مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج12

- الشهيد الثاني المزيد...
551 /
5

[تتمة القسم الرابع في الأحكام]

كتاب الأطعمة و الأشربة (1)

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الأطعمة و الأشربة

____________

(1) الكلام في الأطعمة و معرفة أحكامها من المهمّات، فإن اللّه تعالى أجرى العادة بالحاجة إليها، قال تعالى وَ مٰا جَعَلْنٰاهُمْ جَسَداً لٰا يَأْكُلُونَ الطَّعٰامَ (1).

و في تناول الحرام الوعيد الشديد، قال (صلّى اللّه عليه و آله): «أيّ لحم نبت من حرام فالنار أولى به» (2).

ثمَّ للإنسان حالتان: حالة رفاهية و اختيار، و حالة اضطرار، و بحسبهما أودع مسائل الكتاب، و اختلف الحال في الحلّ و الحرمة.

و الأصل في معرفة ما يحلّ أكله و ما يحرم أن يرجع إلى الشرع، فما أباحه فهو مباح، و ما حظره فهو محظور. و سيأتي تفصيل ما أباحه بخصوصه أو حرّمه بخصوصه.

و ما لم يكن له في الشرع ذكر كان المرجع فيه إلى عادة العرب (3)، فما استطابه فهو حلال، و ما استخبثه فهو حرام، لقوله تعالى وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ (4) و قوله يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ (5) و نحوهما من الآيات.

____________

(1) الأنبياء: 8.

(2) انظر مستدرك الحاكم 4: 127، تلخيص الحبير 4: 149، مجمع الزوائد للهيثمي 10: 291، مع اختلاف يسير.

(3) في «د، ر، ل»: العرف.

(4) الأعراف: 157.

(5) المائدة: 4.

8

..........

____________

فإن لم يكن له في الشرع و لا في عرفهم ذكر، فإن علم اشتماله على مضرّة في الجسد كان حراما، و إلا كان مباحا على أصحّ القولين للأصوليّين و الفقهاء، لأنّ الأعيان مخلوقة لمنافع العباد، و لقوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً. (1)، الآية، و قول الصادق (عليه السلام): «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» (2)، و قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «كلّ شيء يكون فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (3). و من قال من الأصوليّين بأن الأصل في الأشياء الحظر أو التوقّف لزمه التحريم فيما اشتبه من أمره.

ثمَّ الطيّب يطلق:

على الحلال، قال تعالى كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ (4)، أي: من الحلال.

و على الطاهر، قال تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (5)، أي طاهرا.

و على ما لا أذى فيه، كالزمان الذي لا حرّ فيه و لا برد، يقال: هذا زمان طيّب.

و ما تستطيبه النفس و لا تنفر منه، كقوله تعالى:

____________

(1) الأنعام: 145.

(2) الفقيه 1: 208 ح 937، الوسائل 4: 917 ب «19» من أبواب القنوت ح 3.

(3) الكافي 5: 313 ح 39، الفقيه 3: 216 ح 1002، التهذيب 9: 79 ح 337، الوسائل 16: 403 ب «64» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 2.

(4) طه: 81.

(5) النساء: 43.

9

..........

____________

يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ (1) إذ ليس المراد منها هنا الحلال، لعدم الفائدة في الجواب على تقديره، لأنهم سألوه أن يبيّن لهم الحلال فلا يقول في الجواب:

الحلال، و لا الطاهر، لأنّه إنما يعرف من الشرع توقيفا، و لا ما لا أذى فيه، لأن المأكول لا يوصف به، فتعيّن أن يكون المراد ردّهم إلى ما يستطيبونه و لا يستخبثونه، فردّهم إلى عادتهم و ما هو مقرّر في طباعهم. و لأن ذلك هو المتبادر من معنى الطيّب عرفا. و سيأتي في الأخبار ما ينبّه عليه.

و المراد بالعرف الذي يرجع إليه في الاستطابة عرف الأوساط من أهل اليسار في حالة الاختيار، دون أهل البوادي و ذوي الاضطرار من جفاة العرب، فإنهم يستطيبون ما دبّ و درج، كما سئل (2) بعضهم عمّا يأكلون فقال: كلّ ما دبّ و درج إلا أمّ حبين [1]، فقال بعضهم: لتهنأ أمّ حبين العافية، لكونها أمنت أن تؤكل.

هذا خلاصة ما قرّره الشيخ في المبسوط [2] و غيره (5)، إلا أنه فصّل أولا المحلّل إلى الحيوان و غيره، و قسّم الحيوان إلى حيّ و غيره، و جعل ما كان من الحيوان حيّا (6) فهو حرام حيث لا يرد به شرع، محتجّا بأن ذبح الحيوان محظور، و ما كان من الحيوان غير حيّ أو من غيره فهو على أصل الإباحة. و في استثناء الحيوان الحيّ من ذلك نظر، لعموم الأدلّة. و الاستناد إلى تحريم ذبحه بدون

____________

[1] أمّ حبين: دويبّة على خلقة الحرباء عريضة الصدر عظيمة البطن. لسان العرب 13: 105.

[2] راجع المبسوط 6: 278- 279، و التفصيل الذي نقله عنه هنا يختلف في بعض النقاط عمّا في المبسوط.

____________

(1) المائدة: 4.

(2) انظر المبسوط 6: 279، الحاوي الكبير 15: 135.

(5) السرائر 3: 118.

(6) كذا في «ص، و»، و في سائر النسخ: حيّ.

10

[و النظر فيه يستدعي بيان أقسام ستّة]

و النظر فيه يستدعي بيان أقسام ستّة:

[الأول: في حيوان البحر]

الأول:

في حيوان البحر (1) و لا يؤكل منه إلا ما كان سمكا له فلس، سواء بقي عليه كالشبّوط و البياح، أو لم يبق كالكنعت.

أما ما ليس له فلس في الأصل، كالجرّي، ففيه روايتان أشهرهما التحريم. و كذا الزمّار و المارماهي و الزهو، لكن أشهر الروايتين هنا الكراهية.

____________

الشرع في حيّز المنع.

فهذا هو الأصل الذي يرجع إليه في باب الأطعمة [و الأشربة] (1). و بقي الكلام فيما نصّ الشارع على تحريمه، فلنشرع في الكلام عليه.

قوله: «الأول: في حيوان البحر. إلخ».

(1) حيوان البحر إما أن يكون له فلس، كالأنواع الخاصّة من السمك، و لا خلاف بين المسلمين في كونه حلالا، و ما ليس على صورة السمك من أنواع الحيوان، و لا (2) خلاف بين أصحابنا [1] في تحريمه.

____________

[1] في هامش «د، و»: «وافقنا أبو حنيفة على تحريم غير السمك من حيوان البحر، و قال مالك و أحمد بحلّ الجميع، و هو أصحّ وجهي الشافعيّة، لعموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله): الحلّ ميتته، و الوجه الثاني للشافعيّة: أن ما يؤكل نظيره في البرّ- كالنعم- يؤكل نظيره في البحر، و ما لا يؤكل نظيره- كالكلب و الخنزير- لا يؤكل، و ما ليس له نظير يحلّ أيضا، للعموم. منه (رحمه الله)». انظر اللباب في شرح الكتاب 3: 231، المبسوط للسرخسي 11: 248، بداية المجتهد 1: 470، الكافي في فقه

____________

(1) من الحجريّتين.

(2) في «م»: فلا.

11

..........

____________

و بقي من حيوان البحر ما كان من السمك و ليس له فلس، كالجرّي و المارماهي و الزمّار. و قد اختلف الأصحاب في حلّه بسبب اختلاف الروايات فيه، فذهب الأكثر- و منهم الشيخ (1) في أكثر كتبه- إلى تحريمه مطلقا، لصحيحة محمد بن مسلم قال: «أقرأني أبو جعفر (عليه السلام) شيئا في كتاب عليّ (عليه السلام)، فإذا فيه: أنهاكم عن الجرّيث و المارماهي و الطافي و الطحال، قال: قلت:

رحمك اللّه إنّا نؤتى بالسمك ليس له قشر، فقال: كل ما له قشر من السمك، و ما كان ليس له قشر فلا تأكله» (2).

و صحيحة حمّاد بن عثمان قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك الحيتان ما يؤكل منها؟ فقال: ما كان له قشر، فقلت: جعلت فداك ما تقول في الكنعت؟ قال: لا بأس بأكله، قال: قلت: فإنه ليس لها قشر، قال: بلى و لكنّها حوت سيّئة الخلق تحتكّ بكلّ شيء، فإذا نظرت في أصل أذنها وجدت لها قشرا» (3).

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يركب بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالكوفة ثمَّ يمرّ بسوق الحيتان فيقول: لا

____________

أهل المدينة 1: 437، المغني لابن قدامة 11: 85، الكافي في فقه أحمد 1: 533، الحاوي الكبير 15: 58- 61، روضة الطالبين 2: 542.

____________

(1) المبسوط 6: 276، الخلاف (طبعة كوشانپور) 2: 524 مسألة (31).

(2) الكافي 6: 219 ح 1، التهذيب 9: 2 ح 1، الوسائل 16: 331 ب «9» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1، و أورد ذيله في ص: 329 ب «8» ح 1.

(3) الكافي 6: 219 ح 2، الفقيه 3: 215 ح 1001، التهذيب 9: 3 ح 4، الوسائل 16: 336 ب «10» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

12

..........

____________

تأكلوا و لا تبيعوا ما لم يكن له قشر» (1). و غير ذلك من الأخبار (2).

و ذهب الشيخ في كتابي الأخبار (3) إلى إباحة ما عدا الجرّي، لصحيحة الحلبي قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): لا يكره شيء من الحيتان إلا الجرّي» (4). و في معناها غيرها (5).

قال الشيخ في الكتابين: «و الوجه في هذه الأخبار أنه لا يكره كراهة الحظر إلا هذا الجرّي، و إن كان يكره كراهة الندب و الاستحباب» (6). و هذا صريح في اختيار كراهة ما عدا الجرّي من السمك مطلقا.

و يؤيّده أيضا صحيحة زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجرّيث، فقال: و ما الجرّيث؟ فنعتّه له، فقال لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ. إلى آخر الآية، ثمَّ قال: لم يحرّم اللّه شيئا من الحيوان في القرآن إلا الخنزير بعينه، و يكره كلّ شيء من البحر ليس له قشر مثل قشر الورق، و ليس بحرام إنما هو مكروه» (7).

و صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجرّي و المارماهي و الزمّير و ما ليس له قشر من السمك حرام هو؟ فقال لي: يا محمد

____________

(1) الكافي 6: 220 ح 6، التهذيب 9: 3 ح 3، الوسائل 16: 330 ب «8» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 4.

(2) لاحظ الوسائل 16: 329 ب «8» من أبواب الأطعمة المحرّمة.

(3) تهذيب الأحكام 9: 5 ذيل ح 14، الاستبصار 4: 59 ذيل ح 7.

(4) التهذيب 9: 5 ح 13، الاستبصار 4: 59 ح 205، الوسائل 16: 334 ب «9» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 17.

(5) انظر التهذيب 9: 5 ح 14، الاستبصار 4: 59 ح 206، الوسائل 16: 334 الباب المتقدّم ح 18.

(6) تهذيب الأحكام 9: 5 ذيل ح 14، الاستبصار 4: 59 ذيل ح 7.

(7) التهذيب 9: 5 ح 15، الاستبصار 4: 59 ح 207، الوسائل 16: 334 الباب المتقدّم ح 19.

13

..........

____________

اقرأ هذه الآية التي في الأنعام قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً قال: فقرأتها حتى فرغت منها، فقال: إنما الحرام ما حرّم اللّه و رسوله في كتابه، و لكنّهم قد كانوا يعافون أشياء فنحن نعافها» (1).

و ممّا ذكرناه يظهر ما ذكره المصنف من أن في الجرّي روايتين. و المراد الجنس بالتحريم و التحليل، و أن أشهرهما بين الأصحاب التحريم. و إنما نسب القول بالتحريم إلى الشهرة خاصّة لما قد عرفت من أن روايات الحلّ صحيحات الأسناد كثيرة، و قد كان يمكن الجمع بينها و بين ما دلّ على التحريم بالحمل على الكراهة، لكن الأشهر بينهم التحريم.

و كذلك ظهر اختلاف الرواية في المارماهي و الزمّار. و أما الزهو فقد دخل في عموم الروايات (2) الدالّة على الحلّ. و ممّا ورد فيه بخلاف ذلك رواية محمد بن سليمان بن جعفر قال: «حدّثني إسحاق صاحب الحيتان قال: خرجنا بسمك نتلقّى به أبا الحسن الرضا (عليه السلام) و قد خرجنا من المدينة و قدم هو من سبالة، فقال: ويحك يا فلان لعلّ معك سمكا، قلت:

نعم جعلت فداك، فقال: انزلوا، فقال: ويحك لعلّه زهو، قلت: نعم، قال:

اركبوا لا حاجة لنا فيه، قال: و الزهو سمك ليس له قشر» [1]. و هذه الرواية مع قطع النظر عن سندها لا تدلّ على التحريم، بل غايتها الكراهة. لكن قوله فيها إنه «سمك ليس له قشر» إن كان من كلام الإمام أو ثبت فيتناوله النهي في

____________

[1] الكافي 6: 221 ح 10، التهذيب 9: 3 ح 6، الوسائل 16: 337 ب «11» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1. و في المصادر:. عن عمّه محمد عن سليمان بن جعفر.

____________

(1) التهذيب 9: 6 ح 16، الاستبصار 4: 60 ح 208، الوسائل 16: 335 الباب المتقدّم ح 20.

(2) المذكورة في الصفحة السابقة.

14

..........

____________

الأخبار السابقة (1).

و المصنف- (رحمه الله)- اختار في هذه الثلاثة الكراهة. و هو مذهب الشيخ في النهاية (2) و تلميذه القاضي (3). و هو حسن، لأنه طريق الجمع بين الأخبار.

و المانعون (4) حملوا أخبار الحلّ على التقيّة. و ليس بجيّد.

و قد أغرب الشيخ في النهاية في حكم المارماهي، ففي باب المكاسب (5) جعله من المكاسب المحظورة، كالجرّي و غيره من السمك الذي لا يحلّ أكله.

و في باب الأطعمة (6) جعله مكروها كما نقلناه هنا عنه. و في باب الحدود قال:

«و يعزّر آكل الجرّي و المارماهي. و غير ذلك من المحرّمات، فإن عاد أدّب ثانية، فإن استحلّ شيئا من ذلك وجب عليه القتل» (7).

و أعجب ما فيه- مع اختلاف الفتوى- حكمه بقتل مستحلّ المارماهي، فإن كلّ من خالفنا من العلماء مجمعون على حلّه، و أصحابنا مختلفون فيه كما عرفت، حتى هو من جملة القائلين بحلّه في النهاية (8) و التهذيب (9) و الاستبصار (10). و مستحلّ المحرّم إنما يقتل إذا استحلّ ما أجمع المسلمون على تحريمه، بل لا يكفي ذلك حتى يكون قد علم تحريمه من دين الإسلام ضرورة كالخمر و الميتة، و أين هذا ممّا أكثر المسلمين على حلّه حتى الشيخ (رحمه الله)؟!

____________

(1) في ص: 11.

(2) النهاية: 576.

(3) المهذّب 2: 438- 439.

(4) انظر المختلف: 677- 678، التنقيح الرائع 4: 32، المهذّب البارع 4: 190.

(5) النهاية: 364- 365 و 713.

(6) النهاية: 576.

(7) النهاية: 364- 365 و 713.

(8) النهاية: 576.

(9) التهذيب 9: 5، ذيل ح 14.

(10) الاستبصار 4: 59، ذيل ح 206.

15

و يؤكل الرّبيثا، (1) و الإربيان، و الطّمر، و الطبراني، و الإبلامي.

____________

و اعلم أن الجرّي بكسر الجيم، و الراء المهملة المشدّدة المكسورة. و يقال الجرّيث، بزيادة الثاء المثلّثة. و الزمّار بكسر الزاي المعجمة، و الميم المشدّدة، و الراء المهملة أخيرا. و يقال: الزمّير، كما وقع في الرواية. و المارماهي بفتح الراء المهملة، كلمة أعجميّة معناها: حيّة السمك. و الزهو بالزاي المعجمة المفتوحة.

و الشبّوط بفتح الشين، و تشديد الباء مضمومة. و البياح بكسر الباء الموحّدة مخفّفا، و ربما فتحت الباء و شدّدت [الياء] (1). و الكنعت، و يقال: الكنعد بالدال المهملة.

قوله: «و يؤكل الرّبيثا. إلخ».

(1) الربيثا بالراء المهملة المفتوحة، و الباء الموحّدة المكسورة، و الياء المثنّاة من تحت الساكنة، و الثاء المثلّثة المفتوحة، و الألف المقصورة. و الطمر بكسر الطاء المهملة، و الميم الساكنة، و الراء المهملة. و الطبراني بالطاء المهملة المفتوحة، و الباء الموحّدة المفتوحة، و الراء المهملة، و النون بعد الألف.

و الإبلامي بكسر الهمزة، و الباء الموحّدة الساكنة.

و يدلّ على حلّ هذه بخصوصها صحيحة محمد بن إسماعيل قال:

«كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام): اختلف الناس عليّ في الربيثا فما تأمرني به؟ فكتب: لا بأس بها» (2). و عن محمد الطبري قال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن سمك يقال له الإبلامي، و سمك يقال له الطبراني، و سمك يقال له الطمر، و أصحابي ينهون عن أكله، فكتب: كله

____________

(1) من «م».

(2) الفقيه 3: 215 ح 998، التهذيب 9: 81 ح 347، الاستبصار 4: 91 ح 346، الوسائل 16: 338 ب «12» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 3.

16

و لا تؤكل السلحفاة، (1) و لا الضفادع، و لا السرطان، و لا شيء من حيوان البحر، ككلبه و خنزيره.

____________

لا بأس به» (1).

قوله: «و لا تؤكل السلحفاة. إلخ».

(1) قد تقدّم (2) ما يدلّ على تحريم هذه الأشياء، لأنها من جملة حيوان البحر، و المحلّل منه منحصر في السمك على ما تقرّر.

و لا فرق في حيوان البحر بين خنزيره و شاته، فلو أدرجها كان أولى، لأنها الفرد الأخفى، فإن من العامّة (3) من حكم بتحريم كلبه و خنزيره دون شاته و نحوها ممّا هو على صفة المحلّل، و منهم (4) من حكم بحلّ الجميع.

و يدلّ على تحريم الثلاثة الأول- مع كونها مستخبثة- صحيحة عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «لا يحلّ أكل الجرّي و لا السلحفاة و لا السرطان، قال: و سألته عن اللحم الذي يكون في أصداف البحر و الفرات أ يؤكل؟

قال: ذلك لحكم الضفادع لا يحلّ أكله» (5).

و السلحفاة بضمّ السين، و فتح اللام، و سكون الحاء المهملة. و الضفادع جمع ضفدع بكسر أوله و فتحه و ضمّه، مع كسر ثالثة و فتحه في الأول، و كسره في الثاني، و فتحه في الثالث. و السرطان بفتح أوله و ثانية، و يسمّى عقرب الماء.

____________

(1) التهذيب 9: 13 ح 47، الوسائل 16: 331 ب «8» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 9.

(2) في ص: 10- 11.

(3) راجع الحاوي الكبير 15: 60، المغني لابن قدامة 11: 85، روضة الطالبين 2: 542.

(4) راجع الحاوي الكبير 15: 61، المغني لابن قدامة 11: 86، روضة الطالبين 2: 542.

(5) الكافي 6: 221 ح 11، التهذيب 9: 12 ح 46، الوسائل 16: 342 ب «16» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

17

و لو وجد في جوف (1) سمكة أخرى حلّت إن كانت من جنس ما يحلّ، و إلا فهي حرام. و بهذا روايتان، طريق إحداهما السكوني، و الأخرى مرسلة.

و من المتأخّرين من منع، استنادا إلى عدم اليقين بخروجها من الماء حيّة. و ربما كانت الرواية أرجح، استصحابا لحال الحياة.

____________

قوله: «و لو وجد في جوف. إلخ».

(1) القول بالحلّ للشيخ في النهاية (1) و المفيد (2) و آخرين (3)، استنادا إلى رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام): «أن عليّا (عليه السلام) سئل عن سمكة شقّ بطنها فوجد فيها سمكة، قال: كلهما جميعا» (4). و مرسلة أبان عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت: رجل أصاب سمكة في جوفها سمكة، قال: يؤكلان جميعا» (5).

و المانع من حلّها ابن إدريس (6)، ما لم تخرج من بطنها حيّة، لأن شرط حلّ السمك أخذه من الماء حيّا، و الجهل بالشرط يقتضي الجهل بالمشروط. و وافقه العلامة في المختلف (7) و التحرير (8)، و ولده فخر الدين (9).

____________

(1) النهاية: 576.

(2) المقنعة: 576- 577.

(3) الجامع للشرائع: 380، الدروس الشرعيّة 3: 8.

(4) الكافي 6: 218 ح 12، التهذيب 9: 8 ح 25، الوسائل 16: 304 ب «36» من أبواب الذبائح، ذيل ح 1.

(5) الكافي 6: 218 ح 14، التهذيب 9: 8 ح 26، الوسائل 16: 304 الباب المتقدّم ح 1.

(6) السرائر 3: 100.

(7) المختلف: 678.

(8) تحرير الأحكام 2: 160.

(9) إيضاح الفوائد 4: 144.

18

و لو وجدت في جوف (1) حيّة سمكة، أكلت إن لم تكن تسلّخت، و لو تسلّخت لم تحلّ.

و الوجه أنها لا تحلّ إلا أن تقذفها و السمكة تضطرب. و لو اعتبر مع ذلك أخذها حيّة ليتحقّق الذكاة كان حسنا.

____________

و في القواعد (1) رجّح مذهب الشيخ. و كذلك المصنّف في النافع (2)، و مال إليه هنا بعض الميل. و أشار إلى جواب دليل ابن إدريس بأن الأصل بقاء الحياة إلى بعد إخراجها، إذ لا شكّ في حلول الحياة في السمكة وقتا ما فيستصحب إلى أن يعلم المزيل، و تكون الروايتان شاهدا و إن لم تصلحا لإثبات الحكم. و هو حسن حيث لا تدلّ القرائن على تقدّم موتها، بأن يخرجها من بطنها عاجلا فيجدها قد تغيّرت بالسلخ و نحوه.

قوله: «و لو وجدت في جوف. إلخ».

(1) القول بحلّها ما لم تنسلخ مطلقا للشيخ في النهاية (3)، استنادا إلى رواية أيّوب بن أعين عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت له: جعلت فداك ما تقول في حيّة ابتلعت سمكة ثمَّ طرحتها و هي حيّة تضطرب آكلها؟ قال: إن كان فلوسها قد تسلّخت فلا تأكلها، و إن لم تكن تسلّخت فكلها» (4).

و الشيخ- (رحمه الله)- لم يعتبر إدراكها حيّة تضطرب. و الرواية لا تدلّ على

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 156.

(2) المختصر النافع: 251.

(3) النهاية: 576.

(4) الكافي 6: 218 ح 16، الفقيه 3: 207 ح 953، التهذيب 9: 8 ح 27 و فيه: عن الوشّاء، الوسائل 16: 342 ب «15» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

19

و لا يؤكل الطافي، (1) و هو ما يموت في الماء، سواء مات بسبب كضرب العلق [1] أو حرارة الماء، أو بغير سبب. و كذا ما يموت في شبكة الصائد في الماء أو في حظيرته.

____________

مذهبه. و في المختلف (2) عمل بموجب الرواية، و هو يقتضي الاجتزاء بإدراكها حيّة، مع أنه لا يقول بذلك في ذكاة السمك.

و الوجه ما اختاره المصنف- (رحمه الله)- و ابن إدريس (3) و جملة المتأخّرين (4)، و هو اشتراط أخذه لها حيّة، لأن ذلك هو ذكاة السمك على ما تقدّم (5).

قوله: «و لا يؤكل الطافي. إلخ».

(1) نبّه بقوله: «سواء مات. إلى آخره» على خلاف بعض العامّة [2] حيث فرّق بين الأمرين، فوافقنا على تحريمه مع موته لسبب خارج، و حكم بحلّه إذا مات من قبل نفسه. و أكثر الجمهور على حلّه مطلقا. و قد تقدّم (7) ما يدلّ على تحريمه، و الخلاف فيما يموت في الشبكة و الحظيرة.

____________

[1] العلق: دويبّة حمراء تكون في الماء تعلق بالبدن و تمصّ الدم. النهاية لابن الأثير 3: 290.

[2] الخلاف المذكور للحنفيّة، و لكنّهم حرّموا أكل الطافي إذا مات حتف أنفه، و أباحوه إذا مات لسبب، انظر شرح فتح القدير 8: 423، بدائع الصنائع 5: 36، الحاوي الكبير 15: 64- 65، روضة القضاة 4: 1342، رؤوس المسائل: 512 مسألة (372).

____________

(2) المختلف: 678.

(3) السرائر 3: 100.

(4) قواعد الأحكام 2: 156، إيضاح الفوائد 4: 145، التنقيح الرائع 4: 34.

(5) في ج 11: 502.

(7) في ج 11: 506.

20

و لو اختلط الميّت (1) بالحيّ بحيث لا يتميّز، قيل: حلّ الجميع.

و اجتنابه أشبه.

و لا يؤكل الجلّال (2) من السمك حتى يستبرأ، بأن يجعل في الماء يوما و ليلة، و يطعم علفا طاهرا.

____________

قوله: «و لو اختلط الميّت. إلخ».

(1) القول بحلّه مع الاشتباه للشيخ في النهاية (1)، و استحسنه المصنف- (رحمه الله)- فيما سبق (2)، لدلالة الأخبار (3) الصحيحة عليه. و الأشهر تحريم الجميع إذا كان محصورا، لوجوب اجتناب الميّت، و لا يتمّ إلا باجتناب الجميع كغيره من الأطعمة المشتبهة بالمحرّم. و قد تقدّم (4) البحث في ذلك.

قوله: «و لا يؤكل الجلّال. إلخ».

(2) جلّال السمك ما يغتذي بعذرة الإنسان كغيره من الحيوان. و سيأتي (5) الكلام فيه.

و اعتبار استبرائها يوما و ليلة مذهب الشيخ [1] و الأكثر، استنادا إلى رواية يونس عن الرضا (عليه السلام) (7). و اكتفى الصدوق [2] بيوم إلى الليل، لرواية القاسم

____________

[1] انظر النهاية: 576، و لكنّه اكتفى بيوم إلى الليلة.

[2] حكاه العلامة عن مقنع الصدوق في المختلف: 676، و لم نجده فيه، انظر المقنع: 141 و الهامش (6) هناك، و رواه في الفقيه 3: 214 ح 993.

____________

(1) النّهاية: 578.

(2) في ج 11: 506.

(3) لاحظ الوسائل 16: 303 ب «35» من أبواب الذبائح.

(4) في ج 11: 506.

(5) في ص: 25.

(7) الكافي 6: 252 ح 9، التهذيب 9: 13 ح 48، الوسائل 16: 357 ب «28» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 5.

21

و بيض السمك المحلّل (1) حلال، و [كذا] بيض المحرّم حرام. و مع الاشتباه يؤكل ما كان خشنا، لا ما كان أملس.

____________

بن محمد الجوهري (1). و الأول طريق اليقين.

و يعتبر في العلف كونه طاهرا بالفعل. و ربما اكتفي بالطاهر بالأصالة خاصّة. و هو ضعيف، لأن إطلاق الطاهر يقتضي ما ذكرناه.

قوله: «و بيض السمك المحلّل. إلخ».

(1) هذا الحكم مشهور بين الأصحاب، غير أن كثيرا منهم لم يقيّدوا التفصيل بحالة الاشتباه، بل أطلقوا القول بأن بيض السمك مطلقا يؤكل منه الخشن دون الأملس و المنماع [1].

و أنكره ابن إدريس رأسا، و قال: «لا دليل عليه من كتاب و لا سنّة و لا إجماع، و لا خلاف في أن جميع ما في بطن السمك طاهر، و لو كان ذلك صحيحا لما حلّت الصّحناة» [2].

و وافقه في المختلف مستدلّا بعموم قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ (4). و قال: «و لم يبلغنا في الأحاديث المعوّل عليها ما ينافي العموم» (5).

____________

[1] كذا في «د، و، ط، م» و في «ص، ل»: و المماع، و في «ذ، خ»: و الهماع.

و في الصحاح (3: 1308): «الهموع بالضمّ: السيلان، و الهامع: السائل». و لعلّ المنماع بهذا المعنى أيضا من الميعان.

[2] السرائر 3: 113، و الصّحناة: إدام يتّخذ من السمك الصغار، مشهّ مصلح للمعدة. القاموس المحيط 4: 241.

____________

(1) الفقيه 3: 214 ح 993، الوسائل 16: 357 ب «28» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 7.

(4) المائدة: 96.

(5) المختلف: 684.

22

[القسم الثاني: في البهائم]

القسم الثاني:

في البهائم و يؤكل من الإنسيّة: (1) الإبل و البقر و الغنم. و تكره: الخيل و البغال و الحمر الأهليّة، على تفاوت بينها في الكراهية.

____________

قوله: «و يؤكل من الإنسيّة. إلخ».

(1) لا خلاف بين المسلمين في تحليل الأنعام الثلاثة، و الكتاب (1) و السنّة (2) ناطقان به. و المشهور بين أصحابنا تحليل الحمولة [1] الثلاثة: الخيل و البغال و الحمير، للأصل، و قوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ. (4) الآية، و خصوص حسنة زرارة و محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) أنهما سألاه عن أكل لحوم الحمر الأهليّة فقال: «نهى رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله عن أكلها يوم خيبر، و إنما نهى عن أكلها لأنها كانت حمولة الناس، و إنما الحرام ما حرّم اللّٰه عزّ و جلّ في القرآن» (5). و في رواية أخرى لمحمد بن مسلم عنه (عليه السلام) قال: «سألته عن لحوم الخيل و البغال، فقال: حلال و لكن

____________

[1] في هامش «ذ، د»: «وافقنا مالك على حلّ الثلاثة، و ذهب أبو حنيفة إلى تحريمها، و الشافعي و أحمد إلى حلّ الخيل خاصّة. حاشية بخطّه». انظر الباب في شرح الكتاب 3: 230، المبسوط للسرخسي 11: 232- 234، رؤوس المسائل للزمخشري: 517 مسألة (376)، بداية المجتهد 1:

469، الحاوي الكبير 15: 141- 143، روضة الطالبين 2: 537، المغني لابن قدامة 11: 66- 67 و 70، الكافي في فقه أحمد 1: 530، حلية العلماء 3: 405.

____________

(1) النحل: 5، المؤمنون: 21، غافر: 79.

(2) علل الشرائع: 561 ب «355»، تحف العقول: 337.

(4) الأنعام: 145.

(5) الكافي 6: 245 ح 10، التهذيب 9: 41 ح 171، الاستبصار 4: 73 ح 268، الوسائل 16: 323 ب «4» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

23

..........

____________

الناس يعافونها» (1).

و وجه كراهتها ورود روايات كثيرة بالنهي عنها، و حمل على الكراهة جمعا، فمنها صحيحة ابن مسكان قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن لحوم الحمير، فقال: نهى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله عن أكلها يوم خيبر، قال:

و سألته عن أكل الخيل و البغال، فقال: نهى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله عنها، فلا تأكلها إلّا أن تضطرّ إليها» (2).

و في معناها غيرها (3)، إلّا أن هذه أوضح الجميع سندا، و هي أصحّ سندا من روايات الحلّ، إلّا أنها ظاهرة في الكراهة من جهة قوله: «إلا أن تضطرّ إليها» فإنه علّق الحلّ على مطلق الضرورة، و مطلقها أعمّ من أن يبلغ حدّا يحلّل المحرّم.

و أيضا فقوله: «نهى عن أكلها يوم خيبر» غير مناف لما ذكر في رواية الحلّ، لأنه اعترف فيها بنهيه عنها ذلك اليوم، و لكنّه نهي كراهة إبقاء لظهورها.

و يؤيّده صحيحة محمد بن مسلم أيضا عن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن سباع الطير و الوحش حتى ذكر له القنافذ و الوطواط و الحمير و البغال و الخيل، فقال: «ليس الحرام إلّا ما حرّم اللّٰه في كتابه، و قد نهى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله عن أكل لحوم الحمير، و إنما نهاهم من أجل ظهورهم أن يفنوه، و ليست

____________

(1) الفقيه 3: 213 ح 988، التهذيب 9: 41 ح 174، الاستبصار 4: 74 ح 271، الوسائل 16: 326 ب «5» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 3.

(2) الكافي 6: 246 ح 13، التهذيب 9: 40 ح 168، الاستبصار 4: 74 ح 272، الوسائل 16: 323 ب «4» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 4، و ذيلها في ص: 325 ب «5» ح 1.

(3) لاحظ الوسائل 16: 322 ب «4، 5» من أبواب الأطعمة المحرّمة.

24

..........

____________

الحمر بحرام- ثمَّ قال-: اقرأ هذه الآية قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ (1). و هذا تصريح بالإباحة.

و ذهب أبو الصلاح (2) إلى تحريم البغل، استنادا إلى النهي عنه في تلك الأخبار. و قد عرفت جوابه. و كان ينبغي له أن يحرّم الباقي أو الحمر (3) بطريق أولى، لورودهما معه في النهي.

إذا تقرّر ذلك، فقد اشتركت الثلاثة في الكراهة كما (4) ذكروا، و اتّفقوا على أنها متفاوتة فيها، ثمَّ اختلفوا في أيّها أشدّ. و المصنف- رحمه اللّٰه- اقتصر على إثبات التفاوت بينها في الكراهة، و لم يبيّن أيّها أقوى من الآخر. و المشهور أن آكدها البغل ثمَّ الحمار، و أضعفها الخيل. و علّل بأن البغل متولّد من مكروهين مختلفين، و بأنه قد قيل بتحريمه فكان أقوى ممّا اتّفق على كراهته.

و قيل: إن الحمار [1] آكد كراهة من البغال، لأنه متولّد من مكروهين قويّي الكراهة، بخلاف البغل، فإنه متولّد من ضعيف و قويّ. و لأنّ النهي عنه في الأخبار

____________

[1] في هامش «ذ، د، و»: «القائل بتأكّد كراهة الحمار ابن البرّاج، و مال إليه ابن إدريس. منه رحمه اللّٰه». القول بتأكّد كراهة الحمار حكاه الشهيد «(قدّس سرّه)» عن ابن البرّاج في الدروس الشرعيّة 3:

5، و لكن في المهذّب (2: 429) حكم بكراهة الحمولة الثلاثة و لم يذكر الآكد، و انظر السرائر 3:

98.

____________

(1) التهذيب 9: 42 ح 176، الاستبصار 4: 74 ح 275، الوسائل 16: 327 ب «5» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 6، و الآية في سورة الانعام: 145.

(2) الكافي في الفقه: 276- 277.

(3) في «ط، خ»: الحمير.

(4) في «و، خ»: لما ذكر.

25

[و قد يعرض التحريم (1) للمحلّل من وجوه]

و قد يعرض التحريم (1) للمحلّل من وجوه:

[أحدها: الجلل]

أحدها: الجلل. و هو أن يغتذي عذرة الإنسان لا غير، فيحرم حتى يستبرأ. و قيل: يكره. و التحريم أظهر.

____________

أكثر. و للاتّفاق على أن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله نهى عنه في الجملة، و من ثمَّ ذهب جماعة [1] من الجمهور إلى تحريمه، بخلاف البغل، فإن من حرّمه منهم لم يستند [2] فيه إلى نهي عنه خاصّ، بل إلى أنه متولّد من محلّل و محرّم فغلّب جانب التحريم. و هذا أقوى.

قوله: «و قد يعرض التحريم. إلخ».

(1) البحث في الجلل يقع في موضعين:

الأول: فيما به يحصل الجلل. فالمشهور أنه يحصل بأن يغتذي الحيوان عذرة الإنسان لا غير. و النصوص (3) و الفتاوى المعتبرة خالية من تقدير المدّة التي فيها يتحقّق ذلك. و ربما قدّره بعضهم [3] بأن ينمو ذلك في بدنه و يصير جزء منه. و بعض [4] بيوم و ليلة كالرضاع. و آخرون [5] بأن يظهر النتن في لحمه و جلده.

و هذا قريب. و المعتبر على هذا رائحة النجاسة التي اغتذاها، لا مطلق الرائحة الكريهة.

____________

[1] لم نجد من استند منهم إلى الدليل المذكور فقط، بل أكثرهم استند- إضافة إلى ذلك- إلى النهي عنه في الحديث، انظر الحاوي الكبير 15: 141، بدائع الصنائع 5: 37، المبسوط للسرخسي 11: 232، المغني لابن قدامة 11: 66.

[2] لم نجد من استند منهم إلى الدليل المذكور فقط، بل أكثرهم استند- إضافة إلى ذلك- إلى النهي عنه في الحديث، انظر الحاوي الكبير 15: 143، بدائع الصنائع 5: 38، المبسوط للسرخسي 11: 234، المغني لابن قدامة 11: 67.

[3] لم نجد التقدير الأول و الثاني في كلام العامّة، و المذكور هو التقدير الثالث، انظر المبسوط للسرخسي 11: 255، بدائع الصنائع 5: 40، الحاوي الكبير 15: 147، المغني لابن قدامة 11:

72- 73، روضة الطالبين 2: 544- 545.

[4] لم نجد التقدير الأول و الثاني في كلام العامّة، و المذكور هو التقدير الثالث، انظر المبسوط للسرخسي 11: 255، بدائع الصنائع 5: 40، الحاوي الكبير 15: 147، المغني لابن قدامة 11:

72- 73، روضة الطالبين 2: 544- 545.

[5] لم نجد التقدير الأول و الثاني في كلام العامّة، و المذكور هو التقدير الثالث، انظر المبسوط للسرخسي 11: 255، بدائع الصنائع 5: 40، الحاوي الكبير 15: 147، المغني لابن قدامة 11:

72- 73، روضة الطالبين 2: 544- 545.

____________

(3) لاحظ الوسائل 16: 354 ب «27، 28» من أبواب الأطعمة المحرّمة.

26

..........

____________

و قال الشيخ في الخلاف (1) و المبسوط (2): إن الجلّالة هي التي تكون أكثر علفها العذرة. فلم يعتبر تمحّض العذرة. قال المصنف (3)- رحمه اللّٰه-: و هذا التفسير صواب إن قلنا بكراهة الجلّال، و ليس بصواب إن قلنا بالتحريم.

و ألحق أبو الصلاح (4) بالعذرة غيرها من النجاسات، لمشاركتها لها في المعنى المحرّم. و الأشهر هو الأول.

الثاني: في حكم الجلّال، و أكثر الأصحاب على أنه محرّم [1]، لما روي (6) أن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله نهى عن أكل الجلّالة و عن شرب ألبانها حتى تحبس.

و رواية هشام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

الناقة الجلّالة لا يؤكل لحمها، و لا يشرب لبنها» [2] الحديث. و غيرها من الأخبار (8) الدالّة على النهي عنه. و الأصل فيه التحريم.

____________

[1] في هامش «د»: «مذهب الشافعي التحريم، و مذهب مالك و أبو حنيفة الكراهة، و عن أحمد روايتان. منه» انظر المبسوط للسرخسي 11: 255، بداية المجتهد 1: 466، الوجيز للغزالي 2:

216، روضة الطالبين 2: 544، المغني لابن قدامة 11: 72- 73، الكافي في فقه أحمد 1: 533، حلية العلماء 3: 407.

[2] الكافي 6: 253 ح 12، التهذيب 9: 45 ح 189، الاستبصار 4: 77 ح 282، الوسائل 16: 356 ب «28» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 2، و فيها: عن مسمع عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

____________

(1) الخلاف (طبعة كوشانپور) 2: 541 مسألة (16).

(2) المبسوط 6: 282.

(3) النهاية و نكتها 3: 75.

(4) الكافي في الفقه: 278.

(6) سنن ابن ماجه 2: 1064 ح 3189 ح 3785، سنن الترمذي 4: 238 ح 1824، سنن النسائي 7: 239- 240، المستدرك للحاكم 2: 34، سنن البيهقي 9: 332، شرح السنّة للبغوي 11: 252 ح 2809.

(8) انظر الوسائل 16: 356 ب «28» من أبواب الأطعمة المحرّمة.

27

و في الاستبراء اختلاف. (1) و المشهور استبراء الناقة بأربعين يوما، و البقرة بعشرين. و قيل: تستوي البقرة و الناقة في الأربعين. و الأول أظهر. و الشاة بعشرة. و قيل: بسبعة. و الأول أظهر.

و كيفيّته أن يربط و يعلف علفا طاهرا هذه المدّة.

____________

و ذهب الشيخ في المبسوط (1) و ابن الجنيد (2) إلى الكراهة، بل قال في المبسوط: إنه مذهبنا، مشعرا بالاتّفاق عليه.

و وجهه: إما حمل النهي على الكراهة و التنزيه، لأنه بعض معانيه، و إما لاستضعاف طريقه، فإن الأول عامي، و الثاني غايته أن يكون من الحسن، و الباقي ضعيف السند.

و الأشهر هو الأول. و لو قيل بالتفصيل- كما قال المصنف (3) رحمه اللّٰه- بأنه إن كان الغذاء بها محضا فالتحريم، و إن كان غالبا فالكراهة، كان وجها.

ثمَّ على تقدير التحريم فليس بنجس العين كالكلب و الخنزير، بل هو كغيره من المحرّمات بالأصل كالسباع. و في وقوع الذكاة عليه كالمحرّم بالأصل أم لا وجهان، من إطلاق الحكم بتحريمه، و توقّف التذكية على توقيف شرعي، و من أنه لا يقصر عن المحرّم بالأصل. و تظهر الفائدة في طهارته بالتذكية، و جواز استعمال جلده في غير الصلاة.

قوله: «و في الاستبراء اختلاف. إلخ».

(1) لمّا كان تحريم الجلّال عارضا بسبب عروض العلف النجس لم يكن تحريمه مستقرّا بل، إلى غاية، و هي أن يقطع عنه ذلك العلف و يطعم علفا طاهرا

____________

(1) المبسوط 6: 282.

(2) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 676.

(3) النهاية و نكتها 3: 75.

28

..........

____________

إلى مدّة يزول معها حكم السابق. فما لا تقدير لمدّته شرعا يعتبر في حلّه زوال اسم الجلل عنه عرفا، و ذلك بأن يطيب لحمه و يزول نتنه على ذلك الوجه. و ما ورد على تقديره حكم معتبر من نصّ أو إجماع اعتمد عليه.

و قد اختلف الأصحاب في مقادير من المدّة التي يزول بها الجلل في بعض الحيوانات بسبب اختلاف الرواية، و اتّفقوا على بعضها.

فممّا اتّفقوا عليه استبراء الناقة بأربعين يوما. و هو موجود في روايات (1) لا تخلو من ضعف.

و ممّا اختلفوا فيه البقرة:

فقيل: تستبرأ بأربعين كالناقة. و هو قول الشيخ في المبسوط (2). و هو في رواية مسمع عن الصادق (عليه السلام) (3).

و قيل: بعشرين يوما. و هو مذهب الشيخ في النهاية (4) و الخلاف (5)، و اختاره المصنف و الأكثر (6). و هو في رواية السكوني (7) عن الصادق (عليه السلام)

____________

(1) راجع الكافي 6: 251 ح 3 و 6 و 9 و 11 و 12، التهذيب 9: 45 ح 189 و 190 و 192، الاستبصار 4:

77 ح 2 و 3 و 5، الوسائل 16: 356- 357 ب «28» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1 و 2 و 3 و 4 و 5.

(2) المبسوط 6: 282.

(3) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 26 هامش (7)، و لكن في الكافي: ثلاثين، و في

التهذيب:

عشرين، و في الاستبصار: أربعين.

(4) النّهاية: 574.

(5) الخلاف (طبعة كوشانپور) 2: 541 مسألة (16).

(6) المهذّب 2: 427، الوسيلة: 359، غنية النزوع: 398، السرائر 3: 97، الجامع للشرائع: 381، إرشاد الأذهان 2: 112، اللمعة الدمشقيّة: 152، التنقيح الرائع 4: 38.

(7) الكافي 6: 251 ح 3، التهذيب 9: 46 ح 192، الاستبصار 4: 77 ح 285، الوسائل 16: 356 ب «28» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

29

..........

____________

أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حكم بذلك.

و قيل: بثلاثين يوما. و هو مذهب الصدوق في المقنع [1] و الفقيه (2).

و منه الشاة، فالمشهور أن استبراءها بعشرة. ذهب إليه الشيخ في النهاية (3)، و اختاره المصنف و الأكثر (4). و هو في رواية السكوني.

و قيل: بسبعة. ذهب إليه الشيخ في المبسوط (5) و جماعة (6)، و ادّعوا (7) أنّ به رواية.

و قيل: بخمسة. و هو في رواية مسمع (8).

و حيث كانت الطريق ضعيفة فينبغي الوقوف من ذلك على محلّ الوفاق، و هو مراعاة أكثر التقديرات حيث لا قائل بما زاد عليها.

و قول المصنف- رحمه اللّٰه- في كيفيّة الاستبراء أنها «تربط و تعلف» المراد منه مراعاتها على وجه يوثق بعدم أكلها للنجس، سواء ربطت أم لا، و قيد الربط موجود في بعض الأخبار (9)، و تبعه عليه المصنف.

و اعلم أن الموجود في هذه الروايات أنها تغذّى هذه المدّة من غير تقييد

____________

[1] لم نجده في المقنع، و حكاه عنه العلامة في المختلف: 676.

____________

(2) الفقيه 3: 214 ح 991.

(3) النهاية: 574.

(4) انظر الهامش (6) في الصفحة السابقة.

(5) المبسوط 6: 282.

(6) الكافي في الفقه: 277.

(7) غنية النزوع: 398.

(8) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 26 هامش (7)، و لكن في الكافي: عشرة، و في التهذيب و الاستبصار: خمسة.

(9) انظر الوسائل 16: 357 ب «28» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 6 و 7.

30

[الثاني: أن يشرب لبن خنزيرة]

الثاني: أن يشرب لبن خنزيرة. (1) فإن لم يشتدّ كره، و يستحبّ استبراؤه بسبعة أيّام. و إن اشتدّ حرم لحمه و لحم نسله.

[الثالث: إذا وطئ الإنسان (2) حيوانا مأكولا]

الثالث: إذا وطئ الإنسان (2) حيوانا مأكولا، حرم لحمه و لحم نسله.

و لو اشتبه بغيره قسّم فريقين، و أقرع عليه مرّة بعد أخرى حتى تبقى واحدة.

____________

بالعلف الطاهر. و إنما تظهر فائدته لو اعتبرنا الجلل بأكل مطلق النجاسة ليكون الاستبراء بضدّه، أما إذا اعتبرناه بالعذرة لا غير فينبغي- حيث لا نصّ على التعيين- أن يعتبر فيه علفها بغيرها ممّا لا يحصل به الجلل، ليزول به معناه. و في القواعد (1) استشكل في اعتبار العلف الطاهر بالأصالة أو بالفعل. و في الكلّ رجوع إلى غير المرجع، إلا أنه لا معدل عن المشهور.

قوله: «أن يشرب لبن خنزيرة. إلخ».

(1) مستند هذا الحكم أخبار كثيرة (2) لا تخلو من ضعف في السند، إلا أنه لا رادّ لها.

و المراد باشتداده: أن ينبت عليه لحمه، و يشتدّ عظمه و قوّته. و المراد باستبرائه: أن يعلف بغيره في المدّة المذكورة. و لو كان في محلّ الرضاع أرضع من حيوان محلّل كذلك. و هكذا ورد مفصّلا في رواية السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3).

قوله: «إذا وطئ الإنسان. إلخ».

(2) إطلاق الإنسان يشمل الكبير و الصغير، و المنزل و غيره. و كذلك الحيوان

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 156.

(2) راجع الوسائل 16: 352 ب «25» من أبواب الأطعمة المحرّمة.

(3) الكافي 6: 250 ح 5، التهذيب 9: 44 ح 186، الاستبصار 4: 76 ح 280، الوسائل 16: 353 ب «25» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 4.

31

..........

____________

يشمل الذكر و الأنثى، ذا الأربع و غيره. لكن الرواية (1) وردت بنكاح البهيمة، و هي لغة اسم لذات الأربع من حيوان البحر و البرّ، فينبغي أن يكون العمل عليه، تمسّكا بالأصل في موضع الشكّ. و يحتمل العموم، لوجود السبب المحرّم، و عدم الخصوصيّة للمحلّ. و هو الذي يشعر به إطلاق كلام المصنف و غيره (2). و لا فرق في ذلك بين العالم بالحكم و الجاهل.

و بقي في المسألة بحث آخر و أحكام مترتّبة على هذا الفعل، يأتي الكلام فيها إن شاء اللّه تعالى في باب الحدود (3).

ثمَّ إن علم الموطوء بعينه اجتنب و سرى إلى نسله. و إن اشتبه فالمرويّ (4) أنه يقسّم ما وقع فيه الاشتباه نصفين، ثمَّ يقرع بينهما، فمن أخرجته القرعة بأنها فيه قسّم نصفين و أقرع بينهما كذلك، إلى أن تبقى واحدة فتذبح و تحرق، و حلّ الباقي.

و بمضمون الرواية عمل الأصحاب، مع أنها لا تخلو من ضعف و إرسال، لأن راويها محمد بن عيسى عن الرجل، و محمد بن عيسى مشترك بين الأشعريّ الثقة و اليقطيني و هو ضعيف، فإن كان المراد بالرجل الكاظم (عليه السلام)- كما هو الغالب- فهي- مع ضعفها باشتراك الراوي بين الثقة و غيره- مرسلة، لأن كلا الرجلين لم يدرك الكاظم (عليه السلام)، و إن أريد به غيره أو كان مبهما- كما هو

____________

(1) الكافي 6: 259 ح 1، التهذيب 9: 47 ح 196، الوسائل 16: 359 ب «30» من أبواب الأطعمة المحرّمة.

(2) السرائر 3: 98.

(3) في الباب الثاني من القسم الثاني من كتاب الحدود، و انظر شرائع الإسلام 4: 192.

(4) التهذيب 9: 43 ح 182، الوسائل 16: 358 ب «30» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1 و 4.

32

و لو شرب شيء (1) من هذه الحيوانات خمرا لم يحرم لحمه، بل يغسل و يؤكل، و لا يؤكل ما في جوفه.

و لو شرب بولا لم يحرم، و يغسل ما في بطنه و يؤكل.

____________

مقتضى لفظه- فهي مع ذلك مقطوعة.

و لو لم يعمل بها فمقتضى القواعد الشرعيّة أن المشتبه فيه إن كان محصورا حرم الجميع، و إن كان غير محصور جاز أكله إلى أن تبقى واحدة، كما مرّ في نظائره.

و على تقدير العمل بالرواية المذكورة- كما هو المشهور- فيعتبر في القسم كونه نصفين كما ذكر فيها، و إن كان كلام المصنف: «فريقين» أعمّ منه. ثمَّ إن كان العدد زوجا فالتنصيف حقيقة ممكن، و إن كان فردا اغتفر زيادة الواحدة في أحد النصفين، و كذا بعد الانتهاء إلى عدد فرد كثلاثة.

قوله: «و لو شرب شيء. إلخ».

(1) مستند الأول: رواية أبي جميلة عن زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال في شاة شربت خمرا حتى سكرت ثمَّ ذبحت على تلك الحال، قال: «لا يؤكل ما في بطنها» (1).

و مستند الثاني: رواية موسى بن أكيل عن بعض أصحابه عن أبي جعفر (عليه السلام) في شاة شربت بولا ثمَّ ذبحت، فقال: «يغسل ما في جوفها ثمَّ لا بأس به» (2).

و الروايتان ضعيفتان، و الثانية مرسلة. و ليس في الأولى غسل اللحم،

____________

(1) الكافي 6: 251 ح 4، التهذيب 9: 43 ح 181، الوسائل 16: 352 ب «24» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

(2) الكافي 6: 251 ح 5، التهذيب 9: 47 ح 194، الاستبصار 4: 78 ح 287، الوسائل 16: 352 الباب المتقدّم ح 2.

33

و يحرم الكلب و السنّور، (1) أهليّا كان أو وحشيّا.

____________

لكنّهما متأدّيتان (1) بالنظر، من حيث إن الخمر لطيف صالح للغذاء و النفوذ في البدن، فإذا ذبحت بعد شربه قبل أن يستحيل نجس اللحم، لنفوذه فيه، بخلاف البول، فإنه لمّا لم يصلح للتغذية لم ينفذ في اللحم، فلا يقدح في طهارته. نعم، بوصوله إلى الأمعاء ينجّسها فيغسل.

و في الحكمين معا نظر، و من ثمَّ حكم ابن إدريس (2) بكراهة اللحم في الأولى خاصّة.

و هذا كلّه إذا كان ذبحها عقيب الشرب بغير فصل أو قريبا منه، أما لو تراخى بحيث يستحيل المشروب لم يحرم، و نجاسة البواطن حيث لا يتميّز فيها عين النجاسة منتفية.

قوله: «و يحرم الكلب و السنّور. إلخ».

(1) أكثر أهل الإسلام على تحريم أكل الكلب. و الأصل فيه ما روي (3) أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن أكل كلّ ذي ناب من السباع و مخلب من الطير. و لأنه نجس العين، لوجوب الغسل من ولوغه، فلا يحلّ أكله كما لا يحلّ أكل غيره من النجاسات. و خالف مالك في الأمرين معا (4).

و الرواية دلّت على تحريم الهرّ أيضا، إنسيّا كان أم وحشيّا، لأنه ذو ناب يتقوّى به. و في بعض الأخبار (5) أنه سبع.

____________

(1) في إحدى الحجريّتين: متقاربتان.

(2) السرائر 3: 97.

(3) الكافي 6: 245 ح 3، و ص: 247 ح 1، الفقيه 3: 205 ح 938، التهذيب 9: 16 ح 65، و ص: 38 ح 162، الوسائل 16: 320 ب «3» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 2 و 3.

(4) بداية المجتهد 1: 468، الحاوي الكبير 15: 135، روضة القضاة 3: 1342 مسألة (8134)، حلية العلماء 3: 407- 408.

(5) الكافي 3: 9 ح 4، التهذيب 1: 227 ح 653 و 655، الاستبصار 1: 18- 19 ح 1، الوسائل 1: 165 ب «2» من أبواب الأسئار ح 2 و 3 و 4.

34

و يكره أن يذبح (1) بيده ما ربّاه من النعم.

و يؤكل من الوحشيّة: (2) البقر، و الكباش الجبليّة، و الحمر، و الغزلان، و اليحامير.

و يحرم منها: ما كان سبعا. و هو ما كان له ظفر أو ناب يفرس به، قويّا كان كالأسد و النمر و الفهد و الذئب، أو ضعيفا كالثعلب و الضبع و ابن آوى.

____________

و خالف فيه مالك أيضا و بعض الشافعيّة (1). و آخرون منهم فرّقوا بين الإنسيّة و الوحشيّة، فأحلّوا الوحشيّة دون الإنسيّة، قياسا على حلّ الحمار الوحشيّ دون الإنسي. و هما ممنوعان.

قوله: «و يكره أن يذبح. إلخ».

(1) مستند الكراهة النهي عنه في رواية محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال في جملة حديث: «لا تربّينّ شيئا ثمَّ تذبحه» (2).

و هذه المسألة كانت بباب الذباحة أولى، فإن المكروه من ذلك هو الفعل لا الحيوان، فلا مدخل له بالأطعمة.

قوله: «و يؤكل من الوحشيّة. إلخ».

(2) لا خلاف بين المسلمين في حلّ الخمسة المذكورة، و إنما الكلام في غيرها.

____________

(1) الحاوي الكبير 15: 140، بداية المجتهد 1: 468، المغني لابن قدامة 11: 68، روضة الطالبين 2: 539.

(2) الكافي 4: 544 ح 20، التهذيب 9: 83 ح 352، الوسائل 16: 308 ب «40» من أبواب الذبائح ح 1.

35

و يحرم: الأرنب، و الضبّ، (1) و الحشار كلّها، كالحيّة و الفأرة و العقرب و الجرذان و الخنافس و الصراصر و بنات وردان و البراغيث و القمّل.

و كذا يحرم: اليربوع، و القنفذ، و الوبر، و الخزّ، و الفنك، و السمّور، و السنجاب، و العضاء، و اللحكة، و هي دويبّة تغوص في الرمل تشبّه بها أصابع العذارى.

____________

و مستند تحريم السباع مطلقا ما تقدّم (1) من النهي عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله عن أكل كلّ ذي ناب من السباع و مخلب من الطير. و المراد من ذي الناب الذي يعدو به على الحيوان و يقوى به. و هو شامل للضعيف منه و القويّ. فيدخل فيه الكلب و الأسد و النمر و الفهد و الدبّ و القرد و الفيل و الذئب و الثعلب و الضبع و ابن آوى، لأنها عادية بأنيابها.

و خالف في الجميع مالك (2)، و كره السباع كلّها من غير تحريم. و وافقنا أبو حنيفة (3) على تحريم جميع ذلك. و فرّق الشافعيّة (4) بين ضعيف الناب منها- كالثعلب و الضبع [1] و ابن آوى- و قويّها، فحرّم الثاني دون الأول.

قوله: «و يحرم الأرنب و الضبّ. إلخ».

(1) تحريم هذه الأشياء كلّها عندنا موضع وفاق، و لأن الحشار [2] بأجمعها

____________

[1] في هامش «و»: «الضبع بضمّ الباء أكثر من إسكانها. منه رحمه اللّٰه».

[2] في هامش «و»: «الحشار صغار دوابّ الأرض، و الخنافس جمع خنفساء بضمّ أوّله مع فتح ثالثة أشهر من ضمّه و بالمدّ، و حكي ضمّ ثالثة مع القصر. منه رحمه اللّٰه».

____________

(1) في ص: 33.

(2) انظر الهامش (4) في ص: 33.

(3) اللباب في شرح الكتاب 3: 229، بدائع الصنائع 5: 39، شرح فتح القدير 8: 417، حلية العلماء 3: 407، روضة القضاة 3: 1342 مسألة (8134).

(4) الحاوي الكبير 15: 137- 139، روضة الطالبين 2: 538، الوجيز 2: 215.

36

..........

____________

مستخبثة، و منها ما نصّ على تحريمه بخصوصه، و منها ما هي ذات سموم و أبر، فتحرم لما فيها من الضرر.

و وافقنا على تحريمها أجمع أبو حنيفة [1]. و أباح الشافعيّة (2) الضبّ [2] و الأرنب بالنصّ، و اليربوع باستطابة العرب له على القاعدة السابقة (4) في أول الكتاب. و لهم في السمّور و السنجاب و الفنك وجهان أظهرهما عندهم (5) الحلّ، إلحاقا لها بالثعلب في الاستطابة.

مع أنه روي عندنا في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«ما حرّم اللّٰه في القرآن من دابّة إلا الخنزير، و لكنّه النكرة» (6). و بنحو هذا أخذ مالك (7). و روى حمّاد بن عثمان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

«كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله عزوف [3] النفس، و كان يكره الشيء و لا يحرّمه، فأتي بالأرنب فكرهها و لم يحرّمها» (9). و روى أبو بصير عن أبي عبد اللّٰه

____________

[1] بدائع الصنائع 5: 39، روضة القضاة 3: 1344 مسألة (8141)، و المذكور فيهما بعض هذه الحيوانات.

[2] في هامش «و»: «الضبّ حيوان للذكر ذكران و للأنثى فرجان، و اليربوع حيوان قصير اليدين جدّا طويل الرجلين، لونه كلون الغزال، و السمّور- بفتح السين و ضمّ الميم المشدّدة- حيوان يشبه السنّور. منه رحمه اللّٰه».

[3] في هامش «و»: «عزفت نفسي عن الشيء أي: زهدت فيه و انصرفت عنه. منه رحمه اللّٰه».

____________

(2) الحاوي الكبير 15: 138- 139، روضة الطالبين 2: 538- 539، التنبيه للشيرازي 83، الوجيز 2: 215.

(4) في ص: 7.

(5) الوجيز 2: 215، روضة الطالبين 2: 539.

(6) التهذيب 9: 43 ح 179، الوسائل 16: 311 ب «1» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 2.

(7) انظر الهامش (4) في ص: 33.

(9) التهذيب 9: 43 ح 180، الوسائل 16: 319 ب «2» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 21.

37

[القسم الثالث: في الطير]

القسم الثالث:

في الطير

[و الحرام منه أصناف]

و الحرام منه (1) أصناف:

[الأول: ما كان ذا مخلاب قويّ يعدو به على الطير]

الأول: ما كان ذا مخلاب قويّ يعدو به على الطير، كالبازيّ و الصقر و العقاب و الشاهين و الباشق، أو ضعيف كالنسر و الرخمة و البغاث.

____________

(عليه السلام) قال: «كان يكره أن يؤكل من الدوابّ لحم الأرنب و الضبّ و الخيل و البغال، و ليس بحرام كتحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير» (1). و قد قدّمنا (2) في معنى هذه أخبار أخر صحيحة، و لكن عمل الأصحاب على التحريم.

و الشيخ (3)- رحمه اللّٰه- حمل التحريم المنفيّ في هذه الأخبار على التحريم المخصوص، و هو ما اقتضاه ظاهر القرآن، دون مطلق التحريم، و لا يخفى بعد هذا التنزيل.

قوله: «الطير و الحرام منه. إلخ».

(1) قد تقدّم (4) ما يدلّ على تحريم ما كان له مخلاب- بكسر الميم، و هو الظفر- من الطير، كتحريم ذي الناب. و هو عندنا موضع وفاق. و مالك (5) على أصله في حلّه.

و البغاث- بتثليث الموحّدة و بالمعجمة و المثلّثة- طائر أبيض، و يقال:

أغبر، دوين الرخمة، بطيء الطيران. و قيل: هو ما عظم من الطير، و ليس له

____________

(1) التهذيب 9: 42 ح 177، الوسائل 16: 319 الباب المتقدّم ح 20.

(2) انظر ص: 12 هامش (7) و ص: 22 هامش (5)، و ص 24 هامش (1).

(3) التهذيب 9: 42 ذيل ح 176.

(4) في ص: 33.

(5) الكافي للقرطبي 1: 437، الحاوي الكبير 15: 144.

38

و في الغراب روايتان. (1) و قيل: يحرم الأبقع و الكبير الذي يسكن الجبال.

و يحلّ الزاغ، و هو غراب الزرع، و الغداف و هو أصغر منه يميل إلى الغبرة ما هو.

____________

مخلاب معقف. و قال الفرّاء: «بغاث الطير: شرارها و ما لا يصيد» (1).

قوله: «و في الغراب روايتان. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب في حلّ الغراب بأنواعه بسبب اختلاف الروايات فيه، فذهب الشيخ في الخلاف (2) إلى تحريم الجميع، محتجّا بالأخبار و إجماع الفرقة.

و تبعه عليه جماعة (3) منهم العلامة في المختلف (4) و ولده فخر الدين في الشرح (5).

و كرهه مطلقا الشيخ في النهاية (6) و كتابي الحديث (7)، و القاضي (8) و المصنف في النافع (9). و فصّل آخرون- منهم الشيخ في المبسوط (10) على الظاهر منه، و ابن إدريس [1]، و العلامة (12) في أحد قوليه- فحرّموا الأسود الكبير و الأبقع، و أحلّوا

____________

[1] السرائر 3: 103، و لكنّه حرّم الغداف.

____________

(1) انظر الصحاح 1: 274.

(2) الخلاف (طبعة كوشانپور) 2: 541 مسألة (15).

(3) إصباح الشيعة: 387، الجامع للشرائع: 379، التنقيح الرائع 4: 40.

(4) المختلف: 678.

(5) إيضاح الفوائد: 146- 147.

(6) النهاية: 577.

(7) التهذيب 9: 18- 19 ذيل ح 72 و 73، الاستبصار 4: 66 ذيل ح 238.

(8) المهذّب 2: 429.

(9) المختصر النافع: 252.

(10) المبسوط 6: 281.

(12) إرشاد الأذهان 2: 110، تحرير الأحكام 2: 160.

39

..........

____________

الزاغ و الغداف و هو الأغبر الرمادي.

حجّة المحلّلين: رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: «إن أكل الغراب ليس بحرام، إنما الحرام ما حرّم اللّٰه في كتابه، و لكن الأنفس تتنزّه عن كثير من ذلك تقزّزا» [1].

و في طريق الرواية أبان، و هو مشترك بين جماعة منهم أبان بن عثمان، و الأظهر أنه هو، و كان ناووسيّا إلا أن العصابة أجمعت على تصحيح ما يصحّ عنه، و هذا ممّا صحّ سنده عنه.

حجّة المحرّمين مطلقا: صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الغراب الأبقع و الأسود أ يحلّ أكله؟ فقال: لا يحلّ شيء من الغربان زاغ و لا غيره» (2). و هو نصّ في الباب، و صحّته متّفق عليها.

و أجاب عنه الشيخ في كتابي الحديث (3) بأن المراد: «أنه لا يحلّ حلالا طلقا، و إنما يحلّ مع ضرب من الكراهية». و حاول بذلك الجمع بين الخبرين.

و اعترض (4) باستلزامه الإضمار المخالف للأصل. و لا ضرورة إلى الجمع، لأن هذا أصحّ سندا فيكون مرجّحا. مع أنّا نمنع صحّة الأول و الإجماع المذكور، أو (5) نحمل الخبر الأول على نفي التحريم المستند إلى كتاب اللّٰه كما يظهر، فلا

____________

[1] التهذيب 9: 18 ح 72، الاستبصار 4: 66 ح 237، الوسائل 16: 328 ب «7» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1. و تقزّز من الدنس و كلّ ما يستقذر و يستخبث: عافه و تجنّبه. المنجد: 626.

____________

(2) الكافي 6: 245 ح 8، التهذيب 9: 18 ح 73، الاستبصار 4: 65 ح 236، الوسائل 16: 329 ب «7» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 3.

(3) التهذيب 9: 18- 19 ذيل ح 73، الاستبصار 4: 66 ذيل ح 238.

(4) انظر غاية المراد: 275.

(5) في «و»: و نحمل.

40

[الثاني: ما كان صفيفه أكثر من دفيفه]

الثاني: ما كان صفيفه (1) أكثر من دفيفه، فإنه يحرم. و لو تساويا، أو كان الدفيف أكثر، لم يحرم.

____________

ينافي تحريمه بالسنّة.

و أما المفصّلون فليس لهم عليه رواية بخصوصها، و إن كان في المبسوط (1) قد ادّعى ذلك. و لا يتّجه أن يكون فيه جمعا بين الأخبار، لأن كلّا من الخبرين مصرّح بالتعميم على وجه يدفع الآخر.

نعم، يمكن الاحتجاج له بأن الغرابين الأولين من الخبائث، لأنهما يأكلان الجيف، و الأخيرين من الطيّبات، لأنهما يأكلان الحبّ. و بهذا احتجّ من فصّل من العامّة (2).

و ابن إدريس [1] استدلّ على تحريم الأولين بأنهما من سباع الطير، بخلاف الأخيرين، لعدم الدليل على تحريمهما، فإن الأخبار ليست على هذا الوجه حجّة عنده.

قوله: «ما كان صفيفه. إلخ».

(1) المستند قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «كل ما دفّ، و دع ما صفّ» (4). يقال:

دفّ الطائر في طيرانه: إذا حرّك جناحيه، كأنّه يضرب بهما دفّه، و صفّ: إذا لم يتحرّك كما تفعل الجوارح. و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و قد

____________

[1] انظر السرائر 3: 103، و لكنّه صرّح بتحريم ثلاثة من الغرابين و حلّ الزاغ فقط.

____________

(1) المبسوط 6: 281.

(2) الحاوي الكبير 15: 145- 146.

(4) غريب الحديث للخطّابي 3: 212- 213، غريب الحديث لابن الجوزي 1: 342، و انظر تلخيص الحبير 4: 154.

41

[الثالث: ما ليس له قانصة و لا حوصلة و لا صيصيّة]

الثالث: ما ليس له قانصة (1) و لا حوصلة و لا صيصيّة فهو حرام.

و ما له أحدها فهو حلال، ما لم ينصّ على تحريمه.

____________

سأله ما يؤكل من الطير؟ قال: «كل ما دفّ، و لا تأكل ما صفّ» (1). و في معناه (2) كثير.

و لمّا كان كلّ واحد من الصفيف و الدفيف ممّا لا يستدام غالبا اعتبر منه الأغلب. و إطلاق النصّ و الفتوى باعتبار الطير بالأمرين يقتضي كونهما ضابطا في الحلّ مستقلّا يعمل به من غير نظر إلى كونه مجهولا، بخلاف ما سيأتي من العلامات الثلاثة، فإنه اعتبرها في المجهول.

قوله: «ما ليس له قانصة. إلخ».

(1) نبّه بقوله: «ما لم ينصّ على تحريمه» على أن هذه العلامات إنما تعتبر في الطائر المجهول، أما ما نصّ على تحريمه فلا عبرة فيه بوجود هذه. و الظاهر أن الأمر لا يتخلّف (3)، و لا يعرف طير محرّم له أحد هذه، و لا محلّل خال عنها. لكن المصنف تبع في ذلك مورد النصّ، ففي رواية ابن أبي يعفور قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي أكون في الآجام فيختلف عليّ الطير فما آكل منه؟ قال:

كل ما دفّ، و لا تأكل ما صفّ، قلت: إنّي أوتي به مذبوحا، قال: كل ما كانت له قانصة» (4). و روى سماعة عن الرضا (عليه السلام): «كل من طير البرّ ما كان له

____________

(1) الكافي 6: 247 ح 3، الفقيه 3: 205 ح 936، التهذيب 9: 16 ح 63، الوسائل 16: 346 ب «19» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

(2) لاحظ الوسائل 16: 346 ب «19» من أبواب الأطعمة المحرّمة.

(3) كذا في «خ»، و في سائر النسخ: يختلف.

(4) الكافي 6: 248 ح 6، التهذيب 9: 16 ح 64، الوسائل 16: 347 ب «19» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 3.

42

[الرابع: ما يتناوله التحريم عينا]

الرابع: ما يتناوله التحريم (1) عينا، كالخشّاف و الطاوس.

____________

حوصلة، و من طير الماء ما كانت له قانصة كقانصة الحمام لا معدة كمعدة الإنسان، و كلّ ما صفّ و هو ذو مخلب فهو حرام، و الصفيف كما يطير البازي و الصقر و الحدأة و ما أشبه ذلك، و كلّ ما دفّ فهو حلال، و القانصة و الحوصلة يمتحن بهما من الطير ما لا يعرف طيرانه و كلّ طير مجهول» [1].

و قد ظهر من هذه الأخبار أنه لا يعتبر في الحلّ اجتماع هذه العلامات، بل يكفي أحدها، و قد وقع مصرّحا في رواية ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كل من الطير ما كانت له قانصة أو صيصيّة أو حوصلة» (2).

و الحوصلة- بتشديد اللام و تخفيفها-: ما يجتمع فيها الحبّ مكان المعدة لغيره. و الصيصيّة- بكسر أوله بغير همز-: الإصبع الزائدة في باطن رجل الطائر بمنزلة الإبهام من بني آدم، لأنها شوكته، و يقال للشوكة صيصيّة أيضا.

قوله: «ما يتناوله التحريم. إلخ».

(1) الخشّاف- و يقال: الخفّاش-: هو الطائر الذي يطير ليلا، و لا يبصر (3) نهارا. و هو الوطواط أيضا، و قد تقدّم (4) أنه مسخ. و كذلك روي عن الرضا (عليه السلام): «أن الطاوس مسخ كان رجلا جميلا فكابر امرأة رجل مؤمن فوقع بها ثمَّ راسلته بعد ذلك، فمسخهما اللّه طاووسين أنثى و ذكرا، فلا تأكل لحمه و لا

____________

[1] الكافي 6: 247 ح 1، التهذيب 9: 16 ح 65، الوسائل 16: 345 ب «18» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 3 و ذيله في ص 346 ب «19» ح 2، و في المصادر: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

____________

(2) الكافي 6: 248 ح 5، التهذيب 9: 17 ح 67، الوسائل 16: 346 ب «18» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 5.

(3) في «م»: و لا يطير.

(4) في ج 11: 517.

43

و يكره الهدهد. (1)

و في الخطّاف (2) روايتان، و الكراهية أشبه.

____________

بيضه» (1).

قوله: «و يكره الهدهد».

(1) للنهي عنه في الأخبار المحمول على الكراهة، ففي صحيحة عليّ بن جعفر قال: «سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الهدهد و قتله و ذبحه، فقال: لا يؤذي و لا يذبح، فنعم الطير هو» (2). و روى الجعفري عن الرضا (عليه السلام) قال:

«نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن قتل الهدهد و الصرد و الصوّام و النحلة» (3).

و روي عنه (عليه السلام) أيضا: «أن في كلّ جناح هدهد مكتوبا بالسريانيّة: آل محمد خير البريّة» (4).

قوله: «و في الخطّاف. إلخ».

(2) قد اختلفت الرواية في حلّ الخطّاف [1] و حرمته، و بواسطته اختلف فتوى الأصحاب، فذهب الشيخ في النهاية (6) إلى تحريمه، و تلميذه القاضي (7)، و ابن إدريس (8) حتى ادّعى عليه الإجماع.

____________

[1] في هامش «ذ، و»: «الخطّاف بضمّ الخاء و تشديد الطّاء المعروف بالصنونو و بعصفور الجنّة. منه».

____________

(1) الكافي 6: 247 ح 16، التهذيب 9: 18 ح 70، الوسائل 16: 314 ب «2» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 6.

(2) الكافي 6: 224 ح 2، التهذيب 9: 19 ح 75، الوسائل 16: 248 ب «40» من أبواب الصيد ح 1.

(3) الكافي 6: 224 ح 3، التهذيب 9: 19 ح 76، الوسائل 16: 249 الباب المتقدّم ح 3.

(4) الكافي 6: 224 ح 1، الوسائل 16: 249 الباب المتقدّم ح 2.

(6) النهاية: 577.

(7) المهذّب 2: 428- 429.

(8) السرائر 3: 104.

44

..........

____________

و مستند الشيخ رواية الحسن بن داود الرقّي قال: «بينا نحن قعود عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) إذ مرّ رجل بيده خطّاف مذبوح، فوثب إليه أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) حتى أخذه من يده ثمَّ دحى به، ثمَّ قال: أ عالمكم أمركم بهذا أم فقيهكم؟

لقد أخبرني أبي عن جدّي أن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله نهى عن قتل الستّة:

النحلة، و النملة، و الضفدع، و الصرد، و الهدهد، و الخطّاف» (1). و النهي عن قتله يدلّ على تحريمه، لأنه لو كان حلالا لجاز قتله لأجل أكله.

و يضعّف بمنع سند الرواية أولا، فإن الحسن بن داود مجهول، و في طريقها جهالة بغيره أيضا. و في الكافي (2) رفعها إلى داود الرقّي أو غيره، و هو يدلّ على اضطراب و تردّد في حالها.

و منع دلالتها ثانيا، فإن النهي أعمّ من تحريم الأكل، بل الظاهر منه الكراهة بقرينة ما ذكره معه، فإن منه ما هو مكروه غير محرّم اتّفاقا، و استعمال المشترك في معنييه أو اللفظ في حقيقته و مجازه على خلاف الأصل، و من ثمَّ ذهب المصنف و المتأخّرون (3) إلى الكراهة دون التحريم، لأصالة عدمه، و عدم دليل صالح عليه.

و يؤيّده موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصيب خطّافا في الصحراء أو يصيده أ يأكله؟ فقال: «هو ممّا يؤكل، و عن الوبر

____________

(1) الكافي 6: 223 ح 1، التهذيب 9: 20 ح 78، الاستبصار 4: 66 ح 239، الوسائل 16: 343 ب «17» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

(2) الكافي 6: 223 ح 1.

(3) المختلف: 678، الدروس الشرعيّة 3: 10، المقتصر: 336.

45

..........

____________

يؤكل؟ قال: لا، هو حرام» (1).

و حسنة جميل بن درّاج عنه (عليه السلام) قال: «سألته عن قتل الخطّاف و إيذائهنّ في الحرم، فقال: لا تقتلهنّ فإني كنت مع عليّ بن الحسين (عليه السلام) فرآني أوذيهنّ فقال: يا بنيّ لا تقتلهنّ و لا تؤذهنّ، فإنّهنّ لا يؤذين شيئا» (2).

فحكمه (عليه السلام) بأنهنّ لا يؤذين شيئا دالّ على طهارة ذرقهنّ و إلا لحصل الأذى منهنّ، لعموم البلوى بهنّ، و عدم الانفكاك عن ذرقهنّ، خصوصا في المساجد، و طهارة ذرقهنّ تدلّ على إباحة أكلهنّ.

و في رواية أخرى لعمّار عن الصادق (عليه السلام) قال: «خرء الخطّاف لا بأس به، هو ممّا يحلّ أكله، و لكن كره أكله، لأنه استجار بك و أولى في منزلك، و كلّ طير يستجير بك فأجره» (3).

و الحقّ أن الأخبار من الجانبين قاصرة عن إفادة الحكم، إما في السند أو في الدلالة، و لكن يدلّ على الحلّ أن الخطّاف يدفّ في طيرانه، و قد تقدّم (4) في صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام): «كل ما دفّ، و لا تأكل ما صفّ» و يبقى باقي الروايات شاهدا، مضافا إلى الأصل، فالقول بحلّه على كراهية أقوى.

و الشيخ (5)- رحمه اللّٰه- أوّل خبر عمّار الدالّ على حلّه بقوله: «هو ممّا

____________

(1) التهذيب 9: 21 ح 84، الاستبصار 4: 66 ح 240، الوسائل 16: 343 ب «17» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 2.

(2) الكافي 6: 224 ح 3، الوسائل 16: 247 ب «39» من أبواب الصيد ح 1.

(3) التهذيب 9: 80 ح 345 و ليس فيه: خرء، الوسائل 16: 248 الباب المتقدّم ح 5.

(4) في ص: 40- 41.

(5) التهذيب 9: 21 ذيل ح 84، الاستبصار 4: 67 ذيل ح 240.

46

و يكره: الفاختة، (1) و القبّرة، و الحبارى. و أغلظ منه كراهية:

الصرد، و الصوّام، و الشقرّاق، و إن لم يحرم.

____________

يؤكل» بإرادة التعجّب من ذلك، دون أن يكون أراد الخبر عن إباحته، و جعله جاريا مجرى قول أحدنا لغيره إذا رآه (1) يأكل شيئا تعافه الأنفس: هذا شيء يؤكل! و هذا تأويل بعيد لا حاجة إليه، لأن خبره ليس أولى بالعمل من هذا سندا و دلالة كما قرّرناه.

قوله: «و يكره الفاختة. إلخ».

(1) أما كراهة الفاختة فقد روي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنها طائر مشؤوم يقول: فقدتكم فقدتكم» (2).

و أما القبّرة- بتشديد الباء بغير نون، و إثباتها لحن- فقد روى سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «لا تأكلوا القبّرة، و لا تسبّوها، و لا تعطوها الصبيان يلعبون بها، فإنها كثيرة التسبيح للّٰه تعالى، و تسبيحها: لعن اللّٰه مبغضي آل محمد» (3). و في معناها غيرها (4).

و أما الحبارى- بضمّ الحاء المهملة و فتح الراء- فما وقفت على ما يقتضي كراهتها. و في التحرير (5) أن به رواية شاذّة. و في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان قال:

«سأل أبي أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و أنا أسمع، ما تقول في الحبارى؟ قال: إن

____________

(1) في «ط، ل، و»: أراد.

(2) الكافي 6: 551- 552 ح 3، الوسائل 8: 386 ب «41» من أبواب أحكام الدوابّ ح 2.

(3) الكافي 6: 225 ح 1، التهذيب 9: 19 ح 77، الوسائل 16: 249 ب «41» من أبواب الصيد ح 1.

(4) لاحظ الوسائل 16: 249 ب «41» من أبواب الصيد.

(5) تحرير الأحكام 2: 160.

47

..........

____________

كانت لها قانصة فكل» (1). و هو يشعر بتوقّف في أمرها. و في صحيحة كردين المسمعي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الحبارى، قال: لوددت أن عندي منه فآكل منه حتى امتلئ» (2). و عن نشيط بن صالح قال: «سمعت أبا الحسن الأول (عليه السلام) يقول: لا أرى بأكل الحبارى بأسا، و إنه جيّد للبواسير و وجع الظهر، و هو ممّا يعين على كثرة الجماع» (3). و كأنّ نفي البأس يشعر بالكراهة.

فأما الصرد و الصوّام- كلاهما بضمّ الصاد- فقد روى سليمان الجعفري عن الرضا (عليه السلام) قال: «نهى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله عن قتل الهدهد و الصرد و الصوّام و النحلة» (4). و لذلك كانت كراهتها أشدّ من كراهة الفاختة و الحبارى، إذ ليس في الأولين نهي صريح كالآخرين، و النهي و إن كان ظاهره التحريم إلا أن المراد به هنا الكراهة بدليل خارج.

و أما الشقرّاق- بكسر الشين و القاف و تشديد الراء، و بكسر الشين مع سكون القاف كقرطاس، و بفتح الشين أيضا- فروى عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه سئل عن الشقرّاق فقال: «كره قتله لحال الحيّات، قال:

و كان النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم يوما يمشي فإذا شقرّاق قد انقضّ فاستخرج من خفّه حيّة» (5).

____________

(1) التهذيب 9: 15 ح 59، الوسائل 16: 350- 351 ب «21» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 3.

(2) الفقيه 3: 206 ح 940، التهذيب 9: 17 ح 69، الوسائل 16: 350 الباب المتقدّم ح 2.

(3) الكافي 6: 313 ح 6، الوسائل 16: 350 الباب المتقدّم ح 1.

(4) تقدّم ذكر مصادره في ص: 43 هامش (3).

(5) التهذيب 9: 21 ح 85، الوسائل 16: 251 ب «43» من أبواب الصيد.

48

و لا بأس بالحمام (1) كلّه، كالقماريّ و الدباسيّ و الورشان.

و كذا لا بأس بالحجل، (2) و الدرّاج، و القبج، و القطا، و الطيهوج، و الدجاج، و الكروان، و الكركيّ، و الصعو.

____________

قوله: «و لا بأس بالحمام. إلخ».

(1) قد تقدّم في الحجّ (1) أن الحمام جنس يقع على كلّ ذات طوق من الطيور، أو ما عبّ أي: شرب الماء بلا مصّ، فيدخل فيه القمريّ و هو الأزرق، و الدبسيّ و هو الأحمر، و الورشان و هو الأبيض، و السمام و الفواخت و غيرها. و لا خلاف في حلّها بين أهل الإسلام.

قوله: «و كذا لا بأس بالحجل. إلخ».

(2) هذه المعدودات مع اشتمالها على الصفات الموجبة للحلّ فيما تقدّم (2)- من الدفيف و غيره- ورد بحلّها نصوص (3)، فلهذا خصّها بالذكر.

و الدرّاج بضمّ الدال. و القبج بسكون الباء، قال في الصحاح: «هو الحجل، فارسيّ معرّب» (4). فكأنّه نوع منه. و الطيهوج من طيور الماء، له ساق طويل. و الدجاج بفتح أوله أفصح من كسره و ضمّه. و الكروان بالتحريك المفتوح. و الكركيّ بضمّ الكاف. و الصعو بفتح الصاد و سكون العين المهملتين.

____________

(1) في ج 2: 429.

(2) في ص: 40.

(3) لاحظ الوسائل 17: 33 ب «18» من أبواب الأطعمة المباحة.

(4) الصّحاح 1: 337.

49

و يعتبر في طير (1) الماء ما يعتبر في الطير المجهول، من غلبة الدفيف أو مساواته للصفيف، أو حصول أحد الأمور الثلاثة: القانصة أو الحوصلة أو الصيصيّة. فيؤكل مع هذه العلامات و إن كان يأكل السمك.

____________

قوله: «و يعتبر في طير. إلخ».

(1) قد تقدّم (1) في إطلاق النصوص باعتبار الطير بما ذكر ما يشمل طير الماء و غيره. و يدلّ عليه بخصوصه رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كل من طير الماء ما كانت له قانصة و لا مخلب له، قال:

و سألته عن طير الماء فقال مثل ذلك» (2). و في موثّقة سماعة عن الرضا (عليه السلام): «كل من طير البرّ ما كان له حوصلة، و من طير الماء ما كانت له قانصة كقانصة الحمام لا معدة كمعدة الإنسان» (3). و في صحيحة نجيّة بن الحارث قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن طير الماء ما يأكل السمك منه يحلّ؟ قال: لا بأس به كله» [1].

و المراد بطير الماء نحو البطّ و الإوزّ و الكركيّ و اللقلق و الطيهوج و غيرها. قال بعض (5) العلماء: هو أكثر من مائتي نوع، و لا نجد لأكثرها اسما

____________

[1] الفقيه 3: 206 ح 939 و فيه: عن محمد بن الحارث، التهذيب 9: 17 ح 68، الوسائل 16: 351 ب «22» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

____________

(1) في ص: 40- 42.

(2) الكافي 6: 248 ح 4، التهذيب 9: 17 ح 66، الوسائل 16: 345- 346 ب «18» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 4.

(3) تقدّم ذكر مصادره في ص: 42 هامش (1).

(5) حياة الحيوان 1: 668- 669.

50

و لو اعتلف أحد هذه (1) عذرة الإنسان محضا، لحقه حكم الجلل، و لم يحلّ حتى يستبرأ. فتستبرأ البطّة و ما أشبهها بخمسة أيّام، و الدجاجة و ما أشبهها بثلاثة أيّام، و ما خرج عن ذلك يستبرأ بما يزول عنه حكم الجلل، إذ ليس فيه شيء موظّف.

____________

عند العرب، لأنها لا تكون ببلادهم. و نبّه المصنف بتخصيصه على خلاف بعض العامّة (1)، حيث ذهب إلى حلّه كلّه كحيوانه.

قوله: «و لو اعتلف أحد هذه. إلخ».

(1) قد تقدّم (2) الكلام في الجلل و ما به يتحقّق، و أن المعتبر من استبرائه ما يزول به اسمه و يذهب نتنه، من العلف الطاهر في غير المنصوص على مقداره.

و ممّا نصّ عليه في الروايات السابقة البطّة و الدجاجة، ففي رواية مسمع عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «البطّة الجلّالة لا تؤكل لحمها حتى تربط خمسة أيّام، و الدجاجة ثلاثة أيّام» (3). و في رواية السكوني عنه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الدجاجة الجلّالة لا يؤكل لحمها حتى تغتذي ثلاثة أيّام، و البطّة الجلّالة خمسة أيّام» (4). و ليس فيهما ذكر الشبه لهما، مع ما قد عرفت من حال الروايات.

____________

(1) روضة الطالبين 2: 541.

(2) في ص: 25.

(3) الكافي 6: 253 ح 12، التهذيب 9: 45 ح 189، الاستبصار 4: 77 ح 282، الوسائل 16: 356 ب «28» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 2.

(4) الكافي 6: 251 ح 3، التهذيب 9: 46 ح 192، الاستبصار 4: 77 ح 285، الوسائل 16: 356 ب «28» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

51

و تحرم: الزنابير، و الذباب، و البقّ. (1)

و بيض ما يؤكل حلال. (2) و كذا بيض ما يحرم حرام. و مع الاشتباه يؤكل ما اختلف طرفاه، لا ما اتّفق.

____________

و اكتفى الصدوق في المقنع [1] للبطّة بثلاثة أيّام، و رواه عن القاسم بن محمد الجوهري (2). و اعتبر أبو الصلاح (3) و ابن زهرة (4) في الدجاجة خمسة أيّام، و جعلا الثلاثة رواية. و حكى في المبسوط [2] فيها سبعة أيّام و يوما إلى الليل. و حكاه الصدوق في المقنع [3] رواية.

و المستند في الجميع واه، و ينبغي اعتبار أكثر الأمرين من هذه المقدّرات و ما به يزول الجلل و النتن، ليخرج من حقّ الأدلّة. و لو لا اشتهار العمل بالتقدير في الجملة بين الأصحاب لما أمكن الرجوع إليه في شيء منها لما ذكرنا.

قوله: «و تحرم الزنابير و الذباب و البقّ».

(1) لأنها من الخبائث المحرّمة عموما بنصّ (7) القرآن.

قوله: «و بيض ما يؤكل حلال. إلخ».

(2) هكذا ورد اعتبار البيض في عدّة أخبار، منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا دخلت أجمة فوجدت بيضا فلا تأكل

____________

[1] لم نجده فيه، انظر المقنع: 141 و الهامش (6) هناك، و حكاه عنه العلّامة في المختلف: 676.

[2] انظر المبسوط 6: 282، و لكن حكى فيه القول الأول- و هو: سبعة أيّام- فقط دون الثاني، و هو:

يوم إلى الليل.

[3] لم نجده فيه، انظر المقنع: 141 و الهامش (6) هناك، و حكاه عنه العلّامة في المختلف: 676.

____________

(2) الفقيه 3: 214 ح 992، الوسائل 16: 357 ب «28» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 6.

(3) الكافي في الفقه: 277.

(4) غنية النزوع: 398.

(7) الأعراف: 157.

52

و المجثّمة حرام، (1) و هي التي تجعل غرضا و ترمى بالنشّاب حتى تموت. و المصبورة، و هي التي تجرح و تحبس حتى تموت.

____________

منه إلا ما اختلف طرفاه» (1). و حسنة زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): البيض في الآجام، فقال: ما استوى طرفاه فلا تأكل، و ما اختلف طرفاه فكل» (2).

قوله: «و المجثّمة حرام .. إلخ».

(1) تحريم هاتين راجع إلى تحريم الميتة، لأنهما من جملة أفرادها، لأن المراد منها ما يموت بغير التذكية، سواء استند موته إلى الجرح أم لا.

و أصل الصبر في هذا الباب أن لا يعجّل قتل الحيوان، بل يحبس مجروحا أو غير مجروح حتى يموت. و خصّت المصبورة بزيادة الجرح ليكون سببا للموت كالذبح، ثمَّ يصبر بتركها كذلك إلى أن تموت. و منه الحديث:

«نهى عن قتل شيء من الدوابّ صبرا» (3). قال أبو عبيد (4): هو أن يحبس من ذوات الأرواح شيء حيّا ثمَّ يرمى حتى يقتل، و منه يقال للرجل يقدّم و يضرب عنقه: قتل صبرا، أي: محبوسا ممسكا على القتل، و كلّ من حبسته ليقتل فهو قتل صبر.

____________

(1) الكافي 6: 248 ح 1، التهذيب 9: 15 ح 57، الوسائل 16: 347 ب «20» من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

(2) الكافي 6: 249 ح 2، الفقيه 3: 205 ح 936، التهذيب 9: 16 ح 63، الوسائل 16: 348 الباب المتقدّم ح 4.

(3) مستدرك الوسائل 16: 160 ح 8 نقله عن مجموعة الشهيد، مسند أحمد 3: 318، صحيح مسلم 3:

1550 ح 60، سنن ابن ماجه 2: 1064 ح 3188.

(4) غريب الحديث للهروي 1: 155.

53

[القسم الرابع: في الجامدات]

القسم الرابع:

في الجامدات (1) و لا حصر للمحلّل منها، فلنضبط المحرّم، و قد سلف (1) منه شطر في كتاب المكاسب.

____________

قوله: «في الجامدات .. إلخ».

(1) نبّه بعدم حصرها على الفرق بين المحلّل من الحيوان و من الجامدات، فإنه من الجامدات غير محصور، و لا ضابط له يرجع إليه، بخلاف المحرّم منها، فإنه منحصر في الأنواع الخمسة و ما عداها محلّل مطلقا. و أما الحيوان فالمحلّل منه منضبط في الجملة و لو بضوابط كلّية، كقوله في الطير: كل ما دفّ و كان له أحد الثلاثة، و في حيوان الماء: كل ما له فلس من السمك، و من حيوان البرّ: ما ليس له ناب، و لا من [جنس] (2) الحشار، و لا منصوص على تحريمه بخصوصه. و هو يؤول إلى كونه ما عدّد من المحلّل سابقا، إذ لا يعلم من الحيوان غالبا غيره.

و التحقيق أن هذا كلّه لا يفيد الحصر، بل هو الغالب، و لهذا أسلفنا في أول الباب أن ما يوجد من الأشياء التي لا نصّ للشارع فيها- سواء كانت حيوانا أم غيره- يحكم فيها بالحلّ حيث تكون مستطابة، لآية أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ (3) إلا أن الحيوان مضبوط في الجملة زيادة على غيره.

و المراد بالجامدات ما عدا الحيوان الحيّ و إن كان أصله الحيوان، كالميتة و محرّمات الذبيحة، أو ناميا كالنبات، أو مائعا كالخمر، كما يستفاد من الأنواع.

____________

(1) انظر شرائع الإسلام 2: 6، مسالك الأفهام (طبعتنا هذه) 3: 118- 122.

(2) من «ر» فقط.

(3) المائدة: 4.

54

[و نذكر هنا خمسة أنواع]

و نذكر هنا خمسة أنواع:

[الأول: الميتات]

الأول: الميتات، و هي محرّمة (1) إجماعا.

نعم، قد يحلّ منها ما لا تحلّه الحياة، فلا يصدق عليه الموت.

و هو:

الصوف، و الشعر، و الوبر، و الريش. و هل يعتبر فيها الجزّ؟ الوجه أنها إن جزّت فهي طاهرة، و إن استلّت غسل منها موضع الاتّصال.

و قيل: لا يحلّ منها ما يقلع. و الأول أشبه.

و القرن، و الظلف، و السنّ، و البيض إذا اكتسى القشر الأعلى، و الإنفحة.

____________

قوله: «الميتات و هي محرّمة. إلخ».

(1) لا خلاف في تحريم الميتة، و هي المصدّر بتحريمها في الآية الكريمة (1).

و المراد منها: الحيوان بعد خروج روحه بغير التذكية المعتبرة شرعا، و أجزاؤه التي تحلّها الحياة. و على هذا لا يفتقر إلى استثناء الجراد و السمك، لأن ميتته بغير التذكية [المعتبرة] (2) محرّمة. و إطلاق [1] النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليهما الميتة باعتبار التذكية المشهورة، و هي الذبح. و من لا يعتبر فيهما تذكية من العامّة (4) نظر إلى هذا الإطلاق.

و أما أجزاء الميتة التي لا تحلّها الحياة فهي طاهرة يحلّ استعمالها. و هي

____________

[1] في قوله صلّى اللّٰه عليه و آله في الحديث: «أحلّت لنا ميتتان و دمان: فأما الميتتان فالحوت و الجراد، و أما الدّمان فالكبد و الطّحال» راجع مسند أحمد 2: 97، سنن ابن ماجه 2: 1101 ح 3314، سنن البيهقي 1: 254، شرح السنّة 11: 244.

____________

(1) المائدة: 3.

(2) من «م» فقط.

(4) الحاوي الكبير 15: 59، المغني لابن قدامة 11: 42، روضة الطالبين 2: 508.