مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج14

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
5

[تتمة القسم الرابع في الأحكام]

[تتمة كتاب القضاء]

[تتمة النظر الثالث في كيفية الحكم]

خاتمة كتاب القضاء

خاتمة تشمل فصلين

[الأول في كتاب قاض إلى قاض]

الأول في كتاب قاض إلى قاض (1) إنهاء حكم الحاكم إلى الآخر: إما بالكتاب، أو القول، أو الشهادة.

أما الكتابة، فلا عبرة بها، لإمكان التشبيه.

و أما القول مشافهة، فهو أن يقول للآخر: حكمت بكذا، أو أنفذت، أو أمضيت، ففي القضاء به تردّد، نصّ الشيخ في الخلاف أنّه لا يقبل.

____________

قوله: «في كتاب قاض إلى قاض. إلخ».

(1) المشهور بين أصحابنا (1) أنه لا عبرة بكتاب قاض إلى قاض، بمعنى أنّه إذا كتب حكما بشيء و أنفذه إلى غيره من القضاة ليس لهم الاعتماد على الخطّ و إنفاذه مطلقا، لأن الخطّ يحتمل التزوير، و على تقدير الأمن منه يمكن كتبته من غير قصد تحقيقه (2).

و يظهر من ابن الجنيد جوازه في حقوق الآدميين دون حقّ اللّه تعالى، لأنه قال: «لا يجوز عندنا كتاب قاض إلى قاض في حدّ للّه وجب على أحد من بلد المكتوب إليه، فإن كتب القاضي بذلك لم يكن للمكتوب إليه أن يقيمه، فأما ما كان من حقوق الناس بعضهم على بعض في الأموال و ما يجري مجراها دون الحدود في الأبدان، فجائز كتاب القضاة من قبل إمام المسلمين بعضهم إلى

____________

(1) في «ا، خ»: الأصحاب.

(2) في «ت»: الحقيقة، و في «م»: بحقيقة.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

و أما الشهادة، (1) فإن شهدت البيّنة بالحكم، و بإشهاده إيّاهما على حكمه، تعيّن القبول، لأن ذلك ممّا تمسّ الحاجة إليه، إذ احتياج أرباب الحقوق إلى إثباتها في البلاد المتباعدة غالب، و تكليف شهود الأصل التنقّل متعذّر أو متعسّر، فلا بدّ من وسيلة إلى استيفائها مع تباعد الغرماء، و لا وسيلة إلا رفع الأحكام إلى الحكّام، و أتمّ ذلك احتياطا ما صوّرناه.

____________

بعض» (1).

و للعامّة (2) في ذلك اختلاف أيضا، فمنهم من منعه مطلقا كما قلناه، و منهم من أجازه مطلقا، و منهم من أجازه مع الوثوق بالخطّ و الختم.

و أما إنهاء الحاكم إلى آخر بالقول، بأن يقول له: إنّي حكمت بكذا و نحوه، ففي جواز قضاء السامع به- بمعنى إنفاذه له- خلاف، فذهب الشيخ في الخلاف (3) إلى عدم القبول.

و وجّهوه بأنه حكم من الثاني بغير علم، و قد نهى (4) اللّه تعالى عنه، خرج منه ما دلّ عليه دليل من خارج فيبقى الباقي على الأصل.

و الأصحّ القبول، لما سيأتي (5) إن شاء اللّه تعالى من جوازه مع الشهادة على حكمه، فمع مشافهته أولى.

قوله: «و أما الشهادة. إلخ».

(1) هذا هو القسم الثالث من إنهاء قاض إلى آخر مضمون حكمه بطريق

____________

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 706.

(2) الحاوي الكبير 16: 213، المغني لابن قدامة 11: 458، بدائع الصنائع 7: 7، روضة القضاة 1:

329- 331، الكافي للقرطبي 2: 956، الإنصاف 11: 321، روضة الطالبين 8: 162.

(3) الخلاف 6: 245 مسألة (42).

(4) الإسراء: 36.

(5) في الصفحة التالية.

9

لا يقال: يتوصّل إلى ذلك بالشهادة على شهود الأصل.

لأنّا نقول: قد لا يساعد شهود الفرع على التنقّل، و الشهادة الثالثة لا تسمع.

و لأنّه لو لم يشرع إنهاء الأحكام بطلت الحجج مع تطاول المدد.

و لأن المنع من ذلك يؤدّي إلى استمرار الخصومة في الواقعة الواحدة، بأن يرافعه المحكوم عليه إلى آخر، فإن لم ينفذ الثاني ما حكم به الأول اتّصلت المنازعة.

و لأن الغريمين لو تصادقا أن حاكما حكم عليهما ألزمهما الحاكم ما حكم الأول، فكذا لو قامت البيّنة، لأنها تثبت ما لو أقرّ الغريم به لزم.

____________

الإشهاد على الحكم. و قد اختلف الأصحاب في جواز إنفاذه للحاكم المنهيّ إليه الحكم بشهادة الشهود، فذهب بعضهم (1) إلى عدم جواز ذلك، و آخرون إلى جوازه و منهم المصنف- (رحمه اللّه)- [و جماعة] (2). و قد استدلّ على جوازه بوجوه أربعة:

الأول: أن ذلك ممّا تمسّ إليه الحاجة، فوجب في الحكمة (3) نصب أمين (4) شرعيّ له. و وجه الحاجة: إن أرباب الحقوق قد يحتاجون إلى إثباتها في البلاد المتباعدة، و لا يكون لهم فيها شهود بالحقّ، و يكون شهودهم في بلاد أخرى، و لا

____________

(1) لم نظفر على مصرّح بذلك. نعم، يشعر كلام العلامة في المختلف (706) بوجود قائل به. و راجع مفتاح الكرامة 10: 174، جواهر الكلام 40: 306.

(2) من «أ، ث، ل». و انظر الخلاف 6: 245 مسألة (42)، الجامع للشرائع: 530، المختلف: 706، إيضاح الفوائد 4: 364، الدروس الشرعيّة 2: 92، التنقيح الرائع 4: 261.

(3) في الحجريّتين: الحكم.

(4) في «خ، د، ط، م»: أمر.

10

..........

____________

يتيسّر نقلهم إلى بلد الحقّ، فمسّت الحاجة إلى إثباته في بلد الشهود، و الانتفاع في بلد المدّعى عليه أو الذي فيه الحقّ، و لا وسيلة إلى ذلك إلا برفع الأحكام من بلد الشهود إلى الحكّام في بلد الحقّ، ليتوصّل ذو الحقّ إلى حقّه، و إلا لزم تعطيل الحقوق، و هو مناف للحكمة. و الضرورة إلى إثبات الحقّ كما تندفع بذلك، تندفع بشهادة الشاهدين على شهود الأصل ثمَّ شهادة الفرع عند الحاكم الذي يريد إنهاء الحكم عنده.

إلا أن في الشهادة على الشهادة قصورا عن الشهادة على الحكم، من حيث إنها مقصورة على المرتبة الثانية، فلا تسمع الشهادة الثالثة على الشهادة، و المرتبة الثالثة من الشهادة على الشهادة بمنزلة المرتبة الثانية من الشهادة على الشهادة على الحكم، فتكون مسموعة. فإذا تعذّر وصول شهود الأصل في المرتبة الأولى من الشهادة على الحكم حصل الغرض من الشهادة عليهما (1)، دون ما لو كانت الشهادة على شهادة الأصل، لأنها تنقص عنها بمرتبة، فقد لا يحصل الغرض بدون المرتبة الثالثة التي هي ثانية في الشهادة على الحكم.

الثاني: أنه لو لم يشرع إنهاء الأحكام لبطلت الحجج مع تطاول المدّة، لأن الحاكم يموت فيبطل حكمه، فتنتفي فائدة الحكم حينئذ، بخلاف ما إذا أشهد على حكمه و لو قبل موته بيسير، فإن الشهود تصير طبقة ثانية بعده، فإذا أنفذ حكمه بشهادتهم طال زمان نفوذ الحجّة و الانتفاع بها، و هلمّ جرّا بالنسبة إلى الحاكم الثاني و الثالث، فيستمرّ الانتفاع بالحجّة.

____________

(1) في «ت، ط»: عليها.

11

لا يقال: فتوى الأصحاب (1) أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض، و لا العمل به. و رواية طلحة بن زيد و السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

أن عليّا (عليه السلام) كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض، [لا] في حدّ و لا غيره، حتى وليت بنو أميّة فأجازوا بالبيّنات.

____________

الثالث: أن المنع من ذلك يؤول إلى استمرار الخصومة في الواقعة الواحدة، بأن يرافعه المحكوم عليه إلى حاكم آخر، فإذا لم ينفذ حكم الأول يجب عليه سماع الدعوى. ثمَّ قد يكون عالما بعدالة شهود الحقّ، فيحكم له كالأول. ثمَّ يحاكمه إلى آخر كذلك، إما [لو] (1) توصّلا إلى حاكم يختلّ معه بعض الشرائط المعتبرة في إثبات الحقّ فينتفي عنه، أو يحصل بتكرار الخصومة مشقّة زائدة على المحكوم له، بخلاف ما إذا أنفذ حكم الأول، فإن الخصومة ترتفع حينئذ، و يمضى الحكم الأول على وجهه. و هذا هو الموافق لنصب الحكّام من الشارع، فإنهم وضعوا لفصل الخصومات و قطع المنازعات، دون ما يوجب استمرار الخصومة.

الرابع: أن الغريم لو أقرّ عند الحاكم أن حاكما عليه بالحقّ ألزمه الحاكم المقرّ (2) عنده به بالحقّ، لأن إقراره بذلك إقرار بثبوت الحقّ عليه شرعا، و إذا كان الحاكم الثاني يلزم الغريم بإقراره بالحكم و يقطع الخصومة بذلك، فكذا إذا شهدت عنده البيّنة بحكم الحاكم بذلك، لأن البيّنة تثبت ما لو أقرّ به الغريم لزم، فإذا كان الإقرار بالحكم ملزما كانت البيّنة عليه ملزمة.

قوله: «لا يقال: فتوى الأصحاب. إلخ».

(1) هذا إشارة إلى حجّة المانع من إنفاذ القاضي حكم قاض آخر و إن شهدت

____________

(1) من «ث» و الحجريّتين.

(2) في إحدى الحجريّتين: المقرّ به عنده.

12

لأنّا نجيب عن الأول بمنع دعوى الإجماع على خلاف موضع النزاع، لأن المنع من العمل بكتاب قاض إلى قاض ليس منعا من العمل بحكم الحاكم مع ثبوته.

و نحن (1) فلا عبرة عندنا بالكتاب، مختوما كان أو مفتوحا. و إلى جواز ما ذكرنا أومأ الشيخ أبو جعفر- (رحمه اللّه)- في الخلاف (2).

و نجيب عن الرواية بالطعن في سندها، فإن طلحة بتريّ، و السكوني عاميّ. و مع تسليمها نقول بموجبها، فإنّا لا نعمل بالكتاب أصلا و لو شهد به، فكان الكتاب ملغى.

____________

البيّنة عنده بحكمه. و مرجع الحجّة إلى أمرين:

أحدهما: إجماع الأصحاب على أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض، بمعنى أنه لا عبرة به و لا يترتّب عليه حكم، و إجماع الأصحاب حجّة، و المخالف لهم في ذلك منهم معلوم النسب، فلا يقدح فيه على ما تقرّر في محلّه.

و الثاني: الرواية المشهورة عن طلحة بن زيد و السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أن عليّا (عليه السلام) كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض، و إنما جوّزه القضاة في زمن بني أميّة» (3). فكان باطلا.

و أجاب المصنف- (رحمه اللّه)- بمنع الإجماع على خلاف صورة النزاع، فإن الإجماع- على تقدير تسليمه- إنما وقع على منع العمل بكتاب قاض إلى قاض بمجرّد الكتابة، من غير أن يحكم به باللفظ و يشهد على حكمه و ينهي

____________

(1) في الشرائع الحجريّة (324) و متن الجواهر (40: 310): و نحن نقول فلا.

(2) الخلاف 6: 245 مسألة (42).

(3) التهذيب 6: 300 ح 840- 841، الوسائل 18: 218 ب «28» من أبواب كيفيّة الحكم.

13

..........

____________

الشهود ذلك إلى حاكم آخر فينفذه، و هذا ليس منعا من العمل بحكمه مع ثبوته.

و نحن نسلّم أنّه لا عبرة بالكتاب بمجرّده، سواء كان مختوما أم لا، و إنما يجوز إنفاذ الحاكم الثاني حكم الأول على تقدير ثبوت حكمه عنده بالبيّنة، و هذا أمر خارج عمّا ادّعي الإجماع عليه.

فحاصل الجواب يرجع إلى أن الإجماع المدّعى واقع على خلاف موضع النزاع، فلا يكون مسموعا. مع أنّا نمنع الإجماع على ما ذكروه أيضا، لأن ابن الجنيد قد جوّزه على ما عرفت (1)، و هو من أجلّة الأصحاب، و معلوميّة نسبه و كونها غير قادحة في الإجماع قد بيّنّا ما فيه غير مرّة.

و عن الرواية بأمرين:

أحدهما: ضعف سندها، فإن طلحة بن زيد بتريّ، و البتريّة فرقة من الزيديّة. و قال الشيخ في الفهرست (2) و النجاشي (3): إنه عاميّ. و السكوني عاميّ أيضا مشهور الحال. مع أنه لم ينصّ أحد من الأصحاب فيهما على توثيق و لا مدح، مضافا إلى فساد العقيدة، فلا يعتدّ بروايتهما.

و الثاني: على تقدير تسليمها لا دلالة لها على المنع في موضع النزاع، لأنها دلّت على أن عليّا (عليه السلام) كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض، و نحن نقول بموجبة، فإنّا لا نجيز الكتاب بمجرّده، و إنما نجيز الحكم إذا شهد عليه شاهدان و أنهياه عند حاكم آخر، و هذا غير المتنازع.

____________

(1) راجع ص: 7.

(2) الفهرست: 86 رقم (362).

(3) رجال النجاشي: 207 رقم (550).

14

إذا عرفت هذا، فالعمل بذلك مقصور (1) على حقوق الناس، دون الحدود و غيرها من حقوق اللّه.

[فما ينهى إلى الحاكم أمران]

فما ينهى إلى الحاكم أمران:

أحدهما: حكم وقع بين متخاصمين.

و الثاني: إثبات دعوى مدّع على غائب.

____________

و أجاب في المختلف (1) عن ضعف الروايتين بأن الرواية من المشاهير، فلا يضرّها الطعن في الراوي. و هو يرجع إلى جبر الشهرة للضعف، و قد تكلّمنا عليه غير مرّة.

و احتجّ على المنع أيضا بالإجماع على الحكم بالبيّنة و اليمين من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و ليس هذا أحدها.

و جوابه: أن هذا ليس حكما، و إنما هو إقرار للحكم على حاله، و هو معنى إنفاذه. و على تقدير تسليمه فهو حكم بالبيّنة أيضا، فلا ينافي الإجماع المدّعى.

و لو سلّم عدم كونه حكما بها منعنا الإجماع المذكور، فإن القول بجواز إنفاذ الحكم على هذا الوجه مذهب أكثر علماء الإسلام، و منهم جملة (2) الأصحاب، سيّما المتأخّرين.

قوله: «فالعمل بذلك مقصور. إلخ».

(1) لأن الحدود و حقوق اللّه مبنيّة على التخفيف، فيقتصر في إثباتها (3) على موضع الوفاق و محلّ اليقين.

____________

(1) المختلف: 706.

(2) في «ت، ط»: من الأصحاب.

(3) في «ت، ث»: إثباتهما.

15

[أما الأول: حكم وقع بين متخاصمين]

أما الأول:

فإن حضر شاهدا الإنهاء (1) خصومة الخصمين، و سمعا ما حكم به الحاكم، و أشهدهما على حكمه، ثمَّ شهدا بالحكم عند الآخر، أثبت بشهادتهما حكم ذلك الحاكم، و أنفذ ما ثبت عنده، لا أنه يحكم بصحّة الحكم في نفس الأمر، إذ لا علم له به، بل الفائدة فيه قطع خصومة المختصمين لو عاودا المنازعة في تلك الواقعة.

و إن لم يحضرا الخصومة، فحكي لهما الواقعة و صورة الحكم، و سمّى المتحاكمين بأسمائهما و آبائهما و صفاتهما، و أشهدهما على الحكم، ففيه تردّد، و القبول أولى، لأن حكمه كما كان ماضيا كان إخباره ماضيا.

____________

قوله: «فإن حضر شاهدا الإنهاء. إلخ».

(1) حيث حكمنا (1) بجواز إنفاذ الحاكم ما حكم به غيره، فأتمّ صوره احتياطا حضور شاهدي (2) الإنهاء الواقعة و شهادة الشاهدين بأصل الحقّ، بعد دعوى المدّعي و إشهاد الحاكم إيّاهما على حكمه. و هذه الصورة جوّز إنفاذ الحكم فيها كلّ من قال به.

فأما إذا انتفى حضورهما، و لكن حكى لهما الحاكم الأول صورة الواقعة و صورة الحكم، و عيّن لهما المتخاصمين، و أشهدهما على حكمه، ففي جواز إنفاذ الحكم حينئذ تردّد، منشؤه من أن حكم الحاكم الثاني قول بما لا يعلم، و هو منهيّ عنه بقوله تعالى أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ (3)، و بغيره من

____________

(1) في «م»: قلنا.

(2) في «ا، ث، خ، ط»: شاهدين لإنهاء.

(3) الأعراف: 28.

16

[و أما الثاني: و هو إثبات دعوى المدّعي]

و أما الثاني: و هو إثبات (1) دعوى المدّعي، فإن حضر الشاهدان الدعوى و إقامة الشهادة و الحكم بما شهدا به، و أشهدهما على نفسه بالحكم، و شهدا بذلك عند الآخر، قبلها و أنفذ الحكم.

____________

الآيات (1) و الروايات (2)، فيقتصر فيما خالفه على موضع الوفاق و ما يوجب تمام الاحتياط، و هو الصورة الأولى، و من أنه كلّما كان حكم الحاكم ماضيا كان إخباره به ماضيا، لكن المقدّم حقّ فالتالي مثله.

و حقيّة المقدّم واضحة، و الملازمة ظاهرة، لأن غاية الحضور سماعهما (3) الحكم، إذ لا اعتبار بما وقع في المجلس غيره من الدعوى و شهادة الشاهدين و تعديلهما ما لم يحصل الحكم، و هو عبارة عن الإخبار بثبوت الحقّ من أهله بلفظ «حكمت» و نحوه، و صورة النزاع إخبار بذلك، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر. و لأن الأدلّة السابقة الدالّة على تسويغ أصل هذا الإنفاذ آتية في هذه الصورة. فكان القول بالقبول أقوى، و هو الذي اختاره المصنف- (رحمه اللّه)- و الأكثر.

و احترز المصنف بقوله: «و أشهدهما على الحكم» عمّا لو قال لهما: ثبت عندي و نحوه، فإنه لا يقبل قطعا، و إنما الكلام على تقدير إخباره بالحكم.

إذا تقرّر ذلك، فالمراد بقضاء القاضي الثاني بما حكم به الأول إنفاذه لحكمه و إمضاؤه له، بحيث لا تسمع الدعوى ثانيا، و تنقطع المنازعة، و يبقى الحكم على حاله و إن لم يعلم حقيقة الأمر، لا أنه يحكم بصحّته كما يحكم به الأول، لعدم علمه بما يوجب الحكم، و لجواز مخالفته لاجتهاده فلا يمكنه الحكم بصحّته.

قوله: «و أما الثاني و هو إثبات. إلخ».

(1) البحث في هاتين الصورتين كالسابقتين قبولا و ردّا، و إنما تتميّزان بأن

____________

(1) الإسراء: 36.

(2) راجع الكافي 1: 42 باب النهي عن القول بغير علم.

(3) في «ا، ث، ط»: سماعها.

17

و لو لم يحضرا الواقعة، و أشهدهما بما صورته: أن فلان بن فلان الفلاني ادّعى على فلان بن فلان الفلاني كذا، و شهد له بدعواه فلان و فلان- و يذكر عدالتهما أو تزكيتهما- فحكمت و أمضيت، ففي الحكم به تردّد، مع أن القبول أرجح، خصوصا مع إحضار الكتاب المتضمّن للدعوى و شهادة الشهود.

أما لو أخبر حاكما (1) آخر بأنه ثبت عنده كذا لم يحكم به الثاني.

و ليس كذلك لو قال: حكمت، فإن فيه تردّدا.

____________

الحكم في الأوّلتين على حاضر و هنا على غائب، و هو لا يوجب اختلاف الحكم.

و لو اقتصر على أحدهما و أدرج الآخر فيه كان أخصر.

قوله: «أما لو أخبر حاكما. إلخ».

(1) قد ظهر من الأدلّة المجوّزة لقبول إنفاذ الحكم أن موردها الضرورة إلى ذلك في البلاد البعيدة عن الحاكم الأول. فذهب بعض الأصحاب (1) إلى اختصاص الحكم بما إذا كان بين الحاكمين وساطة، و هم الشهود على حكم الأول. فلو كان الحاكمان مجتمعين، و أشهد أحدهما الآخر على حكمه، لم يصحّ إنفاذه، لأن هذا ليس من محلّ الضرورة المسوّغة للإنفاذ المخالف للأصل.

و الأقوى القبول، لأن قوله نافذ، و حكمه حجّة، و الضرورة إلى ذلك باقية، فإنها غير منحصرة في الأماكن المتباعدة، لأن من جملتها قطع الخصومة، و هو لا يتمّ إلا بقبول ذلك، بل هو في هذه الحالة أقوى من البيّنة، لأن غاية البيّنة إثبات حكم الحاكم، و إخباره بالحكم أقوى.

____________

(1) لم نجد تصريحا بهذا لأحد من الأصحاب. نعم، يشعر كلام الشيخ في الخلاف (6: 245 مسألة 42) بذلك. و للاستزادة انظر جواهر الكلام 40: 316.

18

و صورة الإنهاء: (1) أن يقصّ الشاهدان ما شاهداه من الواقعة، و ما سمعاه من لفظ الحاكم، و يقولا: و أشهدنا على نفسه أنه حكم بذلك و أمضاه.

و لو أحالا على الكتاب بعد قراءته، فقالا: أشهدنا الحاكم فلان على نفسه أنه حكم بذلك، جاز.

و لا بدّ من ضبط الشيء (2) المشهود به بما يرفع الجهالة عنه. و لو اشتبه على الثاني وقف الحكم حتى يوضحه المدّعي.

____________

و هذه الصورة هي التي صدّرها في أول الخاتمة (1)، و جعل فيها تردّدا، و نقل عن الشيخ المنع منها. و إنما أعادها ليفرّق بين قوله: «ثبت عندي كذا» و «حكمت بكذا»، فإن محلّ الإنفاذ هو الثاني لا الأول، لأنه لم يحكم بل أثبت، و الحاكم الثاني لا يحكم بإثبات غيره، بل ينفذ حكمه، و لم يحصل.

قوله: «و صورة الإنهاء. إلخ».

(1) المراد أن الشاهدين لا يكفي شهادتهما بما في الكتاب من الحكم مجملا، بل لا بدّ من تفصيل الواقعة على الوجه الذي ذكره (2)، إما بلفظهما، أو بأن يقرأ الحاكم الثاني عليهما الكتاب المشتمل على الحكم، فيقول الشاهدان: أشهدنا الحاكم فلان على نفسه أنه حكم بذلك، لأنها حينئذ شهادة على أمر مفصّل معلوم بالقراءة عليهما.

قوله: «و لا بدّ من ضبط الشيء. إلخ».

(2) إذا اشتبه المشهود به على الحاكم الثاني،

____________

(1) راجع ص: 7.

(2) في «خ»: ذكرناه.

19

و لو تغيّرت حال الأول (1) بموت أو عزل لم يقدح ذلك في العمل بحكمه. و إن تغيّرت بفسق لم يعمل بحكمه، و يقرّ ما سبق إنفاذه على زمان فسقه.

و لا أثر لتغيّر حال المكتوب إليه في الكتاب، بل كلّ من قامت عنده البيّنة بأن الأول حكم به و أشهدهم به عمل بها، إذ اللازم لكلّ حاكم إنفاذ ما حكم به غيره من الحكّام.

____________

لعدم ضبط الشهود (1) له بما يرفع الجهالة، وجب عليه إيقاف الحكم إلى أن يتّضح، إما بتذكّر الشاهدين تفصيله أو بشهادة غيرهما. و ينبغي أن يكون ذلك هو المراد بإيضاح المدّعي له، بأن أراد إيضاحه على وجه يثبت شرعا، و إلا فمطلق إيضاح المدّعي له غير كاف في إنفاذ الثاني للحكم، لأنه لا يجوز له التعويل على قول المدّعي بمجرّده. و لو قال: وقف الحكم حتى يتّضح، كان أظهر.

قوله: «و لو تغيّرت حال الأول. إلخ».

(1) كما يجوز أن يكتب الحاكم الأول إلى قاض معيّن، يجوز أن يطلق فيكتب إلى كلّ من يصل إليه من قضاة المسلمين. و عند بعض العامّة (2) أنه لا يجوز الإطلاق. و على تقدير التعيين لا يختصّ الحكم بمن كتب إليه، بل يجب إنفاذه على كلّ من شهد عنده الشاهدان بالحكم، و طلب منه المحكوم له إنفاذه. و من اعتبر التعيين لم يجوّز إنفاذه لغير المعيّن مطلقا.

إذا تقرّر ذلك، فلا يقدح موت الكاتب و لا المكتوب إليه إذا شهد الشاهدان

____________

(1) في «ت، د»: المشهود.

(2) روضة القضاة 1: 332- 333، المغني لابن قدامة 11: 467.

20

[مسائل ثلاث]

مسائل ثلاث:

[الأولى: إذا أقرّ المحكوم عليه أنه هو المشهود عليه ألزم]

الأولى: إذا أقرّ المحكوم عليه (1) أنه هو المشهود عليه ألزم. و لو أنكر و كانت الشهادة بوصف يحتمل الاتّفاق [عليه] غالبا، فالقول قوله مع يمينه، ما لم يقم المدّعي البيّنة. و إن كان الوصف ممّا يتعذّر اتّفاقه إلا نادرا لم يلتفت إلى إنكاره، لأنه خلاف للظاهر.

و لو ادّعى أن في البلد مساويا له في الاسم و النسبة، كلّف إبانته [في إثباته]. فإن كان المساوي حيّا سئل، فإن اعترف أنه الغريم ألزم، و أطلق الأول. و إن أنكر وقف الحكم حتّى يتبيّن.

____________

عند من يقوم مقامه، بناء على عدم الانحصار ابتداء، لأن الحكم لا يبطل بموت الحاكم. و في معنى موت الحاكم عزله و جنونه و عماه- حيث يعتبر البصر- و خرسه. أما لو كتب القاضي إلى خليفته، ثمَّ مات القاضي أو عزل، تعذّر على الخليفة القبول و الإمضاء إن قلنا إنه ينعزل بانعزال الأصل.

و لو ارتدّ القاضي الكاتب أو فسق، ثمَّ وصل الكتاب إلى المكتوب إليه، لم يجز إنفاذه. و فرّقوا بينه و بين الموت: بأن ظهور الفسق يشعر بالخبث و قيام الفسق يوم [يرفع] (1) الحكم. و فيه نظر. و ذهب العامّة (2) إلى جواز إنفاذه كالموت. و أما الإنفاذ السابق على ظهور الفسق فيقرّ عليه كأصل الحكم.

و أما المكتوب إليه فلا أثر لتغيّره بفسق و لا غيره، فيبقى الحكم ماضيا و ينفذ على غيره من القضاة، لما تقدّم (3) من عدم انحصاره في المكتوب إليه.

قوله: «إذا أقرّ المحكوم عليه. إلخ».

(1) ينبغي أن يثبت القاضي في الكتاب اسم المحكوم له و المحكوم عليه

____________

(1) من «ت، د، م».

(2) الحاوي الكبير 16: 232، روضة القضاة 1: 340، روضة الطالبين 8: 164.

(3) في الصفحة السابقة.

21

و إن كان المساوي ميّتا، و هناك دلالة تشهد بالبراءة، إما لأن الغريم لم يعاصره، و إما لأن تاريخ الحقّ متأخّر عن موته، ألزم الأول. و إن احتمل وقف الحكم حتى يتبيّن.

____________

و كنيتهما (1)، و اسم أبيهما و جدّهما و حليتهما (2) و صفتهما و قبيلتهما، ليسهل التميّز.

نعم، لو كان الرجل مشهورا، و حصل الإعلام ببعض ما ذكرنا، اكتفي به.

فإذا فعل كما ذكرنا، و حمل الكتاب إلى المكتوب إليه، و أحضر الحامل عنده من زعمه محكوما عليه، نظر إن شهد شهود الكتاب و الحكم على عينه، و أن القاضي الكاتب حكم عليه، طولب بالحقّ.

و إن لم يشهدوا على عينه، و لكن شهدوا على رجل موصوف بالصفات المذكورة في الكتاب، فإن أقرّ المحضر أنه هو المشهود عليه قبل و ألزم، لعموم «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (3). و إن أنكر، و كانت الشهادة بوصف يحتمل المشاركة غالبا، فالقول قوله مع يمينه، لأصالة البراءة، و عدم حصر الوصف. و إن نكل حلف المدّعي و توجّه عليه الحكم.

و إن قال: لا أحلف [على] (4) أنه ليس اسمي و نسبي، و لكن أحلف على أنه لا يلزمني تسليم شيء إليه، ففي إجابته وجهان أصحّهما عدمه، لقيام البيّنة

____________

(1) كذا في «خ، ط»، و في سائر النسخ: و كيفيّتهما.

(2) في «ط»: و خلقتهما.

(3) راجع الوسائل 16: 111 ب «2» من كتاب الإقرار ح 2، المستدرك 16: 31 ب «2» من كتاب الإقرار ح 1، عوالي اللئالي 3: 442 ح 5. و راجع أيضا المختلف: 443، التذكرة 2: 79، إيضاح الفوائد 2: 428، جامع المقاصد 5: 233، فهناك بحث في كون هذه الجملة رواية.

(4) من الحجريّتين.

22

..........

____________

على المسمّى بهذا الاسم، و ذلك يوجّه الحقّ عليه.

و إن قامت البيّنة على أنه اسمه و نسبه، فقال: نعم لكنّي لست المحكوم عليه، فإن لم يوجد هناك من يشاركه في الاسم و الصفات المذكورة لزمه (1) الحكم، لأن الظاهر أنه المحكوم عليه. و إن وجد، إما بأن عرّفه القاضي أو قامت عليه بيّنة، احضر الذي يشاركه و سئل، فإن اعترف بالحقّ طولب به، و تخلّص الأول. و إن أنكر وقف حتى ينكشف.

و لو أقام المحضر بيّنة على موصوف بتلك الصفات كان هناك و قد مات، فإن مات بعد الحكم وقع الاشكال. و إن مات قبله، فإن لم يعاصره المحكوم له فلا إشكال. و إن عاصره، فإن كان تاريخ الحقّ متأخّرا عن موته فكذلك، فيلزم الأول، و إلا وقف الحكم.

هذا كلّه إذا أثبت القاضي اسم المحكوم عليه و نسبه و صفته كما قدّمناه. أما إذا اقتصر على أنّي حكمت على محمد بن أحمد مثلا، فقيل: يبطل الحكم، لأن المحكوم عليه مبهم لم يتعيّن بإشارة و لا وصف، حتى لو حضر رجل و اعترف بأنه محمد بن أحمد و أنه المعنيّ بالكتاب لم يلزم ذلك، لبطلان الحكم في نفسه، إلا أن يقرّ بالحقّ فيؤاخذ به، بخلاف ما لو استقصى الوصف و لم يقصّر فظهر الاشتراك و اتّفق اشتباهه.

و يظهر من إطلاق المصنف أنه «لو أقرّ بأنه المشهود عليه ألزم» لزوم الحقّ لصاحب الاسم المشترك غالبا، و إن كان لا يلزمه لو أنكر. و هو خيرة الدروس (2)، و استبعد خلافه. و هذا هو الوجه.

____________

(1) في «ت، م»: نفذ، و في «د»: أنفذ.

(2) الدروس الشرعيّة 2: 92.

23

[الثانية: للمشهود عليه أن يمتنع من التسليم حتى يشهد القابض]

الثانية: للمشهود عليه (1) أن يمتنع من التسليم حتى يشهد القابض.

و لو لم يكن عليه بالحقّ شاهد، قيل: لا يلزم الإشهاد. و لو قيل: يلزم كان حسنا، حسما لمادّة المنازعة، أو كراهية لتوجّه اليمين.

[الثالثة: لا يجب على المدّعي دفع الحجّة مع الوفاء]

الثالثة: لا يجب على المدّعي (2) دفع الحجّة مع الوفاء، لأنها حجّة له لو خرج المقبوض مستحقّا. و كذا القول في البائع إذا التمس المشتري كتاب الأصل، لأنّه حجّة له على البائع الأول بالثمن لو خرج المبيع مستحقّا.

____________

قوله: «للمشهود عليه. إلخ».

(1) القول بعدم جواز الامتناع إلى أن يشهد حيث لا يكون بالحقّ شاهد للشيخ (1)، لعدم الضرر بالدفع حينئذ، لأن غايته أن يدّعي عليه به مرّة أخرى و لا بيّنة له، فينكر و يقبل قوله في البراءة منه بيمينه، و اليمين الصادقة لا ضرر فيها.

و مثله ما لو كان له بالحقّ بيّنة و لكن كان الحقّ ممّا يقبل قول من هو بيده في ردّه كالوديعة، لأن البيّنة لا تلزمه، و إنما غايته إلزامه باليمين كالسابق.

و الذي اختاره المصنف- (رحمه اللّه)- و جماعة (2) جواز الامتناع إلى أن يشهد مطلقا، لأن المنازعة و توجّه اليمين ممّا ينبغي دفعه خصوصا عن ذوي المروّات، فيكون حسم مادّته بالإشهاد عذرا في تأخير الحقّ إلى أن يحكمه. و قد تقدّم البحث في هذه المسألة في كتاب الوكالة (3)، و كأنّه أعادها لمناسبة المقام.

قوله: «لا يجب على المدّعي. إلخ».

(2) ما ذكره من تعليل عدم وجوب دفع الحجّة حسن، لأن فائدة الحجّة

____________

(1) المبسوط 8: 131.

(2) قواعد الأحكام 1: 258، اللمعة الدمشقيّة: 98.

(3) في ج 5: 292.

24

[الفصل الثاني في لواحق من أحكام القسمة]

الفصل الثاني في لواحق من أحكام القسمة (1) و النظر: في القاسم، و المقسوم، و الكيفيّة، و اللواحق

____________

لا تنحصر في زمن ملكه، بل يحتاج إليها بعد البراءة و خروج الملك عنه ليكون حجّة على الدرك. مع أنه يجوز التعليل أيضا بكونها ملكا لمن هي في يده، و لا يجب عليه دفع ملكه إلى غيره، و إن لم يكن له منفعة بها كغيرها من أمواله.

قوله: «في لواحق من أحكام القسمة. إلخ».

(1) إنما ذكر أحكام القسمة في كتاب القضاء لأن القاضي لا يستغني عن القسّام، للحاجة إلى قسمة المشتركات، بل القسّام كالحاكم، فحسن الكلام في القسمة في هذا الكتاب كما فعله جماعة (1) من الفقهاء، و من (2) أفردها كتابا برأسها نظر إلى استقلالها بالأحكام كغيرها من كتب الفقه.

و اعلم أن الحاجة الداعية إلى تجويز القسمة بيّنة، و ذلك لأنه قد يتبرّم الشركاء أو بعضهم بالمشاركة أو يريدون الاستبداد بالتصرّف، و في كتاب اللّه:

وَ إِذٰا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبىٰ (3) الآية. و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقسّم الغنائم بين الغانمين (4).

____________

(1) انظر المبسوط 8: 133، الجامع للشرائع: 531، قواعد الأحكام 2: 218، اللمعة الدمشقيّة: 53.

(2) كالقاضي في المهذّب 2: 573، و الشهيد في الدروس الشرعيّة 2: 117.

(3) النّساء: 8.

(4) المبسوط 8: 133، و انظر مسند أحمد 1: 427، صحيح البخاري 5: 200- 201، صحيح مسلم 2: 738 ح 1061، سنن البيهقي 10: 131- 132.

25

[أما الأوّل: في القاسم]

أما الأوّل:

فيستحبّ للإمام (1) أن ينصب قاسما، كما كان لعليّ (عليه السلام).

و يشترط فيه: البلوغ، و كمال العقل، و الايمان، و العدالة، و المعرفة بالحساب. و لا يشترط الحرّية.

و لو تراضى الخصمان بقاسم لم تشترط العدالة. و في التراضي بقسمة الكافر نظر، أقربه الجواز، كما لو تراضيا بأنفسهما من غير قاسم.

____________

قوله: «فيستحبّ للإمام (عليه السلام). إلخ».

(1) القسمة قد يتولّاها الشركاء بأنفسهم، و قد يتولّاها غيرهم. و هو إما منصوب الإمام، أو منصوبهم. و يستحبّ للإمام أن ينصب قاسما و يرزقه من بيت المال، لأن القسمة من جملة المصالح. و روي (1) أنه كان لعليّ (عليه السلام) قاسم يقال له عبد اللّه بن يحيى، و كان يرزقه من بيت المال.

و يشترط في منصوب الامام: التكليف، و الايمان، و العدالة، و المعرفة بالمساحة و الحساب، لأن علمه بهما كالفقه في الحاكم. و قيل: يشترط أن يعرف التقويم، لأن في أنواع القسمة ما يحتاج إليه. و لا يشترط عندنا الحريّة، فلا يمتنع أن يكون العبد قاسما بإذن مولاه.

أما منصوب الشركاء فلا يشترط فيه العدالة، لأنه وكيل من جهتهم. و في اشتراط إسلامه نظر، من حيث إنه ظالم منهيّ عن الركون إليه. و الأصحّ الجواز، لجواز كونه وكيلا و هذه في معنى الوكالة، و لتراضيهما على قسمته، فكان كما لو تراضيا على القسمة بأنفسهما من غير قاسم.

____________

(1) رواه الشيخ في المبسوط 8: 133.

26

و المنصوب من قبل الامام (1) تمضي قسمته بنفس القرعة، و لا يشترط رضاهما بعدها. و في غيره يقف اللزوم على الرضا بعد القرعة.

و في هذا إشكال، من حيث إن القرعة وسيلة إلى تعيين الحقّ، و قد قارنها الرضا.

____________

قوله: «و المنصوب من قبل الإمام. إلخ».

(1) قرعة قاسم الإمام بمنزلة حكمه، فمن ثمَّ اشترط فيه العدالة و المعرفة، فلا يعتبر رضاهما بعدها.

أما القاسم الذي نصباه، أو إذا اقتسما بأنفسهما من غير قاسم، قال الشيخ (1): يعتبر رضاهما بعد القرعة، لأنها إنما تتعيّن (2) بحكم الحاكم أو تراضيهما بعدها، و لأصالة بقاء الشركة.

و المصنف- (رحمه اللّه)- استشكل ذلك، من حيث إن القرعة شرعت وسيلة إلى تعيين الحقّ، و قد قارنها الرضا فلا يعتبر بعدها، لأن التعيين على هذا الوجه أوجب تميّز أحد الحقّين عن الآخر، فيتعيّن بالرضا المقارن. بل ينبغي أن يتعيّن بتراضيهما على القسمة و تخصيص كلّ واحد من الشركاء بحصّته (3) و إن لم تحصل القرعة، كما تصحّ المعاطاة في البيع، إلا أن المعاطاة يتوقّف لزومها على التصرّف، من حيث إن ملك كلّ واحد من العوضين كان للآخر، فيستصحب ملكه إلى أن يتصرّف أحدهما بإذن الآخر، فيكون رضا منه بكون ما في يده عوضا عن الآخر.

أما القسمة فإنها مجرّد تمييز أحد النصيبين عن الآخر، و ما يصل إلى كلّ منهما هو

____________

(1) المبسوط 8: 148.

(2) في «ا، خ»: تعتبر.

(3) في «د، م»: بحقّه.

27

و يجزي القاسم الواحد (1) إذا لم يكن في القسمة ردّ. و لا بدّ من اثنين في قسمة الردّ، لأنها تتضمّن تقويما، فلا ينفرد به الواحد. و يسقط اعتبار الثاني مع رضا الشريك.

____________

عين ملكه لا عوضا عن ملك الآخر، فيكفي تراضيهما عليها مطلقا. و من جعلها بيعا مطلقا أو على بعض الوجوه يناسبه توقّف اللزوم على التصرّف، كالبيع معاطاة.

و اشترط في الدروس (1) تراضيهما بعد القرعة في غير قسمة منصوب الامام (عليه السلام) مع اشتمالها على الرّد خاصّة. و هو حسن. و في اللمعة (2) اكتفى بتراضيهما عليها من غير قرعة مطلقا. و هو أجود. و اختاره العلامة في القواعد (3) أيضا.

قوله: «و يجزي القاسم الواحد. إلخ».

(1) القسمة إن اشتملت على ردّ فلا إشكال في اعتبار التعدّد في القاسم حيث لا يتراضى الشريكان بالواحد، لأن التعدّد (4) مشترط في التقويم (5) مطلقا من حيث إنها شهادة و إن لم تشتمل على ردّ.

فهل يجزي قاسم واحد، بمعنى أن الإمام يجتزي بنصب واحد، أم لا بدّ من اثنين كنصب الشاهد؟ مذهب الأصحاب هو الأول، إقامة له مقام الحاكم. و يؤيّده ما سبق (6) من نصب عليّ (عليه السلام) قاسما واحدا.

____________

(1) الدروس الشرعيّة 2: 117.

(2) اللمعة الدمشقيّة: 53.

(3) قواعد الأحكام 2: 218.

(4) في «ت، خ، د، م»: العدد.

(5) في «ث، ط»: المقوّم.

(6) في ص: 25.

28

و أجرة القسّام من بيت المال، (1) فإن لم يكن إمام، أو كان و لا سعة في بيت المال، كانت أجرته على المتقاسمين.

فإن استأجره كلّ واحد بأجرة معيّنة فلا بحث. و إن استأجروه في عقد واحد، و لم يعيّنوا نصيب كلّ واحد من الأجرة، لزمتهم الأجرة بالحصص. و كذا لو لم يقدّروا أجرة، كان له أجرة المثل عليهم بالحصص لا بالسويّة.

____________

و اعتبر بعض (1) العامّة اثنين مطلقا، ترجيحا لجانب الشاهد، حيث إنه لا يشتمل على جميع أوصاف الحاكم.

قوله: «و أجرة القسّام من بيت المال. إلخ».

(1) قد ذكرنا (2) أن أجرة القسّام في (3) بيت المال، لأنه من المصالح. فإن لم يتّفق له الكفاية من بيت المال فأجرته على الشركاء، سواء طلب جميعهم القسمة أم بعضهم دون بعض.

ثمَّ ينظر إن استأجر الشركاء قاسما و سمّوا له أجرة و أطلقوا فتلك الأجرة تتوزّع على قدر الحصص، لأنها من مئونات الملك، فأشبهت النفقة، فتكون في مقابلة العمل، و العمل لمن يزداد نصيبه أكثر، كالكيل في المكيلات (4) و الوزن في الموزونات. و كذا القول فيما لو لم يقدّروا أجرة، أو استأجروه أجرة (5) فاسدة، فوجبت أجرة المثل.

____________

(1) الحاوي الكبير 16: 247، حلية العلماء 8: 165- 166، روضة الطالبين 8: 182.

(2) راجع ص: 25.

(3) في «خ»: من.

(4) في «ث»: المكيل.

(5) كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية، و لعلّ الصحيح: إجارة، أو: بأجرة.

29

..........

____________

و فيه وجه آخر أنه يقسّم على عدد الرؤوس، لأن عمله (1) في الحساب و المساحة يقع لهم جميعا، و قد يكون الحساب في الجزء القليل أغمض. و أيضا فإن قلّة النصيب توجب كثرة العمل، لأن القسمة تقع بحسب أقلّ الأجزاء، فإن لم يجب على من قلّ نصيبه زيادة فلا أقلّ من التساوي. و الأصحّ الأول.

و إن سمّى كلّ واحد منهم أجرة التزمها فله على كلّ واحد ما التزم، و انقطع النظر عن الحصص و الرؤوس جميعا.

و هذا واضح إن فرض اجتماعهم على الاستيجار، بأن قالوا: استأجرناك لتقسّم بيننا كذا بدينار على فلان و دينارين على فلان، أو وكّلوا وكيلا فعقد لهم كذلك.

و إن فرضت عقود مترتّبة، فقد ذكروا فيه إشكالا، و هو أن الشركاء إذا كانوا اثنين فعقد واحد لإفراز نصيبه، فعلى القسّام إفراز النصيبين و تمييز كلّ واحد منهما عن الآخر، لأن تمييز نصيب المستأجر لا يمكن إلا بتمييز نصيب الآخر، و ما يتوقّف عليه الواجب فهو واجب، فإذا استأجر بعد ذلك الآخر على تمييز نصيبه فقد استأجره على ما وجب عليه و استحقّ في ذمّته لغيره، فلم يصحّ. و كذا لو كانوا ثلاثة فعقد واحد لإفراز نصيبه، ثمَّ الثاني كذلك، فعلى القسّام إفراز النصيبين، فإذا ميّزهما تميّز الثالث، فإذا عقد الثالث بعد العقدين كان قد عقد على عمل مستحقّ في ذمّة الأجير لغيره، فلا يصحّ.

و أجيب بأن السؤال مبنيّ على أنه يجوز استقلال بعض الشركاء باستئجار القسّام لإفراز نصيبه و لا سبيل إليه، لأن إفراز نصيبه لا يمكن إلا بالتصرّف في

____________

(1) كذا في «خ، ث»، و في سائر النسخ: علمه.

30

[الثاني: في المقسوم]

الثاني: في المقسوم (1) و هو إما متساوي الأجزاء، كذوات الأمثال مثل الحبوب و الأدهان، أو متفاوتها، كالأشجار و العقار.

فالأول يجبر الممتنع مع مطالبة الشريك بالقسمة، لأن الإنسان له ولاية الانتفاع بماله، و الانفراد أكمل نفعا.

و يقسّم كيلا و وزنا، متساويا و متفاضلا، ربويّا كان أو غيره، لأن القسمة تمييز حقّ لا بيع.

____________

نصيب الآخرين تردّدا و تقديرا، و لا سبيل إليه إلا برضاهم. نعم، يجوز أن ينفرد واحد منهم برضا الباقين، فيكون أصلا و وكيلا، و لا حاجة إلى عقد الباقين.

و حينئذ إن فصّل ما على كلّ واحد منهم بالتراضي فذاك، و إن أطلق عاد الكلام في كيفيّة التوزيع.

قوله: «في المقسوم. إلخ».

(1) اعلم أن العين المشتركة إما أن يعظم الضرر في قسمتها، أولا يعظم.

و الثاني: إما أن تكون مثليّة، و هي المتساوية الأجزاء في القيمة و الصفات، كالحبوب و الأدهان، أو قيميّة لكنّها متشابهة الأجزاء، كالدار المتّفقة الأبنية، و الأرض المتشابهة الأجزاء، و ما في معناها بحيث يمكن تعديلها بعدد الأنصباء من غير ردّ و لا ضرر، أو يتوقّف التعديل على الردّ من غير أن يحصل ضرر على أحد الشركاء، أو يحصل ضرر، إما على الجميع أو على البعض. فهذه أقسام المقسوم. فالقسمان الأولان يجبر الممتنع من القسمة إذا طلبها الآخر. و سيأتي حكم الباقي.

31

..........

____________

و نبّه بقوله: «و يقسّم كيلا و وزنا- إلى قوله- لأن القسمة تمييز حقّ لا بيع» على خلاف بعض العامّة (1) حيث زعم أنها بيع مطلقا. و منهم من جعل قسمة الرّد بيعا دون غيرها. و منهم من جعل قسمة التراضي بيعا دون غيرها. و وافقنا جماعة على أنها تمييز حقّ لا بيع مطلقا.

و استدلّ على أنها ليست بيعا مطلقا بأنها لا تفتقر إلى صيغة، و يدخلها الإجبار، و تعتمد القرعة، و يتقدّر أحد النصيبين بقدر الآخر، و البيع ليس فيه شيء من ذلك، و اختلاف اللوازم و الخواصّ يدلّ على اختلاف الملزومات و المعروضات. و معنى أنها تمييز و إفراز أنها تبيّن أن ما خرج لكلّ واحد منهما هو الذي ملكه.

و استدلّ من جعلها بيعا بأنه ما من جزء من المال إلا و كان مشتركا بينهما، و إذا اقتسما فكأنّه قد باع كلّ منهما ما كان له في حصّة صاحبه بماله في حصّته.

و اعتذروا عن الصيغة بأن البيع لا ينحصر في صيغة معيّنة. و عن الإجبار بالحاجة الداعية إليه، و ذلك لا يخرجها عن كونها بيعا، فقد يدخل الإجبار البيع لمصلحة، كما يبيع الحاكم مال المديون قهرا، و غير ذلك من مواضع معدودة (2) في بابه.

و أجيب بأن القول بكونها بيعا لا يتمّ في مادّة مطلقا، لأن النصف الأيمن مثلا [عن] (3) الذي يأخذه زيد كما أنه لم يكن كلّه لزيد حتى يقال إن القسمة إفراز

____________

(1) المغني لابن قدامة 11: 492، الإنصاف 11: 344 و 347، روضة القضاة 2: 797، روضة الطالبين 8: 192- 193.

(2) في «ث، خ»: متعدّدة.

(3) من الحجريّتين.

32

..........

____________

بالنصف الأيسر، لم يكن كلّه له حتى يقال إنه باعه من عمرو، بل النصف الذي أخذه كان نصفه له و نصفه لصاحبه. فالقسمة إفراز ما كان له منه، و معاوضة على ما كان لصاحبه. و هي لا تنحصر في البيع، لأن الصلح يفيد ذلك، إلا أن يسمّوه حينئذ بيعا، و هو ممنوع. و أما قسمة الردّ فهي معاوضة في مقابلة المردود، و من ثمَّ اشترط فيها التراضي، لكن لا تنحصر المعاوضة في البيع كما ذكرناه، و يمكن كونها هنا قسما برأسها.

و يتفرّع على الخلاف أن من جعلها بيعا فاقتسما شيئا ربويّا وجب التقابض في المجلس، و لم تجز قسمة المكيل بالوزن و الموزون بالكيل. و إن جعلناها إفرازا فالحكم بخلافه. و إليه أشار بقوله: «و يقسّم كيلا و وزنا، ربويّا كان أو غيره».

و أما قوله: «متساويا و متفاضلا» فالأصل في القسمة أن تكون بنسبة الاستحقاق، فإذا كان المشترك بينهما نصفين إفرازه قسمين، و إن كان بينهما أثلاثا إفرازه كذلك، و التفاضل في الثاني بحسب الصورة و إلا فهو متساو حقيقة، لأن مستحقّ الثلث له فيما في يد صاحب الثلاثين ثلثه، و لصاحب الثلاثين في يد ما في صاحب الثلث ثلثاه، فالقسمة على هذا الوجه موجبة للتسوية بينهما بالنظر إلى أصل الحقّ.

و إن أراد بالتفاضل ترجيح أحدهما على الآخر زيادة على حقّه، فليس ذلك بداخل في حقيقة القسمة، بل هو هبة محضة للزائد. فلو ترك قوله:

«متساويا و متفاضلا» كان أولى.

33

و الثاني: إما أن يستضرّ (1) الكلّ، أو البعض، أو لا يستضرّ أحدهم.

و في الأول: لا يجبر الممتنع، كالجواهر و العضائد الضيّقة.

و في الثاني: إن التمس المستضرّ أجبر من لا يتضرّر. و إن امتنع المتضرّر لم يجبر.

و يتحقّق الضرر المانع من الإجبار بعدم الانتفاع بالنصيب بعد القسمة. و قيل بنقصان القيمة. و هو أشبه. و للشيخ قولان.

____________

قوله: «و الثاني: إما أن يستضرّ. إلخ».

(1) المشترك غير المثلي إما أن يحصل الضرر بقسمته على جميع الشركاء، كالجوهرة النفيسة تكسر، و الثوب الرفيع يقطع، أو يتضرّر بعضهم دون بعض، كدار بين اثنين لأحدهما عشرها و للآخر باقيها، و لو قسّمت لم يصلح العشر للمسكن و تصلح تسعة الأعشار، أو لا يتضرّر أحد منهم.

فمع الضرر لا يجبر المتضرّر إذا امتنع من القسمة، لظهور عذره، و عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار» (1).

و إن طلب أحدهم حيث لا ضرر، أو طلب المتضرّر حيث يختصّ الضرر بأحد (2)، أجيب. أما الأول فلانتفاء الضرر رأسا، فله طلب تخليص ملكه من الآخر، كما في المثلي. و أما الثاني فلأن الطالب هو الذي أدخل الضرر على نفسه فيجاب إليه، و ليس للآخر الامتناع، لانتفائه عنه. و كذا لو تضرّر الجميع و اتّفقوا على القسمة. لكن يجب تقييد الحكم في الموضعين بما إذا لم تبطل منفعة

____________

(1) الكافي 5: 292 ح 2، الفقيه 3: 147 ح 648، التهذيب 7: 146 ح 651، الوسائل 17: 341 ب «12» من أبواب إحياء الموات ح 3.

(2) في «ت»: بأحد الشركاء، و في «خ»:. الضرر به.

34

..........

____________

المقسوم بالكليّة فتذهب ماليّته، فإنهم لا يجابون إليها، لما فيه من إذهاب المال في (1) غير غرض صحيح.

إذا تقرّر ذلك، فقد اختلفوا (2) في ضبط الضرر المانع من القسمة على أقوال:

أحدها: أنه عدم الانتفاع بالنصيب بعد القسمة. و وجه التضرّر على هذا الوجه ظاهر، لأن بطلان منفعة الملك ضرر بيّن، و هو منفيّ بالرواية.

و الثاني- و هو الذي اختاره المصنف (رحمه اللّه) هنا-: أنه نقصان القيمة و إن بقيت المنفعة. و حجّته أيضا الخبر، نظرا إلى فوات الماليّة في الجملة.

و هذان القولان للشيخ في المبسوط (3)، و الأول له في الخلاف (4) أيضا.

و للمصنف- (رحمه اللّه)- أيضا، أولهما في باب الشفعة (5)، و الآخر هنا. و هما للعلامة (6) أيضا.

و الثالث: أنه عدم الانتفاع به منفردا فيما كان ينتفع به مع الشركة، كالدار الصغيرة إذا قسّمت أصاب كلّ واحد موضع ضيّق لا ينتفع به في السكنى على ذلك الوجه، و إن انتفع به في غيرها.

____________

(1) في «ث، خ»: من.

(2) في «أ»: اختلف.

(3) المبسوط 8: 135.

(4) الخلاف 6: 229 مسألة (27).

(5) راجع ج 12: 265.

(6) قواعد الأحكام 2: 219، تذكرة الفقهاء 1: 589- 590.

35

ثمَّ المقسوم إن لم يكن (1) فيه ردّ و لا ضرر أجبر الممتنع. و تسمّى قسمة إجبار. و إن تضمّنت أحدهما لم يجبر. و تسمّى قسمة تراض.

و يقسّم الثوب الذي لا تنقص قيمته بالقطع كما تقسّم الأرض. و إن كان ينقص [قيمته] بالقطع لم يقسّم، لحصول الضرر بالقسمة. و تقسّم الثياب و العبيد بعد التعديل بالقيمة قسمة إجبار.

____________

و الرابع: أنه نقص القيمة نقصانا فاحشا بحيث يحصل به الضرر عرفا. و هذا أقوى. و هو خيرة الشهيد- (رحمه اللّه)- في الدروس (1). و يمكن أن يريد به مطلق القول بنقصان القيمة. و مرجع الأقوال كلّها إلى خبر الضرر.

قوله: «ثمَّ المقسوم إن لم يكن. إلخ».

(1) قسّم المصنف- (رحمه اللّه)- القسمة إلى أمرين: قسمة تراض، و قسمة إجبار، و جعل الضابط أن المقسوم متى أمكن تعديله من غير ردّ و لا ضرر فقسمته قسمة إجبار، و متى اشتملت على أحدهما فهي قسمة تراض. و الأول يشمل قسمة المثلي و القيمي. و ألحق قسمة التعديل في الأعيان المتعدّدة القيمة بقسمة الإجبار.

و منهم (2) من قسّمها ثلاثة أقسام: قسمة الإفراز. و هي: أن يكون الشيء قابلا للقسمة إلى أجزاء متساوية الصفات، كذوات الأمثال، و كالثوب الواحد و العرصة الواحدة المتساوية. و لا إشكال في كون هذا القسم إجباريّا مع بقاء الحصص بعد القسمة منتفعا بها أو حافظة للقيمة كما مرّ.

و الثاني: قسمة التعديل. و هي: ما تعدّل سهامها بالقيمة. و هي تنقسم: إلى ما يعدّ شيئا واحدا، و إلى ما يعدّ شيئين فصاعدا.

____________

(1) الدروس الشرعيّة 2: 117.

(2) روضة الطالبين 8: 185- 192.

36

..........

____________

فالأول: ما يعدّ شيئا واحدا، كالأرض التي تختلف قيمة أجزائها، لاختلافها في قوّة الإنبات، أو في القرب من الماء و البعد منه، أو في أن بعضها يسقى من النهر و بعضها بالنضح، فيكون ثلثها لجودته بالقيمة مثل ثلثيها مثلا.

فيجعل هذا سهما و هذا سهما إن كانت بينهما بالسويّة، و إن اختلفت الأنصباء اعتبرت بالقيمة دون المساحة.

و مقتضى عبارة المصنف- (رحمه اللّه)- قسمة هذه إجبارا، إلحاقا للتساوي في القيمة بالتساوي في الأجزاء. و يحتمل عدم الإجبار هنا، لاختلاف الأغراض و المنافع.

و الوجهان جاريان فيما إذا كان الاختلاف لاختلاف الجنس، كالبستان الواحد المختلف الأشجار، و الدار الواحدة المختلفة البناء.

و الأشهر الإجبار في الجميع، و لو لا ذلك لامتنع الإجبار في البستان، لاشتماله على الأشجار المختلفة غالبا، و في الدار المشتملة على الحيطان و الجذوع و الأبواب. و هذا شأن الدور و البساتين. و ينجّر ذلك إلى أن لا تثبت فيها الشفعة، كالطاحونة و الحمّام. و هو بعيد.

و الثاني: ما يعدّ شيئين فصاعدا. و هو ينقسم إلى عقار و غيره. فالأول كما إذا اشتركا في دارين أو حانوتين متساويتي القيمة، و طلب أحدهما القسمة، بأن يجعل لهذا دار و لهذا دار.

و لا يجبر الممتنع هنا، سواء تجاور الداران و الحانوتان أم تباعدا، لشدّة اختلاف الأغراض باختلاف المحالّ و الأبنية، فيلحقان بالجنسين المختلفين.

37

..........

____________

و عند بعض العامّة (1) أنهما يجبران عند التجاور، و عند آخرين (2) مطلقا. و لو كانت بينهما دكاكين متلاصقة لا يحتمل آحادها القسمة- و تسمّى العضائد- فطلب أحدهما أن تقسّم أعيانها، ففي إجبار الممتنع وجهان أظهرهما العدم.

و سيأتي (3).

و أما غير العقار، فإذا اشتركا في عبيد أو دوابّ أو أشجار أو ثياب، فإما أن تكون من نوع واحد أو من متعدّد (4). فإن كانت من نوع واحد، و أمكن التسوية بين الشريكين عددا و قيمة، كعبدين متساويي القيمة بين اثنين، و ثلاث دوابّ متساوية القيمة بين ثلاثة، فالذي اختاره المصنف- (رحمه اللّه)- و الأكثر أنه يجبر على قسمتها أعيانا، و يكتفى بالتساوي في القيمة، بخلاف الدور، لشدّة اختلاف الأغراض فيها. و لأن النبيّ (5) (صلّى اللّه عليه و آله) جزّأ العبيد الستّة الذين أعتقهم الأنصاري في مرضه ثلاثة أجزاء. و لأنه ليس اختلاف الجنس الواحد في القيمة بأكثر من اختلاف قيمة الدار الكبيرة و القرية العظيمة، فإن أرض القرية تختلف، سيّما إذا كانت ذات أشجار مختلفة و أرضين متنوّعة، و الدار ذات البيوت المختلفة المساحة، فكما لا يمنع اختلاف الدار و القرية من الإجبار، لا يمنع اختلاف الجنس الواحد من الإجبار.

____________

(1) حلية العلماء 8: 178، المغني لابن قدامة 11: 499، روضة القضاة 2: 800.

(2) حلية العلماء 8: 179، المغني لابن قدامة 11: 499، روضة القضاة 2: 800.

(3) في ص: 53.

(4) في «خ»: من أنواع متعدّدة.

(5) مسند أحمد 4: 426، صحيح مسلم 3: 1288 ح 56، سنن أبي داود 4: 28 ح 3958، سنن الترمذي 3: 645 ح 1364، سنن البيهقي 10: 285.

38

..........

____________

و في القواعد (1) استشكل الحكم في العبيد. و وجه الاشكال ممّا ذكرناه، و من تفاوت الأغراض بتفاوت الأشخاص، كمختلفي الجنس. و نقل في المبسوط (2) عن بعضهم عدم الإجبار هنا. و المذهب هو الأول.

و لو لم يمكن التسوية في العدد، كثلاثة أعبد بين اثنين على السواء، أحدهما (3) يساوي الآخرين في القيمة. فإن قلنا بالإجبار عند إمكان التسوية فهنا وجهان، ينظر أحدهما إلى تعادل القيمة، و الثاني إلى اختلاف العدد و تفاوت الأغراض. و مثله القول في الأراضي المختلفة الأجزاء.

و لو كانت الشركة لا ترتفع إلا عن بعض الأعيان، كعبدين بين اثنين قيمة أحدهما مائة و قيمة الآخر مائتان، فطلب أحدهما القسمة ليختصّ من أخرجت له القرعة الخسيس به، و يربّع النفيس، ففي إجبار الآخر وجهان مبنيّان على المسألة السابقة، فإن قلنا لا إجبار هناك فهنا أولى، و إن قلنا بالإجبار هناك فهنا وجهان أصحّهما المنع، لأن الشركة لا ترتفع بالكليّة.

و لو كانت الأعيان من أنواع مختلفة، كالعبد التركي مع الهندي، و الثوب الإبريسم مع الكتّان، مع تساويهما في القيمة، ففي إجبار الممتنع وجهان مرتّبان.

و أولى بالمنع هنا لو قيل به في السابق. و كذا القول لو اختلفت قيمتهما و أمكن التعديل. و يظهر من المصنف و جماعة عدم اعتبار اختلاف النوع مع اتّفاق القيمة.

و أما الأجناس المختلفة، كالعبد و الثوب و الحنطة و الشعير و الدابّة و الدار،

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 219.

(2) المبسوط 8: 147.

(3) كذا فيما لدينا من النسخ الخطيّة، و لعلّ الصحيح: أحدها، أو: أحدهم.

39

و إذا سألا الحاكم (1) القسمة، و لهما بيّنة بالملك، قسّم. و إن كانت يدهما عليه و لا منازع [لهما]، قال الشيخ في المبسوط (1): لا يقسّم، و قال في الخلاف (2): يقسّم. و هو الأشبه، لأن التصرّف دلالة الملك.

____________

فلا إجبار في قسمة أعيانها بعضا (3) في بعض و إن تساوت قيمتها.

و الثالث: قسمة الردّ، بأن يكون بينهما عبدان قيمة أحدهما ألف و قيمة الآخر ستّمائة، فإذا ردّ آخذ النفيس مائتين استويا. و لا خلاف في كون هذا القسم مشروطا بالتراضي. و سيأتي (4) الكلام فيه.

قوله: «و إذا سألا الحاكم. إلخ».

(1) إذا كان في يد اثنين ملكا يقبل القسمة، و لا منازع لهما في ملكه ظاهرا، فطلبا من الحاكم قسمته بينهما، فإن أقاما بيّنة أنه ملكهما أجابهما إلى القسمة.

و إن لم يقيما بيّنة ففي إجابتهما قولان:

أحدهما: العدم، لأنه قد يكون في يدهما بإجارة أو إعارة، فإذا قسّمه بينهما لم يؤمن أن يدّعيا ملكه محتجّين بقسمة القاضي.

و الثاني: نعم، اكتفاء بدلالة اليد على الملك، لكن يكتب الحاكم و يشهد أنه إنما قسّم بقولهما (5) لئلّا يتمسّكا بقسمته.

و اعترض على تقدير إقامة البيّنة بأنها إنما تقام و تسمع على خصم، و لا خصم هاهنا.

____________

(1) المبسوط 8: 147- 148.

(2) الخلاف 6: 232 مسألة (30).

(3) في «ث»: بعضها.

(4) في ص: 48.

(5) في الحجريّتين: بقبولهما قولا لئلّا.

40

[الثالث: في كيفيّة القسمة]

الثالث: في كيفيّة القسمة. (1)

الحصص إن تساوت قدرا و قيمة فالقسمة بتعديلها على السهام، لأنه يتضمّن القيمة، كالدار تكون بين اثنين و قيمتها متساوية. و عند التعديل: يكون القاسم مخيّرا بين الإخراج على الأسماء، و الإخراج على السهام.

أما الأول: فهو أن يكتب كلّ نصف في رقعة، و يصف كلّ واحد بما يميّزه عن الآخر، و يجعل ذلك مصونا في ساتر كالشمع أو الطين، و يأمر من لم يطّلع على الصورة بإخراج أحدهما على اسم أحد المتقاسمين، فما خرج فله.

و أما الثاني: فإن يكتب كلّ اسم في رقعة و يصونهما، و يخرج على سهم من السهمين، فمن خرج اسمه فله ذلك السهم.

____________

و أجيب بأن القسمة تتضمّن الحكم لهما بالملك، و قد يكون لهما خصم غائب فتسمع البيّنة عليه.

و لا فرق في ذلك كلّه بين كون المقسوم منقولا و غيره. و فرّق بعض العامّة (1) و خصّ الخلاف بالعقار، و قطع في المنقول بالقسمة. و هو تحكّم.

قوله: «في كيفيّة القسمة. إلخ».

(1) العين المقسومة (2) بالتعديل إما أن تكون متساوية القيمة بالنسبة إلى أجزائها، بحيث تساوي قيمة نصفها قيمة النصف الآخر و قيمة ثلثها قيمة الثلث، حيث يحتاج إلى قسمتها كذلك، أو تختلف القيمة. و على التقديرين: إما أن تكون

____________

(1) الحاوي الكبير 16: 271، حلية العلماء 8: 181.

(2) في «ث» و الحجريّتين: المنسوبة.

41

..........

____________

الحصص متساوية، كما لو كان الاشتراك بين اثنين لكلّ واحد نصفها، أو بين ثلاثة و لكلّ واحد ثلثها، أو مختلفة بأن كان لواحد من الاثنين ثلثان و للآخر ثلث، أو لواحد من الثلاثة نصف و لآخر ثلث و للثالث سدس. فالصور أربع. و قد أشار المصنف- (رحمه اللّه)- إلى حكمها. و المعتبر فيها صورتان، لأن التعديل بالقيمة هو المعتبر، سواء اتّفقت أجزاؤها فيها أم اختلفت.

الصورة الأولى: أن تكون الحصص متساوية، كنصفين [بين اثنين] (1) و ثلاثة أثلاث بين ثلاثة و نحو ذلك، فتعدّل السهام بالقيمة كذلك، بأن تقسّم في الأول نصفين بالقيمة و إن كان مقدار أحد النصفين أزيد من الآخر، و تعدّل أثلاثا في الثاني كذلك، ثمَّ تخرج بالقرعة كما ذكره المصنف (رحمه اللّه). و طريقه واضح.

و ما ذكره من كتبة الأسماء و السهام و وضعه في بندقة من طين و نحوه هو المشهور في استعمال الفقهاء، و لكن لا يتعيّن، فلو جعلها بالأقلام و الحصى و الورق و ما جرى مجراها مع مراعاة الستر كفى. و قد أشرنا إليه في باب العتق (2).

و حيث تكون القسمة بين اثنين فخرج اسم أحدهما لأحد السهمين أو أحد السهمين له لا يحتاج إلى إخراج الآخر، بل تعيّن المتخلّف له.

و لو كان بين ثلاثة أثلاثا جعل ثلاثة أجزاء متساوية بالقيمة (3)، و كتب ثلاث رقاع أو ما في معناها باسم السهام الثلاثة معيّنة أو باسم الشركاء. و ينبغي وضع الرقاع في حجر من لم يحضر الكتابة، أو لا يعرفها، أو لا يعرف ما عنيت (4)

____________

(1) من «ت، ط».

(2) في ج 10: 312 و 315.

(3) في «ا، خ»: القيمة.

(4) في «ث، د، م»: عينت.

42

و إن تساوت قدرا (1) لا قيمة عدّلت السهام قيمة و ألغي القدر، حتى لو كان الثلثان بقيمته مساويا للثلث جعل الثلث محاذيا للثلثين. و كيفيّة القرعة عليه كما صوّرناه.

و إن تساوت الحصص قيمة لا قدرا، (2) مثل: أن يكون لواحد النصف و للآخر الثلث و للآخر السدس، و قيمة أجزاء ذلك الملك متساوية، سوّيت السهام على أقلّهم نصيبا فجعلت أسداسا.

ثمَّ كم تكتب رقعة؟ فيه تردّد بين أن يكتب بعدد الشركاء أو بعدد السهام. و الأقرب الاقتصار على عدد الشركاء، لحصول المراد به، فالزيادة كلفة.

____________

له المجعولة لذلك في معنى الرقاع. ثمَّ يؤمر بإخراج واحدة على الجزء الأول إن كانت الرقاع مجعولة بالكتابة و نحوها بأسماء الشركاء، فمن خرج اسمه أخذ، ثمَّ يؤمر بإخراج أخرى على الجزء الذي يلي الأول، فمن خرج اسمه من الآخرين أخذه، و تعيّن الثالث للثالث. و إن كانت مكتوبة باسم الأجزاء أخرجت رقعة باسم زيد، ثمَّ أخرى باسم عمرو، و يتعيّن الثالث للثالث. و تعيين من يبتدئ به من الشركاء و الأجزاء منوط بنظر القسّام.

قوله: «و إن تساوت قدرا. إلخ».

(1) قد عرفت أن الحكم في هذه الصورة كالسابقة، و أن المعتبر التعديل بالقيمة، سواء تساوت الأجزاء فيها أم لا، فالحكم لا يختلف.

قوله: «و إن تساوت الحصص قيمة لا قدرا. إلخ».

(2) إذا اختلفت مقادير الأنصباء، كما إذا كان لزيد نصف و لعمرو ثلث و لثالث سدس، جزّئت الأقسام على أقلّ السهام و هو سدس، لأنه يتأدّى به القليل و الكثير، فيجعلها ستّة أجزاء.

43

إذا عرفت هذا، (1) فإنه يكتب ثلاث رقاع لكلّ اسم رقعة، و يجعل للسهام أول و ثان، و هكذا إلى الأخير. و الخيار في تعيين ذلك إلى المتقاسمين. و لو تعاسرا عيّنه القاسم.

ثمَّ يخرج رقعة، فإن تضمّنت اسم صاحب النصف فله الثلاثة الأول. ثمَّ يخرج ثانية، فإن خرج صاحب الثلث فله السهمان الآخران.

و لا يحتاج إلى إخراج الثالثة، بل لصاحبها ما بقي.

____________

ثمَّ في مقدار ما يكتب من الرقاع للقرعة بينهم وجهان:

أحدهما- و هو الأشهر-: أن يكتب ثلاث رقاع بعدد الشركاء، في كلّ واحدة اسم واحد، و يخرج مرّتين، و يكتفى بهما عن الثالثة، فلا وجه لتكلّف الزائد.

و الثاني: أن يكتب ستّ رقاع، لصاحب السدس رقعة، و لصاحب الثلث رقعتان، و لصاحب النصف ثلاث. و قوّاه في المبسوط (1)، محتجّا بأن كلّ من كان سهمه أكثر كان حظّه أوفر، و له مزيّة على صاحب الأقلّ، فإذا كتب لصاحب النصف ثلاث رقاع كان خروج رقعته أسرع و أقرب، و إذا كتب له واحدة كان خروج رقعته و رقعة صاحب السدس سواء، فلهذا قيل: يكون له أكثر من رقاع غيره.

و الوجه: جواز الأمرين، و إنما الكلام في الأولويّة، و لا ريب أن الأول أولى، لحصول الفائدة، مع الاختصار، و ترك تطويل الحساب [أربح] (2).

قوله: «إذا عرفت هذا. إلخ».

(1) ما ذكره من الكيفيّة تفريع على ما اختاره من كتابة ثلاث رقاع بأسماء

____________

(1) المبسوط 8: 137- 138.

(2) من «أ، خ، ت، ث»، و في الأخيرين: ربح.

44

و كذا لو خرج اسم صاحب الثلث أولا كان له السهمان الأولان. ثمَّ يخرج أخرى، فإن خرج صاحب النصف فله الثالث و الرابع و الخامس.

و لا يحتاج إلى إخراج أخرى، لأن السادس تعيّن لصاحبها.

و هكذا لو خرج اسم صاحب السدس أولا كان له السهم الأول. ثمَّ يخرج أخرى، فإن كان صاحب الثلث كان له الثاني و الثالث، و الباقي لصاحب النصف. و لو خرج في الثانية صاحب النصف كان له الثاني و الثالث و الرابع، و بقي الآخران لصاحب الثلث من غير احتياج إلى إخراج اسمه.

____________

الشركاء. و الحكم على ما ذكره واضح. و كذا يجري على القول بكتبة ستّ رقاع بأسمائهم، و ليس فيه إلا أن اسم صاحب الكثير و الأكثر يكون أسرع خروجا.

و عليه، فإذا أخرج واحدة من رقاع صاحب النصف أعطي الثلاثة الأول، فإذا أخرج ثانية فخرجت باسمه ألغيت و أخرج ثالثة، فإن خرجت باسمه ألغيت أيضا، للاستغناء عنهما بالأولى. و إن خرجت واحدة من رقعتي صاحب الثلث أعطي الرابع و الخامس، و لا يحتاج إلى إخراج ما بقي، و تعيّن السادس لصاحب السدس.

و إن خرجت الأولى لصاحب السدس أعطي الأول، ثمَّ أخرج أخرى، فإن خرجت لصاحب النصف أعطي الثاني و الثالث و الرابع، و لا يحتاج إلى إخراج الأربع الباقية، لتعيّن الخامس و السادس لصاحب الثلث.

و إن خرجت الأولى لصاحب الثلث أعطي الأول و الثاني، ثمَّ تخرج أخرى، فإن خرجت له أيضا ألغيت و أخرجت أخرى، فإن خرج لصاحب

45

و لا يخرج في هذه على السهام، (1) بل على الأسماء، إذ لا يؤمن من أن يؤدّي إلى تفرّق السهام، و هو ضرر.

____________

السدس أعطي الثالث، و تعيّنت الثلاثة الأخيرة لصاحب النصف، و لا يحتاج إلى إخراج باقي الرقاع. و هكذا.

قوله: «و لا يخرج في هذه على السهام. إلخ».

(1) المراد أنه لا يكتب الرقاع بأسماء السهام الستّة و يخرج على أسماء الشركاء، لأنه ربما يخرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس فيتفرّق ملك من له النصف أو الثلث. و أيضا ربما خرج السهم الرابع لصاحب النصف و يقول: آخذه و سهمين قبله، فيقول الآخران: بل خذه و سهمين بعده، فيفضي إلى التنازع. و يجوز مع رجوعهم في جميع الحصّة إلى الرقاع أن يخرج لصاحب النصف ثلاثة متفرّقة، و كذا لصاحب الثلث يخرج اثنتان متفرّقتان، فيؤدّي إلى الإضرار.

و قد عرفت ممّا سبق أنه مع كتابة الرقاع باسم الشركاء يخرج على السهام الأول و الثاني إلى الآخر، و إن كتبت باسم السهام يخرج على الأسماء. و هذه الصورة التي بيّن كيفيّتها قد كتب فيها أسماء الشركاء، و جعل للسهام أول و ثان إلى السادس، و أخرج عليها، بمعنى أن الخارج اسمه أولا يعطى الأول منها من الجهة التي اتّفقوا عليها أو عيّنها القاسم، و ما بعده إن احتيج إليه إلى الآخر.

فكتابة الأسماء يخرج على السهام، و كتابة السهام يخرج على الأسماء.

و المصنف- (رحمه اللّه)- جمع هنا بين الأمر بكتابة الأسماء المستلزمة للإخراج على السهام، بل المصرّحة بذلك، ثمَّ أمر بإخراجها على الأسماء و نفى إخراجها على السهام، مع أن حقّه العكس. و وافقه على هذه العبارة

46

..........

____________

العلامة في الإرشاد (1). و عكس في القواعد (2)، و جماعة (3) من الفضلاء. و هو الصواب.

و في التحرير (4) و الدروس (5) اقتصر على إخراج الأسماء من غير أن يجعله على السهام أو غيرها. و هو أجود، إذ لا ينطبق الإخراج على السهام، لاختلافها باختلاف الأسماء، بل المعتبر في الاسم الخارج أولا أن يعطى الأول قطعا و ما بعده إلى تمام الحقّ إن احتيج إليه، بأن كان الاسم لغير صاحب السدس. و لا تتعيّن السهام إلا بعد تحقّق الاسم. لكن لمّا كان السهم الأول متعيّنا للاسم صدق إخراج الأسماء على السهام في الجملة، بخلاف العكس، فإنه إما فاسد أو محتاج إلى تكلّف بعيد.

إذا تقرّر ذلك، فاعلم أن محذور تفريق السهام على تقدير إخراجها على الأسماء يلزم على تقدير الإخراج أولا على اسم صاحب السدس، بأن يخرج له السهم الثاني أو الخامس كما ذكرناه سابقا. و يمكن الغنا عنه بأن يبدأ أولا باسم صاحب النصف، فإن خرج الأول باسمه أعطي الأول و الثاني و الثالث، و إن خرج الثاني فكذلك يعطى معه ما قبله و ما بعده، و إن خرج الثالث قال بعضهم:

يوقف و يخرج لصاحب الثلث، فإن خرج فله الأول و الثاني، و لصاحب النصف الثالث و اللّذان بعده، و تعيّن السادس لصاحب السدس. و كذا الحكم لو خرج لصاحب الثلث الثاني. و إن خرج له الخامس فله الخامس و السادس.

____________

(1) إرشاد الأذهان 1: 434.

(2) قواعد الأحكام 2: 220.

(3) انظر المغني لابن قدامة 11: 504- 505، روضة الطالبين 8: 185.

(4) تحرير الأحكام 2: 204.

(5) الدروس الشرعيّة 2: 118.

47

..........

____________

و قيل: إذا خرج لصاحب النصف الثالث فله الثالث و اللّذان قبله. و إن خرج الرابع فله الرابع و اللّذان قبله، و تعيّن الأول لصاحب السدس، و الأخيران لصاحب الثلث. و إن خرج الخامس فله الخامس و اللّذان قبله، و تعيّن السادس لصاحب السدس، و الأولان لصاحب الثلث. و إن خرج السادس فله السادس و اللّذان قبله.

و متى أخذ الخارج حقّه و لم يتعيّن حقّ الآخرين، أخرج رقعة أخرى باسم أحد الآخرين، فلا يقع تفريق.

و هذه التوجيهات لا دليل على اعتبارها، و إن سلم معها التفريق. نعم، لو اتّفق الشركاء على العمل بها، أو رأى القاسم ذلك صلاحا، اتّجه ذلك. و معه يمكن البدأة أيضا باسم صاحب السدس، فإن خرج باسمه الجزء الأول أو الثاني دفع إليه الأول. و إن خرج الخامس أو السادس دفع إليه السادس، ثمَّ يخرج باسم أحد الآخرين، فلا يقع تفريق. و إن خرج له الثالث دفع إليه، و تعيّن الأولان لصاحب الثلث، و الثلاثة الأخيرة لصاحب النصف. و إن خرج له الرابع دفع إليه، و تعيّن الأخيران لصاحب الثلث، و الثلاثة الأول لصاحب النصف.

فإن بدئ لصاحب الثلث، فإن خرج له الأول أو الثاني دفع إليه الأول و الثاني. و إن خرج الخامس أو السادس دفع إليه الخامس و السادس، ثمَّ يخرج باسم أحد الآخرين و يكمل بسهولة. و إن خرج لصاحب الثلث الثالث فله الثالث و الثاني، و تعيّن الأول لصاحب السدس، و الثلاثة الأخيرة لصاحب النصف. و إن خرج الرابع فله الخامس معه، و تعيّن السادس لصاحب السدس، و الثلاثة الأول لصاحب النصف.

48

و لو اختلفت السهام (1) و القيمة عدّلت السهام تقويما، و ميّزت على قدر سهم أقلّهم نصيبا، و أقرع عليهما كما صوّرناه.

أما لو كانت قسمة ردّ، (2) و هي المفتقرة إلى ردّ في مقابلة بناء أو شجر أو بئر، فلا تصحّ القسمة ما لم يتراضيا جميعا، لما يتضمّن من الضميمة التي لا تستقرّ إلّا بالتراضي.

و إذا اتّفقا على الردّ، و عدّلت السهام، فهل يلزم بنفس القرعة؟

قيل: لا، لأنها تتضمّن معاوضة، و لا يعلم كلّ واحد من يحصل له العوض، فيفتقر إلى الرضا بعد العلم بما ميّزته القرعة.

____________

هكذا قرّر بعضهم (1). و هو إنما يتمّ مع اتّفاقهم عليه أو مع رأي القاسم. و لا ريب في أن الاقتصار على ما ذكره المصنف أولى و أقلّ كلفة.

قوله: «و لو اختلفت السهام. إلخ».

(1) هذا هو القسم الرابع. و الحكم فيه كالثالث، لأن المعتبر في جعل السهام على أقلّها مراعاة القيمة لا المقدار، فإن اتّفق المقدار (2) لذلك (3) فذاك، و إلا اعتبرت القيمة، فقد يجعل ثلث الأرض بسدس، و نصفها بسدس آخر، و السدس الآخر يقسّم أرباعا، فتصير السهام ستّة متساوية القيمة. و هكذا. و الأمر في إخراجها بالقرعة كالسابق.

قوله: «أما لو كانت قسمة ردّ. إلخ».

(2) قسمة الردّ هي التي لا يمكن فيها تعديل السهام بالقيمة، بل تفتقر إلى

____________

(1) انظر روضة الطالبين 8: 186- 187.

(2) في «د»: المقداران.

(3) سقطت من «خ، د».

49

..........

____________

ضميمة شيء خارج عن المشترك إلى بعض الأقسام ليحصل التعادل. كما لو كان في أحد جانبي الأرض بئرا و شجرا، و في الدار بيت لا يمكن قسمته، فتقسّم الجملة على أن يردّ من يأخذ الجانب الذي فيه أحد تلك الأمور شيئا من المال، أو يكون المشترك عبدين قيمة أحدهما ألف و قيمة الآخر ستّة مائة، فلا يستويان إلّا بردّ آخذ النفيس مائتين. و وجه عدم الإجبار في هذه القسمة: اشتمالها على دخول ما لا قسمة فيه، فكان معاوضة محضة تتوقّف على التراضي.

ثمَّ على تقدير التراضي عليها إن اتّفقا على أن يكون الردّ من واحد معيّن، و أوقعا صيغة معاوضة تقتضي ذلك كالصلح، فلا بحث. و إن اتّفقا عليه، و دفع الرّاد العوض من غير صيغة خاصّة، كان الحكم هنا كالمعاطاة لا تلزم إلا بالتصرّف عند من جعل ذلك حكم المعاطاة، و إن لم نقل بتوقّف التراضي على القسمة مع عدم الردّ على التصرّف. و الفرق ما أشرنا إليه من اشتمال قسمة الردّ على المعاوضة المقتضية للصيغة الدالّة على التراضي على ما وردت عليه من العوضين، و المقسوم الزائد على ما قابل المردود غير متعيّن، فلا يمكن تخصيصه باللزوم مع التراضي بدون التصرّف.

و إن اتّفقا على إخراج السهم لأحدهما بالقرعة فهل يلزم بنفس القرعة، فيثبت العوض لمن أخرجته أو عليه؟ قال الشيخ- (رحمه اللّه)- في المبسوط (1):

لا، لما ذكرناه من تضمّنها المعاوضة التي لا مدخل للقرعة فيها، و لأنه لا يعلم كلّ واحد من يحصل له العوض المردود.

و اقتصار المصنف- (رحمه اللّه)- على نقله قولا يؤذن بردّه أو التردّد فيه.

____________

(1) المبسوط 8: 148.

50

..........

____________

و كذلك فعل العلامة في القواعد (1). و في التحرير (2) جزم بتوقّف قسمة التراضي مطلقا على التراضي بعد القرعة باللفظ، مثل «رضيت» و ما أدّى معناه. و كذلك في الدروس (3). و هو الأقوى.

و وجه العدم صدق اسم القسمة عليها. و القرعة موجبة لتميّز الحقّ مع اقترانها بالرضا بها كما سلف.

و ظاهر المصنف و غيره (4) أن مورد الخلاف فيما إذا لم يكن القاسم منصوبا من الامام، و إلا لم يعتبر الرضا بعدها مطلقا. و قد تقدّم (5) في العبارة ما يدلّ عليه. مع احتمال جريان الخلاف فيهما، لأن المعاوضة لا تؤثّر فيها نظر الحاكم، بل أمرها يرجع إلى المتعاوضين.

و كلام الشيخ في المبسوط يدلّ على ذلك، لأنه جعل مورد المسألة الأولى التي ذكر فيها لزوم قسمة المنصوب دون غيره قسمة الإجبار، و جعل مورد هذه قسمة الردّ. و فرّق في الأولى بين كون القاسم منصوب الامام و غيره، و أطلق في هذه.

و هذه عبارته: «القسمة ضربان: قسمة إجبار، و قسمة تراض، فإن كانت قسمة إجبار نظرت في القاسم، فإن كان قاسم الامام لزمت بالقرعة، لأن قرعة القاسم كحكم الحاكم، لأنه يجتهد في تعديل السهام كما يجتهد الحاكم في إطلاق

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 220.

(2) تحرير الأحكام 2: 204.

(3) الدروس الشرعيّة 2: 117.

(4) تحرير الأحكام 2: 204.

(5) في ص: 48.

51

[مسائل ثلاث]

مسائل ثلاث:

[الأولى: لو كان لدار علوّ و سفل، فطلب أحد الشريكين قسمتها]

الأولى: لو كان لدار علوّ و سفل، (1) فطلب أحد الشريكين قسمتها، بحيث يكون لكلّ واحد منهما نصيب من العلوّ و السفل بموجب التعديل، جاز، و أجبر الممتنع مع انتفاء الضرر.

و لو طلب انفراده بالسفل أو العلوّ لم يجبر الممتنع. و كذا لو طلب قسمة كلّ واحد منهما منفردا.

____________

الحقّ، و إن كان القاسم رجلا ارتضوا به حكما و قاسما فالحكم فيه كالتراضي بحاكم يحكم بينهما» (1). ثمَّ قوّى اعتبار التراضي بعد القرعة فيه و فيما لو اقتسما بأنفسهما.

ثمَّ قال: «هذا في قسمة الإجبار، أما قسمة التراضي، و هي التي فيها ردّ، فهل تلزم بالقرعة أم لا؟ قال قوم: تلزم كقسمة الإجبار، و قال آخرون: لا تلزم، لأن القرعة هاهنا ليعرف البائع الذي يأخذ الردّ و المشتري الذي يدفع الردّ، فإذا تميّز هذا بالقرعة اعتبرنا التراضي بعد القرعة على البيع و الشراء، و هذا هو الأقوى» (2) انتهى.

و المصنف- (رحمه اللّه)- أطلق (3) الحكم في لزومها بالقرعة في منصوب الامام، من غير فرق بين قسمة الإجبار و التراضي. و أطلق القول هنا في قسمة الردّ كما ذكر الشامل للأمرين. و في الدروس (4) أيضا صرّح بكون قسمة المنصوب تلزم بالقرعة مطلقا، و غيره يعتبر تراضيهما في قسمة الردّ خاصّة.

قوله: «لو كان لدار علوّ و سفل. إلخ».

(1) العلوّ و السفل بمنزلة بيتين (5) متجاورين، فإذا طلب أحدهما قسمة كلّ

____________

(1) المبسوط 8: 148.

(2) المبسوط 8: 148.

(3) راجع ص: 26.

(4) الدروس الشرعيّة 2: 117.

(5) في «ا، ت، ث، ط»: شيئين.

52

[الثانية: لو كان بينهما أرض و زرع، فطلب قسمة الأرض حسب]

الثانية: لو كان بينهما أرض و زرع، (1) فطلب قسمة الأرض حسب، أجبر الممتنع، لأن الزرع كالمتاع في الدار.

و لو طلب قسمة الزرع، قال الشيخ: لم يجبر الآخر، لأن تعديل ذلك بالسهام غير ممكن.

و فيه إشكال، من حيث إمكان التعديل بالتقويم إذا لم يكن فيه جهالة.

أما لو كان بذرا لم يظهر لم تصحّ القسمة، لتحقّق الجهالة. و لو كان سنبلا قال أيضا: لا يصحّ. و هو مشكل، لجواز بيع الزرع عندنا.

____________

واحد منهما على حدته، بحيث يكون لكلّ واحد منهما نصيبا من كلّ منهما، و لم يكن في ذلك ضرر، أجبر الممتنع، كما يجبر على قسمة البيت الواحد كذلك.

و لا فرق بين أن يجعل نصيب كلّ منهما من العلوّ فوق نصيبه من السفل و عدمه. و يحتمل اشتراط الأول في الإجبار، لما في اختلاف النصيب من الضرر بكلّ منهما.

و إن طلب قسمتهما (1) بحيث يكون لأحدهما العلوّ و للآخر السفل، لم يجبر الآخر، كما لا يجبر على قسمة الدارين المتلاصقتين كذلك.

قوله: «لو كان بينهما أرض و زرع. إلخ».

(1) إذا كان بينهما أرض مزروعة فأراد قسمة الأرض وحدها فلا إشكال في وجوب إجابة الآخر، لأن الأرض ممّا يقسّم قسمة إجبار، و الزرع فيها غير مانع

____________

(1) في «ا، ث، م»: قسمتها.

53

[الثالثة: لو كان بينهما قرحان متعدّدة، و طلب واحد قسمتها بعضا في بعض]

الثالثة: لو كان بينهما (1) قرحان متعدّدة، و طلب واحد قسمتها بعضا في بعض، لم يجبر الممتنع. و لو طلب قسمة كلّ واحد بانفراده أجبر الآخر. و كذا لو كان بينهما حبوب مختلفة.

و يقسم القراح الواحد و إن اختلفت أشجار أقطاعه، كالدار الواسعة إذا اختلفت أبنيتها.

و لا تقسّم الدكاكين المتجاورة بعضها في بعض قسمة إجبار، لأنها أملاك متعدّدة يقصد كلّ واحد منها بالسكنى على انفراده، فهي كالأقرحة المتباعدة.

____________

من ذلك، لأنه في حكم المنقول.

و إن أرادا قسمة الزرع فمقتضى الأصول الشرعيّة كون الحكم كذلك حيث يمكن تعديله، بأن لا يكون بذرا مستورا، سواء كان سنبلا أم حشيشا أم قصيلا.

و الشيخ (1)- (رحمه اللّه)- أطلق المنع من قسمته قسمة إجبار، محتجّا بأن تعديله غير ممكن. و لا يخفى منعه، إذ لا مانع منه، سواء كان سنبلا أم لا.

و لو أرادا قسمتهما معا فالحكم كما لو أرادا قسمة أحدهما عندنا. و من جعل القسمة بيعا من العامّة (2) شرط في جوازه أن لا يكون قد اشتدّ الحبّ، لأنه لا يجوز عنده بيع المطعوم مع غيره [بمطعوم مع غيره] (3) و هو الأرض.

قوله: «لو كان بينهما. إلخ».

(1) المشهور بين الأصحاب أن ما يعدّ شيئين فصاعدا من العقار، كالدور

____________

(1) المبسوط 8: 141.

(2) الحاوي الكبير 16: 260، روضة الطالبين 8: 193.

(3) من «ت، ث، خ، ط، م».

54

..........

____________

المتعدّدة، و الأرض المتعدّدة الخالية من الشجر، و هي المعبّر عنها بالأقرحة، و الدكاكين المتعدّدة، سواء تجاورت أم لا، و الحبوب المختلفة كالحنطة و الشعير، لا يقسّم بعضها في بعض- بمعنى جعل بعضها في مقابلة بعض- قسمة إجبار.

و إنما يقسّم كلّ واحد منها على حدته قسمة الإجبار إذا أمكن ذلك من غير ضرر، لأنها أملاك متعدّدة و لكلّ [واحد] (1) منها خواصّ لا تحصل في الآخر، بخلاف الأرض الواحدة و الدار الواحدة.

و قال ابن البرّاج (2): إذا استوت الدور و الأقرحة في الرغبات قسّمت بعضها في بعض. قال: و كذا لو تضرّر بعضهم بقسمة كلّ على حدته جمع حقّه في ناحية.

و في الإرشاد (3) حكم بأن الدكاكين المتجاورة يقسّم بعضها في بعض كذلك، دون الدور و الأقرحة. و هو مذهب جماعة من العامّة (4)، تنزيلا لها منزلة الخان الواحد المشتمل على بيوت متعدّدة. و فرّق بعضهم بين ما لو كانت مجتمعة و متفرّقة، فجوّز قسمة المجتمعة بعضها في بعض، كالدار الواحدة و القراح الواحد.

و المختار [هو] (5) المشهور.

____________

(1) من «أ، ث، د، ط، م».

(2) المهذّب 2: 573- 574.

(3) إرشاد الأذهان 1: 434.

(4) روضة الطالبين 8: 190.

(5) من «د».