منتهى المطلب في تحقيق المذهب - ج13

- العلامة الحلي المزيد...
416 /
5

[المدخل]

نثني على اللّه تعالى أحسن الثناء، و نحمده على السرّاء و الضرّاء، و نصلّي و نسلّم على محمّد أشرف الأنبياء و آله المعصومين النجباء.

لا ريب أنّ تراثنا الفقهيّ الخالد- الذي منه هذه المجموعة القيّمة المسمّاة «منتهى المطلب في تحقيق المذهب»- كلمة طيّبة كشجرة طيّبة تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها.

و قد وفّقنا اللّه عزّ و جلّ بإذنه و أعاننا على إتمام هذا الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب.

نسأله تعالى أن يسبغ علينا من لطفه و توفيقه لإكمال هذا المشروع و نشره، شاكرين لأعضاء قسم الفقه جهودهم الدءوبة في إنجاز العمل في هذا الجزء و راجين لهم مزيد التوفيق و حسن العاقبة، و هم العلماء و الأفاضل:

الشيخ عليّ الاعتماديّ

الشيخ نوروز عليّ الحاجآباديّ

الشيخ عبّاس المعلّميّ (الجلالي نيا)

الشيخ محمّد عليّ الملكيّ

الشيخ عليّ النمازيّ

السيّد أبو الحسن الهاشميّ

الأخ السيّد طالب الموسويّ

الأخ شكر اللّه الأختريّ

الأخ عادل البدريّ

الأخ عليّ أصغر المولويّ

كما نشكر بامتنان سماحة حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ عليّ أكبر إلهيّ الخراسانيّ إشرافه على التحقيق و رعايته لمسيرته. نسأل اللّه تعالى له دوام العافية و التوفيق في خدمة معارف أهل البيت (عليهم السلام)؛ إنّه قريب مجيب.

قسم الفقه

في مجمع البحوث الإسلاميّة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[تتمة كتاب الحج]

[تتمة المقصد الرابع في تروك الأحرام و ما يجب من الكفارة بفعل المحرم و أحكام الحصر و الصد و الفوات]

[تتمة الفصل الثاني في ما يجب على المحرم من الكفارة في ما يفعله عمدا أو خطأ]

البحث الثاني عشر في لواحق هذا الباب

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مسألة: إذا اجتمعت أسباب مختلفة، كاللبس و تقليم الأظفار و الطيب، لزمه عن كلّ واحد كفّارة

، سواء فعل ذلك في وقت واحد أو وقتين أو أكثر، كفّر عن الأوّل أو لم يكفّر؛ لأنّ كلّ واحد منهما سبب مستقلّ في وجوب الكفّارة، و الحقيقة باقية عند الاجتماع، فالأثر موجود.

و لو اتّحد الفعل فأقسامه ثلاثة:

أحدها: إتلاف على وجه التعديل، كقتل الصيد، فإنّه يعدل به و يجب فيه مثله، و يختلف بالصغر و الكبر، فعلى أيّ وجه فعله، وجب عليه الجزاء.

و لو تكرّر، تكرّرت بلا خلاف؛ لأنّ المثل واجب، و هو إنّما يتحقّق بالتعدّد لو تعدّدت الجناية.

الثاني: إتلاف مضمون لا على وجه التعديل، كحلق الشعر و تقليم الأظفار، فهما جنسان، فإن حلق أو قلّم دفعة واحدة، كان عليه فدية واحدة، و إن فعل ذلك في أوقات، كأن يحلق بعض رأسه غدوة و بعضه عشيّة، تعدّدت الكفّارة عليه، و إن كان في دفعة واحدة و وقت واحد، وجبت فدية واحدة.

الثالث: الاستمتاع باللباس و الطيب و القبلة، فإن فعله دفعة واحدة بأن لبس كلّ ما يحتاج إليه دفعة، أو تطيّب بأنواع الطيب دفعة واحدة، أو قبّل و أكثر منه، لزمه كفّارة واحدة، و إن فعل ذلك في أوقات متفرّقة، لزمه عن كلّ فعل كفّارة، سواء كفّر

10

عن الأوّل أو لم يكفّر. و به قال أبو حنيفة (1).

و قال الشافعيّ: إن كفّر عن الأوّل، لزمه كفّارة أخرى عن الثاني، و إن لم يكفّر، لم يكن عليه سوى كفّارة واحدة (2). و هو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل.

و في الأخرى: إن كان السبب واحدا، اتّحدت الكفّارة، كمن لبس ثوبين للحرّ، و إن تعدّد، تعدّدت، كمن لبس ثوبا للحرّ و ثوبا للمرض (3).

و قال مالك: تتداخل كفّارة الوطء دون غيره (4).

لنا: أنّه مع تعدّد الوقت يتعدّد الفعل، و قد كان كلّ واحد سببا تامّا في إيجاب الكفّارة، فكذا مع الاجتماع.

مسألة: إذا جنّ بعد إحرامه ففعل ما يفسد به الحجّ من الوطء قبل الوقوف بالموقفين، لم يفسد حجّه

؛ لأنّ العاقل لو فعل ذلك ناسيا لم يبطل حجّه، و الجنون أبلغ من النسيان في العذر.

و لقوله (عليه السلام): «رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق» (5).

و أمّا الصيد، فإنّه يلزمه الضمان بإتلافه؛ لأنّ حكم العمد و السهو فيه واحد.

مسألة: الصبيّ إذا قتل صيدا، ضمنه، كما يضمنه البالغ

، و إن تطيّب أو لبس، فإن

____________

(1) بدائع الصنائع 2: 189- 190 و 217- 218، تبيين الحقائق 2: 361- 362، شرح فتح القدير 2:

439، مجمع الأنهر 1: 292.

(2) حلية العلماء 3: 313، المهذّب للشيرازيّ 1: 215، المجموع 7: 378، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 484، مغني المحتاج 1: 521.

(3) المغني 3: 528، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 350، الكافي لابن قدامة 1: 564، الفروع في فقه أحمد 2: 250، الإنصاف 3: 525- 526.

(4) بداية المجتهد 1: 371، المغني 3: 529، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 351.

(5) صحيح البخاريّ 7: 59، سنن أبي داود 4: 140 الحديث 4400، سنن ابن ماجة 1: 658 الحديث 2041، سنن النسائيّ 6: 156، سنن البيهقيّ 4: 325 و ج 10: 317، مجمع الزوائد 6: 251.

11

كان ناسيا، لم يكن عليه شيء؛ لأنّ البالغ لا شيء عليه في ذلك مع النسيان فالصبيّ أولى، و إن كان عامدا، فإن قلنا: إنّ عمده و خطأه واحد، فلا شيء عليه أيضا، و إن قلنا: إنّ عمده عمد إلّا في القصاص، وجبت الكفّارة، و إذا وجبت فهل تجب على الصبيّ في ماله من حيث وجبت بجنايته، أو على الوليّ؛ لأنّه عقده بإذنه، فكان هو الذي أدخله في ذلك و غرّر بماله؟ فيه تردّد. و قال مالك بالثاني (1).

أمّا الشيخ- (رحمه اللّه)- فإنّه قال: الظاهر أنّه يتعلّق به الكفّارة على وليّه و إن قلنا: إنّه لا يتعلّق به شيء؛ لما روي عنهم (عليهم السلام) من أنّ: «عمد الصبيّ و خطأه سواء» (2) و الخطاء في هذه الأشياء لا تتعلّق به كفّارة من البالغين، كان قويّا (3).

و أمّا قتل الصيد، فإنّه يضمنه على كلّ حال.

و أمّا الحلق و تقليم الأظفار، فإنّ حكمهما عندنا كحكم اللبس و الطيب من أنّ عمده مخالف لخطائه.

و أمّا إذا وطئ بشهوة، فإنّه قد يحصل من الصبيّ قبل بلوغه- و إنّما يبلغ بالإنزال لا بالوطء و شهوته- فإذا فعل، فإن كان ناسيا أو جاهلا، لم يكن عليه شيء، كالبالغ.

و إن كان عامدا، فإن قلنا: إنّ عمده عمد، فسد حجّه إن كان الوطء قبل الوقوف بالموقفين، و وجبت البدنة. و إن كان خطأ، لم يكن عليه شيء.

و إذا أوجبنا البدنة على تقدير العمد، ففي محلّ وجوبها وجهان: أحدهما:

عليه. و الثاني: على وليّه على ما تقدّم.

____________

(1) المغني 3: 210، المجموع 7: 32، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 425.

(2) التهذيب 10: 233 الحديث 920، الوسائل 19: 307 الباب 11 من أبواب العاقلة الحديث 2.

و فيهما: «عمد الصبيّ و خطأه واحد».

(3) المبسوط 1: 329.

12

إذا عرفت هذا: فإن قلنا بإفساد الحجّ، فهل يجب عليه القضاء أم لا؟ فيه وجهان:

أحدهما: الوجوب؛ لأنّه وطئ عمدا قبل الوقوف بالموقفين، فوجب عليه القضاء؛ عملا بالعموم. و لأنّ كلّ من وجبت البدنة في حقّه للإفساد، وجب عليه القضاء، كالبالغ.

و الثاني: عدم الوجوب؛ لأنّه غير مكلّف، فلا يتوجّه عليه الأمر بالوجوب في القضاء، كما لا يتوجّه عليه في الأداء، و هو الأقوى.

إذا ثبت هذا: فإذا أوجبنا عليه القضاء، هل يجزئه أن يقضيه في حال صغره أم لا؟ فيه تردّد.

قال مالك (1) و أحمد: لا يجزئه؛ لأنّها حجّة واجبة، فلم تقع منه في صغره، كحجّة الإسلام (2).

و قال الشافعيّ في أحد القولين: يجزئه؛ لأنّ أداء هذه العبادة يصحّ منه في حال الصغر، فكذلك قضاؤها، بخلاف حجّة الإسلام (3).

فرع: إذا أوجبنا على الصبيّ القضاء فقضى في حال بلوغه، فهل يجزئه عن حجّة الإسلام؟ فالوجه: التفصيل

، و هو أن يقال: إن كانت الحجّة التي أفسدها لو صحّت

____________

(1) حلية العلماء 3: 235، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 426.

(2) المغني 3: 210، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 172، الكافي لابن قدامة 1: 517، الفروع في فقه أحمد 2: 125، الإنصاف 3: 394.

(3) حلية العلماء 3: 234- 235، المهذّب للشيرازيّ 1: 215، المجموع 7: 35، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 426، مغني المحتاج 1: 523.

13

أجزأته- بأن يكون قد بلغ قبل مضيّ وقت الوقوف- أجزأه القضاء، و إن كان لو بلغ فيها بعد الوقوف، لم يجزئه القضاء، و وجب عليه حجّة أخرى للإسلام.

آخر: لو خرجت قافلة إلى الحجّ فأغمي على واحد منهم، لم يصر محرما بإحرام غيره عنه

. و به قال الشافعيّ (1)، و أبو يوسف، و محمّد (2).

و قال أبو حنيفة: يصير بإحرام بعض الرفقة محرما (3).

لنا: أنّه بالغ فلا يصير محرما بإحرام غيره عنه، كالنائم. و لأنّه لو أذن في ذلك و أجازه، لم يصحّ.

احتجّ أبو حنيفة: بأنّه علم ذلك من قصده، و تلحقه المشقّة في ترك ذلك، فأجزأ عنه إحرام غيره (4).

و الجواب: قد بيّنّا أنّه لو أذن له فيه، لم يصحّ، فكيف مع علم القصد المجرّد عن الإذن؟!

مسألة: و لو قبّل امرأته بعد طواف النساء، فإن كانت هي قد طافت، لم يكن عليهما شيء

؛ لأنّه بعد طواف النساء تحلّ له النساء، و إن كانت هي لم تطف، فقد روي أنّ عليه دم يهريقه؛ لأنّ القبلة بالنسبة إليها حرام و قد فعلها هو، فكانت عليه العقوبة.

____________

(1) المجموع 7: 38، مغني المحتاج 1: 462، المغني 3: 211، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 173.

(2) المبسوط للسرخسيّ 4: 160، المجموع 7: 38، المغني 3: 211، الشرح الكبير بهامش المغني 3:

173.

(3) المبسوط للسرخسيّ 4: 160، المجموع 7: 38، المغني 3: 211، الشرح الكبير بهامش المغني 3:

173.

(4) المبسوط للسرخسيّ 4: 160، المجموع 7: 38.

14

رواه الشيخ- في الحسن- عن معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قبّل امرأته و قد طاف طواف النساء و لم تطف هي، قال:

«عليه دم يهريقه من عنده» (1).

مسألة: و لو أحصر فبعث بهديه ثمّ احتاج إلى حلق رأسه لأذى قبل أن يبلغ الهدي محلّه، جاز له أن يحلقه

، و يتصدّق بالنسك أو الإطعام أو الصيام على ما قلناه؛ لأنّ غير المحصر كذلك، فكذا المحصر.

و يدلّ عليه: ما رواه الشيخ عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا أحصر الرجل فبعث بهديه فآذاه رأسه قبل أن ينحر هديه، فإنّه يذبح شاة مكان الذي أحصر منه (2)، أو يصوم أو يتصدّق على ستّة مساكين، و الصوم ثلاثة أيّام، و الصدقة نصف صاع لكلّ مسكين» (3).

مسألة: لو قلع ضرسه مع الحاجة إليه، لم يكن عليه شيء

، فإن كان لا مع الحاجة، وجب عليه دم شاة، قاله الشيخ- (رحمه اللّه) (4)- و استدلّ عليه: بما رواه محمّد بن عيسى، عن عدّة من أصحابنا، عن رجل من أهل خراسان أنّ مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه فيها شيء: محرم قلع ضرسه فكتب [(عليه السلام)] (5): «يهريق دما» (6).

____________

(1) التهذيب 5: 323 الحديث 1109، الوسائل 9: 276 الباب 18 من أبواب كفّارات الاستمتاع الحديث 2.

(2) بعض النسخ: عنه، و في المصادر: فيه.

(3) التهذيب 5: 334 الحديث 1149، الاستبصار 2: 196 الحديث 658، الوسائل 9: 308 الباب 8 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 2.

(4) التهذيب 5: 385.

(5) أثبتناها من المصدر.

(6) التهذيب 5: 385 الحديث 1344، الوسائل 9: 302 الباب 19 من أبواب بقيّة كفّارات الإحرام الحديث 1.

15

الفصل الثالث في الحصر و الصدّ و الفوات

الحصر عندنا: هو المنع عن تتمّة أفعال الحجّ- على ما يأتي- بالمرض خاصّة، و الصدّ بالعدوّ.

و عند الفقهاء المخالفين: الحصر و الصدّ واحد، و هما من جهة العدوّ.

لنا: أنّهما لفظان متغايران، و الأصل عدم الترادف.

و ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)، يقول: «المحصور غير المصدود؛ فإنّ المحصور هو المريض، و المصدود هو الذي يردّه المشركون، كما ردّوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ليس من مرض، و المصدود تحلّ له النساء، و المحصور لا تحلّ له النساء» (1).

و القارن إذا أحصر، فليس له أن يتمتّع في العام القابل (2)، بل عليه أن يفعل مثل ما دخل به.

إذا عرفت هذا: فالبحث هنا يقع عن المصدود (3) و المحصور، و يحصره بحثان:

____________

(1) التهذيب 5: 423 الحديث 1467، الوسائل 9: 303 الباب 1 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 1.

(2) خا: المقبل.

(3) بعض النسخ: على المصدود، مكان: عن المصدود.

16

[البحث] الأوّل: في المصدود.

مسألة: إذا تلبّس الحاجّ بالإحرام و صار محرما، تعلّق به من الأحكام وجوب الإتمام للحجّ، على ما سلف

، و غير ذلك من الأحكام التي ذكرناها (1).

إذا ثبت هذا: فإذا صدّه المشركون أو غيرهم عن الوصول إلى مكّة بعد إحرامه، و لم يكن له طريق سوى ما صدّ عنه، أو كان له طريق غير موضع الصدّ لكن قصرت نفقته، تحلّل، و هو قول العلماء كافّة.

قال اللّه تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (2).

و روى الجمهور: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر أصحابه يوم حصروا في الحديبيّة أن ينحروا و يحلقوا و يحلّوا (3).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «و المصدود تحلّ له النساء» (4).

مسألة: و سواء كان الإحرام للحجّ أو العمرة، و بأيّ أنواع الحجّ أحرم، يجوز له التحلّل مع الصدّ

. و به قال أبو حنيفة (5)، و الشافعيّ (6)، و أحمد بن حنبل (7).

____________

(1) يراجع: الجزء الثاني عشر: 396.

(2) البقرة (2): 196.

(3) سنن البيهقيّ 5: 215، كنز العمّال 10: 496 الحديث 30154، المصنّف لابن أبي شيبة 8: 507 الحديث 3 و ص 516 الحديث 18.

(4) التهذيب 5: 423 الحديث 1467، الوسائل 9: 303 الباب 1 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 1.

(5) المبسوط للسرخسيّ 4: 109، بدائع الصنائع 2: 177، الهداية للمرغينانيّ 1: 181، شرح فتح القدير 3: 56، تبيين الحقائق 2: 411.

(6) حلية العلماء 3: 356، المجموع 8: 355، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 4، مغني المحتاج 1:

532- 533.

(7) المغني 3: 374، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 530، الكافي لابن قدامة 1: 625، الفروع في فقه أحمد 2: 290.

17

و قال مالك: المعتمر لا يتحلّل؛ لأنّه لا يخاف الفوات (1).

و هو خطأ؛ لأنّ الآية (2) عامّة في كلّ محرم، و هو كما يتناول إحرام الحجّ، يتناول إحرام العمرة.

و لأنّ الآية إنّما نزلت في صدّ الحديبيّة، و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه محرمين بعمرة فحلّوا جميعا (3).

مسألة: و لو كان له طريق غير موضع الصدّ، فإن كان معه نفقة تكفيه، لم يجز له التحلّل

و استمرّ على إحرامه و وجب عليه سلوكها، سواء بعدت أو قربت، خاف الفوات أو لم يخف.

فإن كان محرما بعمرة لم تفت، فلا يجوز له التحلّل، و إن كان بحجّ، صبر حتّى يتحقّق الفوات ثمّ يتحلّل بعمرة، و ليس له التحلّل قبل الفوات و الإتيان بالعمرة بمجرّد خوف الفوات؛ لأنّ التحلّل إنّما يجوز بالحصر لا لخوف الفوات، و هذا غير مصدود هنا، فإنّه يجب أن يمضي على إحرامه في ذلك الطريق، فإن أدرك الحجّ، أتمّه، و إن فاته، تحلّل بعمرة و قضاه.

و لو قصرت نفقته، جاز له التحلّل؛ لأنّه كالممنوع و لا طريق له سوى موضع المنع. و كذا لو لم يكن له طريق سوى موضع الصدّ، فإنّه يحلّ، كما قلنا و يرجع إلى بلده.

روى الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حيث صدّه المشركون يوم الحديبيّة نحر

____________

(1) المغني 3: 374، المجموع 8: 355، عمدة القارئ 10: 142.

(2) البقرة (2): 196.

(3) المغني 3: 374، المجموع 7: 355، تفسير القرطبيّ 2: 377.

18

بدنته و رجع إلى المدينة» (1).

مسألة: إنّما يتحلّل المصدود بالهدي و نيّة التحلّل معا

. أمّا الهدي، فقد أجمع عليه أكثر العلماء (2) و حكي عن مالك أنّه لا هدي عليه (3).

لنا: قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (4).

قال الشافعيّ: لا خلاف بين أهل التفسير أنّ هذه الآية نزلت في حصر الحديبيّة (5).

و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حيث صدّه المشركون يوم الحديبيّة نحر بدنة و رجع إلى المدينة (6)، و فعله (عليه السلام) بيان للواجب، فيكون واجبا.

و لأنّه أبيح له التحلّل قبل أداء نسكه، فكان عليه الهدي و الفوات (7).

احتجّ مالك: بأنّه تحلّل أبيح له من غير تفريط أشبه من أتمّ حجّه (8). و هو خطأ؛ لأنّه خلاف النصّ. و فعله النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). و لأنّ من أتمّ حجّه، لم يبق عليه شيء من النسك، فتحلّله لأداء مناسكه، بخلاف المصدود الذي لم يتمّ نسكه.

____________

(1) التهذيب 5: 424 الحديث 1472، الوسائل 9: 313 الباب 9 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 5. و فيهما: «نحر بدنة» مكان: «نحر بدنته» كما في بعض النسخ.

(2) المغني 3: 374، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 530، المجموع 8: 303- 304، المبسوط للسرخسيّ 4: 109.

(3) بداية المجتهد 1: 355، بلغة السالك 1: 306، تفسير القرطبيّ 2: 373.

(4) البقرة (2): 196.

(5) الأمّ 2: 158، المغني 3: 374، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 530.

(6) التهذيب 5: 424 الحديث 1472، الوسائل 9: 313 الباب 9 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 5. و في نسختي ع و ح: بدنه، مكان: بدنة.

(7) كذا في النسخ و الأنسب: كالفوات، كما في التذكرة 8: 387.

(8) المغني 3: 374.

19

و أمّا النيّة، فلأنّه يخرج من إحرام فيفتقر إلى النيّة، كمن يدخل فيه.

و لأنّ الذبح يقع على وجوه:

أحدها: التحلّل، فلا يتخصّص لوجه دون آخر إلّا بالنيّة.

لا يقال: نيّة التحلّل غير معتبرة في غير المصدود، فكيف اعتبرت هنا! أ ليس إذا رمى، أحلّ من بعض الأشياء و إن لم ينو التحلّل؟

لأنّا نقول: من أتى بأفعال النسك فقد خرج عن العهدة و أتى بما عليه، فيحلّ بإكمال الأفعال، و لا يحتاج إلى نيّة، بخلاف المصدود.

و لأنّا قد بيّنّا أنّ الذبح لا يتخصّص بالتحلّل إلّا بالنيّة و احتيج بها، دون الرمي الذي لا يكون إلّا للنسك، فلم يحتج إلى قصد.

فرع: لو نوى التحلّل قبل الهدي، لم يتحلّل و كان على إحرامه حتّى ينحر الهدي

؛ لأنّه أقيم مقام أفعال الحجّ، فلا يحلّ قبله، كما لا يتحلّل القادر على أفعال الحجّ قبل فعلها.

و لا فدية عليه في نيّة التحلّل؛ لعدم تأثيرها في العبادة، فإن فعل شيئا من محظورات الإحرام قبل الهدي، فعليه الفداء؛ لأنّه محرم فعل محظورا في إحرام صحيح، فكان عليه فديته، كالقادر.

مسألة: و لا بدل لهدي التحلّل، فلو عجز عنه و عن ثمنه، لم ينتقل إلى غيره

و يبقى على إحرامه، و لو تحلّل، لم يحلّ. و به قال مالك (1)، و أبو حنيفة (2)، و الشافعيّ في أحد القولين.

____________

(1) المغني 3: 379، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 534.

(2) المبسوط للسرخسيّ 4: 113، بدائع الصنائع 2: 180، مجمع الأنهر 1: 306.

20

و تحرير مذهب الشافعيّ في هذا الباب أنّ له قولين:

أحدهما: لا ينتقل إلى البدل. و الثاني- و هو الصحيح عندهم-: ينتقل، فإذا قال: لا ينتقل، يكون في ذمّته، فله في جواز التحلّل قولان منصوصان.

أحدهما: أنّه يبقى محرما إلى أن يهدي.

و الثاني- و هو الأشبه-: أنّه يحلّ، ثمّ يهدي إذا وجد (1).

و إذا قال: ينتقل، قال في مختصر الحجّ: ينتقل إلى صوم التعديل (2). و قال في الأمّ: ينتقل إلى الإطعام (3)، و فيه قول ثالث: إنّه مخيّر بين الإطعام و الصيام (4).

و قال أحمد بن حنبل: إنّه ينتقل إلى صيام عشرة أيّام (5).

لنا: قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (6) منع من الحلق إلّا ببلوغ الهدي، فلو كان الإطعام أو الصيام بدلا، لجاز الخلاف قبل بلوغ الهدي. و لأنّه لم يذكر في القرآن، و لو كان له بدل، لذكره، كما ذكر بدل هدي حلق الأذى.

احتجّ الشافعيّ: بالقياس على هدي التمتّع و الطيب و اللباس (7).

و الجواب: النصّ أولى من القياس.

إذا ثبت هذا: فهل يجب عليه الحلق أو التقصير مع ذبح الهدي أم لا؟ فيه تردّد؛ لأنّه تعالى ذكر الهدي وحده و لم يشترط سواه.

____________

(1) الأمّ 2: 161، المجموع 8: 303، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 80.

(2) المجموع 8: 303.

(3) الأمّ 2: 161.

(4) الأمّ 2: 161، المجموع 8: 303.

(5) المغني 3: 380، الكافي لابن قدامة 1: 626، زاد المستقنع: 35.

(6) البقرة (2): 196.

(7) المهذّب للشيرازيّ 1: 234، المجموع 8: 299.

21

و قال أحمد في إحدى الروايتين: لا بدّ منه؛ لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حلق يوم الحديبيّة (1). و هو قويّ.

مسألة: قد بيّنّا (2) أنّ المصدود إنّما يتحلّل بالهدي و نيّة التحلّل.

و بعض أصحابنا يخصّ وجوب الهدي بالمحصور لا بالمصدود (3)، قال ابن إدريس: و هو الأظهر؛ لأنّ الأصل براءة الذمّة. و لقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (4) أراد: بالمرض؛ لأنّه يقال: أحصره المرض و حصره العدوّ (5).

و الأقرب: وجوب الهدي؛ لأنّه محصور بالعدوّ، فكان عليه الهدي، كالمحصور بالمرض.

و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا صدّ بالحديبيّة- و هي اسم نهر خارج الحرم- نحر هديه و أحلّ (6).

إذا ثبت هذا: فلو كان قد ساق المصدود هديا في إحرامه قبل الصدّ ثمّ صدّ، هل يكفيه هدي السياق عن هدى التحلّل أم لا؟ فيه قولان:

أحدهما: أنّه يجزئه ما ساقه عن هدي التحلّل (7)؛ لقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ

____________

(1) المغني 3: 380، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 535، الكافي لابن قدامة 1: 626، الإنصاف 4:

62 و 70.

(2) يراجع: ص 18.

(3) ينظر: المبسوط 1: 332.

(4) البقرة (2): 196.

(5) السرائر: 151.

(6) المغني 3: 374، كنز العمّال 5: 262 الرقم 12821.

(7) ينظر: النهاية: 282، الكافي في الفقه: 218.

22

فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (1).

و قيل: لا بدّ له من هدي آخر للتحلّل، كما لو لم يسق (2). و الأوّل: أقرب.

مسألة: و لا يتعيّن مكان لنحر هدي التحلّل في المصدود، بل يجوز نحره في موضع الصدّ

، سواء كان حلّا أو حرما. و به قال مالك (3)، و الشافعيّ (4)، و أحمد في إحدى الروايتين (5).

و قال في الأخرى: لا ينحر إلّا بالحرم يبعث به و يواطئ من يبعثه معه على نحره في وقت يتحلّل فيه. و به قال ابن مسعود، و الحسن، و الشعبيّ، و النخعيّ، و عطاء (6)، و أبو حنيفة (7).

لنا: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نحر هديه بالحديبيّة، و هي خارج الحرم (8).

و روي: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نحر هديه عند الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان، و هي من الحلّ باتّفاق أهل النقل (9). قال اللّه تعالى: وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ

____________

(1) البقرة (2): 196.

(2) ينظر: الفقيه 2: 305.

(3) المدوّنة الكبرى 1: 450، بداية المجتهد 1: 355، بلغة السالك 1: 306، المنتقى للباجيّ 2: 271، المغني 3: 376، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 532، عمدة القارئ 10: 147.

(4) الأمّ 2: 218، حلية العلماء 3: 355، المهذّب للشيرازيّ 1: 234، المجموع 8: 355، مغني المحتاج 1: 534، السراج الوهّاج: 171.

(5) المغني 3: 376، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 532، الكافي لابن قدامة 1: 625، الإنصاف 3:

534، زاد المستقنع: 35.

(6) المغني 3: 376، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 532.

(7) المبسوط للسرخسيّ 4: 109، تحفة الفقهاء 1: 417، بدائع الصنائع 2: 178، الهداية للمرغينانيّ 1: 181، شرح فتح القدير 3: 53.

(8) صحيح البخاريّ 3: 12، سنن البيهقيّ 5: 217، المغني 3: 377، الشرح الكبير بهامش المغني 3:

533.

(9) سنن البيهقيّ 5: 218، المغني 3: 377، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 533.

23

يَبْلُغَ مَحِلَّهُ (1).

و لأنّه موضع حلّ، فكان له نحره فيه، كالحرم. و لأنّ ذلك يفضي إلى تعذّر الحلّ، لتعذّر وصول الهدي محلّه مع مقاومة العدوّ.

و روى ابن بابويه عن الصادق (عليه السلام)، قال: «المحصور و المضطرّ ينحران بدنتهما في المكان الذي يضطرّان فيه» (2).

احتجّ أحمد: بقوله تعالى: وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (3). ثمّ قال: ثُمَّ مَحِلُّهٰا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (4).

و لأنّه ذبح يتعلّق بالإحرام، فلم يجز في غير الحرم، كدم الطيب و اللباس (5).

و الجواب عن الأوّل: أنّ الآية في حقّ غير المصدود، و لا يمكن قياس المصدود عليه؛ لأنّ تحلّل المصدود في الحلّ، و تحلّل غيره في الحرم، فكلّ منهما ينبغي أن ينحر في موضع تحلّله، و قد قيل في قوله تعالى: حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (6) أي: حتّى يذبح، و ذبح المصدود في موضع الصدّ و هو موضع حلّه؛ اقتداء برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (7).

و عن الثاني (8): بالفرق، و قد تقدّم (9).

____________

(1) الفتح (48): 25.

(2) الفقيه 2: 305 الحديث 1513، الوسائل 9: 309 الباب 6 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 3.

(3) البقرة (2): 196.

(4) الحجّ (22): 33.

(5) المغني 3: 377، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 533.

(6) البقرة (2): 196.

(7) المغني 3: 377، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 533.

(8) كثير من النسخ: و عن الجواب، مكان: و عن الثاني.

(9) يراجع: ص 22.

24

فرع: لو قدر على الحرم هل يجب أن يبعث هديه إليه أم لا؟ فيه تردّد

، و لكن لا ريب في الأولويّة، و كذا لو قدر على أطراف الحرم؛ لأنّ الحرم كلّه منحر.

مسألة: فكما لا يختصّ النحر بمكان، فكذا لا يختصّ بزمان

، بل متى صدّ، جاز له الذبح في الحال و الإحلال؛ لقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (1) و لم يشترط زمانا خصوصا مع الإتيان بالفاء الدالّة على التعقيب.

و عملا بالعمومات الدالّة على النحر مطلقا من غير تقييد بزمان.

و لأنّه ربّما احتاج إلى العود لسرعة، فلو لم يسع ذبحه في الحال، لزم الحرج.

مسألة: إذا صدّ عن الوصول إلى مكّة قبل الموقفين، فهو مصدود إجماعا

، يجوز له التحلّل، و كذا لو صدّ عن الوقوف بموقفين. و به قال الشافعيّ (2).

و قال أبو حنيفة (3)، و مالك: ليس له أن يتحلّل (4).

لنا: عموم قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (5) و لم يفصل، و كذا لو منع من إحدى الموقفين، قاله الشيخ (6) (رحمه اللّه).

أمّا لو صدّ بعد الوقوف بالموقفين و منع من العود إلى منى، لرمي الجمار

____________

(1) البقرة (2): 196.

(2) الأمّ 2: 162، المهذّب للشيرازيّ 1: 234، المجموع 8: 301، فتح العزيز بهامش المجموع 8:

60، مغني المحتاج 1: 537، أحكام القرآن لابن العربيّ 1: 123.

(3) المبسوط للسرخسيّ 4: 114، بدائع الصنائع 2: 177، الهداية للمرغينانيّ 1: 181، شرح فتح القدير 3: 58، المجموع 8: 355، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 60 و 61.

(4) المدوّنة الكبرى 1: 366، بلغة السالك 1: 306.

(5) البقرة (2): 196.

(6) المبسوط 1: 333.

25

و المبيت بها، فإنّه لا يتحقّق الصدّ بذلك، بل قد تمّ حجّه، فيتحلّل و يستنيب من يرمي عنه.

و لو صدّ بعد الوقوف بالموقفين قبل طواف الزيارة و السعي، فإنّه يتحلّل أيضا؛ لأنّ الصدّ يفيد التحلّل من جميعه فأفاد التحلّل من بعضه. و له أن يبقى على إحرامه.

إذا ثبت هذا: فإن لحق أيّام منى، رمى و حلق و ذبح، و إن لم يلحق، أمر من ينوب عنه في ذلك، فإذا تمكّن، أتى مكّة فطاف طواف الحجّ و سعى و قد تمّ حجّه و لا قضاء عليه، هذا إذا بقي على إحرامه حتّى يطوف و يسعى.

و إن لم يقم على إحرامه و تحلّل، كان عليه الحجّ من قابل ليأتي بأركان الحجّ من الطواف و السعي.

أمّا لو طاف و سعى و منع من المبيت بمنى و من الرمي، فإنّ حجّه تامّ على ما بيّنّاه (1).

و لو تمكّن من المبيت و صدّ عن الوقوف بالموقفين أو عن أحدهما، جاز له التحلّل؛ للعموم (2)، و إن لم يتحلّل و أقام على إحرامه حتّى فاته الوقوف، فقد فاته الحجّ، و عليه أن يتحلّل بعمرة و لا يلزمه دم لفوات الحجّ.

و هل يجوز له أن يفسخ نيّة الحجّ و يجعله عمرة قبل الفوات؟ فيه إشكال- و قال بعض الجمهور: له ذلك (3)- لأنّا أبحنا له ذلك من غير صدّ، فمعه أولى، و لا دم عليه.

____________

(1) يراجع: ص 24.

(2) البقرة (2): 196.

(3) المغني 3: 379، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 536.

26

فرع: لو طاف و سعى للقدوم ثمّ صدّ حتّى فاته الحجّ، طاف و سعى ثانيا لعمرة أخرى

و لا يجتزئ بالطواف الأوّل و سعيه؛ لأنّ الأوّل لم يقصد به طواف العمرة و لا سعيها، أمّا الإحرام، فإنّه يجتزئ بالأوّل و لا يجدّد إحراما آخر. و به قال الشافعيّ، و أحمد، و أبو ثور (1).

و قال مالك: يخرج إلى الحلّ، فيفعل ما يفعله المعتمر (2).

و قال الزهريّ: لا بدّ أن يقف بعرفة (3).

و قال محمّد بن الحسن: لا يكون محصرا بمكّة (4).

مسألة: إذا تحلّل، وفاته الحجّ، وجب عليه القضاء في العام المقبل

إن كان الحجّ للفائت واجبا، كحجّة الإسلام و النذر و شبهه، و إن كان نفلا، لم يجب القضاء، ذهب إليه علماؤنا.

و كذا العمرة إن كانت واجبة عمرة الإسلام أو واجبة بنذر و شبهه، وجب عليه قضاؤها، و إن كانت نفلا، لم يجب عليه القضاء.

و قال الشافعيّ: لا قضاء عليه بالتحلّل، فإن كانت حجّة تطوّع أو عمرة تطوّع، لم يلزمه قضاؤها بحال، و إن كانت حجّة الإسلام أو عمرة الإسلام و كانت قد

____________

(1) المغني 3: 379، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 536، الكافي لابن قدامة 1: 622، الإنصاف 4:

63، بداية المجتهد 1: 357.

(2) المدوّنة الكبرى 1: 373، بلغة السالك 1: 305، المغني 3: 379، الشرح الكبير بهامش المغني 3:

537.

(3) المغني 3: 379، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 536، بداية المجتهد 1: 357، عمدة القارئ 10:

146.

(4) المغني 3: 379، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 536.

27

استقرّت في ذمّته قبل هذه السنة، فإن خرج منها (1) بالتحلّل، فكأنّه لم يفعلها و كان باقيا في ذمّته على ما كان عليه، و إن كانت وجبت عليه في هذه السنة، سقط وجوبها و لم يستقرّ في ذمّته؛ لفقدان بعض شرائط الحجّ، فحينئذ التحلّل بالصدّ لا يوجب القضاء بحال (2)- كما ذهبنا نحن إليه- و به قال مالك (3)، و أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين (4).

و قال أبو حنيفة: إذا تحلّل، لزمه القضاء، ثمّ إن كان إحرامه بعمرة مندوبة، قضاها واجبا، و إن كان بحجّة مندوبة فأحصر، تحلّل، و عليه أن يأتي بحجّ و عمرة، و إن كان قرن (5) بينهما فأحصر و تحلّل، لزمته حجّة و عمرتان، عمرة لأجل العمرة، و حجّة و عمرة لأجل الحجّ (6).

و يجيء على مذهبه: إذا أحرم بحجّتين، فإنّه ينعقد بهما، و إنّما ينتقض (7) عن أحدهما إذا أخذ في السير، فإن أحصر قبل أن يسير، تحلّل منهما، و لزمه حجّتان

____________

(1) أكثر النسخ: أخرج منها.

(2) الأمّ 2: 162 و 218، حلية العلماء 3: 358، المهذّب للشيرازيّ 1: 234، المجموع 8: 355، مغني المحتاج 1: 537، السراج الوهّاج: 172، المغني 3: 375، الشرح الكبير بهامش المغني 3:

536.

(3) المدوّنة الكبرى 1: 366، بداية المجتهد 1: 355، بلغة السالك 1: 306، المغني 3: 375، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 536، المجموع 4: 355، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 56.

(4) المغني 3: 375، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 536، الكافي لابن قدامة 1: 622، الفروع في فقه أحمد 2: 291، الإنصاف 4: 64.

(5) أكثر النسخ: فرق.

(6) المبسوط للسرخسيّ 4: 109 و 177، تحفة الفقهاء 1: 418، بدائع الصنائع 2: 170، الهداية للمرغينانيّ 1: 181، حلية العلماء 3: 358، بداية المجتهد 1: 355 و 357، المغني 3: 375، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 536.

(7) بعض النسخ: ينتقص.

28

و عمرتان.

لنا: أنّ الأصل براءة الذمّة، و إيجاب القضاء خلاف له، فيفتقر إلى دليل، و لم يوجد.

و لأنّه تطوّع جاز التحلّل منه مع صلاح الوقت، فلا يجب قضاؤه، كما لو فعل في الصوم يعتقد أنّه واجب فلم يكن.

احتجّ أبو حنيفة: بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا تحلّل بالحديبيّة (1)، قضى من قابل و سمّيت عمرة القضيّة. و لأنّه حلّ من إحرامه قبل إتمامه، فلزمه القضاء، كما لو فاته الحجّ بالإفساد (2).

و الجواب عن الأوّل: أنّ الذين صدّوا كانوا ألفا و أربعمائة (3) من أصحابه محرمين بعمرة فحصرهم العدوّ فتحلّلوا، فلمّا كان في السنة الثانية، عاد في نفر مصدودين عددا يسيرا، و لم ينقل إلينا أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر أحدا بالقضاء، و لم ينكر على من تخلّف عن مصاحبته، و سمّيت عمرة القضيّة؛ لأنّهم عنوا بها العمرة التي جرى فيها قضيّة الصلح التي اصطلحوا عليها و اتّفقوا (4) عليها، و لو أرادوا غير ذلك، لقالوا عمرة القضاء.

و عن الثاني: بالفرق، فإنّ الذي فاته الحجّ مفرّط، بخلاف المصدود.

مسألة: قد بيّنّا (5) أنّه إذا كان له طريق آخر غير الذي صدّ عنه، وجب عليه سلوكه

إذا كان آمنا و لم يجز له أن يتحلّل؛ إذ لا فرق بين الطريق الأوّل و الثاني.

____________

(1) ق و خا: من الحديبيّة.

(2) المغني 3: 375، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 536.

(3) ق، ع و خا بزيادة: نفر.

(4) كثير من النسخ: أو نقضوا، مكان: و اتّفقوا.

(5) يراجع: ص 17.

29

هذا إذا كان الطريق الثاني مساويا للأوّل في المسافة، و لو كان أبعد منه، فإن لم يكن له نفقة يمكنه أن يقطع بها الطريق الأبعد، جاز له التحلّل؛ لأنّه مصدود عن الأوّل و عاجز عن سلوك الثاني، و إن كان معه نفقة يمكنه قطع الطريق الأوّل (1) بها، لم يجز له التحلّل و وجب عليه سلوكه.

و لو خاف في الطريق الثاني أنّه إذا سلكه فاته الحجّ، لم يكن له أن يتحلّل؛ لأنّ التحلّل إنّما يجوز بالصدّ، لا خوف الفوات، و هذا غير مصدود عن الطريق الأطول، فيمضي في إحرامه في ذلك الطريق، فإن أدرك الحجّ أتمّه، و إن فاته الحجّ، تحلّل بعمرة و وجب القضاء إن كان الحجّ واجبا، و إلّا استحبّ له القضاء.

مسألة: و لا فرق بين الحصر العامّ- و هو أن يصدّه المشركون و يصدّوا أصحابه- و بين الحصر الخاصّ في حقّ شخص واحد

، مثل أن يحبس بغير حقّ، أو يأخذه اللصوص وحده؛ لعموم النصّ و وجود المعنى المقتضي؛ لجواز التحلّل في الصورتين.

و كما أنّه لا فرق بينهما في جواز التحلّل، فلا فرق بينهما في وجوب القضاء و عدم وجوبه، فكلّ موضع حكمنا فيه بوجوب القضاء في الصدّ العامّ، فهو ثابت في الصدّ الخاصّ، و ما لا يجب فيه هناك لا يجب فيه هنا. و هو أحد قولي الشافعي، و في الآخر: يجب القضاء (2).

لنا: أنّ الأصل براءة الذمّة. و ما تقدّم في الحصر العامّ فإنّه آت هنا.

____________

(1) كذا في النسخ، و مقتضى السياق: الطريق الثاني أو الطريق الأطول.

(2) الأمّ 2: 162، المهذّب للشيرازيّ 1: 234، المجموع 8: 306 و 307، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 59، مغني المحتاج 1: 537.

30

فروع:

الأوّل: لو حبس بدين، فإن كان قادرا على أدائه، لم يكن مصدودا و لم يجز له التحلّل

، و لو كان عاجزا عنه، تحلّل؛ لأنّه مع القدرة لا عذر له، فلا يجوز له التحلّل، و مع العجز يكون مصدودا؛ لإعساره، و كذا يتحلّل لو حبس ظلما.

الثاني: لو كان عليه دين مؤجّل يحلّ قبل قدوم الحاجّ فمنعه صاحبه من الحجّ، كان له التحلّل

؛ لأنّه معذور.

الثالث: لو أحرم العبد بغير إذن سيّده أو الزوجة تطوّعا بغير إذن زوجها

، كان للمولى و الزوج منعهما من إتمام الحجّ، و تحلّلا و لا دم عليهما.

مسألة: قد بيّنّا أنّ حكم العمرة حكم الحجّ في جواز التحلّل و عدمه

(1)، فكلّ موضع جوّزنا فيه التحلّل من إحرام الحجّ فإنّه يجوز من إحرام العمرة، و هو قول أكثر العلماء (2).

و حكي عن مالك أنّه لا يحلّ من إحرام العمرة؛ لأنّها لا تفوت (3). و قد سبق البحث فيه (4).

و كذا يجوز التحلّل لكلّ مصدود حاجّ، سواء كان قارنا أو مفردا أو متمتّعا، و قد بيّنّا أنّه لا يجوز له التحلّل إلّا مع الهدي (5).

إذا ثبت هذا: فإنّه يجوز الذبح وقت الصدّ و لا يجب الانتظار إلى بلوغ الهدي

____________

(1) يراجع: ص 16.

(2) حلية العلماء 3: 356، المجموع 8: 355، المغني 3: 378، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 533، المبسوط للسرخسيّ 4: 109.

(3) المدوّنة الكبرى 1: 366، بلغة السالك 1: 306، حلية العلماء 3: 356، المغني 3: 374، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 534، المجموع 8: 355، المبسوط للسرخسيّ 4: 109.

(4) يراجع: ص 16- 17.

(5) يراجع: ص 18.

31

محلّه. و هو إحدى الروايتين عن أحمد، و في الأخرى: لا يذبح حتّى يبلغ الهدي محلّه و هو يوم النحر، و إذا لم يجز الذبح، لم يجز التحلّل (1).

و احتجّ: بأنّ للهدي محلّ زمان و محلّ مكان، فإذا عجز عن محلّ المكان، سقط و بقي محلّ الزمان واجبا؛ لإمكانه (2).

و هو غلط؛ لأنّ محلّ الزمان تابع لمحلّ المكان، فإذا فات، فات تابعه.

و أيضا: فإنّه ربّما حصل له ضرر عظيم بالصبر إلى يوم النحر.

مسألة: يستحبّ له تأخير الإحلال؛ لجواز زوال العذر

، فإذا أخّر و زال العذر قبل تحلّله، وجب عليه المضيّ في تمام نسكه بغير خلاف؛ لأنّه محرم لم يأت بالمناسك مع إمكانها، فوجب عليه إتمامها، كالقادر.

و لقوله تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (3) و هو قادر؛ إذ الغرض زوال العائق و لو خشي الفوات، لم يتحلّل على ما قلنا، و صبر حتّى يتحقّق ثمّ يتحلّل بعمرة. فلو صابر ففات الحجّ، لم يكن له أن يتحلّل بالهدي و وجب عليه أن يتحلّل بعمرة و عليه القضاء إن كان واجبا. و إلّا فلا.

و لو فات الحجّ ثمّ زال الصدّ بعده، قال بعض الجمهور: يتحلّل بالهدي و عليه هدي آخر للفوات (4).

أمّا الشيخ- (رحمه اللّه)- فإنّه قال: إذا لم يتحلّل و أقام على إحرامه حتّى فاته الوقوف، فقد فاته الحجّ، و عليه أن يتحلّل بعمرة، و لا يلزمه دم لفوات الحجّ (5).

____________

(1) المغني 3: 377، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 534، الكافي لابن قدامة 1: 625، الإنصاف 4:

67.

(2) المغني 3: 378، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 534.

(3) البقرة (2): 196.

(4) المغني 3: 378، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 534، بداية المجتهد 1: 357.

(5) المبسوط 1: 333، الخلاف 1: 492 مسألة- 318.

32

فروع:

الأوّل: إذا غلب على ظنّه انكشاف العدوّ قبل الفوات، جاز له أن يتحلّل

؛ عملا بالعموم، لكنّ الأفضل البقاء على إحرامه، فإن انكشف العدوّ أتمّ، و لو اتّفق الفوات، أحلّ بعمرة.

الثاني: لو أفسد حجّه فصدّ، كان عليه بدنة و دم التحلّل و الحجّ من قابل.

و لو انكشف العدوّ في وقت متّسع لاستئناف القضاء، وجب، و هو حجّ يقضي لسنته، و ليس يتصوّر القضاء في العام الذي أفسده فيه في غير هذه المسألة، و لو ضاق الوقت، قضى من قابل.

و إن لم يتحلّل من الفاسد، فإن زال الصدّ و الحجّ لم يفت، مضى في الفاسد و تحلّل، كالصحيح، فإن فاته، تحلّل بعمرة، و تلزمه بدنة للإفساد، و لا شيء عليه للفوات.

و القضاء عليه من قابل هاهنا واجب، سواء كان الحجّ تطوّعا أو واجبا؛ لأنّ التطوّع ينقلب واجبا مع الإفساد.

و لو كان العدوّ باقيا، فله التحلّل، فإذا تحلّل، لزمه الدم للتحلّل و بدنة للإفساد، و القضاء من قابل، و ليس عليه أكثر من قضاء واحد.

الثالث: لو صدّ فأفسد حجّه، جاز له التحلّل

؛ عملا بالعموم (1). و لأنّه يجوز له التحلّل في الصحيح، ففي الفاسد أولى، و يجب عليه دم التحلّل، و بدنة للإفساد، و عليه القضاء للحجّ مطلقا (2)، و يكفيه قضاء واحد، كما قلنا هناك.

فالحاصل: أنّه لا فرق في ذلك بين أن يكون الصدّ بعد الإفساد، و بين أن يكون قبله.

____________

(1) البقرة (2): 196.

(2) أكثر النسخ: و الحجّ عليه القضاء مطلقا، مكان: و عليه القضاء للحجّ مطلقا.

33

مسألة: قد بيّنّا أنّه ينبغي للمحرم أن يشترط على ربّه في حال الإحرام

(1)، خلافا لمالك (2).

إذا ثبت هذا: فإنّه متى شرط في ابتداء إحرامه أن يحلّ متى مرض، أو ضاعت نفقته أو نفدت، أو منعه ظالم، أو غير ذلك من الموانع، فإنّه يحلّ متى وجد ذلك بلا خلاف، و هل يسقط الهدي أم لا؟ قال السيّد المرتضى- (رحمه اللّه)-: يسقط (3)، و به قال جماعة من الجمهور (4).

و قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: لا يسقط؛ لعموم الآية في قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (5). فإنّه كما يتناول الشرط، يتناول غيره (6). و قد سلف البحث في ذلك (7).

إذا ثبت هذا: فإنّ الشرط لا يؤثّر في سقوط الحجّ في العام المقبل إن كان الحجّ واجبا، خلافا لقوم (8)، و قد سلف البحث فيه (9).

و ينبغي أن يشترط ما له فائدة، مثل أن يقول: إن مرضت، أو فنى مالي، أو فاتني الوقت، أو ضاق عليّ الوقت، أو منعني عدوّ، أو غيره. و لو قال: أن تحلّني حيث شئت، فليس له ذلك.

____________

(1) يراجع: الجزء العاشر: 248.

(2) سنن البيهقيّ 5: 221، المغني 3: 249، المحلّى 7: 114- 115، تفسير القرطبيّ 2: 375، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 10، عمدة القارئ 10: 147.

(3) الانتصار: 104.

(4) المغني 3: 382، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 539.

(5) البقرة (2): 196.

(6) الخلاف 1: 494 مسألة- 324.

(7) يراجع: ص 16.

(8) المغني 3: 382، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 539.

(9) يراجع: ص 16.

34

ثمّ ينظر في الشرط و صيغته، فإن قال: إن مرضت، فلي أن أحلّ، و إن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستني (1)، فإذا حبس يكون بالخيار بين الحلّ و بين البقاء على الإحرام.

و إن قال: إن مرضت فأنا حلال، قال بعض الجمهور: متى وجد الشرط، حلّ بوجوده؛ لأنّه شرط صحيح، فكان على ما شرط (2).

فرع: لو قال: أنا أرفض إحرامي و أحلّ، فلبس الثياب و ذبح الصيد و عمل ما يعمل الحلال من غير صدّ أو حصر أو إتمام، لم يحلّ

و وجب عليه عن كلّ فعل كفّارة حسب ما تقدّم (3)؛ لأنّ التحلّل من الحجّ إنّما يحصل بأمور ثلاثة: كمال أفعاله، أو التحلّل عند الحصر، أو الصدّ بالعدوّ إذا شرط، و مع فقدان هذه الأشياء لا يتحلّل، فإن نوى التحلّل لم يحلّ، و لا يفسد الإحرام برفضه؛ لأنّه عبادة لا يخرج منها بالفساد، فلا يخرج منها برفضها، بخلاف سائر العبادات التي يخرج منها بإفسادها، كالصلاة.

و إن وطئ، أفسد حجّه و وجب عليه إتمامه، و البدنة، و الحجّ من قابل، سواء كان الوطء قبل ما فعله من الجنايات أو بعده، فإنّ الجناية على الإحرام الفاسد توجب الجزاء، كالجناية على الإحرام الصحيح، و ليس عليه لرفضه للإحرام شيء؛ لأنّه مجرّد نيّة لم تؤثر شيئا.

مسألة: العدوّ الصادّ لأهل الحجّ، إمّا أن يكونوا مسلمين أو مشركين

، فإن كانوا مسلمين، كالأكراد و الأعراب و أهل البادية، فالأولى الانصراف عنهم و ترك قتالهم؛

____________

(1) خا و ق: فمحلّ حيث حبستني، د: فحلّني حيث حبستني.

(2) المغني 3: 383، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 539، الإنصاف 4: 72.

(3) يراجع: ص 32- 33.

35

لأنّ في قتالهم مخاطرة بالنفس و المال و قتل مسلم، فكان الترك أولى، إلّا أن يدعوهم الإمام أو من نصبه الإمام إلى قتالهم، و يجوز قتالهم؛ لأنّهم تعدّوا على المسلمين بمنعهم طريقهم، فأشبهوا سائر قطّاع الطريق.

و إن كانوا مشركين، لم يجب على الحاجّ قتالهم؛ لأنّ قتالهم إنّما يجب بأحد أمرين: إمّا الدفع عن النفس، أو الدعاء إلى الإسلام بإذن الإمام، و ليس هنا واحد منهما.

قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: و إذا لم يجب قتالهم، فلا يجوز أيضا، سواء كانوا قليلين أو كثيرين، أو المسلمون أكثر أو أقلّ- مع أنّه قال في جانب المسلمين-:

الأولى ترك قتالهم (1). و هو يشعر بجواز قتالهم.

و الأقوى عندي: أنّ قتالهم لا يجب، و لكن إن غلب على ظنّ المسلمين القهر لهم و الظفر، استحبّ قتالهم؛ لما فيه من الجهاد، و حصول النصر، و إتمام النسك و دفعهم عن منع السبيل، و لا يجب قتالهم أيضا، بل يجوز التحلّل.

و لو غلب على الظنّ ظفر الكفّار، انصرفوا عنهم من غير قتال، لئلّا يضرّوا بالمسلمين.

فروع:

الأوّل: لو احتاج الحاجّ إلى لبس السلاح، و ما يجب فيه الفدية لأجل الحرب، جاز

؛ لما تقدّم (2) و عليهم الفدية؛ لأنّ لبسهم لأنفسهم، فأشبه ما لو لبسوا لدفع الحرّ و البرد.

الثاني: لو قتلوا نفسا و أتلفوا أموالا، لم يكن عليهم ضمان

، و لو كان هناك صيد

____________

(1) المبسوط 1: 334.

(2) يراجع: الجزء الثاني عشر: 220.

36

فقتلوه، فإن كان لأهل الحرب، ففيه الجزاء دون القيمة؛ لأنّه لا حرمة لمالكه، و إن كان لمسلم أو لا مالك له، كان فيه الجزاء و القيمة على ما تقدّم (1).

الثالث: لو بذل لهم العدوّ تخلية الطريق، فإن كانوا معروفين بالغدر، جاز لهم الانصراف

، و إن كانوا معروفين بالوفاء و أمّنوهم، لم يجز لهم التحلّل، و وجب عليهم المضيّ في إحرامهم؛ لزوال الصدّ.

الرابع: لو طلب العدوّ مالا على تخلية الطريق، فإن لم يكونوا مأمونين، لم يجب بذله إجماعا

؛ لأنّ الخوف باق مع البذل، و إن كانوا مأمونين يوثق بقولهم، فإمّا أن يكون المال كثيرا أو قليلا، فإن كان كثيرا، لم يجب بذله، بل يكره إن كان العدوّ مشركين؛ لأنّ فيه صغارا و تقوية للمشركين، و إن كان قليلا، قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: لا يجب بذله و له التحلّل (2)، كما أنّه لا يجب في ابتداء الحجّ بذل مال إذا لم يجد طريقا آمنا. و لو قيل بوجوبه مع إمكان التحلّل به من غير إضرار، كان حسنا.

مسائل:

الأولى: قد بيّنّا: أنّ المحصر إذا لم يجد هديا، لم يتحلّل

، بل يبقى على إحرامه (3)، و به قال أبو حنيفة (4).

و قال الشافعيّ: ينتقل إلى الصوم و يحلّ به، و هو أن يقوّم شاة وسطا بالطعام

____________

(1) يراجع: الجزء الثاني عشر: 284.

(2) المبسوط 1: 334.

(3) يراجع: ص 19.

(4) المبسوط للسرخسيّ 4: 113، تحفة الفقهاء 1: 417، بدائع الصنائع 2: 180، شرح فتح القدير 3:

53، تبيين الحقائق 2: 408، مجمع الأنهر 1: 306.

37

فيصوم بإزاء كلّ مدّ يوما (1).

لنا: قوله تعالى: وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (2) أنهى الحرمة إلى غاية الحلق، و هذا يمنع زوالها قبله.

احتجّ الشافعيّ: بأنّه عجز عن الهدي، فيلزمه الصوم، كدم المتعة (3).

و الجواب: الفرق بما تقدّم (4).

الثانية: قد بيّنّا أنّه يصحّ أن يصدّ الحاجّ بعد دخول مكّة إذا لم يقف بالموقفين

(5). و به قال الشافعيّ (6).

و قال أبو حنيفة: ليس بمصدود، بل إن قدر على الأداء، أدّى، و إن دام العجز حتّى مضى الوقت، فحكمه حكم فائت الحجّ، يتحلّل بأفعال العمرة، و النحر في الحرم لا يكون مثل النحر خارج الحرم (7).

لنا: عموم قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ (8) من غير فصل.

احتجّ: بأنّ المراد بذلك: من أحصر خارج الحرم، و لهذا قال: وَ لٰا تَحْلِقُوا

____________

(1) الأمّ 2: 161، حلية العلماء 3: 357، المهذّب للشيرازيّ 1: 234، المجموع 8: 304، 305، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 80، مغني المحتاج 1: 534.

(2) البقرة (2): 196.

(3) المهذّب للشيرازيّ 1: 234، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 80، مغني المحتاج 1: 534.

(4) يراجع: ص 19- 20.

(5) يراجع: ص 24.

(6) الأمّ 2: 162، المهذّب للشيرازيّ 1: 233، المجموع 8: 301، فتح العزيز بهامش المجموع 8:

80، مغني المحتاج 1: 533.

(7) تحفة الفقهاء 1: 415، الهداية للمرغينانيّ 1: 182، شرح فتح القدير 3: 59، تبيين الحقائق 2:

414، مجمع الأنهار 1: 307.

(8) البقرة (2): 196.

38

رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (1) و هو الحرم، فدلّ على أنّه خارج الحرم (2).

و الجواب: ما تقدّم: أنّ محلّه موضع نحره (3)، أو أنّ الآية وردت في حقّ القادر، على ما تقدّم (4).

الثالثة: إذا تحلّل المصدود بالهدي و كان واجبا، قضى ما تحلّل منه

، إن كان حجّا، وجب عليه حجّ لا غير، و به قال الشافعيّ (5).

و قال أبو حنيفة: يجب عليه قضاء حجّة و عمرة معا (6).

لنا: أنّه أحصر عن الحجّ، فلا يلزمه غيره، كمن أحصر عن العمرة، لا يلزمه غيرها.

احتجّ أبو حنيفة: بقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ إلى قوله:

فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ (7) لكنّ العمرة في القضاء معرّفا بالألف و اللام، فدلّ ذلك على عمرة معهودة واجبة عليه، و ليست تلك إلّا العمرة الواجبة بالصدّ. و لأنّ المصدود عن الحجّ فائت الحجّ، و فائت الحجّ يتحلّل بأفعال العمرة، فإذا لم يأت

____________

(1) البقرة (2): 196.

(2) الهداية للمرغينانيّ 1: 182، شرح فتح القدير 3: 59.

(3) يراجع: ص 22.

(4) يراجع: ص 16- 17.

(5) حلية العلماء 3: 358، المهذّب للشيرازيّ 1: 234، المجموع 8: 306، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 56- 57، مغني المحتاج 1: 537، السراج الوهّاج: 172، الميزان الكبرى 2: 54، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 1: 163.

(6) المبسوط للسرخسيّ 4: 117، تحفة الفقهاء 1: 418، بدائع الصنائع 2: 182، الهداية للمرغينانيّ 1: 182، شرح فتح القدير 3: 55، تبيين الحقائق 2: 410، مجمع الأنهر 1: 306.

(7) البقرة (2): 196.

39

بأفعال العمرة في الحال، يجب عليه قضاؤها (1).

و الجواب عن الأوّل: بالمنع من العود إلى ما ذكرتم.

و عن الثاني: أنّ التحلّل للمصدود إمّا أن يكون بالعمرة إن فاته الوقت، و إلّا فالهدي. و الحاصل: أنّا نمنع أنّ حكمه حكم فائت الحجّ مطلقا.

الرابعة: الصدّ قد يتحقّق في العمرة

. و به قال أبو حنيفة (2).

و قال الشافعيّ: لا يتحقّق (3).

لنا: قوله: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (4) ذكر ذلك عقيبهما، فينصرف إلى كلّ واحد منهما، كما انصرف إلى أحدهما؛ لعدم الأولويّة.

و عن ابن مسعود، أنّه سئل عن معتمر لدغ، فقال: ابعثوا عنه هديا، فإذا ذبح عنه فقد حلّ (5).

و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا صدّ كان معتمرا (6).

و لأنّه عجز عن الأداء للحال، و في البقاء على الإحرام مدّة غير معلومة حرج عظيم، فأبيح له التحلّل بالهدي، كما في الحجّ. و لأنّه أبيح له التحلّل بالهدي في أعلى العبادتين، فيباح له في أدناهما.

____________

(1) تحفة الفقهاء 1: 418، الهداية للمرغينانيّ 1: 181، شرح فتح القدير 3: 56، تبيين الحقائق 2:

410، مجمع الأنهر 1: 306.

(2) المبسوط للسرخسيّ 4: 109، تحفة الفقهاء 1: 415، بدائع الصنائع 2: 177، الهداية للمرغينانيّ 1: 181، شرح فتح القدير 3: 56، تبيين الحقائق 2: 411، مجمع الأنهر 1: 306.

(3) المهذّب للشيرازيّ 1: 235، المجموع 8: 310.

(4) البقرة (2): 196.

(5) سنن البيهقيّ 5: 221، المصنّف لابن أبي شيبة 4: 238 الحديث 1. فيه بتفاوت.

(6) صحيح البخاريّ 5: 161، سنن البيهقيّ 5: 215.

40

احتجّ: بأنّه ليس لها وقت معلوم، فيمكنه المكث إلى أن يزول الإحصار ثمّ يؤدّي (1).

و الجواب: أنّه يلزم منه الحرج؛ لعدم العلم بالغاية.

____________

(1) المغنيّ 3: 374، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 530، المجموع 8: 355، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 4.

41

البحث الثاني في المحصور

مسألة: قد بيّنّا أنّ الحصر هو المنع بسبب المرض، إمّا عن الوصول إلى مكّة، أو عن الموقفين

، كما قلنا في الصدّ (1).

إذا ثبت هذا: فإنّ الحاجّ متى حصره المرض بحيث لا يتمكّن معه من النفوذ إلى مكّة، بعث بهديه مع أصحابه ليذبحوه عنه في موضع الذبح، فإن كان قد ساق هديا، بعث ما ساقه، و إن لم يكن قد ساق، بعث هديا أو ثمنه.

و لا يحلّ حتّى يبلغ الهدي محلّه، و هو منى إن كان حاجّا، و مكّة إن كان معتمرا.

فإذا بلغ الهدي محلّه، أحلّ من كلّ شيء، إلّا من النساء إلى أن يطوف في القابل، أو يأمر من يطوف عنه، فيحلّ له النساء حينئذ. ذهب إليه علماؤنا أجمع، و به قال ابن مسعود، و عطاء، و الثوريّ، و النخعيّ، و أحمد في إحدى الروايتين (2).

و أصحاب الرأي، إلّا أنّهم لم يعتبروا طواف النساء، بل قالوا: يحلّ بالبلوغ إلى

____________

(1) يراجع: ص 15 و 24.

(2) المغني 3: 382، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 538، المجموع 8: 355، الكافي لابن قدامة 1:

628، الفروع في فقه أحمد 2: 292، الإنصاف 4: 71.

42

المحلّ (1).

و قال الشافعيّ: لا يجوز له التحلّل أبدا إلى أن يأتي به، فإن فاته الحجّ، تحلّل بعمرة (2). و به قال ابن عمر، و ابن عبّاس، و مروان (3)، و مالك (4)، و أحمد في الرواية الأخرى (5).

لنا: قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (6) لأنّ الإحصار إنّما هو للمرض و نحوه، يقال: أحصره المرض إحصارا فهو محصر، و حصره العدوّ حصرا فهو محصور. قال الفرّاء: أحصره المرض لا غير، و حصره العدوّ و أحصره معا (7).

و هو نصّ في محلّ النزاع، كما هو متناول للصدّ بالعدوّ.

و ما رواه الجمهور عن عكرمة، عن حجّاج بن عمرو الأنصاريّ (8)، أنّ النبيّ

____________

(1) المبسوط للسرخسيّ 4: 107، تحفة الفقهاء 1: 416، بدائع الصنائع 2: 178، الهداية للمرغينانيّ 1: 180- 181، شرح فتح القدير 3: 53، تبيين الحقائق 2: 292، مجمع الأنهر 1: 306.

(2) الأمّ 2: 219، المهذّب للشيرازيّ 1: 235، المجموع 8: 310، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 8، الميزان الكبرى 2: 54، مغني المحتاج 1: 533.

(3) المغني 3: 382، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 538، المجموع 8: 355، بداية المجتهد 1:

356.

(4) المدوّنة الكبرى 1: 372، بداية المجتهد 1: 356، بلغة السالك 1: 305.

(5) المغني 3: 382، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 538، الفروع في فقه أحمد 2: 292، الإنصاف 4: 71.

(6) البقرة (2): 196.

(7) المصباح المنير: 138، المبسوط للسرخسيّ 4: 108.

(8) د و ع: عمر الأنصاريّ، ح، ق، خا و ر: عمير الأنصاريّ، و الصحيح ما أثبتناه، و هو: حجّاج بن عمرو بن عزيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ له صحبة، روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و روى عنه ابن أخيه حمزة بن سعيد و عبد اللّه بن رافع و عكرمة، شهد مع عليّ (عليه السلام) صفّين.

أسد الغابة 1: 382، تهذيب التهذيب 2: 204.

43

(صلّى اللّه عليه و آله) قال: «من كسر أو عرج فقد حلّ و عليه حجّة أخرى» (1) و في بعضها: «و عليه الحجّ من قابل» (2).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أحصر فبعث بالهدي، قال: «يواعد أصحابه ميعادا، فإن كان في حجّ فمحلّ الهدي [يوم] (3) النحر، فإذا كان يوم النحر فليقصّر من رأسه و لا يجب الحلق حتّى تنقضي مناسكه، و إن كان في عمرة فلينظر مقدار دخول أصحابه مكّة و الساعة التي يعدهم فيها، فإذا كان تلك الساعة، قصّر و أحلّ، فإن كان مرض في الطريق بعد ما أحرم فأراد الرجوع إلى أهله، رجع و نحر بدنة إن أقام مكانه، و إن كان في عمرة فإذا برئ، فعليه العمرة واجبة، و إن كان عليه الحجّ، رجع إلى أهله، و أقام ففاته الحجّ، فكان (4) عليه الحجّ من قابل، فإن ردّوا الدراهم عليه و لم يجدوا هديا ينحرونه و قد أحلّ، لم يكن عليه شيء، و لكن يبعث من قابل و ينسك (5) أيضا» قال: «إنّ الحسين بن عليّ (عليهما السلام) خرج معتمرا فمرض في الطريق فبلغ عليّا (عليه السلام) و هو بالمدينة فخرج في طلبه فأدركه في السّقيا (6) و هو مريض، فقال: يا بنيّ ما تشتكي؟ فقال: أشتكي رأسي، فدعا عليّ (عليه السلام)

____________

(1) سنن ابن ماجة 2: 1028 الحديث 3077، سنن الترمذيّ 3: 277 الحديث 940، سنن النسائيّ 5:

198، سنن الدارميّ 2: 61، مسند أحمد 3: 450، سنن البيهقيّ 5: 220، المعجم الكبير للطبرانيّ 3:

224 الحديث 3211 و 3212.

(2) سنن أبي داود 2: 173 الحديث 1862، سنن ابن ماجة 2: 1028 الحديث 3078، سنن النسائيّ 5: 199، سنن البيهقيّ 5: 220، المعجم الكبير للطبرانيّ 3: 224 الحديث 3213.

(3) أثبتناها من المصدر.

(4) أكثر النسخ و المصادر: و كان.

(5) في المصادر: «و يمسك».

(6) السّقيا- بالضمّ-: موضع يقرب من المدينة، و قيل: هي على يومين منها. مجمع البحرين 1: 221.

44

ببدنة فنحرها، و حلق رأسه و ردّه إلى المدينة، فلمّا برئ من وجعه اعتمر» فقلت له:

أ رأيت حين برئ من وجعه أحلّ له النساء؟ فقال: «لا تحلّ له النساء حتّى يطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة» قلت: فما بال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حيث رجع إلى المدينة حلّ له النساء و لم يطف بالبيت؟ فقال: «ليس هذا مثل هذا، النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان مصدودا، و الحسين (عليه السلام) كان محصورا» (1).

و لأنّه ممنوع من البيت، فأشبه المصدود بالعدوّ، و لأنّ الصبر ضرر عظيم خصوصا مع احتياجه إلى الملبوس للمرض أو المشروب؛ لما فيه طيب، أو استعمال الأدهان و غير ذلك من الأسباب المحرّمة، فلو لم يبح له الإحلال، لزم الضرر بالترك أو بالإفداء في كلّ محرّم.

احتجّوا: بأنّه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله، و لا التخلّص من الأذى الذي به، بخلاف حصر العدوّ (2).

و الجواب: المنع من عدم الانتقال، و عدم التخلّص من الأذى لا يمنع من التحلّل.

مسألة: قد بيّنّا أنّه يبعث بهديه و ينتظر وصوله إلى المحلّ الذي يذبحه به إمّا مكّة إن كان معتمرا، أو منى إن كان حاجّا

، فإذا كان يوم المواعدة، قصّر من شعر رأسه، و أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلّا النساء؛ فإنّهنّ لا يحللن له حتّى يحجّ في القابل، و يطوف طواف النساء إن كان الحجّ واجبا، أو يطاف عنه في القابل إن كان الحجّ تطوّعا، قاله علماؤنا (3).

____________

(1) التهذيب 5: 421 الحديث 1465، الوسائل 9: 305 الباب 2 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 1. فيهما: فليقصّ، مكان: فليقصّر، و فيهما: فلينتظر، مكان: فلينظر.

(2) المهذّب للشيرازيّ 1: 235، المجموع 8: 308، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 8.

(3) يراجع: ص 41.

45

و لم يعتبر الجمهور ذلك، بل حكم بعضهم بجواز الإحلال مطلقا، و آخرون بالمنع مطلقا على ما بيّنّا (1).

لنا: أنّ النساء حرمن عليه بالإحرام، فيستصحب الحكم إلى أن يزيله دليل.

و ما تقدّم في حديث معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2).

و ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «المحصور غير المصدود، فإنّ المحصور هو المريض» إلى أن قال: «و المصدود تحلّ له النساء، و المحصور لا تحلّ له النساء» (3).

مسألة: و لو وجد المحصور من نفسه خفّة بعد أن بعث هديه و أمكنه السير إلى مكّة، فليلحق بأصحابه

؛ لأنّه محرم بأحد النسكين، فيجب عليه إتمامه؛ للآية (4)، و التقدير أنّه متمكّن.

إذا ثبت هذا: فإن أدرك أحد الموقفين في وقته، فقد أدرك الحجّ، و ليس عليه الحجّ من قابل، و إن لم يدرك أحد الموقفين في وقته، فقد فاته الحجّ، و كان عليه الحجّ من قابل، و الحكمان ظاهران، فإنّا قد بيّنّا أنّه يلحق الحاجّ بإدراك أحد الموقفين، و يفوته الحجّ بفواتهما معا (5).

و يدلّ عليه أيضا: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا أحصر الرجل، بعث هديه، فإن أفاق و وجد من نفسه خفّة، فليمض إن ظنّ أن يدرك هديه قبل أن ينحر، فإن قدم مكّة قبل أن ينحر

____________

(1) يراجع: ص 41- 42.

(2) يراجع: ص 43.

(3) التهذيب 5: 423 الحديث 1467، الوسائل 9: 303 الباب 1 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 1.

(4) البقرة (2): 196.

(5) يراجع: الجزء الحادي عشر: 106.

46

هديه، فليقم على إحرامه حتّى يقضي المناسك و ينحر هديه و لا شيء عليه، و إن قدم مكّة و قد نحر هديه، فإنّ عليه الحجّ من قابل و العمرة» قلت: فإن مات قبل أن ينتهي إلى مكّة؟ قال: «إن كانت حجّة الإسلام يحجّ عنه و يعتمر، فإنّما هو شيء عليه» (1).

و إنّما اعتبر الباقر (عليه السلام) إدراك النحر؛ لأنّه متى أدركهم و قد نحر هديه فقد فاته الحجّ؛ لأنّه إنّما يكون النحر يوم العاشر و الوقوف ليلة العاشر، و إن أدركهم قبل النحر، جاز أن يلحق الوقوف فيتمّ حجّه.

مسألة: قد بيّنّا أنّه إذا لم يكن قد ساق هديا، فإنّه يبعث بثمنه مع أصحابه

و يواعدهم يوما بعينه ليشتروه و يذبحوا عنه في ذلك اليوم، و يبقى هو على إحرامه، و يجتنب كلّما يجتنبه المحرم، فإذا كان ذلك اليوم الذي واعدهم فيه، قصّر و أحلّ من كلّ شيء، إلّا من النساء على ما بيّنّاه (2).

إذا ثبت هذا: فلو ردّوا عليه الثمن و لم يكونوا وجدوا الهدي، أو وجدوه و لم يشتروا له و لا ذبحوا عنه، لم يبطل تحلّله، و وجب عليه أن يبعث به في العام القابل ليذبح عنه في موضع الذبح؛ لأنّ تحلّله وقع مشروعا، فلا يكون باطلا.

و يدلّ عليه ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «فإن ردّوا عليه الدراهم، و لم يجدوا هديا ينحرونه و قد أحلّ، لم يكن عليه شيء، و لكن يبعث من قابل و يمسك أيضا» (3).

____________

(1) التهذيب 5: 422 الحديث 1466، الوسائل 9: 306 الباب 3 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 1.

(2) يراجع: ص 41- 44.

(3) التهذيب 5: 421 الحديث 1465، الوسائل 9: 305 الباب 2 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 1.

47

و عن زرعة قال: سألته عن رجل أحصر في الحجّ، قال: «فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه، و محلّه أن يبلغ الهدي محلّه، و محلّه منى يوم النحر إذا كان في الحجّ، و إن كان في عمرة، نحر بمكّة، و إنّما عليه أن يعدهم لذلك يوما، فإذا كان ذلك اليوم فقد و فى، و إن اختلفوا في الميعاد، لم يضرّه إن شاء اللّه» (1).

إذا ثبت هذا: فإنّ الشيخ- (رحمه اللّه)- قال: و يجب عليه أن يمسك ممّا يمسك عنه المحرم إلى أن يذبح عنه (2). و منع ابن إدريس ذلك كلّ المنع (3).

احتجّ الشيخ- (رحمه اللّه)-: بما رواه- في الصحيح- عن الحلبيّ، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بعث بهديه مع قوم بسياق، و واعدهم يوما يقلّدون فيه هديهم و يحرمون، قال: «يحرم عليه ما يحرم على المحرم في اليوم الذي واعدهم فيه حتّى يبلغ الهدي محلّه» [قلت] (4) أ رأيت إن اختلفوا في الميعاد و أبطئوا في السير عليه و هو يحتاج أن يحلّ هو في اليوم الذي واعدهم فيه؟ قال: «ليس عليه جناح أن يحلّ في اليوم الذي واعدهم فيه» (5).

و احتجّ ابن إدريس: بأنّ الأصل براءة الذمّة و لأنّه ليس بمحرم، فكيف يحرم عليه لبس المخيط و الجماع و الصيد و ليس هو بمحرم و لا في الحرم!! (6)

مسألة: و كذلك من بعث بهدي تطوّعا من أفق من الآفاق

، قال الشيخ-

____________

(1) التهذيب 5: 423 الحديث 1470، الوسائل 9: 306 الباب 2 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 2.

(2) المبسوط 1: 335، النهاية: 282 و 283.

(3) السرائر: 151.

(4) في النسخ: قال، و ما أثبتناه من المصدر.

(5) التهذيب 5: 424 الحديث 1471، الوسائل 9: 313 الباب 9 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 4. في التهذيب:: يساق، و في الوسائل: فساق.

(6) السرائر: 151.

48

(رحمه اللّه)-: فليبعثه و يواعد أصحابه يوما بعينه، ثمّ يجتنب ما يجتنبه المحرم من الثياب و النساء و الطيب و غير ذلك من المحرّمات على المحرم، إلّا أنّه لا يلبّي، فإن فعل شيئا ممّا يحرم عليه، كان عليه الكفّارة، كما تجب على المحرم سواء، فإذا كان اليوم الذي واعدهم، أحلّ، و إن بعث بالهدي من أفق من الآفاق، يواعدهم يوما بعينه بإشعاره و تقليده، فإذا كان ذلك اليوم، اجتنب ما يجتنبه المحرم إلى أن يبلغ الهدي محلّه، ثمّ إنّه أحلّ من كلّ شيء أحرم منه (1).

و منع ابن إدريس من ذلك (2).

احتجّ الشيخ- (رحمه اللّه)-: بما تقدّم في حديث الحلبيّ (3)، و ما رواه معاوية بن عمّار- في الصحيح- قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يرسل بالهدي تطوّعا، قال: «يواعد أصحابه يوما يقلّدون فيه، فإذا كان تلك الساعة من ذلك اليوم اجتنب ما يجتنبه المحرم، فإذا كان يوم النحر، أجزأ عنه، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حيث صدّه المشركون يوم الحديبيّة، نحر بدنته و رجع إلى المدينة» (4).

و في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ ابن عبّاس و عليّا (عليه السلام) كانا يبعثان بهديهما من المدينة ثمّ يتجرّدان، و إن بعثا بهما من أفق من الآفاق واعدا أصحابهما بتقليدهما و إشعارهما يوما معلوما، ثمّ يمسكان (5) يومئذ إلى النحر عن كلّ ما يمسك عنه المحرم و يجتنبان كلّ ما يجتنب

____________

(1) المبسوط 1: 335، النهاية: 283.

(2) السرائر: 152.

(3) يراجع: ص 47.

(4) التهذيب 5: 424 الحديث 1472، الوسائل 9: 313 الباب 9 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 5.

(5) في النسخ: «ليمسكا» و ما أثبتناه من المصدر.

49

المحرم إلّا أنّه لا يلبّي، إلّا من كان حاجّا أو معتمرا» (1).

و في الصحيح عن هارون بن خارجة قال: إنّ أبا مراد بعث ببدنة و أمر الذي بعث بها معه أن يقلّد و يشعر في يوم كذا و كذا، فقلت له: لا ينبغي لك أن تلبس الثياب، فبعثني إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو بالحيرة، فقلت له: إنّ أبا مراد فعل كذا و كذا، و إنّه لا يستطيع أن يدع الثياب؛ لمكان أبي جعفر، فقال: «مره فليلبس الثياب، و لينحر بقرة عن لبسه الثياب» (2). و هذه روايات كثيرة دالّة على المنع، فالأولى التعويل عليها.

مسألة: المحصور إذا احتاج إلى حلق رأسه لأذى، ساغ له ذلك و فداه

؛ لأنّ القادر يجوز له ذلك، فالمحصور أولى.

و يؤيّده: ما رواه الشيخ عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا أحصر الرجل فبعث بهديه و آذاه رأسه قبل أن ينحر فحلق رأسه، فإنّه يذبح في المكان الذي أحصر فيه، أو يصوم، أو يطعم ستّة مساكين» (3).

مسألة: الحاجّ و المعتمر في ذلك سواء، إذا أحصر المعتمر، فعل ما ذكرناه

، و كانت عليه العمرة في الشهر الداخل واجبة إن كانت عمرة الإسلام أو غيرها من الواجبات، و إن كانت نفلا، كان عليه ذلك نفلا، و كذلك الحاجّ يجب عليه القضاء مع وجوب الحجّ، و يستحبّ مع استحبابه.

إذا ثبت هذا: فلو كان المحصور قد أحرم بالحجّ قارنا، قال الشيخ

____________

(1) الكافي 4: 540 الحديث 4. و فيه: إنّ مرارا، و لعلّه الصحيح. التهذيب 5: 424 الحديث 1473، الوسائل 9: 312 الباب 9 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 3.

(2) التهذيب 5: 425 الحديث 1474، الوسائل 9: 314 الباب 10 من أبواب مقدّمات الطواف الحديث 1.

(3) التهذيب 5: 423 الحديث 1469، الوسائل 9: 308 الباب 5 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 1.

50

- (رحمه اللّه)-: لم يجز له أن يحجّ في المستقبل إلّا قارنا، و لا يجوز له أن يتمتّع، بل يدخل في مثل ما خرج منه (1). و قال ابن إدريس: يحرم بما شاء (2).

و الوجه عندي: أنّه يأتي بما كان واجبا، و إن كان ندبا بما شاء من أنواعه و إن كان الإتيان بمثل ما خرج منه أفضل.

أمّا الشيخ- (رحمه اللّه)- فقد استدلّ بما رواه- في الصحيح- عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، و عن رفاعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، أنّهما قالا: القارن يحصر و قد قال و اشترط فحلّني حيث حبستني، قال: «يبعث بهديه» قلنا: هل يتمتّع من قابل؟ قال: «لا، و لكن يدخل بمثل ما خرج منه» (3).

و نحن نحمل هذه الرواية على الاستحباب، أو على أنّه قد كان القرآن متعيّنا في حقّه؛ لأنّه إذا لم يكن واجبا، لم يجب القضاء، فعدم وجوب الكيفيّة أولى.

مسألة: قد بيّنّا أنّه إذا كان قد ساق هديا مع إحرامه ثمّ أحصر، فإنّه يبعثه مع أصحابه و لا يحتاج إلى هدي آخر

(4). و قال ابن بابويه: إذا قرن الرجل الحجّ و العمرة و أحصر، بعث هديا مع هديه، و لا يحلّ حتّى يبلغ الهدي محلّه، فأوجب هديا آخر مع هدي السياق، ذكر ذلك عليّ بن بابويه في رسالته (5)، و ابنه أبو جعفر في كتاب من لا يحضره الفقيه (6).

____________

(1) النهاية: 283، المبسوط 1: 335.

(2) السرائر: 152.

(3) التهذيب 5: 423 الحديث 1468، الوسائل 9: 307 الباب 4 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 1.

(4) يراجع: ص 41.

(5) نقله عنه في المختلف: 317.

(6) الفقيه 2: 305.

51

و قوّاه ابن إدريس بقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (1) فأوجب هديا للإحصار (2).

و أصحابنا أكثرهم قالوا: يبعث بهديه الذي ساقه (3)، و لم يوجبوا هديا آخر.

و الآية نحن نقول بموجبها؛ لأنّها، لا تدلّ على وجوب هديين، بل ما استيسر، و هدي السياق كاف في هذا الباب.

إذا ثبت هذا: فإنّ ابن إدريس فسّر كلام ابن بابويه هاهنا في المكان، فقال:

قوله: إذا قرن الحجّ و العمرة، مراده: كلّ واحد منهما على الانفراد و يقرن إلى واحد من الحجّ أو من العمرة هديا يشعره أو يقلّده، فيخرج من مكّة بذلك، و إن لم يكن ذلك عليه واجبا ابتداءً، و لم يقصد أن يحرم بهما جميعا، و يقرن بينهما؛ لأنّ هذا مذهب من خالفنا في حدّ القران (4).

مسألة: قد بيّنّا أنّه إذا اشترط في إحرامه أن يحلّه حيث حبسه، جاز له أن يحلّ

(5). إذا ثبت هذا: فله أن يتحلّل من دون إنفاذ هدي أو ثمن هدي إلّا أن يكون ساقه و أشعره أو قلّده، فإنّه متى كان كذلك فلينفذ، و أمّا إذا لم يكن ساقه و اشترط، فله التحلّل إذا بلغ الهدي محلّه، و بلوغه يوم العيد، فإذا كان يوم النحر فليتحلّل من جميع ما أحرم منه إلّا النساء، على ما قدّمناه (6).

و روى المفيد- (رحمه اللّه)- في مقنعته عن الصادق (عليه السلام)، قال: «المحصور

____________

(1) البقرة (2): 196.

(2) السرائر: 151.

(3) ينظر: المقنعة: 70، النهاية: 281، الشرائع 1: 282.

(4) السرائر: 151.

(5) يراجع: الجزء العاشر: 248.

(6) يراجع: ص 41.

52

بالمرض إن كان ساق هديا أقام على إحرامه حتّى يبلغ الهدي محلّه، ثمّ يحلّ، و لا يقرب النساء حتّى يقضي المناسك من قابل، هذا إذا كان في حجّة الإسلام، فأمّا حجّة التطوّع فإنّه ينحر هديه و قد أحلّ ممّا كان أحرم منه، فإن شاء حجّ من قابل، و إن لم يشأ لم يجب عليه الحجّ» (1).

إذا عرفت هذا: فإنّ المحصور يفتقر إلى نيّة التحلّل، كما دخل في الإحرام بنيّة، قاله ابن إدريس (2).

فصل: روى ابن بابويه- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المحصور و لم يسق الهدي

، قال: «ينسك و يرجع» قيل: فإن لم يجد هديا؟ قال: «يصوم».

و إذا تمتّع رجل بالعمرة إلى الحجّ فحبسه سلطان جائر بمكّة فلم يطلق عنه إلى يوم النحر، فإنّ عليه أن يلحق الناس بجمع، ثمّ ينصرف إلى منى و يرمي و يذبح و يحلق و لا بأس بحلقه، فإن خلّى (3) عنه يوم النحر، فهو مصدود عن الحجّ، إن كان دخل مكّة متمتّعا بالعمرة إلى الحجّ، فليطف بالبيت أسبوعا، و يسعى أسبوعا، و يحلق رأسه و يذبح شاة، و إن كان دخل مكّة مفردا للحجّ، فليس عليه ذبح، و لا شيء عليه (4).

____________

(1) المقنعة: 70.

(2) السرائر: 152.

(3) د، ر، ح و ع: فإن دخل، مكان: فإن خلّى، كما في المصدر.

(4) الفقيه 2: 305 الحديث 1514، الوسائل 9: 310 الباب 7 من أبواب الإحصار و الصدّ الحديث 2.

53

البحث الثالث في حكم الفوات

مسألة: قد بيّنّا أنّ من لم يقف بالموقفين في وقتهما، فاته الحجّ

(1)، و هو قول العلماء كافّة.

إذا ثبت هذا: فإنّه إذا فاته الحجّ، تحلّل بطواف و سعي و حلاق (2)، و يسقط عنه بقيّة أفعال الحجّ من الرمي و المبيت، ذهب إليه علماؤنا أجمع، و به قال عمر بن الخطّاب، و ابن عمر، و زيد بن ثابت، و ابن عبّاس و ابن الزبير، و مروان بن الحكم (3)، و مالك (4)، و الثوريّ (5)، و الشافعيّ (6)، و أحمد في إحدى الروايتين (7)،

____________

(1) يراجع: الجزء الحادي عشر: 106.

(2) د، خا و ع: و حلق.

(3) المغني 3: 566، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 523، المجموع 8: 290.

(4) بداية المجتهد 1: 356، المنتقى للباجيّ 2: 281، المغني 3: 566، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 523، المجموع 8: 290.

(5) المغني 3: 566، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 523.

(6) حلية العلماء 3: 354، المهذّب للشيرازيّ 1: 233، المجموع 8: 290، فتح العزيز بهامش المجموع 8: 48، مغني المحتاج 1: 537، المغني 3: 566، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 523.

(7) المغني 3: 566، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 523، الإنصاف 4: 71، المجموع 8: 290.

54

و أصحاب الرأي (1).

و قال أحمد في الرواية الأخرى: إنّه يمضي في حجّ فاسد (2)، و به قال المزنيّ، قال: يلزمه جميع أفعال الحجّ إلّا الوقوف (3).

و قال مالك في رواية أخرى عنه: لا يحلّ، بل يقيم على إحرامه حتّى إذا كان من قابل أتى بالحجّ، فوقف و أكمل الحجّ.

و في رواية ثالثة عنه: أنّه يحلّ بعمرة مفردة، و لا يجب عليه القضاء (4).

لنا: أنّ بقيّة أفعال الحجّ تترتّب على الوقوف و قد فات، فتفوت هي بفواته.

و لأنّ وجوب باقي الأفعال مع فوات الحجّ يحتاج إلى دليل، و لم يثبت.

و لأنّه قول من سمّينا من الصحابة و لم يوجد لهم مخالف، فكان إجماعا.

و ما رواه الجمهور عن عمر أنّه قال لأبي أيّوب حين فاته الحجّ: اصنع ما يصنع المعتمر ثمّ قد حللت، فإن أدركت الحجّ قابلا، حجّ و أهد ما استيسر من الهدي (5).

و عن ابن عمر نحو ذلك (6).

و حجّ ابن الأسود من الشام فقدم يوم النحر، فقال له عمر: ما حبسك؟ فقال:

____________

(1) المبسوط للسرخسيّ 4: 174، بدائع الصنائع 2: 274، الهداية للمرغينانيّ 1: 182، شرح فتح القدير 3: 60، تبيين الحقائق 2: 415 و 416، مجمع الأنهر 1: 307، المغني 3: 566، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 523، المجموع 8: 290.

(2) المغني 3: 566، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 523، الإنصاف 4: 72، المجموع 8: 290.

(3) الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 69- 70، المجموع 8: 290، المغني 3: 566، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 523.

(4) المغني 3: 569، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 527، المنتقى للباجيّ 2: 278، بداية المجتهد 1: 357.

(5) الموطّأ 1: 383 الحديث 153، مسند الشافعيّ: 125، سنن البيهقيّ 5: 174، المغني 3: 566، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 524.

(6) سنن البيهقيّ 5: 174.