الاجتهاد و التقليد (الوافية في الأصول)

- الفاضل التوني المزيد...
317 /
241

الباب الخامس في الاجتهاد و التّقليد و فيه مباحث

242

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

243

الأوّل: الاجتهاد في اللّغة:

تحمّل الجهد، و هو: المشقّة (1).

و في الاصطلاح:

المشهور: أنّه استفراغ الوسع من الفقيه، في تحصيل الظنّ بحكم شرعيّ (2).

و عندي أنّ الأولى في تعريفه: أنّه صرف العالم بالمدارك و أحكامها نظره في ترجيح (3) الأحكام الشرعيّة الفرعيّة.

فدخل القطعيّات النظريّة.

و خرج الشرعيّة الأصليّة.

و لم يستعمل فيه (الفقيه) مع خفاء معناه هاهنا (4).

____________

(1) المصباح المنير- مادة: جهد.

(2) المنتهى: 209، معالم الدين: 238.

(3) لفظة (ترجيح) ساقطة من ب.

(4) لاحظ تفصيل هذه الدعوى في: الفوائد المدنية: 93- الوجه الثامن.

244

و المدارك: قد علم كمّيتها و حقيقتها سابقا.

و المراد ب(أحكامها): أحوال التعادل و الترجيح و سيجيء إن شاء اللّه تعالى.

و سيجيء تحقيق ما يحصل بسببه العلم بالمدارك.

البحث الثاني: في أنّ الاجتهاد هل يقبل التجزئة؟ أو لا؟

بمعنى: جريانه في بعض المسائل دون بعض، و ذلك بأن يحصل للعالم ما هو مناط الاجتهاد في بعض المسائل، دون بعض آخر، و قد اختلف فيه، فالأكثر على أنّه يقبل التجزئة، و قيل بعدمه.

و الحقّ الأوّل لوجوه:

الأوّل: أنّه إذا اطّلع على دليل مسألة بالاستقصاء، فقد ساوى المجتهد المطلق في تلك المسألة؛ و عدم علمه بأدلّة غيرها لا مدخل له فيها.

فإن قلت: لا يمكن العلم بعدم المعارض (1) و المخصّص بدون الإحاطة بجميع مدارك الأحكام، فبطل التساوي.

قلت: إنكار حصول الظنّ بعدم المعارض مكابرة، بل قد يحصل العلم من العادة بالعدم، فإنّ المسائل الّتي وقع فيها الخلاف، و أوردها جمع كثير من الفقهاء في كتبهم الاستدلاليّة، و استدلوا عليها نفيا و إثباتا، ممّا تحكم العادة بأن ليس لها مدارك غير ما ذكروه، و لا أقلّ من حصول ظنّ قويّ متاخم من العلم.

فإن قلت: التمسّك في جواز اعتماد المتجزّي على استنباطه، بمساواته للمجتهد المطلق، قياس غير معلوم العلّة، فيكون باطلا.

____________

(1) كذا في أ و ب و ط، و في الأصل: المعارضة.

245

مع أنّه: يمكن أن تكون العلّة في المجتهد المطلق، هي: قدرته على استنباط المسائل كلّها، فإنّ القوّة الكاملة أبعد عن احتمال الخطأ من الناقصة.

قلت: البديهة تحكم بالمساواة حينئذ، بمعنى: أنّ كلّ ما دلّ على جواز اعتماد المجتهد المطلق على ظنّه، دلّ على الجواز في المتجزّي أيضا، كما سيجيء في آخر هذا البحث.

و قوله بأنّ قوّة الأوّل كاملة دون الثاني:

إن أراد ب(الكمال) الشمول و العموم، فالعقل يحكم بأنّه لا يصلح للعلّية، إذ العلّة يجب أن تكون مناسبة، و ظاهر أنّ الظنّ بأنّ المتعة (1) مثلا ترث أو لا ترث؟ أو الرضاع الناشر للحرمة خمس عشرة أو عشر؟- لا دخل له في جواز الاعتماد على الظنّ بوجوب السورة مثلا في الصلاة؛ و المنكر مكابر مقتضى عقله.

و إن أراد أنّ ظنّ العالم بالكلّ بوجوب السورة مثلا، يكون أقوى من ظنّ المتجزّي بوجوب السورة، و إن اطّلع على جميع أدلّة وجوب السورة- فهذا مجرّد دعوى يحكم أوّل النّظر ببطلانها.

الثاني: أنّ التقليد مذموم، و خلاف الأصل أيضا، فإنّ الأصل عدم وجوب اتّباع غير المعصوم، خرج عنه العاميّ الصرف، لدليل دلّ على وجوب التقليد في حقّه، فيبقى المتجزّي و المطلق، لعدم المخرج في حقّهما.

فإن قلت: نحن نقلب هذا الدليل في المتجزّي، فنقول: اتّباع الظنّ مذموم، بل و خلاف الأصل أيضا، إذ الأصل عدم وجوب اتّباع غير القطع، خرج عنه المجتهد المطلق، لدليل أخرجه، فبقي المتجزّي، لعدم المخرج فيه.

قلت: المخرج فيه متحقّق، فإنّه ليس له بدّ من اتّباع الظنّ: إمّا الظن

____________

(1) أي: المتمتّع بها، و هي المنكوحة بالعقد المنقطع. و: المتعة: اسم التّمتّع- كما في المصباح- فإطلاقه على المتمتع بها مسامحة منه.

246

الحاصل من التقليد، أو الظنّ الحاصل من الاجتهاد؛ فكيف يكون هو منهيّا عن اتّباع الظنّ على الإطلاق بخلاف التقليد؟! و تقرير الدّليل بعبارة أخرى: جواز التقليد مشروط بعدم جواز العمل بالدليل- أي: الاجتهاد- فما لم يحصل القطع بعدم جواز الاجتهاد، لم يحصل القطع بجواز التقليد- و كذا الظنّ على تقدير الاكتفاء به في الأصول- و لا دليل على عدم جواز عمل (1) المتجزّي بالأدلّة الشرعيّة، حتّى يحصل القطع أو الظنّ بالشرط، فينتفي العلم أو الظنّ (2) بجواز تقليد المتجزّي، و إذا كان هناك أمران، أحدهما مرتّب (3) على الآخر، فلا يعدل من الأصل إلى الفرع إلّا مع القطع أو الظنّ بوجوب العدول.

و الثالث: أنّ أوامر وجوب العمل بأوامر الرسول و نواهيه- و كذا خلفاؤه- عامّ، خرج عنه العاميّ الصرف إجماعا، لعدم إمكان العمل في حقّه؛ فيبقى المتجزّي.

و الوجهان متقاربا المأخذ.

قال في الذكرى: و عليه- أي على صحّة التجزّي- نبّه في مشهور أبي خديجة، عن الصادق (عليه السلام): «انظروا إلى رجل منكم، يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم قاضيا، فإنّي قد جعلته قاضيا عليكم» (4).

قال في المعالم- بعد إيراد تحقيق له قد ظهر ممّا مرّ جوابه-: «لكنّ التعويل في اعتماد ظنّ المجتهد المطلق، إنّما هو على دليل قطعيّ و هو إجماع الأمّة عليه، و قضاء الضرورة به، و أقصى ما يتصوّر في موضع النزاع أن يحصل دليل ظنّي يدلّ على مساواة التجزّي للاجتهاد المطلق، و اعتماد المتجزّي عليه يفضي إلى

____________

(1) كلمة (عمل): ساقطة من الأصل و قد أثبتناها من سائر النسخ.

(2) كذا في أ و ط، و في الأصل و ب: و الظن.

(3) في ط: مترتب.

(4) الذكرى: 3- المقدمة- الإشارة الثالثة- ذيل الأمر الثالث عشر.

247

الدور، لأنّه تجزّ في مسألة التجزّي، و تعلّق بالظنّ في العمل بالظنّ. و رجوعه في ذلك إلى فتوى المجتهد المطلق، و إن كان ممكنا، لكنّه خلاف المراد، إذ الفرض إلحاقه ابتداء بالمجتهد، و هذا إلحاق له بالمقلّد بحسب الذات، و إن كان بالعرض إلحاقا بالاجتهاد، و مع ذلك فالحكم في نفسه مستبعد، لاقتضائه (1) ثبوت الواسطة بين أخذ الحكم بالاستنباط و الرجوع فيه إلى التقليد، و إن شئت قلت: تركب التقليد و الاجتهاد، و هو غير معروف» انتهى (2).

و فيه بحث من وجوه:

الأوّل: أنّ قوله: «التعويل في اعتماد ظنّ المجتهد المطلق، إنّما هو على دليل قطعيّ، و هو إجماع الأمّة، و قضاء الضرورة به»- غير صحيح؛ إذ ظاهر:

أنّ هذه المسألة ممّا لم يسأل عنها الإمام (عليه السلام)، و ظاهر: أنّ العمل بالروايات في عصر الأئمة (عليهم السلام)، للرّواة، بل و غيرهم، لم يكن موقوفا على إحاطتهم بمدارك كلّ الأحكام، و القوّة القويّة على الاستنباط؛ بل يظهر بطلانه بأدنى اطّلاع على حقيقة أحوال (3) قدماء الأصحاب.

و الحاصل: أنّ العلم بالإجماع الّذي يقطع بدخول المعصوم (عليه السلام) في هذه المسألة، بل و في غيرها من المسائل الّتي لم يوجد فيها نصّ شرعي- ممّا لا يكاد يمكن.

و قوله: «و قضاء الضرورة به»:

إن أراد: حكم بديهة العقل به من غير ملاحظة أمر خارج، فظاهر البطلان؛ إذ العمل بالظنّ و نحو ذلك، ليس من البديهيّات الصرفة.

و إن أراد: حكم العقل به، بسبب أنّه إذا احتاج المكلّف إلى العمل، و انحصر طريقه في الاجتهاد و التقليد، فالبديهة تحكم بتقديم العمل بالحجّة

____________

(1) كذا في أ و ب و ط و المصدر، و في الأصل: لإفضائه.

(2) معالم الدين: 239.

(3) في ط: طريقة. بدل: حقيقة أحوال.

248

الشرعيّة على التقليد- فهو صحيح، لكنّه مشترك بين المجتهد المطلق و المتجزّي.

و الحاصل: أنّ دليل عمل المجتهد المطلق بالأدلّة الشرعيّة، هو ما ذكرنا، لا ما ذكره من الإجماع؛ إذ انتفاء الإجماع القطعيّ هنا من أجلي الأمور.

الثاني: أنّ قوله: «و أقصى ما يتصوّر» إلخ- أيضا غير صحيح، لأنّ الأدلّة الّتي ذكرناها، توجب القطع بجواز عمل المتجزّي بالأدلّة الشرعيّة.

الثالث: أنّ قوله: «و اعتماد المتجزّي عليه يفضي إلى الدور»- أيضا غير صحيح؛ لأنّه على تقدير جواز الاعتماد في الأصول على الظنّ، لا يختص ذلك بالمجتهد، فمن حصل له الظنّ من دليل أو أمارة بشيء من المطالب الأصوليّة يجوز الاعتماد عليه على ذلك التقدير، مجتهدا كان أو مقلّدا، و على تقدير عدم جواز الاعتماد على الظنّ في الأصول، فهذه المسألة لا بدّ فيها من الاعتماد على الظنّ، بناء على عدم تحقّق دليل قطعيّ على جواز التجزّي؛ إذ عدم تحقّق دليل قطعيّ دالّ على جواز التقليد لذلك الشخص أظهر [1].

____________

[1] استدل في حواشي العدّة على تعذر المجتهد المطلق بأدلّة، ثانيها: انه لو أمكن تحقق المجتهد المطلق فعلمه أو ظنه بأمارة بأنه مجتهد مطلق غير ممكن عادة، فإن المجتهدين كانوا لا يدرون الجواب في كثير من المسائل و ليس لهم طريق إلى ان يعلموا أو يظنوا بأمارة انهم قادرون بعد الفكر و المراجعة على الاجتهاد فيه، فيلزم انه لا يجوز لأحد العمل باجتهاده. و ثالثها: انه لا يمكن للمقلد العامي أو المتجزي أن يعلم أو يظن بأمارة اجتهاد غيره بالاجتهاد المطلق بطريق أولى، فيلزم ان لا يجوز للعامي أو المتجزي الرجوع إلى المجتهد. و رابعها: انه لو لم يجز للمتجزي العمل بظنه لم يمكن له العلم بجواز عمله، لأن استدلال المتجزي على وجوب الاستفتاء من المجتهد المطلق بظاهر قوله فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ* غير ممكن، لأنه لو علم المتجزي جواز عمله بالظاهر في مسائل الأصول فعلمه بجوازه في الفروع أولى، و يناقض هذا توقفه في التجزي أو نفيه له. و لو ادعي الإجماع على وجوب عمل المتجزي بهذا الظاهر، و هذا الظن دون الظواهر و الظنون الأخرى في الأصول أو الإجماع على رجوع المتجزي إلى المجتهد المطلق توجّه المنع، و كذا لو ادعي رجوع المتجزي في مسألة جواز عمله بظنه إلى المجتهد المطلق كما احتمله صاحب المعالم. كيف و هي مسألة أصلية و لا يجري هنا التقليد للمجتهد و بعد

249

فان قلت: يجوز أن يقلّد في جواز التقليد.

قلت: الأدلّة الدالّة على ذمّ التقليد مطلقا، و في الأصول خاصّة- لكثرتها- غير قابلة للتأويل؛ فإذا كان صحّة تقليده مبنيّا على صحّة التقليد في الأصول كاد أن يحصل القطع ببطلانه؛ و على تقدير التسليم، و القول بصحّة تقليده في الأصول، فيجوز حينئذ (1) له العمل بظنّه في الفروع، بعد اعتقاده الحاصل من التقليد في جواز اعتماده على ظنّه.

و قوله: «إنّه خلاف الفرض (2) و مستبعد، للزوم الواسطة»- لا يخفى ما فيه، فإنّه على تقدير جواز التقليد في الأصول، لا يتصوّر هاهنا مانع للعمل بظنّه، بعد تقليده في مسألة التجزّي و اللّه يعلم.

ثمّ لا يخفى: أنّ حصول ملكة العلم بكلّ الأحكام الواقعيّة للمجتهد ممتنع عندنا، لأنّ الأئمة (عليهم السلام) لم يتمكّنوا من إظهار كلّ الأحكام، نعم يمكن العلم بالأحكام الظاهريّة المتعلّقة بعمله في نفسه.

بل الظاهر: أنّ القول بنفي التجزّي إنّما هو على طريقة جمع من العامّة القائلين بأنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلّم) أظهر جميع الأحكام بين يدي أصحابه، و توفّر الدواعي على نقله، فما لم يوجد فيه مدرك، فعدم المدرك فيه، مدرك لعدم الحكم فيه في الواقع، فحكمه التخيير؛ و قد عرفت بطلانه عندنا، فإنّ الأئمة (عليهم السلام)، كثيرا ما يتّقون على أنفسهم و على أصحابهم في بيان الأحكام، بل ربّما يحكمون على شخص معيّن بحكم معيّن، لمدخليّة بعض خصوصيات ذلك الشخص في ذلك الحكم كما روى ابن بابويه في الفقيه، في أواخر باب (ما يجوز للمحرم إتيانه و ما لا يجوز) عن خالد بيّاع القلانس، أنّه قال: «سألت أبا

____________

التسليم يجوز فرض الكلام في المتجزي الّذي لم يطلع على هذا الإجماع، فيلزم انه يكون أسوأ حالا من العامي. انتهت عبارته. (منه (رحمه اللّه)).

____________

(1) كلمة (حينئذ): زيادة من أ و ب و ط.

(2) كذا في ط، و في سائر النسخ: الغرض.

250

عبد اللّه (عليه السلام)، عن رجل أتى أهله و عليه طواف النساء؟ قال (عليه السلام):

عليه بدنة. ثمّ جاءه آخر، فسأله عنها؟ فقال (عليه السلام): عليه بقرة. ثمّ جاءه آخر فسأله عنها؟ فقال (عليه السلام): عليه شاة. فقلت- بعد ما قاموا-: أصلحك اللّه، كيف قلت: عليه بدنه؟! فقال: أنت موسر، و عليك بدنة، و على الوسط بقرة، و على الفقير شاة» (1) فبيّن (عليه السلام) بعد السؤال، أنّ الأوّل موسر، و الثاني متوسط، و الثالث فقير، من غير إشعار في كلامه (عليه السلام) بمدخليّة الأحوال الثلاث، و هذا ممّا يقدح أيضا في حصول العلم بنتقيح المناط (2)، فتأمّل.

البحث الثالث: فيما يحتاج إليه المجتهد من العلوم،

و هو تسعة، ثلاثة من العلوم الأدبيّة، و ثلاثة من المعقولات، و ثلاثة من المنقولات.

فالأوّل من الأوّل: علم اللّغة.

و الاحتياج إليه: ظاهر، إذ الكتاب و السنّة عربيان، و معاني مفردات اللّغة إنّما تبيّن (3) في علم اللّغة.

و الثاني: علم الصرف.

و الاحتياج إليه: لأنّ تغيّر المعاني بتصريف المصدر- المبيّن معناه في علم اللّغة- إلى الماضي و المضارع و الأمر و النهي و نحوها؛ إنّما يعلم في الصرف.

و الثالث: علم النحو.

و الاحتياج إليه: أظهر، لأنّ معاني المركبات من الكلام إنّما يعلم به.

____________

(1) الفقيه: 2- 363 ح 2716.

(2) حيث أن العلم بعدم المزيّة شرط في تعدية الحكم إلى المساوي، فإن احتمل وجودها لم تجز التعدية، كما صرّح به المحقق في معارج الأصول: 85- المسألة الرابعة.

(3) كذا في ط و ب، و في الأصل: يبين، و في ا: يتبين.

251

و الاحتياج إلى هذه العلوم الثلاثة إنّما هو لمن لم يكن مطّلعا على عرف النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام)، كالعجم مطلقا، و العرب أيضا في هذه الأزمنة، لا مثل الرّواة، و من قرب زمانه منهم، على أنّ الاحتياج في هذه الأزمنة أيضا، متفاوت بالنسبة إلى الأصناف كالعرب و العجم.

و الأوّل من الثاني: علم الأصول.

و الاحتياج إليه: لأنّ المطالب الأصوليّة ممّا يتوقّف عليه استنباط الأحكام، مثلا: كثير من المسائل يتوقّف على ثبوت الحقيقة الشرعيّة و نفيها؛ و تحقيقها إنّما هو في الأصول، و كذا على كون الأمر للوجوب أو لا؟ و كذا الوحدة و التكرار؟

و الفور و التراخي؟ و أنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ أو لا؟ و كذا وجوب مقدّمة الواجب، و ظاهر أنّها لا تعلم من اللّغة و غيرها، و ليس أحد الشقّين في هذه المذكورات بديهيّا حتّى يستغنى عن تدوينها و عن النّظر فيها، و كذا ليست هذه المذكورات ممّا لا يتوقّف عليه العمل، و كذا الحال في مباحث النواهي، و حكم ورود العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، و المجمل و المبيّن، و القياس مطلقا، أو منصوص العلّة، و وجوب العمل بخبر الواحد و عدمه، و إن أمكن ادّعاء ثبوت وجوب العمل بالمتواتر، من علم الكلام، و هكذا بقيّة المطالب.

و الثاني: علم الكلام.

و وجه الاحتياج إليه: أنّ العلم بالأحكام يتوقّف على أنّ اللّه تعالى لا يخاطب بما لا يفهم معناه، و لا بما يريد خلاف ظاهره، من غير بيان، و هذا إنّما يتمّ إن لو عرف (1) أنّه تعالى حكيم مستغن عن القبيح، و كذا يتوقّف على العلم بصدق الرسول و الأئمة (عليهم السلام).

____________

(1) كذا في النسخ، و الظاهر زيادة أحد حرفي الشرط، أو ان تكون العبارة بالنحو التالي: و هذان انما يتمان لو عرف.

252

و الحقّ: أنّ الاحتياج إليه، إنّما هو لتصحيح الاعتقاد، لا للأحكام بخصوصها.

و الثالث: علم المنطق.

و الاحتياج إليه: إنّما هو لتصحيح المسائل الخلافيّة و غيرها، من العلوم المذكورة، إذ لا يكفي التقليد سيّما في الخلافيات، مع إمكان الترجيح، و كذا لردّ الفروع الغريبة إلى أصولها، لأنّه محتاج إلى إقامة الدليل، و تصحيح الدليل لا يتمّ بدون المنطق إلّا للنفوس القدسيّة.

و اعلم: أنّ العلوم المذكورة، ليس جميع مسائلها المدوّنة، ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد، بل و لا أكثرها على الظاهر؛ و القدر المحتاج إليه، ممّا لا يمكن تعيينه إلّا بعد ملاحظة جميع الأحكام، و يكفي لصاحب الملكة (1) الرجوع إلى ما يحتاج إليه عند الاحتياج، كما لا يخفى.

و الظاهر الاستغناء عن المنطق في العمل بالمنطوقات، و كذا المفهومات الظاهرة.

فإن قلت: لا حاجة إلى علم الأصول، لوجهين:

الأوّل: أنّ علم الأصول قد حدث تدوينه بعد عصر الأئمة (عليهم السلام)، و أنّا نقطع بأنّ قدماءنا، و رواة أحاديثنا، و من يليهم- لم يكونوا عالمين بعلم الأصول؛ مع أنّهم كانوا عاملين بهذه الأحاديث الموجودة، و لم ينقل عن أحد من الأئمة (عليهم السلام) إنكارهم، بل المعلوم تقريرهم لهم، و كان ذلك الطريق مستمرّا عند الشيعة إلى زمان القديمين: الحسن بن أبي عقيل، و أبي علي أحمد بن الجنيد؛ ثمّ حدث تدوين الأصول بين الشيعة أيضا (2)، فلا يكون العمل بهذه الأحاديث موقوفا على العلم بمسائل علم الأصول.

____________

(1) أي: في العلوم المذكورة (منه (رحمه اللّه)).

(2) كلمة (أيضا): ساقطة من ط.

253

الثاني: أنّ البديهة حاكمة بوجوب العمل (1) بأوامر الشرع و نواهيه، و من علم العلوم الثلاثة الأول: فهو ممّن يفهم الأوامر و النواهي؛ فالحكم عليه بوجوب التقليد المنهيّ عنه، بمجرّد جهله بمسائل الأصول، ممّا لا دليل عليه؛ بل لا عذر له في التقليد، و ليس مثله مع التقليد إلّا مثل شخص حكّمه ملك على ناحية، و عهد إليه: أنّه متى أخبره ثقة بأنّ الملك أمرك بكذا، أو نهاك عن كذا، فعليك بالطاعة و العمل بالأمر و النهي؛ و بيّن له المخلص عند تعارض الأخبار، فهو يترك العمل بما سمع من الأوامر و النواهي من الثقات، معلّلا بجهله بمسائل الأصول أو المنطق، فإنّ استحقاقه للذمّ حينئذ ممّا لا ريب فيه.

قلت: اعلم أوّلا: أنّ مباحث علم الأصول قسمان:

الأوّل: ما يتعلّق بتحقيق معاني الألفاظ، مثل: أنّ الحقيقة الشرعيّة ثابتة أو لا؟ و أنّ الأمر للوجوب؟ و المرّة؟ و الفور؟ أو لا؟ و كذا النهي؟ و أنّ المفرد المعرّف باللّام، و الجمع المنكّر، للعموم؟ أو لا؟ و المخصّص المتعقّب للجمل المتعاطفة- كالاستثناء، و الشرط، و نحوهما- يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط؟ أو إلى الجميع؟ إلى غير ذلك من المسائل المودعة في مواضعها.

و الثاني: ما ليس كذلك، مثل: أنّ الأمر بالشيء هل يقتضي وجوب مقدّمته؟ و تحريم ضدّه الخاصّ؟ أو لا؟ و هل يجوز تعلّق الأمر و النهي بشيء واحد؟ أو لا؟ و هل يجوز التكليف بالشيء مع علم الآمر بانتفاء شرطه؟ أو لا؟ و هل العامّ المخصّص حجّة في الباقي؟ أو لا؟ و هل العمل بالعامّ مشروط باستقصاء البحث عن المخصّص؟ أو لا؟ و هل المفهومات حجّة؟ أو لا؟

و خبر الواحد هل هو حجّة؟ أو لا؟ إلى غير ذلك من المسائل.

إذا عرفت هذا، فنقول: ما كان من القسم الأوّل، فهو لم يكن في عصر الأئمة (عليهم السلام) و ما شابهه محتاجا إليه، لأنّ معاني الألفاظ و حقائقها كانت

____________

(1) في ط: العلم.

254

معلومة لهم، لعدم تغيّر العرف في زمانهم، و لمّا خفي هذا- بسبب تغيّر العرف- احتيج إلى تحقيق هذه المسائل، فدوّن لها علم على حدة، و لا يلزم من استغنائهم استغناؤنا، فإنّه لمّا اشتبه علينا أنّ الأمر للوجوب؟ أو لا؟ لا يمكننا الحكم بوجوب شيء و بعدم جواز تركه، بمجرّد ورود الأمر به، إلّا بعد النّظر في الأدلّة الدالّة على أنّ الأمر للوجوب، و كذا الحال في بقيّة المسائل، فكيف يتصوّر القول باستغنائنا عنها في العلم أو الظنّ بالأحكام؟! بل هل هذا إلّا جهل أو تجاهل؟! فإن قلت: يمكن العلم بهذه المطالب الأصوليّة من علم العربيّة.

قلت: ليس شيء من هذه المباحث مبيّنا- بحيث يشفي العليل و يروي الغليل- في غير الأصول، كما هو ظاهر للمتتبّع. و بعد التسليم، فهي محتاج إليها، و ليس الغرض إلّا هذا.

و قد ظهر الجواب بما مرّ عن كلا الوجهين في هذا القسم؛ أمّا الأوّل:

فظاهر، و أمّا الثاني: فلأنّا لا نسلّم حصول الفهم بدون العلم بهذا القسم من المطالب.

و أمّا القسم الثاني: فلا شكّ في الاحتياج إليه للعلم بالفروع المتفرّعة عليه، مثلا: إذا أريد العلم بحال الصلاة في الدار المغصوبة، هل هي صحيحة؟ أو باطلة؟ فلا بدّ من تحقيق حال (تعلّق الأمر و النهي بشيء واحد) هل هو جائز؟ أو لا؟ إذ ليس لهذه المسألة مدرك غير هذه المسألة الأصوليّة، على ما هو الظاهر من الكتب الاستدلاليّة، و كذا العلم بحال الصلاة في أوّل الوقت مع شغل الذمّة بحقّ مضيّق؟ أو جواز السفر بعد الصبح من يوم الجمعة قبل صلاة الجمعة إذا وجبت؟ أو صحّة الصلاة في موضع يخاف في الوقوف فيه هلاك النّفس؟ أو صحّة النافلة في وقت الفريضة، أو صحّة استئجار العبادة لمن في ذمّته مثلها من عبادة نفسه؟ أو لمن يقلّد الميّت؟ على المشهور؟

أو لمن استأجر نفسه قبل ذلك بمثلها، مع الإطلاق في عقدي الإجارة؟ أو

255

التعيين في أحدهما و الإطلاق في الآخر، على تقدير تقارب زمانهما، بحيث لم تحصل البراءة من الأوّل؟ و كأنّه لا خلاف في عدم صحّة إجارة الحجّ لمن عليه حجّ واجب من نفسه، أو لإجارة سابقة مع القدرة، و لم يظهر له مدرك غير المسألة الأصوليّة.

و كذا الحال في بقيّة المسائل، سيّما حجّية خبر الواحد؛ و الاحتياج إلى العلم بمثل هذه الفروع المذكورة ممّا لا يعتريه شكّ.

و القائل بالاستغناء عن علم الأصول يلزمه: إمّا القول ببداهة أحد طرفي هذه المسائل، أو: بعدم الاحتياج إلى العلم بهذه المسائل؛ و كلاهما بديهي البطلان.

و السرّ في عدم احتياج القدماء إلى تحقيق هذا القسم- على تقديره-:

أنّ بعض هذا القسم كان لهم غنى عن تحقيق حاله، مثل حجّية خبر الواحد و ما يتعلّق به؛ فإنّ حصول العلم لهم- بسبب المشافهة من المعصوم (عليه السلام)، و بالتواتر (1)، و بالقرائن المفيدة للعلم، بسبب قرب زمانهم- أغناهم عن النّظر في خبر الواحد و ما يتعلّق به؛ و لهذا ترى أكثر القدماء ينكرون خبر الواحد، كابن بابويه في أول كتاب الغيبة، و السيّد المرتضى، و ابن زهرة، و ابن إدريس، بل الشيخ الطوسي، كما لا يخفى على المتأمّل، و غيرهم (2).

و بعض آخر منه: من عاداتهم و عرفهم يعلمونه، كالقسم الأوّل، مثل:

مقدّمة الواجب، و المفهومات، و العامّ المخصّص، و نحوها، بل يمكن إدراجها في القسم الأوّل أيضا.

و بعض آخر: ممّا لم يخطر في بالهم، و لو خطر ببالهم لسألوا عنه إمام زمانهم (عليهم السلام)، مثل: احتمال بطلان الصلاة مع سعة الوقت، لمن عليه حقّ

____________

(1) كذا في أ و ط، و في ب: أو بالتواتر، و في الأصل، أسقط حرف العطف.

(2) راجع ذلك فيما أوردناه في هوامش ص 158.

256

مضيّق؛ إذ نحن لم ندّع أنّ العمل بمنطوقات الأخبار الصريحة، يتوقّف على العلم بجميع هذا القسم من المسائل الأصوليّة، بل نحن ندّعي أنّ العلم بفروعاتها يتوقّف عليها.

نعم من أنكر التجزّي، يلزمه القول بعدم العلم بشيء من الأحكام حينئذ، بدون العلم بهذه المسائل الأصوليّة. لكن على ما مرّ من التحقيق:

يمكن الاجتهاد و العلم بكثير من الأحكام، مع الجهل بكثير من مسائل القسم الثاني، فلا تغفل.

ولي كلام في قولهم: لا يجوز العمل بالعامّ قبل فحص المخصّص و المعارض، لعلّي أورده في موضعه في هذه الرسالة إن شاء اللّه تبارك و تعالى.

و الأوّل من الثالث: العلم بتفسير الآيات المتعلّقة بالأحكام، و بمواقعها من القرآن، أو من الكتب الاستدلاليّة، بحيث يتمكّن من الرجوع إليها عند الحاجة.

و المشهور: أنّ الآيات المتعلّقة بالأحكام نحو من خمسمائة آية، و لم أطّلع على خلاف في ذلك.

و روى الكلينيّ، في باب النوادر من كتاب فضل القرآن، عن الأصبغ ابن نباتة، قال: «سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام)، يقول: نزل القرآن أثلاثا:

ثلث فينا و في عدوّنا، و ثلث سنن و أمثال، و ثلث فرائض و أحكام» (1).

و في الصحيح: «عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، و ربع في عدوّنا، و ربع سنن و أمثال، و ربع فرائض و أحكام» (2).

و في رواية أخرى: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ القرآن نزل

____________

(1) الكافي: 2- 627- كتاب فضل القرآن- باب النوادر- ح 2.

(2) الكافي: 2- 627 ح 4 من الباب المذكور.

257

أربعة أرباع: ربع حلال، و ربع حرام، و ربع سنن و أحكام، و ربع خبر ما كان قبلكم و نبأ ما يكون بعدكم و فصل ما بينكم» (1).

و وجه الاحتياج إليه: أنّ استنباط الأحكام من الآيات الأحكاميّة، يتوقّف على العلم بها، و ذلك ظاهر.

فإن قلت: قد ورد في الأخبار أنّ القرآن إنّما يعلمه من خوطب به (2)، و أنّه لا يجوز تفسير القرآن بالرأي (3)، كما (4) رواه الطبرسيّ (5) و غيره، و يدلّ على مضمونه: ما رواه الكلينيّ في باب اختلاف الحديث (6). و في التفسير المنسوب إلى سيّدنا و مولانا أبي محمد الحسن بن عليّ العسكريّ: «فأمّا من قال في القرآن برأيه فإن اتّفق له مصادفة صواب، فقد جهل في أخذه عن (7) غير أهله» (8) و الحديث طويل.

و قال في مجمع البيان: «و اعلم: أنّ الخبر قد صحّ عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلّم) و عن الأئمة (عليهم السلام) القائمين مقامه: أنّ تفسير القرآن لا يجوز إلّا بالأثر الصحيح، و النصّ الصريح» (9) انتهى.

____________

(1) الكافي: 2- 627 ح 3 من الباب المذكور.

(2) ذيل رواية زيد الشحّام. الكافي: 8- 311 ح 485 و بمعناه روايات أخر أوردها في (باب انه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمة (عليهم السلام) و انّهم يعلمون علمه كلّه) سيّما الحديث الثاني و الخامس و السادس منه. الكافي: 1- 228.

(3) تفسير العياشي: 1- 17- 18، عيون اخبار الرضا (عليه السلام): 1- 59- الباب 11 ح 4، أمالي الصدوق: 155 ح 3، التوحيد: 905 ح 5.

(4) كلمة (كما): زيادة من ط.

(5) مجمع البيان: 1- 13- الفن الثالث.

(6) الكافي: 1- 62.

(7) في أ و ب و ط: من.

(8) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 14.

(9) مجمع البيان: 1- 13- الفن الثالث.

258

و أيضا: قد روى الكلينيّ (1)، و عليّ بن إبراهيم [1]، و غيرهما، روايات كثيرة، دالّة على أنّ في القرآن تغييرا و تبديلا كثيرا.

و على هذين الاحتمالين، فلا يصحّ التمسّك بالقرآن في الأحكام الشرعيّة ما لم يكن هناك نصّ، و هو مغن؛ فلا يكون العلم بالكتاب ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد.

قلت: الجواب من وجوه:

الأوّل: أنّ المراد بانحصار علم القرآن و تفسيره، في الأئمة (عليهم السلام)، ما كان من حمل الكلام على خلاف المدلولات الظاهرة.

و أمّا المدلولات الظاهرة: فلا شكّ في حصول العلم بها من الكلام، مثلا: لا شكّ في حصول العلم بالتوحيد من آية قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ (2)، و أَنَّمٰا إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ* (3)، و في حصول العلم بطلب الصلاة من آية:

وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ* (4) و إن كانت الصلاة ممّا يحتاج إلى البيان، و في العلم بأنّ نصيب الذّكر ضعف الأنثى في الميراث في شريفة يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (5)، و في الربع للزوج مع الولد، و النصف مع عدمه،

____________

[1] تفسير علي بن إبراهيم القمّي- المجلّد الثاني: 295 حديث أبي بصير في تفسير الآية 29- الجاثية، و كذا في ص 349 حديثا أبي عبد الرحمن السلمي، و أبي بصير في تفسير الآية 56- الواقعة، و كذا في ص 367 حديث ابن أبي يعفور في تفسير الآية: 11- الجمعة، و في ص 451: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) لو أنّ الناس قرءوا القرآن كما أنزل اللّه ما اختلف اثنان». انظر ما أوردناه فيما تقدم في الهامش (3) من صفحة 147.

____________

(1) الكافي: 8- 50 ح 11، و ص 183 ح 208، و ص 290 ح 437 و 438 و 439 و 440 و ص 377 ح 568، و ص 378 ح 569 و 570 و 571.

(2) التوحيد- 1.

(3) الكهف- 110، و الأنبياء- 108.

(4) البقرة- 43، 83، 110، و النساء- 77، و النور- 56، و المزّمل- 20.

(5) النساء- 11.

259

إلى غير ذلك، بحيث لا يعتريه شكّ و لا يدانيه ريب.

و يؤيّد هذا الوجه:

ما ذكره الطبرسيّ: [من] «أنّ التفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل» (1).

و: أنّ الفقهاء في جميع الأعصار كانوا يستدلون بالآيات القرآنيّة، و كتاب (من لا يحضره الفقيه) مملوء منه، سيّما كتاب المواريث و غيره (2)، و استدلالات الأئمة (عليهم السلام) لأصحابهم الشيعة و لغيرهم بالآيات، ممّا لا يعدّ و لا يحصى.

و حمل الطبرسيّ التفسير بالرأي على عدم مراعاة شواهد الألفاظ، و فيه بعد.

الثاني: أنّ المراد انحصار العلم بكلّ القرآن في الأئمة (عليهم السلام).

و يؤيّده: ما رواه الكلينيّ، في كتاب فضل القرآن: أنّ القرآن اسم للمجموع (3)، و ما رواه في باب الردّ إلى الكتاب و السنّة، أو باب آخر قريب منه من أنّه: «لا يدّعي العلم بجميع القرآن غيرنا إلّا كذّاب» (4).

الثالث: أنّ هاهنا أخبارا معارضة للأخبار الأوّلة، كحديث عرض الحديث على كتاب اللّه، و الأخذ بالموافق و طرح المخالف خلف الحائط (5). و في هذا المضمون أخبار كثيرة بالغة حدّ التواتر، فلو فرض أنّ العلم بالقرآن لا يحصل إلّا بالحديث، لم يكن للعرض فائدة.

و في هذا الوجه دلالة على صحّة الاعتماد على الأصل و ظاهر الحال، من

____________

(1) مجمع البيان: 1- 13- الفن الثالث.

(2) يكفي لصدق هذا المقال ملاحظة خطبة كتاب الكافي للكليني (منه (رحمه اللّه)).

(3) الكافي: 2- 630- كتاب فضل القرآن- باب النوادر ح 11.

(4) الكافي: 1- 228- كتاب الحجّة- باب انه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمة (عليهم السلام)- ح 1 و غيره.

(5) الكافي: 1- 69- كتاب فضل العلم- باب الأخذ بالنسبة و شواهد الكتاب. ذكر بعضها الكليني في خطبة الكافي (منه (رحمه اللّه))، مجمع البيان: 1- 13- المقدمة- الفن الثالث.

260

عدم النسخ و التخصيص، إذ لو كان احتمال النسخ موجبا لعدم صحّة الاعتماد على مدلول الآية، لم يحصل العلم بصحّة الحديث بسبب عرضه على القرآن، سيّما عند تعارض الخبرين.

و على هذا، يسقط ما يتوهّم من أنّه على تقدير العلم بمضمون الآية، فالعلم ببقاء التكليف بمضمونه غير حاصل لنا، لاحتمال النسخ و التخصيص، و إذا حصل التعارض فيجب- على تقدير التكافؤ- حمل الأخبار الأوّلة على المتشابهات، كما لا يخفى.

و أمّا حديث التغيير في القرآن: فهو ممّا نفاه الأكثر، و بالغ فيه السيّد الأجلّ المرتضى في جواب المسائل الطرابلسيّات، و قد نقل كلامه الشيخ الطبرسيّ في أوائل كتاب مجمع البيان (1).

و على تقدير التسليم، فقد روي أيضا جواز العمل بهذا القرآن الموجود، حتّى يقوم قائم آل محمد عليه و عليهم أفضل الصلاة و السلام (2).

و اعلم: أنّه يتصوّر في حقّ المتجزّي استغناؤه عن التفسير، كما لا يخفى، فتأمّل.

و الثاني من القسم الثالث: العلم بالأحاديث المتعلّقة بالأحكام، بأن يكون عنده من الأصول المصحّحة ما يجمعها، و يعرف موقع كلّ باب، بحيث يتمكّن من الرجوع إليها.

و يتصوّر في حقّ المتجزّي الغناء عنها، ببعض الكتب الاستدلاليّة، كما لا يخفى.

و الثالث من الثالث: العلم بأحوال (3) الرّواة في الجرح و التعديل، و لو بالمراجعة إلى كتب الرّجال.

____________

(1) مجمع البيان: 1- 15- الفن الخامس.

(2) انظر ما تقدم في الهامش (2) من ص 148.

(3) كذا في أ و ب و ط، و في الأصل: حال.

261

و وجه الاحتياج إليه: أنّ الاجتهاد بدون التمسّك بالأحاديث غير متصوّر، و ليس كلّ حديث ممّا يجوز العمل به؛ إذ كثير من الرّواة نقلوا في حقّهم أنّهم من الكذّابين المشهورين، فلا شكّ في وجود رواية الكذب (1)، و ربّما لا يمكن التمييز بغير الاطّلاع على حال الراوي.

و هاهنا شكوك:

الأوّل:- و هو ما ذهب إليه الفاضل مولانا محمد أمين الأسترآباديّ- أنّ العلم بأحوال الرّواة غير محتاج إليه للعمل بأحاديث الأحكام (2)، لأنّ أحاديثنا كلّها قطعيّة الصدور عن المعصوم، و ما كان كذلك فلا يحتاج إلى ملاحظة سنده؛ أمّا الكبرى: فظاهرة، و أمّا الصغرى: فلأنّ أحاديثنا محفوفة بقرائن مفيدة للقطع بصدورها عن المعصوم (عليه السلام).

«فمن جملة القرائن: أنّه كثيرا ما نقطع بالقرائن الحاليّة أو المقاليّة، بأنّ الراوي كان ثقة في الرواية، لم يرض بالافتراء، و لا برواية ما لم يكن بيّنا واضحا عنده، و إن كان فاسد المذهب أو فاسقا بجوارحه، و هذا النوع من القرينة وافرة في أحاديث كتب أصحابنا.

و منها: تعاضد بعضها ببعض.

و منها: نقل الثقة العالم الورع- في كتابه الّذي ألّفه لهداية الناس، و لأن يكون مرجع الشيعة- أصل رجل أو روايته، مع تمكّنه من استعلام حال ذلك الأصل، أو تلك الرواية، و أخذ الأحكام بطريق القطع عنهم (عليهم السلام).

و منها: تمسّكه بأحاديث ذلك الأصل، أو بتلك الرواية، مع تمكّنه من أن يتمسّك بروايات أخر صحيحة.

و منها: أن يكون راويه أحد من الجماعة الّتي أجمعت العصابة على

____________

(1) كذا في النسخ. و لعلّه تصحيف: الكذّاب.

(2) الفوائد المدنية: 30 (في إنكاره لما نقله عن العلّامة الحلّي) و انظر أيضا: ص 40 و 53 و 56

262

تصحيح ما يصحّ عنهم.

و منها: أن يكون راويه من الجماعة الّتي ورد في شأنهم من بعض الأئمة (عليهم السلام): «أنّهم ثقات مأمونون» أو: «خذوا عنهم (1) معالم دينكم» أو: «هؤلاء أمناء اللّه في أرضه»، و نحو ذلك.

و منها: وجوده في أحد كتابي الشيخ، و في الكافي، و في (من لا يحضره الفقيه)؛ لاجتماع شهاداتهم على صحّة أحاديث كتبهم، أو على أنّها مأخوذة من تلك الأصول المجمع على صحتها» انتهى كلامه (2).

و ذكر في بيان شهاداتهم: «أنّ ابن بابويه (رحمه اللّه)، ذكر في أوّل كتابه:

«إنّي لا أورد في هذا الكتاب إلّا ما أفتي به، و أحكم بصحته، و هو حجّة بيني و بين ربّي» (3).

و قال محمد بن يعقوب في أوّل الكافي، مخاطبا لمن سأله تصنيفه:

«و قلت: إنّك تحبّ أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدّين، ما يكتفي به المتعلّم، و يرجع إلي المسترشد، و يأخذ عنه من يريد علم الدّين، و العمل به، بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)، فاعلم يا أخي أرشدك اللّه تعالى: أنّه لا يسع أحدا تمييز شيء ممّا اختلفت الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه، إلّا ما أطلقه العالم بقوله (عليه السلام): «اعرضوها على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فردّوه»، و قوله (عليه السلام): «دعوا ما وافق القوم، فإنّ الرشد في خلافهم» و قوله (عليه السلام): «خذوا بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه»، و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلّا أقلّه، و لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم عليه

____________

(1) كلمة (عنهم): ساقطة من الأصل، و أثبتناها من سائر النسخ.

(2) الفوائد المدنية: 89 و كرر دعوى اجتماع شهاداتهم على صحة أحاديث كتبهم في ص 176 منه.

(3) الفقيه: 1- 3.

263

السلام، و قبول ما وسع من الأمر فيه، بقوله (عليه السلام): «بأيّهما (1) أخذتم من باب التسليم وسعكم» و قد يسّر اللّه و له الحمد، تأليف ما سألت، و أرجو أن يكون بحيث توخّيت فمهما كان فيه من تقصير، فلم تقصر نيّتنا في إهداء النصيحة، إذ كانت واجبة لإخواننا و أهل ملّتنا، مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكلّ من اقتبس منه و عمل بما فيه في دهرنا هذا و في غابره إلى انقضاء الدنيا، إذ الربّ عزّ و جل واحد، و الرسول محمد خاتم النبيين (صلوات اللّه و سلامه عليه) واحد، و الشريعة واحدة، و حلال محمّد حلال، و حرامه حرام، إلى يوم القيامة» انتهى (2).

قال: «إنّ كلامه (قدّس سرّه) صريح في أنّه قصد بذلك التأليف إزالة حيرة السائل، و من المعلوم أنّه لو لفّق كتابه هذا ممّا ثبت وروده عن أصحاب العصمة (صلوات اللّه عليهم) و ممّا لم يثبت، لزاد السائل حيرة و إشكالا، فعلم أنّ أحاديث كتابة كلّها صحيحة» (3).

و قال الشيخ الطوسيّ في أوّل الاستبصار (4) ما حاصله: «إنّ الحديث على خمسة أقسام، لأنّه: إمّا متواتر، أو لا. و الثاني: إمّا محفوف بالقرائن المفيدة للقطع، أو لا، و الثاني: إمّا لا يعارضه خبر آخر، أو يعارضه. و الثاني: إمّا إن لم يتحقّق (5) الإجماع على صحّة أحد الخبرين، أو على إبطال الآخر، أو لم يكن كذلك».

و جعل الأقسام كلّها قطعيّة إلّا الأخير؛ أمّا الأوّل- و هو المتواتر-:

فظاهر. و أمّا المحفوف بالقرائن الموجبة للعلم: فظاهر أيضا، فإنّه صرّح بأنه

____________

(1) في النسخ و الكافي- في خطبته-: بأيّما. و ما أثبتناه مطابق لما جاء في ص 66 من المجلد الأول من الكافي.

(2) الكافي: 1- 8- 9 خطبة الكتاب.

(3) الفوائد المدنيّة: 50 و 272- الفائدة الأولى.

(4) الاستبصار: 1- 3- 4 (بتصرّف في اللفظ).

(5) كذا في الأصل، و أ. و في ب أسقط: إن. و في ط أسقط: اما. و لعل الصواب: اما أن لا يتحقق.

264

يجري مجرى المتواتر. و أمّا الثالث- و هو كلّ خبر لا يعارضه خبر آخر-: فإنّ ذلك يجب العمل به، لأنّه من الباب الّذي عليه الإجماع في النقل، إلّا أن تعرف فتاواهم بخلافه- و يفهم منه: أنّ نقل هذا القسم من المعصوم مجمع عليه، و هذا فوق الشهادة بالصحّة- و أمّا الرابع، فقال فيه: «و لأنّه إذا ورد الخبران المتعارضان، و ليس بين الطائفة إجماع على صحّة أحد الخبرين، و لا على إبطال الخبر الآخر، فكأنّه إجماع على صحّة الخبرين، و إذا كان إجماعا على صحتهما، كان العمل بهما، جائزا سائغا» فادّعى الإجماع على صحّة هذا القسم، فعلم منه: أنّ كلّ خبر لا يعلم الإجماع على خلافه، فهو عنده صحيح؛ فهذا شهادة منه على صحّة جلّ الأحاديث، بل كلّها، إذ القسم الخامس ممّا لا يكاد يوجد.

و قال أيضا: «و أنت إذا فكّرت في هذه الجملة، وجدت الأخبار كلّها لا تخلو من قسم من هذه الأقسام و وجدت أيضا ما عملنا عليه في هذا الكتاب و في غيره من كتبنا في الفتاوى في الحلال و الحرام لا يخلو من واحد من هذه الأقسام». و يفهم منه أنّ كلّ حديث عمل هو به فهو عنده صحيح (1).

و قال في أوّل التهذيب: «و أذكر مسألة مسألة، فأستدلّ عليها، إمّا من ظاهر القرآن، أو من صريحه، أو فحواه، أو دليله، أو معناه، و إمّا من السنّة المقطوع بها: من الأخبار المتواترة، أو الأخبار الّتي تقترن إليها القرائن الّتي تدلّ على صحّتها؛ و إمّا من إجماع المسلمين، إن كان فيها، أو إجماع الفرقة المحقّة، ثمّ أذكر بعد ذلك ما ورد من أحاديث أصحابنا المشهورة في ذلك، و انظر فيما ورد بعد ذلك ممّا ينافيها و يضادّها، و أبيّن الوجه فيها، إمّا بتأويل أجمع بينها و بينها، أو أذكر وجه الفساد فيها، إمّا من ضعف إسنادها، أو عمل العصابة بخلاف متضمّنها» (2).

____________

(1) أشار الأسترآبادي إلى ذلك باستشهاده بكلام شيخ الطائفة: الفوائد المدنية: 50 و 67.

(2) التهذيب: 1- 3- المقدمة.

265

و هذا الكلام صريح في أنّ ما لم يتعرض لتأويله أو طرحه، فهو إمّا من المتواتر، أو من المحفوف بالقرائن المفيدة للقطع، أو من الأحاديث المشهورة عند أرباب الحديث. فالأوّلان: ظاهر أنّهما من قبيل القطعيّ، و أمّا الثالث: فهو أيضا كذلك، إذ شهرة الحديث عند أربابه، أيضا ممّا يفيد القطع بصدوره عن المعصوم.

و بيان شهادة الشيخ الطوسيّ (رحمه اللّه) بهذا الوجه الّذي ذكرته في هذه الرسالة، ممّا لم أجده في كلام هذا القائل، بل هو نقل أنّ الشيخ في كتاب العدّة، ذكر: «أنّ ما عملت به من الأخبار فهو صحيح» [1]، و لكنّي تصفّحت العدّة، فما رأيت هذا الكلام فيه.

و ذكر أيضا: «أنّ الشيخ كغيره، كان متمكّنا من إيراد الأخبار الصحيحة، من الكتب القطعيّة الأخبار فلا وجه لتلفيقه الأخبار الصحيحة و الضعيفة، بل هذا ممّا يقطع العقل بسبب العادة بامتناعه.

و يمكن أن يكون قوله: «لاجتماع شهاداتهم على صحّة أحاديث كتبهم» إشارة إلى كلام الكلينيّ، و ابن بابويه رحمهما اللّه تعالى.

و قوله: «أو على أنّها مأخوذة من تلك الأصول، المجمع على صحّتها» إشارة إلى كلام الشيخ الطوسيّ في العدّة، حيث قال:- في بيان جواز العمل بخبر الواحد، الوارد من طريق أصحابنا الإماميّة، المروي عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام)، إذا كان الراوي ممّن لا يطعن في روايته، و يكون سديدا في نقله- «و الّذي يدلّ على ذلك: إجماع الفرقة المحقّة، فإنّي

____________

[1] فقد قال الأسترآبادي: «إن رئيس الطائفة صرّح في كتاب العدّة و في أول الاستبصار بأن كلّ حديث عمل به مأخوذ من الأصول المجمع على صحة نقلها، و نحن نقطع عادة بأنه ما كذب» الفوائد المدنية: 183. و ذكر مثل ذلك أو قريبا منه في ص 41 و 49 و 67 و 177 و 193 و مواضع أخر من الكتاب المذكور.

266

وجدتها مجمعة (1) على العمل بهذه الأخبار، الّتي رووها في تصانيفهم و دوّنوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك و لا يتدافعونه» (2). انتهى. فإنّ هذا الكلام يدلّ على أنّ الأصول الأربعمائة، الّتي كانت للشيعة، كان العمل بها إجماعيّا، و ظاهر: أنّ كتابي الشيخ، أخذ أحاديثهما عنها، بل الكتب الأربعة كلّها كذلك.

و الجواب عن هذا الشكّ: منع كون أخبارنا كلّها قطعيّة، ليلزم الاستغناء عن النّظر في أحوال الرّجال، و ما ذكره من القرائن، لا يدلّ شيء منها على المدّعى.

أمّا الأوّل: فلأنّ العلم بكون الراوي ثقة لا يرضى بالافتراء. إلى آخره- لا يحصل إلّا بالنظر في أحوال الرّجال، و هو ظاهر.

مع: أنّ حصول هذا العلم مطلقا ممنوع، و سيّما مع العلم بكون الراوي فاسد المذهب، أو فاسقا بجوارحه، غايته حصول الظنّ.

و أيضا: وفور هذا النوع من القرينة ممنوع، إذ ظاهر: أنّ خبرا، تكون سلسلة سنده كلّها، رجالا يحصل في كلّ منهم العلم بعدم افترائه و غلطه و سهوه- في غاية الندرة.

و أمّا الثاني: فلأنّ تعاضد البعض بالبعض، لا يوجب حصول القطع بالحديث.

مع: أنّ الأخبار المتعاضدة، المتّحدة المعاني، الّتي لا تكون مشتركة في شيء من رجال السند- قليلة الوجود، فلا توجب الاستغناء المذكور.

و أمّا الثالث: فلأنّ نقل الثقة لا يوجب القطع.

و أيضا: قوله: «مع تمكنه من أخذ الأحكام بطريق القطع» ممنوع، إذ

____________

(1) كذا في أ و ب و المصدر. و في الأصل و ط: مجتمعة.

(2) عدّة الأصول: 1- 47.

267

ظاهر: أنّ الكلينيّ، و ابن بابويه، و الشيخ، (رحمهم اللّه)- لم يكونوا متمكّنين من أخذ الأحكام بطريق القطع عنهم (عليهم السلام).

و لو سلّم إمكان القطع في بعض الأحكام بالنسبة إليهم، فهذا لا يوجب اقتصارهم على إيراد القطعيّات، و ترك غيرها، بل عليهم إيراد الجميع، مع ذكر ما يحصل به التمييز (1) بين المعتمد و غيره، من ذكر رجال أسانيد الأخبار، و قد فعلوا ذلك، و سيجيء بقيّة الكلام فيه إن شاء اللّٰه تعالى.

و أمّا الرابع: فلأنّ الجماعة الّتي نقل الاتفاق على العمل بحديثهم، في غاية القلّة.

مع: أنّه لا يحصل العلم بأنّه منهم إلّا بمعرفة الرّجال.

و أيضا: هذا الإجماع ظنّي، لأنّه منقول من طريق الآحاد (2)، فلا يوجب القطع بالحديث، بل لا يوجبه لو كان متواترا أيضا، لأنّه فرع عدم جواز العمل بغير القطعيّ (3)، و إلّا فيجوز أن يكون عمل العصابة بحديثه، و (4) وصف حديثه بالصحّة، لكونه ثقة يحصل الظنّ بحديثه.

و أيضا: لا يكاد يوجد حديث، يكون جميع رجال السند ممّن أجمعت العصابة على تصحيح حديثه، و هو في غاية الظهور.

و أمّا الخامس: فالكلام فيه كالرابع.

و أمّا السادس: فلأنّ شهادة المشايخ الثلاثة، بل إخبارهم بصحّة أخبار (5) كتبهم، لا يستلزم قطعيّتها عندهم، فضلا عن قطعيّتها عندنا، فإنّه كما أنّ اتّصاف الحديث بالصحّة عند المتأخرين، لا يستلزم قطعيّته، فكذا عند

____________

(1) كذا في أ و ب و ط، و في الأصل: التميز.

(2) كلمة (الآحاد): ساقطة من الأصل، و قد أثبتناها من سائر النسخ.

(3) في أ، و ط: القطع.

(4) الواو: ساقطة من الأصل و ب و ط، و قد أثبتناها من نسخة أ.

(5) كلمة (اخبار): ساقطة من الأصل و قد أثبتناها من سائر النسخ.

268

القدماء؛ إذ الصحيح في مصطلحهم يطلق على الحديث، باعتبار تعاضده بأمور توجب الاعتماد عليه و الركون إليه، و ربّما لا يصير بمجرّد ذلك قطعيّا.

قال الشيخ الفقيه بهاء الملّة و الدّين في فواتح كتاب مشرق الشمسين:

«كان المتعارف بين القدماء إطلاق الصحيح على كلّ حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه، أو اقترن بما يوجب الوثوق به و الركون إليه، و ذلك بأمور:

منها: وجوده في كثير من الأصول الأربعمائة، الّتي نقلوها عن مشايخهم، بطرقهم المتّصلة بأصحاب العصمة (سلام اللّه عليهم)، و كانت متداولة لديهم في تلك الأعصار، مشتهرة بينهم اشتهار الشمس في رائعة النهار.

و منها: تكرره في أصل واحد، أو أصلين منها فصاعدا، بطرق مختلفة و أسانيد عديدة معتبرة.

و منها: وجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الّذين أجمعوا على تصديقهم، كزرارة، و محمد بن مسلم و الفضيل (1) بن يسار، أو على تصحيح ما يصحّ عنهم، كصفوان بن يحيى، و يونس بن عبد الرحمن، و أحمد بن محمد ابن أبي نصر؛ أو على العمل بروايتهم، كعمّار الساباطيّ، و نظرائه، ممّن عدّهم شيخ الطائفة في كتاب العدّة، كما نقله عنه المحقّق في بحث التراوح من المعتبر (2).

و منها: اندراجه في أحد الكتب، الّتي عرضت على أحد الأئمة (عليهم السلام)، فأثنوا على مؤلّفها، ككتاب عبيد اللّه بن علي الحلبيّ، الّذي عرض على الصادق (عليه السلام)، و كتابي: يونس بن عبد الرحمن، و الفضل بن شاذان؛ المعروضين على العسكريّ ع.

و منها: أخذه من أحد الكتب الّتي شاع بين سلفهم الوثوق بها و الاعتماد

____________

(1) في ط: الفضل.

(2) المعتبر: 1- 60.

269

عليها، سواء كان مؤلفوها من الفرقة الناجية الإماميّة، ككتاب الصلاة لحريز ابن عبد اللّه السجستاني، و كتب ابني (1) سعيد، و علي بن مهزيار؛ أو من غير الإماميّة، ككتاب حفص بن غياث القاضي، و كتب الحسين بن عبيد اللّه السعدي، و كتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري.

و قد جرى ثقة الإسلام، رئيس المحدّثين، محمد ابن بابويه- قدّس اللّه روحه- على متعارف القدماء، من إطلاق الصحيح على ما يركن إليه و يعتمد عليه، فحكم بصحّة جميع (2) ما أورده من الأحاديث في كتاب من لا يحضره الفقيه، و ذكر أنّه استخرجها من كتب مشهورة، عليها المعوّل و إليها المرجع» انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه (3).

و إذا كانت الأحاديث ظنّية، فيجب الفحص عن أحوال أسانيدها، حتّى يعلم أنّ هذا الظنّ ممّا يجوز التعويل عليه (4):

لعموم النهي عن اتّباع الظنّ.

و لقوله تعالى إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (5) أو فتثبّتوا (6).

فإن قلت: إخبار العدل بصحّة خبر الفاسق، يخرج الخبر عن كونه خبرا للفاسق، و يدخله في خبر العدل، فلا دلالة في الآية حينئذ على منع العمل به.

قلت: لا نسلّم ذلك، بل الجائي بالنبإ إنّما هو الفاسق، و خبر العدل ليس هو الحديث، بل صحّة خبر الفاسق.

____________

(1) في ط: أبي، و في المصدر المنقول عنه النص: (بني خ ل).

(2) كلمة (جميع): ساقطة من الأصل، و قد أثبتناها من سائر النسخ، و هي مثبتة في المصدر أيضا.

(3) مشرق الشمسين: الصفحة الثانية (المرقّمة ب269 من مجموعة طبعت باسم: رسائل الشيخ بهاء الدين).

(4) كلمة (عليه): ساقطا من الأصل، و قد أثبتناها من سائر النسخ.

(5) الحجرات- 6.

(6) إشارة إلى القراءة الأخرى في الآية. لاحظ: مجمع البيان- ذيل الآية المباركة.

و في ط: أي. بدل: أو.

270

و لا أقلّ: يحصل التعارض، و إثبات شيء من التكاليف يحتاج إلى دليل، فتأمّل.

و أيضا: فالظاهر أنّ إخبار ابن بابويه (رحمه اللّه) بصحّة أخبار كتابة، ليس من حيث علمه بصحّة خصوصيّة كلّ خبر منها، بل لأجل صحّة الكتب الّتي أخذ الأخبار منها.

مع: أنّه كثيرا ما يردّ الأخبار المأخوذة من هذه الكتب بالقدح في أسانيدها، و كثيرا ما يردّ الرواية بأنّه تفرّد فلان بها، و يذكر اسم رجل هو ثقة صاحب كتاب معتمد، كما قال- في أوّل باب وجوب الجمعة و فضلها، في رواية حريز عن زرارة-: «تفرّد بهذه الرواية حريز عن زرارة، و الّذي أستعمله و أفتي به كذا.» إلى آخره (1). فلو كان كتاب زرارة أو حريز عنده قطعيّا، لم يكن تفرّد حريز ضارّا، كما لا يخفى؛ و قال- في كتاب الحجّ، في باب إحرام الحائض و المستحاضة، بعد نقل رواية محمد بن مسلم عن أحدهما-: «و بهذا الحديث أفتي، دون الحديث الّذي رواه محمد بن مسكان، عن إبراهيم بن إسحاق، عمّن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام). الحديث؛ لأنّ هذا الحديث إسناده منقطع، و الحديث الأوّل رخصة و رحمة، و إسناده متّصل» (2). و أمثال ذلك في هذا الكتاب كثير.

و الحاصل: أنّ تعرّضه لقبول الحديث و لردّه (3) بسبب الإسناد كثير، مع وحدة الكتاب المأخوذ منه، و هذا ينافي قطعيّة الكتاب عنده.

و أيضا: تعرّضه لذكر المشيخة على هذا عبث، بل ينبغي على هذا أن يقول: إنّي أخذت الأخبار من الكتب القطعيّة، و الأحاديث قطعيّة، لا يحتاج إلى الاطّلاع على رواتها، و على طريقي إليهم.

____________

(1) الفقيه: 1- 411 في تعليقه على الحديث 1219.

(2) الفقيه: 2- 383 ح 2766، 2767.

(3) في ط: و كذا ردّه.

271

و كذا الكلام على الكليني (1).

مع: أنّ ابن بابويه كثيرا ما يطرح الروايات المذكورة في الكافي:

قال- في باب (الرّجل يوصي إلى رجلين) بعد ما ذكر توقيعا من التوقيعات، الواردة من الناحية المقدّسة-: «هذا التوقيع عندي بخطّ أبي محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام)، و في كتاب محمد بن يعقوب الكلينيّ (رحمه اللّه) رواية (2) خلاف ذلك التوقيع، عن الصادق (عليه السلام)»، ثمّ قال: «لست أفتي بهذا الحديث- مشيرا إلى رواية محمد بن يعقوب- بل أفتي بما عندي بخطّ الحسن ابن علي (عليهما السلام)، و لو صحّ الخبران جميعا لكان الواجب الأخذ بقول الأخير، كما أمر به الصادق (عليه السلام)؛ و ذلك أنّ الأخبار لها وجوه و معان، و كلّ إمام أعلم بزمانه و أحكامه، من غيره من الناس» (3).

و قال- في باب (الوصيّ يمنع الوارث) بعد نقل حديث-: «ما وجدت هذا الحديث إلّا في كتاب محمد بن يعقوب الكلينيّ رضي اللّه عنه، و ما رويته إلّا من طريقه؛ حدّثني به غير واحد، منهم محمد بن محمد بن عصام الكلينيّ، عن محمد بن يعقوب الكلينيّ» (4).

و طرح الشيخ الطوسيّ لأحاديث الفقيه، و الكافي؛ و كذا السيّد المرتضى، و غيرهما- أكثر من أن يحصى، و هذا يدلّ على أنّ هذه الأخبار لم تكن قطعيّة عند قدماء أصحابنا.

هذا، و الأقوى في هذا الزمان: جواز العمل بالأخبار المودعة في الكتب الثلاثة، لمن له أهليّة العمل بالحديث، من دون ملاحظة الأسانيد، بشرط:

عدم المعارض.

____________

(1) كلمة (الكليني): ساقطة من الأصل، و قد أثبتناها من سائر النسخ.

(2) كلمة (رواية): ساقطة من الأصل، و قد أثبتناها من سائر النسخ.

(3) الفقيه: 4- 203 في تعليقه على الحديث 5471، 5472.

(4) الفقيه: 4- 223 معلّقا بذلك على الحديث 5526.

272

و عدم كون مضمونه مخالفا لعمل المشاهير من فقهائنا.

و سيجيء تحقيق حكم صورة التعارض في بحث التراجيح، إن شاء اللّه تعالى.

الشكّ الثاني: شكّ اعتبار مطلق الظنّ، و هو ممّا اختاره بعض الفضلاء (1)، و صورته أن يقال: قد حصل لنا من تتّبع آثار العلماء، أنّهم كانوا يعملون بكلّ ما حصل لهم الظنّ بأنّه مراد المعصوم، سواء كان منشأ حصول هذا الظنّ رواية صحيحة أو لا، مسندة أو لا، مرسلة أو لا؛ إلى غير ذلك.

و يلزم على هذا: أن لا يكون العلم بأحوال الرّواة محتاجا إليه، إذ ربّما يحصل هذا الظنّ من رواية من هو في غاية الضعف، و لا يحصل من رواية من هو في غاية الثقة.

و الجواب: لا نسلّم عمل العلماء بكلّ ما حصل لهم الظنّ به؛ بل الظاهر من أحوال القدماء عدم عملهم إلّا بالقطعيّات، و كلام السيد المرتضى، و ابن إدريس، و ابن زهرة، ينادي بأعلى صوته بمنع العمل بالظنّيات، كما لا يخفى على من له أدنى تتّبع؛ و أكثر هذه الأخبار الضعيفة باصطلاح المتأخرين، كان صحيحا عند القدماء.

و أيضا: لا يجوز أن يكون الظنّ من حيث هو ظنّ مناطا للأحكام الشرعيّة، ما لم يكن ناشئا عمّا ثبت اعتباره شرعا، إذ كثيرا ما يحصل هذا الظنّ بأسباب أخر، مثل: هوى النّفس، أو التعصب، أو الحسد، أو نحو ذلك؛ كما هو محسوس مشاهد، و على هذا، فيحصل الهرج و المرج في الدّين، لاختلاف الناس في هذه الأسباب، فيجب أن يكون الظنّ الّذي يجوز العمل به مضبوطا، بأن يكون ناشئا من الكتاب المجيد (2)، أو الحديث الصحيح، أو

____________

(1) هو المحقق الشيخ حسن في: معالم الدين: 192- قوله: (الرابع ان باب العلم القطعي بالأحكام الشرعية إلى آخره). و تقرير الدليل للمصنف.

(2) كلمة (المجيد): زيادة من أ و ب و ط.

273

مطلقه لو ثبت حجّيته مطلقا.

بل الحقّ: أنّ العمل بهذه الأدلّة ليس عملا بالظنّ، بل عمل بكلام من يجب اتّباعه؛ غاية الأمر الاكتفاء بالظنّ الخاصّ في نسبة هذا الكلام إلى من يجب اتّباعه.

الشكّ الثالث: أنّه وقع الاختلاف في أسباب الجرح. فقيل: الكبائر سبع. و قيل: أكثر. و قيل: بأنّها إضافيّة. و على هذا، لا يمكن الاعتماد على تعديل المعدّل و جرحه، إلّا مع العلم بموافقة مذهبه لمذهب من يريد العمل، و هذا العلم ممّا لا يكاد يمكن حصوله، إذ المعدّلين و الجارحين- و هم:

الكشّيّ، و النجاشيّ، و الشيخ الطوسيّ، و ابن طاوس، و ابن الغضائريّ، و غيرهم- ليس مذهبهم في عدد الكبائر معلوما، بل صرّح الشيخ بتوثيق المتحرّز عن الكذب و إن كان فاسقا في (1) أفعال جوارحه؛ و توثيق بعض المتأخرين، كالعلّامة، و ابن داود، مبني على توثيق القدماء.

و أيضا: اعتبر بعض العلماء [1] في الجرح و التعديل شهادة اثنين، و على هذا: لا يوجد حديث صحيح، يكون جميع رجال سنده معدّلا بتعديل عدلين.

و أيضا: تعديل هؤلاء المعدّلين مبني على غيرهم، مع عدم معلوميّة

____________

[1] كالمحقق الحلّي: معارج الأصول: 150.

و المحقق الشيخ حسن: معالم الدين: 204، و: منتقى الجمان: 1- 16- الفائدة الثانية.

و الشيخ بهاء الدين العاملي: مشرق الشمسين: 4 (المرقمة ب471 تسلسل رسائل الشيخ بهاء الدين) حيث ورد في الهامش: (و الحاصل اني أشترط في الرواية أخبار ثلاثة: و أحد بها، و اثنين بعدالة راويها، و اشترط في التزكية إخبار اثنين لا غير. منه طاب ثراه). و لكن يظهر من المتن خلاف ذلك.

و المحدث الأسترآبادي: الفوائد المدنية: 256- قوله «فائدة: يفهم من هذين الحديثين الشريفين إلى آخره».

____________

(1) زاد في أ في هذا الموضع كلمة: جميع.

274

مذهب هؤلاء أيضا.

و هذا الشكّ ممّا أورده الشيخ الفقيه بهاء الملّة و الدّين فقال: «من المشكلات أنّا نعلم مذهب الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) في العدالة، و أنّه يخالف مذهب العلّامة (رحمه اللّه)، و كذا لا نعلم مذهب بقيّة أصحاب الرّجال، كالكشي، و النجاشي، و غيرهم، ثمّ نقبل تعديل العلّامة (رحمه اللّه) في التعديل على تعديل أولئك. و أيضا: كثير من الرّجال، ينقل عنه أنّه كان على خلاف المذهب ثمّ رجع و حسن إيمانه، و القوم يجعلون روايته من الصحاح، مع أنّهم غير عالمين بأنّ أداء الرواية متى وقع؟ أبعد التوبة؟ أم قبلها؟ و هذان المشكلان لا أعلم أنّ أحدا قبلي تنبّه لشيء منهما» انتهى كلامه [1].

و أيضا: العدالة بمعنى الملكة المخصوصة الّتي ذهب إليها المتأخرون، ممّا لا يجوز إثباته بالشهادة، لأنّ الشهادة و خبر الواحد ليس حجّة إلّا في المحسوسات، و العدالة- بمعنى الملكة المخصوصة- ليست محسوسة، كالعصمة، فلا تقبل فيها الشهادة، فلا يعتمد على تعديل المعدّلين بناء على طريقة المتأخرين، و هذا ممّا أورده الفاضل الأسترآبادي [2].

و أيضا: قد تقرر في محلّه أنّ شهادة فرع الفرع غير مسموعة، و لا تقبل

____________

[1] لم نعثر على هذا النص فيما طبع من آثار و مصنفات الشيخ بهاء الدين، كالزبدة و الوجيزة و الحبل المتين و مشرق الشمسين و ما عليها من حواشيه و تعليقاته، و غيرها، و أمّا مصنفاته التي لم تطبع إلى الآن فلم نعثر على نسخها الخطيّة رغم البحث عنها كحواشيه على القواعد للشهيد الأول، و حواشيه على شرح العضد. هذا و قد نقل النص المذكور أعلاه المحدث البحراني أيضا في: الحدائق الناضرة- المقدمة: 1- 24 (في الهامش).

[2] قد يتصيّد هذا المطلب من مواضع متعددة من كلام الأسترآبادي في الفوائد المدنية منها ما ذكره في ص 247 و 253 فانّ كلماته تلوّح بذلك، و لكن للمحدث الأسترآبادي مصنفات أخرى لعلّ المصنف ينقل هذا النص منها، كالفوائد المكّية الّذي سبق ذكره عند المصنف بالاسم في ص 212 و نقل منه بعض كلام الأسترآبادي و كتعليقاته على المدارك التي وقف عليها المحدث البحراني و نقل منها كلام الأسترآبادي بلفظة في: الدرر النجفية- درّة في الاستصحاب ص 34.

275

[الشهادة] إلّا من الشاهد الأصل و الشاهد الفرع، مع أنّ شهادة علماء الرّجال على أكثر المعدّلين و المجروحين، من شهادة فرع الفرع، إذ ظاهر: أنّ الشيخ الطوسيّ و النجاشيّ و الكشيّ (1)، لم يلقوا أصحاب مثل الباقر و الصادق (عليهما السلام)، و لا أصحاب غيرهما من الأئمة، و كذا ظاهر: عدم ملاقاتهم لمن أدرك أصحاب هؤلاء الأئمة، فلا تكون شهاداتهم إلّا شهادة فرع الفرع بمراتب كثيرة، فكيف يجوز التعويل في الشرع على شهادتهم في الجرح و التعديل؟! و هذا أيضا ممّا أورده المورد المذكور (2).

و أيضا: قلّما يخلو اسم عن اشتراكه بين جماعة بعضهم غير معدّل، و كثيرا ما لا يحصل العلم بأنّ الشخص الواقع في سند الرواية المخصوصة هو ذلك الثقة أو غيره، و قلّما يحصل بكثرة التتبّع ظنّ ضعيف بأنّه هو الثقة لا غير، و اعتبار مثل هذا الظنّ في الشرع، بحيث يعتمد عليه في الأحكام الشرعيّة، ممّا لا دليل عليه، فلا يتحقّق للتعديل فائدة يعتدّ بها، حتّى يكون علم الرّجال محتاجا إليه.

و أيضا: على تقدير العلم بأنّ رجال الرواية الفلانية ثقات، لا يحصل العلم بعدم سقوط جماعة من رجال السّند من البين، فلا يمكن حصول العلم بصحّة الحديث بالاصطلاح المشهور، و حينئذ فلا يحصل أيضا للتعديل فائدة لنا يعتدّ بها.

و قد ذكر صاحب منتقى الجمان: «أنّ في كثير من روايات الشيخ الطوسيّ، عن موسى بن القاسم البجليّ، في كتاب الحجّ- علّة، و ذلك أنّ الشيخ أخذ الحديث من كتاب موسى بن القاسم، و هو قد أخذ الحديث من كتب جماعة، و ذكر أوّل السّند في أوّل رواياته، ثمّ بعد ذلك ذكر صاحب

____________

(1) كلمة (الكشيّ): ساقطة من الأصل، و قد أثبتناها من سائر النسخ.

(2) لم نعثر عليه فيما بأيدينا من مؤلفات الأسترآبادي، نعم في ص 251 من الفوائد المدنيّة ما يناسبه.

276

الكتاب الّذي أخذ الحديث من كتابه، و الشيخ روى تلك الأحاديث من موسى عن صاحب ذلك الكتاب، مع أنّه لم يلقه، فصار الحديث منقطعا معلّلا» انتهى (1). و عدم مثل ذلك غير معلوم في بقيّة أحاديثه، بل و لا في أحاديث غير الشيخ أيضا، غايته حصول الظنّ بالعدم، و جواز الاعتماد على مثل هذا الظنّ في الأحكام الشرعيّة غير معلوم.

و ذكر أيضا: «أنّ الكلينيّ قد لا يذكر أوّل سنده، اعتمادا على إسناد سابق قريب، و الشيخ (رحمه اللّه) ربّما غفل عن المراعاة، فأورد الإسناد من الكافي بصورة وصله بطريق الكلينيّ، من غير ذكر الواسطة المتروكة، فيصير الإسناد في رواية الشيخ له منقطعا، و لكنّ مراجعة الكافي تفيد وصله» انتهى كلامه (2).

و لا يخفى: أنّه لا يؤمن وقوع مثل ذلك من الشيخ (رحمه اللّه) فيما نقله من غير الكافي من كتب الحديث أيضا، و كذا في حقّ غيره كما عرفت.

و أيضا: كثيرا ما يذكر جماعة من الرّواة بعطف بعضهم على بعض، و بعد التتبّع يعلم أنّ العطف سهو، و الواجب نقل البعض عن البعض، و كذا الحال في عكس ذلك.

قال في المنتقى: «و من المواضع الّتي اتّفق فيها هذا الغلط مكررا، رواية الشيخ، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن ابن أبي نجران، و علي بن حديد، و الحسين بن سعيد، فقد وقع في خطّ الشيخ (رحمه اللّه) في عدّة مواضع منها، إبدال إحدى واوي العطف بكلمة (عن) و قد اجتمع الغلط بالنقيصة و بالزيادة في رواية سعد عن الجماعة المذكورة بخطّ الشيخ (رحمه اللّه) في إسناد حديث زرارة: «عن أبي جعفر (عليه السلام) فيمن صلّى بالكوفة ركعتين ثمّ ذكر و هو بمكّة، أو غيرها، أنّه قال: يصلّي ركعتين» فإنّ

____________

(1) منتقى الجمان- المقدمة- الفائدة الثالثة: 1- 25.

(2) منتقى الجمان- المقدمة- الفائدة الثالثة: 1- 24.

277

الشيخ رواه بإسناده عن سعد بن عبد اللّه، عن ابن أبي نجران، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، مع أنّ سعدا إنّما يروي عن ابن أبي نجران بواسطة أحمد بن محمد بن عيسى، و ابن أبي نجران يروي عن حمّاد بغير واسطة، كرواية الحسين ابن سعيد عنه، و نظائر هذا كثيرة» انتهى كلامه (1).

و أيضا: حكم الحاكم بتعديل المعدّلين و جرح الجارحين، حكم بشهادة الميّت، و هو ظاهر.

و الجواب عن جميع هذه الشكوك العشرة المذكورة هاهنا- بعد إمكان الأجوبة الجدليّة عن كلّ منها- هو: أنّ أحاديث الكتب الأربعة، أعني، الكافي، و الفقيه، و التهذيب، و الاستبصار؛ مأخوذة من أصول و كتب معتمدة معوّل عليها، كان مدار العمل عليها عند الشيعة، و كان عدّة من الأئمة (عليهم السلام) عالمين (2) بأنّ شيعتهم يعملون بها في الأقطار و الأمصار، و كان مدار مقابلة الحديث و سماعه في زمن العسكريين (عليهما السلام)، بل بعد زمن الصادق (عليه السلام)، على هذه الكتب، و لم ينكر أحد من الأئمة (عليهم السلام) على أحد من الشيعة في ذلك، بل قد عرض عدّة من الكتب عليهم، ككتاب الحلبي، و كتاب حريز (3) و كتاب سليم بن قيس الهلالي، و غير ذلك، و العلم بأخذ الكتب الأربعة من هذه الأصول المعتمدة، يحصل من إخبار المحمّدين الثلاثة (رحمهم اللّه)، على ما مرّ مفصّلا، و من شهادة القرائن بأنّ تمكّنهم من أخذ الأخبار من هذه الكتب المعتمدة، يمنعهم من أخذها من الكتب الّتي لا يجوز العمل بها؛ و العادة شاهدة بأنّ من صنّف كتابا، و تمكّن من إيراد ما هو الحقّ عنده، لا يرضى بإيراد المشتبهات و المشكوكات.

إذا عرفت هذا، فنقول: إنّا لمّا حصل لنا علم عاديّ بأنّ أخبار الكتب

____________

(1) منتقى الجمان- المقدمة- الفائدة الثالثة: 1- 26.

(2) كذا الظاهر، و في النسخ: عالما.

(3) عبارة (و كتاب حريز): ساقطة من الأصل، و قد أثبتناها من سائر النسخ.

278

الأربعة مأخوذة من كتب معتمدة بين الشيعة، فنحن لا نحتاج إلى العلم بأحوال الرّجال فيما لا معارض له، و أمّا مع التعارض: فنحن نتفحّص عمّا يحصل به رجحان أحد المتعارضين على الآخر عند النّفس: من العرض على كتاب اللّه، و على مذهب العامّة، و من حال الراوي، و كثرته، و ثقته، و نحو ذلك؛ و لا شكّ في حصول الرجحان عند النّفس بسبب تعديل المعدّلين، و إن ورد عليه ما ذكر من الشكوك، و من لم يحصل عنده رجحان بذلك، فحكمه ما سيجيء في بحث التراجيح، إن شاء اللّه تعالى.

فإن قلت: فعلى هذا تكون أخبار الكتب الأربعة قطعيّة الصدور من المعصوم، كما قال به المورد المذكور.

قلت: لا يلزم من كون جواز العمل بهذه الكتب قطعيّا، كون أخبارها قطعيّة الصدور من المعصوم، إذ يجوز من المعصوم (عليه السلام) تجويز العمل بكتاب مشتمل على الأخبار الكثيرة، بحيث يعلم عدم صدور بعضها منه و من غيره من الأئمة، لعدم تمكّنه من تمييز (1) الصحيح من غيره، لتقيّة، أو ضيق وقت، أو نحو ذلك، و هذا غير خفيّ.

فإن قلت: فإذا جاز العمل بما في هذه الكتب، فلا يحتاج في العمل إلى العلم بأحوال الرّجال عند التعارض أيضا، إذ يصير من قبيل تعارض القطعيّين، و حكمه: العرضان، أو التخيير، أو التوقّف، أو الاحتياط؛ كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.

قلت: قد عرفت أنّ قطعيّة العمل لا تقتضي قطعيّة الحديث، و نحن قد حصل لنا القطع بجواز العمل في صورة عدم التعارض، و لهذا ترى جلّ الفقهاء بل كلّهم يستدلون على المطالب بالأخبار الضعيفة السند، و يكفي في ذلك ملاحظة الكتب الاستدلالية للشيخ، و السيّد المرتضى، و العلّامة،

____________

(1) كذا في أ و ب و ط، و في الأصل: تمييز.

279

و المحقق، و ابن إدريس، و غيرهم. و أمّا مع التعارض فقد وجدناهم لا يطرحون المتعارضين، بل يفتشون عمّا يحصل به عندهم رجحان أحدهما على الآخر في أنفسهم من ملاحظة حال الراوي، و نحو ذلك.

و الحاصل: أنّ المعلوم هو جواز العمل بهذه الأخبار عند عدم التعارض، و أمّا في صورة التعارض فجواز العمل بأحدهما مع إمكان ترجيح أحدهما على الآخر- بملاحظة حال الراوي، أو نحوه- غير معلوم؛ بل المعلوم من حال السلف عدم العمل بدون التفتيش، فيحتاج إلى التفتيش (1) عن حال الرّواة، لأنّه من جملة ما يحصل به الترجيح ضرورة.

على: أنّ الشكوك المذكورة مصادمة للضرورة، إذ ربّما يحصل من التفتيش العلم العادي بعدالة بعض الرّواة و ضبطه و ديانته، فإنّا بعد التفتيش حصل لنا القطع بثقة مثل سلمان الفارسيّ رضي اللّه عنه، و المقداد، و أبي ذر، و عمّار، رضي اللّه عنهم، و نظرائهم، و زرارة، و بريد (2)، و أبي بصير المرادي، و الفضيل، و نظرائهم، و جميل بن درّاج، و صفوان، و ابن أبي عمير، و البزنطي، و نظرائهم؛ و إنكار ذلك مكابرة.

و ربّما نحكم بعدالة شخص لم نره، و لم يشهد عندنا من نعتمد على قوله، بل بمجرّد الاطلاع على أحواله و سيرته؛ و علمنا بعدالة مثل الشيخ أبي جعفر الطوسيّ، و السيّد المرتضى، و المحقّق، و أمثالهم- من هذا القبيل؛ فإنّا قبل ملاحظة كتب الرّجال كان هذا العلم حاصلا لنا من تقديم العلماء إياهم و الاقتداء بهم، إلى غير ذلك من القرائن، فلا يلزم من الشكوك المذكورة سدّ باب الاحتياج إلى علم الرّجال و التفتيش عن أحوالهم.

نعم هذا العلم لا يحصل إلّا في قليل من الرّواة غير أصحاب الأصول.

____________

(1) قوله (فيحتاج إلى التفتيش): ساقط من الأصل و ب، و أثبتناه من نسختي أ و ط.

(2) في أ و ط: يزيد.

280

و أمّا أصحاب الأصول: فيمكن تحصيل هذا العلم في كثير منهم.

ثمّ تحصيل العلم بأنّ الرّجال الّذين بينهم و بين مصنّفي الكتب الأربعة، من شيوخ الإجازة؛ فلا يضرّ عدم عدالتهم في صحّة الحديث.

و أيضا: فإنّ بعض الرّواة قد وردت الأخبار من الأئمة الأطهار بلعنهم، و ذمّهم، و الاجتناب عنهم، و بأنّهم من الكذّابين و المفترين، مثل: فارس بن حاتم القزويني، و أبي الخطّاب محمد ابن أبي زينب، و المغيرة بن سعيد، و نظرائهم، و يشكل جواز العمل بروايات هؤلاء الملعونين الكذّابين، و إن كانت موجودة في الكتب الأربعة، إلّا أن تكون معتضدة بإحدى القرائن المذكورة، لأنّا لا نعلم أنّ قدماءنا كانوا يعملون بأخبار هؤلاء، و إن كانت مودعة في الأصول المعتمدة، فيحتاج إلى معرفة الرّجال ليتميّز (1) من نصّ بعدم جواز العمل بروايتهم عن غيرهم.

و اعلم: أنّ هاهنا أشياء أخر، سوى العلوم المذكورة، لها مدخليّة في الاجتهاد، إمّا بالشرطيّة، أو المكمّليّة:

الأوّل: علم المعاني.

و لم يذكره الأكثر في العلوم الاجتهادية، و جعله بعضهم من المكمّلات، و عدّه بعض العامّة من الشرائط (2)، و هو المنقول عن السيّد الأجلّ المرتضى في الذريعة [1]، و عن الشهيد الثاني في كتاب آداب العالم و المتعلّم (3)، و عن الشيخ

____________

[1] لم يزد السيد في الذريعة على القول بأنّ (الّذي يجب أن يكون عليه المفتي هو أن يعلم الأصول كلّها على سبيل التفصيل و يهتدى إلى حلّ كل شبهة تعترض في شيء منها، و يكون أيضا عالما بطريقة استخراج الأحكام من الكتاب و السنة و عارفا من اللغة و العربية بما يحتاج إليه في ذلك):

الذريعة: 2- 800.

____________

(1) كذا في ب، و في الأصل و ط: لتميز و في ا: لتمييز.

(2) لم أعثر على مأخذ ذلك في ما لديّ من المصادر.

(3) المسمّى ب: منية المريد في آداب المفيد و المستفيد: الخاتمة- المطلب الأول- الفصل الثاني- ص 225.

281

أحمد المتوّج البحراني في كتاب كفاية الطالبين (1).

الثاني: علم البيان.

و لم يفرّق أحد بينه و بين علم المعاني في الشرطيّة و المكمّلية إلّا ابن جمهور (2)، فإنّه عدّ علم المعاني من المكمّلات، و سكت عن البيان و علّل ب: أنّ أحوال الإسناد الخبريّ، إنّما يعلم فيه، و هو من المكمّلات للعلوم العربية.

الثالث: علم البديع و لم أجد أحدا ذكره إلّا ما نقل عن الشهيد الثاني في الكتاب المذكور (3)، و صاحب كفاية الطالبين (4)، فإنّهما عدّا العلوم الثلاثة أجمع في شرائط الاجتهاد.

و الحقّ: عدم توقّف الاجتهاد على العلوم الثلاثة، أمّا على تقدير صحّة التجزّي: فظاهر، و أمّا على تقدير عدم صحّة التجزّي: فلأنّ فهم معاني العبارات لا يحتاج فيه إلى هذه العلوم، لأنّ في هذه يبحث عن الزائد على أصل المراد.

فإنّ المعاني: علم يبحث فيه عن الأحوال الّتي بها يطابق الكلام لمقتضى الحال، كأحوال الإسناد الخبري، و المسند إليه و المسند و متعلقات الفعل، و القصر و الإنشاء، و الفصل و الوصل، و الإيجاز و الإطناب و المساواة.

و بعض مباحث القصر و الإنشاء المحتاج إليه يذكر في كتب الأصول.

و البيان: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة. و ما يتعلّق

____________

(1) كفاية الطالبين ص 38 من مخطوطة محفوظة برقم 2805، و: الصفحة قبل الأخيرة من مخطوطة أخرى محفوظة برقم 7212، و: الصفحة قبل الأخيرة أيضا من مخطوطة ثالثة محفوظة برقم 2538، ثلاثتها من نفائس مكتبة (آستان قدس رضوي) في مشهد- إيران.

(2) كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال- ورقة 8 أ- من مخطوطة محفوظة برقم 4700 في مكتبة آية اللّه العظمى النجفي المرعشي العامّة بقم- إيران، و: ورقة 4 أ- من مخطوطة أخرى محفوظة ضمن مجموعة برقم 6322 في المكتبة المذكورة.

(3) منية المريد: 225.

(4) أشرنا إلى المأخذ آنفا.

282

بالفقه من أحكام الحقيقة و المجاز مذكور في كتب الأصول أيضا.

و البديع: علم يعرف به وجوه محسّنات الكلام. و ليس شيء من مباحثه ممّا يتوقّف عليه الفقه.

نعم، لو ثبت تقدّم الفصيح على غيره، و الأفصح على الفصيح، في باب التراجيح- أمكن القول بالاحتياج إلى هذه العلوم الثلاثة لغير المتجزّي، و له- في بعض الأحيان- إذ فصاحة الكلام و أفصحيّته ممّا لا يعلم في مثل هذا الزمان إلّا بهذه العلوم الثلاثة، و كذا على تقدير تقدّم الكلام الّذي فيه تأكيد أو مبالغة على غيره، و سيجيء الكلام على هذه الأمور في باب التراجيح إن شاء اللّه تعالى، و لكن لا شكّ في مكمّليّة هذه العلوم الثلاثة للمجتهد.

الرابع: بعض مباحث علم الحساب، كالأربعة المتناسبة، و الخطئين و الجبر و المقابلة (1)؛ و هو أيضا مكمّل و ليس شرطا، أمّا في المتجزّي: فظاهر، و أمّا في غيره: فلأنّه ليس على الفقيه إلّا الحكم باتّصال الشرطيّات، و أمّا تحقيق أطراف الشرطيّة فليس في ذمّته، مثلا: عليه أن يحكم بأنّ من أقرّ بشيء فهو مؤاخذ به، و ليس عليه بيان كمّية المقرّ به في قوله: (لزيد عليّ ستة إلّا نصف ما لعمرو، و لعمرو عليّ ستة إلّا نصف ما لزيد) مثلا، فتأمّل.

الخامس: بعض مسائل علم الهيئة، مثل ما يتعلّق، بكرويّة الأرض، للعلم بتقارب مطالع بعض البلاد مع بعض أو تباعدهما، و كذا لبعض مسائل الصوم، مثل: تجويز كون الشهر ثمانية و عشرين يوما بالنسبة إلى بعض الأشخاص.

السادس: بعض مسائل الهندسة، كما لو باع بشكل العروس مثلا (2).

____________

(1) تجد توضيح هذه المصطلحات في: مفتاح السعادة: 1- 370، و: أبجد العلوم: 2- 263.

(2) شكل العروس- عند القدماء من علماء الهندسة- عبارة عن: كلّ مثلث قائم الزاوية، فانّ مربّع وتر زاويته القائمة يساوي مربّعي ضلعيها و إنما سمّي به لحسنه و جماله. انظر: كشّاف اصطلاحات الفنون: 1- 785.

283

السابع: بعض مسائل الطبّ، كما لو احتاج إلى تحقيق (القرن) و نحوه.

و ليست هذه العلوم محتاجا إليها، لما عرفت، و إلّا لزم الاحتياج إلى بعض الصنائع، كالعلم بالغبن، و العيوب، و نحو ذلك.

الثامن: فروع الفقه.

و لم يذكره الأكثر في الشرائط.

و الحقّ: أنّه لا يكاد يحصل العلم بحلّ الأحاديث و محاملها بدون ممارسة فروع الفقه.

التاسع: العلم بمواقع الإجماع و الخلاف، لئلا يخالف الإجماع.

و هذا شرط لا يستغني غير المتجزّي عنه؛ و هذا العلم إنّما يحصل في هذا الزمان بمطالعة الكتب الاستدلاليّة الفقهية، ككتب الشيخ، و العلّامة، و نحوها.

العاشر: أن تكون له ملكة قويّة، و طبيعة مستقيمة، يتمكّن بها من ردّ الجزئيات إلى قواعدها الكلّية، و اقتناص (1) الفروع من الأصول؛ و ليس هذا الشرط مذكورا في كلام جماعة من الأصوليين.

و تحقيق المقام: أنّ الدليل النقلي إذا كان ظاهرا أو نصّا في معناه، و لم يكن له معارض، و لا لازم غير بيّن، و لا فرد غير بيّن الفرديّة؛ فلا يحتاج الحكم بمعناه و العمل به إلى هذا الشرط، بل تكفي الشرائط السابقة، مثلا: في العلم بأنّ الكرّ من الماء لا ينجس بمجرّد ملاقاة النجاسة، من قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كرّ (2) لم ينجسه شيء» (3)- لا يحتاج إلى أكثر من العلم بمعاني

____________

(1) في ب: اقتباس.

(2) كذا في ب، و في سائر النسخ: كرّا. بدل: قدر كرّ.

(3) كذا الحديث في النسخ، و المرويّ: «إذا كان الماء. إلى آخره» الكافي: 3- 2- كتاب الطهارة- باب الماء الّذي لا ينجسه شيء- ح 1. التهذيب: 1- 39- 40- ح 107- 109.

نعم روى في غوالي اللئالي: 1- 76 و: 2- 6: «إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا».

284

مفردات هذا الحديث من اللّغة و الصرف، و بالهيئة التركيبيّة من النحو؛ و هذا ضروريّ.

و أمّا عند وجود المعارض: فيحتاج إلى الملكة المذكورة للترجيح، و كذا للعلم باللّوازم غير البيّنة، كالحكم بوجوب المقدّمة، و النهي عن الأضداد عند الأمر بالشيء، و بمفهوم الموافقة و المخالفة، و نحوها، و ربّما يحتمل كفاية العلم بالمطالب الأصولية لهذا القسم.

و العمدة في الاحتياج إلى الملكة إنّما هو للحكم بفرديّة ما هو غير بيّن الفرديّة للكلّي المذكور في الدليل، أو لمعارضة، أو لمقدّمته، أو لضدّه، أو نحو ذلك.

مثلا: للعلم باندراج الكرّ الملفّق من نصفين نجسين مع عدم التغيّر- في الحديث المذكور، حتّى يحكم بصيرورته طاهرا، أو بعدم اندراجه فيه، فيحكم ببقائه على النجاسة؛ يحتاج إلى تأمّل تامّ و فهم ذكيّ (1).

و كذا في اندراج من عنده من الماء ما لا يكفيه للوضوء إلّا مع مزجه بمضاف لا يسلبه الإطلاق، في: (غير الواجد للماء) فيصحّ تيمّمه، أو في نقيضه: و هو (الواجد للماء) فيبطل تيمّمه.

و كذا في اندراج الخارج من بيته للسفر قبل حدّ الترخّص- في (الحاضر) فيتمّ الصلاة، أو في (المسافر) فيقصر.

و كذا في اندراج حاجّ في طريقه عدوّ، لا يندفع إلّا بمال، و هو يقدر على ذلك المال- في (المستطيع) فيجب عليه الحجّ، أو عدم اندراجه فيه فلا يجب.

و هذا القسم من الكثرة بحيث لا يعدّ و لا يحصى، و معظم الخلافات بين الفقهاء يرجع إلى هذا، و لا شكّ في أنّ العلم (2) بهذا القسم- ليعمل لنفسه،

____________

(1) كذا في أ و ط، و في الأصل و ب: زكي.

(2) في الأصل: للعلم، و ما أثبتناه مطابق لسائر النسخ.

285

أو ليفتي غيره- يحتاج إلى ملكة قويّة، و فهم ذكيّ (1)، و طبع صفيّ.

و يجب الاجتناب في الحكم بأنّ هذا الشيء الجزئي فرد لهذا الكلّي و مندرج فيه- عن الاعتماد على الظنون الضعيفة و الناشئة عن الهوى النفسانيّ، و ينبغي أن يختبر نفسه في الاستقامة بمجالسة العلماء، و مذاكرتهم، و تصديق جماعة منهم باستقامة طبعه، بحيث يحصل له الجزم بسببه بعدم اعوجاجه في الأغلب، و إلّا فلا يعتمد على اعتقاداته في الأحكام الّتي من هذا القبيل؛ و ربّما قيل: بجواز الاعتماد على شهادة عدلين خبيرين (2) بذلك، و هو محلّ تأمّل مع عدم حصول الجزم من شهادتهما بانتفاء القرائن.

فإن قلت: اعتبار هذا الشرط يستلزم عدم العلم بوجود المجتهد، و التالي باطل، فكذا المقدّم.

أمّا بيان الملازمة: فلأنّ الملكة المذكورة أمر غير منضبط (3)، لأنّه لا يكاد يتّفق اثنان فيها، لاختلاف الطبائع غاية الاختلاف- فليس هاهنا مرتبة معيّنة يمكن أن يقال: إنّ (4) من له هذه المرتبة مجتهد دون من هو دونها- فلا يمكن تحصيل العلم باجتهاد أحد.

و أمّا بطلان التالي: فلأنّه لا تتمّ التكاليف في مثل هذا الزمان بدون العلم بالاجتهاد، إذ غير المجتهد لا يجوز له العمل باعتقاداته، و لا يجوز لغيره العمل بقوله، لما مرّ من الأدلة على اعتبار كلّ شرط من الشرائط المذكورة للعمل بالأحكام الشرعيّة.

و أيضا: اعتبار هذا الشرط يستلزم عدم وجوب الاجتهاد كفاية، و التالي باطل.

____________

(1) كذا في أ و ط، و في الأصل و ب: زكي.

(2) كذا في ب و ط، و في الأصل و أ: خيرين.

(3) ذهب إلى ذلك المحدث الأسترآبادي: الفوائد المدنيّة: 93- الوجه الثامن.

(4) كلمة (إنّ): زيادة من ط.

286

بيان الملازمة: أنّ هذه الملكة أمر موهبيّ من اللّه تعالى، لا يمكن اكتسابه، و إن أمكن تقويته في الجملة بالكسب، فإنّا نرى جماعة لا يمكنهم تحصيل مسائل لها عراقة في النظريّة في الجملة، و إن صرفوا أعمارهم في تحصيلها، بل نشاهد جماعة لا يمكنهم إلّا تحصيل قليل من النظريّات بعد الكدّ التامّ و السعي البليغ، فعلم أنّ هذه الملكة ممّا لا تحقّق لها في أكثر الناس، فلم يكن الاجتهاد واجبا عليهم، و إلّا لزم التكليف بما لا يطاق.

و أمّا بطلان التالي: فلأنّهم بين قائل بوجوبه العينيّ، كما نقله الشهيد في الذكرى عن قدماء أصحابنا و فقهاء حلب (1)، و بين قائل بوجوبه الكفائيّ، و من خواصّ الواجب الكفائي إثم الكلّ بتركه.

لا يقال: الاجتهاد ليس واجبا كفائيا بالنسبة إلى كلّ المكلّفين، بل بالنسبة إلى صاحبي الملكة، فعلى تقدير انتفائه لا يلزم إلّا أثم صاحبي الملكة المذكورة.

لأنّا نقول: شرط التكليف إعلام المكلّف، و قبل (2) الاجتهاد لا يتميّز صاحب الملكة عن غيره، فلا يعلم أحد أنّه مكلّف بالاجتهاد (3)، لعدم علمه بأنّه صاحب الملكة.

و أيضا: يلزم تأثيم (غير المعيّن) و إنّه غير معقول، كما صرّحوا به في تحقيق الواجب الكفائيّ.

و أيضا: هذا الجواب خلاف ما صرّحوا به من تأثيم الكلّ بترك الاجتهاد.

و الجواب الحقّ عن كلا البحثين: أنّا ما ادّعينا اعتبار الملكة المذكورة في مطلق المجتهد بل اعتبرناها في المجتهد المطلق؛ لما عرفت أنّ العلم بمعاني الأدلّة

____________

(1) الذكرى: 2- المقدمة- الإشارة الثانية. لكن فيه: بعض قدماء الإماميّة.

(2) في الأصل: و قيل. و ما أثبتناه مطابق لسائر النسخ.

(3) في الأصل: الاجتهاد. و ما أثبتناه مطابق لسائر النسخ.

287

الشرعيّة- الناصّة أو الظاهرة في معناها بلا معارض- غير محتاج إلى الملكة، و الاحتياج إليها إنّما هو لأجل العلم بحكم التراجيح، أو اللّوازم غير البيّنة، أو الجزئيات غير البيّنة الاندراج تحت القواعد الكلّية، و نحو ذلك.

فإن أراد المعترض بالاستغناء عن الملكة: الاستغناء في القسم الأوّل؛ فنعم الوفاق.

و إن أراد: الاستغناء في هذه الأقسام الأخر؛ فلا يخلو: إمّا إن أراد عدم الاحتياج إلى استعلام هذه الأقسام، أو أراد عدم الاحتياج في استعلام هذه الأقسام إلى الملكة المذكورة:

فإن أراد الأوّل؛ فبطلانه ظاهر، فإنّه كثيرا ما يقع الاحتياج إلى العلم بحال هذه الأقسام، مثلا:

ربّما نحتاج إلى أن نعلم أنّ نصفي كرّ من الماء كلّ منهما نجس- هل يطهران بمزجهما؟ أو لا؟ و هذا العلم لا يحصل إلّا بأن نعلم هل هو مندرج في قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا» (1)؟ أو لا؟ و هو يحتاج إلى الملكة المذكورة.

و كذا نحتاج إلى أن نعلم: أنّ الحاجّ متى كان في طريقه عدوّ لا يندفع إلّا بمال، و هو يقدر على إعطاء ذلك المال- هل هو داخل في (المستطيع إلى الحجّ)؟ أو لا؟

و كذا نحتاج إلى أن (2) نعلم: هل الدّين المضيّق يبطل الصلاة في أوّل الوقت؟ أو لا؟ إذ ظاهر: أنّ القول ببطلانها، يتوقّف على إتمام الدليل الدالّ على أنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن الضدّ الخاصّ. و القول بصحتها يتوقّف على القدح في الدليل المذكور، و كلاهما لا يتمّ بدون الملكة.

____________

(1) غوالي اللئالي 1- 76 و 2- 6.

(2) كلمة (أن): ساقطة من الأصل، و قد أثبتناها من سائر النسخ.

288

و مثل هذه المسائل المحتاج إليها أكثر من أن يحصى.

و إن أراد الثاني- أي: عدم الاحتياج لاستعلام مثل هذه المسائل إلى الملكة المذكورة- فبطلانه من أجلى البديهيّات، لأنّا لا نعني بالملكة إلّا حالة بها يتمكّن من ترجيح أحد طرفي هذه المسائل، فلا يتصوّر العلم بالنفي أو الإثبات في هذه المسائل إلّا بالملكة، فعلم أنّ الدليل على الاستغناء في هذه الأقسام شبهة في مقابل الأمر القطعيّ.

و تفصيل الجواب عن الاعتراض الأوّل: منع استلزام اعتبار الملكة المذكورة في الاجتهاد المطلق، عدم العلم بوجود المجتهد:

أمّا في الاجتهاد و العلم بالأحكام الّتي هي من قبيل القسم الأوّل من القسمين المذكورين: فظاهر؛ لأنّا لم نعتبرها فيه.

و أمّا في القسم الثاني: فلأنّ الاطّلاع على هذه الملكة ليس بمتعذّر، بل و لا بمتعسّر غاية التعسّر، بل يمكن:

بالمعاشرة.

و بإخبار الجماعة.

و بشهادة العدلين المطّلعين على قوله (1).

و بنصب نفسه متعرضا للفتوى بمجمع خلق كثير- على ما قيل.

و بعرض ترجيحاته المخترعة على ترجيحات من هو معلوم أنّه صاحب الملكة.

و بنحو ذلك، كما سيجيء إن شاء اللّه في مسألة على حدة.

و عدم انضباط الملكة المذكورة- بمعنى: أنّ لها مراتب مختلفة- لا يوجب عدم العلم بها؛ لأنّ المراد بها: حالة يتمكّن بها من ردّ الفروع إلى الأصول، بحيث لا يقع الغلط منه غالبا، و لها مراتب كثيرة، المتّصف بكل منها ممّن يتعلّق

____________

(1) كذا في ب، و في سائر النسخ: قول.

289

به أحكام المجتهد.

و عن الاعتراض الثاني: أيضا منع الملازمة، و البيان الّذي ذكره لم يكن دالا على نفي الوجوب الكفائيّ عن مطلق الاجتهاد؛ إذ (1) قد عرفت مرارا عدم اعتبار الملكة المذكورة في العلم بالأحكام الّتي هي من قبيل القسم الأوّل من القسمين المذكورين آنفا.

فإن قلت: فهل الاجتهاد في الأحكام الّتي هي من قبيل القسم الثاني واجب؟ أو لا؟

قلت: يمكن أن يقال: إنّه واجب كفائيّ بالنسبة إلى صاحب الملكة (2).

قوله: «شرط التكليف إعلام المكلّف، و قبل الاجتهاد لا يتميّز صاحب الملكة عن غيره» إلى آخره.

قلنا: قبل الاجتهاد في القسم الثاني من الأحكام، و بعد الاجتهاد في القسم الأوّل- يتميّز صاحب الملكة عن غيره بإحدى الطرق المذكورة سابقا، و لا يلزم تأثيم غير المعيّن؛ لأنّ عدم التعيين قبل الاجتهاد- في القسم الأوّل من الأحكام- مستند إلى تقصيرهم من ترك الاجتهاد بالكلّية، و بعده يتحقّق التعيين لو لم يقصّروا بترك الفحص عن حالهم. و تصريحهم إنّما هو بتأثيم الكلّ بعدم الاجتهاد بالكلّية، فتأمّل.

و قال مولانا محمد أمين الأسترآباديّ: «الّذي ظهر لي من الروايات: أنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم في كلّ وقت، بقدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت، و لا يجب كفاية طلب العلم بكلّ ما تحتاج إليه الأمّة كما قالته العامّة- لأنّه غير منضبط بالنسبة إلى الرعيّة، و التكليف بغير المنضبط محال، كما تقرر في الأصول في مبحث علّة القياس؛ بل يفهم من الروايات: أنّ علم الرعيّة

____________

(1) كذا في أ و ب و ط، و في الأصل: و إذ.

(2) في أ و ط: صاحبي الملكة.

290

بجميع ذلك من المحالات» انتهى (1).

وهم و تنبيه (2): قد بالغ مولانا المدقّق محمد أمين الأسترآباديّ في إنكار الاجتهاد،

و زعم أنّ المجتهد فيه لا يكون إلّا ظنّيا، و أحكامنا كلّها قطعيّة؛ لما مرّ من أنّ (3) القرآن و السنّة النبويّة، لا يجوز العمل بهما إلّا بعد تحقّق ما يوافقهما في كلام العترة الطاهرة، و أخبار العترة الطاهرة كلّها قطعيّة، لما مرّ من الوجوه (4).

و جوابه:

أوّلا: أنّ اشتراط كون المجتهد فيه ظنّيا، ليس إلّا في كلام العامّة و العلّامة و قليل من أصحابنا. و الأكثر منّا: لم يذكروا الظنّ في تعريف الاجتهاد فقطعيّة الأحكام لا تنافي صحّة الاجتهاد؛ مع أنّه في الحقيقة راجع إلى نزاع لفظيّ.

و ثانيا: أنّا لا نسلّم قطعيّة صدور أحاديثنا (5) كلّها من المعصوم، و قد مرّ الكلام فيه.

و بعد التسليم: لا يلزم قطعيّة الحكم، بل قلّما تبلغ دلالة الأخبار على

____________

(1) الفوائد المدنيّة: 241.

(2) في ط: تذنيب. بدل: وهم و تنبيه.

(3) كلمة (أنّ): ساقطة من الأصل، و قد أثبتناها من سائر النسخ.

(4) هذا هو خلاصة ما أفاده المحدث الأسترآبادي في الفوائد المدنية في موارد متعددة، انظر: ص 28 و 40 و 47 و 49 و 63 و 91 و 135- 136 و 164 و 253 منه.

(5) في ط: قطعية أخبارنا.