منتهى المطلب في تحقيق المذهب - ج14

- العلامة الحلي المزيد...
491 /
7

الكتاب السادس في الجهاد و سيرة الإمام و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

و فيه مقاصد:

[المقصد] الأوّل فيمن يجب عليه

و فيه مباحث:

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[البحث] الأوّل في وجوب الجهاد

مسألة: لمّا بعث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالتوحيد و التبليغ،

نزل عليه جبرئيل (عليه السلام)، فقال له: اقْرَأْ فقال: «و ما أقرأ؟» قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ففزع من ذلك و خاف على نفسه، فمضى إلى خديجة رضي اللّه عنها (2)، فأخبرها الخبر و قال: «زمّلوني و دثّروني» فنزل عليه يٰا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (3) و يٰا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ (4) (5) ثمّ نزل عليه وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (6).

رتّب اللّه تعالى له الإنذار، فأمره بتكليف أهله أوّلا، فقال: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلٰاةِ

____________

(1) العلق (96): 1.

(2) خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ القرشيّة الأسديّة أمّ المؤمنين زوج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، أوّل امرأة تزوّجها و أوّل من أسلم، كانت تدعى في الجاهلية: الطاهرة، ولدت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ولده كلّهم قبل أن ينزل عليه الوحي: زينب و أمّ كلثوم و فاطمة و رقيّة و القاسم و الطاهر و الطيّب، أمّا القاسم و الطيّب و الطاهر فهلكوا قبل الإسلام، قيل: توفّيت قبل الهجرة بخمس سنين، و قيل: بأربع سنين، و قيل: كانت بعد أبي طالب بثلاثة أيّام، و كان موتها في رمضان و دفنت بالحجون، قيل: كان عمرها خمسا و ستّين سنة. أسد الغابة 5: 438، الاستيعاب بهامش الإصابة 4: 279، الإصابة 4: 281.

(3) المزّمّل (73): 1.

(4) المدّثّر (74): 1- 3.

(5) صحيح البخاريّ 6: 214- 215، الدرّ المنثور 6: 368، أحكام القرآن لابن العربيّ 4: 1954.

(6) الشعراء (26): 214.

10

وَ اصْطَبِرْ عَلَيْهٰا (1) ثمّ كلّفه إنذار العشيرة- الذين هم أعمّ من الأهل- بقوله وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (2) ثمّ عمّم التكليف بقوله: وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرىٰ وَ مَنْ حَوْلَهٰا (3).

ثمّ زاد التعميم بقوله: وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلّٰا كَافَّةً لِلنّٰاسِ (4). و قال: وَ أَنْذِرِ النّٰاسَ (5).

فلمّا كلّفه أوّلا بإنذار العشيرة، اتّبعه عليّ و خديجة و فاطمة (عليهم السلام)، و جماعة على الإسلام.

و فرض اللّه تعالى الصلاة بمكّة، ثمّ أذن لهم في الهجرة، فمنهم من هاجر إلى الحبشة، و منهم من هاجر إلى المدينة، و هاجر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى المدينة، ثمّ فرض اللّه تعالى الصوم بعد سنتين من الهجرة، و فرض الحجّ في السنة السادسة بقوله: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (6)، و قيل: في سنة خمس (7).

و أمّا الزكاة: فقيل: أوجبها بعد الصيام، و قيل: قبله (8).

و أمّا الجهاد: فلم يؤذن له بمكّة، فلمّا هاجر، أمره اللّه تعالى في القتال لمن يبدأ به، فقال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقٰاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا (9).

فلمّا قويت شوكة المسلمين و كثروا، فرض اللّه تعالى الجهاد، فقال تعالى:

____________

(1) طه (20): 132.

(2) الشعراء (26): 214.

(3) الأنعام (6): 92.

(4) سبأ (34): 28.

(5) إبراهيم (14): 44.

(6) البقرة (2): 196.

(7) ينظر: البحار 20: 298، شذرات الذهب 1: 11 و 12.

(8) شذرات الذهب 1: 15.

(9) الحجّ (22): 39.

11

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ (1) الآية، و قد كثرت الآيات الواردة في القرآن بوجوب (2) الجهاد.

مسألة: و الجهاد من أعظم أركان الإسلام،

به يتمّ نظام العالم، و حفظ الشرائع و الأديان، و قد ورد في القرآن آيات لا تحصى كثرة دالّة على وجوب الجهاد.

روى الجمهور عن ابن مسعود، قال: سألت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «برّ الوالدين» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «الجهاد في سبيل اللّه تعالى» (3).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كتب اللّه الجهاد على الرجال و النساء، فجهاد الرجل أن يبذل ماله و نفسه حتّى يقتل في سبيل اللّه، و جهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها و عشيرته» (4).

و قد أجمع المسلمون كافّة على وجوب الجهاد.

____________

(1) البقرة (2): 216.

(2) ح، ر و ع: لوجوب.

(3) صحيح البخاريّ 4: 17، صحيح مسلم 1: 89 الحديث 85، سنن الترمذيّ 4: 310 الحديث 1898.

(4) التهذيب 6: 126 الحديث 222، الوسائل 11: 14 الباب 4 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1. في التهذيب: «و غيرته» مكان: «و عشيرته»، و في الوسائل: «و غيرته (و عشرته)».

12

البحث الثاني في فضله

و فيه ثواب كثير و أجر عظيم، قال اللّه تعالى: لٰا يَسْتَوِي الْقٰاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقٰاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلًّا وَعَدَ اللّٰهُ الْحُسْنىٰ وَ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ عَلَى الْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (1).

و روى الجمهور عن سهل بن سعد الساعديّ، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «و الذي نفسي بيده [غدوة] (2) في سبيل اللّه أو روحة خير من الدنيا و ما فيها» (3).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن وهب (4)، عن أبيه، عن جعفر، عن أبيه

____________

(1) النساء (4): 95.

(2) أكثر النسخ: «لغزوة»، و في ح: «الغزوة» و ما أثبتناه من المصدر.

(3) صحيح مسلم 3: 1500 الحديث 1881، سنن الترمذيّ 4: 180 الحديث 1648، سنن ابن ماجة 2: 921 الحديث 2756، سنن النسائيّ 6: 15، سنن الدارميّ 2: 202، سنن البيهقيّ 9: 38.

(4) وهب، قال السيّد الخوئيّ وقع بهذا العنوان في إسناد عدّة من الروايات تبلغ خمسة و أربعين موردا، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جميع الموارد ... و روى عنه أبو جعفر عن أبيه، و في التهذيب 6: 155 الحديث 273 عن أبي جعفر، عن أبيه، عن وهب، عن حفص، عن أبيه، عن جدّه. قال: كذا في النسخة القديمة، و في نسخة أخرى منها و النسخة المخطوطة: وهب عن جعفر، عن أبيه بدل وهب عن حفص، و هو الصحيح بقرينة سائر الروايات، ثمّ قال: الظاهر أنّ وهب هذا هو: وهب بن وهب أبي-

13

(عليهما السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ جبرئيل (عليه السلام) أخبرني بأمر، قرّت به عيني و فرح به قلبي، قال: يا محمّد من غزا غزوة في سبيل اللّه من أمّتك فما أصابه قطرة من السماء أو صداع، إلّا كانت له شهادة يوم القيامة» (1).

و عن حيدرة (2)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض» (3).

و عن السكونيّ، عن جعفر (4)، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فوق كلّ ذي برّ برّ حتّى يقتل في سبيل اللّه، فإذا قتل في

____________

- البختريّ، إلّا فيما روى عنه موسى بن جعفر و محمّد بن جعفر عن أبيه عنه. معجم رجال الحديث 20:

221- 223. و وهب هذا مرّت ترجمته في الجزء الأوّل: 163.

(1) التهذيب 6: 121 الحديث 206، الوسائل 11: 7 الباب 1 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 10.

(2) حيدرة، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و روى عنه عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ، قال في التنقيح: حيدر بن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ لم أقف فيه إلّا على رواية الكافي و التهذيب في باب فضل الجهاد عنه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و قال السيّد الخوئيّ في ترجمة حيدر بن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ: ذكر بعضهم روايته عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن الكافي و التهذيب في باب فضل الجهاد، و قد أخذ ذلك عن جامع الرواة دون أن يراجع الكتابين، ففي الكافي 5: 3 الحديث 5 و كذلك في التهذيب 6: 121 الحديث 207 رواية عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ عن حيدرة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). و أمّا ما في الجامع فهو من غلط النسخة جزما؛ فإنّ عبارته هكذا: حيدر بن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ عنه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و الصحيح: حيدرة، عبد الرحمن الأصمّ عنه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و يدلّ على ذلك: أنّه ذكر ذلك بعد ذكره المسمّين بحيدر، و لو كان ما في النسخة صحيحا، لزم ذكره بعد حيدر بن شعيب و قيل: حيدر بن محمّد، على أنّه لا معنى لكلمة عنه في العبارة المذكورة كما يظهر بأدنى تأمّل. جامع الرواة 1: 288، تنقيح المقال 1: 384، معجم رجال الحديث 6: 314.

(3) التهذيب 6: 121 الحديث 207، الوسائل 11: 7 الباب 1 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 9.

(4) روح: أبي جعفر.

14

سبيل اللّه فليس فوقه برّ، و فوق كلّ عقوق عقوق حتّى يقتل أحد والديه [فإذا قتل أحد والديه] (1) فليس فوقه عقوق» (2).

و عن عثمان بن مظعون، قال: قلت: يا رسول اللّه إنّ نفسي تحدّثني بالسياحة و أن ألحق بالجبال، فقال: «يا عثمان لا تفعل، فإنّ سياحة أمّتي الغزو و الجهاد» (3).

و عن أبان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الخير كلّه في السيف، و تحت ظلّ السيف، و لا يقيم الناس إلّا السيف و السيوف مقاليد (4) الجنّة و النار» (5).

و عن وهب، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): للجنّة باب يقال له: باب المجاهدين يمضون إليه، فإذا هو مفتوح و هم متقلّدون بسيوفهم و الجمع في الموقف و الملائكة تزجر (6)، فمن ترك الجهاد ألبسه اللّه تعالى ذلّا و فقرا في معيشته و محقا في دينه، إنّ اللّه عزّ و جلّ أعزّ أمّتي بسنابك (7) خيلها و مركز رماحها» (8). و الأخبار في ذلك كثيرة.

____________

(1) أثبتناها من المصدر.

(2) التهذيب 6: 122 الحديث 209، الوسائل 11: 10 الباب 1 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 21.

(3) التهذيب 6: 122 الحديث 210، الوسائل 11: 10 الباب 1 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 22.

(4) المقاليد: الخزائن، و يجوز أن تكون المفاتيح. لسان العرب 3: 366.

(5) التهذيب 6: 122 الحديث 211، الوسائل 11: 5 الباب 1 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

(6) الزجر: المنع و النهي. الصحاح 2: 668.

(7) سنبك كلّ شيء: أوّله، و السنبك: طرف الحافر و جانباه من قدم، و السنبك: ضرب من العدوّ. لسان العرب 10: 444.

(8) التهذيب 6: 123 الحديث 213، الوسائل 11: 5 الباب 1 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 2. في الوسائل: «ترحب بهم» مكان: «تزجر». و في التهذيب و الوسائل: «و مراكز» بدل: «و مركز».

15

البحث الثالث في كيفيّة وجوبه

و هو فرض على الكفاية،

إذا قام به البعض، سقط عن الباقين، و هو في الابتداء كفرض الأعيان يجب على الجميع، لكن يفارقه بأنّ فرض الأعيان لا يسقط بفعل البعض، بخلاف الواجب على الكفاية، فإنّ الصلاة و الصوم و الزكاة و الحجّ، لا يسقط عن أحد بفعل (1) غيره.

و غسل الميّت و الصلاة عليه، يسقط بفعل البعض، و كذا الجهاد أيضا، ذهب إليه علماؤنا أجمع، و هو قول عامّة العلماء.

و حكي عن سعيد بن المسيّب أنّه قال: الجهاد واجب على الأعيان (2).

لنا: قوله تعالى: لٰا يَسْتَوِي الْقٰاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقٰاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلًّا وَعَدَ اللّٰهُ الْحُسْنىٰ (3).

و هو يدلّ على انتفاء الإثم عن القاعد، و لو كان واجبا عليه مع جهاد غيره، لاستحقّ الإثم.

و لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يبعث سراياه إلى الغزو و يقيم هو

____________

(1) بعض النسخ: لفعل، مكان: بفعل.

(2) حلية العلماء 7: 645، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 359 و 360، الميزان الكبرى 2: 178، تفسير القرطبيّ 3: 38.

(3) النساء (4): 95.

16

و أصحابه (1).

احتجّ المخالف: بقوله تعالى: انْفِرُوا خِفٰافاً وَ ثِقٰالًا وَ جٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ (2) ثمّ قال: إِلّٰا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذٰاباً أَلِيماً (3).

و قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ (4).

و روى أبو هريرة: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «من مات و لم يغز و لم يحدّث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق» (5). (6)

و الجواب عن الآية من وجوه:

أحدها: ما روي عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّها منسوخة بقوله تعالى: وَ مٰا كٰانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً (7). (8)

الثاني: يحتمل أنّه أراد حين استنفرهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى غزاة (9) تبوك، فكانت إجابتهم حينئذ واجبة، و لهذا هجر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كعب بن مالك و أصحابه الذين خلّفوا حتّى تاب اللّه عليهم بعد ذلك (10).

الثالث: أنّا نقول بموجب الآية و لا دلالة فيها؛ لأنّ الجهاد في الابتداء واجب

____________

(1) المغني و الشرح الكبير 10: 360.

(2) التوبة (9): 41.

(3) التوبة (9): 39.

(4) البقرة (2): 216.

(5) صحيح مسلم 3: 1517 الحديث 1910، سنن أبي داود 3: 10 الحديث 2502، سنن النسائيّ 6:

8، سنن البيهقيّ 9: 48.

(6) الشرح الكبير بهامش المغني 10: 360.

(7) التوبة (9): 122.

(8) المغني و الشرح 10: 360.

(9) ح: غزوة، مكان: غزاة.

(10) المغني و الشرح الكبير 10: 360.

17

على الأعيان؛ لاستحالة تكليف غير المعيّن و عدم أولويّة المعيّن، فلم يبق إلّا تكليف الجميع. نعم، إنّه يسقط بفعل البعض و لهذا لو لم يفعله أحد، اشتركوا بأجمعهم في العقاب، و لو لم يعمّ الوجوب لما استحقّوا بأسرهم العقاب.

و أمّا الحديث: فإنّا نقول بموجبه؛ لأنّ الجهاد واجب، فمن تركه و ترك العزم عليه فعل حراما؛ لأنّ العزم من أحكام الدين.

مسألة: و معنى الكفاية في الجهاد أن ينهض (1) له قوم يكفون في قتالهم، إمّا بأن يكونوا جندا معدّين للحرب و لهم أرزاق على ذلك على ما يأتي، أو يكونوا قد أعدّوا أنفسهم له تبرّعا بحيث إذا قصدهم العدوّ، حصلت المنعة بهم.

قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: و القدر الذي يسقط به فرض الجهاد عن الباقين أن يكون على كلّ طرف من أطراف بلاد الإسلام قوم يكونون أكفاء لمن يليهم من الكفّار، و على الإمام أن يغزو بنفسه أو بسراياه في كلّ سنة دفعة حتّى لا يتعطّل الجهاد، [اللهمّ] (2) إلّا أن يعلموا خوفا فيكثر من ذلك (3).

مسألة: كان الفرض في عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الجهاد في زمان دون زمان

و في مكان دون آخر.

أمّا الزمان: فإنّه كان جائزا في جميع السنة إلّا في الأشهر الحرم، و هي رجب و ذو القعدة و ذو الحجّة و المحرّم: لقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (4).

و أمّا المكان: فإنّ الجهاد كان سائغا في جميع البقاع إلّا الحرم، فإنّ الابتداء

____________

(1) بعض النسخ: ينخفض، مكان: ينهض.

(2) أثبتناها من المصدر.

(3) المبسوط 2: 2.

(4) التوبة (9): 5.

18

بالقتال فيه كان محرّما؛ لقوله تعالى: وَ لٰا تُقٰاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ حَتّٰى يُقٰاتِلُوكُمْ فِيهِ (1).

إذا عرفت هذا: فإنّ أصحابنا قالوا: إنّ تحريم القتال في أشهر الحرم باق إلى الآن لم ينسخ في حقّ من يرى للأشهر الحرم حرمة، و أمّا من لا يرى لها حرمة فإنّه يجوز قتاله فيها.

و ذهب جماعة من الجمهور إلى أنّهما منسوختان (2) بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3). (4) و بعث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) إلى الطائف، فافتتحها في ذي القعدة (5).

و قال تعالى: وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ* (6).

أمّا تحريم القتال في المسجد الحرام فإنّه منسوخ.

مسألة: لمّا نزل قوله تعالى: أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا (7)

أوجب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) المهاجرة على من يضعف عن إظهار شعائر الإسلام.

و اعلم أنّ الناس في الهجرة على أقسام ثلاثة:

أحدها: من تجب عليه، و هو من أسلم في بلاد الشرك و كان مستضعفا فيهم

____________

(1) البقرة (2): 191.

(2) ب، ق و خا: منسوخان، مكان: منسوختان.

(3) التوبة (9): 5.

(4) أحكام القرآن للجصّاص 1: 321، سنن البيهقيّ 9: 11، تفسير القرطبيّ 2: 351، أحكام القرآن لابن العربيّ 1: 107.

(5) البحار 21: 163 و 169.

(6) البقرة (2): 193، الأنفال (8): 39.

(7) النساء (4): 97.

19

لا يمكنه إظهار دينه، و لا عذر له من مرض و غيره؛ لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ الْمَلٰائِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً (1).

الثاني: من لا تجب عليه لكن تستحبّ له المهاجرة، و هو من أسلم بين المشركين، و له عشيرة تحميه عن المشركين، و يمكنه إظهار دينه، و يكون آمنا على نفسه مع مقامه بين ظهرانيّ المشركين، كالعبّاس و عثمان (2) و لهذا بعث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الحديبيّة إلى أهل مكّة عثمان؛ لأنّ عشيرته كانت أقوى بمكّة، و إنّما لم تجب عليه المهاجرة؛ لتمكّنه من إظهار دينه و عدم مبالاته بهم، و إنّما استحبّت له؛ لأنّ فيه تكثيرا لعددهم و اختلاطا بهم.

الثالث: من لا تجب عليه و لا تستحبّ له، و هو من كان له عذر يمنعه من المهاجرة: من مرض أو ضعف أو عدم نفقة أو غير ذلك، فلا جناح عليه؛ لقوله تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ (3).

و لأنّهم غير متمكّنين و كانوا بمنزلة المكرهين، فلا إثم عليهم، و لو تجدّدت له القدرة، وجبت عليه المهاجرة.

إذا ثبت هذا: فإنّ الهجرة (4) باقية ما دام الشرك باقيا؛ لوجود المقتضي و هو الكفر الذي يعجز معه عن إظهار شعائر الإسلام.

و لما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «لا تنقطع الهجرة حتّى تنقطع

____________

(1) النساء (4): 97.

(2) أكثر النسخ: عمر، مكان: عثمان.

(3) النساء (4): 98.

(4) خاوق: المهاجرة، مكان: الهجرة.

20

التوبة، و لا تنقطع التوبة حتّى تطلع الشمس من مغربها» (1).

و أمّا ما روي عنه (عليه السلام) أنّه قال: «لا هجرة بعد الفتح» (2) فله تأويلان:

أحدهما: أنّه أراد لا هجرة بعد الفتح، فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح؛ لأنّ الهجرة قبل الفتح كانت أفضل منها بعد الفتح. و كذا الإنفاق؛ لقوله تعالى: لٰا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قٰاتَلَ أُولٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قٰاتَلُوا (3).

الثاني: أنّه أراد: لا هجرة من مكّة؛ لأنّها صارت دار الإسلام أبدا.

____________

(1) سنن أبي داود 3: 3 الحديث 2479، سنن الدارميّ 2: 239- 240، مسند أحمد 4: 99، المعجم الكبير للطبرانيّ 19: 387 الحديث 907، سنن البيهقيّ 9: 17.

(2) صحيح البخاريّ 4: 18، سنن الترمذيّ 4: 148 الحديث 1590، سنن الدارميّ 2: 239، المعجم الكبير للطبرانيّ 10: 339 الحديث 10844.

(3) الحديد (57): 10.

21

البحث الرابع فيمن يجب عليه و شرائط وجوبه

مسألة: الذكورة شرط في وجوب الجهاد

فلا يجب على المرأة إجماعا؛ لما روت عائشة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قالت: قلت: يا رسول اللّه هل على النساء جهاد؟ فقال: «جهاد لا قتال فيه: الحجّ و العمرة» (1).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كتب اللّه الجهاد على الرجال و النساء، فجهاد الرجل أن يبذل ماله و نفسه حتّى يقتل في سبيل اللّه، و جهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها و عشيرته (2)» (3) و التفصيل في معنى الجهاد بينهما قاطع للشركة.

و لأنّها ليست من أهل القتال؛ لضعفها و خورها، و لهذا لم يسهم لها من الغنيمة، و لا نعلم فيه خلافا.

فرع: الخنثى المشكل لا يجب عليه الجهاد؛

لأنّ الذكورة شرط الوجوب، و مع الشكّ في الشرط يحصل الشكّ في المشروط، مع أنّ الأصل العدم، أمّا من التحق بالرجال

____________

(1) سنن ابن ماجة 2: 968 الحديث 2901، سنن البيهقيّ 4: 350.

(2) ع: «و عشرته» و في المصدر: «و غيرته» مكان: «و عشيرته».

(3) التهذيب 6: 126 الحديث 222، الوسائل 11: 14 الباب 4 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

22

فإنّه يجب عليه الجهاد؛ لأنّه ذكر.

مسألة: البلوغ شرط في وجوب الجهاد،

فلا يجب على الصبيّ إجماعا.

روى ابن عمر، قال: عرضت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في غزوة بدر (1) و أنا ابن ثلاث عشرة سنة (2) فردّني (3).

و لأنّه غير مكلّف. و لأنّه ضعيف البنية، فيسقط عنه، و لا نعلم فيه خلافا.

مسألة: العقل شرط في الوجوب،

فلا يجب على المجنون إجماعا؛ لأنّه لا يتأتّى منه الجهاد. و لأنّه غير مكلّف، و هو وفاق.

و الحرّيّة شرط؛ فلا يجب على العبد إجماعا؛ لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يبايع الحرّ على الإسلام و الجهاد، و [يبايع] (4) العبد على الإسلام دون الجهاد (5).

و لأنّه عبادة يتعلّق بها قطع مسافة، فلا تجب على العبد، كالحجّ. و كذا لا يجب على المدبّر، و أمّ الولد، و المكاتب المشروط، و من انعتق بعضه؛ لعدم الشرط في حقّهم كلّهم.

أمّا الإسلام فليس شرطا عندنا؛ لأنّ الكفّار مخاطبون بفروع العبادات.

____________

(1) في المصادر: أحد، مكان: بدر.

(2) في المصادر: أربع عشر، مكان: ثلاث عشرة.

(3) صحيح مسلم 3: 1490 الحديث 1868، سنن ابن ماجة 2: 850 الحديث 2543، سنن الدارقطنيّ 4: 115 الحديث 40، سنن البيهقيّ 9: 21.

(4) أثبتناها من المصدر.

(5) بهذا اللفظ، ينظر: المغني و الشرح الكبير 10: 361، و بتفاوت، ينظر: المجموع 19: 270، الحاوي الكبير 14: 114، العزيز شرح الوجيز 11: 358.

23

فرع: لو أخرج الإمام العبيد بإذن ساداتهم،

و النساء و الصبيان، جاز (1)؛ لحصول النفع بهم في إتيان المياه و مداواة الجرحى، و معالجتهم و الطبخ و ما يحتاجون إليه من المداواة (2)، و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يخرج معه أمّ سليم و غيرها (3). أمّا المجنون: فلا يخرجه؛ لعدم الانتفاع به.

مسألة: و يسقط فرض الجهاد عن الشيخ الكبير؛

لعجزه و ضعف قوّته عن الحرب، قال اللّه تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (4).

و كذا يسقط فرض الجهاد عن الأعمى إجماعا، قال اللّه تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمىٰ حَرَجٌ (5).

و لأنّ الجهاد متعذّر عليه.

فأمّا (6) الأعور فإنّه يجب عليه؛ لإمكانه منه.

و يسقط أيضا فرض الجهاد بالعرج إذا كان يمنع من المشي أو الركوب، كالزمن؛ لقوله تعالى: وَ لٰا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ (7).

____________

(1) ر و ع: لجاز.

(2) ب: المداراة.

(3) صحيح مسلم 3: 1443 الحديث 1810، سنن أبي داود 3: 18 الحديث 2531، سنن ابن ماجة 2:

952 الحديث 2856، سنن الترمذيّ 4: 139 الحديث 1575.

(4) التوبة (9): 91.

(5) الفتح (48): 17.

(6) ح و خا: و أمّا.

(7) الفتح (48): 17.

24

و لو كان به عرج يسير يمكنه معه الركوب و المشي و إنّما يتعذّر عليه شدّة العدو؛ فإنّه يجب عليه الجهاد؛ لتمكّنه منه، فكان كالأعور.

و أمّا المريض فقسمان:

أحدهما: أن يكون مرضه شديدا، كالبرسام (1) و الحمّى المطبقة و أشباههما، فإنّه يسقط عنه فرض الجهاد؛ لعجزه عنه، قال اللّه تعالى: وَ لٰا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (2)، و قوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ (3).

الثاني: أن يكون مرضه يسيرا، كوجع الضرس و الصداع اليسير، و حمّى يوم يتمكّن معه (4) من الجهاد، فإنّه يجب عليه؛ لتمكّنه منه.

مسألة: و لو احتاج إلى نفقة و عجز عنها،

سقط عنه فرض الجهاد؛ لقوله تعالى:

وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (5).

إذا ثبت هذا: فإن كانت المسافة قصيرة لا يحتاج معها إلى الحمولة، لم يجب عليه حتّى يكون له زاد و نفقة عياله في غيبته و سلاح يقاتل به، و لا يعتبر الراحلة؛ لقرب السفر.

و إن كانت المسافة طويلة، اعتبر مع ما ذكرناه وجود الراحلة؛ لحاجته إليها؛ لقوله تعالى: وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لٰا أَجِدُ مٰا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّٰا يَجِدُوا مٰا يُنْفِقُونَ (6).

____________

(1) البرسام: داء معروف، و في بعض كتب الطبّ أنّه ورم حارّ يعرض للحجاب الذي بين الكبد و المعى ثمّ يتّصل بالدماغ. المصباح المنير: 41.

(2) الفتح (48): 17.

(3) التوبة (9): 91.

(4) ع، ق و خا: منه، مكان: معه.

(5) التوبة (9): 91.

(6) التوبة (9): 92.

25

و الضابط في إسقاط الجهاد لأجل عدم الراحلة: هو الحاجة إليها، سواء قصرت المسافة أو طالت، و الشيخ- (رحمه اللّه)- اعتبر مسافة التقصير (1)، و ليس بمعتمد، بل الضابط ما قلناه نحن.

مسألة: قد بيّنّا أنّ الجهاد يجب على الكفاية،

فإذا قام به من فيه كفاية و غنى، سقط عن الباقين (2). و لا يجب على غيرهم إلّا أن يعيّنه الإمام؛ لاقتضاء المصلحة أو قصور القائمين عن الدفع بحيث لا يحصل الدفع إلّا بالاجتماع، أو يعيّنه على نفسه بالنذر و شبهه أو بالاستئجار، فيجب عليه حينئذ، و لا يكفي فيه غيره.

و من تعيّن عليه الجهاد، وجب أن يخرج بنفسه أو يستأجر غيره عنه؛ لحصول المقصود به.

مسألة: الجهاد قد يكون للدعاء إلى الإسلام،

و قد يكون للدفع بأن يدهم المسلمين عدوّ.

فالأوّل: لا يجوز إلّا بإذن الإمام العادل، أو من يأمره الإمام.

و الثاني: يجب مطلقا.

و قال أحمد: يجب الأوّل مع كلّ إمام برّ و فاجر (3).

لنا: أنّ الداعي يجب أن يكون بشرائط الإمامة أو منصوبا من قبله؛ لأنّه العارف بشرائط الإسلام و له الولاية المطلقة.

و ما رواه الشيخ عن أبي عمرو الزبيديّ (4)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

____________

(1) المبسوط 2: 5 و 6.

(2) يراجع: ص 15.

(3) المغني 10: 365- 366، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 366، الفروع في فقه أحمد 3: 427، الإنصاف 4: 119، الكافي لابن قدامة 4: 219.

(4) أبو عمرو الزبيديّ، كذا في النسخ، و هكذا عنونه الأردبيليّ في جامعه و السيّد الخوئيّ في معجمه،-

26

قلت له: أخبرني عن الدعاء إلى اللّه عزّ و جلّ و الجهاد في سبيله، أ هو لقوم لا يحلّ إلّا لهم، و لا يقوم به إلّا من كان منهم؟ أو هو مباح لكلّ من وحّد اللّه تعالى و آمن برسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و من كان كذا فله أن يدعو إلى اللّه عزّ و جلّ و إلى طاعته، و أن يجاهد في سبيل اللّه؟ فقال: «ذلك لقوم لا يحلّ إلّا لهم، و لا يقوم بذلك إلّا من كان منهم» و قال في أثناء الحديث: «و لا يكون داعيا إلى اللّه تعالى من أمر بدعاء مثله إلى التوبة و الحقّ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و لا يأمر بالمعروف من قد أمر أن يؤمر به، و لا ينهى عن المنكر من قد أمر أن ينهى عنه، فمن كان قد ثبت (1) فيه شرائط اللّه عزّ و جلّ التي قد وصف بها أهلها من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و هو مظلوم فهو مأذون له في الجهاد» (2) و الحديث طويل.

و عن أبي حمزة الثماليّ، قال: قال رجل لعليّ بن الحسين (عليهما السلام): أقبلت على الحجّ و تركت الجهاد، فوجدت الحجّ ألين عليك؟ و اللّه تعالى يقول: إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ الآية فقال عليّ بن الحسين (عليهما السلام):

____________

- و لكن قال الأوّل في جامعه: روى القاسم بن بريد عنه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في التهذيب، و الموجود في الطبعة الحديثة منه: الزبيريّ و لعلّه رآه في الطبعة القديمة، و قال الثاني في معجمه:

روى عنه بكر بن صالح في تفسير القمّيّ 1: 32 ثمّ قال: كذا في الطبعة الحديثة و لكن في الطبعة القديمة: أبو عمرو الزبيريّ، كما في الكافي 2: 40 و ص 33 و ص 381 و ج 5: 13. و لأجل ذلك قال الأردبيليّ: ما في التهذيب كأنّه سهو، و قال السيّد الخوئيّ: لا يبعد صحّة ما في الكافي، بقرينة سائر الروايات، و عنونه المامقانيّ بعنوان: أبو عمرو الزبيريّ- بالرّاء- و قال: أبدل في التهذيب الزبيريّ- بالراء- ب: الزبيديّ- بالدال المهملة- و لعلّه من سهو القلم، إلى أن قال: و على كلّ حال فلم أقف على اسمه، و من لاحظ رواياته ظهر له غزارة علم الرجل و جودة قريحته و أنّه أهل لأن يخاطب بما لا يخاطب به إلّا جهابذة العلماء و أقلّ ما يفيد ذلك، حسن خبره.

جامع الرواة 2: 406، تنقيح المقال 3: 29 من فصل الكنى، معجم رجال الحديث 22: 281.

(1) في المصدر: «قد تمّت»، مكان: «قد ثبت».

(2) التهذيب 6: 127 الحديث 224، الوسائل 11: 23 الباب 9 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

27

«أقرأ ما بعدها» فقرأ: التّٰائِبُونَ ... (1) الآية فقال عليّ بن الحسين (عليهما السلام):

«إذا ظهر هؤلاء لم نؤثر على الجهاد شيئا» (2).

و عن بشير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: رأيت في المنام أنّي قلت لك: إنّ القتال مع غير الإمام المفروض طاعته حرام، مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير، فقلت: نعم هو كذلك، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «هو كذلك هو كذلك» (3).

احتجّ أحمد: بما روى أبو هريرة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: «الجهاد واجب عليكم مع كلّ أمير برّا كان أو فاجرا» (4) (5).

و عن أنس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «ثلاث من أصل الإيمان:

الكفّ عمّن قال لا إله إلّا اللّه، لا نكفّره بذنب و لا نخرجه من الإسلام بعمل، و الجهاد ماض منذ بعثني اللّه تعالى إلى أن يقاتل آخر أمّتي الدجّال، و الإيمان بالإنذار (6)» (7).

و لأنّ ترك الجهاد مع الفجّار يفضي إلى قطع الجهاد، و ظهور الكفّار على

____________

(1) التوبة (9): 111- 112.

(2) التهذيب 6: 134 الحديث 225، الوسائل 11: 34 الباب 12 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 6.

(3) التهذيب 6: 134 الحديث 226، الوسائل 11: 32 الباب 12 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

(4) سنن أبي داود 3: 18 الحديث 2533، سنن الدارقطنيّ 2: 56 الحديث 6، سنن البيهقيّ 3: 121 و ج 8: 185.

(5) المغني 10: 365، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 366، الكافي لابن قدامة 4: 219، الفروع في فقه أحمد 3: 427.

(6) ح و ر: «بالأبدان». و في المصدر: «بالأقدار».

(7) سنن أبي داود 3: 18 الحديث 2532، سنن البيهقيّ 9: 156، كنز العمّال 15: 811 الحديث 43226، مسند أبي يعلى 7: 287 الحديث 4311، فيض القدير 3: 293 الحديث 3434.

28

المسلمين، و قال اللّه تعالى: وَ لَوْ لٰا دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوٰامِعُ (1) الآية.

و الجواب عن الأوّل: أنّ أبا هريرة مطعون في حديثه؛ و لهذا أدّبه عمر على كثرة حديثه (2)، فلو لم يكن في محلّ التهمة، لما فعل عمر به ذلك، على أنّا نقول: إنّ أحد نوعي الجهاد يجب مع كلّ برّ و فاجر.

و عن الثاني: أنّا نقول بموجبه، فإنّ وجوب الجهاد دائم ما دامت الشريعة، لكن وجوبها لا يخرجها عن اشتراطها بأمور أخرى.

و عن الثالث: بأنّ الجهاد للدفع عن الضرر كاف في كفّ الفجّار، على أنّ الإمام الفاجر ليس محلّا للأمانة، فكيف يسوغ جعله رئيسا مطلقا على المسلمين كافّة، و ربّما واطأ الكفّار و حصل للمسلمين بذلك ضرر لا يمكن تداركه.

أمّا القسم الثاني من أنواع الجهاد، فإنّه يجب مطلقا، فإنّه متى دهم المسلمين- و العياذ باللّه- عدوّ يخشى منه على بيضة الإسلام، وجب على المسلمين كافّة النفور إليهم و دفعهم، سواء كان الداعي إلى جهادهم برّا أو فاجرا، لأنّ دفع الضرر لا يحصل إلّا به، فيجب.

و كذا لو كان المسلم في أرض العدوّ من الكفّار ساكنا بينهم بأمان حتّى دهمهم عدوّ من المشركين و خشي على نفسه إذا تخلّف، جاز له معاونة الكفّار و مساعدتهم، و يكون قصده بذلك الدفع عن نفسه لا معاونة المشركين.

رواه الشيخ عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل دخل أرض الحرب بأمان، فغزا القوم الذين دخل عليهم (3) قوم آخرون، قال:

____________

(1) الحجّ (22): 40.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 67- 68.

(3) ب: معهم، مكان: عليهم.

29

«على المسلم أن يمنع عن نفسه و يقاتل على حكم اللّه و حكم رسوله، و أمّا أن يقاتل الكفّار على حكم الجور و سنّتهم، فلا يحلّ له ذلك» (1).

و كذا من خشي على نفسه مطلقا أو ماله إذا غلب السلامة، جاز له أن يجاهد.

مسألة: من وجب عليه الجهاد، يتخيّر بين أن يخرج بنفسه و يجاهد،

و بين أن يستأجر غيره ليجاهد عنه، و تكون الإجارة صحيحة، و لا يلزمه ردّ الأجرة، ذهب إليه علماؤنا.

و قال الشافعيّ: لا تنعقد الإجارة، و يجب عليه ردّ الأجرة إلى صاحبها (2).

لنا: ما رواه الجمهور عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «من جهّز غازيا، كان له مثل أجره» (3).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن وهب، عن جعفر، عن أبيه أنّ عليّا (عليه السلام) سئل عن الإجعال للغزو، فقال: «لا بأس به أن يغزو الرجل عن الرجل و يأخذ منه الجعل» (4).

و لأنّ القصد من الجهاد و هو معونة المسلمين، و حراستهم يحصل بفعله مباشرة و تسبيبا، فيتساويان.

____________

(1) التهذيب 6: 135 الحديث 229، الوسائل 11: 20 الباب 6 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 3.

(2) المجموع 15: 39، فتح العزيز بهامش المجموع 12: 286، مغني المحتاج 4: 222، السراج الوهّاج: 542، 543، المغني 10: 519، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 512.

(3) سنن ابن ماجة 2: 921- 922 الحديث 2758 و 2759، سنن الدارميّ 2: 209، سنن البيهقيّ 9:

172، كنز العمّال 4: 292 الحديث 10554، المعجم الكبير للطبرانيّ 5: 246 الحديث 5233 و 5234.

(4) التهذيب 6: 173 الحديث 338، الوسائل 11: 22 الباب 8 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1 و ص 111 الباب 63 الحديث 2.

30

و لأنّها عبادة، فجاز عقد الإجارة فيها و لزم، كالحجّ، و لأنّه يجوز (1) أخذ الرزق عليها من بيت المال، فجاز أن يأخذ عليها إجارة. و لأنّه من فروض الكفايات فيجزئ عنه فعل غيره، و لأنّ الضرورة قد تدعو إلى الاستئجار، فيكون مشروعا، كغيره من الإجارات.

احتجّ الشافعيّ: بأنّه يتعيّن بحضوره الصفّ للجهاد، و إذا تعيّن عليه الفرض، لم يجز له أن يفعله عن غيره، كما لو كان عليه حجّ الإسلام لا يجوز له أن يحجّ عن غيره (2).

و الجواب: المنع أوّلا من التعيين (3)، و النقض بالحجّ، فإنّه إذا حضر مكّة تعيّن عليه الإحرام، و مع هذا جاز أن يقع الإحرام المتعيّن عليه عن غيره، فكذا هنا.

فروع:

الأوّل: لو عيّنه الإمام للخروج،

لم يجز له الاستنابة؛ لقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (4).

الثاني: لا يجوز لمن وجب عليه الجهاد أن يجاهد عن غيره بجعل،

فإن فعل، وقع عنه و وجب عليه ردّ الجعل إلى صاحبه؛ لأنّه قد تعيّن عليه، فلا يجوز له أن ينوب عن غيره فيه، كالحجّ.

الثالث: قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: للنائب ثواب الجهاد

و للمستأجر ثواب

____________

(1) ر و ع: و لا يجوز، مكان: و لأنّه يجوز.

(2) المجموع 15: 39، فتح العزيز بهامش المجموع 12: 286، مغني المحتاج 4: 222، المغني 10:

519، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 512.

(3) ب: التعيّن، مكان: التعيين.

(4) النساء (4): 59.

31

النفقة، و أمّا ما يأخذه أهل الديوان من الأرزاق، فليس بأجرة، بل هم يجاهدون لأنفسهم (1)، و يأخذون حقّا جعله اللّه لهم، فإن كانوا أرصدوا أنفسهم للقتال و أقاموا في الثغور، فهم أهل الفيء، لهم سهم من الفيء يدفع إليهم، و إن كانوا مقيمين في بلادهم يغزون إذا خفّوا (2)، فهؤلاء أهل الصدقات يدفع إليهم سهم (3) منها (4).

الرابع: يستحبّ إعانة المجاهدين و مساعدتهم،

ففيها فضل كثير من السلطان و العوامّ (5) و كلّ واحد، و يستحقّون بها الثواب؛ لما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: «من جهّز غازيا أو حاجّا أو معتمرا أو خلفه في أهله فله مثل أجره» (6).

و عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من بلّغ رسالة غاز كان كمن أعتق رقبة و هو شريكه» (7).

مسألة: قد بيّنّا أنّ الجهاد واجب على الكفاية (8)، و يتعيّن على المكلّف بأمور:

أحدها: تعيين الإمام.

الثاني: النذر و شبهه.

الثالث: الاستئجار.

الرابع: عدم الاكتفاء بغيره.

____________

(1) كثير من النسخ: بأنفسهم.

(2) ق: إذا خفقوا، و في المصدر: إذا خيفوا، قال في المصباح المنير: 175: خفّ إلى العدوّ: أسرع.

(3) كثير من النسخ: سهمهم.

(4) المبسوط 2: 7.

(5) آل و ب: القوّام، مكان: العوامّ.

(6) المعجم الكبير للطبرانيّ 5: 255 و 256 الحديث 5267 و 5271 بتفاوت يسير.

(7) الكافي 5: 8 الحديث 9، التهذيب 6: 123 الحديث 214، الوسائل 11: 13 الباب 3 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 2.

(8) يراجع: ص 15.

32

الخامس: إذا التقى الزحفان و تقابل الفئتان.

أمّا الأوّل: فلأنّ الإمام إذا استنفر قوما، وجب عليهم النفور معه؛ لقوله تعالى:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مٰا لَكُمْ إِذٰا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ اثّٰاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ (1) إلى آخره.

و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا استنفرتم فانفروا» (2).

و أمّا الثاني: فلما يأتي من وجوب ما يتعلّق به النذر من الطاعات.

و أمّا الثالث: فلأنّ عقد الإجارة لازم على ما تقدّم (3).

و أمّا الرابع: فإنّا بيّنّا معنى وجوب الكفاية (4) و أنّه متى قام به من في قيامه غنى، سقط عن الباقين، و إلّا لم يسقط.

و أمّا الخامس: فلقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا (5).

و قال اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلٰا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبٰارَ (6) الآية.

مسألة: قد بيّنّا أنّ الإعسار يسقط فرض الجهاد (7)،

فلو بذل له ما يحتاج إليه، وجب عليه الجهاد حينئذ؛ لأنّه بالبذل متمكّن، كالحجّ إذا بذل للمعسر كفايته فيه،

____________

(1) التوبة (9): 38.

(2) صحيح البخاريّ 4: 18، 28 و 92، صحيح مسلم 3: 1487 الحديث 1353، سنن أبي داود 3: 3 الحديث 2480، سنن ابن ماجة 2: 926 الحديث 2773، سنن الترمذيّ 4: 148 الحديث 1590، سنن النسائيّ 7: 146، مسند أحمد 1: 226، 316 و 355، سنن البيهقيّ 9: 16 و 17، المعجم الكبير للطبرانيّ 10: 339 الحديث 10844 و ج 11: 26 الحديث 10944.

(3) يراجع: ص 28- 30.

(4) يراجع: ص 15.

(5) الأنفال (8): 45.

(6) الأنفال (8): 15.

(7) يراجع: ص 24.

33

فإنّه يجب عليه؛ لأنّه تمكّن بالبذل، كذا هنا، و لو كان على سبيل الأجرة، لم يجب؛ لأنّ وجوب الجهاد مشروط باليسار، و لا يجب على المكلّف تحصيل شرط الوجوب، كالنصاب في الزكاة، و لو عجز عن الجهاد بنفسه و كان موسرا فهل يجب عليه إقامة غيره أم لا؟ فيه قولان:

أحدهما: الوجوب، كالحجّ (1).

و الثاني: السقوط؛ لعدم المكنة (2). و الأقرب: الاستحباب.

و لو كان قادرا فجهّز غيره، سقط عنه فرض الجهاد ما لم يتعيّن عليه.

____________

(1) قال به الشيخ في النهاية: 289، و ابن إدريس في السرائر: 156، و ابن البرّاج في المهذّب 1:

298.

(2) و هو ظاهر أبي الصلاح في الكافي في الفقه: 246 فإنّه قال: فإن كان ذو العذر غنيّا، فعليه معونة المجاهدين بماله في الخيل و السلاح و الظهر و الزاد و سدّ الثغر.

34

البحث الخامس في اشتراط إذن الأبوين و صاحب الدين

مسألة: من عليه دين لم يخل حاله من أمرين:

أحدهما: أن يكون الدين حالّا، و الآخر أن يكون مؤجّلا.

فإن كان حالّا فلا يخلو إمّا أن يكون متمكّنا من أدائه أو لا يكون، فإن كان متمكّنا منه، لم يجز له الخروج إلى الجهاد إلّا بإذن صاحب الدين إلّا أن يترك وفاء، أو يقيم به كفيلا يرتضي (1) به، أو يوثقه برهن.

و إن لم يكن متمكّنا منه، هل يجوز له أن يخرج بغير إذن صاحب الدين أم لا؟

قال قوم: نعم، له ذلك (2)، و به قال مالك (3).

و قال الشافعيّ (4)، و أحمد بن حنبل: ليس له ذلك، و لصاحب الدين منعه من الغزو (5). و الأوّل أقرب.

لنا: أنّه لا يتوجّه له المطالبة به و لا حبسه من أجله، فلم يمنع من الغزو، كما لو

____________

(1) ع: فيرتضى.

(2) العزيز شرح الوجيز 11: 358.

(3) بداية المجتهد 1: 381، المغني 10: 378، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 376.

(4) المهذّب للشيرازيّ 2: 293، المجموع 19: 274، فتح العزيز بهامش المجموع 10: 215، المغني 10: 378، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 376.

(5) المغني 10: 378، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 376، الكافي لابن قدامة 4: 201، الإنصاف 4: 122.

35

لم يكن عليه دين.

احتجّوا: بأنّ الجهاد يقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحقّ بفواتها (1).

و روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ رجلا جاء إليه، فقال: يا رسول اللّه إن قتلت في سبيل اللّه صابرا محتسبا يكفّر عنّي خطاياي؟ قال: «نعم، إلّا الدّين، فإنّ جبرئيل (عليه السلام) قال لي ذلك» (2).

و الجواب: أنّ الشهادة غير معلومة و لا مظنونة، فلا يترك لأجلها ما هو أعظم أركان الإسلام.

و الرواية نحن نقول بموجبها؛ لأنّ من فرّط في قضاء الدين، لا يسقط دينه بالجهاد و القتل في سبيل اللّه، و يدلّ على التفريط أنّه استثناه من الخطايا، و لا ريب أنّ تأخير الدين للمعسر ليس بخطيئة.

أمّا الدين المؤجّل، فهل لصاحبه منعه منه أم لا؟ قال مالك: ليس له المنع (3).

و قال الشافعيّ (4) و أحمد: له المنع (5). و الاحتجاج من الفريقين ما تقدّم، و الوجه: ما قاله مالك.

____________

(1) المغني 10: 378، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 377.

(2) صحيح مسلم 3: 1501 الحديث 1885، سنن الترمذيّ 4: 212 الحديث 1712، سنن النسائيّ 6:

34، الموطّأ 2: 461 الحديث 31، كنز العمّال 4: 404 الحديث 11129.

(3) المغني 10: 378.

(4) حلية العلماء 7: 646، المجموع 19: 275، فتح العزيز بهامش المجموع 10: 215- 216، مغني المحتاج 4: 217.

(5) المغني 4: 549 و ج 10: 378، الشرح الكبير بهامش المغني 4: 494 و 495 و ج 10: 376، الفروع في فقه أحمد 2: 437.

36

فروع:

الأوّل: لو تعيّن على المدين الجهاد،

وجب عليه الخروج فيه، سواء كان الدين حالّا أو مؤجّلا، موسرا كان أو معسرا، أذن له غريمه أو لم يأذن، لأنّ الجهاد تعلّق بعينه، فكان مقدّما على ما في ذمّته، كسائر فروض الأعيان.

الثاني: لو ترك وفاء أو أقام كفيلا مليّا،

جاز له الغزو، سواء أذن له صاحب الدين أو لم يأذن؛ لأنّ المانع- و هو فوات الدين- زائل هنا. و لأنّ عبد اللّه بن حرام (1) أبا جابر بن عبد اللّه خرج إلى أحد و عليه دين كثير، فاستشهد، فقضاه عنه ابنه جابر بعلم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لم يذمّه، و لم ينكر فعله بل مدحه و قال:

«ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتّى رفعتموه» (2).

الثالث: إذا تعيّن عليه الجهاد، جاز له الخروج مطلقا

على ما بيّنّاه، لكن يستحبّ له أن لا يتعرّض لمظانّ القتل، بأن يبارز أو يقف في أوّل المقاتلة؛ لما فيه من التغرير (3) بفوات الحقّ.

مسألة: من له أبوان مسلمان لم يجاهد طوعا إلّا بإذنهما،

و لهما منعه، و به قال

____________

(1) عبد اللّه بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاريّ يكنّى أبا جابر، شهد العقبة ثمّ بدرا، و هو أوّل قتيل قتل من المسلمين يوم أحد، و دفن هو و عمرو بن الجموح في قبر واحد، و قال جابر: نظر إليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: ما لي أراك منكسرا مهتمّا، قلت: يا رسول اللّه قتل أبي و ترك دينا و عيالا، فقال: ألا أخبرك ما كلّم اللّه أحدا قطّ إلّا من وراء حجاب و أنّه كلّم أباك كفاحا (أي مواجهة)، فقال: يا عبدي سلني أعطك، قال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إنّه قد سبق منّي أنّهم لا يردّون إليها و لا يرجعون، قال: يا ربّ أبلغ من ورائي، فأنزل اللّه تعالى:

وَ لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ ... (آل عمران (3): 169).

أسد الغابة 3: 231، 232، الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 339، الإصابة 2: 350.

(2) صحيح البخاريّ 2: 91، صحيح مسلم 4: 1918 الحديث 2471، سنن النسائيّ 4: 13، مسند أحمد 3: 307، سنن البيهقيّ 3: 407.

(3) كثير من النسخ: التقرير.

37

أهل العلم كافّة.

روى ابن عبّاس عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: جاء رجل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: يا رسول اللّه أجاهد؟ فقال: «أ لك أبوان؟» قال: نعم، قال:

«ففيهما فجاهد» (1).

و في رواية: جئت أبايعك على الهجرة و تركت أبويّ يبكيان، قال: «ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما» (2).

و عن أبي سعيد أنّ رجلا هاجر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «هل لك باليمن أحد؟» قال: نعم، أبواي، قال: «أذنا لك؟» قال: لا، قال: «فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، و إلّا فبرّهما» (3).

و لأنّ طاعة الأبوين فرض عين، و الجهاد فرض كفاية، و فرض العين مقدّم على فرض الكفاية.

مسألة: لو كانا كافرين، جاز له مخالفتهما

و الخروج إلى الجهاد مع كراهيتهما، و به قال الشافعيّ (4)، و أحمد بن حنبل (5).

و قال الثوريّ: لا يغزو إلّا بإذنهما (6).

____________

(1) صحيح البخاريّ 4: 71 و ج 8: 3، سنن أبي داود 3: 17 الحديث 2529، سنن الترمذيّ 4: 191 الحديث 1671، سنن البيهقيّ 9: 25.

(2) سنن أبي داود 3: 17 الحديث 2528، سنن النسائيّ 7: 143، مسند أحمد 2: 160، المستدرك للحاكم 4: 152، سنن البيهقيّ 9: 26.

(3) المستدرك للحاكم 2: 103، مسند أحمد 3: 75- 76، سنن البيهقيّ 9: 26، كنز العمّال 16: 477 الحديث 45533.

(4) المهذّب للشيرازيّ 2: 293، المجموع 19: 276، المغني 10: 376، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 378.

(5) المغني 10: 376، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 378، الكافي لابن قدامة 4: 201.

(6) المغني 10: 376، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 378.

38

لنا: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يخرج معه من الصحابة إلى الجهاد من كان له أبوان كافران، من غير استئذان، كأبي بكر و غيره.

و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة (1)، كان مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يوم بدر، و أبوه كان رئيس المشركين يومئذ قتل ببدر، و أبو عبيدة قتل أباه في الجهاد (2).

و لأنّهما كافران، فلا ولاية لهما على المسلم. و لأنّه يسوغ له قتلهما، فترك قبول قولهما أولى.

احتجّ الثوريّ: بعموم الأخبار (3).

و الجواب: ما ذكرناه خاصّ، فيكون مقدّما و يخصّص (4) العامّ.

مسألة: و لو كان الجهاد متعيّنا عليه بأحد (5) أسباب التعيين السابقة،

وجب عليه الخروج من غير إذن أبويه المسلمين، و لو منعاه، لم يجز له التخلّف، و لا يجوز لهما منعه.

و كذا كلّ الفرائض ليس لهما منعه منه؛ لأنّه فرض عين، و كان (6) تركه معصية، و لا طاعة لأحد في معصية اللّه تعالى.

و كذا باقي الفرائض، كالحجّ و الجمعة مع الشرائط؛ لقوله تعالى: وَ لِلّٰهِ عَلَى

____________

(1) أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّ، هاجر إلى أرض الحبشة و إلى المدينة و شهد بدرا و أحدا و الخندق و المشاهد كلّها، و قتل يوم اليمامة شهيدا و هو ابن ثلاث أو أربع و خمسين سنة و قيل: ابن ستّ و خمسين سنة.

أسد الغابة 5: 170، الاستيعاب بهامش الإصابة 4: 39، الإصابة 4: 42.

(2) المغني 10: 376، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 378، تفسير القرطبيّ 17: 307، المغازي للواقديّ 1: 70.

(3) المغني 10: 376، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 378.

(4) روح: فيخصّص.

(5) بعض النسخ: بإحدى.

(6) ب، خاوق: فكان.

39

النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1) و لم يشترط إذنهما، و لا نعرف في ذلك خلافا.

فروع:

الأوّل: حكم أحد الأبوين حكمهما معا؛

لأنّ طاعة كلّ واحد منهما فرض، كما أنّ طاعتهما فرض.

الثاني: لو كان أبواه رقيقين،

فعموم كلام الشيخ- (رحمه اللّه) (2)- يقتضي أنّ لهما المنع، كالحرّين؛ عملا بالعموم، و لأنّهما أبوان مسلمان، فكانا كالحرّين.

و قيل: لا اعتبار بإذنهما؛ لأنّه لا ولاية لهما (3).

الثالث: لو كانا مجنونين،

لم يكن لهما (4) اعتبار و لا إذن لهما؛ لعدم إمكان استئذانهما.

الرابع: لو سافر لطلب العلم أو التجارة،

استحبّ له استئذانهما و أن لا يخرج من دون إذنهما، و لو منعاه، لم يحرم عليه مخالفتهما. و فارق الجهاد؛ لأنّ الغالب فيه الهلاك، و هذا الغالب فيه السلامة.

مسألة: لو خرج في جهاد تطوّعا بإذنهما،

فمنعاه منه بعد سيره (5) و قبل وجوبه، كان عليه أن يرجع؛ لأنّ لهما منعه في الابتداء، فكذا في الأثناء، كسائر الموانع، إلّا أن يخاف على نفسه في الرجوع، أو يحدث له عذر من مرض أو ذهاب نفقة، أو

____________

(1) آل عمران (3): 97.

(2) المبسوط 2: 6.

(3) المغني 10: 376، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 378.

(4) ع و ر: بهما.

(5) ع: مسيره، مكان: سيره.

40

نحو ذلك، فإنّه إن أمكنته الإقامة في الطريق و إلّا مضى مع الجيش، فإذا حضر الصفّ، تعيّن عليه بحضوره و لم يبق لهما إذن، و لو رجعا في الإذن بعد وجوبه عليه و تعيّنه، لم يؤثّر رجوعهما.

و لو كانا كافرين فأسلما و منعاه، فإن كان بعد وجوبه و تعيّنه عليه لم يعتدّ بمنعهما، و إن كان قبله، وجب عليه الرجوع مع المكنة. و كذا البحث في الغريم (1) إذا أذن للمدين في الجهاد ثمّ رجع عن الإذن.

و لو أذن له والداه في الغزو و شرطا عليه أن لا يقاتل فحضر القتال، تعيّن عليه و لم يعتدّ بشرطهما؛ لأنّه صار واجبا عليه، فلا طاعة لهما في تركه، و لو خرج بغير إذنهما فحضر القتال ثمّ بدا له الرجوع، لم يجز له ذلك.

مسألة: قد بيّنّا أنّه لا جهاد على العبد،

فإن أذن له مولاه، صحّ، و إلّا لم يجز، و لو أذن ثمّ رجع عن الإذن، كان حكمه حكم رجوع الأبوين، و قد سلف (2).

و المرأة لا جهاد عليها و يجوز لها أن تخرج لمعونة المسلمين- على ما قلناه- بشرط إذن الزوج لها في ذلك، و قد سلف (3).

مسألة: لو خرج إلى الجهاد و لا عذر له،

فتجدّد العذر، فإن كان قبل أن يلتقي الزحفان كان كوجوده قبل خروجه، إن كان العذر في نفسه، كالمرض و شبهه، تخيّر في الرجوع و المضيّ، و إن كان في غيره، مثل أن يرجع صاحب الدين الحالّ في إذنه، و الأبوان فيه، أو يسلم الأبوان ثمّ يمنعانه، فيجب عليه الرجوع، إلّا أن يخاف على نفسه.

و إن حدث بعد التقاء الزحفين، فإن كان العذر في نفسه قال الشيخ- (رحمه اللّه)

____________

(1) الغريم: المدين و صاحب الدين، و الجمع: الغرماء. المصباح المنير: 446.

(2) يراجع: ص 22.

(3) يراجع: ص 23.

41

كان له الانصراف (1). و هو أحد قولي الشافعيّ؛ لأنّه لا يمكنه القتال، فكان له الانصراف.

و قال في الآخر: ليس له الانصراف؛ لأنّه كان مخيّرا قبل التقاء الزحفين، فوجب أن يتعيّن بعد التقاء الزحفين و لا جامع هنا (2).

و لو كان العذر في غيره، كرجوع الغريم و الأبوين قال الشيخ- (رحمه اللّه)-:

ليس له الرجوع؛ لقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا (3). (4)

و لأنّ رجوعه ربّما كان فيه كسر المسلمين، فلا يجوز له الرجوع، و هو أحد قولي الشافعيّ.

و قال في الآخر: له الرجوع؛ لأنّ الثبات فرض و حقّ الغريم فرض و هو السابق، فكان أولى (5).

و ليس بجيّد؛ لأنّ الغريم أسقط حقّه من المنع.

مسألة: و يستحبّ له أن يتجنّب قتل أبيه (6) المشرك؛

لقوله تعالى: وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً (7).

____________

(1) المبسوط 2: 6.

(2) الأمّ 4: 163، حلية العلماء 7: 645، المجموع 19: 276، الميزان الكبرى 2: 178، روضة الطالبين: 1790.

(3) الأنفال (8): 45.

(4) المبسوط 2: 6.

(5) الأمّ 4: 164، حلية العلماء 7: 645، المهذّب للشيرازيّ 2: 294، المجموع 19: 276، مغني المحتاج 4: 218.

(6) ر: أخيه.

(7) لقمان (31): 15.

42

و كفّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه، و يجوز له قتله (1).

و لو ظهر منه ما لا يجوز الصبر عليه، جاز قتله، كسبّ اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام)، فقد (2) روي أنّ أبا عبيدة قتل أباه حين سمعه (3) سبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا قال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «لم قتلته؟» قال: سمعته يسبّك، فسكت عنه (4).

____________

(1) سنن البيهقيّ 8: 186، المغازي للواقديّ 1: 70، المغني 10: 376، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 378.

(2) ب و ع: و قد.

(3) ب: رآه، مكان: سمعه.

(4) سنن البيهقيّ 9: 27، تفسير القرطبيّ 17: 307، التفسير الكبير 30: 276.

43

البحث السادس في الرباط

مسألة: الرباط فيه فضل كثير و ثواب جزيل،

و معناه: الإقامة عند الثغر لحفظ المسلمين، و أصله: من رباط الخيل؛ لأنّ هؤلاء يربطون خيولهم كلّ قوم بعد آخرين، فسمّي المقام بالثغر رباطا، و إن لم يكن خيل، و فضله متّفق عليه.

روى سلمان- (رحمه اللّه)- قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول:

«رباط ليلة في سبيل اللّه خير من صيام شهر و قيامه، فإن مات، جرى عليه عمله الذي كان يعمل، و أجري عليه رزقه، و أمن الفتّان» (1).

و عن فضالة بن عبيد (2) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: «كلّ ميّت يختم على عمله، إلّا المرابط في سبيل اللّه، فإنّه ينمو له عمله إلى يوم القيامة و يؤمن من فتّان القبر» (3).

مسألة: و للرباط طرفان في القلّة و الكثرة،

فطرف القلّة ثلاثة أيّام، و طرف

____________

(1) صحيح مسلم 3: 1520 الحديث 1913، سنن الترمذيّ 4: 188 الحديث 1665، سنن النسائيّ 6:

39، سنن البيهقيّ 9: 38، المعجم الكبير للطبرانيّ 6: 266 الحديث 1677 و ص 267 الحديث 6178، المغني 10: 370، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 369.

(2) كثير من النسخ بزيادة: قال.

(3) سنن أبي داود 3: 9 الحديث 2500، سنن الترمذيّ 4: 165 الحديث 1621، مسند أحمد 6: 20، المستدرك للحاكم 2: 79، المعجم الكبير للطبرانيّ 18: 312 الحديث 803، كنز العمّال 4: 303 الحديث 10613، المغني 10: 370، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 369.

44

الكثرة أربعون يوما، فإن جاز الأربعين، كان جهادا، و ثوابه ثواب المجاهدين، و لم يكن رباطا.

أمّا طرف القلّة فاختاره الشيخ- (رحمه اللّه)- (1) و هو قول علمائنا.

و قال أحمد: لا طرف له في القلّة (2).

لنا: أنّ مفهومه إنّما يصدق بثلاثة أيّام غالبا، فإنّ المجتاز في الثغر أو من أقام به ساعة مثلا لا يقال له في العرف: إنّه مرابط.

و يؤيّده: ما رواه الشيخ عن محمّد بن مسلم و زرارة، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام)، قال: «الرباط ثلاثة أيّام و أكثره أربعون يوما، فإذا جاز ذلك فهو جهاد» (3).

و أمّا طرف الكثرة فمتّفق عليه؛ لما قلناه من حديث زرارة و محمّد بن مسلم عنهما (عليهما السلام).

و روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «تمام الرباط أربعون يوما» (4).

مسألة: و إنّما تستحبّ المرابطة استحبابا مؤكّدا في حال ظهور الإمام (عليه السلام)،

أمّا في حال غيبته فإنّها مستحبّة أيضا استحبابا غير مؤكّد؛ لأنّها

____________

(1) النهاية: 290.

(2) المغني 10: 370، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 369، الكافي لابن قدامة 4: 203، الفروع في فقه أحمد 3: 431، الإنصاف 4: 120، زاد المستقنع: 36.

(3) التهذيب 6: 125 الحديث 218، الوسائل 11: 19 الباب 6 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

(4) المصنّف لابن أبي شيبة 4: 584 الحديث 152 و 153، كنز العمّال 4: 284 الحديث 10514 و ج 8: 531 الحديث 24014، المعجم الكبير للطبرانيّ 8: 133 الحديث 7606، مجمع الزوائد 5:

290، المصنّف لعبد الرزّاق 5: 280 الحديث 9614 و 9615، فيض القدير 3: 267 الحديث 3361.

45

لا تتضمّن (1) قتالا، بل حفظا و إعلاما، و كانت (2) مشروعة حال الغيبة.

و أفضل الرباط المقام بأشدّ الثغور خوفا؛ لشدّة الحاجة هناك و كثرة النفع بمقامه به.

و كلّ موضع معقل (3) للمسلمين يستحبّ للرجل أن يقيم به و بأهله.

روى الشيخ عن يونس، عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث، قال: «فليرابط و لا يقاتل» قلت: مثل قزوين و عسقلان و الديلم و ما أشبه هذه الثغور؟ قال:

«نعم» (4).

و روى الجمهور عن الأوزاعيّ، قال: أتيت المدينة فسألت من فيها من العلماء؟

فقيل: محمّد بن المنكدر (5)، و محمّد بن كعب القرظيّ (6)، و محمّد بن عليّ (7) بن

____________

(1) ح، ق، خا و آل: تضمن.

(2) خا، ق و ب: فكانت.

(3) المعاقل: الحصون، واحدها معقل. النهاية لابن الأثير 3: 281.

(4) التهذيب 6: 125 الحديث 219، الوسائل 11: 19 الباب 6 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 2.

(5) محمّد بن المنكدر بن عبد اللّه بن الهدير بن عبد العزّى ... أبو عبد اللّه، و قيل: أبو بكر، أحد الأئمّة الأعلام، روى عن أبيه و عمّه ربيعة و أبي هريرة و عائشة و أبي أيّوب ... و روى عنه ابناه يوسف و المنكدر و ابن أخيه عبد الرحمن و غيرهم. مات سنة 130 ه.

تهذيب التهذيب 9: 473، الجرح و التعديل 8: 97، الأعلام للزركليّ 7: 112.

(6) محمّد بن كعب بن سليم بن أسد القرظيّ أبو حمزة، و قيل: أبو عبد اللّه، الكوفيّ المولد و المنشأ، ثمّ المدنيّ، روى مرسلا عن العبّاس بن عبد المطّلب و عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و ابن مسعود و عمرو بن العاص و أبي ذرّ و أبي الدرداء، و روى مسندا عن فضالة بن عبيد و أبي هريرة و زيد بن أرقم و غيرهم. و روى عنه أخوه عثمان و الحكم بن عتيبة و محمّد بن المنكدر، و كان من فضلاء أهل المدينة. مات سنة 108 و قيل: 117 ه.

تهذيب التهذيب 9: 420، الجرح و التعديل 8: 67، العبر 1: 102 و ص 112.

(7) محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس الهاشميّ، روى عن جدّه- مرسلا- و أبيه و سعيد بن جبير-

46

عبد اللّه بن العبّاس، و محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الباقر (عليهم السلام)، فقلت: و اللّه لأبد أنّ به قبلهم، فدخلت إليه فأخذ بيدي و قال: «من أيّ إخواننا أنت؟» قلت: من أهل الشام، قال: «من أيّهم؟» قلت: من أهل دمشق، قال:

«حدّثني أبي عن جدّي، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: يكون للمسلمين ثلاث معاقل: فمعقلهم في الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكيّة دمشق، و معقلهم من الدجّال بيت المقدس، و معقلهم من يأجوج و مأجوج طور سيناء» (1).

إذا ثبت هذا: فإن رابط حال ظهور الإمام بإذنه و سوّغ له القتال، جاز له ذلك، و إن كان مستترا أو لم يسوّغ له المقاتلة، لم يجز له القتال ابتداءً، بل يحفظ (2) الكفّار من الدخول إلى بلاد الإسلام و يعلم المسلمين بأحوالهم و إرادة دخولهم إليهم إن أرادوا ذلك، و لا يبدؤهم بالقتال، فإن قاتلوه، جاز له قتالهم، و يقصد بذلك الدفع عن نفسه و عن الإسلام، و لا يقصد به الجهاد.

مسألة: يكره له نقل الأهل و الذرّيّة إلى الثغور المخوفة؛

لجواز استيلاء الكفّار عليهم، و ظفر العدوّ بالذراريّ و النسوان مع ضعفهم عن الهرب و الحرب لو احتاجوا إليهما.

و لو عجز عن المرابطة بنفسه، فرابط فرسه، أو غلامه أو جاريته أو أعان المرابطين، كان له في ذلك ثواب عظيم.

و ينبغي لأهل الثغور أن يجتمعوا في المساجد للصلوات؛ لأنّه ربّما جاء هم

____________

- و عبد اللّه بن محمّد بن الحنفيّة و عمر بن عبد العزيز، و روى عنه ابناه: السفّاح و أبو جعفر المنصور و أخوه عيسى بن عليّ و حبيب بن أبي ثابت، و كان أوّل من نطق بالدعوة العبّاسيّة. مات سنة 124 ه، و قال الذهبيّ سنة 125. تهذيب التهذيب 9: 355، العبر 1: 123.

(1) كنز العمّال 14: 260 الحديث 38649، حلية الأولياء لأبي نعيم 6: 157 الرقم 8141، المغني 10: 372، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 371.

(2) في التذكرة 1: 459: يمنع، مكان: يحفظ.

47

الكفّار دفعة فخافوا بسبب كثرتهم.

و يستحبّ الحرس في سبيل اللّه، قال ابن عبّاس: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية اللّه، و عين باتت تحرس في سبيل اللّه» (1).

و قال (عليه السلام): «حرس ليلة في سبيل اللّه، أفضل من ألف ليلة قيام ليلها و صيام نهارها» (2).

و عن سهل بن الحنظليّة (3) أنّهم ساروا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم حنين فأطنبوا السير حتّى كان عشيّة ... قال: «من يحرسنا الليلة؟» قال أنس بن أبي مرثد الغنويّ (4): أنا يا رسول اللّه قال: «فاركب» فركب فرسا له، و جاء (5) إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال له: «استقبل هذا الشعب حتّى تكون في أعلاه و لا نغرّنّ من قبلك الليلة» فلمّا أصبحنا جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى مصلّاه

____________

(1) سنن الترمذيّ 4: 175 الحديث 1639، كنز العمّال 3: 141 الحديث 5877، مجمع الزوائد 5:

288، فيض القدير 4: 368 الحديث 5647.

(2) سنن ابن ماجة 2: 925 الحديث 2770، المستدرك للحاكم 2: 81، المعجم الكبير للطبرانيّ 1: 91 الحديث 145، فيض القدير 3: 379 الحديث 3697.

(3) سهل بن الحنظليّة، و الحنظليّة أمّه، و قيل: هي أمّ جدّه، و اسم أبيه: الربيع بن عمرو بن مالك بن الأوس ... و قيل غير ذلك، كان ممّن بايع تحت الشجرة و شهد أحدا و ما بعدها ثمّ تحوّل إلى الشام حتّى مات بها، روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و روى عنه أبو كبشة السّلوليّ و القاسم بن عبد الرحمن و يزيد بن أبي مريم الشاميّ، مات في أوّل خلافة معاوية.

أسد الغابة 2: 364، الإصابة 2: 86، الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 95.

(4) أنس بن أبي مرثد الغنويّ الأنصاريّ يكنّى أبا يزيد، و أبو مرثد اسمه كنّاز بن الحصين، و قال البخاريّ: يقال: أنيس بن أبي مرثد الأنصاريّ، ثمّ قال: سمع أبا سلام ... حدّثني السّلوليّ هو أبو كبشة عن سهل بن الحنظليّة أنّهم ساروا مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: من يحرسنا؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنويّ: أنا التاريخ الكبير للبخاريّ 1: 30 الرقم 1584، أسد الغابة 1: 129، الإصابة 1: 73.

(5) ح: فجاء.

48

فركع ركعتين ثمّ قال: «هل أحسستم فارسكم؟» قالوا: لا، فنودي (1) بالصلاة، فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)يصلّي و هو يلتفت إلى الشعب حتّى إذا قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلاته و سلّم قال: «أبشروا قد جاءكم فارسكم» ... فإذا هو قد جاء حتّى وقف على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال:

إنّي انطلقت حتّى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا أصبحت اطّلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «هل نزلت الليلة؟» قال: لا، إلّا مصلّيا أو قاضي حاجة، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «قد أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بعدها» (2).

مسألة: لو نذر المرابطة،

وجب عليه الوفاء به، سواء كان الإمام ظاهرا أو مستترا؛ لأنّه طاعة قد نذرها، فيجب عليه الوفاء به، كغيره من الطاعات، غير أنّه لا يبدأ العدوّ بالقتال و لا يجاهدهم إلّا على وجه الدفع عن الإسلام و النفس، لأنّ البدأة بالقتال إنّما تجوز مع إذن الإمام؛ لقول أبي [الحسن] (3) (عليه السلام): «يرابط و لا يقاتل، فإن خاف على بيضة الإسلام و المسلمين قاتل، فيكون قتاله لنفسه لا للسلطان، لأنّ في درس الإسلام درس ذكر محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)» (4).

إذا عرفت هذا: فلو نذر أن يصرف شيئا من ماله إلى المرابطين في حال ظهور الإمام، وجب عليه الوفاء به، و إن كان في حال استتاره، قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: لا يجب الوفاء بالنذر، بل يصرفه في وجوه البرّ (5). و قال ابن إدريس: يجب عليه

____________

(1) في المصدر: فثوّب، مكان: فنودي.

(2) سنن أبي داود 3: 9 الحديث 2501، سنن البيهقيّ 9: 149، المعجم الكبير للطبرانيّ 6: 96 الحديث 5619، كنز العمّال 13: 290 الحديث 36845.

(3) في النسخ: أبي عبد اللّه، و ما أثبتناه من المصدر.

(4) التهذيب 6: 125 الحديث 219، الوسائل 11: 19 الباب 6 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 2.

(5) النهاية: 291.

49

الوفاء به (1).

أمّا الشيخ- (رحمه اللّه)-: فله أن يحتجّ بما رواه عليّ بن مهزيار، قال: كتب رجل من بني هاشم إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): إنّي كنت نذرت نذرا منذ سنين (2) أن أخرج إلى ساحل من سواحل البحر إلى ناحيتنا ممّا يرابط فيه المتطوّعة نحو مرابطتهم (3) [بجدّة] (4) و غيرها من سواحل البحر، أ فترى- جعلت فداك- أنّه يلزمني الوفاء به أو لا يلزمني؟ أو أفتدي للخروج إلى ذلك الموضع بشيء من أبواب البرّ لأصير إليه إن شاء اللّه تعالى؟ فكتب إليه بخطّه و قرأته: «إن كان سمع منك نذرك أحد من المخالفين، فالوفاء به إن كنت تخاف شنعته، و إلّا فاصرف ما نويت من ذلك في أبواب البرّ، وفّقنا اللّه و إيّاك لما يحبّ و يرضى» (5).

احتجّ ابن إدريس: بأنّه نذر في طاعة، فيجب الوفاء به. و لأنّ النذر إن بطل، لم يجب صرف المال في البرّ، و إن صحّ، لزم صرفه في الجهة المعيّنة في النذر (6).

و قول ابن إدريس قويّ.

ثمّ قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: إلّا أن يخاف الشنعة من تركه، فيجب عليه حينئذ صرفه إلى المرابطة (7). و هو استناد إلى رواية ابن مهزيار.

مسألة: لو آجر نفسه لينوب عن غيره في المرابطة،

فإن كان الإمام ظاهرا،

____________

(1) السرائر: 156.

(2) بعض النسخ: «سنتين» كما في التهذيب 6: 126 الحديث 221.

(3) في التهذيب: مرابطهم.

(4) في النسخ: بحدوده، و ما أثبتناه من المصدر.

(5) التهذيب 6: 126 الحديث 221 و ج 8: 311 الحديث 1156، الوسائل 11: 21 الباب 7 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

(6) السرائر: 156.

(7) النهاية: 291.

50

وجب عليه الوفاء به؛ لأنّها إجارة على فعل طاعة، فصحّت و لزمت، كما لو استأجره للجهاد.

و لو كان في حال الغيبة و استتار الإمام (عليه السلام)، قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: لا يلزمه الوفاء به، و يردّ عليه ما أخذه، فإن لم يجده، فعلى ورثته، فإن لم يكن له ورثة، لزمه الوفاء به (1).

و منع ابن إدريس ذلك و أوجب عليه الوفاء به و لزوم الإجارة في الحالين (2).

و هو الوجه عندي، غير أنّه لا يقصد بالجهاد الدعاء إلى الإسلام؛ لأنّه مخصوص بالإمام أو من يأذن له، بل يقصد الدفاع عن نفسه و عن الإسلام. و متى قتل المرابط، كان شهيدا و ثوابه ثواب الشهداء.

و في رواية عبد اللّه بن سنان، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ قال: فقال: «الويل يتعجّلون قتلة في الدنيا و قتلة في الآخرة، و اللّه ما الشهداء (3) إلّا شيعتنا و لو ماتوا على فرشهم» (4).

و هي غير معارضة لما قلناه، لأنّها تدلّ بمفهومها على أنّ المراد: من رابط و هو على غير الاعتقاد الذي ينبغي.

____________

(1) المبسوط 2: 9.

(2) السرائر: 156.

(3) في المصدر: «و ما الشهيد» مكان: «ما الشهداء».

(4) التهذيب 6: 125 الحديث 220، الوسائل 11: 21 الباب 6 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 4.

51

المقصد الثاني في بيان من يجب جهاده و كيفيّة الجهاد

و فيه مباحث:

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

[البحث] الأوّل من يجب جهاده

الذي يجب جهاده أصناف ثلاثة:

الأوّل: البغاة على إمام المسلمين من أهل الإسلام.

الثاني: أهل الذمّة، و هم اليهود و النصارى و المجوس إذا أخلّوا بشرائط الذمّة.

الثالث: من عدا هؤلاء من أصناف الكفّار، قال اللّه تعالى: وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى الْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ (1).

و قال تعالى: قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (2).

و قال تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3).

و قال تعالى: فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ (4).

فهذه الآيات تدلّ على وجوب جهاد الأصناف التي ذكرناها.

____________

(1) الحجرات (49): 9.

(2) التوبة (9): 29.

(3) التوبة (9): 5.

(4) محمّد (47): 4.

54

و روى الجمهور عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «من أعطى إماما صفقة (1) يده و ثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» (2).

و روى بريدة (3) قال: كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إذا بعث أميرا على سريّة أو جيش أمره بتقوى اللّه في خاصّته و بمن معه من المسلمين و قال: «إذا لقيت عدوّك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فإن هم أجابوك إليها فاقبل منهم و كفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم و كفّ عنهم، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم و كفّ عنهم، فإن أبوا فاستعن باللّه عليهم و قاتلهم» (4).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سأل رجل [أبي] (5) عن حروب أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كان السائل من محبّينا، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): بعث اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن (6) تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا، و لن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشمس من مغربها ... فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم

____________

(1) في المصادر: «و من بايع إماما فأعطاه صفقة ...».

(2) صحيح مسلم 3: 1472 الحديث 1844، سنن أبي داود 4: 96 الحديث 4248، سنن ابن ماجة 2:

1306 الحديث 3956، سنن النسائيّ 7: 152، مسند أحمد 2: 161، سنن البيهقيّ 8: 169.

(3) أكثر النسخ: أبو بريدة، و في بعضها: أبو بردة، و ما أثبتناه من المصادر، و هو الصحيح؛ لعدم وجود رجل بعنوان: أبو بريدة في كتب الرجال، و الرجل ترجم له في الجزء الرابع: 38 بعنوان: بريدة ابن الحصيب. و يؤيّد ما قلناه: ما يرد عنه في ص 58 و ص 65 هنا حيث قال: في حديث بريدة.

(4) صحيح مسلم 3: 1357 الحديث 1731، مسند أحمد 5: 352، 358 و فيهما: «فأيّتهنّ ما»، مكان:

«فإن هم»، سنن أبي داود 3: 37 الحديث 2612 و فيه: «فأيّتها»، سنن الدارميّ 2: 216، سنن البيهقيّ 9: 49 و فيه: «فأيّتهم»، المغني 10: 380 و فيه: «فأيّتهنّ».

(5) أثبتناه من المصدر.

(6) أكثر النسخ: «إلّا» كما في المصدر، و في الكافي 5: 10 الحديث 2 «حتّى» مكان: «إلى أن».

55

تكن آمنت من قبل ... و سيف منها مكفوف، و سيف منها مغمود سلّه إلى غيرنا و حكمه إلينا.

فأمّا السيوف الثلاثة الشاهرة: فسيف على مشركي العرب، قال اللّه تعالى:

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... (1) فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام ...

و السيف الثاني: على أهل الذمّة ...، قال اللّه تعالى: قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ (2) الآية ... فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا الجزية أو القتل ...

و السيف الثالث: سيف على مشركي العجم، يعني الترك و الخزر و الديلم ... قال اللّه تعالى: فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ (3) ... فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام، و لا يحلّ لنا نكاحهم ما داموا في [دار] (4) الحرب.

و أمّا السيف المكفوف: فسيف على أهل البغي و التأويل، قال اللّه تعالى: وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا إلى قوله: حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ (5)

فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل، فسئل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من هو؟ قال:

هو خاصف النعل- يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)- قال عمّار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية (6) مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاثا و هذه الرابعة، و اللّه لو ضربونا حتّى

____________

(1) التوبة (9): 5.

(2) التوبة (9): 29.

(3) محمّد (47): 4.

(4) زيادة من التهذيب.

(5) الحجرات (49): 9.

(6) في النسخ: «الرواية» و ما أثبتناه من المصدر.

56

يبلغوا بنا (1) السعفات من هجر (2) لعلمنا أنّا على الحقّ و أنّهم على الباطل، و كانت السيرة [فيهم] (3) من أمير المؤمنين (عليه السلام) ما كان من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى (4) أهل مكّة يوم فتح مكّة، فإنّه لم يسب لهم ذرّيّة، و قال: من أغلق بابه، أو ألقى (5) سلاحه، أو دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و كذلك قال أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام فيهم: لا تسبوا لهم ذرّيّة و لا تتمّوا على جريح و لا تتّبعوا مدبرا، و من أغلق بابه و ألقى سلاحه فهو آمن.

و أمّا السيف المغمود: [فالسيف] (6) الذي يقام به القصاص قال اللّه تعالى:

النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (7) الآية فسلّه إلى أولياء المقتول و حكمه إلينا، فهذه السيوف التي بعث اللّه تعالى نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) بها، فمن جحدها أو جحد واحدا منها أو شيئا من سيرها و أحكامها فقد كفر بما أنزل اللّه تعالى على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)» (8).

____________

(1) في النسخ: «حتى يبلغونا» و ما أثبتناه من المصدر، و كذا في الخصال: 276.

(2) السعفات: جمع سعفة- بالتحريك- جريدة النخل ما دامت بالخوص. و هجر- محرّكة- بلدة باليمن و اسم لجميع أرض البحرين، و كانت قرية قرب المدينة تنسب إليها القلال. و في أسد الغابة: حتّى يبلغوا بنا شعاب هجر. قال بعض الشارحين: فخصّ هجر؛ لبعد المسافة و لكثرة النخيل بها.

مجمع البحرين 3: 517 و ج 5: 70، أسد الغابة 4: 46.

(3) زيادة من التهذيب.

(4) في المصدر: «في» مكان «إلى».

(5) في النسخ: و ألقى.

(6) زيادة من المصدر.

(7) المائدة (5): 45.

(8) التهذيب 4: 114- 116 الحديث 336، الوسائل 11: 16- 18 الباب 5 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 2.