مٰا أَلَتْنٰاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (1) أي: ألحقنا بهم ذرّيّاتهم في الإيمان، فدلّ على أنهم مؤمنون، و لدخوله في الوصيّة للمؤمنين و لو لا الحقيقة لما دخل. و هذه الأدلّة لا تخلو من شيء.

قوله: «و لا يجزي الحمل .. إلخ».

(1) هنا مسائل:

ألف: يعتبر في إجزاء الصغير انفصاله حيّا قبل الإعتاق، فلا يجزي الحمل و إن انفصل بعد ذلك حيّا، و لا يكون ذلك كاشفا عن صحّة العتق و لا تمام السبب، و سواء انفصل لما دون ستّة أشهر من حين العتق أم لأكثر، لأن الحمل لا يلحقه حكم الأحياء شرعا، و من ثمَّ لا تجب فطرته و إن كان أبواه مسلمين و كان بحكم المسلم، حتى إن الجاني عليه يضمنه كالمسلم على تقدير موته بعد انفصاله حيّا.

ب: يصحّ إسلام الأخرس بالإشارة المفهمة كما تصحّ عقوده بالإشارة. فإذا كان أبواه كافرين فأسلم بالإشارة المفهمة حكم بإسلامه و أجزأ عتقه. و في حكمه الأعجمي الذي لا يفهم لغته. و روي (2) أن رجلا جاء إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و معه جارية أعجميّة أو خرساء فقال: يا رسول اللّه عليّ عتق

____________

(1) الطور: 21.

(2) راجع تلخيص الحبير 3: 222 ح 1616.

41

..........

____________

رقبة فهل تجزي عنّي هذه؟ فقال لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أين اللّه؟

فأشارت إلى السماء، ثمَّ قال لها: من أنا؟ فأشارت إلى أنه رسول اللّه، فقال له:

أعتقها فإنّها مؤمنة. قيل: و إنما جعلت الإشارة إلى السماء دليلا على إيمانها لأنهم كانوا عبدة الأصنام، فأفهمت بالإشارة البراءة منها، لأن الإله الذي في السماء ليس هو الأصنام، و لا يراد بكونه فيها التحيّز بل على حدّ قوله وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ (1).

و لا يفتقر الأخرس مع إسلامه بالإشارة المفهمة إلى الصلاة، لأنها فرع الإسلام و المعتبر ثبوت أصله، و لما ذكرناه من الأدلّة. و قال بعض العامّة (2): لا يحكم بإسلامه إلّا إذا صلّى بعد الإشارة، لأن الإشارة غير صريحة في الغرض فتؤكّد بالصلاة. و حمله بعضهم (3) على ما إذا لم تكن الإشارة مفهمة.

ج: المعتبر في اتّصافه بالإسلام أن يشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يكتفي بذلك من الأعراب و من يظهر الإسلام. و لا يشترط التبرّي ممّا عدا الإسلام من الملل الباطلة، للأصل، و عدم نقله عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث كان يقبل من الكافر الإسلام.

و اعتبر بعض العامّة (4) ذلك. و فصّل آخرون (5) فقالوا: إن كان الكافر ممّن يعترف بأصل رسالة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، كقوم من اليهود يقولون إنه رسول مبعوث إلى العرب خاصّة، فلا بدّ من هذه الزيادة في حقّه، و إن كان ممّن ينكر أصل الرسالة كالوثني فيكفي لإسلامه الكلمتان. و إنما يعتبر الإقرار بالشهادتين

____________

(1) الزخرف: 84.

(2) حلية العلماء 7: 184، روضة الطالبين 6: 257.

(3) حلية العلماء 7: 184، روضة الطالبين 6: 257.

(4) انظر روضة الطالبين 6: 257.

(5) انظر روضة الطالبين 6: 257.

42

و لا يحكم بإسلام (1) المسبّي من أطفال الكفّار، سواء كان معه أبواه الكافران أو انفرد به السابي المسلم.

____________

معا في حقّ من ينكرهما كالمعطّل و الوثني، فلو كان موحّدا للّه تعالى و هو منكر للرسالة كفى إقراره بها. و في الاكتفاء بها من اليهودي و النصراني وجهان أصحّهما العدم، لأنهما مشركان في التوحيد كما نبّه عليه تعالى بقوله- بعد حكايته عن مقالتهم- تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ [1] و إشراكهم باعتقاد إلهيّة عيسى و العزير. و على تقدير اختصاص هذا الاعتقاد ببعض فرقهم لا وثوق (2) منهم بخلافه، فلا يكتفى منهم بدون الشهادتين.

قوله: «و لا يحكم بإسلام. إلخ».

(1) ما ذكره المصنّف من عدم الحكم بإسلام الطفل المسبي المنفرد عن أبويه الكافرين هو المشهور بين الأصحاب سيّما المتأخّرين، لعدم دليل صالح للحكم بالإسلام، و ثبوت كفره قبل الانفراد عنهما فيستصحب. و قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كلّ مولود يولد على الفطرة، و إنما أبواه يهوّدانه» (3) الحديث لا يدلّ على الحكم بإسلامه على تقدير انفراده، لأنّه قد حكم عليه بالكفر قبل الانفراد، و لا دليل على زوال ذلك. و مجرّد ولادته على الفطرة- لو سلّم كون المراد بها الإسلام المحض- فقد زال ذلك بتبعيّة الأبوين، و ليست التبعيّة علّة في حال

____________

[1] و لكن وصفهم بالإشراك بعد حكاية مقالتهم إنما ورد في الآية 30- 31 من سورة التوبة بقوله تعالى «سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ».

____________

(2) في «د» و الحجريّتين: يوثق.

(3) الفقيه 2: 26 ح 96، علل الشرائع: 376 ب «104» ح 2، الوسائل 11: 96 ب «48» من أبواب جهاد العدوّ ح 3، و انظر مسند الطيالسي: 319 ح 2433، مسند الحميدي 2: 473 ح 1113، مسند أحمد 2: 233، صحيح البخاري 2: 125، سنن الترمذي 4: 447 ح 2138.

43

و لو أسلم المراهق (1) لم يحكم بإسلامه على تردّد. و هل يفرّق بينه و بين أبويه؟ قيل: نعم، صونا له أن يستزلّاه عن عزمه و إن كان بحكم الكافر.

____________

وجودهما خاصّة، بدليل أنهما لو ماتا عنه لم يحكم بإسلامه إجماعا و إن كان في دار الإسلام. و كذا لو آجراه لمسلم مدّة تتّصل بالبلوغ و نحو ذلك.

و قال الشيخ في المبسوط (1) إنه يتبع السابي، محتجّا بأن هذا الطفل لا حكم له بنفسه، و ليس هاهنا غير السابي فيحكم بإسلامه، كما حكم بانتقاله بذلك من الحرّية إلى الرّقية. و اختاره الشهيد في الدروس (2).

و للأصحاب (3) قول آخر أنه يتبعه في الطهارة لا غير، لمكان الحرج.

و تظهر فائدة الخلاف في جواز عتقه عن الكفّارة إن اعتبرنا الإسلام، و في لحوق أحكام المسلمين به من الصلاة عليه و دفنه على تقدير موته قبل البلوغ، و في اشتراط إعرابه (4) بالإسلام بعد البلوغ بغير فصل إن لم نحكم بإسلامه بالتبعيّة.

و الأقوى الحكم بطهارته، و بقاء الشكّ في غيرها من أحكام الإسلام. و قد تقدّم البحث في هذه المسألة مستوفى في كتاب (5) الجهاد.

قوله: «و لو أسلم المراهق. إلخ».

(1) وجه التردّد من ارتفاع القلم عنه الموجب لسلب عبارته و تصرّفاته التي

____________

(1) المبسوط 2: 23.

(2) الدروس الشرعيّة 2: 39.

(3) قواعد الأحكام 1: 105، إيضاح الفوائد 1: 363- 364، حاشية المحقّق الكركي على الشرائع:

298 «مخطوط».

(4) في «ق، م»: اعترافه.

(5) في ج 3: 43.

44

[الوصف الثاني: السلامة من العيوب]

الوصف الثاني: السلامة من العيوب. (1)

فلا يجزي الأعمى، و لا الأجذم، و لا المقعد، و لا المنكّل به، لتحقّق العتق بحصول هذه الأسباب.

و يجزي مع غير ذلك من العيوب، كالأصمّ، و الأخرس، و من قطعت إحدى يديه، أو إحدى رجليه. و لو قطعت رجلاه لم يجز، لتحقّق الإقعاد.

____________

من جملتها الإسلام، و من تمام (1) عقل المميّز، و اعتبار الشارع له في مثل الوصيّة و الصدقة ففي الإسلام أولى، و لأن الإسلام يتعدّى من فعل الأب إليه على تقدير كون أحد أبويه مؤمنا فمباشرته للايمان مع عدم إيمان أبويه أقوى. و الوجه عدم الحكم بإسلامه بذلك (2).

و القول بالتفرقة بينه و بين أبويه حذرا من أن يستزلّاه عمّا عزم عليه من الإسلام حسن. و ينبغي القول بتبعيّته حينئذ للمسلم في الطهارة إن لم نقل بقبول إسلامه، حذرا من الحرج و الضرر اللاحقين بمن يحفظه من المسلمين إلى أن يبلغ، إذ لو بقي محكوما بنجاسته لم يرغب في أخذه، لاقتضائه المباشرة غالبا، و ليس للقائلين بطهارة المسبي دليل أوجبها بخصوصها دون باقي أحكام الإسلام سوى ما ذكرناه و نحوه.

قوله: «السلامة من العيوب .. إلخ».

(1) العيوب الكائنة بالمملوك إن كانت موجبة لعتقه، كالعمى و الجذام و الإقعاد و التنكيل من مولاه، فلا اشتباه في عدم إجزائه في الكفّارة، لسبق الحكم بعتقه

____________

(1) في الحجريّتين: تماميّة.

(2) في «ق، ط»: لذلك.

45

و يجزي ولد الزنا (1). و منعه قوم، استسلافا لوصفه بالكفر، أو لقصوره عن صفة الإيمان. و هو ضعيف.

____________

على إعتاقه لها، و إلا فإن لم تنقص ماليّته و لا تخلّ باكتسابه، كقطع بعض أنامله و نقصان إصبع من أصابعه و نحو ذلك، فلا خلاف في كونه مجزيا. و إن أوجبت نقص الماليّة و أخلّت بالاكتساب و أضرّت به ضررا بيّنا، كقطع اليدين أو إحداهما، فالأظهر عندنا أنه لا يمنع، لعموم قوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (1) الشامل للناقصة و التامّة.

و قال ابن الجنيد (2): لا يجزي الناقص في خلقه ببطلان الجارحة إذا لم يكن في البدن سواها، كالخصيّ و الأصمّ و الأخرس، و إن كان أشلّ من يد واحدة أو أقطع منها جاز.

و قال الشيخ في المبسوط: «فأما مقطوع اليدين و الرجلين، أو اليد و الرجل من جانب واحد، فإنه لا يجزي بلا خلاف» و قال بعد ذلك- و بعد تفصيل مذاهب الناس في ذلك-: «و الذي نقوله في هذا الباب إن الآفات التي ينعتق بها لا يجزي معها، فأما من عدا هؤلاء فالظاهر أنه يجزيه» (3). و هذا موافق لما ذكرناه لكنّه يخالف ما ذكره سابقا.

قوله: «و يجزي ولد الزنا. إلخ».

(1) الأصحّ أن ولد الزنا كغيره من المكلّفين بالنسبة إلى الإسلام و الايمان، فإذا بلغ و أعرب عن نفسه بالشهادتين فهو مسلم، و إلا لزم تكليف ما لا يطاق، فيجزي عتقه عن الكفّارة.

____________

(1) النساء: 92.

(2) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 670.

(3) المبسوط 5: 169، 170.

46

..........

____________

و قال السيّد المرتضى (1): لا يجزي، و استدلّ عليه بإجماع الفرقة، و بقوله تعالى وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ (2) و هو يتناول ولد الزنا. و كذا منع منه ابن الجنيد (3)، محتجّا بالآية.

و جوابه: منع الإجماع و دلالة الآية، فإنه مع إظهار الإسلام لا يعدّ خبيثا، و لو سلّم فعتقه لا يعدّ نفقة كما أسلفناه (4). و روى سعيد بن يسار عن الصادق (عليه السلام): «لا بأس بأن يعتق ولد الزنا» (5) و هو شامل للكفّارة و غيرها.

هذا مع بلوغه و إظهاره الإسلام. أما قبل بلوغه ففي إجزائه نظر، إذ ليس مسلما بنفسه، و لا تابعا فيه لغيره، لانتفائه عن الأبوين شرعا و إن كان ولدا لهما لغة.

و الظاهر عدم إجزائه حينئذ. نعم، هو طاهر إذا كان متولّدا من مسلمين و إن انتفى عنهما، لأصالة الطهارة، و كون النجاسة متوقّفة على الحكم بكفره و لو تبعا و هو منفيّ على الأصحّ. و لو كان متولّدا من كافرين ففي الحكم بنجاسته نظر، من عدم إلحاقه بهما حتى يتبعهما في النجاسة، و من أنه من أجزائهما لغة و إن انتفى شرعا.

و يقوى الاشكال لو تولّد من مسلم و كافر.

____________

(1) الانتصار: 166.

(2) البقرة: 267.

(3) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 669.

(4) في ص: 37- 38.

(5) الكافي 6: 182 ح 2، الفقيه 3: 86 ح 315، التهذيب 8: 227 ح 816، الوسائل 16: 19 ب (16) من أبواب جواز عتق المستضعف ح 1.

47

[الوصف الثالث: أن يكون تامّ الملك]

الوصف الثالث: أن يكون تامّ الملك. (1)

فلا يجزي المدبّر ما لم ينقض تدبيره. و قال في المبسوط و الخلاف:

يجزي. و هو أشبه.

____________

قوله: «أن يكون تامّ الملك .. إلخ».

(1) القول بعدم إجزاء عتق المدبّر ما لم ينقض تدبيره قبل العتق للشيخ في النهاية (1) و تلميذه القاضي (2) و ابن الجنيد (3)، لحسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل يجعل لعبده العتق إن حدث به حدث، و على الرجل تحرير رقبة في كفّارة يمين أو ظهار، أ يجزي عنه أن يعتق عبده ذلك في تلك الرقبة الواجبة؟ قال: لا» (4). و مثله موثّقة عبد الرحمن (5).

و قال الشيخ في كتابي (6) الفروع و ابن إدريس (7) و المتأخّرون (8): يجزي، و يكون عتقه فسخا للتدبير، لأنه بمنزلة الوصيّة يبطلها التصرّف الناقل عن الملك و يقع صحيحا كما مرّ في بابه (9). و هذا هو الأشهر. و يمكن حمل الرواية على من جعل ذلك بوجه لازم، أو تحمل على الكراهة.

____________

(1) النهاية: 569.

(2) المهذّب 2: 414.

(3) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 603.

(4) التهذيب 8: 248 ح 900، الوسائل 15: 558 ب (9) من أبواب الكفّارات ح 2.

(5) الفقيه 3: 72 ح 252، التهذيب 8: 265 ح 967، الوسائل 16: 82 ب (12)

من كتاب التدبير.

(6) المبسوط 5: 160، الخلاف 4: 545 مسألة (31).

(7) السرائر 3: 73.

(8) راجع كشف الرموز 2: 264، تحرير الأحكام 2: 111، إيضاح الفوائد 4: 88، التنقيح الرائع 3:

403.

(9) في ج 6: 135.

48

و لا المكاتب (1) المطلق إذا أدّى من مكاتبته شيئا. و لو لم يؤدّ، أو كان مشروطا، قال في الخلاف: لا يجزي. و لعلّه نظر إلى نقصان الرقّ، لتحقّق الكتابة. و ظاهر كلامه في النهاية أنه يجزي. و لعلّه أشبه، من حيث تحقّق الرقّ.

____________

قوله: «و لا المكاتب .. إلخ».

(1) يمكن توجيه عدم إجزاء عتقه أيضا بأن الكتابة معاملة بين السيّد و المملوك، و هي لازمة من قبل السيّد على ما يأتي (1) مطلقا، و قد خرج بها عن الملك خروجا متزلزلا، حتى قيل إنها بيع للعبد من نفسه، و الأصل لزوم العقود، و الآية (2) تتضمّن الأمر بالوفاء بها، و العتق يستلزم الملك، و بقاؤه في المكاتب غير معلوم، و من ثمَّ لم تجب فطرته و لا نفقته، و انتفت عنه لوازم الملك من المنع من التصرّف و غيره و إن نهاه السيّد. و الحجر عليه في بعض التصرّفات مراعاة لوفاء الدّين لا يقتضي كونه باقيا في الرّق. و عوده إليه على تقدير العجز أمر متجدّد، و قد بيّنّا أن خروجه غير مستقرّ. فالقول بعدم الجواز متوجّه لذلك.

نعم، يمكن توجيه الجواز من حيث إن تعجيل عتقه محض الإحسان إليه، و تحريره المحض متوقّف على أداء المال، فهو متردّد بين الأمرين. و لا يرد أن الأمر منحصر في الرقّية أو الحرّية. لأن المدّعى وجود الحرّية المتزلزلة فيه، و فيها معنى الحرّية من وجه و الرقّية من آخر، و هي إلى الأول أقرب. و بالجملة، فالحكم موضع التردّد إن لم نرجّح (3) جانب المنع، و قد مال إليه في المختلف (4).

____________

(1) في مبحث أركان الكتابة من كتاب المكاتبة.

(2) المائدة: 1.

(3) في «ط، م»: يترجّح.

(4) المختلف: 603 و 644- 645.

49

و يجزي الآبق (1) إذا لم يعلم موته.

و كذلك تجزي (2) المستولدة، لتحقّق رقّيّتها.

____________

و الأقوى صحّة عتقه ما لم يتحرّر منه شيء، استصحابا لحكم الرقّية إلى أن يثبت المزيل، و لا ثبوت قبل أداء المطلق شيئا من مال الكتابة أو كونه مشروطا، فحكم الرقّ مستصحب، و لجواز التبرّع بعتقه اتّفاقا، و ذلك دليل بقاء الرقّية. و ثبوت المعاملة و وجوب الوفاء بها مسلّم لكن لا يقتضي خروجه عن الرقّية. و كونها بيعا للمملوك من نفسه غير صحيح عندنا، كما سيأتي (1).

قوله: «و يجزي الآبق. إلخ».

(1) لأصالة بقائه حيّا، و من ثمَّ وجبت فطرته، و يستمرّ حكم الرقّ إلى أن ينقطع خبره و يمضي عليه مدّة لا يعيش إليها عادة. و يؤيّده رواية أبي هاشم الجعفري في الحسن قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل قد أبق منه مملوكه يجوز أن يعتقه في كفّارة الظهار؟ قال: لا بأس به ما لم يعرف منه موتا» (2).

و استوجه في المختلف (3) الرجوع فيه إلى الظنّ، فيصحّ عتقه مع ظنّ حياته، و يبطل مع ظنّ وفاته أو اشتباه الحال. و مختار المصنّف أصحّ.

و قال بعض الشافعيّة (4): لا يصحّ عتقه عن الكفّارة مطلقا، لنقصان الملك.

و هو ممنوع. و المغصوب كالآبق.

قوله: «و كذلك تجزي .. إلخ».

(2) المشهور بين الأصحاب جواز عتق أمّ الولد في الكفّارة كما يجوز عتقها

____________

(1) في مبحث أركان الكتابة من كتاب المكاتبة.

(2) الكافي 6: 199 ح 3، الفقيه 3: 86 ح 314، التهذيب 8: 247 ح 890، الوسائل 16: 53 ب (48) من كتاب العتق.

(3) المختلف: 604.

(4) انظر الحاوي الكبير للماوردي 10: 474، الوجيز للغزالي 2: 82.

50

و لو أعتق (1) نصفين من عبدين مشتركين لم يجز، إذ لا يسمّى ذلك نسمة.

____________

تبرّعا، لبقاء الملك و إن امتنع بيعها على بعض الوجوه، فإن عدم جواز البيع لا يقتضي زوال الملك، و لجواز بيعها على بعض الوجوه. و في بعض الأخبار عن زين العابدين (عليه السلام): «أم الولد تجزي في الظهار» (1). و هو شاهد.

و منع منه بعض الأصحاب (2)، و هو مذهب بعض العامّة (3)، لنقصان الرقّ باستحقاقها العتق لجهة الاستيلاد. و هو ممنوع، فإنها إنما تستحقّ العتق بعد الموت لا مطلقا، و إنما الثابت في حياة المولى المنع من التصرّف بما يوجب نقل الملك، و تنجيز العتق إحسان محض و تعجيل لما تشبّثت به و أهّلها الشارع له.

هذا إذا أعتقها المولى عن كفّارته. أما عتقها عن كفّارة غيره، إما بأن يبيعها لتعتق (4) عن الكفّارة، أو بمجرّد أمر من عليه الكفّارة للمالك بالعتق، ففي الصحّة إشكال آخر من حيث نقلها عن ملك المولى قبل العتق حقيقة أو ضمنا، و هو ممتنع. و فيه وجه بالجواز من حيث استلزامه تعجيل العتق. و قد تقدّم الكلام فيه، و سيأتي (5) أيضا.

قوله: «و لو أعتق .. إلخ».

(1) المأمور به في الكفّارة تحرير رقبة، و هي حقيقة في الواحدة الكاملة، فلو

____________

(1) الفقيه 3: 346 ح 1662، التهذيب 8: 319 ح 1185، الوسائل 15: 577 ب (26) من أبواب الكفّارات ح 1. و في المصادر: عن عليّ (عليه السلام).

(2) راجع المهذّب 2: 415، و حكاه المقداد عن ابن الجنيد في التنقيح الرائع 3: 404.

(3) الاشراف على مذاهب العلماء 4: 246، الحاوي الكبير 10: 472، الوجيز 2: 82، روضة الطالبين 6: 261.

(4) في «م»: ليعتقها.

(5) في ص: 57.

51

و لو أعتق شقصا (1) من عبد مشترك نفذ العتق في نصيبه. فإن نوى الكفّارة و هو موسر أجزأ إن قلنا: إنه ينعتق بنفس إعتاق الشقص. و إن قلنا: لا ينعتق إلّا بأداء قيمة حصّة الشريك، فهل يجزي عند أدائها؟ قيل:

نعم، لتحقّق عتق الرقبة. و فيه تردّد، منشؤه تحقّق عتق الشقص أخيرا بسبب بذل العوض لا بالإعتاق.

و لو كان معسرا صحّ العتق في نصيبه. و لا يجزي عن الكفّارة و لو أيسر بعد ذلك، لاستقرار الرقّ في نصيب الشريك. و لو ملك النصيب، فنوى إعتاقه عن الكفّارة، صحّ و إن تفرّق العتق، لتحقّق عتق الرقبة.

____________

أعتق نصفي مملوكين لم يجز، لعدم صدق اسم الرقبة. و قال بعض العامّة (1) يجزي، تنزيلا للأشقاص منزلة الأشخاص، و لذلك تجب الزكاة على من ملك نصف ثمانين شاة. و لهم قول (2) آخر أن باقي العبدين إن كان حرّا أجزأ و إلا فلا.

و الفرق أنه إذا كان الباقي حرّا أفاد الإعتاق الاستقلال و التخلّص من الرقّ، و هو مقصود من الإعتاق. و كذا القول فيما لو أعتق ثلثا من واحد و ثلثين من آخر.

قوله: «و لو أعتق شقصا. إلخ».

(1) إذا أعتق الموسر نصيبه من العبد المشترك سرى إلى نصيب صاحبه، و هل تحصل السراية بنفس اللفظ، أو بأداء القيمة، أو يتوقّف فإذا أدّى القيمة تبيّن حصول العتق من وقت اللفظ؟ أوجه تأتي إن شاء اللّه تعالى. و على الأوجه يتفرّع إعتاق العبد المذكور عن الكفّارة، فالمشهور بين الأصحاب صحّته إذا نوى عتقه عن الكفّارة، أما في نصيبه فظاهر، و أما في الباقي فلأن سبب استحقاق عتقه

____________

(1) انظر الحاوي الكبير 10: 484، الوجيز 2: 82، المغني لابن قدامة 8: 627، روضة الطالبين 6: 263.

(2) انظر الحاوي الكبير 10: 485، الوجيز 2: 82، المغني لابن قدامة 8: 627، روضة الطالبين 6: 263.

52

..........

____________

إعتاق نصيبه، و قد اقترنت به نيّة (1) الكفّارة، و العتق في الباقي يتبع العتق في نصيبه، فكما يتبعه في أصل العتق جاز أن يتبعه في الوقوع عن الكفّارة. و لا فرق في الإجزاء على هذا بين أن يوجّه العتق على جميع العبد، و بين أن يوجّهه على نصيبه، لحصول العتق بالسراية في الحالتين. و يحتمل قويّا اشتراط نيّة العتق لجميعه، لأنه مأمور بإعتاق رقبة بالنيّة، فلا يكفي نيّة نصيبه و إن تبعه الباقي بحكم الشرع، فإن ذلك غير كاف في صرفه إلى الكفّارة.

هذا إذا قلنا بالسراية عند اللفظ أو بالوقف و أدّى القيمة. و إن قلنا إن العتق إنما يحصل بأداء القيمة، ففي الإجزاء وجهان تردّد فيهما المصنّف، من تحقّق عتق الرقبة الذي هو مقصود الشارع، و من منع كون المقصود عتقها مطلقا بل عن الكفّارة، و عتق الباقي إنما حصل بسبب بذل العوض لا بسبب الكفّارة.

و على تقدير الإجزاء فهل تكفي النيّة الأولى لنصيب الشريك، أم يحتاج إلى تجديد النيّة عند الأداء؟ وجهان:

أحدهما- و اختاره في المبسوط (2)-: أنه تكفي نيّته عند اللفظ (3)، لأن النيّة اقترنت بالعتق إلّا أن العتق حصل على ترتّب و تدرّج.

و الثاني: أنه لا بدّ من التجديد لتقترن النيّة بعتق نصيب الشريك كما اقترنت بعتق نصيبه. و لو نوى في الحال صرف العتق في نصيبه إلى الكفّارة، و نوى عند أداء القيمة صرف العتق في نصيب الشريك إليها أجزأ أيضا، لاقتران النيّة بحالة حصول العتق.

____________

(1) كذا في «و» و في «ق، ط، د» و الحجريّتين: فيه.

(2) المبسوط 5: 162.

(3) في «د» و الحجريّتين: التلفّظ.

53

..........

____________

هذا إذا كان موسرا، فأما المعسر، فإن عتقه يوجد في نصيبه و لا يسري إلى نصيب شريكه، فإن ملك بعد ذلك مالا و أيسر لم ينفذ العتق فيه، لأن الرقّ قد استقرّ فيه للشريك فلا يجوز إزالته بعد استقراره، لكن إن ملكه و أعتقه ابتداء أجزأ، لأن عتق الرقبة قد حصل و إن كان متفرّقا.

و منع ابن الجنيد (1) من إجزاء هذا العتق عن الكفّارة، لأن عتق السراية حصل بغير قصده بل بالسنّة عليه، و يصدق أن يقال: ما أعتق جميع العبد و إنما أعتق نصيبه و عتق عليه الباقي بحكم الشرع. و هذا قول موجّه إلّا أن الأشهر الإجزاء.

و اعلم أنه يفرّق بين هذه المسألة و بين السابقة- على القول بإجزاء العتق بالسراية عن الكفّارة، مع أن إعتاقه لنصفي العبدين أبلغ من عتق النصف الواحد و قد حكم بإجزائه-: أن من شرط الإجزاء أن ينوي عتق الجميع عن الكفّارة كما بيّنّاه، أو ينوي عتق نصيبه و يطلق ليسري العتق على الباقي و يتبع ما نواه على الوجه الآخر، و الأمران منفيّان في السابقة، فإنه بنيّة عتق النصفين من الاثنين عن كفّارة واحدة قد صرّح بعدم إرادة عتق الباقي من العبد الواحد عن الكفّارة على تقدير السراية، و نيّة العدم صرفت الشقص الخارج عن عتقه للكفّارة فلم يقع مجزيا عنها لذلك، و لو كان قد نوى عتق الشقصين عن كفّارتين جاءت المسألة الثانية بأسرها، و صحّ عتقهما عن الكفّارة و سرى إليهما على ما فصّل.

و في معنى عتق ما يملكه من العبد عن الكفّارة مع يساره لو أعتق بعض عبد يملكه بأسره عن الكفّارة، فإنه يسري إلى الجميع، و يجزيه إذا نوى ذلك أو

____________

(1) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 670- 671.

54

و لو أعتق المرهون (1) لم يصحّ ما لم يجز المرتهن. و قال الشيخ: يصحّ مطلقا، إذا كان موسرا، و يكلّف أداء المال إن كان حالّا، أو رهنا بدله إن كان مؤجّلا. و هو بعيد.

و لو قتل عمدا (2) فأعتقه في الكفّارة فللشيخ قولان، و الأشبه المنع.

و إن قتل خطأ قال في المبسوط: لم يجز عتقه، لتعلّق حقّ المجنيّ عليه برقبته. و في النهاية: يصحّ، و يضمن السيّد دية المقتول. و هو حسن.

____________

لم ينو ما ينافي الكفّارة.

قوله: «و لو أعتق المرهون. إلخ».

(1) وجه البعد: أن الراهن ممنوع من التصرّف في المرهون بالإجماع فإخراج هذا الفرد من التصرّف تحكّم، و عموم قوله (عليه السلام): «الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرّف» (1) يشمله. نعم، لو أجازه المرتهن نفذ، لأن المنع كان لحقّه فإذا أجاز زال المانع و صادف وقوع العتق من أهله.

و استند الشيخ (2) في صحّة العتق إلى عموم قوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (3) و أن الراهن مالك لها، و هو مع يساره واجد فيتناوله العموم. و هو ممنوع.

قوله: «و لو قتل عمدا. إلخ».

(2) قد اختلف كلام الشيخ في هذه المسألة اختلافا فاحشا، لأنه في الخلاف (4) منع من صحّة عتق الجاني عمدا، و جوّز عتقه إذا كانت الجناية خطأ،

____________

(1) مستدرك الوسائل 13: 426 ب «17» من أبواب الرهن ح 6.

(2) المبسوط 5: 160، الخلاف 4: 545 مسألة (32).

(3) المجادلة: 3.

(4) الخلاف 4: 546 مسألة (33).