مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج15

- الشهيد الثاني المزيد...
532 /
5

[تتمة القسم الرابع في الأحكام]

[تتمة كتاب الحدود و التعزيرات]

[تتمة القسم الأول من كتاب الحدود]

[الباب السادس في حدّ المحارب]

الباب السادس في حدّ المحارب المحارب: كلّ من جرّد السلاح (1) لإخافة الناس، في برّ أو بحر، ليلا [كان] أو نهارا، في مصر و غيره.

و هل يشترط كونه من أهل الرّيبة؟ فيه تردّد، أصحّه أنّه لا يشترط مع العلم بقصد الإخافة.

و يستوي في هذا الحكم، الذّكر و الأنثى إن اتّفق.

و في ثبوت هذا الحكم للمجرّد مع ضعفه عن الإخافة تردّد، أشبهه الثبوت، و يجتزى بقصده.

____________

قوله: «المحارب كلّ من جرّد السلاح. إلخ».

(1) يشترط في المحارب تجريد السلاح. و المراد به هنا ما يشمل المحدّد، حتى العصا و الحجارة، و إن كان إطلاقه على ذلك لا يخلو من تجوّز. و قصد إخافة الناس، فلو اتّفق خوفهم منه من غير أن يقصده فليس بمحارب.

و لا فرق بين الواحد و المتعدّد، و لا بين أن يحصل معه خوف الناس أو أخذ مالهم و عدمه، بل متى خرج بقصد ذلك فهو محارب.

و كذا لا فرق بين البرّ و البحر، و لا بين المصر و غيره، حتى لو جرّد السلاح و أخذ من داخل الدار، ليلا أو نهارا مكابرة لأهله، فهو محارب، و قد يكون مع ذلك سارقا.

و يستوي في ذلك الذكر و الأنثى، لعموم (1) الأدلّة. و خالف في ذلك ابن

____________

(1) الوسائل 18: 532 ب «1، 2» من أبواب حدّ المحارب.

6

..........

____________

الجنيد (1)، فاعتبر الذكورة. و هو قول بعض (2) العامّة، نظرا إلى ضمير المذكّر في قوله تعالى الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ (3) الآية. و بعضهم (4) اعتبر كونه في البرّ و المواضع البعيدة عن العمران. و عموم الآية (5) يدفعه.

و بقي الخلاف في موضعين:

أحدهما: في اشتراط كونه من أهل الريبة. و فيه قولان:

أحدهما: عدم الاشتراط، فيتعلّق الحكم به و إن لم يكن من أهل الريبة إذا جرّد السلاح لإخافة الناس، لعموم الآية (6)، فإن «الذين» جمع معرّف فيعمّ.

و لصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: «من شهر السلاح في مصر من الأمصار.» (7) الحديث. و هو قول المصنف و أكثر الأصحاب (8).

و الثاني: اشتراطها، لأنه المتيقّن، و الحدود تدرأ بالشبهات. و هو ظاهر الشيخ في النهاية (9) و القاضي (10).

____________

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 779.

(2) بدائع الصنائع 7: 91، المبسوط للسرخسي 9: 197، حلية العلماء 8: 87، المغني لابن قدامة 10: 315.

(3) المائدة: 33.

(4) المبسوط للسرخسي 9: 201، بداية المجتهد 2: 455، المغني لابن قدامة 10: 298، تبيين الحقائق 3: 235، رحمة الأمة: 298.

(5) المائدة: 33.

(6) المائدة: 33.

(7) الكافي 7: 248 ح 12، التهذيب 10: 132 ح 524، الاستبصار 4: 257 ح 972، الوسائل 18:

532 ب «1» من أبواب حدّ المحارب ح 1.

(8) المقنعة: 804، المبسوط 8: 47، المراسم: 251، المؤتلف من المختلف 2: 418، قواعد الأحكام 2: 271، إيضاح الفوائد 4: 542- 543.

(9) النهاية: 720.

(10) المهذّب 2: 553.

7

و لا يثبت هذا الحكم (1) للطّليع و لا للرّدء.

و تثبت هذه الجناية بالإقرار و لو مرّة، و بشهادة رجلين عدلين. و لا تقبل شهادة النساء فيه منفردات، و لا مع الرجال.

و لو شهد بعض اللّصوص على بعض لم تقبل. و كذا لو شهد المأخوذون بعضهم لبعض. أمّا لو قالوا: عرضوا لنا و أخذوا هؤلاء، قبل، لأنّه لا ينشأ من ذلك تهمة تمنع الشهادة.

____________

و يضعّف بأن البحث على تقدير وجود السبب أعني: المحاربة، فيتحقّق المسبّب.

الثاني: لو ضعف المجرّد عن الإخافة مع قصدها، ففي تعلّق الحكم به إشكال، ناش من عموم الآية (1) و الحديث (2)، و من عدم وجود المعنى المفهوم من المحارب، و الاكتفاء بمجرّد الصورة مجاز. و مختار المصنف من الاكتفاء بقصدها أقوى.

و اعلم أن التعريف شامل للصغير و الكبير، و لا بدّ من تقييده بالمكلّف، لأن الحدّ منوط بالتكليف، و إن ضمن الصغير المال و النفس، كما يضمن ما يتلفه في غير هذا الفرض.

قوله: «و لا يثبت هذا الحكم. إلخ».

(1) الطّليع هو الذي يرقب له من يمرّ بالطريق و نحوه فيعلمه به، أو يرقب من يخاف عليه منه فيحذّره منه.

و الرّدء- بكسر الراء و سكون الدال المهملة فالهمزة-: هو المعين له فيما يحتاج إليه، من غير أن يباشر متعلّق المحاربة، و إلا كان محاربا.

____________

(1) المائدة: 33.

(2) الوسائل 18: 537 ب «2» من أبواب حدّ المحارب.

8

و حدّ المحارب: القتل، أو الصّلب، (1) أو القطع مخالفا، أو النفي. و قد تردّد فيه الأصحاب، فقال المفيد (رحمه اللّه): بالتخيير.

و قال الشيخ أبو جعفر (رحمه اللّه): بالترتيب، يقتل إن قتل. و لو عفا وليّ الدّم، قتله الإمام. و لو قتل و أخذ المال، استعيد منه، و قطعت يده اليمنى و رجله اليسرى، ثمَّ قتل و صلب. و إن أخذ المال و لم يقتل، قطع مخالفا و نفي. و لو جرح و لم يأخذ المال، اقتصّ منه و نفي. و لو اقتصر على شهر السلاح و الإخافة، نفي لا غير.

و استند في التفصيل إلى الأحاديث الدالّة عليه. و تلك الأحاديث لا تنفكّ من ضعف في إسناد، أو اضطراب في متن، أو قصور في دلالة، فالأولى العمل بالأوّل، تمسّكا بظاهر الآية.

____________

قوله: «و حدّ المحارب القتل أو الصّلب. إلخ».

(1) الأصل في حدّ المحارب قوله تعالى إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلٰافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ (1).

و قد اختلف الأصحاب في هذه العقوبات هل هي على وجه التخيير أو التفصيل و الترتيب؟ فذهب المفيد (2) و سلّار (3) و ابن إدريس (4) و المصنف و العلامة في أحد قوليه (5) إلى الأول، أما (6) لإفادة «أو» هنا التخيير و إن كانت محتملة

____________

(1) المائدة: 33.

(2) المقنعة: 804.

(3) المراسم: 251.

(4) السرائر 3: 507.

(5) المختلف: 779.

(6) كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية، و لعلّها زائدة، أو تكون العبارة بعد سطرين هكذا: أو لحسنة جميل.

9

..........

____________

لغيره، لما روي (1) صحيحا من أن «أو» في القرآن للتخيير حيث وقع.

و لحسنة جميل بن درّاج قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا (2) إلى آخر الآية، فقلت: أيّ شيء عليهم من هذه الحدود التي سمّى اللّه تعالى؟ قال: ذلك إلى الامام إن شاء قطع، و إن شاء صلب، و إن شاء نفى، و إن شاء قتل، قلت: النفي إلى أين؟ قال: ينفى من مصر إلى مصر آخر، و قال: إن عليّا (عليه السلام) نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة» (3).

و صحيحة بريد بن معاوية قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله تعالى إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ. (4) الآية، قال: ذاك إلى الامام يفعل ما يشاء، قلت: فمفوّض ذلك إليه؟ قال: لا، و لكن بحقّ الجناية» (5).

و ذهب الشيخ (6) و أتباعه (7) و أبو الصلاح (8) و العلامة في أحد قوليه (9)

____________

(1) الكافي 4: 358 ح 2.

(2) المائدة: 33.

(3) الكافي 7: 245 ح 3، الوسائل 18: 533 ب «1» من أبواب حدّ المحارب ح 3.

(4) المائدة: 33.

(5) الكافي 7: 246 ح 5، التهذيب 10: 133 ح 529، الوسائل 18: 533 ب «1» من أبواب حدّ المحارب ح 2. و فيما عدا التهذيب: نحو الجناية.

(6) النهاية: 720.

(7) المهذّب 2: 553، فقه القرآن 2: 387، الوسيلة: 206.

(8) الكافي في الفقه: 252.

(9) لم نجده فيما لدينا من كتبه، و نسبه الشهيد في غاية المراد (354) إلى ظاهر التلخيص للعلامة، و لم يطبع التلخيص إلى الآن.

10

..........

____________

إلى أن ذلك على الترتيب و التفصيل، كما نقله المصنف- (رحمه اللّه)-، لرواية عبيد اللّه بن إسحاق المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلت له: جعلت فداك أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلٰافٍ الآية (1).

قال: فعقد بيده ثمَّ قال: يا أبا عبد اللّه خذها أربعا بأربع، ثمَّ قال: إذا حارب اللّه و رسوله و سعى في الأرض فسادا فقتل قتل، و إن قتل و أخذ المال قتل و صلب، و إن أخذ المال و لم يقتل قطعت يده و رجله من خلاف، و إن حارب اللّه و رسوله و سعى في الأرض فسادا و لم يقتل و لم يأخذ من المال نفي من الأرض.

قال: قلت: و ما حدّ نفيه؟

قال: سنة ينفى من الأرض التي فعل فيه إلى غيره، ثمَّ يكتب إلى ذلك المصر بأنه منفيّ، فلا تؤاكلوه و لا تشاربوه و لا تناكحوه حتى يخرج إلى غيره، فيكتب إليهم أيضا بمثل ذلك، فلا يزال هذه حاله سنة، فإذا فعل به ذلك تاب و هو صاغر» (2). و مثله روي عن الكاظم (3) و الرضا (4) (عليهما السلام).

و رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من شهر السلاح

____________

(1) المائدة: 33.

(2) التهذيب 10: 131 ح 523، الاستبصار 4: 256 ح 969، الوسائل 18: 534 ب «1» من أبواب حدّ المحارب ذيل ح 4.

(3) الكافي 7: 247 ح 9، التهذيب 10: 133 ح 527، الوسائل 18: 539 ب «4» من أبواب حدّ المحارب ح 3.

(4) الكافي 7: 246 ح 8، التهذيب 10: 132 ح 526، الوسائل 18: 534 ب «1» من أبواب حدّ المحارب ح 4.

11

..........

____________

في مصر من الأمصار فعقر اقتصّ منه، و نفي من تلك البلدة، و من شهر السلاح في غير الأمصار و ضرب و عقر و أخذ الأموال و لم يقتل فهو محارب، فجزاؤه جزاء المحارب، و أمره إلى الامام، إن شاء قتله، و إن شاء صلبه، و إن شاء قطع يده و رجله، قال: و إن ضرب و قتل و أخذ المال فعلى الإمام أن يقطع يده اليمنى بالسرقة، ثمَّ يدفعه إلى أولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثمَّ يقتلونه» (1) الحديث.

و رواية عبيدة بن بشير الخثعمي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قاطع الطريق و قلت: إن الناس يقولون: الإمام مخيّر أيّ شيء صنع، قال: ليس أيّ شيء شاء صنع، و لكنّه يصنع بهم على قدر جنايتهم، فقال: من قطع الطريق فقتل و أخذ المال قطعت يده و رجله و صلب، و من قطع الطريق و قتل و لم يأخذ المال قتل، و من قطع الطريق و أخذ المال و لم يقتل قطعت يده و رجله، و من قطع الطريق و لم يأخذ مالا و لم يقتل نفي من الأرض» (2).

فهذه الروايات التي استند إليها الشيخ و من تبعه. و هي- كما قال المصنف (رحمه اللّه)- ضعيفة الإسناد، فإن عبيد اللّه راوي الرواية الأولى و عبيدة راوي الأخيرة مجهولان. و في طريق الأولى محمد بن سليمان الديلمي، و هو ضعيف جدّا. و فيهما غير ذلك من ضروب الضعف.

و هي مع ذلك مضطربة المتن، بمعنى أن الأحكام المترتّبة على تفاصيل حاله مختلفة، لتضمّن الأولى أن حكم من قتل و أخذ المال أن يقتل و يصلب،

____________

(1) الكافي 7: 248 ح 12، التهذيب 10: 132 ح 524، الاستبصار 4: 257 ح 972، الوسائل 18:

532 الباب المتقدّم ح 1.

(2) الكافي 7: 247 ح 11، التهذيب 10: 132 ح 525، الاستبصار 4: 257 ح 971، الوسائل 18:

534 الباب المتقدّم ح 5.

12

..........

____________

و تضمّن الأخيرة أنه يقطع مخالفا و يصلب، و تضمّن الثانية- و هي رواية محمد بن مسلم- أنه يقطع بالمال ثمَّ يدفع إلى أولياء المقتول يقتلونه قصاصا من غير صلب. إلى غير ذلك من الاختلاف.

و ليس في الروايتين حكم ما لو جرح، و إنما هو مذكور في رواية محمد بن مسلم. و فيها مع ذلك مخالفة لهما بالفرق بين المحارب في مصر و غيره. و في حكم كلّ منهما مخالفة لما تضمّنته الروايتان.

فما ذكره الشيخ من التفصيل لا يستفاد من كلّ واحدة من الروايات، و إنما يجتمع منها على اختلاف فيها، فمن ثمَّ وصفها المصنف- (رحمه اللّه)- بالضعف و الاضطراب و قصور الدلالة.

ثمَّ هي غير حاصرة للأقسام الممكنة، فإنه قد يجمع بين هذه الجنايات كلّها، و قد يجرح و يأخذ المال، و قد يقتل (1) و يجرح و لا يأخذ المال، إلى غير ذلك من الفروض الخارجة عمّا ذكر في الروايات.

مع أن رواية محمد بن مسلم صحيحة، و هي دالّة على حكم ثالث، و هو التخيير بين الأمور الأربعة مع عدم القتل، و تحتّم القتل معه. و يظهر من الاستبصار (2) ترجيحه، لأنه جعله جامعا بين الأخبار. و هو أولى من القول بالترتيب الذي ذكره في غيره، و إن كان القول الأول أظهر منهما.

____________

(1) في الحجريّتين: و قد يقتل و يأخذ.

(2) الاستبصار 4: 257 ح 972.

13

[و هاهنا مسائل]

و هاهنا مسائل:

[الأولى: إذا قتل المحارب غيره طلبا للمال]

الأولى: إذا قتل المحارب (1) غيره طلبا للمال، تحتّم قتله قودا إن كان المقتول كفؤا، و مع عفو الوليّ حدّا، سواء كان المقتول كفؤا أو لم يكن.

و لو قتل لا طلبا للمال، كان كقاتل العمد، و أمره إلى الوليّ.

أمّا لو جرح طلبا للمال، كان القصاص إلى الوليّ. و لا يتحتّم الاقتصاص في الجرح، بتقدير أن يعفو الوليّ، على الأظهر.

____________

قوله: «إذا قتل المحارب. إلخ».

(1) الحكم هنا متفرّع على الخلاف السابق، فإن قلنا بتخيّر الامام فيه مطلقا، و قتل المحارب، لزمه حكم القتل من قصاص و دية، فإذا استوفي منه تخيّر الإمام في جهة حدّه.

و إن قلنا بالتفصيل فقتل طلبا للمال، فإن كان المقتول مكافئا له، و كان القتل عمدا، اجتمع عليه سببان للقتل: أحدهما القصاص، و الآخر الحدّ. فإن عفا الوليّ تحتّم قتله حدّا.

و إن كان المقتول غير مكافئ، كما لو قتل الأب الابن و المسلم الذمّي و الحرّ العبد، تعيّن قتله حدّا، و أخذ من تركته الدية أو القيمة.

و لو كان المقتول جماعة قتل بواحد، و للباقين الدية. و كان حكمهم في العفو كما سبق (1). و لو عفا وليّ المقتول على مال بقي القتل حدّا.

و لو تاب قبل الظفر به سقط الحدّ و بقي القصاص. و لو قتله قاتل بغير إذن الامام فلا قصاص، لأن قتله متحتّم. و تؤخذ الدية من تركته.

و لو جرح أو قطع عضوا طلبا للمال استوفي منه القصاص. ثمَّ إن طابق

____________

(1) في ص: 8.

14

[الثانية: إذا تاب قبل القدرة عليه، سقط الحدّ]

الثانية: إذا تاب قبل القدرة عليه، (1) سقط الحدّ، و لم يسقط ما يتعلّق به من حقوق الناس، كالقتل و الجرح و المال.

و لو تاب بعد الظفر به، لم يسقط عنه حدّ، و لا قصاص، و لا غرم.

____________

المطلوب منه الحدّ، كما لو قطع اليد اليمنى لرجل قطعت قصاصا، و أكمل الحدّ بقطع رجله اليسرى. و إن كان مخالفا للحدّ، كقطع اليسار، اقتصّ منه و استوفي الحدّ على وجهه.

و لو كان جرحا فأمر القصاص إلى الوليّ، و لا مدخل للإمام فيه، لأنه ليس من جنس الحدّ بمقتضى الآية (1).

و يحتمل مع العفو استيفاؤه حدّا، لذكره في تفصيل الحدّ. و لا يخفى ضعفه، لعدم الدليل عليه، و إن ذكره القائل بالتفصيل.

قوله: «إذا تاب قبل القدرة عليه. إلخ».

(1) أما عدم سقوط حقوق الآدميّين بالتوبة مطلقا فواضح، لأن حقّ الآدمي لا يسقط إلا بإسقاط المستحقّ، و لا مدخل للتوبة فيه.

و أما التفصيل في سقوط الحدّ بالتوبة قبل أخذه و بعده فذلك هو مقتضى حدّ اللّه تعالى، كما سبق في نظائره. و يدلّ عليه هنا بخصوصه قوله تعالى إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (2).

و أما توبته بعد القدرة فوجوب الحدّ ثابت بحكم الاستصحاب، مضافا إلى مفهوم الشرط في الآية (3).

و فرّق بين الحالتين من جهة المعنى، بأنه بعد القدرة عليه متعرّض للحدّ

____________

(1) المائدة: 33.

(2) المائدة: 34.

(3) المائدة: 34.

15

[الثالثة: اللّصّ محارب]

الثالثة: اللّصّ محارب، (1) فإذا دخل دارا متغلّبا، كان لصاحبها محاربته. فإن أدّى الدفع إلى قتله، كان دمه [هدرا] ضائعا، لا يضمنه الدافع. و لو جنى اللّصّ عليه ضمن.

و يجوز الكفّ عنه. أمّا لو أراد نفس المدخول عليه، فالواجب الدفع. و لا يجوز الاستسلام و الحال هذه. و لو عجز عن المقاومة و أمكن الهرب، وجب.

____________

متّهم (1) بقصد الدفع في التوبة، و أما قبل القدرة عليه فهو ممتنع عن طاعة الامام، و توبته بعيدة عن التهمة، قريبة من الحقيقة، فلذلك أسقطت الحدّ.

قوله: «اللّصّ محارب. إلخ».

(1) اللّصّ إن شهر سلاحا و ما في معناه فهو محارب حقيقة، لما تقدّم (2) من أن المحارب يتحقّق في العمران و غيرها و إن لم يكن معه سلاح، بل يريد اختلاس المال و الهرب، فهو في معنى المحارب في جواز دفعه و لو بالقتل إذا توقّف الدفع عليه.

و أطلق المصنف- (رحمه اللّه)- اسم المحارب عليه مطلقا تبعا للنصوص، ففي رواية منصور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «اللّصّ محارب للّه و لرسوله فاقتلوه، فما دخل عليك فعليّ» (3).

و في رواية غياث بن إبراهيم، عنه (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) قال:

«إذا دخل عليك اللّصّ يريد أهلك و مالك، فإن استطعت أن تبدره فابدره و اضربه،

____________

(1) في «ا»: فيتّهم.

(2) في ص: 5- 6.

(3) التهذيب 10: 135 ح 536، الوسائل 18: 543 ب «7» من أبواب حدّ المحارب ح 1.

16

[الرابعة: يصلب المحارب حيّا على القول بالتّخيير]

الرابعة: يصلب المحارب حيّا (1) على القول بالتّخيير، و مقتولا على القول الآخر.

____________

و قال: اللّصّ محارب للّه و لرسوله فاقتله، فما مسّك منه فهو عليّ» (1).

و إنما عدلنا عن ظاهر الروايات إلى ما ذكرناه من التفصيل لقصورها سندا عن إفادة الحكم مطلقا، فيرجع إلى القواعد المقرّرة (2).

ثمَّ إن كان غرضه أخذ المال لم يجب دفعه، و إن جاز. و ينبغي تقييد ذلك بما لا يضرّه فوته، و إلا اتّجه الوجوب مع عدم التغرير بالنفس. و إن طلب العرض وجب دفعه مع عدم ظنّ العطب.

و إن طلب النفس وجب دفعه مطلقا، لوجوب حفظ النفس، و غايته العطب، و هو غاية عمل المفسد، فيكون الدفاع أرجح.

نعم، لو أمكن السلامة بالهرب كان أحد أسباب حفظ النفس، فيجب عينا إن توقّفت عليه، أو تخييرا إن أمكنت به و بغيره.

قوله: «يصلب المحارب حيّا. إلخ».

(1) أما صلبه حيّا على القول بالتخيير فلأنه أحد أفراد الحدّ و قسيم للقتل، و هو يقتضي كونه حيّا.

و أما على القول بالتفصيل فإنما يصلب على تقدير قتله و أخذه للمال، و قد تقدّم أنه يقتل أولا ثمَّ يصلب.

ثمَّ على تقدير صلبه حيّا إن مات بالصّلب قبل ثلاثة أيّام، و إلا أجهز عليه بعدها.

____________

(1) التهذيب 10: 136 ح 538، الوسائل 18: 543 الباب المتقدّم ح 2.

(2) في «ا، ث»: المذكورة.

17

[الخامسة: لا يترك على خشبته أكثر من ثلاثة أيّام]

الخامسة: لا يترك على خشبته (1) أكثر من ثلاثة أيّام، ثمَّ ينزل و يغسّل و يكفّن و يصلّى عليه و يدفن.

و من لا يصلب إلّا بعد القتل، لا يفتقر إلى تغسيله، لأنّه يقدّمه أمام القتل.

____________

قوله: «لا يترك على خشبته. إلخ».

(1) ظاهر الأصحاب أن النهي عن تركه أزيد من ثلاثة أيّام على وجه التحريم، و مقتضاه كون الثلاثة من يوم صلبه لا من موته. و المعتبر من الأيّام النهار دون الليل. نعم، تدخل الليلتان المتوسّطتان تبعا.

و المستند رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا تدعوا المصلوب بعد ثلاثة أيّام حتى ينزل فيدفن» (1).

و روايته أيضا عنه (عليه السلام): «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) صلب رجلا بالحيرة ثلاثة أيّام، ثمَّ أنزله يوم الرابع و صلّى عليه و دفنه» (2).

و لا فرق في ذلك بين الأيّام الطويلة و القصيرة، و لا الحارّة و الباردة، و إن حصل به في الثلاثة مثلة، عملا بالعموم.

و قد قيل: إن الصّلب سمّي صلبا لسيلان صليب المصلوب، و هو الودك [1]، حتى اعتبره بعض (4) العامّة لذلك.

____________

[1] الصّليب: الودك، و هو الدسم، النهاية لابن الأثير 3: 45.

____________

(1) الكافي 7: 268 ح 39، التهذيب 10: 150 ح 600، الوسائل 18: 541 ب «5» من أبواب حدّ المحارب ح 2.

(2) الكافي 7: 246 ح 7، التهذيب 10: 135 ح 534، الفقيه 4: 48 ح 167، الوسائل 18: 541 الباب المتقدّم ح 1.

(4) الحاوي الكبير 13: 358، حلية العلماء 8: 84، روضة الطالبين 7: 366.

18

[السادسة: ينفى المحارب من بلده]

السادسة: ينفى المحارب من بلده، (1) و يكتب إلى كلّ بلد يأوي إليه بالمنع من مؤاكلته و مشاربته و مجالسته و مبايعته.

و لو قصد بلاد الشّرك منع منها. و لو مكّنوه من دخولها، قوتلوا حتى يخرجوه.

____________

و يظهر من قوله: «و من لا يصلب إلا بعد القتل لا يفتقر إلى تغسيله. إلخ» أن تقديم الغسل حينئذ واجب معيّن، و لو فرض إخلاله به وجب تغسيله أيضا.

و لو أريد بصلبه قتله به أمر بالغسل قبله، كما لو قتل بغيره، لعموم الأمر بالغسل لمن أريد قتله. و لا فرق بين القسمين، و كأنّ المصنف- (رحمه اللّه)- فصّلهما من حيث إن الصلب لا يستلزم القتل مطلقا، فلا يدخل في العموم.

قوله: «ينفى المحارب من بلده. إلخ».

(1) إذا كان حدّ المحارب النفي، إما باختيار الإمام ذلك، أو بفعله ما يوجبه على القول الآخر، فالمراد منه ما هو الظاهر من معناه، و هو إخراجه من بلده إلى غيره، و إعلام كلّ بلد يصل إليه بالامتناع منه على الوجه الذي ذكره، لينتقل إلى آخر. و نفيه من الأرض كناية عن ذلك، إذ لا يخرج عن مجموع الأرض، و لكن لمّا لم يقرّ على أرض كان في معنى النفي من الأرض مطلقا.

و ظاهر المصنف و الأكثر عدم تحديده بمدّة، بل ينفى دائما إلى أن يتوب.

و قد تقدّم (1) في الرواية كونه سنة. و حملت على التوبة في الأثناء. و هو بعيد.

و بعض (2) العامّة فسّر النفي من الأرض بالحبس، لإطلاقه على الخروج من الدّنيا في العرف، كما قال بعض المسجونين:

____________

(1) في ص: 10.

(2) بداية المجتهد 2: 456، الحاوي الكبير 13: 355- 356، حلية العلماء 8: 84، بدائع الصنائع 7:

95، شرح فتح القدير 5: 178- 179، المغني لابن قدامة 10: 307، تبيين الحقائق 3: 236.

19

[السابعة: لا يعتبر في قطع المحارب أخذ النّصاب]

السابعة: لا يعتبر في قطع المحارب (1) أخذ النّصاب. و في الخلاف:

يعتبر. و لا انتزاعه من حرز.

و على ما قلناه من التخيير لا فائدة في هذا البحث، لأنّه يجوز قطعه، و إن لم يأخذ مالا.

و كيفيّة قطعه أن تقطع يمناه ثمَّ تحسم، ثمَّ تقطع رجله اليسرى و تحسم. و لو لم تحسم في الموضعين جاز. و لو فقد أحد العضوين، اقتصرنا على قطع الموجود، و لم ينتقل إلى غير

____________

خرجنا من الدّنيا و نحن من أهلها * * * فلسنا من الأحياء فيها و لا الموتى

إذا جاءنا السجّان فيها لحاجة * * * عجبنا و قلنا جاء هذا من الدّنيا

و لا يخفى أنه مجاز خفيّ، و ما ذكرناه أقرب، مع موافقته للمرويّ قولا و فعلا.

و أما الحكم بمقاتلة أهل الشرك لو دخل إليهم فتركوه، فهو مرويّ في خبر (1) عبيد اللّه المدائني عن الرضا (عليه السلام). و قد عرفت (2) حال المستند.

و تحريره على قواعد أحكام الكفّار مشكل، لأنهم إن كانوا أهل حرب فمقاتلتهم لا يتوقّف على ذلك، و إن كانوا أهل هدنة أو ذمّة فلا يقدح ذلك بمجرّده في عهدهم، إلا مع شرطه، و إثباته من مجرّد هذا الخبر لا يتمّ، خصوصا عند المصنف و غيره ممّن لم يعتبر أصل الخبر، نظرا إلى ما تقدّم.

قوله: «لا يعتبر في قطع المحارب. إلخ».

(1) إذا عملنا بالتفصيل السابق فمقتضى دليله قطعه مع أخذ المال مطلقا، سواء

____________

(1) الكافي 7: 246 ح 8، التهذيب 10: 132 ح 526، الوسائل 18: 539 ب «4» من أبواب حدّ المحارب ح 2.

(2) راجع ص: 11.

20

[الثامنة: لا يقطع المستلب، و لا المختلس]

الثامنة: لا يقطع المستلب، و لا المختلس (1)، و لا المحتال على الأموال بالتزوير و الرسائل الكاذبة، بل يستعاد منه المال و يعزّر.

و كذا المبنّج، و من سقى غيره مرقدا، لكن إن جنى ذلك شيئا ضمن الجناية.

____________

كان نصابا أم أقلّ، و سواء كان في حرز أم لا، كما يتعيّن قتله لو قتل، سواء كان مكافئا أم لا. فهو مخالف لحدّ السرقة في ذلك، و في عدم اشتراط مرافعة المالك، و عدم سقوطه بعفوه، و زيادة قطع رجله بالسرقة الواحدة، و القصاص فيما ذكر أيضا.

و اعتبر في الخلاف (1) بلوغ المال النصاب، ليوافق قاعدة السرقة. و هو مع مخالفته لإطلاق الروايات (2) لا يوافقها من باقي الوجوه التي ذكرناها. فالأولى جعله حدّا برأسه، و إن وافقها في بعض الاعتبارات.

قوله: «لا يقطع المستلب و لا المختلس. إلخ».

(1) لمّا كان حكم الحدّ المذكور مختصّا بالمحارب أو بمن سرق من حرز بشرطه، فلا قطع على المستلب، و هو الذي يأخذ المال جهرا و يهرب مع كونه غير محارب، و لا المختلس، و هو الذي يأخذه خفية كذلك.

و قد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه أتي برجل اختلس درّة من

____________

(1) الخلاف 5: 46 مسألة (7).

(2) الوسائل 18: 532 ب «1» من أبواب حدّ المحارب.

21

..........

____________

أذن جارية، فقال: «هذه الزعارة المعلنة، فضربه و حبسه» (1).

و في موثّقة أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «لا أقطع في الزعارة المعلنة، و هي الخلسة، و لكن أعزّره» (2).

و في معناهما المحتال بالرسائل الكاذبة و شبهها. و لكن روى الحلبي (3) في الحسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قطع من أخذ المال بالرسائل الكاذبة، و إن حملته عليه الحاجة.

و حملها الشيخ (4)- (رحمه اللّه)- على قطعه لإفساده لا لسرقته.

مع أن الرواية تضمّنت تعليل القطع بكونه سارقا، لأنه قال في آخرها: «قلت:

أرأيت إن زعم أنه إنما حمله على ذلك الحاجة؟ فقال: يقطع، لأنه سرق مال الرجل».

و أما المبنّج و من سقى [غيره] (5) مرقدا فحكمه كذلك، لأنه ليس بسارق من الحرز و لا محارب، و لكن يعزّر لفعله المحرّم، و يضمن ما يحصل بسببه من الجناية.

____________

(1) الكافي 7: 226 ح 7، التهذيب 10: 114 ح 450، الوسائل 18: 503 ب «12» من أبواب حدّ السرقة ح 4.

(2) الكافي 7: 225 ح 1، التهذيب 10: 114 ح 454، الوسائل 18: 502 الباب المتقدّم ح 1.

(3) الكافي 7: 227 ح 1، الفقيه 4: 43 ح 114، التهذيب 10: 109 ح 426، الوسائل 18: 507 ب «15» من أبواب حدّ السرقة.

(4) لم نعثر عليه.

(5) من «د».

22

[القسم الثاني من كتاب الحدود]

القسم الثاني من كتاب الحدود و فيه أبواب:

[الباب الأول في المرتدّ]

الباب الأول في المرتدّ (1) و هو: الذي يكفر بعد الإسلام،

[و له قسمان]

و له قسمان:

[الأول: من ولد على الإسلام]

الأول: من ولد على الإسلام.

و هذا لا يقبل إسلامه لو رجع، و يتحتّم قتله، و تبين منه و زوجته، و تعتدّ منه عدّة الوفاة، و تقسّم أمواله بين ورثته، و إن التحق بدار الحرب، أو اعتصم بما يحول بين الإمام و [بين] قتله.

و يشترط في الارتداد: البلوغ، و كمال العقل، و الاختيار.

فلو أكره، كان نطقه بالكفر لغوا. و لو ادّعى الإكراه، مع وجود الأمارة، قبل.

____________

قوله: «في المرتدّ. إلخ».

(1) الردّة أفحش أنواع الكفر و أغلظها حكما، قال اللّه تعالى وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ (1). و قال تعالى وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ. (2) الآية. و عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «لا يحلّ دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث.» (3) الحديث.

____________

(1) البقرة: 217.

(2) آل عمران: 85.

(3) مسند أحمد 1: 70، سنن أبي داود 4: 170 ح 4502، سنن ابن ماجه 2: 847 ح 2533، سنن الترمذي 4: 400 ح 2158، سنن النسائي 7: 92، مستدرك الحاكم 4: 350، سنن البيهقي 8:

194، تلخيص الحبير 4: 14 ح 1677.

23

..........

____________

و عن ابن عبّاس أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «من بدّل دينه فاقتلوه» (1).

و الكلام في الردّة يقع في أمرين: أحدهما: ما تحصل به. و الثاني: في حكمها إذا حصلت.

أما الأول فلم يتعرّض المصنف- (رحمه اللّه)- لتفصيله، بل اقتصر عليه إجمالا بقوله: «إن المرتدّ هو الذي يكفر بعد الإسلام». و تفصيله يحتاج إلى بسط في الكلام، فطويناه على غيره.

و أما الثاني فالمشهور بين الأصحاب أن الارتداد على قسمين: فطريّ، و ملّي.

فالأول: ارتداد من ولد على الإسلام، بأن انعقد حال إسلام أحد أبويه.

و هذا لا يقبل إسلامه لو رجع إليه، لعموم الأدلّة السابقة. و صحيحة محمد بن مسلم، عن الباقر (عليه السلام): «من رغب عن الإسلام، و كفر بما أنزل على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بعد إسلامه، فلا توبة له، و قد وجب قتله، و بانت منه امرأته، و يقسّم ما ترك على ولده» (2).

و روى عمّار عن الصادق (عليه السلام) قال: «كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام، و جحد محمّدا نبوّته، و كذّبه، فإن دمه مباح لكلّ من سمع ذلك منه،

____________

(1) دعائم الإسلام 2: 480 ح 1717، مسند أحمد 1: 217، صحيح البخاري 4: 75، سنن أبي داود 4: 126 ح 4351، سنن ابن ماجه 2: 848 ح 2535، سنن الترمذي 4: 48 ح 1458، سنن النسائي 7: 104، سنن الدار قطني 3: 113 ح 108، سنن البيهقي 8: 195.

(2) الكافي 7: 256 ح 1، التهذيب 10: 136 ح 540، الاستبصار 4: 252 ح 956، الوسائل 18:

544 ب «1» من أبواب حدّ المرتدّ ح 2.

24

..........

____________

و امرأته بائنة منه يوم ارتدّ، فلا تقربه، و يقسّم ماله بين ورثته، و تعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها، و على الامام أن يقتله و لا يستتيبه» (1).

و هذا الحكم بحسب الظاهر لا إشكال فيه، بمعنى تعيّن قتله. و أما فيما بينه و بين اللّه تعالى فقبول توبته هو الوجه، حذرا من تكليف ما لا يطاق لو كان مكلّفا بالإسلام، أو خروجه عن التكليف ما دام حيّا كامل العقل، و هو باطل بالإجماع.

و حينئذ فلو لم يطّلع عليه أحد، أو لم يقدر على قتله، أو تأخّر قتله، و تاب قبلت توبته فيما بينه و بين اللّه تعالى، و صحّت عباداته و معاملاته، و لكن لا يعود ماله و زوجته إليه بذلك. و يجوز له تجديد العقد عليها بعد العدّة، أو فيها على احتمال، كما يجوز للزوج العقد على المعتدّة بائنا حيث لا تكون محرّمة مؤبّدا، كالمطلّقة ثلاثا.

و الأصحاب حملوا الأخبار المطلقة في ثبوت هذه الأحكام على المرتدّ عن فطرة، جمعا بينها و بين ما دلّ على قبول توبته. مضافا إلى تقييد الحكم في رواية عمّار بارتداد المسلم بين مسلمين. و رواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن مسلم تنصّر؟ قال: يقتل و لا يستتاب، قلت:

فنصرانيّ أسلم ثمَّ ارتدّ عن الإسلام، قال: يستتاب، فإن تاب و إلا قتل» (2).

و يظهر من ابن الجنيد (3) أن الارتداد قسم واحد، و أنه يستتاب، فإن تاب

____________

(1) الكافي 7: 257 ح 11، الفقيه 3: 89 ح 333، التهذيب 10: 136 ح 541، الاستبصار 4: 253 ح 957، الوسائل 18: 545 الباب المتقدّم ح 3.

(2) الكافي 7: 257 ح 10، التهذيب 10: 138 ح 548، الاستبصار 4: 254 ح 963، الوسائل 18:

545 ب «1» من أبواب حدّ المرتدّ ح 5.

(3) لم نعثر عليه.

25

و لا تقتل المرأة بالرّدّة، (1) بل تحبس دائما، و إن كانت مولودة على الفطرة، و تضرب أوقات الصلوات.

____________

و إلا قتل. و هو مذهب العامّة (1) على اختلاف بينهم في مدّة إمهاله. و عموم الأدلّة (2) المعتبرة يدلّ عليه. و تخصيص عامّها أو تقييد مطلقها برواية عمّار لا يخلو من إشكال. و رواية عليّ بن جعفر ليست صريحة في التفصيل، إلا أن المشهور بل المذهب هو التفصيل المذكور.

قوله: «و لا تقتل المرأة بالردّة. إلخ».

(1) إنما تحبس المرتدّة دائما على تقدير امتناعها من التوبة، فلو تابت قبل منها، و إن كان ارتدادها عن فطرة عند الأصحاب، لصحيحة الحسن بن محبوب، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام): «في المرتدّ يستتاب، فإن تاب و إلا قتل، و المرأة إذا ارتدّت استتيبت، فإن تابت و رجعت و إلا خلّدت السجن، و ضيّق عليها في حبسها» (3). و رواية (4) عبّاد بن صهيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

و في صحيحة حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يخلّد في السجن إلا ثلاثة، و عدّ منها المرأة ترتدّ عن الإسلام» (5). و المراد: إذا لم تتب.

____________

(1) الحاوي الكبير 13: 158، بداية المجتهد 2: 459، الكافي للقرطبي 2: 1089- 1090، اللّباب في شرح الكتاب 4: 148، المغني لابن قدامة 10: 72، تبيين الحقائق 3: 284، شرح فتح القدير 5: 308، روضة الطالبين 7: 296.

(2) انظر الوسائل 18: 547 ب «3» من أبواب حدّ المرتدّ ح 2، 3، 5.

(3) الكافي 7: 256 ح 3، التهذيب 10: 137 ح 543، الاستبصار 4: 253 ح 959، الوسائل 18:

550 ب «4» من أبواب حدّ المرتدّ ح 6.

(4) التهذيب 10: 144 ح 569، الاستبصار 4: 255 ح 967، الوسائل 18: 550 الباب المتقدّم ح 4.

(5) الفقيه 3: 20 ح 49، التهذيب 10: 144 ح 568، الاستبصار 4: 255 ح 966، الوسائل 18: 550 الباب المتقدّم ح 3.

26

[القسم الثاني: من أسلم عن كفر ثمَّ ارتدّ]

القسم الثاني: من أسلم (1) عن كفر ثمَّ ارتدّ فهذا يستتاب، فإن امتنع قتل. و استتابته واجبة. و كم يستتاب؟

قيل: ثلاثة أيّام. و قيل: القدر الذي يمكن معه الرجوع. و الأوّل مرويّ.

و هو حسن، لما فيه من التأنّي لإزالة عذره.

و لا تزول عنه أملاكه، بل تكون باقية عليه. و ينفسخ العقد بينه و بين زوجته، و يقف نكاحها على انقضاء العدّة، و هي كعدّة المطلّقة.

و تقضى من أمواله ديونه، و ما عليه من الحقوق الواجبة، و يؤدّى منه نفقة الأقارب ما دام حيّا.

____________

و في صحيحة حمّاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في المرتدّة عن الإسلام، قال: لا تقتل، و تستخدم خدمة شديدة، و تمنع الشراب و الطعام إلا ما يمسك نفسها، و تلبس خشن الثياب، و تضرب على الصلوات» (1).

و ليس في هذه الأخبار ما يقتضي قبول توبتها في الحالين. و الخبر الأول كما تضمّن قبول توبتها، تضمّن قبول توبة المرتدّ الذكر، و حمله على الملّي يرد مثله فيها. فيمكن حمل الأخبار (2) الدالّة على حبسها دائما من غير تفصيل على الفطريّة، بأن يجعل ذلك حدّها من غير أن تقبل توبتها، كما لا تقبل توبته.

و في التحرير (3): لو تابت فالوجه قبول توبتها، و سقوط ذلك عنها، و إن كانت عن فطرة. و هو يشعر بخلاف في قبول توبتها إذا كانت فطريّة، و هو المناسب لحال هذه النصوص.

قوله: «القسم الثاني من أسلم. إلخ».

(1) القول بعدم تحديده للشيخ

____________

(1) الفقيه 3: 89 ح 335، التهذيب 10: 143 ح 565، الوسائل 18: 549 الباب المتقدّم ح 1.

(2) راجع الوسائل 18: 549 ب «4» من أبواب حدّ المرتدّ ح 2، 6.

(3) تحرير الأحكام 2: 235.

27

..........

____________

في المبسوط (1)، و عليه العمل، لعدم ثبوت تحديده شرعا.

و الرواية الدالّة على التحديد رواها الشيخ بطريق ضعيف جدّا عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:

المرتدّ تعزل عنه امرأته، و لا تؤكل ذبيحته، و يستتاب ثلاثة أيّام، فإن تاب و إلا قتل يوم الرابع» (2).

و المصنف- (رحمه اللّه)- استحسن العمل بها و إن كانت ضعيفة. و لا بأس به، احتياطا في الدماء، و إزاحة للشبهة العارضة في الحدّ.

و استتابة المرتدّ عن ملّة واجبة عند الأصحاب، للأمر بها في الأخبار (3). و لأنه كان متحرّما بالإسلام، و ربما عرضت له شبهة، فيسعى في إزالتها.

و ذهب بعض (4) العامّة إلى أنها مستحبّة، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله):

«من بدّل دينه فاقتلوه» (5) أمر بالقتل و لم يتعرّض للاستتابة، و هو شامل للمرتدّ.

____________

(1) المبسوط 7: 282- 283.

(2) الكافي 7: 258 ح 17، التهذيب 10: 138 ح 546، الاستبصار 4: 254 ح 961، الوسائل 18:

548 ب «3» من أبواب حدّ المرتدّ ح 5.

(3) راجع الوسائل 18: 547 ب «3» من أبواب حدّ المرتدّ.

(4) الحاوي الكبير 13: 159، حلية العلماء 7: 624، المبسوط للسرخسي 10: 99، المغني لابن قدامة 10: 74، الكافي للقرطبي 2: 1089- 1090.

(5) تقدّم ذكر مصادره في ص: 23 هامش (1).

28

و بعد قتله تقضى ديونه، (1) و ما عليه من الحقوق الواجبة، دون نفقة الأقارب.

و لو قتل أو مات، كانت تركته لورّاثه المسلمين. فإن لم يكن له وارث مسلم، فهو للإمام (عليه السلام).

و ولده بحكم المسلم، (2) فإن بلغ مسلما فلا بحث. و إن اختار الكفر بعد بلوغه، استتيب، فإن تاب و إلّا قتل.

و لو قتله قاتل قبل وصفه بالكفر، قتل به، سواء قتله قبل بلوغه أو بعده. و لو ولد بعد الرّدّة، و كانت أمّه مسلمة، كان حكمه كالأوّل.

____________

قوله: «و بعد قتله تقضى ديونه. إلخ».

(1) من الحقوق الواجبة نفقة الزوجة الفائتة حال الحياة، لأنها تقضى كالدّين، بخلاف نفقة الأقارب، فإنها لا تقضى مع الفوات، بل هي مجرّد مواساة.

قوله: «و ولده بحكم المسلم. إلخ».

(2) أي: ولده قبل الارتداد، سواء كان المرتدّ عن ملّة أم عن فطرة، و سواء أسلم بعد ذلك أم لا، لانعقاده تابعا لأبيه في الإسلام، فيستصحب حكمه.

ثمَّ إن بلغ و أعرب (1) بالإسلام فلا بحث. و إن أظهر الكفر فقد أطلق المصنف- (رحمه اللّه)- و غيره استتابته، فإن تاب و إلّا قتل. و هذا لا يوافق القواعد المتقدّمة (2) من أن المنعقد حال إسلام أحد أبويه يكون ارتداده عن فطرة، و لا تقبل توبته. و ما وقفت على ما أوجب العدول عن ذلك هنا. و لو قيل بأنه يلحقه

____________

(1) في «خ»: و اعترف.

(2) راجع ص: 23.

29

و إن كانت مرتدّة، و الحمل بعد ارتدادهما، (1) كان بحكمهما، لا يقتل المسلم بقتله.

و هل يجوز استرقاقه؟ تردّد الشيخ: فتارة يجيز، لأنّه كافر بين كافرين، و تارة يمنع، لأنّ أباه لا يسترقّ، لتحرّمه بالإسلام، فكذا الولد.

و هذا أولى.

____________

حينئذ حكم المرتدّ عن فطرة كان وجها. و هو الظاهر من الدروس (1)، لأنه أطلق كون الولد السابق على الارتداد مسلما، و لازمه ذلك.

قوله: «و إن كانت مرتدّة و الحمل بعد ارتدادهما. إلخ».

(1) اختلف كلام الأصحاب- بل كلام الشيخ وحده- في أن المتولّد بين المرتدّين، سواء كان ارتدادهما فطريّا أم ملّيا أم بالتفريق، هل هو كافر أصلي، أم مرتدّ كالأبوين، أم مسلم؟ من أنه متولّد بين كافرين غير ذمّيّين، و من تبعيّة الولد لأبويه، و من أن حرمة الإسلام باقية في المرتدّ، و الإسلام يعلو و لا يعلى عليه، فإذا لم يحكم بإسلام الأبوين لمانع الارتداد يبقى الحكم في الولد، و لعموم: «كلّ مولود يولد على الفطرة» (2). و على هذه الأوجه يتفرّع حكم استرقاقه.

فعلى الأول: يجوز استرقاقه. و هو اختيار الشيخ في الخلاف (3) و المبسوط (4) في كتاب المرتدّ، مصرّحا بعدم الفرق بين ولادته في دار الحرب و دار الإسلام، محتجّا في الخلاف بعموم الأدلّة من الكتاب و السنّة على جواز استرقاق ذرّية الكفّار.

____________

(1) الدروس الشرعيّة 2: 54.

(2) الفقيه 2: 26 ح 96، الوسائل 11: 96 ب «48» من أبواب جهاد العدوّ ح 3.

(3) الخلاف 5: 360 مسألة (11).

(4) المبسوط 7: 286.

30

و يحجر الحاكم (1) على أمواله، لئلّا يتصرّف فيها بالإتلاف، فإن عاد فهو أحقّ بها، و إن التحق بدار الكفر، بقيت على الاحتفاظ، و يباع منها ما يكون له الغبطة في بيعه كالحيوان.

____________

و على الثاني: لا يجوز استرقاقه، لأن المرتدّ لا يسترقّ و إن شارك الكافر في أكثر الأحكام. و هو اختيار الشيخ في المبسوط (1) في كتاب قتال أهل الردّة.

و صرّح أيضا بعدم الفرق بين الدارين. و مال إليه المصنف- (رحمه اللّه)- في هذا الكتاب. و على هذا فيلزم عند البلوغ بالإسلام أو القتل.

و كذا لا يجوز استرقاقه على الثالث بطريق أولى.

و للشيخ قول ثالث في كتاب قتال أهل الردّة من الخلاف (2)، و هو جواز استرقاقه إن كان في دار الحرب، و عدمه في دار الإسلام، محتجّا عليه بإجماعنا و أخبارنا. و الأصحّ عدم استرقاقه مطلقا.

قوله: «و يحجر الحاكم. إلخ».

(1) ظاهره توقّف الحجر على حكم الحاكم. و هو أحد الوجهين في المسألة.

و وجهه: أن الارتداد أمر اجتهادي، فيناط حكمه بنظر الحاكم.

و قيل: يحصل الحجر بنفس الردّة، لأنها العلّة، فوجودها يستلزم ثبوت المعلول. و هذا أقوى. و هو اختيار العلامة في القواعد (3)، و الشهيد في الدروس (4).

____________

(1) المبسوط 8: 71.

(2) الخلاف 5: 501 مسألة (1).

(3) قواعد الأحكام 2: 276.

(4) الدروس الشرعيّة 2: 54.

31

[مسائل من هذا الباب]

مسائل من هذا الباب:

[الأولى: إذا تكرّر الارتداد]

الأولى: إذا تكرّر الارتداد (1)، قال الشيخ: يقتل في الرابعة. قال:

و روى أصحابنا: يقتل في الثالثة أيضا.

[الثانية: الكافر إذا أكره على الإسلام]

الثانية: الكافر إذا أكره (2) على الإسلام، فإن كان ممّن يقرّ على دينه، لم يحكم بإسلامه، و إن كان ممّن لا يقرّ حكم به.

____________

قوله: «إذا تكرّر الارتداد. إلخ».

(1) الرواية المشار إليها يمكن كونها صحيحة يونس المتقدّمة عن الكاظم (عليه السلام): «أن أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة». (1) و الكفر من أعظم الكبائر.

و يمكن كونها رواية جميل بن درّاج عن أحدهما (عليهما السلام): «في رجل رجع عن الإسلام، قال: يستتاب فإن تاب و إلا قتل، قيل لجميل: فما تقول لو تاب ثمَّ رجع عن الإسلام؟ قال: يستتاب، قيل: فما تقول إن تاب ثمَّ رجع ثمَّ تاب ثمَّ رجع؟ فقال: لم أسمع في هذا شيئا، و لكن عندي بمنزلة الزاني الذي يقام عليه الحدّ مرّتين ثمَّ يقتل بعد ذلك» (2).

و الأصحّ قتله في الثالثة، عملا بعموم الرواية الأولى، و إن كان قتله في الرابعة أحوط.

قوله: «الكافر إذا أكره. إلخ».

(2) الفرق أن من يقرّ على دينه لا يصحّ إكراهه على غيره، فيقع المكره عليه لغوا كغيره من أفعاله المكره عليها بغير حقّ، بخلاف من لا يقرّ عليه، فإن إكراهه

____________

(1) الكافي 7: 191 ح 2، الفقيه 4: 51 ح 182، التهذيب 10: 95 ح 369، الاستبصار 4: 212 ح 791، الوسائل 18: 313 ب «5» من أبواب مقدّمات الحدود ح 1.

(2) الكافي 7: 256 ح 5، التهذيب 10: 137 ح 544، الاستبصار 4: 253 ح 960، الوسائل 18:

547 ب «3» من أبواب حدّ المرتدّ ح 3.

32

[الثالثة: إذا صلّى بعد ارتداده، لم يحكم بعوده]

الثالثة: إذا صلّى بعد ارتداده، (1) لم يحكم بعوده، سواء فعل ذلك في دار الحرب أو دار الإسلام.

____________

على الإسلام جائز، فيترتّب عليه أثره. و لأنه المعهود من فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و خلفائه من بعده. و فيه بحث تقدّم تحقيقه في الطلاق (1).

قوله: «إذا صلّى بعد ارتداده. إلخ».

(1) إنما لم تكن الصلاة إسلاما لإمكان فعلها تقيّة أو إراءة. و هذا يتمّ مع عدم سماع لفظ الشهادتين، أو مع كون الارتداد بإنكار غير الصلاة من فروض الإسلام. أما مع سماع لفظهما، و كون المطلوب من إسلامه ذلك، فالمشهور أن الأمر فيه كذلك، لأن الصلاة لم توضع دليلا على الإسلام، و لا توبة للمرتدّ، و إنما وضعت الشهادتان دلالة عليه مستقلّتين لا جزءا من غيرهما.

و فيه نظر.

و نبّه بالتسوية بين الصلاة في دار الحرب و دار الإسلام على خلاف بعض (2) العامّة، حيث فرّق بينهما، فأوجب الحكم بإسلامه إذا صلّى في دار الحرب، لأنها لا تكون إلا عن اعتقاد صحيح، بخلاف صلاته في دار الإسلام، فإنها تحتمل التقيّة و الإراءة.

و في القواعد (3) استشكل الحكم بعدم دلالة صلاته في دار الحرب على الإسلام، نظرا إلى ما ذكرناه من ارتفاع التهمة.

و في المبسوط (4) بعد أن حكى القول عن العامّة قال: «و يقوى في نفسي أنه

____________

(1) في ج 9: 18- 23.

(2) الحاوي الكبير 13: 182، المغني لابن قدامة 10: 95، روضة الطالبين 7: 294.

(3) قواعد الأحكام 2: 275.

(4) المبسوط 7: 290.

33

[الرابعة: قال الشيخ- (رحمه اللّه)- في المبسوط: السّكران يحكم بإسلامه و ارتداده]

الرابعة: قال الشيخ- (رحمه اللّه)- في المبسوط: السّكران (1) يحكم بإسلامه و ارتداده.

و هذا يشكل مع اليقين بزوال تمييزه، و قد رجع في الخلاف.

[الخامسة: كلّ ما يتلفه المرتدّ على المسلم يضمنه]

الخامسة: كلّ ما يتلفه المرتدّ (2) على المسلم يضمنه، في دار الحرب أو دار الإسلام، حالة الحرب و بعد انقضائها. و ليس كذلك الحربيّ.

و ربّما خطر اللزوم في الموضعين، لتساويهما في سبب الغرم.

____________

لا يحكم له بالإسلام بالصلاة في الموضعين». و لا فرق في ذلك بين الكافر الأصلي و المرتدّ.

قوله: «قال الشيخ في المبسوط: السكران. إلخ».

(1) وجه ما اختاره في المبسوط (1) من لحوق حكم الارتداد للسكران التحاقه بالصاحي فيما عليه، كقضاء العبادات، و هذا ممّا عليه، و ادّعى في المبسوط (2) أنه قضيّة المذهب.

و يضعّف بأن العقل شرط التكليف. و وجوب القضاء بأمر جديد، لا من حيث الفوات حال السكر.

و الحقّ ما اختاره في الخلاف (3) من عدم الحكم بارتداده حينئذ، لعدم القصد. و أولى منه عدم الحكم بإسلامه حال السكر إذا كان كافرا قبله، لأن ذلك ممّا له لا ممّا عليه.

و أما الغالط و الساهي و الغافل و النائم فلا حكم لردّته و لا إسلامه إجماعا.

و تقبل دعوى ذلك كلّه. و كذا تقبل دعوى الإكراه مع القرينة كالأسر.

قوله: «كلّ ما يتلفه المرتدّ. إلخ».

(2) لا فرق في المرتدّ هنا بين الملّي و الفطري، و إن كانت الفائدة إنما تظهر في

____________

(1) المبسوط 8: 74.

(2) المبسوط 8: 74.

(3) الخلاف 5: 504 مسألة (5).

34

..........

____________

الملّي ليغرم من ماله، و إلا فالفطري لا مال له. و إنما تظهر فائدة ضمانه في الآخرة إن لم تقبل توبته.

و وجه ضمانه ما أتلفه على المسلم مطلقا: أن له ذمّة، و الإتلاف سبب الضمان.

و نبّه بالتسوية بين حالة الحرب و بعدها على خلاف بعض (1) العامّة، حيث نفى ضمانه لما أتلفه في حالة الحرب كالحربي.

و أما الحربي فأطلق الشيخ (2) عدم ضمانه و إن أسلم، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الإسلام يجبّ ما قبله» (3).

و قيل: يضمن مطلقا، لأنه أتلف مالا معصوما ظلما فيضمن، لأن الكفّار مخاطبون بفروع الإسلام. و هو اختيار العلامة (4).

و اختار ولده (5) التفصيل، فأسقط عنه ضمان ما أتلفه في حال الحرب مع إسلامه، نفسا كان المتلف أم مالا، إذا لم تكن العين موجودة، و ضمّنه في غير الحرب مطلقا، سواء كان ذلك في دار الحرب أم دار الإسلام.

و الأوسط لا يخلو من قوّة، كما أن التفصيل لا يخلو من تحكّم.

____________

(1) الحاوي الكبير 13: 106، تبيين الحقائق 3: 296، بدائع الصنائع 7: 141، المغني لابن قدامة 10: 58، المبسوط للسرخسي 10: 127- 128، حلية العلماء 7: 619، المحلّى 11: 105، روضة الطالبين 7: 275.

(2) المبسوط 7: 267.

(3) مسند أحمد 4: 204، عوالي اللئالي 2: 54 ح 145.

(4) قواعد الأحكام 2: 277، تحرير الأحكام 2: 236.

(5) إيضاح الفوائد 4: 555.

35

[السادسة: إذا جنّ بعد ردّته لم يقتل]

السادسة: إذا جنّ بعد ردّته (1) لم يقتل، لأنّ قتله مشروط بالامتناع عن التوبة، و لا حكم لامتناع المجنون.

[السابعة: إذا تزوّج المرتدّ لم يصحّ]

السابعة: إذا تزوّج المرتدّ لم يصحّ، (2) سواء تزوّج بمسلمة أو كافرة، لتحرّمه بالإسلام المانع من التمسّك بعقد الكافرة، و اتّصافه بالكفر المانع من نكاح المسلمة.

[الثّامنة: لو زوّج بنته المسلمة لم يصحّ]

الثّامنة: لو زوّج بنته المسلمة لم يصحّ، (3) لقصور ولايته عن التسلّط على المسلم. و لو زوّج أمته، ففي صحّة نكاحها تردّد، أشبهه الجواز.

____________

قوله: «إذا جنّ بعد ردّته. إلخ».

(1) هذا التعليل مختصّ بالمرتدّ عن ملّة. فلو كان ارتداده عن فطرة لم يمنع جنونه من القتل حالته، لأن المطلوب إتلافه على كلّ حال.

قوله: «إذا تزوّج المرتدّ لم يصحّ. إلخ.»

(2) هذا التعليل إنما يتمّ في نكاح الكافرة التي لا تباح للمسلم، كالوثنيّة. أما الكتابيّة على القول بجوازها للمسلم مطلقا أو متعة، فإنه لا يقتضي منعه منها، لأن الإسلام لا يمنع من التمسّك بعقدها على هذا الوجه، فأولى أن لا يمنع ما دونه.

و في الدروس (1) علّل المنع من نكاحه بأنه لا يقرّ على دينه. و هو شامل للأمرين. و علّله أيضا بأنه دون المسلمة و فوق الكافرة. و هو مناسب لما ذكره المصنف من التعليل، و يرد عليه ما يرد عليه.

قوله: «لو زوّج بنته المسلمة لم يصحّ. إلخ».

(3) أما انتفاء ولايته على ابنته فلأنه محجور عليه في نفسه، فلا يكون وليّا

____________

(1) الدروس الشرعيّة 2: 55.

36

[التاسعة: كلمة الإسلام أن يقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه]

التاسعة: كلمة الإسلام (1) أن يقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه. و إن قال مع ذلك: و أبرأ من كلّ دين غير الإسلام، كان تأكيدا. و يكفي الاقتصار على الأوّل.

و لو كان مقرّا باللّه سبحانه و بالنبيّ (عليه السلام)، جاحدا عموم نبوّته أو وجوده، احتاج إلى زيادة تدلّ على رجوعه عمّا جحده.

____________

لغيره. و لأنه بكفره لا يصلح وليّا على المسلم، لأنه سبيل (1) له عليها (2)، و هو منفيّ بالآية (3).

و أما ولايته على أمته ففي زوالها قولان: نعم، لما ذكر في ولايته على البنت. و: لا، لقوّة الولاية المالكيّة، و من ثمَّ يملك الكافر المسلم و إن أجبر على بيعه، و يتوقّف صحّة البيع على اختياره، بمعنى أنه لو اختار مشتريا و اختار الحاكم غيره قدّم مختاره، و هذا نوع ولاية. و لأصالة بقائها في موضع الشكّ. و هذا هو الذي اختاره المصنف (رحمه اللّه).

و اختلف كلام العلامة، ففي التحرير (4) استقرب بقاء ولايته عليها، و في القواعد (5) جزم بزوالها. و كذلك الشهيد في الدروس (6). و هو الأقوى، لثبوت الحجر المانع منها مطلقا.

قوله: «كلمة الإسلام. إلخ».

(1) لمّا بيّن أن من أقسام المرتدّ ما تقبل فيه التوبة أشار هنا إلى ما تحصل به،

____________

(1) في «ت، خ، ط»: لا سبيل.

(2) كذا في «ث، خ»، و في سائر النسخ: عليه.

(3) النساء: 141.

(4) تحرير الأحكام 2: 236.

(5) قواعد الأحكام 2: 276.

(6) الدروس الشرعية 2: 55.

37

..........

____________

و هي الشهادتان إن كان كفره بجحدهما، بأن صار وثنيّا.

و لو كان كفره بجحد أحدهما خاصّة، بأن كان مقرّا بالوحدانيّة غير أنه ينكر الرسالة، كفى قوله: إن محمّدا رسول اللّه.

و إن كان من الّذين يقولون: إن محمّدا مبعوث إلى العرب خاصّة، أو يقول:

إن النبيّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) لم يبعث بعد، لم يحكم بإسلامه حتى يقول:

محمّد رسول اللّه إلى كافّة الخلق، و إنه هو المبعوث في وقت كذا بمكّة إلى الكافّة، و نحو ذلك. و لا يشترط البراءة من كلّ دين خالف الإسلام، لأن الإقرار بما يقتضي الإسلام يوجب ذلك. و لو أضافه كان آكد. و قد تقدّم (1) البحث فيه في باب الكفّارات.

و إن كان كفره بجحد فريضة أو تحليل محرّم، لم يكف في إسلامه الشهادتان حتى يرجع عمّا اعتقده، و يعتقد وجوب الفريضة و تحريم المحرّم، و نحوه.

و حيث يتوقّف الإسلام على الشهادتين لا ينحصر في اللفظ المعهود، بل لو قال: لا إله سوى اللّه أو غير اللّه أو ما عدا اللّه، فهو كقوله: لا إله إلّا اللّه. و كذا قوله: أحمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كقوله: محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و لو اقتصر المعطّل على قوله: إن محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، احتمل قويّا الاكتفاء به، لأنه أثبت الرسول و المرسل معا في جملة واحدة.

____________

(1) في ج 10: 40- 41.

38

[تتمّة فيها مسائل]

تتمّة فيها مسائل

[الأولى: الذمّي إذا نقض العهد، و لحق بدار الحرب، فأمان أمواله باق]

الأولى: الذمّي إذا نقض العهد، (1) و لحق بدار الحرب، فأمان أمواله باق. فإن مات، ورثه وارثه الذّمّي و الحربيّ. و إذا انتقل الميراث إلى الحربيّ، زال الأمان عنه.

و أمّا الأولاد الأصاغر، فهم باقون على الذّمّة. و مع بلوغهم، يخيّرون بين عقد الذّمّة لهم بأداء الجزية، و بين الانصراف إلى مأمنهم.

____________

قوله: «الذمّي إذا نقض العهد. إلخ».

(1) هذا الحكم ذكره المصنف و غيره من الأصحاب، و كأنّه موضع وفاق. و إنما كان أمان ماله باقيا، مع أنه تابع له في الحلّ و الحرمة، حيث عقد الأمان لكلّ منهما على حدته، و لم يحصل في المال ما يوجب نقض العهد، بل فيه نفسه.

ثمَّ مع موته أو قتله ينتقل إلى وارثه، فإن كان ماله محترما كالمسلم و الذمّي تبعه. و إن كان حربيّا زال الأمان عنه بحكم الملك لمن لا حرمة له.

ثمَّ إن مات الناقض للعهد أو قتل بغير حرب فماله المنتقل إلى الحربيّ للإمام، لأنه لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، فيكون من جملة الفيء المختصّ به.

و إن قتل في الحرب فالحكم كذلك عند الشيخ (1) و الأكثر. و قال ابن الجنيد (2): يكون ماله للمقاتلة، لأنه من جملة مغنوماته. و هو ممنوع.

و القول في ولده الأصاغر الذين في دار الإسلام كالمال، في بقاء الذمام

____________

(1) المبسوط 2: 15- 16.

(2) حكاه عنه العلامة في المختلف (الطبعة الحديثة) 4: 400.

39

[الثانية: إذا قتل المرتدّ مسلما عمدا، فللوليّ قتله قودا]

الثانية: إذا قتل المرتدّ مسلما (1) عمدا، فللوليّ قتله قودا، و يسقط قتل الردّة. و لو عفا الوليّ، قتل بالردّة.

و لو قتل خطأ، كانت الدّية في ماله مخففة مؤجّلة، لأنّه لا عاقلة له على تردّد. و لو قتل أو مات حلّت كما تحلّ الأموال المؤجّلة.

____________

لهم. فإذا بلغوا جدّد معهم حكم الكافر المكلّف، فإن التزموا بالذمّة، و إلا ردّوا إلى مأمنهم، لاستقرارهم في دار الإسلام بالأمان الواقع من مورّثهم.

قوله: «إذا قتل المرتدّ مسلما. إلخ».

(1) إطلاق المرتدّ في الحكم المذكور يشمل الملّي و الفطري. و الحكم على قتله عمدا يتمّ فيهما، لأن قتله على تقدير فطريّته متعيّن للردّة، و هو حقّ اللّه تعالى، فإذا استحقّ القتل قصاصا قدّم حقّ الآدمي. و كذا على تقدير كونه ملّيا و قد امتنع من التوبة.

و أما ثبوت الدية في ماله فيتمّ في الملّي، لأن ماله لا ينتقل عنه إلى أن يقتل، فتقدّم الدية على الوارث (1)، كغيرها من الديون اللازمة له.

و أما في الفطري فيشكل، من حيث انتقال ماله عنه بمجرّد الردّة، و عدم قبوله للتملّك بعد ذلك.

و في القواعد (2) صرّح بكون الحكم في الفطري. و هو أقوى إشكالا.

و فرض بعضهم له المال المتجدّد، بكونه قد نصب شبكة قبل الردّة فأمسكت بعدها. و يمكن فرضه على القول بملكه لما يكتسبه حالتها، فإن فيه خلافا.

و معنى كون الدية في ماله مخفّفة في السنّ و الاستيفاء، كما يأتي (3) بيانه في بابه.

____________

(1) في «د»: الإرث.

(2) قواعد الأحكام 2: 275.

(3) في ص: 319.

40

[الثالثة: إذا تاب المرتدّ، فقتله من يعتقد بقاءه على الردّة]

الثالثة: إذا تاب المرتدّ، فقتله (1) من يعتقد بقاءه على الردّة، قال الشيخ: يثبت القود، لتحقّق قتل المسلم ظلما، و لأنّ الظاهر أنه لا يطلق الارتداد بعد توبته. و في القصاص تردّد، لعدم القصد إلى قتل المسلم.

____________

و التردّد المذكور في ثبوت الدية في ماله دون عاقلته، من حيث إنه كافر فلا يعقله المسلم، و من تحرّمه بالإسلام، و عدم زوال أثره عنه بالكلّية، و أن ميراثه لهم فيكون العقل عليهم.

و على القول بثبوتها عليه مؤجّلة فلا إشكال في حلولها بموته، كغيرها من الديون المؤجّلة.

قوله: «إذا تاب المرتدّ فقتله. إلخ».

(1) وجه ما اختاره الشيخ (1) من ثبوت القود عموم الأدلّة (2) الدالّة على أن قتل المسلم ظلما يوجبه، كقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ (3) و النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (4). و قوله (عليه السلام): «من قتل مؤمنا متعمّدا قيد به» (5). و هو متحقّق في صورة النزاع. و لأن الظاهر من حاله أنه لا يطلق إذا قبضه السلطان إلا بعد إسلامه، و إلا لقتله، فكان القصد إلى قتل المكافئ متحقّقا.

و وجه العدم: عدم القصد إلى قتله على الحالة المحرّمة، و إن قصد مطلق القتل. و أن القصاص حدّ، لتحقّق معناه فيه، و الظنّ شبهة، فيدرأ بها. و هذا أقوى. و حينئذ فتجب الدية في ماله مغلّظة، لأنه شبيه عمد.

____________

(1) المبسوط 8: 72، الخلاف 5: 503 مسألة (3).

(2) الوسائل 19: 37 ب «19» من أبواب قصاص النفس.

(3) البقرة: 178.

(4) المائدة: 45.

(5) التهذيب 10: 159 ح 638، الاستبصار 4: 261 ح 980، الوسائل 19: 37 ب «19» من أبواب قصاص النفس ح 3.

41

[الباب الثاني في: إتيان البهائم، و وطي الأموات، و ما يتبعه]

الباب الثاني في: إتيان البهائم، و وطي الأموات، (1) و ما يتبعه

[إذا وطئ البالغ العاقل، بهيمة]

إذا وطئ البالغ العاقل، بهيمة مأكولة اللّحم، كالشاة و البقرة، تعلّق بوطئها أحكام تعزير الواطئ، و إغرامه ثمنها إن لم تكن له، و تحريم الموطوءة، و وجوب ذبحها و إحراقها.

أمّا التعزير فتقديره إلى الإمام. و في رواية: يضرب خمسة و عشرين سوطا. و في أخرى: يقتل. و المشهور: الأوّل.

و أمّا التّحريم: فيتناول لحمها و لبنها و نسلها، تبعا لتحريمها. و الذّبح إمّا تلقّيا، أو لما لا يؤمن من شياع نسلها و تعذّر اجتنابه. و إحراقها لئلّا تشتبه بعد ذبحها بالمحلّلة.

و إن كان الأمر الأهمّ فيها ظهرها لا لحمها، كالخيل و البغال و الحمير، لم تذبح، و أغرم الواطئ ثمنها لصاحبها. و أخرجت من بلد الواقعة، و بيعت في غيره، إمّا عبادة، لا لعلّة مفهومة لنا، أو لئلّا يعيّر بها صاحبها.

____________

قوله: «في إتيان البهائم و وطي الأموات. إلخ».

(1) تقييد الحكم بوطي البالغ العاقل يدلّ على أن وطي الصبيّ و المجنون لا يوجب ذلك. و هو ظاهر في ثبوت المجموع، لأن من جملته التعزير أو الحدّ، و هما منتفيان عنهما، و إن ثبت عليهما التأديب، و قد يطلق عليه التعزير أيضا.

و إنما خصّ الحكم بالمكلّف لأنه في النصوص (1) معلّق على الرجل، و هو

____________

(1) الوسائل 18: 570 ب «1» من أبواب نكاح البهائم.

42

..........

____________

يقتضي البلوغ. و يبقى الحكم في اعتبار العقل مستفادا من وجوب الحدّ أو التعزير كما ذكرناه، و لرفع القلم عنه، فلا يترتّب على فعله أثر. لكن قد تقدّم (1) أن التحريم متعلّق بوطي الإنسان، الشامل للصغير و الكبير و العاقل و المجنون.

و المستند أيضا عامّ، و هو قول الصادق (عليه السلام): «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن البهيمة تنكح؟ قال: حرام لحمها و لبنها» (2). و يترتّب على تحريمها وجوب إتلافها لئلّا تشتبه، كما هو الحكمة (3) فيه.

إذا تقرّر ذلك، فالواجب عليه من التعزير موكول إلى نظر الحاكم، كغيره من التعزيرات التي لا تقدير لها شرعا. هذا هو المشهور بين الأصحاب. و يدلّ عليه رواية الفضيل و ربعي بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل يقع على البهيمة، قال: ليس عليه حدّ، و لكن يضرب تعزيرا» (4).

و الرواية بتقديره بخمسة و عشرين سوطا رواها عبد اللّه بن سنان في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و إسحاق بن عمّار في الموثّق عن الكاظم (عليه السلام)، و الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السلام): «في الرجل يأتي البهيمة، فقالوا جميعا: إن كانت البهيمة للفاعل ذبحت، فإذا ماتت أحرقت بالنار، و لم ينتفع بها، و ضرب هو خمسة و عشرين سوطا ربع حدّ

____________

(1) في ج 12: 30- 31.

(2) الكافي 6: 259 ح 1، التهذيب 9: 47 ح 196، الوسائل 16: 359 ب «30» من كتاب الأطعمة و الأشربة ح 3.

(3) في «خ، د، ط، م»: الحكم.

(4) التهذيب 10: 61 ح 222، الاستبصار 4: 223 ح 835، الوسائل 18: 571 ب «1» من أبواب نكاح البهائم ح 5.

43

..........

____________

الزاني، و إن لم تكن البهيمة له قوّمت و أخذ ثمنها منه و دفع إلى صاحبها، و ذبحت و أحرقت بالنار و لم ينتفع بها، و ضرب خمسة و عشرين سوطا. فقلت: و ما ذنب البهيمة؟ قال: لا ذنب لها، و لكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فعل هذا و أمر به، لكيلا يجترئ الناس بالبهائم و ينقطع النسل» (1).

و الرواية بثبوت الحدّ كملا رواها أبو بصير في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل أتى بهيمة فأولج، قال: عليه الحدّ» (2). و في رواية أخرى له صحيحة عنه (عليه السلام) في الذي يأتي البهيمة: «قال: عليه حدّ الزاني» (3). و مثله روي عن أبي جعفر (4) (عليه السلام).

و الرواية بالقتل رواها جميل بن درّاج في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل أتى بهيمة، قال: يقتل» (5).

و الشيخ- (رحمه اللّه)- في كتابي (6) الأخبار جمع بين الأخبار بأمرين:

أحدهما: أن ما كان دون الإيلاج فيه التعزير، و مع الإيلاج حدّ الزاني.

و الثاني: أن يكون القتل محمولا على من تكرّر منه الفعل و أقيم عليه الحدّ،

____________

(1) الكافي 7: 204 ح 3، التهذيب 10: 60 ح 218، الاستبصار 4: 222 ح 831، الوسائل 18: 570 ب «1» من أبواب نكاح البهائم ح 1.

(2) الكافي 7: 204 ح 4، التهذيب 10: 61 ح 224، الاستبصار 4: 224 ح 837، الوسائل 18: 572 الباب المتقدّم ح 8.

(3) التهذيب 10: 61 ح 225، الاستبصار 4: 224 ح 838، الوسائل 18: 572 الباب المتقدّم ذيل ح 8.

(4) التهذيب 10: 62 ح 227، الاستبصار 4: 224 ح 840، الوسائل 18: 572 الباب المتقدّم ح 9.

(5) التهذيب 10: 61 ح 223، الاستبصار 4: 224 ح 836، الوسائل 18: 572 الباب المتقدّم ح 6.

(6) التهذيب 10: 62 ذيل ح 227، الاستبصار 4: 224 ذيل ح 840.

44

و ما الذي يصنع بثمنها؟ (1) قال بعض الأصحاب: يتصدّق به. و لم أعرف المستند. و قال آخرون: يعاد على المغترم، و إن كان الواطئ هو المالك دفع إليه. و هو أشبه.

____________

فيقتل في الثالثة أو الرابعة، كما تقدّم (1) في أصحاب الكبائر، و هذا منهم.

قوله: «و ما الذي يصنع بثمنها؟. إلخ».

(1) القول بوجوب الصدقة به للمفيد (2) (رحمه اللّه). و لا سند له من النصّ. و علّل بأنه عقوبة على الجناية، فلا يناسبها عوده إلى المالك. و التعليل بذلك ممنوع، بل الظاهر من النصوص (3) خلافه، و أن بيعها في غير البلد كيلا تعرف فلا يعيّر بها الفاعل، و العقوبة تحصل بالحدّ أو التعزير.

و الأظهر عوده إلى الغارم أو المالك، لأصالة بقاء الملك على مالكه، و البراءة من وجوب الصدقة.

ثمَّ على تقدير كون الدابّة لغير الفاعل، و كان الثمن الذي بيعت به بقدر ما غرمه للمالك أو أنقص، فلا شيء له سواه. و إن كان أزيد ففي كون الزائد للغارم، نظرا إلى كون المدفوع منه وقع على وجه المعاوضة و إن كانت قهريّة، أو للمالك، التفاتا إلى أن ذلك لمكان الحيلولة لا معاوضة حقيقة، أو الصدقة به، أوجه أجودها الأول.

____________

(1) في ج 14: 371، 410، 448، 465.

(2) المقنعة: 790.

(3) الكافي 7: 204 ح 1، الفقيه 4: 33 ح 99، التهذيب 10: 61 ح 220، الاستبصار 4: 223 ح 833، الوسائل 18: 571 ب «1» من أبواب نكاح البهائم ح 4.

45

و يثبت هذا: بشهادة رجلين عدلين، (1) و لا يثبت بشهادة النساء، انفردن أو انضممن، و بالإقرار و لو مرّة إن كانت الدابّة له، و إلا ثبت التعزير حسب، و إن تكرّر الإقرار.

و قيل: لا يثبت إلّا بالإقرار مرّتين. و هو غلط.

و لو تكرّر مع تخلّل التعزير (2) ثلاثا، قتل في الرابعة.

[و وطي الميتة من بنات آدم، كوطي الحيّة]

و وطي الميتة من بنات آدم، كوطي الحيّة في تعلّق الإثم و الحدّ، و اعتبار الإحصان و عدمه. و هنا الجناية أفحش، فتغلّظ العقوبة زيادة

____________

قوله: «و يثبت هذا بشهادة رجلين عدلين. إلخ».

(1) القول بتوقّف ثبوت الحدّ أو التعزير على الإقرار مرّتين ظاهر ابن إدريس (1)، إلحاقا له بنظائره من الحدود المتوقّفة على الإقرار مرّتين.

و المصنف- (رحمه اللّه)- غلّطه في ذلك، من حيث إن الأصل في الإقرار أن يثبت موجبه بالمرّة، لعموم: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (2) إلا ما خرج بنصّ خاصّ، و هو منفيّ هنا.

و حيث يثبت بالإقرار مرّة أو أزيد لا يثبت به إلا ما يتعلّق بالمقرّ، و هو التعزير. أما التحريم و البيع على المالك فلا يثبت بالإقرار مرّة، لأنه متعلّق بحقّ الغير. نعم، لو كانت الدابّة للمقرّ يثبت بالإقرار جميع الأحكام المذكورة، لوجود المقتضي للنفوذ، و هو كونه إقرارا في حقّ نفسه.

قوله: «و لو تكرّر مع تخلّل التعزير. إلخ».

(2) بناء على قتل الزاني و غيره في الرابعة. و على القول بقتله في الثالثة يقتل

____________

(1) السرائر 3: 470.

(2) راجع الوسائل 16: 111 ب «2» من كتاب الإقرار ح 2، المستدرك 16: 31 ب «2» من كتاب الإقرار ح 1، عوالي اللئالي 3: 442 ح 5. و راجع أيضا المختلف: 443، التذكرة 2: 79، إيضاح الفوائد 2: 428، جامع المقاصد 5: 233، فهناك بحث في كون هذه الجملة رواية.

46

عن الحدّ، بما يراه الإمام.

و لو كانت زوجته، اقتصر في التأديب على التعزير، و سقط الحدّ بالشبهة.

و في عدد الحجّة على ثبوته (1) خلاف. قال بعض الأصحاب: يثبت بشاهدين، لأنّه شهادة على فعل واحد، بخلاف الزّنا بالحيّة.

و قال بعض [الأصحاب]: لا يثبت إلا بأربعة، لأنّه زنا، و لأنّ شهادة الواحد قذف، فلا يندفع الحدّ إلا بتكملة الأربعة. و هو أشبه.

أمّا الإقرار فتابع للشهادة، فمن اعتبر في الشهود أربعة، اعتبر في الإقرار مثله، و من اقتصر على شاهدين، قال في الإقرار كذلك.

____________

هنا فيها أيضا. و قد تقدّم (1) الكلام فيه مرارا.

قوله: «و في عدد الحجّة على ثبوته. إلخ.»

(1) القائل بالاكتفاء بشاهدين في الزنا بالميتة الشيخان (2) (رحمهما اللّه)، و يتبعه الإقرار مرّتين، فارقين بينه و بين الزنا بالحيّ بما أشار إليه المصنف من الفرق، بأنها شهادة على واحد، بخلاف الشهادة على الحيّ، فإنها شهادة على اثنين.

و قيل (3): تعتبر الأربعة، لأنه زنا في الجملة، فيتناوله عموم الأدلّة (4) الدالّة على توقّف ثبوت الزنا على الأربعة. و الوارد في النصوص (5) اعتبار الأربعة فيه

____________

(1) في ج 14: 371، 410، 448، 465.

(2) المقنعة: 790، النهاية: 708.

(3) السرائر 3: 468.

(4) الوسائل 18: 371 ب «12» من أبواب حدّ الزنا.

(5) الوسائل 18: 371 ب «12» من أبواب حدّ الزنا.

47

[مسألتان]

مسألتان:

[الأولى: من لاط بميّت، كان كمن لاط بالحيّ]

الأولى: من لاط بميّت، (1) كان كمن لاط بالحيّ، و يعزّر تغليظا.

____________

من غير تعليل، بل في بعضها ما ينافي تعليله بذلك، كما أشرنا إليه سابقا (1).

و لانتقاضه بالزنا الإكراهي و بالمجنونة، فإنه شهادة على واحد، بمعنى إثبات الحدّ عليه خاصّة كالزاني بالميتة، مع اشتراطه بالأربعة. و هذا أيضا لا يوافق التعليل.

و أما تعليله اعتبار الأربعة بأن شهادة الواحد قذف، و هو يوجب الحدّ إلى أن يأتي بأربعة شهداء، كما دلّت عليه الآية (2).

ففيه: منع كون شهادة الشاهد [الواحد] (3) بالزنا قذفا مطلقا، بل مع عدم كمال العدد المعتبر، و العدد محلّ النزاع. و دفع حدّ القذف بالإتيان بالأربعة في الآية (4) ورد في قذف الزوج للحيّة، فلا يلزم مثله في غيرها.

و أما الخلاف في اعتبار الإقرار أربعا أو الاكتفاء بمرّتين، فمترتّب على الخلاف في عدد الشهود، فمن قال باعتبار الأربعة اعتبر الإقرار أربعا، نظرا إلى عموم الأدلّة (5)، و من اكتفى باثنين اكتفى بالإقرار مرّتين، نظرا إلى توقّف الحدود على المرّتين في غير ما وقع النصّ على خلافه، كما عهد (6) غير مرّة.

قوله: «من لاط بميّت. إلخ».

(1) و ذلك لأنه لواط في الجملة فيتناوله أدلّته و أحكامه، مع زيادة فحشه

____________

(1) راجع ج 14: 246.

(2) النور: 4.

(3) من «أ».

(4) النور: 13.

(5) الوسائل 18: 377 ب «16» من أبواب حدّ الزنا.

(6) راجع ج 14: 462 و 513.

48

[الثانية: من استمنى بيده عزّر]

الثانية: من استمنى بيده (1) عزّر، و تقديره منوط بنظر الإمام.

و في رواية: أنّ عليّا (عليه السلام) ضرب يده حتى احمرّت، و زوّجه من بيت المال. و هو تدبير استصلحه، لا أنّه من اللّوازم.

____________

و تحريمه بالموت، فيزاد في الحدّ- حيث لا يكون المطلوب قتله- بما يراه الحاكم.

و قول المصنف- (رحمه اللّه)-: «و يعزّر تغليظا» يشمل ما إذا أريد قتله، فيقدّم عليه التعزير كما يقدّم الجلد على الرجم.

قوله: «من استمنى بيده. إلخ».

(1) الاستمناء باليد و غيرها من أعضاء المستمني و غيره- عدا الزوجة و الأمة- محرّم تحريما مؤكّدا. قال اللّه تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ (1) إلى قوله فَمَنِ ابْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ (2). و هذا الفعل ممّا وراء ذلك. و عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) «لعن الناكح كفّه» (3).

و مقتضى التحريم حيث لا نصّ على تحديد العقوبة أن يرجع فيها إلى نظر الحاكم.

و الرواية التي أشار إليها المصنف- (رحمه اللّه)- رواها طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي برجل عبث بذكره، فضرب يده حتى احمرّت، ثمَّ زوّجه من بيت المال» (4). و قريب منها رواية (5)

____________

(1) المؤمنون: 5.

(2) المؤمنون: 7.

(3) عوالي اللئالي 1: 260 ح 38.

(4) الكافي 7: 265 ح 25، التهذيب 10: 63 ح 232، الاستبصار 4: 226 ح 445، الوسائل 18:

574 ب «3» من أبواب نكاح البهائم ح 1.

(5) التهذيب 10: 64 ح 233، الاستبصار 4: 226 ح 846، الوسائل 18: 575 الباب المتقدّم ح 2.

49

و يثبت: بشهادة عدلين، (1) أو الإقرار و لو مرّة. و قيل: لا يثبت بالمرّة. و هو وهم.

[الباب الثالث في الدّفاع]

الباب الثالث في الدّفاع للإنسان أن يدفع عن نفسه (2) و حريمه و ماله ما استطاع. و يجب اعتماد الأسهل.

فلو اندفع الخصم بالصّياح، اقتصر عليه، إن كان في موضع يلحقه المنجد. و إن لم يندفع عوّل على اليد، فإن لم تغن فبالعصا، فإن لم تكف فبالسلاح.

و يذهب دم المدفوع هدرا، جرحا كان أو قتلا. و يستوي في ذلك الحرّ و العبد.

____________

زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام).

و هما مع ضعف السند محمولتان على أنه (عليه السلام) رأى ذلك صلاحا، لا أنه أمر متعيّن لغيره، لعدم وجود ما يدلّ على التعيين.

قوله: «و يثبت بشهادة عدلين. إلخ».

(1) القائل بعدم ثبوته بالمرّة ابن إدريس (1) في ظاهر كلامه، حيث أطلق ثبوته بالإقرار مرّتين، و من ثمَّ لم يكن صريحا في ذلك. لكن المصنف- (رحمه اللّه)- بنى على ما ظهر من مفهوم كلامه و نسبه إلى الوهم، لعدم وجود ما يدلّ على اعتبار التعدّد، مع عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» الصادق بالمرّة.

قوله: «للإنسان أن يدفع عن نفسه. إلخ».

(2) لا إشكال في أصل الجواز مع القدرة و عدم لحوق ضرر. و قد روي عن

____________

(1) السرائر 3: 471.

50

و لو قتل الدافع، (1) كان كالشهيد. و لا يبدؤه ما لم يتحقّق قصده إليه.

____________

عليّ (عليه السلام) أنه أتاه رجل فقال: «يا أمير المؤمنين إن لصّا دخل على امرأتي فسرق حليّها، فقال عليّ (عليه السلام): أما إنه لو دخل على ابن صفيّة ما رضي بذلك حتى عمّمه بالسيف» (1).

و عن الباقر (عليه السلام): «إن اللّه ليمقت العبد يدخل عليه في بيته فلا يقاتل» (2).

و عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه أنه قال: «إذا دخل عليك رجل يريد أهلك و مالك فابدره بالضربة إن استطعت، فإن اللّصّ محارب للّه و لرسوله، فما تبعك منه شيء فهو عليّ» (3).

و الأقوى وجوب الدفع عن النفس و الحريم مع الإمكان، و لا يجوز الاستسلام. فإن عجز و رجا السلامة بالكفّ أو الهرب وجب.

إما المدافعة عن المال، فإن كان مضطرّا إليه و غلب على ظنّه السلامة وجب، و إلا فلا.

قوله: «و لو قتل الدافع. إلخ».

(1) إنما جعله كالشهيد و لم يجعله شهيدا مطلقا، لأن أحكام الشهيد من ترك

____________

(1) التهذيب 6: 157 ح 278، الكافي 5: 51 ح 3، الوسائل 11: 91 ب «46» من أبواب جهاد العدوّ ح 1.

(2) الكافي 5: 51 ح 2 و فيه: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، التهذيب 6: 157 ح 280، الوسائل 11: 91 الباب المتقدّم ح 2.

(3) التهذيب 6: 157 ح 279، الوسائل 11: 91 الباب المتقدّم ح 3.

51

و له دفعه ما دام (1) مقبلا، و يتعيّن الكفّ مع إدباره.

و لو ضربه فعطّله لم يذفّف عليه، لاندفاع ضرره. و لو ضربه مقبلا، فقطع يده، فلا ضمان على الضارب في الجرح، و لا في السراية.

و لو ولّى فضربه أخرى، فالثانية مضمونة. فإن اندملت فالقصاص في الثانية. و لو اندملت الأولى، و سرت الثانية، ثبت القصاص في النفس. و لو سرتا، فالذي يقتضيه المذهب، ثبوت القصاص بعد ردّ نصف الدّية.

____________

غسله و تكفينه لا يلحق إلا من قتل في جهاد بين يدي إمام عادل، كما سبق (1) في محلّه، أما من قتل دون ماله و نحوه فهو كالشهيد في الثواب لا في باقي الأحكام.

و قد روي عن الصادق (عليه السلام) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «من قتل دون عقال فهو شهيد» (2). و المراد به ذلك، جمعا بين الأخبار.

قوله: «و له دفعه ما دام. إلخ».

(1) إذا ضربه مقبلا دفعا له فلا ضمان، كما علم من الأخبار السابقة. و أما إذا ولّى عنه مدبرا لم يكن له ضربه، لأن الضرب إنما يكون على وجه الدفع، فإذا ولّى فقد زال ذلك. فإن فعل حينئذ كان ضامنا لما يجنيه.

ثمَّ إن سرت الضربة الأولى إلى نفسه فلا ضمان، لأنها سراية جرح مباح.

و إن سرت الثانية خاصّة ضمنه.

و إن سرتا معا إلى النفس، قال الشيخ في المبسوط (3): لا قصاص في

____________

(1) راجع ج 1: 82.

(2) التهذيب 6: 157 ح 282 و فيه: دون عياله، الوسائل 11: 91 ب «46» من أبواب جهاد العدوّ ح 5.

(3) المبسوط 8: 75- 76.

52

و لو قطع يده مقبلا، (1) و رجله مدبرا، ثمَّ يده مقبلا، ثمَّ سرى الجميع، قال في المبسوط: عليه ثلث الدّية إن تراضيا [بالدية]. و إن أراد الوليّ القصاص، جاز بعد ردّ ثلثي الدّية.

أمّا لو قطع يده، ثمَّ رجله مقبلا، و يده الأخرى مدبرا، و سرى الجميع، فإن توافقا على الدّية فنصف الدّية، و إن طلب القصاص ردّ نصف الدّية.

و الفرق: أنّ الجرحين هنا تواليا، فجريا مجرى الجرح الواحد، و ليس كذلك في الأولى.

و في الفرق عندي ضعف. و الأقرب أنّ الأولى كالثّانية، لأنّ جناية الطرف يسقط اعتبارها مع السراية، كما لو قطع يده و آخر رجله، ثمَّ قطع الأوّل يده الأخرى، فمع السراية هما سواء في القصاص و الدّية.

____________

النفس، لكن يجب القصاص في اليد- و عنى به: لو كانت الثانية يدا- أو نصف دية النفس.

و إلى ردّه أشار المصنف- (رحمه اللّه)- بقوله: «فالذي يقتضيه المذهب ثبوت القصاص بعد ردّ نصف الدية». و إنما كان ذلك مقتضى المذهب لما سيأتي (1) إن شاء اللّه تعالى من أن المقتول عمدا بسببين أحدهما من العامد و الآخر غير مضمون عليه، يجوز الاقتصاص منه بعد أن يردّ عليه ما قابل الجناية الأخرى، و هو نصف الدية، فليكن هنا كذلك. و هذا هو الحقّ، و به قطع المتأخّرون (2) من غير التفات إلى خلاف الشيخ.

قوله: «و لو قطع يده مقبلا. إلخ».

(1) إذا حصلت السراية من ثلاث ضربات أحدها مضمون، فإن توالت

____________

(1) في ص: 82.

(2) قواعد الأحكام 2: 273.

53

..........

____________

الضربتان الجائزتان فلا إشكال في أن الثابت نصف الدية، أو المردود على تقدير إرادة الوليّ القصاص، لأنه مات بسببين أحدهما مضمون و الآخر غير مضمون، و لا نظر إلى زيادة أحد السببين على الآخر. و قد وافق الشيخ- (رحمه اللّه)- على ذلك.

و أما إذا تفرّقت الضربات الجائزة، كما لو قطع يده مقبلا ثمَّ رجله مدبرا ثمَّ يده الأخرى مقبلا، فقد قال الشيخ في المبسوط (1): إنه مع موته بذلك يكون على القاتل ثلث الدية، فارقا بين الصورتين: بأن القطعين المباحين (2) لمّا تواليا صارا كالقطع الواحد، فلم يضمن، بخلاف ما إذا تفرّقا، فإن الأوّل لمّا كان موصوفا بالإباحة و الثاني بالتحريم و الثالث كالأول، فقد حصل بين القطعين ما ليس من جنسه، فلم بين أحدهما على الآخر، و جعل الجميع بمنزلة ثلاثة أسباب، فتوزّع عليها الدية.

و المصنف- (رحمه اللّه)- استضعف هذا الفرق، و اختار أن عليه النصف، و تبعه المتأخّرون (3)، محتجّا بأن جناية الطرف يسقط اعتبارها مع السراية إلى النفس، كما لو تخلّل بين جرحي عاد جرح عاد آخر، فإنه مع السراية يتساويان دية و قصاصا، و الشيخ وافق على هذا.

و ربما فرّق (4) بين هذا و بين المتنازع: بأن المجانسة هنا حاصلة، إذ

____________

(1) المبسوط 8: 76.

(2) كذا في الحجريّتين و نسخة بدل «خ»، و لعلّه الصحيح، و في سائر النسخ الخطّية: المتأخّرين.

(3) قواعد الأحكام 2: 273، الدروس الشرعيّة 2: 59.

(4) انظر غاية المراد: 355.

54

[مسائل من هذا الباب]

مسائل من هذا الباب:

[الأولى: لو وجد مع زوجته أو مملوكته أو غلامه، من ينال دون الجماع]

الأولى: لو وجد مع زوجته (1) أو مملوكته أو غلامه، من ينال دون الجماع، فله دفعه. فإن أتى الدّفع عليه فهو هدر.

____________

الجراحات الثلاث [غير] (1) مضمونة، بخلاف المتنازع، فإن ثانيها خاصّة مضمون، فلا يمكن البناء.

و ردّ (2) بأن الجرح الثاني بالنسبة إلى الجارح الأول غير مضمون، و قد تخلّل بين الجرحين المضمونين عليه جرح غير مضمون عليه، فلم يكن مجانسا لذلك، فإذا لم يمنع هذا من البناء فكذا الآخر. و مختار المصنف- (رحمه اللّه)- هو الأقوى.

قوله: «لو وجد مع زوجته. إلخ».

(1) لأن ذلك من جملة الدفاع الجائز أو الواجب عن العرض. و في حكمهم الدفاع عن الولد. و يحتمل إلحاق جميع المحارم.

و احترز بقوله: «من ينال دون الجماع» عمّا لو بلغ حدّه، فإن له حينئذ قتل الزاني بالزوجة كما مرّ (3). و في إلحاق المملوكة و الغلام بها وجه.

و الحكم بكون المدفوع هدرا فيما بينه و بين اللّه تعالى. و أما في الظاهر، فإن أقام البيّنة على ذلك فلا شيء عليه، و إلا فالقول قول وليّ المقتول إنه لا يعلم بكون ذلك منه، و له القود أو الدية. و قد تقدّم (4) مثله.

____________

(1) من «أ، ث، خ» و الحجريّتين، و لم ترد في «ت، د، ط، م»، و هي مخلّة بالمعنى، و الظاهر أنها من زيادة النسّاخ.

(2) انظر غاية المراد: 355.

(3) في ج 14: 397.

(4) في ج 14: 397.