معالم الدين و ملاذ المجتهدين (قسم الفقه) - ج2

- جمال الدين الحسن بن زين الدين العاملي المزيد...
495 /
435

[تتمة القسم الأوّل في العبادات]

[تتمة الكتاب الأوّل في الصلاة]

[تتمة الباب الأوّل في مقدّماتها]

[تتمة المقصد الأوّل في الطهارة]

المطلب الثاني في الطهارة من النجاسات و ما يتعلّق بها

و فيه فصول

436

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

437

الفصل الأوّل في أصناف النجاسات

438

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

439

الفصل الأوّل في أصناف النجاسات

مسألة [1]: بول الآدميّ و غائطه نجسان، و على ذلك إجماع علماء الإسلام.

حكاه المحقّق و الفاضل (1)، لكنّهما استثنيا منه بعض العامّة فحكيا عنه القول بطهارة بول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أمر هذا الاستثناء سهل.

و النصوص الواردة عن الأئمّة (عليهم السلام) بغسل البول عن الثوب و البدن كثيرة:

فمنها: صحيح محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن البول يصيب الثوب؟ فقال: اغسله مرّتين» (2).

و صحيح ابن أبي يعفور، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البول يصيب الثوب؟ قال: اغسله مرّتين» (3).

و منها رواية الحسين أبي العلاء قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين، فإنّما هو ماء. و سألته عن الثوب

____________

(1) المعتبر 1: 410، و نهاية الإحكام 1: 265.

(2) تهذيب الأحكام 1: 251، الحديث 721.

(3) تهذيب الأحكام 1: 251، الحديث 722.

440

يصيبه البول؟ قال: اغسله مرّتين» (1). الحديث.

و حسنة الحلبي، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الصبيّ قال: تصبّ عليه الماء، فإن كان قد أكل فاغسله غسلا» (2). الحديث.

و رواية أبي إسحاق النحوي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين» (3).

و رواية الحسن بن زياد قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يبول فيصيب بعض فخذه نكتة من بوله فيصلّي ثمّ يذكر بعد أنّه لم يغسله؟ قال:

يغسله و يعيد صلاته» (4).

و رواية محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله في المركن مرّتين، فإن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة» (5).

و هذه الرواية تعدّ في الصحيح، لكن في طريقها السنديّ بن محمّد، و لم استثبت عدالته إذ لم يوثّقه غير النجاشي (6)، و تبعه العلّامة في الخلاصة (7).

و قد تكرّر القول في مثله بل سبق الكلام على هذا السند بخصوصه.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 249، الحديث 714.

(2) تهذيب الأحكام 1: 249، الحديث 715.

(3) تهذيب الأحكام 1: 249، الحديث 716.

(4) تهذيب الأحكام 1: 269، الحديث 789.

(5) تهذيب الأحكام 1: 250، الحديث 717.

(6) رجال النجاشي: 187، الرقم 397، راجع الصفحة 213، البحث الرابع في المستعمل، الفرع الرابع من المسألة الأولى.

(7) خلاصة الأقوال: 82.

441

و أمّا الغائط فيدلّ على حكمه من جهة النصّ أخبار الاستنجاء و سيأتي في بابها.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنّور أو كلب أ يعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعد» (1).

و مفهوم الشرط وجوب الإعادة مع العلم و هو دليل النجاسة.

و في الصحيح عن موسى بن القاسم عن عليّ بن محمّد قال: «سألته عن الفأرة و الدجاجة و الحمام و أشباههما تطأ العذرة ثمّ تطأ الثوب أ يغسل؟ قال:

إن كان استبان من أثره شيء فاغسله. و إلّا فلا بأس» (2).

إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ جمهور الأصحاب لم يفرّقوا في حكم البول بالنظر إلى أصل التنجيس بين الصغير و الكبير.

و خالف في ذلك ابن الجنيد فحكم بطهارة بول غير البالغ ما لم يأكل اللحم بشرط أن يكون ذكرا (3). و احتجّ له برواية السكوني (4) عن جعفر عن أبيه، أنّ عليّا (عليه السلام) قال: «لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم؛ لأنّ لبنها يخرج من مثانة امّها، و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب، و لا بوله قبل أن يطعم لأنّ لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين» (5).

____________

(1) الاستبصار 1: 180، الحديث 630.

(2) تهذيب الأحكام 1: 424، الحديث 1347.

(3) راجع مختلف الشيعة 1: 459.

(4) في «ج»: برواية الكوفي عن جعفر.

(5) تهذيب الأحكام 1: 250، الحديث 718.

442

و هذه الرواية مع ضعف سندها غير دالّة على مدّعاه كما لا يخفى.

و الأصحاب معترفون بما دلّت عليه من عدم وجوب الغسل من بول الرضيع و يوجبون التطهير منه بصبّ الماء، كما ورد في حسنة الحلبي (1)، فعلم أنّ نفي وجوب الغسل لا يصلح دليلا على عدم التنجيس.

مسألة [2]: و في حكم بول الآدميّ و غائطه بول ما لا يؤكل لحمه ممّا له نفس سائلة و روثه.

و قد حكى فيه الفاضلان إجماع علماء الإسلام أيضا (2). إلّا أنّ الفاضل استثنى شذوذا من أهل الخلاف فحكى عنه القول بطهارة أبوال البهائم كلّها، و ذكر أنّه لا يعرف له دليلا.

و يدلّ على النجاسة هنا بالنظر إلى البول- مضافا إلى الإجماع المحكيّ- عموم الأخبار السابقة، و خصوص ما رواه الشيخ في الحسن عن عبد اللّه بن سنان قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (3).

و يؤيّده رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن أصاب الثوب شيء من بول السنّور فلا تصلح الصلاة فيه حتّى تغسله» (4).

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ للأصحاب في فضلة الطير خلافا، فأكثرهم على أنّها كفضلة غيره، فهي من غير المأكول نجسة.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 249، الحديث 716.

(2) المعتبر 1: 410، و تذكرة الفقهاء 1: 49.

(3) تهذيب الأحكام 1: 264، الحديث 770.

(4) الكافي 3: 56.

443

و ظاهر الصدوق طهارتها مطلقا؛ فإنّه قال في من لا يحضره الفقيه: و لا بأس بخرء ما طار و بوله (1). و يحكى عن ابن أبي عقيل نحوه (2)، و عن الشيخ أنّه قال في المبسوط: بول الطيور كلّها طاهر- سواء أكل لحمها أو لم يؤكل- و ذرقها إلّا الخشّاف. و حينئذ فكان على الفاضلين أن يستثنيا الطير من عموم غير المأكول في حكاية الإجماع، و لعلّهما اعتمدا في ترك التصريح بذلك على نقلهما الخلاف فيه على أثر الإجماع أو على عدم تأثير مثل هذا الخلاف في دعوى الإجماع لمعلوميّة المخالف.

قال المحقّق في المعتبر- بعد الإشارة إلى قول الشيخ في المبسوط-: و لعلّ الشيخ استند إلى رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّ شيء يطير فلا بأس بخرئه و بوله» (3).

ثمّ احتجّ المحقّق لما ذهب إليه من مساواة الطير لغيره بأنّ ما دلّ على نجاسة العذرة ممّا لا يؤكل لحمه يتناول موضع النزاع؛ لأنّ الخرء و العذرة مترادفان و ردّ الاستناد إلى رواية أبي بصير بأنّها و إن كانت حسنة لكنّ العامل بها من الأصحاب قليل (4).

ولي في كلامه هاهنا تأمّل؛ لأنّ الإجماع الذي ادّعاه على نجاسة البول و الغائط من مطلق الحيوان غير المأكول إن كان على عمومه فهو الحجّة في عدم التفرقة بين الطير و غيره، و إن كان مخصوصا بما عدا الطير فأين الأدلّة

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 71.

(2) مختلف الشيعة 1: 456.

(3) المبسوط 1: 39.

(4) المعتبر 1: 411.

444

العامّة على نجاسة العذرة ممّا لا يؤكل؟ و الحال أنّا لم نقف في هذا الباب إلّا على حسنة عبد اللّه بن سنان، و لا ذكر أحد من الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم في احتجاجهم لهذا الحكم سواها. و هي كما ترى واردة في البول، و لم يذكرها هو في بحثه للمسألة بل اقتصر على نقل الإجماع كما حكيناه عنه، فلا يدرى لفظ «العذرة» أين وقع معلّقا عليه الحكم ليضطرّ إلى بيان مرادفة الخرء له و يجعلها دليلا على التسوية التي صار إليها. ما هذا إلّا عجيب من مثل المحقّق (رحمه اللّه).

و للعلّامة أيضا في هذا المبحث كلمات ركيكة جدّا؛ فإنّه اختار مذهب المحقّق، و احتجّ له في المختلف بحسنة ابن سنان، و ادّعى عمومها في صورة النزاع، و بأنّ الذمّة مشغولة بالصلاة قطعا و لا تبرأ بأدائها قطعا مع ملاقاة الثوب أو البدن لهذه الأبوال فيبقى في عهدة التكليف. ثمّ ذكر أنّ حجّة الشيخ رواية أبي بصير، و أصالة الطهارة.

و أجاب عن الرواية بأنّها مخصوصة بالخشّاف إجماعا فيخصّ بما شاركه في العلّة و هو عدم كونه مأكولا. و عن الوجه الآخر بالمعارضة بالاحتياط (1).

و أنت إذا لاحظت كلامه هذا بأدنى النظر تعلم ما فيه من التعسّف و القصور فلا حاجة إلى الإطالة ببيانه.

و الحقّ أنّ أصالة الطهارة لا تدفع بمثل هذه التمحّلات. و حسنة عبد اللّه بن سنان على تقدير العمل بها إنّما تدلّ على حكم البول. و المعروف في الطيور إنّما هو الرجيع فلا دلالة لها بالنظر إلى الطيور و إن كانت عامّة.

و أمّا رواية أبي بصير فهي و إن تطرّق إليها الإشكال من حيث عدم صحّة

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 456.

445

سندها و اقتضائها تحقّق البول للطيور على خلاف ما هو الظاهر المعروف، إلّا أنّ ضعف سندها منجبر بموافقتها لمقتضى الأصل.

و مخالفتها للظاهر قابلة للتأويل فيتّجه حينئذ القول بطهارة ذرق الطيور إن لم يكن الإجماع المدّعى مأخوذا على جهة العموم و إلّا لكان هو الحجّة و المخرج عن مقتضى الأصل.

فروع:

[الفرع] الأوّل: لا فرق في حكم غير المأكول بين ما يكون تحريمه بالأصالة كالسباع، و بين ما يكون بالعارض كالجلّال و موطوء الإنسان؛

فإنّ الدليل يتناول القسمين.

و قد ذكر العلّامة في التذكرة أنّه لا خلاف في ذلك (1).

[الفرع] الثاني: إذا قلنا بطهارة رجيع الطير فالظاهر عدم الفرق بين الخفّاش و غيره،

كما هو الظاهر من كلام الصدوق و ابن أبي عقيل (2)؛ فإنّ مستند الشيخ في استثنائه له من بينها في المبسوط (3) على ما يظهر هو التمسّك برواية داود الرقي قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه و لا أجده؟

قال: اغسل ثوبك» (4).

و هذه الرواية ضعيفة السند بداود و غيره.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 51.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 71.

(3) المبسوط 1: 39.

(4) تهذيب الأحكام 1: 265، الحديث 777.

446

و روى الشيخ عن غياث عن جعفر عن أبيه قال: «لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف» (1).

و في طريق هذه الرواية ضعف أيضا.

فإن تحقّق للخفّاش بول و عملنا بالحديث الحسن تعيّن اطراح هذه لدلالة حسنة عبد اللّه بن سنان على نجاسة البول من كلّ حيوان غير مأكول. فتتناول بعمومها الخفّاش و تقصر هذه عن تخصيصها. و كذا (2) إن ثبت عموم محلّ الإجماع. و إلّا فالأصل يساعد على العمل بهذه و إن ضعفت، و يكون ذكر البول فيها محمولا على التجوّز، و قد قال الشيخ في التهذيب: إنّها رواية شاذّة. و يجوز أن تكون وردت للتقيّة (3).

[الفرع] الثالث: لا نعرف بين الأصحاب خلافا في أنّ رجيع ما لا نفس له من الحيوان غير المأكول ليس بنجس

و هو مقتضى الأصل.

و قال المحقّق في المعتبر: أمّا رجيع ما لا نفس له كالذباب و الخنافس ففيه تردّد. أشبهه أنّه طاهر لأنّ ميتته (4) و دمه و لعابه طاهر فصارت فضلاته كعصارة النبات (5).

و هذا الكلام يؤذن بظنّ تناول الأدلّة الدالّة على نجاسة فضلة الحيوان

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 266، الحديث 778.

(2) في «ب»: تقصر عن تخصيصها و هذا إن ثبت ..

(3) تهذيب الأحكام 1: 266.

(4) في «ب»: لأنّ ميّته.

(5) في «ب»: كعصارة الثياب.

447

غير المأكول له، و إلّا فقد كان التمسّك في طهارته بالأصل أولى من التوجيه الذي ذكره.

و الحقّ أنّ تلك الأدلّة لا تصلح لتناوله فلا مخرج (1) في حكمه عن الأصل.

مسألة [3]: أكثر (2) الأصحاب على أنّ البول و الروث من كلّ حيوان مأكول اللحم طاهران.

و خالف بالنجاسة في ذلك جماعة فاستثنى بعضهم منه الخيل و البغال و الحمير فحكم بنجاسة أبوالها و أرواثها. و استثنى البعض ذرق الدجاج.

فالبحث هنا يقع في موضعين:

[الموضع] الأوّل: في حكم أبوال الدوابّ الثلاث و أرواثها.

و المشهور بين الأصحاب طهارتها على كراهيّة بحيث لا نعرف الخلاف في ذلك إلّا من ابن الجنيد و الشيخ في النهاية (3).

و يدلّ على الطهارة وجوه:

أحدها: الأصل فإنّ إيجاب إزالتها تكليف، و الأصل يقتضي براءة الذمّة منه.

الثاني: اتّفاق من عدا ابن الجنيد من الأصحاب الذين نعرف فتاويهم فإنّهم لم ينقلوا الموافقة له عن أحد سوى الشيخ و هو قد وافق على المشهور

____________

(1) في «ج»: فلا يخرج في حكمه عن الأصل.

(2) في «أ» و «ب»: ذكر الأصحاب.

(3) النهاية و نكتها 1: 265.

448

في غير النهاية (1). و ظاهر كلامه في الاستبصار أنّ تضعيفه متأخّر عن النهاية، و مختاره فيه الكراهة (2)، فيكون رجوعه إنّما هو إلى وفاق المشهور.

و ذكر المحقّق في المعتبر بعد حكايته القول بالنجاسة عن ابن الجنيد و نهاية الشيخ أنّ على القول بالكراهية عامّة الأصحاب (3).

الثالث: عموم ما دلّ على طهارة فضلة ما يؤكل لحمه، فإنّه متناول لموضع النزاع؛ إذ المفروض كون الأنواع المذكورة مأكولة اللحم. و سيأتي بيانه في محلّه إن شاء اللّه.

فروى الكليني في الحسن عن زرارة أنّهما قالا: «لا تغسل ثوبك من بول شيء يؤكل لحمه» (4).

و روى الشيخ عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّ ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» (5).

الرابع: خصوص ما رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه عن أبيه عن محمّد بن يحيى العطّار عن إبراهيم بن هاشم عن صفوان بن يحيى و محمّد ابن أبي عمير عن أبي الأعزّ النخّاس أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال: «إنّي اعالج الدوابّ فربّما خرجت بالليل و قد بالت وراثت فتضرب إحداها بيدها

____________

(1) الاستبصار 1: 108.

(2) الاستبصار 1: 5، مقدّمة الكتاب.

(3) المعتبر 3: 413.

(4) الكافي 3: 57.

(5) تهذيب الأحكام 1: 266، الحديث 781.

449

أو برجلها فينضح على ثوبي فقال: لا بأس به» (1).

و رواه الكليني في الكافي عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن عليّ بن الحكم عن أبي الأعزّ النخّاس إلّا أنّ فيه قليل تغيّر حيث قال بعد قوله وراثت: «فيضرب أحدها بيده أو رجله فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه. فقال: ليس عليك شيء» (2).

و ما رواه الشيخ بإسناده الصحيح عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد ابن الحسين عن الحكم بن مسكين عن إسحاق بن عمّار عن معلّى بن خنيس و عبد اللّه بن أبي يعفور قالا: كنّا في جنازة و قدّامنا حمار (3). قال: «فجاءت الريح ببوله حتّى صكّت وجوهنا و ثيابنا فدخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرناه فقال: ليس عليكم بأس» (4).

و ما رواه الشيخ أيضا بإسناده الصحيح عن أحمد بن محمّد عن البرقي عن أبان عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس بروث الحمير و اغسل أبوالها» (5).

وجه الدلالة في هذا الحديث نفي البأس عن الروث فيكون الأمر بغسل البول للاستحباب إذ لا قائل بالفصل في ما يظهر.

و قريب من هذا الحديث رواية أبي مريم قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 70.

(2) الكافي 3: 58.

(3) في التهذيب: و فرّ بنا حمار.

(4) تهذيب الأحكام 1: 425، الحديث 1351، و فيه: و قربنا حمار.

(5) تهذيب الأحكام 1: 265، الحديث 773.

450

ما تقول في أبوال الدوابّ و أرواثها؟ قال: أمّا أبوالها فاغسل ما أصابك و أمّا أرواثها فهي أكثر من ذلك» (1).

و رواية عبد الأعلى بن أعين قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أبوال الحمير و البغال؟ قال: اغسل ثوبك. قال: قلت: فأرواثها؟ قال: هو أكثر من ذلك» (2).

قال المحقّق (رحمه اللّه) يعني: أنّ كثرتها يمنع التكليف بإزالتها و هو حسن.

و حجّة القول بالنجاسة عدّة روايات منها:

حسنة محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ألبان الإبل و الغنم و البقر و أبوالها؟ فقال: لا تتوضّأ منه إلى أن قال: و سألته عن أبوال الدوابّ و البغال و الحمير؟ فقال: اغسله فإن لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كلّه، فإن شككت فانضحه» (3).

و منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن حسين بن عثمان عن ابن مسكان عن الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أبوال الخيل و البغال؟ فقال: اغسل ما أصابك منه» (4).

و عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تمسّه بعض أبوال البهائم أ يغسل أم لا؟ قال: يغسل بول الحمار و الفرس و البغل. فأمّا الشاة و كلّ ما يؤكل

____________

(1) الكافي 3: 57، الحديث 5.

(2) الاستبصار 1: 179، الحديث 625.

(3) تهذيب الأحكام 1: 264، الحديث 771.

(4) تهذيب الأحكام 1: 265، الحديث 775.

451

لحمه فلا بأس ببوله» (1).

و منها رواية سماعة قال: «سألته عن بول السنّور و الكلب و الحمار و الفرس؟

فقال: كأبوال الإنسان» (2).

قال الشيخ (رحمه اللّه) بعد أن روى هذه الأحاديث في التهذيب و الإستبصار: هذه الأخبار كلّها محمولة على ضرب من الكراهيّة. و الذي يدلّ على ذلك ما أوردناه من أنّ ما يؤكل لحمه لا بأس ببوله و روثه. و إذا كانت هذه الأشياء غير محرّمة اللحوم لم يكن أبوالها و أرواثها محرّما (3).

قال: و يدلّ على ذلك أيضا ما رواه أحمد بن محمّد عن محمّد بن خالد عن القاسم بن عروة عن ابن بكير عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) في أبوال الدواب تصيب الثوب، فكرهه. فقلت: أ ليس لحومها حلالا؟ قال: بلى و لكن ليس ممّا جعله اللّه للأكل».

فجاء هذا الخبر مفسّرا لهذه الأخبار كلّها و مصرّحا بكراهيّة ما تضمّنته.

و يجوز أن يكون الوجه في هذه الأحاديث أيضا ضربا من التقيّة؛ لأنّها موافقة لمذهب بعض العامّة (4). هذا كلام الشيخ.

و حاصله: أنّ الأخبار متعارضة في هذا الباب. و حمل روايات النجاسة على استحباب الإزالة طريق الجمع لا سيّما بقرينة الرواية التي رواها أخيرا.

و أمره- في حسنة محمّد بن مسلم- بالنضح مع الشكّ و هو للاستحباب باعتراف

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 266، الحديث 780.

(2) الاستبصار 1: 179، الحديث 627.

(3) الاستبصار 1: 179، الحديث 627.

(4) تهذيب الأحكام 1: 264، الحديث 772.

452

الخصم مع أنّه وقع في الحديث مجرّدا عن القرينة الدالّة على ذلك فلا بعد في كون الأوامر الواقعة في صحّته مثله بل المستبعد من الحكيم سوق الكلام على نمط يعطي الاتّفاق في الحكم و الحال على الاختلاف.

و يجوز أن يجمع بينها بحمل أخبار النجاسة على التقيّة. و لا يخفى ما في قوله: «يدلّ على ذلك ما أوردناه من أنّ ما يؤكل لحمه .. إلى آخره»؛ فإنّ هذا المضمون عامّ و الأخبار التي يحاول تأويلها خاصّة، فطريق الجمع بينها حمل العامّ على الخاصّ لا ما ذكره. و قد كان الصواب التمسّك في ذلك بالأخبار التي ذكرناها في الاحتجاج للطهارة فإنّها خاصّة كأخبار النجاسة فيقع التعارض.

و الظاهر أنّه أراد هذا المعنى و لكن جاءت العبارة قاصرة عن تأديته، و قد اتّفق له في محل آخر الإشارة إلى هذا البحث بعبارة جارية على نهج الصواب. و الأمر في ذلك سهل لوضوح المقصود. و إنّما الشأن في استقامة هذا الجمع، و قد اقتفى أثره فيه جماعة من الأصحاب مقتصرين على محصول كلامه.

و ربّما يدلّ عليه: إنّ تكلّف الجمع فرع حصول التعارض. و المصير إلى التأويل إنّما يصحّ عند قيام المعارض، و ذلك مفقود هنا؛ فإنّ في أخبار التنجيس ما هو صحيح السند، و ليس في جانب الطهارة حديث صحيح؛ فإنّ رواية أبي الأعز ضعيفة لجهالة حاله؛ إذ لم يذكره الأصحاب في كتب الرجال. و رواية المعلّى و ابن أبي يعفور في طريقها الحكم بن مسكين و هو مجهول الحال أيضا و إسحاق بن عمّار و يقال: إنّه فطحيّ. و في طريق رواية الحلبي البرقي و قد ضعّفه النجاشي (1)، و أبان و فيه إشكال. و رواية أبي مريم

____________

(1) رجال النجاشي: 335.

453

ضعيفة و كذا رواية عبد الأعلى.

أقول: التحقيق عندي أنّ الأسانيد من الطرفين ليست بواضحة الصحّة.

فإنّ الاولى من روايات التنجيس حسنة كما ذكرنا، و الثانية في طريقها الحسين ابن عثمان. و هذا الاسم مشترك بين رجلين وثّقهما النجاشي (1). و حكى الكشّي توثيق أحدهما عن حمدويه عن أشياخه (2) مع أنّ عبارة الاختيار توهم مغايرة المحكيّ توثيقه لهما، و هذه الحكاية لا تخرجه عند التحقيق عن عداد من عرفت عدالته بتزكية الواحد.

و بنحو هذا يؤخذ على الرواية الثالثة؛ فإنّ راويها- و هو عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّه- لا يعرف لتعديله مأخذ إلّا شهادة الواحد. و الرواية الأخيرة في طريقها عثمان بن عيسى و سماعة و حالهما مشهور. هذا.

و الرواية الاولى من أخبار الطهارة و إن كان حال راويها مجهولا من حيث عدم ذكره في كتب الرجال إلّا أنّ الراوي عنه فيها- كما رأيت- الثقتان الجليلان صفوان بن يحيى و محمّد بن أبي عمير اللذين قد أكثر الأصحاب من مدحهما و الثناء عليهما، حتّى قال الشيخ في حقّ صفوان: إنّه أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث و أعبدهم (3). و قال في حقّ ابن أبي عمير: إنّه أوثق الناس عند الخاصّة و العامّة و أنسكهم نسكا و أورعهم و أعبدهم (4).

و حكى الكشّي إجماع الأصحاب على تصحيح ما يصحّ عنهما في جملة

____________

(1) رجال النجاشي: 53 و 54.

(2) اختيار معرفة الرجال: 599.

(3) الفهرست للطوسي: 83، الرقم 346.

(4) الفهرست للطوسي: 142، الرقم 1103.

454

آخرين و تصديقهم و الإقرار لهم بالفقه و العلم (1).

و لا ريب أنّ روايتهما لها بل و لغيرها من رواياته- التي أوردها الصدوق في كتابه؛ إذ الإسناد الذي ذكرناه للرواية هو طريقه إلى كلّ ما رواه فيه عن أبي الأعزّ- تدلّ على حسن حاله، ثمّ ينضاف إلى ذلك إيداع الرواية كتاب من لا يحضره الفقيه و قد قال مصنّفه الصدوق (رحمه اللّه) إنّ جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعوّل و إليها المرجع (2).

و الخبر المتضمّن لنفي البأس عن روث الحمير لا يقصر عن الأخبار التي تظنّ صحّتها في روايات التنجيس.

و التشبّث في تضعيفه باشتمال طريقه على «البرقي» و «أبان» لا يتّجه عند من يحكم بصحّة شيء من أخبار النجاسة.

أمّا من جهة البرقي فلأنّ الشيخ وثّقه. و كلام النجاشي في تضعيفه (3) غير صريح؛ لأنّه محتمل لإرادة كثرة روايته عن الضعفاء كما ذكره ابن الغضائري في حقّه و ذلك غير قادح في نفسه فلا منافي لتوثيق الشيخ له.

و أمّا من جهة أبان فلأنّ القرائن قائمة على أنّه ابن عثمان و هو أحد (4) الجماعة الذين حكى الكشّي الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم (5).

و ما جرح به لم يثبت؛ لأنّ الأصل فيه علي بن الحسن بن فضّال، و المتقرّر

____________

(1) اختيار معرفة الرجال: 854، الرقم 1103.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: المقدّمة.

(3) رجال النجاشي: 261، الرقم 683.

(4) في «ب»: و هو أجلّ الجماعة.

(5) اختيار معرفة الرجال: 57.

455

في كلام الأصحاب أنّه من جملة الفطحيّة، فلو قبل طعنه في أبان لم يتّجه المنع من قبول رواية أبان؛ إذ ليس القدح إلّا بفساد المذهب و هو مشترك بين الجارح و المجروح.

و قد اتّضح بهذا وجه ثبوت التعارض بين الأخبار لكن بعد رعاية مقدّمة اخرى و هي انتفاء القول بالفصل. و انحصار الأقوال في طهارة البول و الروث من الكلّ و نجاستهما ليكون إثبات الطهارة في البعض مقتضيا لإثباته في الجميع؛ فإنّ الخبر المبحوث عنه لم يتعرّض فيه لغير روث الحمير كما علم.

و قد أخذ العلّامة في المختلف هذه المقدّمة مع الحديث عند الاحتجاج به (1).

و لا يخفى عليك أنّ حجّة القول بالتنجيس لا يتمّ بدون هذه المقدّمة أيضا؛ لخلوّ أخباره عن حكم الروث و اختصاص الأمر بغسل الأبوال بما إذا أصابت الثوب أو البدن، و المدّعى عموم الحكم بنجاستها، فلا بدّ لهم من الموافقة عليها.

و قد علمت أنّ المشي على طريقهم في تصحيح الأخبار مقتض لصحّة الخبر المذكور. و اللازم من الأمرين ثبوت الطهارة و تبقى الأخبار الاخر عاضدة للحجّة و مؤيّدة لها.

و قد اشار المحقّق (رحمه اللّه) في المعتبر إلى خلوّ الأخبار عن الدلالة على نجاسة الروث فقال: بعد نقل جملة من الروايات الواردة في الباب: «فخلص من هذا تطابق أخبارنا على طهارة الروث و تصادمها على البول فيقضى بالكراهيّة عملا بالروايتين؛ و لأنّ تعارض النقل يثمر الطهارة لوجهين:

أحدهما: أنّ الأصل الطهارة فيكون طرفها أرجح.

الثاني: ما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 459.

456

قذر» (1). هذا كلامه.

و ظاهره عدم خلوص ما قرّره في جهة الأبوال من ثبوت الإشكال.

و الأولى في مقام الخصام و الإلزام التمسّك بما حرّرناه.

و أمّا عند التحقيق فترى أنّ الأخبار كلّها غير بالغة حدّ الصحّة على الوجه الذي رجّحناه في المقدّمات الاصوليّة فلا يبقى لمقتضى الأصل المعتضد بعمل جمهور الأصحاب و مخالفة ما عليه أهل الخلاف معارض.

و بالجملة فلا ريب أنّ أصالة براءة الذمّة سبب متين لا يقطعه إلّا الدليل القويّ. غير أنّ في القول بالتنجيس احتياطا للدين غالبا و اتّباعا لما عليه إجماع الكلّ من أرجحيّة النزاهة عنها. و يتأكّد ذلك في مورد النصوص و هو إصابة الأبوال للثوب أو للبدن.

الموضع الثاني: في حكم ذرق الدجاج.

و قد ذهب الشيخان إلى نجاسته (2).

و المشهور بين الأصحاب أنّه كغيره من الحيوان المأكول اللحم بحيث لا يعرف القول بالنجاسة لغيرهما، بل الشيخ (رحمه اللّه) وافق على الطهارة في التهذيب و الإستبصار (3). فربّما ينحصر الخلاف في المقيّد بتقريب ما قلناه في الموضع الأوّل.

و على كلّ حال فالقول بالطهارة عندي هو الأقرب.

لنا: الأصل، مؤيّدا بعموم رواية عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه

____________

(1) المعتبر 1: 414.

(2) الخلاف 1: 485، و المقنعة: 71.

(3) تهذيب الأحكام 1: 266، الحديث 781.

457

قال: «كلّ ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» (1).

و خصوص رواية وهب بن وهب عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) أنّه قال: «لا بأس بذرق الدجاج (2) و الحمام يصيب الثوب» (3).

احتجّ الشيخ في التهذيب للقول بالتنجيس عند نقله لكلام المفيد برواية فارس قال: «كتب إليه رجل يسأله عن ذرق الدجاج تجوز الصلاة فيه؟

فكتب: لا» (4).

و جواب هذا الاحتجاج الطعن في الرواية؛ فإنّ راويها مذموم جدّا.

قال الشيخ في كتاب الرجال: فارس بن حاتم غال ملعون (5).

و قال الكشّي: ذكر الفضل بن شاذان في بعض كتبه: إنّ من الكذّابين المشهورين، الفاجر فارس بن حاتم و حكى فيه امورا اخر (6)، لا حاجة إلى نقلها، و من هذا شأنه كيف يلتفت إلى روايته؟

و الرواية التي وردت بالطهارة و حكيناها ضعيفة أيضا. و لذلك لم يجعلها حجّة بل مؤيّدة (7) للأصل.

قال المحقّق (رحمه اللّه)- بعد ذكره للروايتين و تنبيهه على ضعفهما و أنّ المرجع

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 266، الحديث 781.

(2) في «أ» و «ب»: لا بأس بخرء الدجاج.

(3) تهذيب الأحكام 1: 283، الحديث 831.

(4) تهذيب الأحكام 1: 266، الحديث 782.

(5) رجال الطوسي: 320.

(6) اختيار معرفة الرجال: 807.

(7) في «ب»: و لذلك لم نجعلها حجّة بل نجعلها مؤيّدة للأصل.

458

إلى الأصل و هو الطهارة-: «و لو قيل: الدجاج يتوقّى النجاسة فرجيعه مستحيل عنها فيكون نجسا، قلنا: بتقدير أن يكون ذلك محضا يكون التنجيس ثابتا.

امّا إذا كان يمزج علفه فإنّه يستحيل إمّا عنهما أو عن أحدهما، فلا يتحقّق الاستحالة عن النجاسة، إذ لو حكم بغلبة النجاسة لسرى التحريم إلى لحمها، و لمّا حصل الإجماع على حلّها مع الإرسال بطل الحكم بغلبة النجاسة على رجيعها» (1).

مسألة [4]: و المني من الآدمي نجس بإجماع علمائنا،

حكاه في التذكرة (2). و أخبارنا بذلك مستفيضة.

فمنها ما رواه الشيخ عن محمّد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام):

«في المني يصيب الثوب؟ قال: إن عرفت مكانه فاغسله، و إن خفي عليك فاغسله كلّه» (3).

و عن محمّد بن مسلم أيضا في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ذكر المنيّ فشدّده و جعله أشدّ من البول» (4). الحديث.

و ما رواه الصدوق عن محمّد الحلبي في الصحيح: أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) المعتبر 1: 413.

(2) تذكرة الفقهاء 1: 53.

(3) تهذيب الأحكام 1: 297، الحديث 784.

(4) تهذيب الأحكام 1: 252، الحديث 730.

459

«عن رجل أجنب في ثوبه (1) و ليس معه ثوب غيره؟ قال: يصلّي فيه فإذا وجد الماء غسله» (2).

و منها: ما رواه الحلبي في الحسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه منيّ فليغسل الذي أصابه. فإن ظنّ أنّه أصابه مني و لم يستيقن و لم ير مكانه فلينضحه بالماء و إن استيقن أنّه قد أصابه و لم ير مكانه فليغسل ثوبه كلّه؛ فإنّه أحسن» (3).

و روى عن ابن أبي يعفور عنه (عليه السلام) قال: «سألته عن المنيّ يصيب الثوب؟

قال: إن عرفت مكانه فاغسله و إن خفي عليك مكانه فاغسله كلّه» (4).

و عن سماعة قال: «سألته عن المنيّ يصيب الثوب؟ قال: اغسل الثوب كلّه إذا خفي عليك مكانه قليلا كان أو كثيرا» (5).

و الأخبار بهذا المضمون [كثيرة] لا حاجة إلى الإطالة باستيفائها.

إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ حكم منيّ غير الآدمي ممّا له نفس كحكم منيّ الآدميّ عند الأصحاب لا نعرف فيه خلافا بينهم.

و حكى العلّامة فيه الإجماع مع منيّ الآدميّ في التذكرة (6)، و جعل الحجّة

____________

(1) في «أ»: أجنب في نومه.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 68، الحديث 155.

(3) تهذيب الأحكام 1: 252، الحديث 728.

(4) تهذيب الأحكام 1: 251، الحديث 725.

(5) تهذيب الأحكام 1: 252، الحديث 727.

(6) تذكرة الفقهاء 1: 53.

460

لنجاسته في المنتهى عموم ما دلّ على نجاسة المنيّ و لم يذكر الإجماع (1).

و هكذا صنع المحقّق في المعتبر فإنّه عمّم الحكم في أصل المسألة و احتجّ له بالأخبار و لم يتعرّض للإجماع (2).

و عندي في تحقّق العموم- بحيث يتناول غير الآدميّ- نظر.

و يمكن أن يحتجّ له بجعله أشدّ من البول في صحيح محمّد بن مسلم فإنّه و إن شهدت القرينة الحاليّة في مثله بإرادة منيّ الإنسان، إلّا أنّ فيه إشعارا بكونه أولى بالتنجيس من البول، فكلّما حكم بنجاسة بوله ينبغي أن يكون لمنيّه هذه الحالة و ربّما كان هذا القدر كافيا مع الإجماع المنقول و عدم ظهور مخالف فيه.

و يبقى الكلام في منيّ ما لا نفس له. فظاهر جماعة من الأصحاب القطع بطهارته.

و في كلام المحقّق في المعتبر و العلّامة في المنتهى إشعار بنوع إشكال فيه.

فعبارة المحقّق هذه: «و في منيّ ما لا نفس له تردّد أشبهه الطهارة» (3). و عبارة المنتهى: «منيّ ما لا نفس له سائلة الأقرب طهارته» (4).

و كأنّ وجه الإشكال ظاهر بعد ملاحظة التمسّك في نجاسة منيّ ذي النفس من غير الآدميّ بالعموم فإنّ اعتبار النفس غير موجود في الأخبار، فعرض عمومها على وجه يتناول غير الآدميّ يقتضي عدم الفرق بين ذي النفس و غيره.

و أمّا مع الاستناد إلى الإجماع أو التقريب الذي ذكرناه في حديث محمّد

____________

(1) منتهى المطلب 3: 183- 184، الطبعة المحققة الاولى.

(2) المعتبر 1: 415.

(3) المعتبر 1: 415.

(4) منتهى المطلب 3: 184.

461

ابن مسلم فلا إشكال في الاختصاص بذي النفس فيبقى غيره على أصل الطهارة.

مسألة [5]: المذي- و هو الماء الذي يخرج عقيب الملاعبة و الملامسة- و الودي: بالدال المهملة- و هو الذي يخرج عقيب البول- طاهران

عند جمهور علمائنا لا يعرف في (1) ذلك بينهم خلاف (2) إلّا من ابن الجنيد؛ فإنّه قال: ما كان من المذي ناقضا طهارة الإنسان غسل منه الثوب و الجسد، و لو غسل من جميعه كان أحوط و فسّر الناقض للطهارة بما كان حادثا عقيب شهوة.

و القول بالطهارة هو الأصحّ.

لنا ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز قال: حدّثني زيد الشحّام و زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «إن سال من ذكرك شيء من مذي أو ودي فلا تغسله و لا تقطع له الصلاة و لا تنقض له الوضوء إنّما ذلك بمنزلة النخامة» (3)، الحديث.

و في الصحيح عن ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس في المذي من الشهوة و لا من الإنعاظ و لا من القبلة و لا من مسّ الفرج و لا من المضاجعة وضوء. و لا تغسل (4) منه الثوب

____________

(1) في «أ» و «ب»: لا نعرف في ذلك.

(2) في «ب»: منهم خلاف.

(3) تهذيب الأحكام 1: 21، الحديث 52.

(4) في «ب»: و لا يغسل منه.

462

و الجسد» (1).

و في الصحيح عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المذي؟ فقال: «إنّ عليّا (عليه السلام) كان رجلا مذاء، و استحيى أن يسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمكان فاطمة فأمر المقداد أن يسأله و هو جالس، فسأله فقال له: ليس بشيء» (2).

و في الحسن عن زيد الشحّام قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): المذي ينقض الوضوء؟ قال: لا و لا تغسل منه الثوب و لا الجسد، إنّما هو بمنزلة البزاق و المخاط» (3).

و الأخبار في ذلك كثيرة. و الأصل يعضدها، و إطباق من عدا ابن الجنيد من الأصحاب على العمل بمضمونها يؤيّدها.

و قد ورد حديثان يخالفان بظاهرهما هذه الأخبار و يقتضيان التنجيس.

أحدهما: رواية الحسين بن أبي العلاء، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المذي الذي يصيب الثوب؟ قال: إن عرفت مكانه فاغسله و إن خفي مكانه عليك فاغسل الثوب كلّه (4).

و الثاني: روايته أيضا قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب فيلتزق به؟ قال: يغسله و لا يتوضّأ» (5).

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 253، الحديث 734.

(2) تهذيب الأحكام 1: 17.

(3) تهذيب الأحكام

(4) تهذيب الأحكام 1: 253، الحديث 731.

(5) في «ب»: تغسله و لا تتوضّأ. تهذيب الأحكام 1: 253، الحديث 732.

463

قال الشيخ (رحمه اللّه): هذان الخبران محمولان على ضرب من الاستحباب بدلالة ما قدّمناه من الأخبار. يعني الأخبار التي ذكرنا جملة منها دليلا على الطهارة.

ثمّ قال: و يزيد ذلك بيانا ما رواه هذا الراوي بعينه و هو عليّ بن الحكم عن الحسين بن أبي العلاء قال: «سألت أبا عبد اللّه عن المذي يصيب الثوب؟

قال: لا بأس به. فلمّا رددنا عليه قال: ينضحه بالماء» (1).

و ما ذكره الشيخ حسن واضح لا سيّما مع عدم مقاومة هذين الخبرين تلك الأخبار من جهة الإسناد. و لا ريب أنّ رواية الراوي بعينه نفي البأس عنه أوضح دليل على كون الأمر في ذينك الخبرين للاستحباب.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلّامة في المختلف جعل حجّة ابن الجنيد هذين الخبرين و أنّه خارج من أحد السبيلين فيكون نجسا كالبول.

و أجاب عن الحديثين بالمنع من صحّة السند أوّلا. و بالحمل على الاستحباب ثانيا. و عن القياس بالفرق بما افترق به الأصل و الفرع و إلّا اتّحدا و هو ينافي القياس. ثمّ قال: إنّ القياس عندنا باطل (2).

و لا يخفى عليك أنّ كلا وجهي الحجّة لا يناسب قول ابن الجنيد.

أمّا الخبران فلتضمّنهما الأمر بالغسل من المذي مطلقا و قد فصّل هو- كما حكيناه عنه- فأوجب الغسل من الناقض و جعل الغسل من الجميع أحوط.

و هذا و إن كان في موضع النظر من حيث إنّ المعروف من المذي ما كان عقيب الشهوة و قد فسّر به الناقض الذي جعله مناطا لوجوب الغسل إلّا أنّه بعد فرضه صدق الاسم عليه و على غيره لا يناسبه التمسّك في ذلك بالحديثين.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 253، الحديث 733.

(2) مختلف الشيعة 1: 464.

464

و أمّا القياس على البول فلأنّه يقتضي نجاسة الجميع. و التفصيل ينافيه.

و أمّا جواب العلّامة عن الحجّة فما يتعلّق منه بالحديثين جيّد.

و أمّا ما يتعلّق بالقياس فضعيف؛ لأنّ محاولته إبداء الفارق يشعر بكونه جوابا على طريق التنزّل، و تسليم جواز القياس في الأحكام لا سيّما بقرينة قوله:

«على أنّ القياس ..» فإنّه ارتقاء من المقام الأدنى- أعني تجويز العمل بالقياس إلى منع العمل به. و اعتبار الفرق الذي ذكره يقتضي نفي القياس رأسا؛ إذ ما من قياس إلّا و يتأتّى فيه هذا الفرق.

و لو حملناه على جعله وجها لإبطال أصل القياس لم يبق لقوله: «على أنّ ..» معنى. هذا.

و ما ذهب إليه ابن الجنيد لا يعرف له غير ما ذكره العلّامة حجّة.

تذنيب:

رطوبة فرج المرأة و رطوبة الدبر طاهرتان إذا خلتا من استصحاب نجاسة؛ عملا بمقتضى الأصل. و لا نعلم في ذلك خلافا لأحد من الأصحاب. و إنّما يحكى عن بعض العامّة القول بنجاستهما و هو باطل لعدم الدليل عليه.

و ذكر المحقّق في المعتبر أنّ القائل بذلك يتشبّث بكون الرطوبة جارية من مجرى النجاسة. و ردّه بأنّ النجاسة لا يظهر حكمها إلّا بعد خروجها عن المجرى (1). و هذا واضح لا ريب فيه.

و روى الشيخ عن إبراهيم بن أبي محمود (2) في الصحيح قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة و لبسها قميصها أو إزارها يصيبه من بلل الفرج

____________

(1) المعتبر 1: 419.

(2) في «ب»: عن إبراهيم بن أبي محبوب.

465

و هي جنب أ تصلّي فيه؟ قال: إذا اغتسلت صلّت فيهما (1).

مسألة [6]: و الدّم من كلّ حيوان ذي نفس سائلة نجس بغير خلاف.

قاله العلّامة في التذكرة.

و المراد بالنفس السائلة: الدم الذي يخرج بدفع من العرق إذا قطع (2).

و قال المحقّق في المعتبر: «الدم كلّه نجس عدا دم ما لا نفس له سائلة، قليله و كثيره. و هو مذهب علمائنا عدا ابن الجنيد فإنّه قال: إذا كانت سعته دون سعة الدرهم الذي سعته كعقد الإبهام الأعلى لم ينجس الثوب» (3).

و ما عزاه إلى ابن الجنيد موجود في مختصره لكن بعبارة عامّة في الدم و غيره. و هذه عبارته: «كلّ نجاسة وقعت على ثوب فكانت عينها فيه مجتمعة أو [منتشية] دون سعة الدرهم الذي يكون سعته كعقد الإبهام الأعلى لم ينجس الثوب بذلك إلّا أن تكون النجاسة دم حيض أو منيّا فإنّ قليلهما و كثيرهما سواء» (4).

و قد حكى العلّامة في المختلف هذه العبارة، و فهم منها إرادة العفو عن الناقص عن سعة الدرهم من النجاسات التي ذكرها، و جعل الخلاف بينه و بين الأصحاب في قصر اعتبار الدرهم على الدم و تعديته لغيره من النجاسات

____________

(1) في «ب»: إزارها يصيبه .. أ يصلّى فيه؟ تهذيب الأحكام 1: 368، الحديث 1122.

(2) تذكرة الفقهاء 1: 56.

(3) المعتبر 1: 420.

(4) مختلف الشيعة 1: 475.

466

التي أشار إليها، و ربّما كان في عدم نقل خلافه في غير الدم قرينة على إرادة ما فهمه العلّامة.

و كيف كان فخلافه ضعيف؛ لأنّ الأخبار التي وقع فيها اعتبار الدرهم مقصورة على الدم، و ظاهرة في إرادة العفو عنه في الصلاة لا أنّه طاهر.

و سيأتي تحقيق ذلك إن شاء اللّه.

و الروايات مستفيضة بنجاسة الدم في الجملة فمنها:

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة، قال: «قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من منيّ فعلّمت أثره إلى أن اصيب له الماء فأصبت و حضرت الصلاة و نسيت أنّ بثوبي شيئا، و صلّيت ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك؟ قال: تعيد الصلاة و تغسله. قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه و علمت أنّه قد أصابه و طلبته فلم أقدر عليه فلمّا صلّيت وجدته؟ قال: تغسله و تعيد. قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثمّ صلّيت فرأيت فيه؟ قال:

تغسله و لا تعيد الصلاة. قلت: لم ذلك؟ قال: لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا» (1)، الحديث.

و هو طويل.

و منها ما رواه في الحسن عن عبد اللّه بن سنان قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال: إن علم أنّه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلّي ثمّ صلّى فيه و لم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى» (2).

الحديث.

____________

(1) الاستبصار 1: 183، الحديث 641.

(2) الاستبصار 1: 182، الحديث 636.

467

و ما رواه عن سماعة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتّى يصلّي؟ قال: يعيد صلاته كي يهتمّ بالشيء إذا كان في ثوبه، عقوبة لنسيانه» (1).

و منها ما رواه الصدوق و الشيخ عن عليّ بن جعفر في الصحيح «أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن رجل عريان و حضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كلّه دم يصلّي فيه أو يصلّي عريانا؟ قال: إن وجد ماء غسله و إن لم يجد ماء صلّى فيه و لم يصلّ عريانا» (2).

و روى الصدوق عن عمر بن اذينة في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه سأله عن الرجل يرعف و هو في الصلاة و قد صلّى بعض صلاته؟ فقال: إن كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله» (3). الحديث.

و روى الشيخ عن محمّد بن مسلم بإسنادين يعدّان في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يأخذه الرعاف أو القيء في الصلاة كيف يصنع؟ قال: ينفتل فيغسل أنفه» (4). الحديث.

و عن عليّ بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون به الثؤلول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثؤلول و هو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح؟ قال: إن لم يتخوّف أن يسيل الدم

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 255، الحديث 738.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 248، الحديث 755.

(3) من لا يحضره الفقيه 1: 366، الحديث 1056.

(4) الاستبصار 1: 403، باب الرعاف.

468

فلا بأس، و إن تخوّف أن يسيل الدم فلا يفعله» (1).

و الأحاديث بهذا المعنى كثيرة لكنّها غير وافية ببيان الحكم على الوجه الذي يذهب إليه الأصحاب، فإنّهم يشترطون في الحكم بالتنجيس وجود النفس، و يستثنون منه المتخلّف في لحم المذبوح. و الأخبار خالية من اعتبار الشرط و بيان التفرقة بين أنواع الدم. و كلام الأصحاب هاهنا غير محرز أيضا.

و نحن نبيّن أقسام الدم التي يحتمل اختلاف الحكم باختلافها و نذكر ما يقتضيه التحقيق في كلّ واحد منها. فنقول:

الدم إمّا مسفوح أو غيره. و غير المسفوح إمّا دم حيوان لا نفس له أو غيره.

و الأوّل إمّا من السمك أو من غيره.

و الثاني إمّا متخلّف في اللحم بعد الذبح المعتدّ به شرعا أو غيره.

و الأوّل: إمّا من مأكول اللحم أو ممّا ليس بمأكول.

فهذه أقسام ستّة.

الأوّل- الدم المسفوح: و هو نجس مطلقا عند جميع علماء الإسلام على ما ذكره العلّامة في المنتهى (2)، و للأخبار دلالة ما عليه (3) و إن كانت بالنظر إلى ظاهر ألفاظها مطلقة؛ فإنّ ترك الاستفصال في مثلها قرينة على العموم في الجملة. و أقلّ مراتبه يتناول أفراد هذا النوع كما يرشد إليه الفكر الصحيح.

الثاني- دم السمك و لا ريب في طهارته للأصل، و فقد شرط التنجيس عند الأصحاب أعني وجود النفس، و عدم ظهور تناول الأخبار لمثله حيث

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 378، الحديث 1576.

(2) منتهى المطلب 3: 188.

(3) في «ب»: و للأخبار دلالة عليه.

469

لا عموم فيها من جهة اللفظ كما ذكرنا.

و ما يستفاد من ترك الاستفصال ليس بمعلوم تناوله لمثله كما لا يخفى.

و قد حكى الإجماع على طهارته كثير من الأصحاب و أوّلهم الشيخ في الخلاف (1) ثمّ المحقّق في المعتبر فقال: «إنّها مذهب علمائنا أجمع» (2).

و ذكر العلّامة في المختلف أنّ ظاهر تقسيم الشيخ للدم في المبسوط و الجمل يعطي حكمه بنجاسة دم السمك و البقّ و البراغيث. و كذا (3) تقسيم سلّار له، بل هو أقوى في الدلالة على الحكم بالتنجيس، لكنّه اقتصر على السمك و البراغيث (4).

و اقتفى المتأخّرون أثر العلّامة في فهم ذلك من كلام الشيخ، فعزوا إليه القول بنجاسة دم المذكورات في الجمل و المبسوط. و تجاوزوا خطى العلّامة فجزموا بالنسبة، و لم يقطع هو بها بل جعل ذلك ظاهرا.

و الحقّ: أنّ هذه النسبة خطأ نشأ من قصور عبارة الشيخ، كما اتّفق لهم في غير موضع، و ذلك أنّه قال في الجمل:

النجاسات على ضربين دم و غير دم. فالدم على ثلاثة أضرب، ضرب يجب إزالة قليله و كثيره،- و هي: «كذا .. فعدّ أنواعه»- و ضرب لا يجب إزالة قليله و لا كثيره، و هي خمسة أجناس دم البقّ و البراغيث و السمك و الجراح اللازمة.

____________

(1) الخلاف 1: 476.

(2) المعتبر 1: 421.

(3) في «ب»: و هذا تقسيم سلّار له.

(4) مختلف الشيعة 1: 473، و راجع المبسوط 1: 35، و المراسم العلويّة: 54، الطبعة المحقّقة الاولى.

470

و القروح الدامية» (1). و يقال: إنّ عبارة المبسوط هكذا (2).

و هذا الكلام و إن أفاد بظاهره الحكم بالنجاسة في المذكورات إلّا أنّ الرجوع إلى كلامه في الخلاف يرشد إلى معرفة مراده منه، و هم استظهروا عليه في ردّ هذا الحكم بنقله الإجماع على خلافه في الخلاف. و الأمر كما ذكروه (3)؛ فإنّه بعد أن حكى فيه خلاف الشافعي فيها قال: «دليلنا إجماع الفرقة، و أيضا فإنّ النجاسة حكم شرعيّ و لا دلالة في الشرع على نجاسة هذه الدماء».

لكنّه بعد هذه العبارة بسطر واحد قال: «مسألة: جميع النجاسات يجب إزالتها عن الثياب و البدن قليلا كان أو كثيرا إلّا الدم فإنّ له ثلاثة أحوال. دم البقّ و البراغيث، و دم السمك و ما لا نفس له سائلة و دم الجراح اللازمة لا بأس بقليله و كثيره» (4).

و هذا الكلام كما ترى يشبه في المعنى تقسيم الجمل و المبسوط. و حيث إنّه جمع بينه و بين الإجماع المذكور في عبارة واحدة فضلا عن أن يكون في كتاب واحد فمن المعلوم أنّ عبارته في التقسيم متجوّزة و أنّه أراد من النجاسات التي جعلها مورد القسمة معنى خلاف الظاهر منها اعتمادا على القرينة الحاليّة و هي معلوميّة طهارة المذكورات في المذهب. و حيث إنّهم استعانوا في ردّ كلامه في الكتابين بما ذكره في الخلاف من دعوى الإجماع على الطهارة، فهلّا أنعموا النظر و جعلوا كلام الخلاف عونا على فهم الغرض؟

____________

(1) الجمل و العقود: 107.

(2) المبسوط 1: 35.

(3) في «ب»: و الأمر كما ذكره.

(4) الخلاف 1: 476.

471

على أنّهم لو نازعوا في صحّة هذا التجوّز أو حسنه نظرا إلى عدم صلاحيّة القرينة أو خفائها لم يخف أنّ الحكم باختلال العبارة هيّن عند حكمهم باختلال الحكم.

و قد اتّضح بهذا انتفاء الخلاف من جهة الشيخ، و بقي الكلام في تقسيم سلّار فإنّ عبارته اتّفقت على نهج عبارة الشيخ و لم نقف له على ما يقتضي الخروج عن ظاهرها، كما وقع للشيخ. و لكنّ الظاهر أنّ غرضهما واحد، و أنّ التقسيم مبنيّ على نوع من التوسّع.

إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ العلّامة احتجّ لطهارة دم السمك في المنتهى بقوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ (1). و قوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً (2).

و وجه الدلالة في الاولى: بأنّ التحليل يقتضي الإباحة من جميع الوجوه، و ذلك يستلزم الطهارة.

و في الثانية: بأنّ دم السمك ليس بمسفوح فلا يكون محرّما فلا يكون نجسا (3).

و الاستدلال بالآية الاولى محلّ تأمّل.

و أمّا الثانية: ففي الاحتجاج بها قوّة؛ لظهور دلالتها على حلّ مثله و اقتضاء الطهارة، إلّا أنّ التمسّك بذلك يستدعي القول بحلّ دم السمك. و ظاهر كلام كثير من الأصحاب خلافه، بل لا أعلم تصريحا بتحليله (4) إلّا في هذه العبارة.

____________

(1) سورة المائدة، الآية 94.

(2) سورة الأنعام، الآية 143.

(3) منتهى المطلب 3: 192.

(4) في «ب»: لا أعلم تصريحا عليه.

472

و في نهايته ما يقرب منها (1).

و في كلام السيّد أبي المكارم بن زهرة نحوها، فإنّه احتجّ لطهارته بالإجماع و بأنّ النجاسة حكم شرعيّ فيقف على الدليل، و ليس هنا دليل، و بالآيتين. و بيّن وجه الدلالة في الاولى: بأنّها تقتضي إباحة السّمك بجميع أجزائه، و في الثانية:

بأنّها ظاهرة في انحصار المحرّم من الدم في المسفوح، و دم السمك ليس بمسفوح، فيجب أن لا يكون محرّما. و ذلك يقتضي طهارته (2).

و لوالدي في الروضة عبارة يظهر منها أيضا الحكم بالحلّ (3).

و في قواعد العلّامة في باب الأطعمة كلام يشعر بذلك أيضا؛ فإنّه ذكر أوّلا أنّ الدم المسفوح حرام نجس. ثمّ قال: و كذا ما ليس بمسفوح من الحيوان المحرّم كدم الضفادع و القراد و إن لم يكن نجسا لاستخباثه (4).

و وجه الإشعار في هذه العبارة تقييد غير المسفوح بكونه من الحيوان المحرّم و لا يخفى أنّ ظاهره يقتضي قصر الحكم بالتحريم في غير المسفوح على دم الحيوان المحرّم، فيبقى دم المحلّل على أصل الحلّ و من جملته السمك.

و لكن له في أثر هذه العبارة بغير فصل كلام آخر، ربّما نافى بحسب الظاهر حمل التقييد المذكور على ما قرّرناه فإنّه قال: أمّا ما لا يدفعه الحيوان المأكول إذا ذبح فإنّه طاهر حلال.

و لو كان مراده من العبارة الاولى تعميم الحكم في كلّ دم غير مسفوح

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 268.

(2) غنية النزوع، كتاب الصلاة، فصل الطهارة، أحكام الدماء.

(3) الروضة البهيّة 7: 310، الطبعة المحقّقة الاولى.

(4) قواعد الأحكام 2: 158.

473

من حيوان محلّل لم يكن للاقتصار في الثانية على المتخلّف في الذبيحة وجه.

و بالجملة فعباراتهم ظاهرة في تخصيص التحليل بدم الذبيحة و تعميم التحريم في غيره من الدماء و وقع التصريح بذلك أيضا في كلام بعضهم، و التنصيص على تحريم دم السمك بالخصوص، و ليس لهم عليه حجّة غير الاستخباث و هو موضع نظر.

و إذا لم يثبت تحريمه تكون الآية دليلا قويّا على طهارته. مضافا إلى ما سبق.

و قد روى الشيخ في الحسن عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه:

«أنّ عليّا (عليه السلام) كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذكّ يكون في الثوب فيصلّي فيه الرجل يعني دم السمك» (1).

الثالث- دم غير السمك ممّا لا نفس له: و هو طاهر أيضا عند الأصحاب لا نعرف فيه بينهم خلافا إلّا ما أوهمه ظاهر التقسيم الواقع في الجمل و المبسوط من القول بنجاسة دم البقّ و البراغيث (2). و قد بيّنا الحال فيه.

و يظهر من تقسيم سلّار أيضا: الحكم بنجاسة دم البراغيث (3). و لعلّه على حذو تقسيم الشيخ. و قد ادّعى جماعة من الأصحاب الإجماع على طهارة الدم من كلّ حيوان لا نفس له، و منهم الشيخ في الخلاف؛ فإنّه احتجّ لذلك بإجماع الفرقة و عدم الدلالة في الشرع على النجاسة و هي حكم شرعي لا يثبت بدون الدليل (4).

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 260، الحديث 755.

(2) الجمل و العقود: 170، و المبسوط 1: 35.

(3) المراسم العلوية: 54، الطبعة المحققة الاولى.

(4) الخلاف 1: 476.

474

و ممّن حكى الإجماع على ذلك الشهيد في الذكرى (1). و ذكر العلّامة في المنتهى و التذكرة: أنّ القول بطهارة دم ما لا نفس له مذهب علمائنا (2). و كلام المحقّق في المعتبر يظهر ذلك منه أيضا حيث ذكر أنّ طهارة دم السمك مذهب علمائنا أجمع. و قال بعده: «و كذا كلّ دم ليس لحيوانه نفس سائلة كالبقّ و البراغيث» (3).

و على كلّ حال فالحكم بالطهارة هنا ليس بموضع ريب؛ إذ الأصل يقتضيه كما أشار إليه الشيخ في الخلاف. و الاتّفاق المحكيّ في كلام الأصحاب يعضده.

و قد بيّنا أنّ العموم الذي يمكن إثباته في الأخبار الدالّة على نجاسة الدم لا يظهر تناوله لمثل هذا، فينتفي احتمال القول بالتنجيس رأسا.

و يزيد ما قلناه تأييدا رواية عبد اللّه بن أبي يعفور الصحيحة على ما ذكره المحقّق، و الفاضل. قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في دم البقّ و البراغيث؟ قال: ليس به بأس. قال: قلت: إنّه يكثر و يتفاحش؟ قال:

و إن كثر» (4).

و رواية محمّد بن الريّان، قال: «كتبت هذا إلى الرجل (عليه السلام): هل يجري دم البقّ مجرى دم البراغيث؟ و هل يجوز لأحد أن يقيس بدم البقّ على البراغيث فيصلّي فيه؟ و أن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقّع (عليه السلام): يجوز الصلاة

____________

(1) ذكرى الشيعة: 13.

(2) منتهى المطلب 3: 190، و تذكرة الفقهاء 1: 56.

(3) المعتبر 1: 421.

(4) تهذيب الأحكام 1: 255، الحديث 740.

475

و الطهر منه أفضل» (1).

الرابع- الدم المتخلّف بعد الذبح في حيوان مأكول اللحم: و هو طاهر قطعا بغير خلاف يعرف.

و يدلّ عليه قوله تعالى أَوْ دَماً مَسْفُوحاً (2) بالتقريب المذكور في دم السمك؛ فإنّ حلّ هذا ليس موضع خلاف أيضا، فتمسّك بالآية في كلا الأمرين من غير ورود إشكال على التمسّك بها في الطهارة بالتشكيك في الحلّ، كما وقع في دم السمك. و ينضاف إلى ذلك الأصل و ما يظهر من كونه موضع وفاق بين الأصحاب.

الخامس- ما يتخلّف في غير المأكول ممّا يقع عليه الذكاة، و ظاهر الأصحاب نجاسته؛ لحصرهم الدم الطاهر من ذي النفس فيما يبقى بعد الذبح في الذبيحة. و المتبادر منها المأكول.

و تردّد في حكمه بعض [من] عاصرناه من مشايخنا؛ و منشأ التردّد من إطلاق الأصحاب الحكم بنجاسة الدم ممّا لا نفس له مدّعين الاتّفاق عليه، و هذا بعض أفراده، و من ظاهر قوله تعالى أَوْ دَماً مَسْفُوحاً حيث دلّ على حلّ غير المسفوح و هو يقتضي طهارته.

و يضعّف الثاني بأنّ ظاهرهم الإطباق على تحريم ما سوى الدم المتخلّف في الذبيحة و دم السمك على ما فيه. و قد قلنا إنّ المتبادر من الذبيحة ما يكون من المأكول، فدم ما لا يؤكل حرام عندهم مطلقا و عموم ما دلّ على تحريم الحيوان الذي هو دمه يتناوله أيضا؛ إذ أكثر الأدلّة غير مقيّدة باللحم، و إنّما علّق

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 260، الحديث 754. و في «ب»: يجوز الصلاة و الطهر أفضل.

(2) سورة الأنعام، الآية 143.

476

التحريم فيها بالحيوان فيتناول جميع أجزائه، و لا يرد مثله في المحلّل؛ لقيام الدليل هناك على تخصيص التحليل باللحم و أجزاء اخر معيّنة.

و بالجملة فحلّ الدم مع حرمة اللحم أمر مستبعد جدّا لا سيّما بعد ما قرّرناه من ظهور الاتّفاق بينهم فيه و تناول الأدلّة بظاهرها له. و إذا ثبت التحريم هنا لم يبق للآية دلالة على طهارته كما لا يخفى.

السادس- ما عدا الأقسام المذكورة من الدماء التي لا تخرج بقوّة من عرق و لا لها (1) كثرة و انصباب لتناولها اسم المسفوح. و الذي يظهر من الأصحاب الاتّفاق على نجاسته. و الكلام الذي حكيناه في صدر المسألة عن الفاضلين في المعتبر و التذكرة يرشد إلى ذلك أيضا.

و ربّما يتوهّم من ظاهر كلام العلّامة في جملة من كتبه طهارته، بل و طهارة القسم الذي قبله، حيث قيّد الدم المحكوم بنجاسته في كثير من عباراته بالمسفوح. و أقربها إلى هذا التوهّم عبارة المنتهى فإنّه قال فيه: قال علماؤنا الدم المسفوح من كلّ حيوان ذي نفس سائلة- أي يكون خارجا بدفع من عرق- نجس. و هو مذهب علماء الإسلام لقوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ (2).

ثمّ ذكر جملة من الروايات المتضمّنة للأمر بالغسل من الدّم بقول مطلق.

و يلوح من كلامه أنّه بنى الحجّة على مقدّمتين مطويّتين إحداهما: أنّ المراد من الرجس في الآية النجس. و الثانية: أنّ الإطلاق الواقع في الأخبار محمول

____________

(1) في «ب»: و لا فيها كثرة و انصباب.

(2) سورة الأنعام، الآية 145.

477

على التقييد بالمسفوح في الآية. و لهذا البناء في كلامه شاهد و هو أنّه ذكر في أثر هذا الحكم دم ما لا نفس له و أنّه طاهر.

و أشار إلى الخلاف الواقع فيه من أهل الخلاف.

ثمّ قال: لنا قوله تعالى أَوْ دَماً مَسْفُوحاً. و هذا ليس بمسفوح فلا يكون نجسا (1).

و لا يخفى وجه دلالة هذا الكلام على ما قلناه؛ فإنّه لو لا تخيّل كون الأخبار المطلقة في الأمر بإزالة الدم محمولة على المقيّد في الآية لم يتمّ هذا الاحتجاج لجواز التمسّك بإطلاقها في عدم التفرقة بين المسفوح و غيره، لا سيّما و في الروايات التي نقلها ما هو من طريق الجمهور. فللخصم أن يتشبّث به فيما ذهب إليه، فإقامة الحجّة عليه لا يتمّ إلّا بملاحظة ما ذكرناه من حمل المطلق في الأخبار على المقيّد في الآية.

و قد اتّضح بهذا وجه إبهام العبارة القول بطهارة الدماء المذكورة؛ فإن حصر النجس في المسفوح يقتضي طهارة ما سواه.

و لكنّ الكلام منظور فيه.

أمّا أوّلا: فلأنّ المقدّمتين اللتين بني الاحتجاج عليهما ضعيفتان.

أمّا الاولى: فلأنّ إرادة النجس من الرجس غير ثابتة إذ لم يعدّه أهل اللغة في معانيه فضلا عن أن يقولوا إنّه معناه. و قد ذكروا له معاني كثيرة، منها: القذر.

و لا يخفى أنّه أعمّ من النجس، و باقي المعاني لا دلالة لها عليه.

و أمّا الثانية: فلأنّ حمل المطلق على المقيّد إنّما هو مع تحقّق التنافي بينهما و لا تنافي هنا إذ الحكم على المسفوح بالنجاسة لا ينافي نجاسة غيره معه.

____________

(1) منتهى المطلب 3: 188- 189.

478

و أمّا ثانيا: فلأنّه احتجّ بعد هذا بقليل لطهارة دم السمك بقوله تعالى أَوْ دَماً مَسْفُوحاً. و قرّبه بأنّ دم السمك ليس بمسفوح فلا يكون محرّما فلا يكون نجسا. و قد حكينا هذا عنه آنفا.

و أنت تعلم أنّه بعد ثبوت انحصار النجس في المسفوح ليس بمحتاج إلى إثبات الحلّ هنا، و جعله وسيلة إلى إثبات الطهارة، فربّما كان في ذلك إشعار بعدم ثبوت التقييد كما هو التحقيق.

إذا تقرّر هذا فاعلم: أنّ الباعث للعلّامة فيما يظهر على اعتبار (1) التقييد بالمسفوح في العبارات التي اتّفق له إدراج القيد فيها إنّما هو الاحتراز من الدم المتخلّف في الذبيحة حيث إنّه طاهر باتّفاق الكلّ فلا يستقيم الحكم بنجاسة دم ذي النفس على الإطلاق و ليس في قصده إخراج شيء من أصناف دم ذي النفس غير ما ذكر. يشهد بذلك تتبّع كلامه.

و قد أخذ هذا القيد في عبارة النهاية (2). ثمّ فصّل بعده أنواع الدم، و ذكر حكمها في النجاسة و الطهارة و لم يزد في عداد الطاهر على ما عليه الأصحاب.

و قال عند ذكر الدم المتخلّف في الذبيحة أنّه طاهر لعدم وصف كونه مسفوحا.

و في هذا الكلام قرينة واضحة على ما قلناه حيث تعرّض للتفصيل و اقتصر- في بيان محلّ انتفاء الحكم لعدم الوصف- على المتخلّف في الذبيحة.

و بالجملة فعدم التزام العلّامة بما يقتضيه ظاهر التقييد الذي تفرّد به أظهر من أن يخفى.

و قد بان لك أنّ ترك القيد- كما فعل الأكثر- هو الأنسب؛ فإنّ الإشكال

____________

(1) في «ج»: على إثبات اعتبار التقييد.

(2) نهاية الإحكام 1: 268.

479

الحاصل فيه باعتبار عدم استقامة الحكم بنجاسة الدم من ذي النفس على العموم نظرا إلى دم الذبيحة يندفع بتصريحهم باستثنائه فيما بعد و إن اتّفق في بعضها بعد العهد.

و أمّا الإشكال الوارد على التقييد بإبهام (1) ما قد ذكر فيحتاج في دفعه إلى فضل تدبّر. و الأصوب تفصيل المقام و ترك التعبير بما يتطرّق إليه الإشكال و الإبهام (2).

فرعان:

[الفرع] الأوّل: حكى المحقّق في المعتبر عن الشيخ أنّه حكم بطهارة الصديد و القيح.

ثمّ قال المحقّق:

«و عندي في الصديد تردّد أشبهه النجاسة؛ لأنّه ماء الجرح يخالطه يسير دم، و لو خلا من ذلك لم يكن نجسا. قال: و خلافنا مع الشيخ يؤول إلى العبارة لأنّه يوافق على هذا التفصيل». ثمّ قال:

«أمّا القيح فإنّ مازجه دم نجس بالممازج، و إن خلا من الدم كان طاهرا.

لا يقال: هو مستحيل عن الدم؛ لأنّا نقول: إنّ كلّ مستحيل من الدم لا يكون طاهرا كاللحم و اللبن. انتهى» (3).

و ما فصّله جيّد. و الوجه فيه ظاهر؛ فإنّ الأصل يقتضي طهارة كلّ منهما

____________

(1) في «ج»: بإيهام.

(2) في «أ»: الإيهام.

(3) المعتبر 1: 419.

480

مع صرافته، فإذا صاحبه الدم النجس ينجس به (1).

و ما أشار إليه من التشبّث في نجاسة القيح بكونه مستحيلا عن الدم هو حجّة من قال من الجمهور بنجاسته. و لا يخفى فسادها.

[الفرع] الثاني: قال الشيخ في الخلاف: العلقة نجسة يعني التي يستحيل إليها النطفة.

و احتجّ لذلك بإجماع الفرقة، و بأنّ ما دلّ على نجاسة الدم دلّ على نجاسة العلقة. و في هذا نظر لا يخفى وجهه بعد الإحاطة بما حقّقناه في دليل نجاسة الدم.

و قال المحقّق في المعتبر: العلقة التي يستحيل إليها نطفة الآدميّ نجسة؛ لأنّها دم حيوان له نفس، و كذا العلقة التي توجد في بيضة الدجاج و شبهه (2).

و ناقشه الشهيد في الذكرى بالمنع؛ فإنّ تكوّنها في الحيوان لا يدلّ على أنّها منه (3). و هو متّجه لا سيّما بالنظر إلى ما يوجد في البيضة، مع أنّ كونه علقة ليس بمعلوم أيضا، فالإجماع الذي ادّعاه الشيخ لو ثبت على وجه يكون حجّة لكان في تناوله له نظر. و مقتضى الأصل طهارته. و يعضده ظاهر قوله تعالى:

أَوْ دَماً مَسْفُوحاً (4) حيث إنّه دالّ على حلّ غير المسفوح مطلقا، خرج عن ذلك ما وقع الاتّفاق على تحريمه فيبقى الباقي. و إثبات الحلّ مقتض لثبوت الطهارة كما مرّ غير مرّة.

____________

(1) الخلاف 1: 490.

(2) المعتبر 1: 422.

(3) ذكرى الشيعة: 13.

(4) الأنعام، الآية 143.

481

مسألة [7]: و الميتة ممّا له نفس سائلة نجس بإجماع الناس.

قاله المحقّق في المعتبر.

ثمّ قال: و الخلاف في الآدمي. و علماؤنا مطبقون على أنّ نجاسته عينيّة كغيره من ذوات الأنفس السائلة (1).

و قال العلّامة في المنتهى: الميتة من الحيوان ذي النفس السائلة نجسة سواء كان آدميّا أو غير آدميّ و هو مذهب علمائنا أجمع (2).

و قد تكرّر في كلام الأصحاب ادّعاء الإجماع على هذا الحكم و هو الحجّة فيه إذ النصوص لا تنهض بإثباته.

و جملة ما وقفنا عليه من الروايات في هذا الباب حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميّت؟ فقال: يغسل ما أصاب الثوب» (3).

و رواية إبراهيم بن ميمون قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على جسد الميّت؟ قال: إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، و إن كان لم يغسل الميّت فاغسل ما أصاب ثوبك منه» (4).

و قصور هذين الحديثين عن إفادة الحكم بكماله ظاهر مع أنّ الصحّة منتفية عن سنديهما.

____________

(1) المعتبر 1: 420.

(2) منتهى المطلب 3: 195.

(3) تهذيب الأحكام 1: 276، الحديث 812.

(4) تهذيب الأحكام 1: 276، الحديث 811.

482

و ورد في عدّة روايات معتبرة الإسناد المنع من أكل نحو السمن الذائب و الزيت إذا ماتت فيه الفأرة. و ظاهره الحكم بنجاسته و قد تقدّم منها في بحث المضاف حديث صحيح عن زرارة. و هذا الحكم خاصّ أيضا كما لا يخفى، فلا يمكن جعله دليلا على العموم. و حينئذ فالعمدة في إثبات التعميم هي الإجماع المدّعى في كلام الجماعة.

فروع:

[الفرع] الأوّل: حكم أبعاض الميتة في النجاسة- إذا كانت ممّا تحلّه الحياة- حكم جملتها

عند الأصحاب، لا يعرف فيه خلاف. و كذا ما ابين من أجزاء الحيّ التي فيه الحياة كالأليات.

و كأنّ الحجّة في هذا أيضا الإجماع فإنّهم لم يحتجّوا له بحديث، بل ذكره جماعة منهم مجرّدا عن الحجّة.

و اقتصر آخرون على توجيهه بمساواة الجزء للكلّ أو بوجود معنى الموت فيها، و كلاهما منظور فيه.

و قد روى الكليني في كتابه عن الحسين بن محمّد عن معلّى بن محمّد عن الحسن بن عليّ قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) قلت: جعلت فداك، إنّ أهل الجبل يثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها؟ فقال: حرام هي. قلت: جعلت فداك [فيستصبح] بها؟ فقال: أما تعلم أنّه يصيب اليد و الثوب و هو حرام؟» (1) و في هذه الرواية إشعار بالنجاسة لكن في طريقها ضعف.

و روي بطريق ضعيف أيضا عن الكاهلي قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الكافي 6: 255، الحديث 3.

483

و أنا عنده عن قطع أليات الغنم؟ فقال: لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك.

ثمّ قال: إنّ في كتاب عليّ (عليه السلام) أنّ ما قطع منها ميّت لا ينتفع به» (1).

و بطريق آخر مثله عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في أليات الضأن تقطع و هي أحياء: «أنّها ميّتة» (2).

و هذان الخبران لو تمّ سنداهما لاحتاجا في الدلالة على النجاسة إلى وجود دليل عامّ في نجاسة الميتة ليكون إثبات كون المنقطع ميتة مقتضيا لدخوله في عموم الدليل على نجاسة الميتة. و قد علم أنّ العمدة في التعميم الإجماع المدّعى بين الأصحاب (3).

و حينئذ فالتمسّك به موقوف على كونه متناولا لهذا المنقطع، و معه لا حاجة إلى توسّط الاحتجاج بما دلّ على أنّه ميتة. و على كلّ حال فالحكم هاهنا ليس موضع خلاف.

تذنيب: قال العلّامة في المنتهى: الأقرب طهارة ما ينفصل من بدن الإنسان من الأجزاء الصغيرة

مثل البثور و الثالول و غيرهما لعدم إمكان التحرّز عنها فكان عفوا دفعا للمشقّة (4).

و يظهر من تمسّكه بعدم إمكان التحرّز أنّه يرى تناول دليل نجاسة المبان من الحيّ لها و أنّ المقتضي لاستثنائها من الحكم بالتنجيس و القول بطهارتها

____________

(1) الكافي 6: 254، الحديث 1.

(2) الكافي 6: 255، الحديث 2.

(3) في «أ» و «ب»: على الإجماع المدّعى.

(4) منتهى المطلب 3: 210.

484

هو لزوم الحرج و المشقّة من التكليف بالتحرّز عنها.

و هذا عجيب؛ فإنّ الدليل على نجاسة المبان من الحيّ كما علمت: إمّا الإجماع أو الأخبار التي ذكرناها (1) أو الاعتباران (2) اللّذان حكيناهما عن بعض الأصحاب أعني مساواة الجزء للكلّ، و وجود معنى الموت فيه.

و الإجماع لو كان متناولا لما نحن فيه لم يعقل الاستثناء منه.

و الأخبار على تقدير صحّتها و دلالتها و عمومها إنّما [تقتضي] نجاسة ما انفصل في حال وجود الحياة فيه، لا ما زالت عنه الحياة قبل الانفصال، كما في موضع البحث. و النظر إلى ذينك الاعتبارين يقتضي ثبوت التنجيس و إن لم [تنفصل] تلك الأجزاء؛ لتحقّق معنى الموت فيها قبله و لا ريب في بطلانه.

و التحقيق أنّه ليس لما يعتمد عليه من أدلّة نجاسة الميتة و أبعاضها و ما في معناها من الأجزاء المبانة من الحيّ دلالة على نجاسة نحو هذه الأجزاء التي يزول عنها أثر الحياة في حال اتّصالها بالبدن، فهي على أصل الطهارة.

و إذا كان للتمسّك بالأصل مجال فلا حاجة إلى تكلّف دعوى لزوم الحرج و تحمّل عبء في إثباته في جميع الأحوال ليتمّ الحكم بالطهارة مطلقا.

و قد ذكر العلّامة في النهاية أيضا حكم هذه الأجزاء. و استقرب الطهارة كما قال في المنتهى؛ و علّلها بعدم إمكان التحرّز و بالرواية و لم يبيّنها (3). و لعلّه أراد بها صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون به الثؤلول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثؤلول و هو في صلاته

____________

(1) في «ب»: الأخبار التي ذكروها.

(2) في «ج»: و الاعتباران.

(3) نهاية الإحكام 1: 269.