معجم رجال الحديث - ج1

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
482 /
7

(آدم أبو الحسين إلى أحكم بن بشار)

المدخل

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

خطبة الكتاب و مزاياه

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه و أفضل بريته محمد و عترته الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. و بعد: يقول العبد المفتقر إلى رحمة ربه أبو القاسم ابن العلامة الجليل الحجة السيد علي أكبر الموسوي الخوئي، (قدس الله أسراره)، و حشره مع أجداده الكرام، حجج الله على خلقه، و أمناء الله على وحيه و سره: إن علم الرجال كان من العلوم التي اهتم بشأنه علماؤنا الأقدمون، و فقهاؤنا السابقون، و لكن قد أهمل أمره في الأعصار المتأخرة، حتى كأنه لا يتوقف عليه الاجتهاد، و استنباط الأحكام الشرعية. لأجل ذلك عزمت على تأليف كتاب جامع كاف بمزايا هذا العلم، و طلبت من الله سبحانه أن يوفقني لذلك، فاستجاب بفضله دعوتي و وفقني، و له الحمد و الشكر لإتمامه كما أردت- على ما أنا عليه من كبر السن، و ضعف الحال، و كثرة الأشغال- و لو لا توفيق المولى و تأييده جل شأنه لم يتيسر لي ذلك. و لا بد لي قبل الشروع في المقصود من ذكر مزايا الكتاب و تقديم مقدمات:

12

مزايا الكتاب

في هذا الكتاب خصائص و مزايا أساسية دعت الضرورة إلى أخذها في صلب الكتاب. و إلى الباحث البصير تفصيل ذلك: الأولى: كل ما نقلنا في الكتاب عن أحد، فإنما نقلناه عن أصل المصدر، و قد يتفق أنه لا يوجد فيه، أو نحن لم نجده فيه، أو لم نراجعه فننقله عمن نقله عن المصدر مع التصريح بذلك. و لا ننسب شيئا إلى أحد اعتمادا على حكاية ذلك في كتب الرجال أو غيرها. فإن ذلك يوقع في الاشتباه كثيرا، كما وقع ذلك لغيرنا، و لا سيما في بعض كتب المتأخرين. الثانية: بما أن نسخة رجال ابن الغضائري لم توجد لدينا، فكل ما نقلناه عنه، فإنما نقلناه عن الخلاصة للعلامة، أو رجال ابن داود، أو مجمع الرجال للمولى عناية الله القهبائي. الثالثة: قد ذكرنا في ترجمة كل شخص جميع رواته و من روى هو عنهم في الكتب الأربعة، و قد نذكر ما في غيرها أيضا، و لا سيما رجال الكشي، فقد ذكرنا أكثر ما فيه من الرواة و المروي عنهم، و بذلك يحصل التمييز الكامل بين المشتركات غالبا، كما أنا تعرضنا لبيان موارد الروايات في الكتب الأربعة، فإن لم تكن الروايات كثيرة، و لم يوجب التعرض لبيان مواردها الإخلال بوضع الكتاب، أدرجناه في ذيل الترجمة و إلا أخرناه و ذكرنا في آخر كل جزء ما يناسب ذكره فيه. ثم إنا ذكرنا في الكتاب كل من له رواية في الكتب الأربعة، سواء أ كان

13

مذكورا في كتب الرجال أم لم يكن، و ذكرنا موارد الاختلاف بين الكتب الأربعة في السند، و كثيرا ما نبين ما هو الصحيح منها و ما فيه تحريف أو سقط. الرابعة: اتبعنا في الكتاب العناوين المذكورة في كتب الرجال، و العناوين المذكورة في الروايات، فربما نذكر رجلا واحدا مرتين أو مرات، فمثلا: نذكر أحمد البرقي، و أحمد بن أبي عبد الله، و أحمد بن أبي عبد الله البرقي، و أحمد بن محمد البرقي، و أحمد بن محمد بن خالد، و أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و ابن البرقي، و البرقي، و نذكر في كل من هذه العناوين جميع الرواة عنه بذلك العنوان و المروي عنهم، و موارد رواياته، و كذلك نجري في ذكر الراوي و المروي عنه. هذا بالنسبة إلى الروايات، و أما في التراجم، فلا نترجم الرجل في الغالب إلا مرة واحدة و بعنوان واحد، و هو عنوان النجاشي غالبا. و نذكر في ذيله ما ذكره غيره و إن كان بعنوان آخر، و نكرر ذكره بذلك العنوان في المحل المناسب له من غير ترجمة، مع الإشارة إلى محل ذكره. الخامسة: لاحظنا في تقديم العناوين و تأخيرها حروف التهجي في كل اسم و أوصافه حتى الأبوة و البنوة، فقدمنا إبراهيم أبا رافع على إبراهيم الأوسي، كما قدمنا إبراهيم بن هاشم على إبراهيم الجزري، و هكذا. السادسة: قدمنا- في بيان المروي عنهم في كل مورد- الأئمة(ع)مع رعاية الترتيب بينهم، و بعد ذلك ذكرنا الكنى، و بعدها الأسماء على ترتيب حروف التهجي، و بعدها الألقاب، ثم المرسلات، ثم المضمرات و كذلك في ذكر الرواة، فذكرنا الكنى، ثم الأسماء على الترتيب، ثم الألقاب. و قدمنا ما لم يذكر فيه الراوي إما من جهة الإرسال أو التعليق أو من جهة ذكره في المشيخة على ما ذكر فيه. السابعة: التدقيق في أحوال الرواة و البحث عن وثاقتهم أو حسنهم على وجه علمي. الثامنة: لم نتعرض لتوثيقات المتأخرين فيما إذا كان توثيق من القدماء لعدم

14

ترتب فائدة على ذلك، نعم تعرضنا لها في موارد لم نجد فيها توثيقا من القدماء، فإنا و إن كنا لا نعتمد على توثيقات المتأخرين، إلا أن جماعة يعتمدون عليها، فلا مناص من التعرض لها. التاسعة: تعرضنا- في ترجمة كل شخص كان للصدوق أو الشيخ (قدس سرهما) طريق إليه- للطريق و بيان صحته و عدمها، و ذلك لأن المراجع قد يراجع الرواية فيرى أن جميع رواتها ثقات، فيحكم بصحتها، و لكنه يغفل عن أن طريق الصدوق أو الشيخ إليه ضعيف، و الرواية ضعيفة. مثال ذلك:

أن الصدوق روى عن محمد بن مسلم و بريد بن معاوية عن أبي جعفر و أبي عبد الله(ع)، قالا: «إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات، فصلها ما لم تتخوف أن يذهب وقت الفريضة ..».

و قد عبر عنها صاحب الحدائق- (رحمه الله)- و من تأخر عنه بصحيحة محمد بن مسلم و بريد بن معاوية اغترارا بجلالتها، و غفلة عن أن طريق الصدوق إلى بريد مجهول، و إلى محمد بن مسلم ضعيف، و الرواية ضعيفة. ثم إن الصحة و الضعف- متى أطلقا في هذا الكتاب- فليس المراد بهما الصحة و الضعف باصطلاح المتأخرين، بل المراد بهما الاعتبار و عدمه، فإذا قلنا إن الحديث أو الطريق صحيح، فمعناه أنه معتبر و حجة، و إن كان بعض رواته حسنا أو موثقا. و إن قلنا إنه ضعيف فمعناه أنه ليس بحجة، و لو لأجل أن بعض رواته مهمل أو مجهول. العاشرة: بما أن المذكورين في الفهرست و رجالي الشيخ و الكشي مرقمون بالأرقام الهندسية فلذلك نذكر الأرقام عند ذكرهم تسهيلا على المراجعين. الحادية عشرة: عند ذكر موارد الروايات من الفقيه و التهذيب و الإستبصار نذكر عنوان الباب، و رقم الجزء، و رقم الحديث المذكور فيه في النسخ المطبوعة

15

حديثا من الكتب المذكورة، و لكن كتاب الكافي حيث إن أرقام رواياته في غير الروضة ليست بمتسلسلة، فنذكر عند ذكر مورد الرواية فيه عنوان الباب و رقم الجزء، و رقم الباب، و رقم الكتاب، و رقم الحديث من ذاك الباب، فنقول مثلا: (الكافي: الجزء 2، الكتاب 1، باب المؤمن و علاماته و صفاته 99، الحديث 18) يعني الحديث الثامن عشر من الباب التاسع و التسعين من الكتاب الأول من الجزء الثاني. و سنبين بعد هذا ما تشتمل عليه أجزاء الكافي من الكتب. و أما الروضة فنقتصر فيها على ذكر رقم الحديث فقط. هذا كله في نفس الكتاب، و أما ما نؤخره إلى آخر كل جزء، فلا نذكر فيه عنوان الباب، بل نقتصر على بقية ما ذكرناه. الثانية عشرة: عند ما نريد تعيين موارد رواية شخص مع رعاية الراوي و المروي عنه، كرواية إبراهيم بن هاشم عن ابن أبي عمير التي رواها عنه ابنه علي، فنذكر أولا ما في الكافي على ترتيب مجلداته، ثم نذكر ما في الفقيه، ثم ما في التهذيب، و كل ما كان من روايات التهذيب موجودا في الإستبصار، فنشير إليه بعد ذكره عن التهذيب.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

المقدمة الأولى

استعراض سلسلة من المقدمات تفضي إلى ضرورة الرجوع إلى علم الرجال. زيف الآراء القائمة على إنكار الحاجة إليه. تفنيد المذهب القائل: إن الكتب الأربعة قطعية الصدور.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الحاجة إلى علم الرجال

قد ثبت بالأدلة الأربعة حرمة العمل بالظن، و أنه لا يجوز نسبة حكم إلى الله سبحانه ما لم يثبت ذلك بدليل قطعي، أو بما ينتهي إلى الدليل القطعي، و ناهيك في ذلك قوله سبحانه: (آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ). دلت الآية المباركة على أن كل ما لم يثبت فيه إذن من الله تعالى، فنسبته إليه افتراء عليه سبحانه، كما ثبت بتلك الأدلة أن الظن بنفسه لا يكون منجزا للواقع، و لا معذرا عن مخالفته في ما تنجز بمنجز، و يكفي في ذلك قوله تعالى: (وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، و قوله تعالى: (وَ مٰا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلّٰا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً). و أما الروايات الناهية عن العمل بغير العلم: فهي فوق حد الإحصاء،

ففي صحيح أبي بصير: «قال: قلت لأبي عبد الله(ع): ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله و لا سنة فننظر فيها؟ فقال: لا، أما إنك إن أصبت لم تؤجر، و إن أخطأت كذبت على الله».

ثم إنه لا ريب في أن العقل لا طريق له إلى إثبات الأحكام الشرعية لعدم إحاطته بالجهات الواقعية الداعية إلى جعل الأحكام الشرعية. نعم يمكن ذلك في موارد قليلة، و هي إدراك العقل الملازمة بين حكم شرعي و حكم آخر، كإدراكه

20

الملازمة بين النهي عن عبادة: كالصوم يوم العيدين و فساده. و أما الكتاب العزيز: فهو غير متكفل ببيان جميع الأحكام، و لا بخصوصيات ما تكفل ببيانه من العبادات، كالصلاة و الصوم و الحج و الزكاة فلم يتعرض لبيان الأجزاء و الشرائط و الموانع. و أما الإجماع الكاشف عن قول المعصوم(ع): فهو نادر الوجود. و أما غير الكاشف عن قوله(ع)، فهو لا يكون حجة لأنه غير خارج عن حدود الظن غير المعتبر. و المتحصل: أن استنباط الحكم الشرعي في الغالب لا يكون إلا من الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة(ص). و الاستدلال بها على ثبوت حكم شرعي يتوقف على إثبات أمرين: الأول: إثبات حجية خبر الواحد، فإنا إذا لم نقل بحجيته، انتهى الأمر إلى الالتزام بانسداد باب العلم و العلمي. و نتيجة ذلك هو التنزل في مرحلة الامتثال إلى الامتثال الظني، أو القول بحجية الظن في هذا الحال، على ما ذهب إليه بعضهم. الثاني: إثبات حجية ظواهر الروايات بالإضافة إلينا أيضا، فإنا إذا قلنا باختصاصها بمن قصد بالإفهام، و إنهم المخاطبون فقط، لم يمكن الاستدلال بها على ثبوت حكم من الأحكام أصلا. و هذان الأمران قد أشبعنا الكلام فيهما في مباحثنا الأصولية. و لكن ذكرنا أن كل خبر عن معصوم لا يكون حجة، و إنما الحجة هو خصوص خبر الثقة أو الحسن. و من الظاهر أن تشخيص ذلك لا يكون إلا بمراجعة علم الرجال و معرفة أحوالهم و تمييز الثقة و الحسن عن الضعيف. و كذلك الحال لو قلنا بحجية خبر العادل فقط. فإن الجزم بعدالة رجل أو الوثوق بها لا يكاد يحصل إلا بمراجعته. هذا. و الحاجة إلى معرفة حال الرواة موجودة. حتى لو قلنا بعدم حجية خبر

21

الواحد، أو قلنا باختصاص حجية الظهور بمن قصد إفهامه، فانتهى الأمر إلى القول بحجية الظن الانسدادي أو لزوم التنزل إلى الامتثال الظني، فإن دخل توثيق علماء الرجال رواة رواية في حصول الظن بصدورها غير قابل للإنكار. و من الغريب- بعد ذلك- إنكار بعض المتأخرين الحاجة إلى علم الرجال بتوهم أن كل رواية عمل بها المشهور فهي حجة. و كل رواية لم يعمل بها المشهور ليست بحجة، سواء أ كانت رواتها ثقات أم ضعفاء. فإنه مع تسليم ما ذكره من الكلية- و هي غير مسلمة و قد أوضحنا بطلانها في مباحثنا الأصولية- فالحاجة إلى علم الرجال باقية بحالها، فإن جملة من المسائل لا طريق لنا إلى معرفة فتاوى المشهور فيها، لعدم التعرض لها في كلماتهم، و جملة منها لا شهرة فيها على أحد الطرفين، فهما متساويان. أو أن أحدهما أشهر من الآخر، و ليست كل مسألة فقهية كان أحد القولين، أو الأقوال فيها مشهورا، و كان ما يقابله شاذا. بل الحال كذلك حتى لو قلنا بأن صدور روايات الكتب الأربعة قطعي، فإن أدلة الأحكام الشرعية لا تختص بالكتب الأربعة، فنحتاج- في تشخيص الحجة من الروايات الموجودة في غيرها عن غير الحجة- إلى علم الرجال. و من الضروري التكلم على هذا القول بما يناسب المقام:

22

روايات الكتب الأربعة ليست قطعية الصدور

ذهب جماعة من المحدثين إلى أن روايات الكتب الأربعة قطعية الصدور. و هذا القول باطل من أصله. إذ كيف يمكن دعوى القطع بصدور رواية رواها واحد عن واحد، و لا سيما أن في رواة الكتب الأربعة من هو معروف بالكذب و الوضع، على ما ستقف عليه قريبا في موارده إن شاء الله تعالى. و دعوى القطع بصدقهم في خصوص روايات الكتب الأربعة- لقرائن دلت على ذلك- لا أساس لها، فإنها بلا بينة و برهان، فإن ما ذكروه في المقام- و ادعوا أنها قرائن تدلنا على صدور هذه الروايات من المعصوم ع- لا يرجع شيء منها إلى محصل. و أحسن ما قيل في ذلك هو: أن اهتمام أصحاب الأئمة(ع)و أرباب الأصول و الكتب بأمر الحديث إلى زمان المحمدين الثلاثة- (قدس الله أسراره)م- يدلنا على أن الروايات التي أثبتوها في كتبهم قد صدرت عن المعصومين(ع)، فإن الاهتمام المزبور يوجب- في العادة- العلم بصحة ما أودعوه في كتبهم، و صدوره من المعصومين(ع). و لكن هذه الدعوى فارغة من وجوه: أولا: أن أصحاب الأئمة(ع)و إن بذلوا غاية جهدهم و اهتمامهم في أمر الحديث و حفظه من الضياع و الاندراس حسبما أمرهم به الأئمة(ع)، إلا أنهم عاشوا في دور التقية، و لم يتمكنوا من نشر الأحاديث علنا، فكيف بلغت هذه الأحاديث حد التواتر أو قريبا منه! و هذا ابن أبي عمير حبس

23

أيام الرشيد، و طلب منه أن يدل على مواضع الشيعة و أصحاب موسى بن جعفر(ع)، و أن أخته دفنت كتبه عند ما كان في الحبس فهلكت، أو تركها في غرفته، فسال عليها المطر فهلكت. و هكذا حال سائر أصحاب الأئمة(ع)، فإن شدتهم في ما كانوا عليه، و عدم تمكنهم من نشر الأحاديث علنا مما لا يشك فيه ذو مسكة. و مع ذلك كيف يمكن دعوى: أنها قطعية الصدور؟ ثانيا: أن الاهتمام المزبور لو سلمنا أنه يورث العلم، فغاية الأمر أنه يورث العلم بصدور هذه الأصول و الكتب عن أربابها، فنسلم أنها متواترة، و لكنه مع ذلك لا يحصل لنا العلم بصدور رواياتها عن المعصومين(ع)، و ذلك فإن أرباب الأصول و الكتب لم يكونوا كلهم ثقات و عدولا، فيحتمل فيهم الكذب. و إذا كان صاحب الأصل ممن لا يحتمل الكذب في حقه، فيحتمل فيه السهو و الاشتباه. و هذا حذيفة بن منصور قد روى عنه الشيخ بعده طرق: منها: ما رواه بطرقه المعتبرة عن محمد بن أبي عمير عنه رواية: أن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما. ثم قال: «و هذا الخبر لا يصح العمل به من وجوه: أحدها أن متن هذا الحديث لا يوجد في شيء من الأصول المصنفة، و إنما هو موجود في الشواذ من الأخبار. و منها: أن كتاب حذيفة بن منصور عري منه، و الكتاب معروف مشهور، و لو كان هذا الحديث صحيحا عنه لضمنه كتابه». إلى آخر ما ذكره(قدس سره) فنرى أن الشيخ(قدس سره) يناقش في صحة هذا الحديث عن حذيفة مع أن في رواتها عنه محمد بن أبي عمير. و قد رواها الشيخ عنه بطرق معتبرة، و لا يكون منشأ ذلك إلا احتمال وقوع السهو و الاشتباه من الرواة، فإذا كانت مثل هذه الرواية لا يحكم بصحتها، فما حال الروايات التي يرويها الضعفاء أو

24

المجهولون؟!. ثالثا: لو سلمنا أن صاحب الكتاب أو الأصل لم يكذب و لم يشتبه عليه الأمر، فمن الممكن أن من روى عنه صاحب الكتاب قد كذب عليه في روايته، أو أنه اشتبه عليه الأمر، و هكذا .. و من هنا قال الشيخ(قدس سره) في كتاب العدة عند بحثه عن حجية خبر الواحد: و الذي يدل على ذلك: إجماع الفرقة المحقة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم و دونوها في أصولهم لا يتناكرون ذلك، و لا يتدافعونه حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم إلى كتاب معروف أو أصل مشهور، و كان راويه ثقة لا ينكر حديثه سكتوا، و سلموا الأمر في ذلك و قبلوا قوله. فإن دلالة هذا الكلام على أن روايات الكتب المعروفة و الأصول المشهورة لم تكن قطعية الصدور، و إنما يلزم قبولها بشرط أن تكون رواتها ثقات، للإجماع على حجيتها- حينئذ- واضحة ظاهرة. رابعا: أن الأصول و الكتب المعتبرة لو سلمنا أنها كانت مشهورة و معروفة إلا أنها كانت كذلك على إجمالها، و إلا فمن الضروري أن كل نسخة منها لم تكن معروفة و مشهورة، و إنما ينقلها واحد إلى آخر قراءة أو سماعا، أو مناولة مع الإجازة في روايتها، فالواصل إلى المحمدين الثلاثة إنما وصل إليهم من طريق الآحاد، و لذلك ترى أن الشيخ الصدوق بعد ما ذكر في خطبة كتابه من لا يحضره الفقيه أن: جميع ما أورده فيه مستخرج من كتب مشهورة معروفة أشار إلى طريقه إليها، و قال: «و طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي و أسلافي رضي الله عنهم». فإنه يظهر من ذلك أنه(قدس سره) كان قد ألف فهرسا ذكر فيه طرقه إلى الكتب التي رواها عن مشايخه و أسلافه، فهو إنما يروي الكتب بتلك الطرق المعروفة في ذلك الفهرس، و لكنه لم يصل إلينا،

25

فلا نعرف من طرقه غير ما ذكره في المشيخة من طرقه إلى من روى عنهم في كتابه. و أما طرقه إلى أرباب الكتب فهي مجهولة عندنا، و لا ندري أن أيا منها كان صحيحا، و أيا منها غير صحيح. و مع ذلك كيف يمكن دعوى العلم بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين(ع). و على الجملة: أن دعوى القطع بصدور جميع روايات الكتب الأربعة من المعصومين(ع)واضحة البطلان. و يؤكد ذلك أن أرباب هذه الكتب بأنفسهم لم يكونوا يعتقدون ذلك. و هذا محمد بن يعقوب- (قدس الله تعالى سره)- بعد ما ذكر أنه طلب منه تأليف كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم و يرجع إليه المسترشد، و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين (ع)، قال بعد كلام له: «فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحدا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء(ع) برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله (ع):

اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عز و جل فخذوه، و ما خالف كتاب الله فردوه. و قوله: دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم. و قوله(ع): خذوا بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لا ريب فيه.

و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله، و لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم(ع)، و قبول ما وسع من الأمر فيه بقوله:

بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم.

و قد يسر الله- و لله الحمد- تأليف ما سألت، و أرجو أن يكون بحيث توخيت». و هذا الكلام ظاهر في أن محمد بن يعقوب لم يكن يعتقد صدور روايات كتابه عن المعصومين(ع)جزما، و إلا لم يكن مجال للاستشهاد بالرواية على لزوم الأخذ بالمشهور من الروايتين عند التعارض، فإن هذا لا يجتمع مع الجزم

26

بصدور كلتيهما، فإن الشهرة إنما تكون مرجحة لتمييز الصادر عن غيره، و لا مجال للترجيح بها مع الجزم بالصدور. و أما الشيخ الصدوق(قدس سره) فقد قال في خطبة كتابه: «و لم أقصد فيه قصد المصنفين من إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به و أحكم بصحته و أعتقد أنه حجة فيما بيني و بين ربي». فإن هذا الكلام ظاهر في أن كتاب الكافي في اعتقاد الصدوق كان مشتملا على الصحيح و غير الصحيح كسائر المصنفات، فكيف يمكن أن يدعي أن جميع رواياته قطعية الصدور؟. و أيضا، فإن الشيخ الصدوق إنما كتب كتابه: من لا يحضره الفقيه إجابة لطلب السيد الشريف أبي عبد الله المعروف ب(نعمة الله) فإنه قد طلب من الشيخ الصدوق أن يصنف له كتابا في الفقه ليكون إليه مرجعه، و عليه معتمده، و يكون شافيا في معناه مثل ما صنفه محمد بن زكريا الرازي و ترجمه بكتاب: من لا يحضره الطبيب. و لا شك أن كتاب الكافي أوسع و أشمل من كتاب من لا يحضره الفقيه، فلو كانت جميع روايات الكافي صحيحة عند الشيخ الصدوق(قدس سره) فضلا عن أن تكون قطعية الصدور لم تكن حاجة إلى كتابة كتاب: من لا يحضره الفقيه، بل كان على الشيخ الصدوق أن يرجع السيد الشريف إلى كتاب الكافي، و يقول له: إن كتاب الكافي في بابه ككتاب من لا يحضره الطبيب في بابه في أنه شاف في معناه. و يزيد ذلك وضوحا: أن الشيخ الصدوق قال في باب الوصي يمنع الوارث: «ما وجدت هذا الحديث إلا في كتاب محمد بن يعقوب، و لا رويته إلا من طريقه». فلو كانت روايات الكافي كلها قطعية الصدور، فكيف يصح ذلك القول من الشيخ الصدوق(قدس سره). بقي هنا شيء، و هو: أنه قد يتوهم أن شهادة الشيخ الصدوق بصحة جميع

27

روايات كتابه شهادة منه بصدور جميعها عن المعصومين(ع)، فإن الصحيح عند القدماء هو ما علم صدوره من المعصوم(ع)، فهو و إن لم يكن يرى صحة جميع روايات الكافي، إلا أنه كان معتقدا بصحة جميع ما اشتمل عليه كتابه من الروايات. و لكن هذا توهم صرف، فإن الصدوق إنما يريد بالصحيح ما هو حجة بينه و بين الله، أي ما أحرز صدوره من المعصوم(ع)و لو بالتعبد، و لم يرد بذلك قطعي الصدور و ما لا يحتمل فيه الكذب أو الخطأ، كما سيجيء منه(قدس سره) عند البحث عن صحة جميع أخبار الكتب الأربعة و عدمها: تصريحه بأنه يتبع في التصحيح و عدمه شيخه ابن الوليد، فيصحح ما صححه، و لا يصحح ما لم يصححه. أ فهل يمكن أن يقال: إنه كان يتبع شيخه في القطع بالصدور و عدم القطع به؟ فكل ما كان مقطوع الصدور لابن الوليد كان مقطوع الصدور للشيخ الصدوق و إلا فلا. فالمتلخص: أنه لم يظهر من الشيخ الصدوق إلا أنه كان يعتقد حجية جميع روايات كتابه و لم يكن يرى ذلك بالإضافة إلى الكافي و غيره من المصنفات. و أما الشيخ(قدس سره) فلا شك في أنه لم يكن يعتقد صدور جميع روايات كتابيه و لا سائر الكتب و الأصول عن المعصومين(ع). و من ثم ذكر في آخر كتابه أنه يذكر طرقه إلى أرباب الكتب الذين روى عنهم في كتابه، لتخرج الروايات بذلك عن الإرسال إلى الإسناد، فإن هذا الكلام صريح في أن ما رواه في كتابه أخبار آحاد محتملة الصدق و الكذب، فإن كان الطريق إليها معلوما كانت من الروايات المسندة، و إلا فهي مرسلات و غير قابلة للاعتماد عليها. و بعبارة أخرى: أن الشيخ إنما التزم بذكر الطريق، لئلا تسقط روايات كتابه عن الحجية لأجل الإرسال، فلو كانت تلك الروايات قطعية الصدور، و كان ذكر الطريق لمجرد التيمن و التبرك، لم يكن الأمر كذلك مع أنه خلاف ما صرح

28

به(قدس سره)، و أيضا فإنه قد تقدم منه أن جواز العمل بما في الكتب المعروفة و الأصول المشهورة مشروط بوثاقة الراوي و هذا ظاهر في أنه لم يكن يرى صحة جميع روايات تلك الكتب، فضلا عن القطع بصدورها. و أيضا إنه(قدس سره) قد ناقش في غير مورد من كتابه في صحة رواية رواها عن الكافي أو أنه لم يروها عنه، و لكنها موجودة في الكافي، أو فيه و في من لا يحضره الفقيه أيضا، و مع ذلك قد حكم بضعفها، فلو كانت تلك الروايات صحيحة و مقطوعة الصدور من المعصومين(ع)فكيف ساغ للشيخ أن يناقش فيها بضعف السند. و من تلك الموارد:

ما رواه عن محمد بن يعقوب بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: «أمر رسول الله(ص)بلالا أن ينادي ..»

فإنه قال بعد رواية الحديث: قال محمد بن الحسن: فما تضمن هذا الحديث من تحريم لحم الحمار الأهلي موافق للعامة، و الرجال الذين رووا هذا الخبر أكثرهم عامة، و ما يختصون بنقله لا يلتفت إليه. و هذا تصريح منه بأن روايات الكافي ليست كلها بصحيحة، فضلا عن كونها مقطوعة الصدور.

ما رواه عنه بسنده عن عمران الزعفراني، قال: «قلت لأبي عبد الله(ع): إن السماء تطبق علينا ..»،

و ما رواه عنه بسنده عن عمران الزعفراني أيضا، قال: «قلت لأبي عبد الله(ع): إنا نمكث في الشتاء ..».

فإنه قال بعد روايتهما: «إنهما خبر واحد لا يوجبان علما و لا عملا، و لأن راويهما عمران الزعفراني، و هو مجهول، و في إسناد الحديثين قوم ضعفاء لا نعمل بما يختصون بروايته».

29

و هذا تصريح من الشيخ بأن كل رواية في الكافي أو غيره إذا كان في سندها ضعفاء لا يعمل بها فيما إذا اختصوا بروايتها.

ما رواه بسنده عن القاسم بن محمد الزيات، قال: «قلت لأبي الحسن الرضا(ع): إني ظاهرت من امرأتي ..»،

و ما رواه عن محمد بن يعقوب بسنده عن ابن بكير عن رجل: «قال: قلت لأبي الحسن(ع): إني قلت لامرأتي ..»،

و ما رواه بطريقه عن ابن فضال عمن أخبره عن أبي عبد الله(ع)قال: «لا يكون الظهار إلا على مثل موضع الطلاق».

و الأولى من هذه الروايات الثلاث رواها محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن القاسم بن محمد الزيات. كما أن الثالثة منها رواها الشيخ الصدوق(قدس سره) مرسلة عن الصادق(ع). قال الشيخ بعد ذكر هذه الروايات: «أول ما في هذه الأخبار أن الخبرين منهما و هما الأخيران مرسلان، و المراسيل لا يعترض بها على الأخبار المسندة لما بيناه في غير موضع. و أما الخبر الأول فراويه أبو سعيد الآدمي- سهل بن زياد- و هو ضعيف جدا عند نقاد الأخبار، و قد استثناه أبو جعفر ابن بابويه في رجال نوادر الحكمة». أقول: لو كان الشيخ يعتقد أن جميع روايات الكافي و الفقيه قطعية الصدور أو أنها صحيحة، و إن لم تكن قطعية الصدور لم يكن يعترض على هذه الروايات بضعف السند أو بالإرسال، و لا سيما أن المرسل ابن بكير و هو من أصحاب الإجماع، و ابن فضال المعروف بالوثاقة. 4- الروايات التي دلت على أن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما أبدا فإن هذه الروايات مع أن جملة منها مذكورة في الكافي و الفقيه قد ناقش فيها

30

الشيخ و من قبله الشيخ المفيد، و حكما بعدم صحتها، و بأنها من شواذ الأخبار. و بيان ذلك: أن محمد بن يعقوب قد عقد بابا ذكر فيه ثلاث روايات دلت على أن شهر رمضان لا ينقص أبدا، الأولى: ما رواه حذيفة بن منصور عن أبي عبد الله(ع). الثانية: ما رواه محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله(ع). الثالثة: ما رواه حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله(ع). و هذه الروايات ذكرها الصدوق، إلا أنه روى الثانية عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن يعقوب بن شعيب، عن أبيه، عن أبي عبد الله(ع). و زاد رواية أبي بصير عن أبي عبد الله(ع)، و رواية ياسر الخادم عن الرضا(ع). قال الصدوق بعد ذكر هذه الروايات: «قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه: من خالف هذه الأخبار، و ذهب إلى الأخبار الموافقة للعامة في ضدها، اتقى كما يتقي العامة و لا يكلم إلا بالتقية كائنا من كان، إلا أن يكون مسترشدا فيرشد و يبين له، فإن البدعة إنما تماث و تبطل بترك ذكرها و لا قوة إلا بالله». أقول: هذه الروايات التي ذكرها محمد بن يعقوب، و صححها الصدوق، و بالغ في تصحيحها و لزوم العمل بها قد تعرض لها الشيخ المفيد(قدس سره) في رسالته المعروفة بالرسالة العددية، و ناقش في إسنادها، و ذكر أنها روايات شاذة لا يمكن الاستدلال بها. قال المفيد: «و أما ما تعلق به أصحاب العدد من أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوما، فهي أحاديث شاذة قد طعن نقلة الآثار من الشيعة في سندها، و هي

31

مثبتة في كتب الصيام، في أبواب النوادر، و النوادر هي التي لا عمل عليها. و أنا أذكر جملة ما جاءت به الأحاديث الشاذة و أبين عن خللها و فساد التعلق بها في خلاف الكافة إن شاء الله. فمن ذلك

حديث رواه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله(ع)، قال: شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص أبدا.

و هذا حديث شاذ نادر غير معتمد عليه. في طريقه محمد بن سنان، و هو مطعون فيه، لا تختلف العصابة في تهمته و ضعفه، و ما كان هذا سبيله لم يعمل عليه في الدين. و من ذلك

حديث رواه محمد بن يحيى العطار، عن سهل بن زياد الآدمي، عن محمد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(ع)، قال: إن الله عز و جل خلق الدنيا في ستة أيام، ثم اختزلها من أيام السنة، فالسنة ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما، و شعبان لا يتم، و شهر رمضان لا ينقص أبدا، و لا تكون فريضة ناقصة، إن الله تعالى يقول: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ.

و هذا الحديث شاذ مجهول الإسناد، و لو جاء بفعل صدقة أو صيام أو عمل لوجب التوقف فيه، فكيف إذا جاء بشيء يخالف الكتاب و السنة و إجماع الأمة، و لا يصح على حساب ذمي و لا ملي و لا مسلم و لا منجم، و من عول على مثل هذا الحديث في فرائض الله تعالى فقد ضل ضلالا بعيدا، و بعد: فالكلام الذي فيه بعيد من كلام العلماء فضلا عن أئمة الهدى(ع)، لأنه قال فيه لا تكون فريضة ناقصة و هذا لا معنى له، لأن الفريضة بحسب ما فرضت، فإذا أديت على الثقيل أو الخفيف لم تكن ناقصة، و الشهر إذا كان تسعة و عشرين يوما، ففرض صيامه لا ينسب إلى النقصان في الفرض، كما أن صلاة السفر إذا كانت على الشطر من صلاة الحضر لا يقال لها صلاة ناقصة، و قد أجل الله إمام الهدى(ع)عن القول بأن الفريضة إذا أديت على التخفيف كانت ناقصة. و قد بينا أن من صام شهرين متتابعين في كفارة ظهار، فكانا ثمانية و خمسين يوما لم يكن فرضا

32

ناقصا، بل كان فرضا تاما. ثم احتج لكون شهر رمضان ثلاثين يوما لم ينقص عنها بقوله تعالى: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ. و هذا نقد في قضاء الفائت بالمرض و السفر. أ لا ترى إلى قوله تعالى: (وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) أي عدة صوم شهر رمضان، و ما أوجب ذلك أن يكون ثلاثين يوما إذا كان ناقصا. و قد بينا ذلك في صيام الكفارة إذا كانا شهرين متتابعين و إن كانا ناقصين أو أحدهما كاملا و الآخر ناقصا. و مما تعلقوا به أيضا

حديث رواه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن يعقوب بن شعيب، عن أبيه عن أبي عبد الله(ع)، قال: قلت له: إن الناس يروون أن رسول الله(ص)صام شهر رمضان تسعة و عشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين يوما؟ فقال: كذبوا ما صام إلا تاما، و لا تكون الفرائض ناقصة.

و هذا الحديث من جنس الأول و طريقه، و هو حديث شاذ لا يثبت عند أصحابه إلا نادرا، و قد طعن فيه فقهاء الشيعة، فإنهم قالوا محمد بن يعقوب بن شعيب لم يرو عن أبيه حديثا واحدا غير هذا الحديث، و لو كانت له رواية عن أبيه لروى عنه أمثال هذا الحديث، و لم يقتصر على حديث واحد لم يشركه فيه غيره، مع أن ليعقوب بن شعيب (رحمه الله) أصلا قد جمع فيه كل ما رواه عن أبي عبد الله(ع)، ليس هذا الحديث منه، و لو كان مما رواه يعقوب بن شعيب لأورده في أصله الذي جمع فيه حديثه عن أبي عبد الله(ع)، و في خلو أصله منه دليل على أنه وضع، مع أن في الحديث ما قد بيناه بعده في قول الأئمة(ع)و هو الطعن في قول من قال: إن شهر رمضان تسعة و عشرون يوما، لأن الفريضة لا تكون ناقصة، و الشهر إذا كان تسعة و عشرين يوما كانت فريضة الصوم فيه غير ناقصة و إذا

33

كان فرض السفر لصلاة الظهر ركعتين لم يكن الفرض ناقصا، و إن كان على الشطر من صلاة الحضر، كما أن صلاة العليل جالسا لا يكون فرضها ناقصا كذلك إذا صام الكفارة فصام شهرين ناقصين لا تكون الكفارة ناقصة. و هذا يدلك على أن واضع الحديث عامي غفل بعيد من العلماء، و حاشا أئمة الهدى(ع)مما أضافه إليهم الجاهلون، و عزاه إليهم المفترون و الله المستعان. فهذه الأحاديث الثلاثة مع شذوذها، و اضطراب سندها و طعن العلماء في رواتها هي التي يعتمد عليها أصحاب العدد المتعلقون بالنقل، و قد بينا ضعف التعلق بها مما فيه كفاية و الحمد لله». و تقدم كلام الشيخ الطوسي في ذلك قريبا. و لا شك في أن المفيد و الشيخ كانا يعاملان مع روايات الكافي و الفقيه و غيرها من الروايات المودعة في الكتب و الأصول معاملة الخبر غير القطعي فإن كان راويها من الضعفاء أو كانت الرواية مرسلة طرحاها، سواء كانت الرواية مروية في الكافي أو الفقيه أو غيرهما من الكتب و الأصول المعروفة و المشهورة. و ليت شعري إذا كان مثل المفيد و الشيخ- (قدس سرهما)-، مع قرب عصرهما، و سعة اطلاعهما لم يحصل لهما القطع بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين(ع)، فمن أين حصل القطع لجماعة متأخرين عنهما زمانا و رتبة؟ أ و ليس حصول القطع يتوقف على مقدمات قطعية بديهية أو منتهية إلى البداهة؟. و قد ذكر صاحب الوسائل لإثبات ما ادعاه من صحة ما أودعه في كتابه من الأخبار، و صدورها من المعصومين(ع)وجوها، سماها أدلة، و لا يرجع شيء منها إلى محصل، و لا يترتب على التعرض لها و الجواب عنها غير تضييع الوقت، و أحسنها الوجه الأول الذي أشرنا إليه و أجبنا عنه، و لا بأس أن نذكر له كلاما في المقام ليظهر للباحث حال بقية ما ذكره دليلا على مدعاه. قال في الوجه التاسع مما ذكره:

34

«و العجب أن هؤلاء المتقدمين، بل من تأخر عنهم كالمحقق و العلامة و الشهيدين و غيرهم إذا نقل واحد منهم قولا عن أبي حنيفة أو غيره من علماء العامة أو الخاصة، أو نقل كلاما من كتاب معين، و رجعنا إلى وجداننا، نرى أنه قد حصل لنا العلم بصدق دعواه، و صحة نقله- لا الظن- و ذلك علم عادي، كما نعلم أن الجبل لم ينقلب ذهبا، و البحر لم ينقلب دما. فكيف يحصل العلم من نقله عن غير المعصوم، و لا يحصل من نقله عن المعصوم غير الظن، مع أنه لا يتسامح و لا يتساهل من له أدنى ورع و صلاح في القسم الثاني، و ربما يتساهل في الأول». أقول: ليت شعري كيف خفي على مثل الشيخ الحر: الفارق بين الأمرين، و المائز بين الموردين؟ فإن المحقق و العلامة و الشهيدين و أمثالهم إذا نقلوا شيئا من أبي حنيفة، فإنما ينقلونه عن حس، لمشاهدة ذلك في كتاب جامع لآرائه، و أما إذا نقلوا أمرا من معصوم، فإنما ينقلونه عنه حسبما أدت إليه آراؤهم و أنظارهم، و كيف يقاس الثاني بالأول. و مما يؤكد أيضا بطلان دعوى القطع بصدور أخبار الكتب الأربعة عن المعصومين(ع)اختلاف هذه الكتب في السند أو المتن. و سنبين موارده في ضمن التراجم إن شاء الله تعالى. بل يتفق- في غير مورد- أن الرواية الواحدة تذكر في كتاب واحد مرتين أو أكثر مع الاختلاف بينهما في السند أو المتن، و أكثر هذه الكتب اختلافا كتاب التهذيب حتى أنه قال في الحدائق: «قلما يخلو حديث فيه من ذلك في متنه أو سنده». و ما ذكره(قدس سره) و إن كان لا يخلو من نوع من المبالغة، إلا أنه صحيح في الجملة. و الخلل في روايات التهذيب كثير، نتعرض لبيانه من جهة

35

السند ضمن التراجم إن شاء الله. ثم إن في الكافي- و لا سيما في الروضة- روايات لا يسعنا التصديق بصدورها عن المعصوم(ع)، و لا بد من رد علمها إليهم(ع). و التعرض لها يوجب الخروج عن وضع الكتاب، لكننا نتعرض لواحدة منها و نحيل الباقي إلى الباحثين.

فقد روى محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله(ع)في قول الله عز و جل: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ. فرسول الله(ص)الذكر و أهل بيته المسئولون و هم أهل الذكر».

أقول: لو كان المراد بالذكر في الآية المباركة رسول الله(ص)فمن المخاطب، و من المراد من الضمير في قوله تعالى: لَكَ وَ لِقَوْمِكَ و كيف يمكن الالتزام بصدور مثل هذا الكلام من المعصوم(ع)فضلا عن دعوى القطع بصدوره؟!. و على الجملة: أن دعوى القطع بعدم صدور بعض روايات الكافي عن المعصوم ع- و لو إجمالا- قريبة جدا، و مع ذلك كيف يصح دعوى العلم بصدور جميع رواياته عن المعصوم ع؟ بل ستعرف- بعد ذلك- أن روايات الكتب الأربعة ليست كلها بصحيحة، فضلا عن كونها قطعية الصدور.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

المقدمة الثانية

المعايير العلمية التي نثبت بها الوثاقة أو الحسن. تحديد هذه المعايير و تمحيصها و جلاؤها بشكل دقيق.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

بما ذا تثبت الوثاقة أو الحسن

ما تثبت به الوثاقة أو الحسن أمور.

1- نص أحد المعصومين:

مما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد المعصومين(ع). و هذا لا إشكال فيه. إلا أن ثبوت ذلك يتوقف على إحرازه بالوجدان، أو برواية معتبرة. و الوجدان و إن كان غير متحقق في زمان الغيبة إلا نادرا، إلا أن الرواية المعتبرة موجودة كثيرا، و ستعرف موارده في تضاعيف الكتاب إن شاء الله تعالى. و ربما يستدل بعضهم على وثاقة الرجل أو حسنه برواية ضعيفة أو برواية نفس الرجل، و هذا من الغرائب!! فإن الرواية الضعيفة غير قابلة للاعتماد عليها، كما أن في إثبات وثاقة الرجل و حسنه بقول نفسه دورا ظاهرا. هذا و قد ذكر المحدث النوري في ترجمة عمران بن عبد الله القمي ما لفظه: «روى الكشي خبرين فيهما مدح عظيم لا يضر ضعف سندهما بعد حصول الظن منهما». و ذكر ذلك غيره أيضا مدعيا الإجماع على حجية الظنون الرجالية. أقول: يرد على ذلك: أولا: أن وجود الرواية الضعيفة لا يلازم الظن بالصدق. و ثانيا- أن الظن لا يغني من الحق شيئا، و دعوى الإجماع على حجيته في المقام قطعية البطلان.

40

كيف و هذه الكتب الأصولية- قديما و حديثا- ترى أنها ذكرت أن العمل بالظن حرام ما لم يقم دليل على حجيته. و نسبة الحكم المظنون إلى الشارع حينئذ تشريع محرم. و قد ذكروا موارد خاصة قام الدليل فيها على حجية الظن، و موارد وقع الخلاف فيها و لم يذكر في شيء من الموردين الظنون الرجالية، و لم تنسب حجية الظن الرجالي إلى أحد من الأعلام، فضلا عن أن يدعى الإجماع عليها. و هذه الكتب الفقهية الاستدلالية من زمان الشيخ إلى زمان الفاضلين المحقق و العلامة و من بعدهما: لا تجد فيها من يدعي ذلك أبدا. و إنما صدر هذا القول من بعض متأخري المتأخرين من دون ذكر منشئه. و لا يبعد أن منشأ ذلك تخيله أن باب العلم منسد في باب الرجال، فينتهي الأمر إلى العمل بالظن لا محالة. و لعل مدعي الإجماع على حجية الظن الرجالي استند إلى هذا أيضا، بتخيل أن حجية الظن- على تقدير انسداد باب العلم- إجماعية. و يرد على هذا القول: أولا: أن باب العلم بالتوثيقات و ما بحكمها غير منسد، بناء على ما نبين من جواز الاعتماد على أخبار الأعلام المتقدمين. و ثانيا: أن انسداد باب العلم في كل موضوع لا يوجب حجية الظن في ذلك الموضوع. و إنما العبرة في حجية الظن من باب الكشف أو الحكومة بانسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعية، فإن ثبت ذلك كان الظن بالحكم الشرعي- و إن نشأ من الظن الرجالي- حجة، سواء أ كان باب العلم في الرجال منسدا أم لم يكن، و إذا كان باب العلم و العلمي بمعظم الأحكام مفتوحا لم يكن الظن الرجالي حجة، سواء أ كان باب العلم بالرجال منسدا أم لم يكن. و على الجملة، فدعوى حجية الظن الرجالي بخصوصه- فضلا عن دعوى الإجماع عليها- باطلة جزما.

41

2- نص أحد الأعلام المتقدمين:

و مما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام، كالبرقي، و ابن قولويه، و الكشي، و الصدوق، و المفيد، و النجاشي، و الشيخ و أضرابهم. و هذا أيضا لا إشكال فيه، و ذلك من جهة الشهادة و حجية خبر الثقة. و قد ذكرنا في أبحاثنا الأصولية أن حجية خبر الثقة لا تختص بالأحكام الشرعية، و تعم الموضوعات الخارجية أيضا، إلا فيما قام دليل على اعتبار التعدد كما في المرافعات، كما ذكرنا أنه لا يعتبر في حجية خبر الثقة العدالة. و لهذا نعتمد على توثيقات أمثال ابن عقدة و ابن فضال و أمثالهما. فإن قيل: إن إخبارهم عن الوثاقة و الحسن- لعله- نشأ من الحدس و الاجتهاد و إعمال النظر، فلا تشمله أدلة حجية خبر الثقة، فإنها لا تشمل الأخبار الحدسية، فإذا احتمل أن الخبر حدسي كانت الشبهة مصداقية. قلنا: إن هذا الاحتمال لا يعتنى به بعد قيام السيرة على حجية خبر الثقة فيما لم يعلم أنه نشأ من الحدس. و لا ريب في أن احتمال الحس في أخبارهم- و لو من جهة نقل كابر عن كابر و ثقة عن ثقة- موجود وجدانا. كيف؟ و قد كان تأليف كتب الفهارس و التراجم لتمييز الصحيح من السقيم أمرا متعارفا عندهم، و قد وصلتنا جملة من ذلك و لم تصلنا جملة أخرى. و قد بلغ عدد الكتب الرجالية من زمان الحسن بن محبوب إلى زمان الشيخ نيفا و مائة كتاب على ما يظهر من النجاشي و الشيخ و غيرهما. و قد جمع ذلك البحاثة الشهير المعاصر الشيخ آقا بزرگ الطهراني في كتابه مصفى المقال. قال الشيخ في كتاب العدة في آخر فصل في ذكر خبر الواحد: «إنا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار فوثقت الثقات منهم، و ضعفت الضعفاء، و فرقت بين من يعتمد على حديثه و روايته و بين من لا يعتمد على خبره، و مدحوا الممدوح منهم و ذموا المذموم. و قالوا: فلان متهم في حديثه،

42

و فلان كذاب، و فلان مخلط، و فلان مخالف في المذهب و الاعتقاد، و فلان واقفي، و فلان فطحي، و غير ذلك من الطعون التي ذكروها. و صنفوا في ذلك الكتب و استثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم، حتى أن واحدا منهم إذا أنكر حديثا طعن في إسناده و ضعفه بروايته. هذه عادتهم على قديم و حديث لا تنخرم». و النجاشي قد يسند ما يذكره إلى أصحاب الرجال و يقول: «ذكره أصحاب الرجال». و هذه العبارات- كما ترى- صريحة الدلالة على أن التوثيقات أو التضعيفات، و المدح أو القدح كانت من الأمور الشائعة المتعارفة بين العلماء، و كانوا ينصون عليها في كتبهم. و بهذا يظهر أن مناقشة الشيخ فخر الدين الطريحي في مشتركاته- بأن توثيقات النجاشي أو الشيخ يحتمل أنها مبنية على الحدس، فلا يعتمد عليها- في غير محلها.

3- نص أحد الأعلام المتأخرين:

و مما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام المتأخرين، بشرط أن يكون من أخبر عن وثاقته معاصرا للمخبر أو قريب العصر منه، كما يتفق ذلك في توثيقات الشيخ منتجب الدين، أو ابن شهرآشوب و أما في غير ذلك كما في توثيقات ابن طاوس و العلامة و ابن داود و من تأخر عنهم كالمجلسي لمن كان بعيدا عن عصرهم فلا عبرة بها، فإنها مبنية على الحدس و الاجتهاد جزما. و ذلك: فإن السلسلة قد انقطعت بعد الشيخ، فأصبح عامة الناس إلا قليلا منهم مقلدين يعملون بفتاوى الشيخ و يستدلون بها كما يستدل بالرواية على ما صرح به الحلي في السرائر و غيره في غيره. و الذي يكشف عما ذكرناه أنهم حينما يذكرون طرقهم إلى أرباب الأصول و الكتب، المعاصرين للمعصومين(ع)يذكرون طرقهم إلى الشيخ،

43

و يحيلون ما بعد ذلك إلى طرقه. فهذا العلامة ذكر في إجازته الكبيرة لبني زهرة طريقا له إلى الشيخ الصدوق، و إلى والده علي بن الحسين بن بابويه، و إلى الشيخ المفيد، و إلى السيد المرتضى، و إلى أخيه السيد الرضي- (قدس الله أسراره)م-، ثم ذكر طرقه إلى كثير من كتب العامة و صحاحهم و إلى جماعة من المتأخرين عن الشيخ(قدس سره). ثم قال: «و من ذلك جميع كتب أصحابنا السابقين الذين تقدموا على الشيخ أبي جعفر الطوسي زمانا، مثل: الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، و الحسين بن سعيد، و أخيه الحسن، و ظريف بن ناصح، و غيرهم مما هو مذكور في كتاب فهرست المصنف للشيخ أبي جعفر الطوسي برجاله المثبتة في الكتاب». و هذا الشهيد الثاني في إجازته الكبيرة للشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائي بعد ما ذكر عدة طرق له إلى الشيخ أبي جعفر الطوسي، قال: «و بهذه الطرق نروي جميع مصنفات من تقدم على الشيخ أبي جعفر من المشايخ المذكورين و غيرهم، و جميع ما اشتمل عليه كتابه فهرست أسماء المصنفين و جميع كتبهم و رواياتهم بالطرق التي تضمنتها الأحاديث. و إنما أكثرنا الطرق إلى الشيخ أبي جعفر، لأن أصول المذهب كلها ترجع إلى كتبه و رواياته». و على الجملة: فالشيخ(قدس سره) هو حلقة الاتصال بين المتأخرين و أرباب الأصول التي أخذ منها الكتب الأربعة و غيرها. و لا طريق للمتأخرين إلى توثيقات رواتها و تضعيفهم غالبا إلا الاستنباط، و إعمال الرأي و النظر. و مما يؤكد ما ذكرناه من انقطاع السلسلة أن كتاب الكشي الذي هو أحد الأصول الرجالية- و قد حكى عنه النجاشي في رجاله- لم يصل إلى المتأخرين، فلم ينقلوا عنه شيئا، و إنما وصل إليهم اختيار الكشي الذي رتبه الشيخ و اختاره من كتاب الكشي. و كذلك كتاب رجال ابن الغضائري. فإنه لم يثبت عند المتأخرين، و قد ذكره ابن طاوس عند ذكره طرقه إلى الأصول الرجالية أنه لا طريق له إلى هذا الكتاب. و أما العلامة و ابن داود و المولى القهبائي فإنهم و إن

44

كانوا يحكون عن هذا الكتاب كثيرا إلا أنهم لم يذكروا إليه طريقا. و من المطمأن به عدم وجود طريق لهم إليه. و هذا العلامة قد ذكر في إجازته الكبيرة أسماء الكتب التي له طريق إليها، حتى أنه- مضافا إلى ما ذكره من كتب أصحابنا المتقدمين على الشيخ و المتأخرين عنه- ذكر شيئا كثيرا من كتب العامة في الحديث و الفقه و الأدب و غير ذلك. و مع ذلك فلم يذكر رجال ابن الغضائري في ما ذكره من الكتب. و هذا كاشف عن أنه لم يكن له طريق إليه، و إلا لكان هذا أولى بالذكر من أكثر ما ذكره في تلك الإجازة. نعم إن الشهيد الثاني في إجازته المتقدمة، و الآغا حسين الخونساري في إجازته لتلميذه الأمير ذي الفقار ذكرا كتاب الرجال للحسين بن عبيد الله بن الغضائري في ضمن الكتب التي ذكرا طريقهما إليها. فربما يستظهر من ذلك أن كتاب الرجال للحسين بن عبيد الله قد وصل إليهما و كان عندهما، و لكن واقع الأمر على خلاف ذلك، فإن الشهيد (قدس سره) يذكر في طريقه إلى هذا الكتاب العلامة، و أنه يروي هذا الكتاب بطريق العلامة إليه. و قد عرفت أن المطمأن به أن العلامة لا طريق له إلى هذا الكتاب. هذا، مضافا إلى أن الشهيد يوصل طريقه إلى النجاشي عن الحسين بن عبيد الله الغضائري و هذا على خلاف الواقع، فإن الحسين بن عبيد الله شيخ النجاشي، و تعرض النجاشي لترجمته و ذكر كتبه و لم يذكر فيها كتاب الرجال، بل لم ينقل عنه في مجموع كتابه شيئا يستشعر منه أن له كتاب الرجال، و كذلك الشيخ يروي عن الحسين بن عبيد الله كثيرا، و لم ينسب إليه كتاب الرجال، و لا ما يستشعر منه وجود كتاب له في الرجال. و المتحصل: أن ما ذكره الشهيد الثاني من وجود طريق له إلى كتاب الحسين بن عبيد الله فيه سهو بين. و بذلك يظهر الحال في طريق الآغا حسين الخونساري، فإن طريقه هو طريق الشهيد الثاني. و يروي ما ذكره من الكتب بطريقه إلى الشهيد (قدس سره).

45

هذا حال كتاب الكشي، و كتاب ابن الغضائري المعدودين من الأصول الرجالية. و أما باقي الكتب الرجالية المعروفة في عصر الشيخ و النجاشي فلم يبق منها عين و لا أثر في عصر المتأخرين. نعم قد يتفق أن العلامة و ابن داود يحكيان عن ابن عقدة توثيقا لأحد إلا أنهما لا يذكران مستند حكايتهما. و العلامة لم يذكر فيما ذكره من الكتب التي له إليها طريق في إجازته الكبيرة: كتاب الرجال لابن عقدة. و قد تحصل مما ذكرناه أن ابن طاوس و العلامة و ابن داود و من تأخر عنهم إنما يعتمدون في توثيقاتهم و ترجيحاتهم على آرائهم و استنباطاتهم أو على ما استفادوه من كلام النجاشي أو الشيخ في كتبهم، و قليلا ما يعتمدون على كلام غيرهما، و قد يخطئون في الاستفادة كما سنشير إلى بعض ذلك في موارده، كما قد يخطئون في الاستنباط، فترى العلامة يعتمد على كل إمامي لم يرد فيه قدح، يظهر ذلك مما ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة و غير ذلك. و ترى المجلسي يعد كل من للصدوق إليه طريق ممدوحا- و هو غير صحيح- على ما نبينه عن قريب إن شاء الله تعالى، و عليه فلا يعتد بتوثيقاتهم بوجه من الوجوه.

4- دعوى الإجماع من قبل الأقدمين:

و من جملة ما تثبت به الوثاقة أو الحسن هو أن يدعي أحد من الأقدمين الأخيار الإجماع على وثاقة أحد، فإن ذلك و إن كان إجماعا منقولا، إلا أنه لا يقصر عن توثيق مدعي الإجماع نفسه منضما إلى دعوى توثيقات أشخاص آخرين، بل أن دعوى الإجماع على الوثاقة يعتمد عليها حتى إذا كانت الدعوى من المتأخرين، كما اتفق ذلك في إبراهيم بن هاشم، فقد ادعى ابن طاوس الاتفاق على وثاقته، فإن هذه الدعوى تكشف عن توثيق بعض القدماء لا محالة، و هو يكفي في إثبات الوثاقة.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

المقدمة الثالثة

قيمة التوثيق الضمني للأشخاص الذين تم توثيقهم ضمن توثيق غيرهم. تساوي التوثيق التضمني مع التوثيق المطابقي. المناقشة في بعض هذه التوثيقات الجماعية.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

التوثيقات العامة

قد عرفت فيما تقدم أن الوثاقة تثبت بإخبار ثقة، فلا يفرق في ذلك بين أن يشهد الثقة بوثاقة شخص معين بخصوصه و أن يشهد بوثاقته في ضمن جماعة، فإن العبرة هي بالشهادة بالوثاقة، سواء أ كانت الدلالة مطابقية أم تضمنية. و لذا تحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم الذين روى عنهم في تفسيره مع انتهاء السند إلى أحد المعصومين(ع). فقد قال في مقدمة تفسيره: «و نحن ذاكرون و مخبرون بما ينتهي إلينا، و رواه مشايخنا و ثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم ..» فإن في هذا الكلام دلالة ظاهرة على أنه لا يروي في كتابه هذا إلا عن ثقة، بل استفاد صاحب الوسائل في الفائدة السادسة في كتابه في ذكر شهادة جمع كثير من علمائنا بصحة الكتب المذكورة و أمثالها و تواترها و ثبوتها عن مؤلفيها و ثبوت أحاديثها عن أهل بيت العصمة(ع)أن كل من وقع في إسناد روايات تفسير علي بن إبراهيم المنتهية إلى المعصومين(ع)، قد شهد علي بن إبراهيم بوثاقته، حيث قال: «و شهد علي بن إبراهيم أيضا بثبوت أحاديث تفسيره و أنها مروية عن الثقات عن الأئمة ع». أقول: إن ما استفاده(قدس سره) في محله، فإن علي بن إبراهيم يريد بما ذكره إثبات صحة تفسيره، و أن رواياته ثابتة و صادرة من المعصومين(ع)، و أنها انتهت إليه بوساطة المشايخ و الثقات من الشيعة. و على ذلك فلا موجب لتخصيص التوثيق بمشايخه الذين يروي عنهم علي بن إبراهيم بلا واسطة كما زعمه بعضهم.

50

و بما ذكرناه نحكم بوثاقة جميع مشايخه الذين وقعوا في إسناد كامل الزيارات أيضا، فإن جعفر بن قولويه قال في أول كتابه: «و قد علمنا بأنا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى و لا في غيره، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا (رحمهم الله) برحمته و لا أخرجت فيه حديثا روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث و العلم ..». فإنك ترى أن هذه العبارة واضحة الدلالة على أنه لا يروي في كتابه رواية عن المعصوم إلا و قد وصلت إليه من جهة الثقات من أصحابنا (رحمهم الله)، قال صاحب الوسائل بعد ما ذكر شهادة علي بن إبراهيم بأن روايات تفسيره ثابتة و مروية عن الثقات من الأئمة(ع): «و كذلك جعفر بن محمد بن قولويه، فإنه صرح بما هو أبلغ من ذلك في أول مزاره». أقول: إن ما ذكره متين، فيحكم بوثاقة من شهد علي بن إبراهيم أو جعفر بن محمد بن قولويه بوثاقته، اللهم إلا أن يبتلى بمعارض. و ممن شهد بوثاقة جماعة- على نحو الإجمال- النجاشي، فإنه يظهر منه توثيق جميع مشايخه. قال(قدس سره) في ترجمة أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن الجوهري: «رأيت هذا الشيخ و كان صديقا لي و لوالدي و سمعت منه شيئا كثيرا، و رأيت شيوخنا يضعفونه فلم أرو عنه شيئا، و تجنبته ..». و قال في ترجمة محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن البهلول: «و كان في أول أمره ثبتا ثم خلط، و رأيت جل أصحابنا يغمزونه و يضعفونه .. رأيت هذا الشيخ، و سمعت منه كثيرا، ثم توقفت عن الرواية عنه إلا بواسطة بيني و بينه». و لا شك في ظهور ذلك في أنه لا يروي عن ضعيف بلا واسطة فيحكم بوثاقة جميع مشايخه. هذا و قد يقال: إنه لا يظهر من كلامه إلا أنه لا يروي بلا واسطة عمن غمز فيه أصحابنا أو ضعفوه. و لا دلالة فيه على أنه لا يروي عمن لم يثبت ضعفه و لا وثاقته، إذا لا يمكن الحكم بوثاقة جميع مشايخه، و لكنه لا يتم. فإن

51

الظاهر من قوله: «و رأيت جل أصحابنا ..» أن الرؤية أخذت طريقا إلى ثبوت الضعف، و معناه أنه لا يروي عن الضعيف بلا واسطة، فكل من روى عنه فهو ليس بضعيف، فيكون ثقة لا محالة. و بعبارة واضحة أنه فرع عدم روايته عن شخص برؤيته أن شيوخه يضعفونه. و معنى ذلك أن عدم روايته عنه مترتب على ضعفه، لا على التضعيف من الشيوخ، و لعل هذا ظاهر. و هذا الذي ذكرناه هو المهم من التوثيقات العامة، و يأتي عن النجاشي في ترجمة عبيد الله بن أبي شعبة الحلبي: «أن آل أبي شعبة بيت بالكوفة و هم ثقات جميعا»، و في ترجمة محمد بن الحسن بن أبي سارة: «أن بيت الرواسي كلهم ثقات»، و يأتي عن الشيخ في ترجمة علي بن الحسن بن محمد الطائي: «أن من روى عنه علي بن الحسن الطاطري في كتبه يوثق به و بروايته». بقي هنا أمران: الأول: أن الشيخ محمد بن المشهدي، قال في أول مزاره: «فإني قد جمعت في كتابي هذا من فنون الزيارات للمشاهد، و ما ورد في الترغيب في المساجد المباركات و الأدعية المختارات و ما يدعى به عقيب الصلوات و ما يناجى به القديم تعالى من لذيذ الدعوات و الخلوات، و ما يلجأ إليه من الأدعية عند المهمات، مما اتصلت به ثقات الرواة إلى السادات ..». و هذا الكلام منه صريح في توثيق جميع من وقع في إسناد روايات كتابه. لكنه لا يمكن الاعتماد على ذلك من وجهين: 1- أنه لم يظهر اعتبار هذا الكتاب في نفسه، فإن محمد بن المشهدي لم يظهر حاله، بل لم يعلم شخصه و إن أصر المحدث النوري: على أنه محمد بن جعفر بن علي بن جعفر المشهدي الحائري، فإن ما ذكره في وجه ذلك لا يورث إلا الظن. 2- أن محمد بن المشهدي من المتأخرين، و قد مر أنه لا عبرة بتوثيقاتهم

52

لغير من يقرب عصرهم من عصره، فإنا قد ذكرنا أن هذه التوثيقات مبنية على النظر و الحدس، فلا يترتب عليها أثر. الثاني: أن الصدوق قال في أول كتابه المقنع: «و حذفت الإسناد منه لئلا يثقل حمله، و لا يصعب حفظه، و لا يمله قاريه، إذ كان ما أبينه فيه في الكتب الأصولية موجودا مبينا عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات (رحمهم الله)». و هذا الكلام قد يوهم أنه شهادة إجمالية من الشيخ الصدوق بوثاقة رواة ما ذكره في كتابه، فلا بد و أن يعامل معه معاملة الخبر الصحيح. و لكن ذلك خلاف الواقع، فإن الشيخ الصدوق لا يريد بذلك أن رواة ما ذكره في كتابه ثقات إلى أن يتصل بالمعصوم(ع)، و إنما يريد بذلك أن مشايخه الثقات قد رووا هذه الروايات، و هو يحكم بصحة ما رواه الثقات الفقهاء و أثبتوه في كتبهم، على ما ستعرفه. و الذي يدل على ما ذكرناه أن الشيخ الصدوق وصف المشايخ بالعلماء الفقهاء الثقات، و قل ما يوجد ذلك في الروايات في تمام سلسلة السند، فكيف يمكن ادعاء ذلك في جميع ما ذكره في كتابه. و بذلك يظهر الحال فيما ذكره الطبري في ديباجة كتابه: بشارة المصطفى، قال: «و لا أذكر فيه إلا المسند من الأخبار، عن المشايخ الكبار و الثقات الأخيار». على أنه قد مر أنه لا عبرة بتوثيقات المتأخرين لغير من يقرب عصره من عصرهم.

53

المقدمة الرابعة

الوقوف على مناشئ سائر التوثيقات العامة. عدم حجية هذه التوثيقات. نفي دلالة نصوصها على التوثيق.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

مناقشة سائر التوثيقات العامة

إن ما قيل بثبوته في التوثيقات العامة أو الحسن موارد:

1- أصحاب الصادق في رجال الشيخ:

قيل إن جميع من ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق(ع)ثقات. و استدلوا على ذلك بما ذكره الشيخ المفيد في أحوال الصادق(ع)، قال: «إن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه(ع)من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات فكانوا أربعة آلاف». و قال ابن شهرآشوب: «نقل عن الصادق(ع)من العلوم ما لم ينقل عن أحد. و قد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، و كانوا أربعة آلاف رجل». و قال: «إن ابن عقدة مصنف كتاب الرجال لأبي عبد الله عددهم فيه ..». و قد ذكر الشيخ في أول رجاله بأنه يذكر فيه جميع من ذكره ابن عقدة. و ممن مال إلى هذا القول الشيخ الحر(قدس سره)، قال في أمل الآمل في ترجمة خليد بن أوفى أبي الربيع الشامي: «و لو قيل بتوثيقه و توثيق جميع أصحاب الصادق(ع)إلا من ثبت ضعفه لم يكن بعيدا، لأن المفيد في

56

الإرشاد، و ابن شهرآشوب في معالم العلماء و الطبرسي في إعلام الورى قد وثقوا أربعة آلاف من أصحاب الصادق(ع)، و الموجود منهم في كتب الرجال و الحديث لا يبلغون ثلاثة آلاف. و ذكر العلامة و غيره أن ابن عقدة جمع الأربعة آلاف المذكورين في كتب الرجال ..». أقول: الأصل في ذلك هو الشيخ المفيد(قدس سره) و تبعه على ذلك ابن شهرآشوب و غيره. و أما ابن عقدة فهو و إن نسب إليه أنه عدد أصحاب الصادق(ع)أربعة آلاف، و ذكر لكل واحد منهم حديثا إلا أنه لم ينسب إليه توثيقهم. و توهم المحدث النوري أن التوثيق إنما هو من ابن عقدة، و لكنه باطل جزما. و كيف كان فهذه الدعوى غير قابلة للتصديق، فإنه إن أريد بذلك أن أصحاب الصادق(ع)كانوا أربعة آلاف كلهم كانوا ثقات: فهي تشبه دعوى أن كل من صحب النبي(ص)عادل، مع أنه ينافيها تضعيف الشيخ جماعة، منهم إبراهيم بن أبي حبة، و الحارث بن عمر البصري، و عبد الرحمن بن الهلقام، و عمرو بن جميع، و جماعة أخرى غيرهم. و قد عد الشيخ أبا جعفر الدوانيقي من أصحاب الصادق(ع)، أ فهل يحكم بوثاقته بذلك؟ و كيف تصح هذه الدعوى مع أنه لا ريب في أن الجماعة المؤلفة من شتى الطبقات على اختلافهم في الآراء و الاعتقادات يستحيل عادة أن يكون جميعهم ثقات. و إن أريد بالدعوى المتقدمة أن أصحاب الصادق كانوا كثيرين، إلا أن الثقات منهم أربعة آلاف، فهي في نفسها قابلة للتصديق، إلا أنها مخالفة للواقع، فإن أحمد بن نوح زاد على ما جمعه ابن عقدة ممن روى عن الصادق(ع)على ما ذكره النجاشي، و الزيادة كثيرة على ما ذكره الشيخ في ترجمة أحمد بن نوح،