مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج11

- الشهيد الثاني المزيد...
548 /
5

[تتمة القسم الثالث في الإيقاعات]

[كتاب الإقرار]

كتاب الإقرار (1)

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الإقرار و النظر في: الأركان، و اللواحق.

و أركانه: أربعة.

[الأول: في الصيغة]

الأول: في الصيغة و فيها مقاصد:

[الأول في الصيغة الصريحة]

الأول في الصيغة الصريحة (2) و هي: اللفظ المتضمّن للإخبار عن حقّ واجب.

____________

(1) كتاب الإقرار هو لغة الإثبات من قولك: قرّ الشيء يقرّ، و أقررته و قرّرته: إذا أفدته القرار. و لم يسمّ ما يشرع فيه إقرارا من حيث إنه افتتاح إثبات، بل لأنه إخبار عن ثبوت و وجوب حقّ (1) سابق.

و الأصل فيه من الكتاب قوله تعالى كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ (2) فسّر (3) شهادة المرء على نفسه بالإقرار. و من الأخبار قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «قولوا الحقّ و لو على أنفسكم» (4).

قوله: «في الصيغة الصريحة. إلخ».

(2) الإقرار عبارة عن الصيغة المخصوصة، فتعريفها يقتضي تعريفه، فكان

____________

(1) سقطت من «ذ، خ، م».

(2) النساء: 135.

(3) انظر التبيان 3: 355، مجمع البيان 2: 124، النكت و العيون للماوردي 1: 535، الكشّاف 1:

575، تفسير القرطبي 5: 412.

(4) كنز الفوائد: 2: 31، مع اختلاف في اللفظ، و راجع تلخيص الحبير للعسقلاني 3: 52 ح 1265.

8

..........

____________

قوله: «و هي اللفظ. إلخ» تعريفا له كما صرّح به غيره (1).

و «اللفظ» بمنزلة الجنس يتناول المفيد و غيره، كما أن المفيد يتناول الإخبار و الإنشاء. و قوله: «المتضمّن للإخبار» بمنزلة الفصل يخرج به سائر العقود و الإيقاعات المتضمّنة للإنشاء، كما يخرج باقي الألفاظ التي لا تتضمّن إخبارا. و دخل في «الحقّ» المال، عينا و منفعة، و توابعها من الشفعة و الخيار و أولويّة التحجير و النفس و الحدود و التعزيرات للّٰه تعالى و للآدمي.

و أراد بالواجب معناه اللغوي و هو الثابت، فيخرج به الإخبار عن حقّ مستقبل، فإنه ليس بإقرار و إنما هو وعد أو ما في معناه. و بهذا يستغنى عمّا عبّر به غيره (2) بقوله: «عن حقّ سابق» و تناوله للحقّ المؤجّل أظهر من تناول السابق له، لأنه أمر ثابت الآن و إن كان استحقاق المطالبة به مستقبلا. و يمكن اندراجه في السابق أيضا، من حيث إن أصل الحقّ سابق و إنما المستقبل المطالبة به، و تأخّر استحقاق المطالبة أمر خارج عن الإقرار، لأنه عبارة عن التأجيل، و ذكره في الإقرار بالحقّ ليس إقرار، و إنما هو دفع لما لزم من الإخبار بأصل الحقّ، و من ثمَّ يقبل الإقرار بالحقّ لا بالأجل كما سيأتي (3).

و ينتقض في طرده بالشهادة، فإنها إخبار عن حقّ واجب على غير المخبر، و إطلاق الحقّ الواجب يشمل ما هو واجب عليه و على غيره، و من ثمَّ زاد بعضهم (4) في التعريف: لازم للمخبر.

و أما نحو «نعم» في جواب من قال: لي عليك كذا، فإنه و إن كان مفردا إلّا

____________

(1) انظر قواعد الأحكام 1: 276.

(2) انظر قواعد الأحكام 1: 276.

(3) في ص: 24.

(4) الدروس الشرعيّة 3: 121.

9

كقوله: لك عليّ، (1) أو عندي، أو في ذمّتي، أو ما أشبهه.

و يصحّ الإقرار (2) بغير العربيّة، اضطرارا، و اختيارا.

____________

أنّه متضمّن للإخبار كالمركّب، فهو داخل في التعريف و لا يحتاج إلى زيادة: أو ما هو في قوّة (1) الإخبار.

قوله: «كقوله: لك عليّ. إلخ».

(1) الألفاظ الدالّة على الإقرار صريحا منها ما يفيد الإقرار بالدّين صريحا، كقوله: في ذمّتي كذا. و منها ما يفيده ظاهرا، كقوله: عليّ كذا. و منها ما يفيد الإقرار بالعين صريحا، كقوله: له في يدي كذا. و منها ما يفيده ظاهرا، كقوله:

عندي كذا. و منها ما هو صالح لهما، كقوله: لديّ.

و تظهر الفائدة فيما لو ادّعى خلاف مدلول اللفظ، فإنه لا يقبل، و إن ادّعى ما يوافقه قبل. فلو عبّر بما يفيد الدّين، ثمَّ قال: هو وديعة، لم يقبل. و إذا ادّعى التلف لم ينفعه، بل يلزمه الضمان، بخلاف ما لو أتى باللفظ المفيد لها كقوله: له عندي ألف، أو الصالح لهما كقوله: قبلي (2)، ثمَّ فسّر بالوديعة و ادّعى التلف في وقت إمكانه، فإنه يقبل. و سيأتي (3) تتمّة البحث في ذلك، فهذه فائدة الألفاظ، و قس عليها ما أشبهها.

قوله: «و يصحّ الإقرار. إلخ».

(2) لمّا كان الغرض من الإقرار الإخبار عمّا في الذمّة أو في العهدة، و لا يختصّ بلفظ معيّن، بل ما دلّ على المراد، لم ينحصر في لغة، بل يصحّ إقرار أهل كلّ لغة بلغتهم و غير لغتهم إذا عرفوها، لحصول المراد منها و هو الدلالة باللفظ

____________

(1) في «ص، د، ق، و»: معنى.

(2) في الحجريّتين: لديّ.

(3) في المسألة الثامنة من المقصد الثاني في الأقارير المبهمة.

10

و لو قال: لك عليّ (1) كذا إن شئت أو إن شئت، لم يكن إقرارا. و كذا لو قال: إن قدم زيد. و كذا: إن رضي فلان، أو إن شهد.

و لو قال: إن شهد (2) لك فلان فهو صادق، لزمه الإقرار في الحال، لأنه إذا صدق وجب الحقّ و إن لم يشهد.

____________

على المعنى الذهني الذي يراد إثباته، و لم يرد من قبل الشارع ما يفيد الاختصاص بلغة خاصّة.

ثمَّ إن علم أن المقرّ عارف بمعنى ما أقرّ (1) به لم تقبل دعواه خلافه. و إن احتمل الأمرين، و قال: لم أفهم معنى ما قلت بل لقّنت فتلقّنت، صدّق بيمينه، لقيام الاحتمال، و أصالة عدم العلم بغير لغته. و كذا القول في جميع العقود و الإيقاعات.

قوله: «و لو قال: لك عليّ. إلخ».

(1) لمّا كان الإقرار إخبارا اقتضى أمرا خارجا عن اللفظ واقعا، سواء طابقه في النفي و الإثبات أم لا. و يلزم من ذلك أن لا يجوز تعليقه على شرط و لا صفة، لأن وقوع المعلّق مشروط بوجود المعلّق عليه، و ذلك ينافي مقتضى الخبر. و لا فرق في ذلك بين ما يقع باختيار المخبر كقوله: إن شئت بالضمّ، أو بغير اختياره كقوله: إن شئت بالفتح، أو: إن قدم زيد أو رضي أو شهد، و نحو ذلك.

قوله: «و لو قال: إن شهد. إلخ».

(2) هذا الحكم ذكره الشيخ في المبسوط (2)، و تبعه عليه جماعة (3) منهم

____________

(1) في «ق، ط، م»: ما التزمه.

(2) المبسوط 3: 22.

(3) راجع جواهر الفقه: 91 مسألة (334)، الجامع للشرائع: 340، إرشاد الأذهان 1: 408، قواعد الأحكام 1: 276.

11

..........

____________

المصنّف. و وجّهوه بما أشار إليه من أن صدقه يوجب ثبوت الحقّ في الحال و إن لم يشهد. و تقريره: أنه قد حكم بصدقه على تقدير الشهادة، و الشهادة لا دخل لها في تحقّق الصدق و عدمه، و إنما الصدق يقتضي مطابقة خبره للواقع وقت الإقرار، و لا يكون كذلك إلا على تقدير ثبوت الحقّ في ذمّته حال الإقرار، فيكون إقرارا و إن لم يشهد، بل و إن أنكر الشهادة. و مثله ما لو قال: إن شهد بكذا فهو حقّ أو صحيح. و كذا لو لم يعيّن الشاهد فقال: إن شهد عليّ شاهد بكذا فهو صادق، أو شهد عليه بالفعل فقال: هو صادق. أما لو قال: إن شهد صدّقته أو فهو عدل، لم يكن مقرّا، لأن الكاذب قد يصدق و الشهادة مبنيّة على الظاهر فلا ينافي عدم مطابقتها في نفس الأمر العدالة.

و قيل (1) في توجيه الأول أيضا: إنه يصدق كلّما لم يكن المال ثابتا في ذمّته لم يكن صادقا على تقدير الشهادة، و ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا:

كلّما كان صادقا على تقدير الشهادة كان المال ثابتا في ذمّته، لكن المقدّم حقّ لإقراره، فإنه حكم بصدقه على تقدير الشهادة، فالتالي مثله.

و في الدليل (2) نظر من وجهين:

أحدهما: أنه لم يحكم بصدقه مطلقا و إنما حكم به على تقدير الشهادة، و شهادته و إن كانت ممكنة في ذاتها لكنّها قد تكون ممتنعة في اعتقاد المقرّ، فيكون قد علّق صدقه على المحال عنده، فلا يلزم منه الإقرار في الحال و لا على تقدير الشهادة، و جاز أن يريد أنه لا تصدر منه الشهادة لكونه ليس في ذمّته له

____________

(1) انظر جامع المقاصد 9: 189.

(2) في «ذ، ص، ط»: الدليلين.

12

و إطلاق الإقرار (1) بالموزون ينصرف إلى ميزان البلد. و كذا المكيل.

و كذا إطلاق الذهب و الفضّة ينصرف إلى النقد الغالب في بلد الإقرار.

و لو كان نقدان غالبان، أو وزنان مختلفان، و هما في الاستعمال سواء، رجع في التعيين إلى المقرّ.

____________

شيء و هو في اعتقاده لا يكذب، و هذا استعمال شائع في العرف، يقول الناس في محاوراتهم: إن شهد فلان أنّي لست لأبي صدّقته، و لا يريد سوى أنه لا يشهد بذلك للقطع بأنه لا يصدّقه لو قال ذلك. و إن لم يكن هذا غالبا فلا أقلّ من أنه محتمل احتمالا ظاهرا، فلا يكون اللفظ صريحا في الإقرار مع أصالة براءة الذمّة.

و الثاني: أنه لا يخرج بذلك عن التعليق، بل هو أدنى مرتبة منه، فإنه إذا قال: له عليّ كذا إن شهد به فلان، لا يكون إقرارا اتّفاقا مع أنه صريح في الاعتراف بالحقّ على تقدير الشهادة، و الإقرار في مسألة النزاع إنما جاء من قبل الالتزام فلأن لا يكون إقرارا أولى. و ما ذكر في توجيه الإقرار وارد في جميع التعليقات، فإنه يقال: ثبوت الحقّ على تقدير وجود الشرط يستلزم ثبوته الآن، إذ لا مدخل للشرط في ثبوته في نفس الأمر، إلى آخر ما قيل في الدليل، و القول بعدم اللزوم في الجميع قويّ (1). و هو اختيار أكثر المتأخّرين (2).

قوله: «و إطلاق الإقرار. إلخ».

(1) ألفاظ الإقرار محمولة على المتفاهم منها عرفا، فإن انتفى العرف فاللغة، و ذلك يقتضي حمل الإقرار بالوزن و الكيل على المتعارف في البلد منهما. و كذا

____________

(1) في «ذ، م»: أقوى.

(2) راجع الدروس الشرعيّة 3: 123، اللمعة الدمشقيّة: 138، جامع المقاصد 9: 188 و 190.

13

و لو قال: له عليّ (1) درهم و درهم، لزمه اثنان. و كذا: ثمَّ درهم، أو قال: درهم فدرهم.

أما لو قال: فوق درهم، أو مع درهم، أو قبل درهم، أو بعده، لزمه درهم واحد، لاحتمال أن يكون أراد: مع درهم لي، فيقتصر على المتيقّن.

____________

إطلاق النقد من الذهب و الفضّة يحمل على نقد البلد. أما غير الدراهم و الدنانير كقوله: له عندي وزن درهم فضّة أو مثقال ذهب، فلا يجب حمله على النقد الغالب و هو المسكوك، بل يعتبر فيهما حقيقتهما و لو من غير المضروب. و يفارق النقد الغالب أيضا في أنه يعتبر خلوصه من الغشّ، بخلاف النقد، فإنه يحمل على المتعارف و إن كان مغشوشا، لأن ذلك هو المفهوم منهما.

هذا كلّه مع اتّحاد الكيل و الوزن و النقد في البلد، أو مع تعدّده و غلبة بعضه في الاستعمال. أما مع تساوي المتعدّد فلا يحمل على أحدها، لاستحالة الترجيح من غير مرجّح، بل يرجع إليه في التعيين و يقبل منه و إن فسّر بالناقص.

و كذا يقبل منه لو فسّر به مع الاتّصال مطلقا. و لو تعذّر الرجوع إليه في التعيين بموت و نحوه فالمتيقّن الأقلّ و الباقي مشكوك فيه.

قوله: «و لو قال: له عليّ. إلخ».

(1) هنا صور:

الأولى: إذا قال: له عليّ درهم و درهم، لزمه اثنان، لأن العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه، و لا يعطف الشيء على نفسه و إن جاز عطفه على ما هو بمعناه كمرادفه، لتحقّق المغايرة و لو لفظاً. و مثله ما لو قال:

درهم ثمَّ درهم، لأن «ثمَّ» حرف عطف أيضا، و اقتضاؤها التراخي لا يقدح،

14

..........

____________

لجواز تجدّد سبب أحد الدرهمين بعد الآخر. و ظاهرهم الاتّفاق على هذا الحكم، و إن كان خلاف ذلك محتملا بأن يريد: و درهم آخر لزيد و نحوه، لتبادر المعنى الأول إلى الذهن، فلا يلتفت إلى الاحتمال البعيد.

الثاني: لو قال درهم فدرهم، قطع المصنّف- رحمه اللّٰه- بمساواته للأوّلين في لزوم الدرهمين، لمشاركته لهما في العطف، و احتمال غيره بعيد أيضا.

و قيل: يلزمه هنا درهم خاصّة، لاحتمال أن يريد: [درهم] (1) فدرهم لازم لي، و الأصل براءة الذمّة من الزائد.

و يضعّف بأن المتبادر الأول، و غيره و إن كان محتملا إلا أنه خلاف الظاهر، و يحتاج إلى إضمار و هو خلاف الأصل. و لأن الاحتمال لو أثّر لأثّر في الأوّلين، و القائل بهذا القول لا يقول به فيهما. فما اختاره المصنّف أقوى. نعم، لو قال:

أردت فدرهم لازم لي، اتّجه قبول قوله بيمينه لو خالفه المقرّ له.

الثالث: لو قال: درهم فوق درهم، أو تحته درهم، أو مع درهم، أو معه درهم، أو قبل درهم، أو قبله درهم، أو بعد درهم، أو بعده درهم، لزمه واحد في الجميع، لأنه كما يحتمل أن يكون مراده: فوق درهم، للمقرّ له و معه و قبله و بعده، يحتمل أن يريد: فوق درهم لي أو معه أو قبله أو بعده، و إذا احتمل اللفظ الأمرين اقتصر على المتيقّن و هو الدرهم.

و فرّق جماعة (2) منهم العلّامة (3) بين الفوقيّة و التحتيّة و المعيّة و بين القبليّة

____________

(1) من إحدى الحجريّتين.

(2) قرّبه في المبسوط 3: 26، و راجع الجامع للشرائع: 340.

(3) قواعد الأحكام 1: 282.

15

..........

____________

و البعديّة، فأوجب في الأخيرين الدرهمين فارقا بين الأمرين بأن الفوقيّة و التحتيّة يرجعان إلى المكان و لا يتّصف بهما نفس الدرهم، و لا بدّ من أمر يرجع إليه التقدّم و التأخّر، و ليس ذلك إلا الوجوب عليه.

و أجاب المصنّف- رحمه اللّٰه- و من وافقه على لزوم درهم في الجميع:

بأن القبليّة و البعديّة كما يكونان بالزمان يكونان بالرتبة و غيرها. ثمَّ هب أنهما زمانيّان و أن نفس الدرهم لا يتّصف بهما لكن يجوز رجوعهما إلى غير الواجب، بأن يريد: درهم مضروب قبل درهم، و ما أشبهه. ثمَّ هب أنهما راجعان إلى الوجوب لكن يجوز أن يريد: [لزيد] (1) درهم قبل وجوب درهم لعمرو.

و اعترض العلّامة في التذكرة على ذلك بأنه: «لو سمع مثل هذا الاحتمال لسمع في مثل: له عندي درهم و درهم، مع اتّفاقهم على لزوم درهمين». (2)

و جوابه ما تقدّم (3) من أن الاحتمال في ذلك بعيد خلاف الظاهر، بخلافه في هذه الأمثلة، فإنه احتمال ظاهر. و الظروف الواقعة بعد النكرات تكون صفات من غير فرق بين ظرف الزمان و المكان، فالاحتمال فيهما على حدّ سواء. و القول بلزوم درهم في الجميع كما اختاره المصنّف أقوى.

____________

(1) من «ذ، خ، م».

(2) تذكرة الفقهاء 2: 159.

(3) في ص: 13- 14.

16

و كذا لو قال: درهم (1) في عشرة، و لم يرد الضرب.

و لو قال: غصبته (2) ثوبا في منديل، أو حنطة في سفينة، أو ثيابا في عيبة، لم يدخل الظرف في الإقرار.

____________

قوله: «و كذا لو قال: درهم. إلخ».

(1) لا إشكال في لزوم درهم واحد لو قال: له درهم في عشرة، مع تصريحه بإرادة درهم واحد للمقرّ له و أن العشرة ظرف له، كما أنه لو صرّح بإرادة الضرب لزمه عشرة. و إنما الكلام مع الإطلاق، و مقتضى عبارة المصنّف- رحمه اللّٰه- لزوم درهم أيضا، لأنه جعل اللازم درهما متى لم يرد الضرب، فيشمل ما لو أطلق. و وجهه: احتمال اللفظ للمعنيين فيحمل على المتيقّن منهما و هو الأقلّ، معتضدا بأصالة البراءة من الزائد.

و بقي قسم آخر و هو ما إذا ادّعى إرادة «مع» من «في» فيلزمه أحد عشر، لوروده لغة كما في قوله تعالى ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ (1) فصار اللفظ مشتركا، فيرجع إليه في إرادة أحد معانيه، و يقبل قوله فيه بغير يمين. و مع الشك يؤخذ بالأقلّ، لأنه المتيقّن. و لو ادّعى المقرّ له إرادة بعض هذه المعاني و أنكره المقرّ فالقول قوله مع يمينه.

قوله: «و لو قال: غصبته. إلخ».

(2) الأصل في هذا الباب أن الإقرار بالمظروف لا يقتضي الإقرار بالظرف و بالعكس، أخذا بالمتيقّن. فإذا قال: لفلان عندي أو غصبته ثوبا في منديل، أو زيتا في جرّة، أو تمرا في جراب، أو حنطة في سفينة، أو ثيابا في عيبة- بفتح العين، و هو شيء يحفظ فيه الثياب- لم يكن إقرارا بالظرف، لاحتمال أن يكون

____________

(1) الأعراف: 38.

17

و لو قال: له عبد (1) عليه عمامة، كان إقرارا بهما، لأن له أهليّة الإمساك. و ليس كذلك لو قال: دابّة عليها سرج.

____________

مراده: في منديل و جرّة و سفينة لي، و غير ذلك.

و كذا لو قال: له عندي غمد فيه سيف، أو جرّة فيها زيت، أو جراب فيه تمر، أو سفينة فيها طعام، فهو إقرار بالظّرف دون المظروف.

و على هذا القياس ما إذا قال: فرس في إصطبل، أو عليها سرج، أو حمار على ظهره أكاف (1)، أوله زمام، أو دابّة مسرّجة، أو دار مفروشة، لاشتراك الجميع في المعنى المقتضي، بخلاف ما لو قال: دار بفرشها، أو دابّة بسرجها، لأن الباء تعلّق الثاني على الأول، أو ثوب مطرّز، لأن الطراز جزء من الثوب، مع احتمال خروج الطراز إن كان ممّا يركّب بعد النسج.

و كالأول ما لو قال: فصّ في خاتم، لأنه يقتضي الإقرار بالفصّ دون الخاتم. و لو قال: خاتم فيه فصّ، ففي كونه إقرارا بالفصّ وجهان أظهرهما أنه كالأول، لاحتمال أن يريد: فيه فصّ لي. و وجه الدخول: أن الفصّ كالجزء من الخاتم، حتى لو باعه دخل فيه، بخلاف تلك الصور.

و خالف أبو حنيفة (2) في جميع ذلك، و حكم بدخول كلّ من الظرف و المظروف في الآخر. و كذا البواقي.

قوله: «و لو قال: له عبد. إلخ».

(1) أشار بقوله: «لأن له أهليّة الإمساك» إلى الفرق بين العبد و الدابّة. و تقريره:

____________

(1) الا كاف من المراكب: شبه الرّحال و الأقتاب. لسان العرب 9: 8.

(2) راجع المبسوط للسرخسي 17: 193، اللباب في شرح الكتاب 2: 80، بدائع الصنائع 7: 221، المغني لابن قدامة 5: 301.

18

..........

____________

أن للعبد يدا على ملبوسه، و ما في يد العبد فهو في يد سيّدة، فإذا أقرّ بالعبد للغير كان ما في يده لذلك الغير، بخلاف المنسوب إلى الدابّة، فإنه لا يدلها على ما هو عليها، و لهذا لو جاء بعبد و عليه عمامة و قال: هذا العبد لزيد، كانت العامة له أيضا، و لو جاء بدابّة و عليها سرج و قال: هذه الدابّة لزيد، لم يكن السرج له.

و فيه: أن دخول ما على العبد حينئذ من جهة اليد لا من جهة الإقرار، و مع ذلك فالسّيد المقرّ له لا يد له على العبد و إنما اليد عليه للمقرّ، فإذا أقرّ ببعض ما تحت يده لا يسري الإقرار إلى غيره. و هذا أوجه. و لبعض الأصحاب (1) قول بدخول السرج في الدابّة أيضا. و هو بعيد.

و في القواعد (2) تردّد في دخول السرج و الفرض لو قال: له دابّة مسرّجة أو دار مفروشة، كما لو قال: عبد عليه عمامة، من حيث إن المتبادر دخول ذلك، و لأنه وصف الدابّة بكونها مسرّجة و الدار بأنها مفروشة و العبد بكونه ذا عمامة فإذا سلّمها بغير الوصف لم تكن المقرّ بها.

و جوابه: أن وصفها بذلك لا يقتضي استحقاقها على هذا الوصف، لعدم المنافاة بين ذلك و بين أن يقول: عليها سرج لي أو مفروشة بفراش لي، و نحو ذلك، و مع قيام الاحتمال لا يظهر الإقرار بالمحتمل.

____________

(1) كابن الجنيد، حكاه عنه العلّامة في المختلف: 442.

(2) قواعد الأحكام 1: 282.

19

و لو قال: له قفيز (1) حنطة، بل قفيز شعير، لزمه القفيزان. و كذا لو قال: له هذا الثوب، بل هذا الثوب.

أما لو قال: له قفيز، بل قفيزان، لزمه القفيزان حسب. و لو قال:

له درهم، بل درهم، لزمه [درهم] واحد.

____________

قوله: «و لو قال: له قفيز. إلخ».

(1) اعلم أن «بل» حرف إضراب بما بعدها عمّا قبلها و عدول عنه. ثمَّ إن تقدّمها إيجاب و تلاها مفرد جعلت ما قبلها كالمسكوت عنه فلا يحكم عليه بشيء، و أثبتت الحكم لما بعدها. و حيث كان الأول إقرارا صحيحا استقرّ حكمه بالإضراب عنه، و ثبت ما بعده أيضا.

ثمَّ إن كانا مختلفين أو معيّنين (1) لم يقبل إضرابه، لأنه إنكار للإقرار الأول و هو غير مسموع. و إن كانا مطلقين أو أحدهما لزمه واحد إن اتّحد مقدار ما قبل «بل» و ما بعدها، و إن اختلفا كمّية لزمه الأكثر. و إن تقدّمها نفي فهي لتقرير ما قبلها على حكمه، و جعل ضدّه لما بعدها.

و على هذا يتفرّع ما ذكره المصنف من المسائل و غيرها. فإذا قال: له قفيز حنطة بل قفيز شعير، فقد أقرّ بالحنطة، و لا يقبل إضرابه عنه و إنكاره له بقوله: بل قفيز شعير، و يلزمه الشعير أيضا، لإقراره به، لأنهما مطلقان و مختلفان.

و لو قال: له هذا الثوب بل هذا الثوب، فكذلك، لأن اختلافهما من جهة التعيين، فإن أحد المعيّنين غير الآخر.

____________

(1) في «م» متّفقين.

20

..........

____________

و لو كان أحدهما معيّنا و الآخر مطلقا، فإن اتّحدا قدرا و صنفا (1) حمل المطلق على المعيّن، سواء تقدّم أو تأخّر، ك: له درهم بل هذا الدرهم، أو: هذا الدرهم بل درهم. و إنما جمع بينهما لصدق المغايرة، مع عدم المنافاة بين الجميع، إذ يصحّ أن يقال: له درهم يحتمل كونه هذا و غيره بل هو هذا الدرهم، لكن يتعيّن [هذا] (2) الوصف الزائد في أحدهما- و هو التعيين (3)- فيتعيّن المعيّن.

و لو كانا مطلقين متّحدي المقدار ك: له درهم بل درهم، لزمه درهم، لأنهما مطلقان فلا يمتنع أن يكون أحدهما هو الآخر. و فائدة الإضراب جاز أن يكون قد أراد استدراك الزيادة أو التعيين أو غيرهما فذكر أن لا حاجة إليه (4)، مؤيّدا بأصالة براءة الذمّة من غيره. و ربما قيل: يلزمه درهمان، لاستدعاء الإضراب المغايرة. و مثله القول في المطلق و المعيّن المتّحدين مقدارا.

و لو اختلفا بالكمّية ك: له قفيز بل قفيزان، لزمه الأكثر، لدخول الأقلّ في الأكثر كدخول المطلق في المعيّن و لو بالاحتمال، لعدم التنافي بين قوله: له قفيز بل زائد عليه، فيتمسّك بأصالة براءة الذمّة من الزائد على الأكثر و إن كان الجميع محتملا. و لو عكس فقال: قفيزان بل قفيز، لزمه القفيزان، لأن الرجوع عن الأكثر لا يقبل (5)، و يدخل فيه الأقلّ.

و لو قال: دينار بل ديناران بل ثلاثة، لزمه ثلاثة. و لو قال: دينار بل

____________

(1) في «د، خ، م»: و وصفا.

(2) من الحجريّتين.

(3) في «ذ»: المتعيّن، و في «خ»: المعيّن.

(4) في «خ، م» و الحجريّتين: إليهما.

(5) في «ذ، خ، م»: لا يفيد.

21

و لو أقرّ لميّت (1) بمال، و قال: لا وارث له غير هذا، ألزم التسليم إليه.

____________

ديناران بل قفيز بل قفيزان، لزمه ديناران و قفيزان. و لو قال: دينار و ديناران بل قفيز و قفيزان، لزمه ثلاثة دنانير و ثلاثة أقفزة. و قس على هذا.

و لو كان أحدهما معيّنا دخل المطلق أو قدره فيه، ك: له هذا القفيز بل قفيزان، فيتعيّن المعيّن و يلزمه إكماله بآخر. و لو عكس دخل المطلق و لم يتغيّر حكم الأكثر.

و لو جمع بين المختلفين كمّية و تعيينا (1)، ك: له هذا القفيز الحنطة بل هذا القفيزان الشعير، فأولى بعدم التداخل و يلزمه الثلاثة.

و مع تقدّم النفي على حرف الإضراب ك: ما له عليّ درهم بل درهمان، أو:

ما له هذا الدرهم بل هذا أو بل هذان، أو: ما له درهم بل درهم، و نحو ذلك، فالمتقدّم منفيّ على أصله، و الثابت ما بعد «بل» كيف كان. و قس على هذا ما يرد عليك من نظائره.

قوله: «و لو أقرّ لميّت. إلخ».

(1) إذا أقرّ لميّت بمال و قال: لا وارث له غير هذا، فهو في قوّة الإقرار للوارث المشار إليه، إلّا أن إقراره له وقع بعد إقراره بالمال لغيره و هو الميّت، فقد يحصل بين الإقرارين تناف، و قد يتحقّق عدم المنافاة، و قد يحتمل الأمرين.

و تحرير الحال: أن الميّت إما أن يكون معلوم النسب و وارثه منحصرا في المعيّن يقينا، أو يحتمل كون الوارث غير المعيّن، أو هو مع غيره. ثمَّ لا يخلو:

إما أن يكون المال عينا، أو دينا.

____________

(1) في «د، م»: و تعيّنا.

22

..........

____________

و مقتضى كلام المصنف و جماعة (1) قبول الإقرار للمعيّن و وجوب التسليم إليه مطلقا. و وجهه: أن الإقرار وقع جملة واحدة لازمها أن المال لهذا المعيّن المشار إليه، فيلزم بالتسليم إليه، و لا يلتفت إلى الاحتمال، كما لا يجب علينا البحث عن سبب الملك مع احتمال كونه غير صحيح.

و يضعّف بأنه مع العلم بوجود وارث للميّت غيره أو معه يكون تعيينه الثاني منافيا لإقراره به للميّت المسموع فلا يسمع، بل يحكم به لوارثه كيف كان.

و أما مع الجهل بالحال و احتمال انحصار الإرث في المعيّن فلا يخلو: إما أن يكون المال المقرّ به دينا، أو عينا. فإن كان دينا الزم بتسليمه إليه، لاعترافه بأنه يستحقّ في ذمّته ذلك القدر فيؤاخذ به. ثمَّ لا يحصل على غيره من الورّاث ضرر بذلك، لأنه على تقدير ظهور وارث أولى أو مشارك يلزم المقرّ بالتخلّص من حقّه، لأن المدفوع إلى المقرّ له الأول نفس مال المقرّ و حقّ الوارث باق في ذمّته، لأن الدّين لا يتعيّن إلّا بقبض مالكه أو وكيله و هما منتفيان هنا.

و إن كان المقرّ به عينا لم يؤمر بالدفع إليه إلّا بعد بحث الحاكم عن الوارث على وجه لو كان لظهر غالبا، لأن إقراره الأول للميّت مقبول فيكون لوارثه، و قوله: «لا وارث له إلّا هذا» إقرار في حقّ الغير فلا يسمع بحيث يلزم بالتسليم إليه، لما فيه من التغرير بالمال المعيّن بإعطائه من لا يتيقّن كونه المالك، بخلاف الدّين، لأن الإقرار به إقرار على نفسه خاصّة، لأنه على تقدير ظهور وارث لا يفوت حقّه (2) من الذمّة، بخلاف العين، فإن خصوصيّتها تفوت و إن بقي بدلها.

____________

(1) راجع المبسوط 3: 28، المهذّب 1: 413، إرشاد الأذهان 1: 407.

(2) في «خ، م»: أخذه.

23

و لو قال له: عليّ ألف (1) إذا جاء رأس الشهر، لزمه الألف. و كذا لو قال: إذا جاء رأس الشهر فله عليّ ألف. و منهم من فرّق. و ليس شيئا.

____________

نعم، لو سلّم العين إليه لم يمنع منه، لعدم المنازع الآن، فإن ظهر وارث آخر فله المطالبة بحقّه، فإن وجد العين باقية رجع إليها، و إن وجدها تالفة تخيّر في مطالبة من شاء منهم بالبدل مثلا أو قيمة. و قد تقدّم البحث على نظير المسألة في كتاب الوكالة (1).

قوله: «و لو قال: له عليّ ألف. إلخ».

(1) إذا قال: له عليّ كذا إذا جاء رأس الشهر، و نحوه من التعليقات على الأجل، فإن علم من قصده إرادة التعليق فلا شبهة في بطلان الإقرار، لما تقدّم (2) من أن الإقرار يلزمه التنجيز، لأنه إخبار عن أمر واقع فلا يجامع اشتراط وقوعه بأمر مستقبل، لأن الواقع لا يعلّق بشرط. و إن قصد التأجيل صحّ إقراره، و إن أطلق و لم يعلم منه إرادة أحد الأمرين فظاهر المصنّف- رحمه اللّٰه- و جماعة (3) حمله على المعنى الثاني، لأنه ظاهر فيه، و حملا للكلام على الوجه الصحيح ما أمكن حمله عليه.

و يحتمل قويّا الرجوع إليه في قصده و قبول قوله فيه مطلقا أو مع اليمين إن ادّعى المقرّ له خلاف ما ادّعى قصده، لاحتمال اللفظ للمعنيين، و كما أن حمله على التأجيل يفيد حكما شرعيّا فكذا حمله على التعليق، لأن البطلان أيضا حكم شرعي، و الأصل براءة الذمّة من التزام شيء بدون اليقين أو الظهور، و هو

____________

(1) في ج 5: 285- 286.

(2) في ص: 10.

(3) راجع تبصرة المتعلّمين: 122.

24

..........

____________

منتف هنا، لاشتراك اللفظ بين المعنيين.

و فصّل بعضهم (1) فقال: إن قدّم الشرط فقال: إن جاء رأس الشهر فعليّ كذا، كان إقرارا معلّقا فيبطل، و إن أخّره كان إقرارا بمؤجّل. و الفرق: أنه إذا بدأ بالشرط لم يكن مقرّا بالحقّ و إنما علّقه بالشرط، بخلاف ما إذا أخّره، فإنّه يكون قد أقرّ بالألف أولا فإذا قال: إذا جاء رأس الشهر احتمل أن يريد به محلّها و وجوب تسليمها و أن يريد الآخر، فلا يحمل على الثاني حذرا من تعقيب الإقرار بالمنافي، بل على الأول لعدم المنافاة.

و ردّه المصنّف و غيره (2) من المحقّقين بأنه لا فرق من حيث اللغة و العرف بين تقديم الشرط و تأخيره، و أن الشرط و إن تأخّر لفظا فهو متقدّم معنى و له صدر الكلام.

إذا تقرّر ذلك فنقول: إذا حملناه على الصحّة أو فسّر بإرادة التأجيل قبل منه الإقرار بأصل المال، لكن هل يقبل منه الإقرار بالأجل؟ فيه قولان:

أحدهما: عدم القبول، لثبوت أصل المال بإقراره و الأجل دعوى زائدة على أصل الإقرار فلا تسمع، كما لو أقرّ بالمال ثمَّ ادّعى قضاه. و لأن (3) الأصل الحلول فدعوى التأجيل خلاف الأصل، فيكون مدّعيه مدّعيا.

و الثاني: القبول، لأن الإقرار التزام المقرّ بما أقرّ به دون غيره، و إنما أقرّ بالحقّ المؤجّل فلا يلزمه غيره.

____________

(1) تحرير الأحكام 2: 117.

(2) راجع جامع المقاصد 9: 191.

(3) في «ص، ط، ق، و»: لأن.

25

..........

____________

و لأن قوله: له ألف إلى شهر، في قوّة [قوله] (1): ألف موصوفة بالتأجيل المعيّن، فيكون ذلك كقوله: له ألف درهم من النقد الفلاني أو بوصف كذا.

و لأن الكلام الواقع منه جملة واحدة لا يتمّ إلّا بآخره، و إنما يحكم عليه بعد كماله، كما لو عقّبه باستثناء أو وصف أو شرط.

و لأنّه لو لا قبول ذلك منه لأدّى إلى انسداد باب الإقرار بالحقّ المؤجّل، فإذا (2) كان على الإنسان دين مؤجّل و أراد التخلّص منه بالإقرار فإن لم يسمع منه لزم الإضرار به، و ربما كان الأجل طويلا بحيث إذا علم عدم قبوله منه لا يقرّ بأصل الحقّ خوفا من إلزامه به حالّا و الإضرار به، فيؤدّي تركه إلى الإضرار بصاحب الحقّ، و هذا غير موافق لحكمة الشارع. و حينئذ فالقبول قويّ.

و المصنّف- رحمه اللّٰه- اقتصر على مجرّد الحكم بلزوم الألف و لم يتعرّض لإثبات الأجل و لا لنفيه، لكنّه إلى لزومه حالّا أقرب، و لأنه مذهب الأكثر.

و اعلم أن العبارة المقتضية للإقرار بالحقّ المؤخّر قد تكون صريحة في التعليق، كما إذا علّقه بشرط لا يطابق الأجل الشرعي، كقوله: إذا قدم زيد، و نحوه. و هذا لا إشكال في فساده. و قد تكون صريحة في التأجيل، كقوله: له ألف مؤجّلة إلى شهر. و لا إشكال في لزوم أصل المال، و إنما الإشكال في قبول الأجل. و قد تكون محتملة للتعليق و التأجيل، كقوله: له ألف إذا جاء رأس الشهر. و الخلاف فيه في موضعين، أحدهما: في أصل الصحّة، و الثاني: على تقدير الصحّة في ثبوت الأجل و عدمه.

____________

(1) من «ذ، خ، م».

(2) كذا في «خ»، و في سائر النسخ: و إذا.

26

و لو قال المالك: (1) بعتك أباك، فإذا حلف الولد انعتق المملوك، و لم يلزم الثمن.

و لو قال: ملكت (2) هذه الدار من فلان، أو غصبتها منه، أو قبضتها منه، كان إقرارا له بالدار. و ليس كذلك لو قال: تملّكتها على يده، لأنه يحتمل المعونة.

____________

قوله: «و لو قال المالك. إلخ».

(1) إذا قال مالك العبد لولده: بعتك أباك فأنكر الشراء، فدعوى المالك تضمّنت أمرين، أحدهما: لزوم الثمن للمشتري، و الثاني: انعتاق العبد. فأمّا ما تضمّنه من لزوم الثمن للمشتري المترتّب على البيع فهو مجرّد دعوى، و القول قول الولد في عدم الشراء، لأنه منكر فينتفي عنه الثمن كما ينتفي عنه أصل الشراء.

و أمّا تضمّنها لانعتاق العبد فهو إقرار بعتق عبده الذي هو تحت يده، لأن دعواه شراء ابنه أباه يستلزم ذلك فيؤاخذ بإقراره، و يحكم بعتق العبد من غير عوض. و ينتفي ولاؤه عن الابن لإنكاره الشراء، و عن المقرّ لاعترافه بأنه لم يعتقه، فيبقى سائبة (1).

قوله: «و لو قال: ملكت. إلخ».

(2) وجه كونه إقرارا في الأول: أن ملكها منه أو غصبها أو قبضها (2) يقتضي الإقرار له باليد، و هي ظاهرة في الملك إلى أن يثبت خلافه، و إن أمكن كونها بيده

____________

(1) كذا في «ص، د، ق، ط، و»، و في «ذ، خ، م»: فيبقى ولاؤه موقوفا، و في الحجريّتين: فولاؤه يبقى موقوفا.

(2) في «د، ط» و الحجريّتين: أن ملكتها. غصبتها. قبضتها.

27

و لو قال: كان لفلان (1) عليّ ألف، لزمه الإقرار، لأنه إخبار عن تقدّم الاستحقاق، فلا تقبل دعواه في السقوط.

____________

على جهة العارية أو الوكالة، بخلاف قوله: تملّكتها على يده، فإنه لا يقتضي إلا جريان سبب الملك على يده، و هو أعمّ من صدوره منه، فلا يدلّ على كونه مالكا، لجواز كونه وكيلا أو دلّالا، أو نحو ذلك.

قوله: «و لو قال: كان لفلان. إلخ».

(1) إطلاق قوله: «كان له عليّ كذا» يقتضي ثبوته في الزمن الماضي، و لا يدلّ على الزوال، لاستعماله (1) لغة في المستمرّ كقوله تعالى وَ كٰانَ اللّٰهُ عَلِيماً حَكِيماً (2) و غير ذلك من الاستعمالات الكثيرة في القرآن و غيره، لكنّها تشعر بذلك بحسب العرف، و لا تبلغ حدّ العلم (3) به بحيث يستقرّ الاستعمال فيه، فيحكم بالاستصحاب. و لو صرّح بعده بدعوى سقوطه لم تسمع، لأنه إقرار بالمنافي، لأصالة البقاء.

و خالف في ذلك بعض العامّة (4)، فحكم بكونه ليس إقرارا في الحال، لأصالة براءة الذمّة، و لأنه لم يذكر عليه شيئا في الحال و إنما أخبر بذلك في زمن ماض كما لو شهدت البيّنة به كذلك (5).

____________

(1) في «ذ» و الحجريّتين: لاستعمالها.

(2) النساء: 17.

(3) في «ذ، خ، م»: الحكم.

(4) راجع المغني لابن قدامة 5: 286، روضة الطالبين 4: 22- 23.

(5) كذا في «ذ، د، خ»، و في سائر النسخ: لذلك.

28

[المقصد الثاني في: المبهمة]

المقصد الثاني في: المبهمة (1) و فيها مسائل:

____________

قوله: «الثاني: في المبهمة. إلخ».

(1) المقرّ به قد يكون معيّنا مفصّلا، و قد يكون مبهما مجهول الحال. و إنما احتمل فيه الإبهام لأنه إخبار عن (1) سابق، و الشيء يخبر عنه مفصّلا تارة و مجملا أخرى، و ربما كان في ذمّة الإنسان شيء لا يعلم قدرة فلا بدّ له من الإخبار عنه، فيتواطأ (2) هو و صاحبه على الصلح بما يتّفقان عليه، فدعت الحاجة و اقتضت الحكمة إلى سماع الإقرار المجمل كما يسمع المفصّل. و يخالف الإنشاءات حيث لا تحتمل الجهالة و الإجمال غالبا، احتياطا لابتداء الثبوت، و تحرّزا عن الغرر، و هذا لا يجري في الإخبار.

و لا فرق في الأقارير المجملة بين أن تقع ابتداء أو في جواب دعوى معلومة، كما إذا ادّعى عليه ألف درهم فقال: لك عليّ شيء. و الألفاظ التي تقع فيها الجهالة و الإجمال لا حصر لها، فذكر المصنّف- رحمه اللّٰه- و غيره (3) من الفقهاء ما هو أكثر استعمالا و دورانا على الألسنة ليعرف حكمها و يقاس عليها غيرها.

____________

(1) في الحجريّتين: بحقّ سابق.

(2) في «ذ، خ، م»: ليتواطأ.

(3) راجع قواعد الأحكام 1: 279- 283.

29

[الأولى: إذا قال: له عليّ مال، ألزم التفسير]

الأولى: إذا قال: له عليّ مال، (1) ألزم التفسير، فإن فسّر بما يتموّل قبل، و لو كان قليلا.

و لو فسّر بما لم تجر العادة بتموّله، كقشر الجوزة و اللوزة، لم يقبل.

و كذا لو فسّر المسلم بما لا يملكه و لا ينتفع به، كالخمر و الخنزير و جلد الميتة، لأنه لا يعدّ مالا. و كذا لو فسّره بما ينتفع به و لا يملك، كالسرجين النجس و الكلب العقور.

أما لو فسّره بكلب الصيد أو الماشية، أو كلب الزرع قبل.

و لو فسّره بردّ السلام لم يقبل، لأنه لم تجر العادة بالإخبار عن ثبوت مثله في الذمّة.

____________

قوله: «إذا قال: له عليّ مال. إلخ».

(1) المال من الصيغ المجملة، لاحتماله القليل و الكثير. فإذا قال: له عليّ مال رجع في تفسيره إليه، فإن فسّره بتفسير صحيح قبل منه، و إن امتنع حبس حتى يبيّن، لأنّ البيان واجب عليه، كما يحبس على الامتناع من أداء الحقّ، إلا أن يقول: نسيت مقداره، فلا يتّجه الحبس، بل يرجع إلى الصلح أو يصبر عليه حتى يتذكّر.

و على تقدير تفسيره له فإن فسّره بما يتموّل قبل قلّ أم كثر، كفلس و رغيف و تمرة حيث يكون لها قيمة. و لو فسّره بما لا يتموّل لم يقبل، سواء كان من جنس ما يتموّل كحبّة من حنطة و شعير و سمسم، أم لا كالكلب العقور و السرجين النجس و جلد الميتة عند من لا يجعلها قابلة للطهارة بالذكاة (1).

____________

(1) في الحجريّتين: بالدباغة.

30

..........

____________

و ربما قيل (1) بقبول تفسيره بما يكون من جنس ما يتموّل، لأنّ المال أعمّ من المتموّل، إذ كلّ متموّل مال و لا ينعكس.

و الأظهر الأول، لأنه و إن دخل في اسم المال إلّا أن قوله: «له عليّ» يقتضي ثبوت شيء في الذمّة، و ما لا يتموّل لا يثبت في الذمّة و إن حرم غصبه و وجب ردّه.

و لو فسّره بأحد الكلاب الأربعة قبل، لأنها مال متموّل عند من يجوّز بيعه.

و كذا الجرو القابل للتعليم.

و لا يقبل تفسيره بما لا يعدّ مالا و إن كان حقّا كردّ السلام و تسميت العاطس و العيادة، لأن ذلك لا يعدّ مالا و لا يثبت في الذمّة و إن استحقّ مرتكبها الإثم كترك ردّ السلام. و لو علّل المصنف عدم الاجتزاء بردّ السلام بعدم كونه مالا و الإقرار إنما كان بالمال لكان أظهر، و إنما يحسن تعليله بعدم ثبوته في الذمّة على تقدير أن يكون الإقرار بالشيء أو بالحقّ كما ذكره غيره (2).

و لو فسّره بوديعة قبل، لأنها مال يجب عليه ردّها عند الطلب، و قد يتعدّى فيها فتكون مضمونة. و قال بعضهم [1]: لا يقبل، لأنها في يده لا عليه. و لا يقبل بحقّ الشفعة، لأنه حقّ لا مال كردّ السلام و العيادة.

____________

[1] راجع روضة الطالبين 4: 26، فقد حكم بذلك فيما إذا أقرّ بالشيء.

____________

(1) راجع تذكرة الفقهاء 2: 152.

(2) قواعد الأحكام 1: 279، تذكرة الفقهاء 2: 151- 152.

31

[الثانية: إذا قال: له عليّ شيء، ففسّره بجلد الميتة أو السرجين النجس]

الثانية: إذا قال: له عليّ شيء، (1) ففسّره بجلد الميتة أو السرجين النجس، قيل: يقبل، لأنه شيء. و لو قيل: لا يقبل، لأنه لا يثبت في الذمّة، كان حسنا.

____________

قوله: «إذا قال: له عليّ شيء. إلخ».

(1) الشيء أعمّ من المال، فكلّ ما يقبل تفسير المال به يقبل به تفسير الشيء، و لا ينعكس، إذ يقبل تفسير الشيء بحدّ القذف و حقّ الشفعة لأنهما شيء، دون المال.

و في قبول تفسيره بجلد الميتة و السرجين النجس و الخمر المحرّمة (1) قولان:

أحدهما: القبول، لصدق الشيء عليها، و إمكان المنفعة بها، و تحريم أخذها، لثبوت الاختصاص فيها. و هو اختيار العلّامة في أحد قوليه [1].

و الثاني- و هو الأجود-: العدم، لأن اللام في «له» و [2] «عليّ» ظاهرة في الملك و تلك الأشياء ليست بمملوكة.

و في قبول تفسيره بما لا يتموّل كحبّة الحنطة و قمع [3] الباذنجان قولان:

و أولى بالقبول هنا، و هو اختياره في التذكرة [4]، لأنّه شيء يحرم أخذه و على من أخذه ردّه.

____________

[1] راجع تذكرة الفقهاء 2: 151، و لكن اختار ذلك بالنسبة إلى مطلق السرجين و الخمر المحترمة فقط.

[2] كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية، و في هامش «و»: الظاهر عدم وجود الواو، و لعلّ المراد: لأن اللام في «له» و كذا كلمة «عليّ» ظاهرة.

[3] القمع: ما على التمرة و البسرة. الصحاح 3: 1272.

[4] راجع تذكرة الفقهاء 2: 151، و لكن اختار ذلك بالنسبة إلى مطلق السرجين و الخمر المحترمة فقط.

____________

(1) في «ق، و»: المحترمة.

32

..........

____________

و الثاني: عدم القبول، لأنّه لا قيمة له فلا يصحّ (1) التزامه بكلمة «عليّ» و لهذا لا تصحّ الدعوى به. و فيه منع عدم سماع الدعوى به. و عليه يترتّب ثبوته ب«عليّ» و إن لم يكن متموّلا.

و لا يقبل تفسيره بردّ السلام و العيادة، لأنه بعيد عن الفهم في معرض الإقرار، إذ لا مطالبة بهما و الإقرار في العادة ما يطلبه المقرّ [له] (2) و يدّعيه.

نعم، لو قال: له عليّ حقّ، قال في التذكرة (3): يقبل بهما، لما روي في الخبر (4) من أن حقّ المسلم على المسلم أن يردّ سلامه و يسمّت عطسته و يجيب دعوته، إلى غير ذلك من الحقوق.

و الأشهر عدم القبول، لأن الحقّ أخصّ من الشيء فيبعد أن يقبل تفسير الأخصّ بما لا يقبل به تفسير الأعمّ.

و يمكن الجواب بأن أهل العرف يطلقون الحقّ و يريدون هذه الأمور، فيقولون: لفلان على فلان حقّ، و يريدون خدمته (5) له و سعيه إلى بابه، و نحو ذلك.

____________

(1) في «ص»: يصلح.

(2) من إحدى الحجريّتين.

(3) تذكرة الفقهاء 2: 152.

(4) كنز الفوائد 1: 306، الوسائل 8: 550 ب «122» من أبواب أحكام العشرة ح 24.

(5) في «ذ، خ، م»: حديثه.

33

و لو قال: مال (1) جليل، أو عظيم، أو خطير، أو نفيس، قبل تفسيره و لو بالقليل.

و لو قال: كثير، قال الشيخ: يكون ثمانين، رجوعا في تفسير الكثرة إلى رواية النذر. و ربما خصّها بعض الأصحاب بموضع الورود.

و هو حسن.

و كذا لو قال: عظيم جدّا، كان كقوله: عظيم. و فيه تردّد.

____________

قوله: «و لو قال: مال. إلخ».

(1) هنا مسائل:

الاولى: لو أقرّ بمال جليل أو عظيم أو كثير أو جزيل أو نفيس أو خطير أو غير تافه أو مال و أي مال، و نحو ذلك، قبل تفسيره بأقلّ ما يتموّل كما لو أطلق المال، لأنه يحتمل أن يريد به عظيم (1) خطره بكفر مستحلّه و وزر غاصبه و الخائن (2) فيه. و لأنه ليس في العظيم و ما في معناه حدّ في الشرع و لا في اللغة و لا في العرف، و الناس مختلفون في ذلك، فبعضهم يستعظم القليل نظرا إلى ما ذكرناه، و بعضهم يستعظمه لشحّه و اعتنائه بالمال، و بعضهم لا يستعظم الكثير لكونه على خلاف ذلك الخلق، فيرجع إلى تفسيره فيه، لأنه أعرف بمراده، و الأصل الذي يبنى عليه الإقرار الأخذ بالمتيقّن و الترك لغيره و عدم اعتبار الغلبة.

و للعامّة في ذلك مذاهب مختلفة، فاعتبر بعضهم (3) عشرة دراهم، و آخرون

____________

(1) في «م»: عظم.

(2) في «خ، م»: و الجائر.

(3) راجع الحاوي الكبير 7: 13، المبسوط للسرخسي 18: 98، بدائع الصنائع 7: 220، المغني لابن قدامة 5: 316، حلية العلماء 8: 340- 341.

34

..........

____________

نصاب القطع، و آخرون مائتي درهم، و أكثرهم على ما ذكرناه.

الثانية: لو قال: له مال كثير، قال الشيخ (1)- (رحمه الله)-: يلزمه ثمانون بناء على الرواية الّتي تضمّنت أن من نذر الصدقة بمال كثير يلزمه الصدقة بثمانين (2) درهما، و استشهد عليه بقوله تعالى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ (3) فإنها عدّت فوجدت ثمانين موطنا.

و عدّاها الشيخ (4)- (رحمه الله)- إلى الوصيّة و إلى الإقرار، نظرا إلى أن ذلك تقدير شرعيّ للكثير. و هو ضعيف، لأن ذلك على خلاف الأصل فيقتصر فيه على تقدير التزامه على مورده، مع أن الرواية مرسلة. و كون المواطن التي نصر فيها ثمانين- على تقدير تسليم ذلك العدد- لا يدلّ على انحصار الكثير فيها، لأن ذلك ليس بحدّ للكثير أو لأقلّه، بل فيه وصف ذلك بالكثرة و هو لا يمنع من وقوع اسمها على ما دون ذلك العدد، و قد قال تعالى كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً (5) و ليس المراد منها ما ذكره، و كذا قوله تعالى اذْكُرُوا اللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً (6) و أمثاله في القرآن كثير.

و لقد أغرب ابن الجنيد (7) حيث جعل العظيم كالكثير في إفادة العدد

____________

(1) الخلاف 3: 359 مسألة (1)، المبسوط 3: 6.

(2) تفسير القمّي 1: 284- 285، تفسير العيّاشي 2: 84 ح 37، الكافي 7: 463 ح 21، تحف العقول:

481، معاني الأخبار: 218 ح 1، التهذيب 8: 309 ح 1147 و ص: 317 ح 1180، الاحتجاج:

453- 454، وسائل الشيعة 16: 186 ب «3» من أبواب النذر و العهد ح 1.

(3) التوبة: 25.

(4) الخلاف 3: 359 مسألة (1)، المبسوط 3: 6.

(5) البقرة: 249.

(6) الأحزاب: 41.

(7) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 442.

35

..........

____________

المذكور.

و بعض العامّة (1) وافق على انحصار الكثير فيما دلّت عليه الآية، لكنّه جعل العدد اثنين و سبعين، مدّعيا أن غزواته (صلّى اللّه عليه و آله) و سراياه كانت كذلك.

و أكثر السير (2) على خلاف الأمرين، و الأشهر (3) منها أن غزواته كانت بعضا و عشرين و [تعود] (4) سراياه ستّين، و في كثير منها لم يحصل قتال و لا يوصف بالنصرة، و بعضها يكون فيها خلافها.

الثالثة: لو قال: له عليّ مال عظيم جدّا، فهو كما لو قال: له مال عظيم، لأصالة البراءة من الزائد عمّا يفسّره، و احتمال تأويل المبالغة بما أوّل به أصل الوصف بالعظمة، فإن العظم (5) يختلف في الاعتبار، فجاز المبالغة في تعظيم ما عظّمه اللّه و رتّب عليه ما ذكر من الأحكام.

و المصنّف- (رحمه الله)- تردّد في ذلك ممّا ذكر، و من اقتضاء ذلك المبالغة في الكثرة، و هو يقتضي زيادتها عمّا دلّ عليه اللفظ الخالي عنها، فلا يقبل تفسيرهما بأمر واحد. و الأظهر الأول، بل لم يذكر غيره (6) فيه إشكالا و لا احتمالا.

____________

(1) راجع الحاوي الكبير 7: 14، حلية العلماء 8: 341، المغني لابن قدامة 5: 316.

(2) انظر مغازي الواقدي 1: 7، سيرة ابن هشام 4: 256، تاريخ الطبري 3: 158، مروج الذهب 2:

287 و 289، السيرة النبويّة لابن كثير 4: 431.

(3) سقطت العبارة: «و الأشهر منها- إلى- خلافها» من «ذ، خ، م».

(4) من «د، ط، و»، و في «ص» و الحجريّتين: و كذا سراياه.

(5) في «ص، د، خ»: العظيم.

(6) كما في قواعد الأحكام 1: 280.

36

و لو قال: أكثر ممّا لفلان، (1) الزم بقدره و زيادة، و يرجع في تلك الزيادة إلى المقرّ. و لو قال: كنت أظنّ ماله عشرة، قبل ما بنى عليه إقراره، و لو ثبت أن مال فلان يزيد عن ذلك، لأن الإنسان يخبر عن و همه، و المال قد يخفى على غير صاحبه.

____________

قوله: «و لو قال: أكثر ممّا لفلان. إلخ».

(1) إطلاق العبارة يدلّ على أن الأكثريّة محمولة على أكثريّة المقدار، و لا يحمل على أكثريّة الاعتبار كما اعتبر في المسائل السابقة. و وجهه: أن الظاهر المتبادر هو الكثرة العدديّة، فيكون حقيقة فيها. و بهذا قطع جماعة (1) من الأصحاب منهم الشهيد (2) (رحمه الله).

و اختلف كلام العلّامة، ففي التحرير (3) و الإرشاد (4) حمل الإطلاق على كثرة المقدار كما ذكره المصنّف، و لكن قال: إنه لو ادّعى عدم إرادة الكثرة في المقدار بل إن الدّين أكثر بقاء من العين و الحلال أكثر بقاء من الحرام، قبل، و له حينئذ التفسير بأقلّ ما يتموّل.

و في القواعد (5) اقتصر على أنه لو فسّره بأكثر عددا أو قدرا الزم بمثله و زيادة. و تردّد في قبول قوله لو فسّره بالبقاء أو المنفعة أو البركة، و لم يذكر حالة الإطلاق.

____________

(1) المبسوط 3: 6، جواهر الفقه: 86 مسألة (316)، الجامع للشرائع: 342.

(2) الدروس الشرعيّة 3: 138.

(3) تحرير الأحكام 2: 115.

(4) إرشاد الأذهان 1: 410.

(5) قواعد الأحكام 1: 280.

37

..........

____________

و في التذكرة (1) قطع بأنه مع الإطلاق يقبل تفسيره بأقلّ متموّل و إن كثر مال فلان. قال: لأنه يحتمل أن يريد به أنه دين لا يتطرّق إليه الهلاك و ذلك عين معرض للهلاك، أو يريد أن مال زيد عليّ حلال و مال فلان حرام و القليل من الحلال أكثر بركة من الكثير من الحرام.

قال: «و كما أن القدر مبهم في هذا فكذلك الجنس و النوع مبهمان.

و لو قال: له عليّ أكثر من مال فلان عددا، فالإبهام في الجنس و النوع. و لو قال:

له من الذهب أكثر ممّا لفلان، فالإبهام في القدر و النوع. و لو قال: من صحاح الذهب، فالإبهام في القدر وحده. و لو قال: له عليّ أكثر من مال فلان و فسّره بأكثر منه عددا و قدرا، لزمه أكثر منه، و يرجع إليه في تفسير الزيادة و لو حبّة أو أقلّ» انتهى.

و هذا القول هو الموافق للحكم المتّفق عليه في المسائل السابقة، فإن الكثرة و نظائرها إذا لم تحمل عند الإطلاق على كثرة المقدار، و اكتفي في نفي الزيادة باحتمال إرادة كثرة الأخطار، فكذلك الأكثريّة. و دعوى أن كثرة المقدار هي المتبادر من اللفظ مشتركة بين الموضعين، و لا أقلّ من قبول تفسيره بما شاء من ذلك، لا كما أطلقه المصنّف (رحمه الله).

إذا تقرّر ذلك، فعلى تقدير حمله على مثله في المقدار و زيادة- مع الإطلاق أو تفسيره بذلك- يكفي في الزيادة مسمّاها و إن لم تكن متموّلة، كما يدلّ عليه إطلاق المصنّف- (رحمه الله)- و غيره (2)، و صرّح

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 153.

(2) الدروس الشرعيّة 3: 138.

38

..........

____________

به في التذكرة (1) حيث اكتفى بحبّة أو أقلّ، لتحقّق الأكثريّة بذلك. و إن اكتفينا بأقلّ من ذلك اعتبر فيه التموّل. و الفرق: أنه حينئذ يكون مجموع المقرّ به و لا يكون إلّا متموّلا كما قد علم (2) من تفسير المال و غيره، بخلاف الزيادة المنضمّة إلى مثل مال فلان، فإن المقرّ به هو المجموع من الزيادة و المثل، فلا يعتبر التموّل في نفس الزيادة، لأنها بعض أجزاء المقرّ به، و لا يعتبر في أجزاء المقرّ به مطلقا التموّل، ضرورة أن أجزاءه لا بدّ أن تنتهي إلى مقدار لا يتموّل. و اعتبر بعضهم (3) التموّل في الزيادة منفردة، نظرا إلى عدم تحقّق الماليّة فيها بدون التموّل. و ضعفه واضح (4) ممّا قرّرناه.

ثمَّ على تقدير القول بلزوم مثل ماله و زيادة لو ادّعى المقرّ أنه بنى على ما ظهر له من ماله و أنه حسبه مقدارا مخصوصا، قبل قوله مع يمينه إن نازعه المقرّ له في ذلك، لأن المال ممّا يخفى، و لزمه مقدار ما ادّعى إرادته و زيادة يرجع إليه فيها.

و لا فرق في قبول قوله في ذلك بين أن تقوم البيّنة بمقدار ماله و عدمه، لاشتراك الجميع في المقتضي و هو كون المال ممّا يخفى غالبا عن غير صاحبه، منضمّا إلى أصالة براءة ذمّته ممّا زاد.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 153.

(2) في ص: 29.

(3) راجع جامع المقاصد 9: 254.

(4) في الحجريّتين: ظاهر.

39

و لو قال: غصبتك (1) شيئا، و قال: أردت نفسك، لم يقبل.

____________

و لا فرق أيضا بين قوله- قبل دعواه قلّة مال فلان-: إنه يعلم مقدار ماله و عدمه، لأن علمه مستند إلى ما يظهر له.

نعم، لو علم كذبه في دعواه، بأن كان لفلان مال ظاهر له أزيد ممّا ادّعاه، فلا إشكال في عدم القبول.

قوله: «و لو قال: غصبتك. إلخ».

(1) وجه عدم القبول: ما هو المشهور من تعريف الغصب أنه الاستيلاء على مال الغير عدوانا، و نفس الحرّ ليست مالا، و لأن المتبادر من اللفظ كون المغصوب غير المغصوب منه.

و علّل أيضا بأنه: «جعل للغصب مفعولين الثاني منهما «شيئا» فيجب مغايرته للأول» (1).

و اعترض (2) بأنه يجوز أن يكون «شيئا» بدلا من الضمير، و الفعل متعدّ إلى مفعول واحد.

و جوابه: أن المفعول الأول إذا كان حرّا لزم إثبات مفعول آخر ليتعلّق به الغصب حقيقة، لما ذكر في تعريفه.

و أجيب (3) أيضا بأن «شيئا» نكرة فلا يكون بدلا من الضمير المعرفة إلا مع كون النكرة منعوتة كقوله تعالى بِالنّٰاصِيَةِ نٰاصِيَةٍ كٰاذِبَةٍ (4).

و هذا الجواب ليس بصحيح، بل الحقّ جواز إبدال النكرة من المعرفة

____________

(1) راجع قواعد الأحكام 1: 280، تذكرة الفقهاء: 2: 152.

(2) انظر جامع المقاصد 9: 247.

(3) انظر جامع المقاصد 9: 247.

(4) العلق: 16.

40

[الثالثة: الجمع المنكّر يحمل على الثلاثة]

الثالثة: الجمع المنكّر (1) يحمل على الثلاثة، كقوله: له عليّ دراهم أو دنانير.

____________

و بالعكس مطلقا، نصّ عليه المحقّقون من النحاة كالزمخشري (1) و ابن هشام (2) و غيرهما (3)، و جعلوا منه قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرٰامِ قِتٰالٍ فِيهِ (4) و قوله تعالى قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ (5) و غير ذلك من الآيات القرآنيّة و الشواهد اللغويّة.

و يتفرّع على التعليلين ما لو كان المقرّ له عبدا، فعلى الأول يصحّ التفسير، لأنه مال، لا على الثاني، لاقتضاء مفعولي الفعل المغايرة. و هذا هو الذي اختاره الشهيد في الدروس (6). و هو حسن.

قوله: «الجمع المنكّر. إلخ».

(1) احترز بالمنكّر عمّا لو كان الجمع معرّفا، فإنه يفيد العموم كما حقّق في الأصول، فربما لا يحمل على الثلاثة.

و فيه نظر، لأن العموم هنا غير مراد، و ليس له حدّ يوقف عليه، فلا فرق في الحمل على الثلاثة بين المعرّف و المنكّر، كما لا يفرّق فيه بين جمع القلّة و الكثرة، و الفرق بينهما اصطلاح خاصّ لا يجري في المحاورات العرفيّة.

____________

(1) المفصّل: 121.

(2) راجع مغني اللبيب 2: 455- 456، شرح شذور الذهب: 444.

(3) راجع الأشباه و النظائر للسيوطي 4: 87.

(4) البقرة: 217.

(5) التوحيد: 1.

(6) الدروس الشرعيّة 3: 137.

41

و لو قال: له ثلاثة آلاف (1) و اقتصر، كان بيان الجنس إليه إذا فسّر بما يصحّ تملّكه.

____________

و حمل الجمع على الثلاثة هو أصحّ القولين للأصوليّين. و قيل (1):

أقلّه اثنان. و عليه، فيحمل الإقرار بالجمع عليهما. و استقرب في الدروس (2) قبول دعواه لو أخبر بأنه من القائلين بذلك، أو أنه أول الجمع بمعنى الاجتماع. و هو يتمّ في الأول إن كان له أهليّة القول بمثل ذلك بطريق النظر و الاجتهاد، أو أخبر أنه قلّد فيه مجتهدا يقول به. و أما الثاني فهو مجاز في معناه فلا يقبل منه إرادته حملا على الأصل. نعم، لو اتّصل تفسيره بإقراره اتّجه القبول مطلقا، لأنه حينئذ يصير كالجملة الواحدة.

قوله: «و لو قال: له ثلاثة آلاف. إلخ».

(1) الإقرار بالعدد مجرّدا عن التمييز يشتمل على إبهام الجنس و الوصف، فيرجع إليه في تعيينهما، و يقبل تفسيره بما يتموّل مع صدق اسم العدد عليه عرفا، فلو فسّره بثلاثة آلاف حبّة من الدخن و نحوها قبل. و لو فسّره بقطعة واحدة تقبل التجزئة إلى ثلاثة آلاف جزء لم يقبل، و إن كان ذلك أكثر من المجتمع من العدد المنفصل، لأن المتبادر من ذلك الكمّ المنفصل لا المتّصل.

____________

(1) انظر تذكرة الفقهاء 2: 155.

(2) الدروس الشرعيّة 3: 137.

42

[الرابعة: إذا قال: له ألف و درهم، ثبت الدرهم]

الرابعة: إذا قال: له ألف (1) و درهم، ثبت الدرهم، و يرجع في تفسير الألف إليه، و كذا لو قال: ألف و درهمان. و كذا لو قال: مائة و درهم، أو عشرة و درهم.

أما لو قال: مائة و خمسون درهما، كان الجميع دراهم، بخلاف مائة و درهم. و كذا لو قال: ألف و ثلاثة دراهم. و كذا لو قال: ألف و مائة درهم، أو ألف و ثلاثة و ثلاثون درهما.

____________

قوله: «إذا قال: له ألف. إلخ».

(1) إذا أقرّ بأعداد مختلفة و أتى فيها بمميّز واحد، فإن كانت الأعداد بمنزلة واحد كالمركّب فالتمييز للجميع، كقوله: له خمسة عشر درهما. و إن كانت متعاطفة، فإن كان التمييز متوسّطا بينها لم يرجع إلى ما بعده قطعا، بل هو على إبهامه، كقوله: له مائة درهم و عشرون. و إن تأخّر عنها فالأصل يقتضي اختصاصه بما قبله متّصلا به خاصّة، لأن العطف اقتضى انقطاع أحد العددين عن الآخر. لكن قد يساعد العرف على ذلك أيضا، كما إذا قال: له ألف و درهم، أو عشرة و ألف درهم (1). و يمكن إخراج المثال الأول من هذا القبيل، لأن الدرهم لم يقع مميّزا، و إنما هو من جنس مستقلّ معطوف على مبهم الجنس، فلا يقتضي تفسيره. و قد يخالفه العرف و يدلّ على عوده إلى الجميع، كما لو قال: له مائة و خمسة و عشرون درهما، أو ألف و مائة درهم، أو ألف و ثلاثة دراهم، أو ألف و ثلاثة و ثلاثون درهما، و نحو ذلك، فإنّ الكلّ في العرف

____________

(1) كذا في «د، خ»، و في «ص، ق، ط، و»: ألف و درهم و ألف درهم، و في «م» و الحجريّتين: ألف درهم أو عشرة و ألف درهم.

43

..........

____________

دراهم، حتى لو أراد أحد تمييز كلّ عدد منها عدّ مطوّلا مهذرا. و بهذا عمل الأكثر (1).

و ذهب في المختلف (2) إلى أنه لو قال: له عليّ ألف و ثلاثة دراهم أو مائة و خمسون درهما، رجع إليه في تفسير الألف و المائة، محتجّا بأن الدراهم و الدرهم ليس تمييزا للألف و لا للمائة، و كما يحتمل أن يكون تمييزا للمجموع يحتمل أن يكون تمييزا للأخير، فلا يثبت في الذمّة شيء بمجرّد الاحتمال. و هذا التعليل يقتضي التعدّي إلى ما يوافقه من الأمثلة و إن كان قد اقتصر على المثالين.

و صرّح بعضهم (3) بأنه يعود إلى الذي يليه خاصّة مطلقا. و عذره واضح من حيث اللغة، خصوصا إذا كان التمييز غير مطابق لجميع الأعداد، كقوله: مائة و عشرون درهما، فإن مميّز المائة مجرور مفرد و مميّز العشرين منصوب، فلا يصلح لهما. و لأن الاستثناء بعد الجمل إنما يعود إلى الأخيرة. و لأصالة براءة الذمّة من الزائد على ما يفسّره (4) في السابق. إلا أن العرف مستقرّ، و الاستعمال واقع بالمشهور، و به جاء القرآن في قوله تعالى إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً (5) و في الحديث أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) توفّي و هو ابن ثلاث و ستّين

____________

(1) راجع المبسوط 3: 7، جواهر الفقه: 88 مسألة (320)، غنية النزوع (ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة) 12: 183، إصباح الشيعة: 332، السرائر 2: 501.

(2) المختلف: 440.

(3) انظر الحاوي الكبير 7: 19، حلية العلماء 8: 351، المغني لابن قدامة 5: 306، روضة الطالبين 4: 32.

(4) في «خ، م» و الحجريّتين: ما في تفسيره في.

(5) ص: 23.

44

..........

____________

سنة (1)، و قال الشاعر (2):

و لها اثنتان و أربعون حلوبة و غير ذلك من الاستعمالات الكثيرة.

و على الوجهين يتفرّع ما لو قال: بعتك بمائة و عشرين درهما، فعلى الأول يصحّ البيع دون الثاني، لأن المائة مبهمة.

و لو قال: له درهم و نصف، فالعرف يقتضي رجوع النصف إلى الدرهم، و هو لا ينافي ما تقدّم من عدم عود التمييز المتوسّط إلى ما بعده، لأن الدرهم هنا لم يقع مميّزا و إنما هو جنس مستقلّ عطف عليه آخر. و مثله: عشرة دراهم و نصف، و ألف درهم و نصف، [و مائة و نصف] (3). و لو قال: مائة و نصف درهم، فالجميع دراهم عملا بالعرف. نعم، لو قال: له نصف و درهم، فالنصف مبهم، لعدم دلالة العرف في هذا المثال على دلالة الدرهم عليهما.

و لو قال: مائة و قفيز حنطة، فالمائة مبهمة، بخلاف قوله: مائة و ثلاثة دراهم، بدلالة العرف. و علّله في التذكرة (4) بأنّ «الدراهم تصلح تفسيرا للكلّ، و الحنطة لا تصلح تفسيرا للمائة، لأنه لا يصحّ أن يقال: مائة حنطة». و فيه نظر، لأن تفسير الدراهم للمائة لا يصحّ بحسب الوضع أيضا، و إنما هو مجاز بالتأويل. و بالجملة، فالاعتماد في جميع ذلك على العرف، و مع الشك يقع الإبهام فيما يقع فيه.

____________

(1) انظر مروج الذهب 2: 290، دلائل النبوّة للبيهقي 7: 239، السيرة النبويّة لابن كثير 4: 511، كشف الغمّة 1: 14.

(2) ديوان عنترة: 17، و فيه: فيها اثنتان.

(3) من «خ، م» و الحجريّتين.

(4) تذكرة الفقهاء 2: 154.

45

و لو قال: عليّ درهم (1) و ألف، كانت الألف مجهولة.

[الخامسة: إذا قال: له عليّ كذا، كان إليه التفسير]

الخامسة: إذا قال: له عليّ كذا، (2) كان إليه التفسير، كما لو قال:

شيء. و لو فسّره بالدرهم، نصبا أو رفعا، كان إقرارا بدرهم.

و قيل: إن نصب كان له عشرون. و قد يمكن هذا مع الاطّلاع على القصد. و إن خفض احتمل بعض الدرهم، و إليه تفسير البعضيّة. و قيل:

يلزمه مائة درهم، مراعاة لتجنّب الكسر. و لست أدري من أين نشأ هذا الشرط؟

____________

قوله: «و لو قال: عليّ درهم.».

(1) لأن الدرهم جنس مستقلّ بالتمييز و قد عطف عليه عدد مبهم فلا يكون الدرهم تمييزا له. و لأنه لو توسّط التمييز لم يتعلّق بالمتأخّر كما لو قال: له مائة درهم و ألف، فكيف مع عدم التمييز أصلا؟ فإن الدرهم الواقع ليس تمييزا و إنما هو جنس مستقلّ مبيّن بنفسه. و كذا لو عكس فقال: ألف و درهم. و مثله ما لو قال: درهمان و ألف، أو و مائة، أو و عشرة، أو بالعكس.

قوله: «إذا قال: له عليّ كذا. إلخ».

(2) إذا قال: لفلان كذا، فهو كما لو قال: شيء، فيقبل تفسيره بما يقبل به تفسير الشيء. هذا إذا لم يفسّره. أما إذا فسّره بالدرهم، فإما أن يجعل الدرهم منصوبا أو مرفوعا أو مجرورا أو موقوفا. ففي الأولين يلزمه درهم، و جعل «درهما» منصوبا على التمييز كما لو قال: شيء درهما، و مرفوعا بدلا من الشيء فكأنّه قال: له درهم. و في الثالث يلزمه جزء درهم، و إليه يرجع في تفسير الجزء، و التقدير: جزء درهم أو بعض درهم، و «كذا» كناية عن الجزء.

و إن وقف احتمل الرفع و الجرّ، فيلزمه أقلّهما، لأصالة البراءة من الزائد. هذا هو

46

..........

____________

الذي يقتضيه اللفظ لغة و عرفا.

و قال الشيخ في المبسوط (1): يلزمه مع النصب عشرون درهما، لأن أقلّ عدد مفرد ينصب مميّزه عشرون، إذ فوقه ثلاثون إلى تسعين، فيلزمه الأقلّ، لأنه المتيقّن، و مع الجرّ مائة درهم، لأنه أقلّ عدد مفرد مميّزه مجرور، إذ فوقه الألف، فيحمل على الأقلّ.

و ردّه المصنف- (رحمه الله)- بأن الجرّ يحصل بإضافة الجزء كما بيّنّاه، فلا وجه لحمله على الدرهم الكامل. و لا يظهر وجه اشتراط عدم الكسر.

و قال بعضهم (2): إن قال: كذا درهم صحيح، لزمه مائة، و إن لم يصفه بالصحّة اكتفي بالجزء، لأن الوصف بالصحّة يمنع من الحمل على الجزء، لأنه كسر لا صحيح.

و ردّ بأن الصحيح يقبل التجزئة كما يقبلها غيره، فيصحّ أن يريد: له بعض درهم صحيح، بمعنى أن بعض الدرهم الصحيح مستحقّ له و باقيه لغيره. و النعت و إن كان الأصل فيه أن يعود إلى المضاف دون المضاف إليه لأنه المحدّث عنه، إلا أنه مع الجرّ يتعيّن كونه نعتا للمضاف إليه، و هو سائغ أيضا مع ظهور قصده.

و العلّامة (3) وافق الشيخ في ذلك إذا كان المقرّ من أهل اللسان. و يضعّف بأن اللسان العربي كما يجوّز موازنة ما ذكره الشيخ يجوّز ما ذكره غيره (4) من

____________

(1) المبسوط 3: 13، و انظر الخلاف 3: 365 مسألة (8) و 367 مسألة (11).

(2) روضة الطالبين 4: 30- 31، و انظر الهامش (1) هناك.

(3) المختلف: 439- 440.

(4) راجع قواعد الأحكام 1: 280، إيضاح الفوائد 2: 442، اللمعة الدمشقيّة: 138، جامع المقاصد 9: 257- 258.

47

و لو قال: كذا كذا، (1) فإن اقتصر فإليه التفسير. و إن أتبعه بالدرهم نصبا أو رفعا لزمه درهم. و قيل: إن نصب لزمه أحد عشر [درهما].

____________

المقدار (1) القليل. و هذه المبهمات لم توضع لما ذكره لغة و لا اصطلاحا، و إنما هي موازنة اتّفاقيّة لا يلزم اتّباعها (2) مع إمكان ما هو أقلّ منها.

و الحقّ أن هذا القول ضعيف جدّا، سواء كان المقرّ عارفا أم لا، إلا أن يقصد ذلك، و لا يحصل الاطّلاع على قصده إلا من قبله، و إذا كان كذلك فلا إشكال، لأنه لو أخبر أنه قصد قدرا معيّنا من غير هذا من الكنايات المبهمة قبل منه من جهة إخباره بقصده ذلك لا من جهة ذلك اللفظ الذي لا يدلّ عليه.

قوله: «و لو قال: كذا كذا. إلخ».

(1) تكرير «كذا» بغير عطف لا يقتضي الزيادة كتكرير شيء، و إنما يفيد تأكيد المبهم. هذا إذا لم يتبعه بالدرهم. و إن أتبعه [به] (3) جاء فيه الحالات الأربع، فإن نصب الدرهم كان مميّزا، فكأنّه قال: شيء شيء درهما، فيلزمه درهم. و كذا إن رفع، فإنه يكون بدلا من المؤكّد و يلزمه الدرهم، و كأنّه قال: شيء شيء هو درهم. و إن جرّ احتمل إضافة جزء إلى جزء ثمَّ أضاف الجزء الأخير إلى الدرهم، فيلزمه جزء جزء من درهم، و جزء الجزء جزء، فيقبل تفسيره بجزء درهم كالسابق، لأصالة براءة الذمّة ممّا زاد. و لو وقف لزمه أقلّ المحتملات في حالتي الرفع و الجرّ. و كذا القول لو كرّر «كذا» مرّتين فصاعدا.

و قال الشيخ (4): إنه مع النصب يلزمه أحد عشر درهما، لأن أقلّ عدد

____________

(1) في «د، خ، م»: القدر.

(2) في «خ، م»: و الحجريّتين: إيقاعها.

(3) من «م» و الحجريّتين.

(4) الخلاف 3: 366 مسألة (9).

48

و لو قال: كذا و كذا (1) درهما، نصبا أو رفعا، لزمه درهم. و قيل: إن نصبه لزمه أحد و عشرون. و الوجه الاقتصار على اليقين، إلا مع العلم بالقصد.

____________

مركّب مع غيره ينتصب بعده المميّز أحد عشر، إذ فوقه الاثنى عشر إلى تسعة عشر، فيلزمه الأقلّ. و يضعّف بما مرّ (1). و العلّامة (2) على تفصيله هنا أيضا.

و الجواب واحد.

قوله: «و لو قال: كذا و كذا. إلخ».

(1) إذا عطف «كذا» على «كذا» و أتبعهما بالدرهم جاء فيه الحالات أيضا، فإن نصبه أو رفعه لزمه درهم على وزان ما مرّ، لأنه ذكر شيئين ثمَّ أبدل منهما درهما على تقدير الرفع، و ميّزهما بدرهم على تقدير النصب، فكأنّه قال: شيء و شيء هما درهم، لأن «كذا» لمّا كان محتملا لما هو أقلّ من درهم جاز تفسير المتعدّد منه و إن كثر بالدرهم، و الأصل براءة الذمّة ممّا زاد.

و قال الشيخ (3): يلزمه مع النصب أحد و عشرون درهما، لأنه أقلّ عددين عطف أحدهما على الآخر و ميّزا بدرهم منصوب، إذ فوقه اثنان و عشرون إلى تسعة و تسعين. و فيه ما مرّ (4).

و في المسألة وجه ثالث (5) بلزوم درهمين، لأنه ذكر جملتين كلّ واحدة منهما تقع على الدرهم و تكون كناية عنه، فيكون الدرهم تفسيرا لكلّ واحدة

____________

(1) في ص: 46.

(2) المختلف: 439- 440.

(3) الخلاف 3: 366 مسألة (10).

(4) في ص: 47.

(5) حلية العلماء 8: 348- 349، روضة الطالبين 4: 31.

49

[السادسة: إذا قال: هذه الدار لأحد هذين، الزم البيان]

السادسة: إذا قال: هذه الدار (1) لأحد هذين، الزم البيان. فإن عيّن قبل، و لو ادّعاها الآخر كانا خصمين. و لو ادّعى على المقرّ العلم، كان له إحلافه. و لو أقرّ للآخر لزمه الضمان. و إن قال: لا أعلم، دفعها إليهما، و كانا خصمين. و لو ادّعيا أو أحدهما علمه، كان القول مع يمينه.

____________

منهما، كما إذا قال: مائة و خمسون درهما.

و رابع (1): و هو أنه يلزمه درهم و زيادة يرجع فيها إليه، لأن الدرهم فسّر الأخير منهما فيبقى الأول على إبهامه، فيفسّره بشيء كما لو قال: «كذا» مقتصرا.

و لو جرّ الدرهم لزمه جزء درهم و شيء كما لو قال: شيء و جزء درهم.

و في هذه الحالة قول (2) آخر بلزوم درهم حملا للجرّ على أخويه، لأنه لحن. و يضعّف بإمكان تصحيحه بما ذكرناه.

و الشيخ (3)- (رحمه الله)- اقتصر في موازنة الأعداد على ما نقلناه عنه من الأقسام، و لم يذكر الحكم مع باقي أنواع الأعراب، مع أنها محتملة له. و ما اختاره قول لبعض الشافعيّة (4)، و هو عندهم ضعيف أيضا.

قوله: «إذا قال: هذه الدار. إلخ».

(1) كما يسمع الإقرار المجهول (5) كذا يسمع الإقرار للمجهول، ثمَّ يطالب بالبيان كما يطالب به في الآخر. فإذا قال: هذه العين لأحد هذين، قبل و انحصر ملكها فيهما و طولب بالتعيين. فإن عيّن أحدهما سلّمت إليه، لأنه ذو يد فينفذ إقراره.

____________

(1) انظر الهامش (5) في الصفحة السابقة.

(2) انظر روضة الطالبين 4: 31.

(3) انظر الهامش (3) في الصفحة السابقة، و لكن ذكر باقي أنواع الإعراب في المبسوط 3: 13.

(4) راجع الحاوي الكبير 7: 28، روضة الطالبين 4: 31.

(5) في الحجرتيّن: بالمجهول.

50

..........

____________

و لو ادّعاها الآخر كانا خصمين، بمعنى أن المقرّ له بها يصير ذا اليد و الآخر خارج [1]، فيأتي في دعواه حكم دعوى الخارج على ذي اليد من قبول قول ذي اليد مع يمينه و مطالبة الخارج بالبيّنة. و لهذا الخارج إحلاف المقرّ على عدم العلم بكونها له و إن ادّعى عليه العلم بأنها له، و على البتّ إن ادّعى عليه الغصب منه.

و إنما توجّه عليه الحلف له لأنه لو أقرّ له تبعه بالغرم.

ثمَّ إن أصرّ المقرّ على أنها لمن عيّن له فذاك، و إن رجع إلى الإقرار له بها لم تنتزع من الأول، لسبق حقّه، و أغرم للثاني قيمتها أو مثلها إن لم يصدّقه الأول، لأنه حال بين الثاني و المقرّ به بإقراره الأول، فكان كالمتلف. و لو صدّقه الأول دفعت إلى الثاني، و لا غرم.

و هل للمقرّ على تقدير إقراره للثاني و عدم تصديق الأول إحلافه؟ وجهان:

من عموم (2) «اليمين على من أنكر» و أنه يدفع بها الغرم عن نفسه، و أنه لو أقرّ لنفع إقراره، و من أن المقرّ مكذّب نفسه في دعواه أنها للثاني بإقراره للأول، و أنه لو نكل امتنع الردّ، إذ لا يحلف لإثبات مال غيره. و هو حسن، إلا أن يظهر لإقراره ما يدفع التكذيب كالغلط، فالأول أحسن. و على الأول فيستحلفه على نفي العلم بأنها للثاني، لأنه ربما (3) استند في تملّكها إلى الإقرار خاصّة فلا يمكنه الحلف على البتّ.

و لو قال المقرّ بها لأحدهما لمّا طولب بالبيان: لا أعلم، دفعها إليهما،

____________

[1] كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية، و لعلّة باعتبار الواو حاليّة فيكون «خارج» خبرا ل«الآخر»، و سياق الكلام يقتضي النصب- أي: خارجا- عطفا على معمول «يصير».

____________

(2) الاستغاثة: 41، عوالي اللئالي 2: 345 ح 11، سنن البيهقي 10: 252.

(3) في «د، ط»: إنما.

51

[السابعة: إذا قال: هذا الثوب أو هذا العبد لزيد]

السابعة: إذا قال: هذا الثوب (1) أو هذا العبد لزيد، فإن عيّن قبل منه، و إن أنكر المقرّ له كان القول قول المقرّ مع يمينه. و للحاكم انتزاع ما أقرّ به، و له إقراره في يده.

____________

لانحصار الحقّ فيهما، و كانا خصمين فيلزمهما حكم المتداعيين الخارجين عن العين. ثمَّ إن صدّقاه على عدم العلم فالحكم كذلك. و إن كذّباه أو أحدهما فلهما أو للمكذّب إحلافه على نفي العلم، و لأحدهما إحلاف الآخر.

و اعلم أن في دفعها إليهما على هذا التقدير نظرا، لأنه يستلزم تسليمها لغير المالك، لاعترافه بأنها لأحدهما دون الآخر. و الوجه رفع الأمر إلى الحاكم ليسلّمها إلى من يثبت له خاصّة.

قوله: «إذا قال: هذا الثوب. إلخ».

(1) هذا الإقرار من ضروب الإبهام في الأعيان و نحوها المقرّ بها مع تعيين المقرّ له عكس السابقة. و حكمها: أن يطالب بالتعيين، فإن عيّن قبل، لأنه ذو اليد. فإن وافقه المقرّ له على ما عيّنه فذاك، و إلا لم يسلّم إليه، لاعترافه أنه ليس له. و له إحلاف المقرّ على أن العين الأخرى ليست للمقرّ له، فإذا حلف خلص من دعواه، و بقيت العين المقرّ بها مجهولة المالك، فيتخيّر الحاكم بين انتزاعها من المقرّ و حفظها إلى أن يظهر مالكها أو يرجع المقرّ له عن إنكاره، و بين أن يتركها في يد المقرّ كذلك. فإن عاد المقرّ [1] إلى التصديق سمع، لعدم المنازع و إمكان تذكّره.

و لو أصرّ المقرّ على عدم التعيين و ادّعى الجهل بالحال أو نسيانه سمع منه،

____________

[1] كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية، و لعلّ الصحيح: المقرّ له.

52

[الثامنة: إذا قال: لفلان عليّ ألف، ثمَّ دفع إليه]

الثامنة: إذا قال: لفلان (1) عليّ ألف، ثمَّ دفع إليه و قال: هذه التي كنت أقررت بها كانت وديعة، فإن أنكر المقرّ له كان القول قول المقرّ مع يمينه.

و كذا لو قال: لك في ذمّتي ألف، و جاء بها و قال: هي وديعة و هذه بدلها.

أما لو قال: لك في ذمّتي ألف، و هذه هي التي أقررت بها كانت وديعة، لم يقبل، لأن ما في الذمّة لا يكون وديعة، و ليست كالأولى و لا كالوسطى.

____________

و رجعا إلى الصلح في العينين (1). و يحتمل قويّا مع عدم اتّفاقهما على الصلح القرعة بينهما في العين، لأنها لكلّ أمر مشكل (2)، خصوصا فيما هو معيّن عند اللّه مشتبه عندنا، و الحال هنا كذلك.

و لو دار الاشتباه بين درهم و درهمين ثبت الأقلّ، و طولب بالجواب عن الزائد. و لو ردّد بين ألف و ألفين مطلقين فالظاهر أنه كذلك، مع احتمال لزوم الأكثر، و لزوم الأقلّ منهما على تقدير البداءة بالأكثر، لأنه كالرجوع عن الإقرار فلا يسمع.

قوله: «إذا قال: لفلان. إلخ».

(1) هنا مسائل ثلاث متقاربة الأطراف مختلفة الحقيقة:

الاولى: لو قال: لفلان عليّ ألف، ثمَّ دفع إليه ألفا و قال: هذه [هي] (3)

____________

(1) كذا في «و»، و في «ص، د، ق، ط»: العين.

(2) في «د، ق، و»: مشتبه.

(3) من «د، و، ط، م».

53

..........

____________

الّتي كنت أقررت بها كانت (1) وديعة عندي، و قال المقرّ له: هذه [هي] (2) وديعة و لي عليك ألف أخرى دينا و هي الّتي أردت بإقرارك، ففيه قولان:

أحدهما: أن القول قول المقرّ له، لأن كلمة «عليّ» تقتضي الثبوت في الذمّة، و لهذا لو قال: عليّ ما على فلان، كان ضامنا، و الوديعة لا تثبت في الذمّة فلا يجوز التفسير بها.

و أصحّهما- و به قال الشيخ (3)، و لم يذكر المصنف غيره، و ذهب إليه الأكثر (4)-:

أن القول قول المقرّ مع يمينه، لأن الوديعة يجب حفظها و التخلية بينها و بين المالك، فلعلّه أراد بكلمة «عليّ» الإخبار عن هذا الواجب. و يحتمل أيضا أنه تعدّى فيها حتى صارت مضمونة عليه، فلذلك قال: هي عليّ. و أيضا فقد يستعمل «عليّ» بمعنى «عندي» و فسّر (5) بذلك قوله تعالى وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ (6). مضافا إلى أصالة براءة الذمّة من غير ما اعترف به.

و لا فرق بين تفسيره بذلك على الاتّصال و الانفصال. و المصنف- (رحمه الله)- ذكر حالة الانفصال لتدلّ على الأخرى بطريق أولى.

الثانية: لو قال: لك في ذمّتي ألف، و جاء بألف و فسّر بما ذكر في

____________

(1) في «ذ، خ، م»: و هي وديعة.

(2) من «د، ص، و، ق، ط».

(3) الخلاف 3: 372 مسألة (19).

(4) انظر المختلف: 440، إيضاح الفوائد 2: 462، الدروس الشرعيّة 3: 124، تلخيص الخلاف: 2: 152، جامع المقاصد 9: 339- 341.

(5) مجاز القرآن لأبي عبيدة 2: 84، النكت و العيون للماوردي 4: 166.

(6) الشعراء: 14.

54

..........

____________

الأولى و قال: هذه الّتي أقررت بها و قد كانت وديعة تلفت (1) و هذه بدلها، فإن لم يقبل في الصورة الأولى فهاهنا أولى، و إن قبلنا قوله فوجهان هنا:

أحدهما- و هو الذي قطع به المصنف- (رحمه الله)-: القبول، لجواز أن يريد: له ألف في ذمّتي إن تلفت الوديعة، لأنّي تعدّيت فيها، أو يريد كونها وديعة في الأصل و أنها تلفت و وجب بدلها في الذمّة، و غايته إرادة المجاز و هو كون الشيء في الذمّة وديعة باعتبار أن سببها كان في الذمّة، و المجاز يصار إليه بالقرينة.

و الثاني: العدم، لأن العين لا تثبت في الذمّة، و الأصل في الكلام الحقيقة.

و قد تقدّم (2) كثير من الدعاوي المجازيّة في الإقرار و لم يلتفت إليها، فلا وجه لتخصيص هذه. و هذا لا يخلو من قوّة.

الثالثة: لو قال: لك في ذمّتي ألف و هذه هي التي أقررت بها و قد كانت وديعة حين الإقرار، لم يقبل، و يلزمه ألف أخرى لأن ما في الذمّة لا يكون وديعة، فإن الوديعة هي العين المستناب في حفظها و ما في الذمّة لا يكون عينا.

و الفرق بين هذه المسألة و بين المسألتين السابقتين واضح. أما الأولى فلأنه لم يصرّح فيها بكون المقرّ به في الذمّة فلا ينافي كونه وديعة ابتداء. و أما الثانية فلأنه و إن صرّح بكونها في الذمّة المنافي لكونها وديعة إلا أنه ادّعى أن الذي أحضره بدلها لا عينها، فرفع التنافي بتأويله. و أما الثالثة فقد جمع فيها بين وصفها بكونها في الذمّة و كونها وديعة من غير تأويل، فلهذا لم تسمع.

____________

(1) في «د»: و تلفت.

(2) في ص: 29- 30.