الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - ج1

- الفيض الكاشاني المزيد...
928 /
5

[تقديم]

الحمد للّه ربّ العالمين، و أفضل الصلاة و أتمّ التسليم على الحبيب المصطفى و آله الحماة الميامين.

و بعد، فانّ الحديث في اصطلاح المحدّثين و المتكلّمين عبارة عن قول المعصوم (عليه السلام)، أو فعله، أو تقريره لحكم أو موضوع شرعيّ، و في هذا المفهوم يترادف الحديث و السنّة تقريبا، لأنّ السنّة أيضا في اصطلاح المحدّثين و المتكلّمين عبارة عن الرؤية المستندة لاصول الشريعة، مقابل البدعة التي هي رؤية مخالفة لاصول الشريعة (1).

* حجيّة الحديث و السنّة

الحديث و السنّة في الحقيقة بيان و تفسير للقرآن و كلام اللّه، و متمّم للقوانين و الضوابط و الحقائق الموجودة في القرآن، و هناك الكثير من الأدلّة من القرآن و السنّة و الإجماع و العقل في حجّيتها. و نشير هنا فقط إلى الآيات و الروايات الدالّة على حجيّة الحديث و السنّة.

هناك آيات تدعو المسلمين صراحة إلى الإيمان و الطاعة و التسليم و التبعيّة المطلقة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقد قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ

____________

(1). النهاية لابن الأثير: مادّة بدع، الوجيزة للشيخ البهائي: 2، مقباس الهداية للمامقاني 1: 57.

6

ذُنُوبَكُمْ ... (1) و يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا (2) و قال:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتٰابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلىٰ رَسُولِهِ ... (3). و قال: ... فَآمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ... (4) و قال: مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ إِلّٰا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ... (5) و هي تتضمّن معنى أنّ بيان الآيات الإلهيّة و تفسيرها منوط به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). فإذا لم تكن أقوال النبيّ و أعماله و تقريراته ذات سندية و حجيّة فكيف يجعله اللّه مسئولا عن بيان القرآن و تفسيره و يوجب طاعته!

كما أنّ هناك آيات و روايات كثيرة حول حجيّة أقوال و أفعال و تقريرات المعصومين الآخرين (عليهم السلام)، نشير هنا إلى بعضها:

قال تعالى: إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (6) و قال:

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ (7) و يصرّح أكثر المفسّرين بدلالتها على حجيّة أقوال و أفعال و تقارير أهل البيت (عليهم السلام) و قد وصفهم اللّه تعالى صراحة بأنّهم أهل الذكر الذين يستطيعون تفسير القرآن و تبيينه (8).

و يدلّ حديث الثقلين (انّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا)- الوارد في أكثر كتب الفريقين، و الذي يقول ابن حجر: إنّ المقصود به أهل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (9)- على حجيّة إجماع أهل البيت و الأئمّة (عليهم السلام).

____________

(1). آل عمران (3): 31.

(2). النساء (4): 59.

(3). النساء (4): 136.

(4). الأعراف (7): 158.

(5). النحل (16): 64.

(6). الأحزاب (33): 33.

(7). النحل (16): 43.

(8). الميزان في تفسير القرآن 1: 385.

(9). الصواعق المحرقة: 89.

7

* الكتابة في الإسلام

الكتابة أهمّ وسيلة لتسجيل الأفكار و العلوم و نقل المعارف و الأخبار. و في الإسلام اعتبرت هذه الأداة من العوامل المهمّة في حفظ الحديث. أمّا في القرآن فقد اشير إلى هذه الوسيلة العملية لنقل الثقافة و المعارف في آيات كثيرة بحيث تكرّر ذكر مادّة «كتب» و مشتقاتها 319 مرّة، منها قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كٰاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لٰا يَأْبَ كٰاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمٰا عَلَّمَهُ اللّٰهُ فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ... وَ لٰا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلىٰ أَجَلِهِ ... فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَلّٰا تَكْتُبُوهٰا ... وَ لٰا يُضَارَّ كٰاتِبٌ وَ لٰا شَهِيدٌ ... (1) الذي يحثّ المسلمين على الكتابة و يوصيهم بها. بل إنّ اللّه عزّ و جلّ يقسم بالقلم و المداد و الكتابة بقوله عزّ من قائل: ن وَ الْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ (2) ليبيّن أهميّتها في الإسلام.

و يصفها بأنّها نعمة كبرى حين يقول: اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (3).

و في الروايات موارد عديدة تفيد توصية المسلمين بالكتابة، منها رواية: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر عبد اللّه بن عمر بتقييد العلم بالكتابة (4) و يقول ابن سعد: إنّ الكتابة بلغت من الأهميّة بحيث جعلت فدية الأسرى في الإسلام تعليم الشباب من الأنصار و المسلمين الكتابة و القراءة (5).

* تدوين الحديث في الإسلام

لا شكّ في أنّ تدوين الحديث لعب دورا هامّا في بسط المعرفة و توسيع العلوم الإسلامية (6). لقد كانت بداية تدوين الحديث في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نفسه حين أمر الإمام عليّا (عليه السلام) بكتابة ما كان يمليه عليه (7). و استمرّ نبي الإسلام في تأكيده و إصراره على الكتابة

____________

(1). البقرة (2): 282.

(2). القلم (68): 2.

(3). العلق (96): 3، 4.

(4). تقييد العلم، الخطيب البغدادي: 69، 74.

(5). الطبقات الكبرى 2: 22.

(6). منهج النقد في علوم الحديث: 39- 40.

(7). الإمامة و التبصرة من الحيرة للصدوق: 182.

8

حتّى آخر لحظات حياته حين أمر بدواة و قلم ليكتب ما لن يضلّ الناس بعده، إذ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ادعوا لي الصحيفة و الدواة أكتب كتابا لن تضلّوا بعده أبدا» (1). و هذا في الحقيقة إذن عام لكتابة الحديث. فيتّضح من النماذج التي ذكرنا أنّ تدوين الحديث كان متداولا في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

* منع تدوين الحديث

كذلك يستنتج من بعض الروايات أنّ الهمس بمنع كتابة الأحاديث تصاعد في عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أيضا، فكان بعض الصحابة يمنع آخرين من كتابة الحديث، كما كانت قريش تمنع عبد اللّه بن عمر من تدوين أقوال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و لعلّ أبرز مثال لمنع كتابة أحاديث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو ما حدث عند وفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من جانب عمر بن الخطاب الذي منع جلب القلم و الدواة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (2). أمّا أوّل من منع كتابة الحديث و نقله و نهى عنهما بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فهو أبو بكر الذي قام بحرق خمسمائة حديث سمعها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمر الآخرين بأن يفعلوا مثل ذلك (3).

بيد أنّ تدوين الحديث و كتابته استمرّا رغم كلّ هذا المنع و المحاولات بل و حتّى في زمن عمر بن الخطاب الذي أصرّ على حرق كتب الحديث و قام بسجن بعض رواة الحديث من أمثال ابن مسعود و أبي الدرداء و أبي مسعود الأنصاري لنقلهم الأحاديث (4). لكن ذلك لم يمنع الرواة و المحدّثين و صحابة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) العظام فواصلوا نقل الحديث لأنّهم كانوا يعتبرون منع تدوين الحديث من قبل أبي بكر و عمر و جماعة من الصحابة اجتهادا مقابل النصّ الصريح للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و كانوا يرون الروايات التي تذرّع بها أبو بكر و عمر لمنع تدوين الحديث روايات ضعيفة و مردودة لأنّها كانت من اسرائيليات كعب الأحبار اليهودي و تميم الداري و أبي

____________

(1). صحيح البخاري 4: 7، كنز العمال 3: 138، و 4: 52.

(2). مسند أحمد بن حنبل 2: 162، مستدرك الحاكم 1: 105.

(3). كنز العمال 1: 174.

(4). تذكرة الحفّاظ 1: 7.

9

هريرة، و يبدو أنّ عمر بن الخطّاب كان مطّلعا على ما ورد في التلمود من عدم الكتابة (1) و متأثّرا به.

لقد أوردوا أسبابا كثيرة لمنع تدوين الحديث لكنّها ردّت جميعا من قبل الصحابة و علماء الإسلام الكبار. و لعلّ أكبر سبب دفع بأبي بكر و عمر إلى منع الكتابة و نقل أحاديث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو منع انتشار الروايات و الأخبار الخاصّة بفضائل علي (عليه السلام) و باقي المعصومين (عليهم السلام)، بل إنّ إصرار الخلفاء و الحكّام و اتّفاقهم على عدم رواية الحديث و نقله نقلا شفهيا يؤيّد هذا الادّعاء و يثبته. فقد كانوا يتعرّضون بأشدّ أنواع العقوبات و التعذيب لكلّ من يتصدّى لنقل مثل هذه الروايات شفاها، في حين أنّ وضع الأحاديث الكاذبة في مدح خلفاء الجور و حكّامه على لسان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نقلها لم يكن مباحا فحسب، بل إنّه كان يتوسّع يوما بعد يوم (2).

* آثار منع تدوين الحديث

كان لمنع تدوين الحديث و كتابته نتائج مشئومة للغاية للمجتمع الإسلامي و هي كما يأتي:

1. فقدان الكثير من الأحاديث النبويّة الصحيحة التي سمعت منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مباشرة و اثبتت.

2. انتشار الأحاديث الموضوعة، خصوصا في عهد معاوية (3) الذي منع نشر فضائل علي و أهل البيت (عليهم السلام) و وضع أحاديث بحقّ معاوية و عمرو بن العاص (4).

3. انتشار الإسرائيليات.

4. تحريف الدين و ظهور ثقافة معارضة للإسلام و القرآن.

5. إختلاف آراء المسلمين في مسألة الفتوى و امور المسلمين الاخرى.

____________

(1). تقييد العلم: 52.

(2). تدوين السنّة الشريفة، المقدّمة.

(3). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 44- 46.

(4). الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة: 68.

10

6. ظهور مذهب الرأي و انتشار القياس.

7. عزل آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إبعادهم عن حقوقهم الإلهيّة و طمس آثار الأحاديث و الفضائل بحقّهم (1).

* تدوين الحديث عند الشيعة

أشرنا فيما سبق أنّ كتابة الحديث و تدوينه بدأت في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و قلنا إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر بنفسه عليّا (عليه السلام) بأن يكتب كلّ ما يقوله و يمليه عليه، و كان من إملاءاته صحيفة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) التي كتبها علي (عليه السلام) و ذكرت في مصادر السنّة باسم «صحيفة علي» (2) و في مصادر الشيعة باسم «كتاب علي» و قال عنها الإمام الحسن (عليه السلام): «إنّ هذا الكتاب بإملاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بخطّ علي (عليه السلام) و هو محفوظ عندنا (3)».

و هكذا فإنّ الإمام عليّا (عليه السلام) كان سبّاقا إلى تدوين الحديث، و هو الذي كان يثبت كلمات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أحاديثه، و تبعه في ذلك شيعته و أتباعه و أصحابه، فانطلقوا يدوّنون الحديث و العلوم الاخرى حتّى اعتقد الكثير من المؤلّفين و الباحثين و العلماء الإسلاميين بأنّ للشيعة حقّ التقدّم على من سواهم في تدوين أكثر العلوم الإسلامية، لأنّه لم يكن لغير علي (عليه السلام) و طلّاب العلم من الشيعة في القرن الأوّل الهجري الشجاعة لتحدّي المنع الذي فرضته أجهزة الخلافة على ضبط الأحاديث و نقلها و التصدّي لتدوين الحديث (4). على هذا فإنّ الشيعة هم أوّل من عكف على جمع و إثبات الكلمات و الأحاديث و الأخبار (5).

* مسيرة تدوين الحديث

* أ. بدأت المرحلة الاولى لتدوين الحديث لدى الشيعة من زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و أوّل من تناول هذا الأمر في هذه المرحلة أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي عكف على تدوين

____________

(1). وقعة صفّين: 354، شرح نهج البلاغة 11: 44.

(2). السنّة قبل التدوين، محمّد عجاج الخطيب: 317- 345.

(3). الإرشاد للمفيد: 274.

(4). المراجعات: 41.

(5). تأسيس الشيعة: 280.

11

الحديث و كتابته و تفسير القرآن و تأويله. و كان يقول: «ما من آية نزلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا و قرأها و أملاها علي فكتبتها بخطّ يدي، كما كان يعلّمني علم التأويل و التفسير و الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه من الآيات (1)».

لقد دوّن (عليه السلام) آثارا كثيرة في التفسير و الحديث و الفقه و من بينها: تفسير القرآن، و هو أوّل كتاب مدوّن في الإسلام، و يبدو أنّه هو نفسه صحيفة علي (عليه السلام) المشتملة للعلوم القرآنية، و التي صنّف علوم القرآن فيها على ستّين صنفا (2)؛ و كتاب السنن و القضايا و الأحكام المشتمل على أبواب الفقه المختلفة مثل الطهارة و الصلاة و الصوم و الحجّ و الزكاة و القضاء و الحدود و الديات و المعاملات و غيرها. و قد ذكر أكثر الرواة و المحدّثين و الفقهاء هذا الكتاب، و سمّوه أحيانا بأسماء أبوابه (3)، و الجامعة، و هي صحيفة كبيرة طولها سبعون ذراعا، و يعتقد البعض أنّها «صحيفة علي (عليه السلام)» بعينها (4). و خطب و رسائل و حكم جمعت و سمّيت فيما بعد ب«نهج البلاغة».

لم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقوم بكتابة الأحاديث و تدوينها بنفسه فحسب، بل إنّه كان يحثّ عليها و يرغّب إليها بشدّة أيضا (5) حتّى أنّه كان يبيّن لتلاميذه و كتّابه طريقة الكتابة و تجويدها (6).

كان تلاميذ الإمام و أصحابه و خاصّته أمثال أبي رافع مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ابنيه عبيد اللّه و علي من الأوائل في تدوين الحديث (7). فقد قام أبو رافع بتحرير كتاب السنن و الأحكام و القضايا الذي تلقّاه من الإمام علي (عليه السلام) سماعا (8). كما حرّر عبيد اللّه كتابا

____________

(1). المناقب لابن شهرآشوب 2: 41، الاحتجاج للطبرسي 1: 228 و 383.

(2). المناقب 2: 41، الاحتجاج 1: 383، المراجعات: 411.

(3). الذريعة 2: 159- 161.

(4). بصائر الدرجات: 145- 146.

(5). تقييد العلم: 89- 90.

(6). نهج البلاغة، صبحي الصالح، قسم الحكم، الحكمة: 315- 530.

(7). تأسيس الشيعة: 280.

(8). رجال النجاشي 1: 61- 64.

12

حول من كان مع عليّ (عليه السلام) في الجمل و صفّين و النهروان، و اعتبره البعض أوّل رجال الكتابة الشيعة، و قد أفاد من كتابه هذا الشيخ الطوسي و ابن عساكر و ابن الأثير و ابن حجر العسقلاني (1).

و اعتبر سلمان الفارسي الذي كان من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و من خواصّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ثاني من صنّف كتبا في الإسلام بعد علي (عليه السلام) (2)، أمّا أبو ذرّ الغفاري و هو من الصحابة و من أصحاب علي (عليه السلام) فيعتبره الكثيرون ثالث من دوّن في الإسلام، و له خطبة في وصف الأحوال و الحوادث بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هو من أركان الشيعة الأربعة (3). ثمّ عبد اللّه بن عبّاس المفسّر و المحدّث الكبير و من المخلصين للإمام (عليه السلام) الذي دوّن في صحيفة له قضاء الإمام علي (عليه السلام) و ترك حين مات ما يعادل حمل بعير من الكتب (4). و قد أشار ابن النديم و النجاشي إلى مؤلّفاته في الحديث و التفسير و غيرها بالتفصيل. و بالرغم من أنّ معاوية منع ابن عبّاس من نقل الحديث و تدوينه إلّا انّه لم يستجب للمنع أبدا (5).

كما قام بالتصنيف و تدوين العلوم و الأحاديث عدد من أصحاب علي (عليه السلام) و تلاميذه و خواصّه من أمثال جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و الأصبغ بن نباتة، و سليم بن قيس العامري الهلالي، و ميثم التمّار. و زيد بن وهب الجهني الكوفي، و الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني، و حجر بن عدي الكندي و آخرين.

أمّا الإمام الحسن (عليه السلام) و الحسين و السجّاد (عليهما السلام) فلم تسنح لهم فرصة التفرّغ إلى نقل الأحاديث و تربية تلاميذهم و تدوين الحديث كما سنحت للإمام علي (عليه السلام) من قبل، و ذلك بسبب مواجهاتهم المستمرّة لأجهزة السلطة أيّام معاوية و يزيد و الخلفاء الامويين، لأنّ السلطات كانت تحرمهم من فرصة استغلال مواقفهم الاجتماعية فكانت تفرّق الناس عنهم، و دأبت على عزل هؤلاء الأئمة بشدّة، و مع ذلك لم يكفّوا عن

____________

(1). معالم العلماء: 2، تأسيس الشيعة: 242.

(2). التوحيد للصدوق: 182، 286، 316، معالم العلماء: 2.

(3). الفهرست للطوسي: 45.

(4). طبقات ابن سعد 5: 216، تقييد العلم: 136.

(5). كتاب سليم بن قيس: 165.

13

ترغيب الناس و حثّهم على كتابة الحديث و نقله، فقد أوصى الحسين (عليه السلام) الناس في خطبته التي ألقاها عليهم بمكّة بكتابة الحديث.

و قال: «اسمعوا مقالتي و اكتبوا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم و قبائلكم فمن أمنتم من الناس و وثقتم به، فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا فإنّي أتخوّف أن يدرس هذا الأمر و يذهب الحقّ و يغلب وَ اللّٰهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ ... (1)».

و حين وجد الإمام السجّاد (عليه السلام) المجتمع الإسلامي بعد واقعة كربلاء ضحيّة الخوف و اليأس حتّى لم يجد من يعلّمه و ينقل إليه علمه، لم يتوان عن أداء واجبه التربوي، بل ضمّن أدعيته مواضيع عميقة و مضامين قيّمة إلى الامّة الإسلامية عموما و الشيعة خصوصا. لقد أبدع هذا الإمام بأدعيته و مناجاته في الصحيفة السجّادية و رسالة الحقوق و مناسك الحجّ و الجامع في الفقه. رويت هذه المؤلّفات بواسطة الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) و زيد الشهيد و أبي حمزة الثمالي (2).

كما قام جماعة من أبناء الإمام السجّاد (عليه السلام) مثل الإمام الباقر (عليه السلام)، و زيد الشهيد، و عدد من خواصّه مثل ثابت بن دينار المعروف بأبي حمزة الثمالي، و سعيد بن جبير، و سعد الإسكاف، و سعد الخفّاف، و مالك بن عطيّة الأحمسي بتصنيف كتب في التفسير و الحديث (3).

ب. المرحلة الثانية: بداية تدوين الحديث عند الشيعة من زمن الإمام الباقر (عليه السلام) و بلوغه الذروة في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) ثمّ تتضاءل وتيرته بالتدريج في عهد الأئمّة التالين. لقد وافق زمن الإمام الباقر و الصادق (عليهما السلام) عصر الصراع بين الامويين و العبّاسيين على الخلافة و السلطة، ممّا أتاح الفرصة لهذين الإمامين لفتح حلقات دراسية و ندوات البحث و المناظرات. فقاموا بتعليم و تربية الكثير من التلاميذ، و عكفوا على نشر المعارف القرآنية و نقل الأحاديث و إشاعة الثقافة الإسلامية.

فبالإضافة إلى تصدّي الإمام الباقر (عليه السلام) شخصيّا لكتابة و تدوين مؤلّفات مثل: تفسير

____________

(1). كتاب سليم بن قيس: 168، بحار الأنوار 33: 182.

(2). رجال النجاشي: 116، تأسيس الشيعة: 30، الذريعة 15: 18- 19.

(3). فهرست الطوسي: 36، رجال النجاشي: 151، الذريعة 4: 251.

14

القرآن و رسائل في الأحاديث، فقد دوّن تلاميذه من أمثال خالد بن أبي كريمة، و زرارة بن أعين، و سعد الإسكاف، و سلام بن أبي عمرة، و مسعدة بن صدقة، و نصر ابن مزاحم، و عمرو بن أبي المقدام و غيرهم تقريراته و رسائله المختلفة في علوم التفسير و الحديث و الكلام (1).

أمّا عصر الإمام الصادق (عليه السلام) و الذي يعتبر بحقّ عصر نضج الفكر الشيعي و نموّ الإسلام المحمّدي الأصيل، و تفتّح الثقافة و الحضارة الإسلامية، فقد كان فرصة ذهبية سنحت للشيعة و أتاحت لهم تدوين العلوم الإسلامية الأساسية بشكل منظّم و دقيق و محسوب. لقد كان بيت الإمام الصادق (عليه السلام) بمثابة جامعة كبيرة تستقطب العلماء و المتعطّشين للعلوم و طلبة الحديث و التفسير و الحكمة و الكلام حتّى ضمّ مجلس درسه طبقات الناس و فئاتهم المختلفة. و كان من بين من تتلمذ على يديه رجال أصبح كلّ واحد منهم فيما بعد إماما لفرقة أو مذهب في العالم الإسلامي، من بينهم مثلا يحيى بن سعيد الأنصاري، و ابن جريج، و مالك بن أنس، و سفيان الثوري، و ابن عيينة، و أبو حنيفة، و أيّوب السختياني و غيرهم. و قام كلّ واحد من هؤلاء بتأليف و تحرير الكثير من الكتب و الرسائل. و يرى ابن أبي الحديد أنّ علوم مذاهب أهل السنّة الأربعة و معارفها تنتهي إلى الإمام الصادق (عليه السلام) (2).

كان عصر الإمام الصادق (عليه السلام) عصر ظهور الحركات العلمية و الأنشطة الثقافية و تفجّر العلوم و الفنون المختلفة، و قد بلغ عدد من كان يحضر حلقات درس الإمام (عليه السلام) 4000 تلميذ و طالب علم. من أجل ذلك اعتبر الإمام الصادق (عليه السلام) القائد الفكري لهذه الحركة العلمية و الثقافية و الدينية حتّى سمّي المعلّم الأوّل لهذه المرحلة (3).

لقد صنّف هذا الإمام مؤلّفات كثيرة في العلوم الإسلامية و فنونها المختلفة، من بينها: الإهليلجة في التوحيد، و التوحيد في بيان صنع اللّه، و التوحيد الإلهي

____________

(1). فهرست الطوسي: 36، رجال النجاشي: 151، الذريعة 4: 251.

(2). شرح نهج البلاغة 1: 181.

(3). دليل القضاء الشرعي 3: 85.

15

و رسالة الإمام إلى أصحابه، و رسالة في الغنائم، و الجعفريات، و نثر الدرر، و وصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الحجّ، و مناسك الحجّ، و الرسائل التي أملاها على جابر بن حيّان و التي بلغت الخمسمائة.

أمّا تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) فقد كان لهم دور كبير في التأليف و التصنيف، و سنشير إلى شيء من جهودهم العلمية فيما بعد.

أمّا الإمام الكاظم (عليه السلام) فقد استأنف الحركة العلمية و نشر المعارف ما دام طليقا يتمتع بالحرية فصنّف كتبا مثل: المسند، و رسالة في فصل الخطاب إلى هشام بن الحكم، و رسالة في التوحيد، و لكن سرعان ما استتبّ الحكم لبني العبّاس و لمّا كان العباسيون يرون في الإمام خطرا على سلطانهم و حكمهم فقد أخذوا يضايقونه و يحسبون عليه أنفاست حتى أو دعوه السجن.

ثمّ قيّض لحركة التدوين أن تزدهر مرّة اخرى، و ذلك في عصر الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد اثرت عنه مصنّفات عديدة منها: مسند الإمام الرضا (عليه السلام)، و الرسالة الذهبية، و مجالس الرضا مع أهل الأديان، و أمالي الإمام الرضا (عليه السلام) برواية الفضل بن شاذان، و أمالي الإمام الرضا (عليه السلام) برواية أبي الحسن علي بن علي الخزاعي أخي دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت.

و لم يلبث أن كتب الركود مرّة اخرى بشدّة على العلوم الشيعية و تدوين الحديث من عهد الإمام الجواد (عليه السلام) حتّى زمن الإمام الحجّة (عجل اللّه تعالى فرجه)، لأنّ الأئمّة في هذه المرحلة كانوا تحت الرقابة الشديدة للسلطات الحاكمة، فلم يتسنّ لهم من الراحة و الهدوء ما يتيح لهم الاتّصال بأصحابهم و أنصارهم و شيعتهم لنقل الأحاديث أو نشر العلوم إليهم. على أنّ هذه الفترة لم تمنع من ظهور بعض المصنّفات في التفسير و الحديث و الكلام و باقي المعارف الإسلامية على يد أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، و لكنّها على أيّة حال كانت قليلة لو قيست بالفترة المتقدّمة.

أمّا الإمام المهدي (عج) فكان اتّصاله بشيعته أثناء غيبته الصغرى يجري عن طريق نوابه الأربعة حصرا، و كان يبعث برسائله و توقيعاته إلى الشيعة عن طريق هؤلاء.

16

الاصول الأربعمائة

الأصل اصطلاحا عند محدّثي الشيعة عبارة عن مجموعة الأحاديث التي سمعها المؤلّف من المعصوم مباشرة أو ممّن سمعها عنه، و لا يستند في كتابتها إلى أيّ كتاب أو مقال. أمّا الكتاب فيضمّ ما سمع من المعصوم مباشرة و كذلك ما أخذ من الكتب الاخرى، و يتّفق مع الاستدلال و الاستنباط الشرعي العقلي (1).

إنّ تاريخ تأليف الكتب المعروفة بالاصول غير معيّن بشكل واضح في كتب الرجال، كما انّه ليس واضحا تاريخ وفاة مصنّفيها و مؤلّفيها، على أنّنا نعلم إجمالا بأنّ هذه الاصول لم تكتب قبل أمير المؤمنين (عليه السلام) و بعد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).

لهذا يعتقد البعض أنّ زمن إيجاد هذه الاصول يمتدّ بين عصر الإمام علي (عليه السلام) حتّى الإمام العسكري (عليه السلام) (2).

أثبت ابن شهرآشوب أنّ الإمامية كتبت أربعمائة أصل من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى عصر أبي محمّد العسكري (عليه السلام) (3). و يرى بعض من علماء الشيعة أنّ هذه الاصول كتبت في زمن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) و الإمام الصادق (عليه السلام) و الإمام الكاظم (عليه السلام) (4).

أمّا الشهيد الأوّل و المحقّق الحلّي و جماعة من أكابر الشيعة فيعتقدون أنّ هذه الاصول الأربعمائة صنّفها أربعمائة من تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) ألّفوها من أجوبته (عليه السلام) على مسائلهم (5).

و هكذا يتبيّن أنّ هذه الاصول الأربعمائة كتبها أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) و أنصارهم و تلاميذهم، و هي قاعدة و أساس كتب الحديث و الفقه و التفسير و الكلام الشيعية. و لمّا كانت اصولا و عددها أربعمائة عرفت بالاصول الأربعمائة. و قد ورد فهرست لها في فهرست الشيخ الطوسي و رجال النجاشي و معالم العلماء و الذريعة لاقا بزرك الطهراني و كشف الأستار.

____________

(1). مجمع الرجال للقهبائي 1: 9، الفوائد الرجالية للوحيد البهبهاني: 34.

(2). الذريعة 2: 130.

(3). معالم العلماء: 13.

(4). الذريعة 2: 131.

(5). الذكرى: 6، المعتبر: 5.

17

كان للاصول الأربعمائة منزلة مرموقة لدى علماء الشيعة و فقهائهم و محدّثيهم بحيث إنّ ورود الحديث في أحدها دليل على اعتباره و أهميّته، إلّا أنّ هذا لا يعني انّ عدم وجود الحديث فيها دليل على عدم اعتباره و أهميّته، لأنّ الكثير من الأحاديث ورد في كتب الحديث الاخرى التي ألّفها أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) حتّى بلغ عدد هذه المؤلّفات 6600 بين كتاب و رسالة (1).

ج. المرحلة الثالثة: يبدأ فيها تدوين الحديث عند الشيعة من بدء الغيبة الكبرى حيث جرى جمع أحاديث الأئمّة و أقوالهم و تجميع و إعداد كتب و مؤلّفات الأئمّة و أصحابهم، ثمّ تأليف و تصنيف كتب جديدة على أساسها و تدوين العلوم و المعارف الإسلامية و الشيعية بشكل منظّم و أساسي. و أهمّ هذه المؤلّفات أربعة كتب، سمّيت بكتب الشيعة الأربعة، و هي على التوالي:

1. الكافي، لأبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي الملقّب بثقة الإسلام. ولد الكليني في أواخر حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) و في فترة الغيبة الصغرى، و توفّي ببغداد سنة 329 هق. ترك مؤلّفات عدّة أهمّها كتاب «الكافي» الذي لا مثيل له ليس عند الشيعة فقط، بل هو منقطع النظير في العالم الإسلامي كلّه. و فيه مزايا كثيرة، و يعتقد الكثيرون أنّه أوّل موسوعة حديث جامعة للاصول و الفروع منظّمة و مرتّبة على أساس مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

ضمّ هذا الكتاب في مجموع أجزائه المطبوعة «16199» رواية و هو يعدّ عند فقهاء الشيعة أهم و أضبط و أشمل الكتب الأربعة.

2. من لا يحضره الفقيه، لأبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي المعروف بالشيخ الصدوق أو الصدوق الذي ولد بقم سنة 306 هق تقريبا و بدعاء الإمام المهدي (عليه السلام) و توفّي سنة 381 هق. كتابه «من لا يحضره الفقيه» ثاني الكتب الأربعة و من أهمّ مؤلّفات الشيخ الصدوق. و يعتبره البعض أوثق و أتقن الكتب الأربعة حتّى أنّهم يرجّحونه على كافي الكليني، أمّا الرأي المشهور فهو أنّ هذا الكتاب ثاني الكتب الأربعة أهميّة بعد الكافي. و فيه 3943 حديثا موزّعة على 666

____________

(1). أعيان الشيعة 1: 140.

18

بابا. و اشتهر بين العلماء الماضين أنّ للصدوق كتابا آخر باسم «مدينة العلم» و كان أكبر من كتاب «من لا يحضره الفقيه» و لذلك عدّ العلماء المتقدّمون هذا الكتاب مع الكتب الأربعة أصولا خمسة (1).

غير أنّ هذا الكتاب فقد في القرون التالية و لم ينجح العلّامة المجلسي في محاولته للعثور على «مدينة العلم» أثناء إعداده لمصادر بحار الأنوار.

3. تهذيب الأحكام، لأبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي (385- 460 ق) الملقّب بشيخ الطائفة و الشيخ. كتابه (التهذيب) ثالث الكتب الأربعة و هو أحد مؤلّفات الشيخ الطوسي المهمّة، و يشتمل على جميع أبواب الفقه، حيث ضمّنه 23 كتابا تبدأ بالطهارة و تنتهي بالديات، و فيها 393 بابا تتضمّن 13988 حديثا حسب الطبعة الحديثة.

4. الاستبصار، و هو ثاني كتب الشيخ الطوسي، و رابع الكتب الأربعة، و يشتمل على أجزاء التهذيب نفسها، و لكن يختصّ بمعالجة ما اختلف من الأخبار و طريقة الجمع بينها و يتضمّن الكتاب 915 بابا و 5511 حديثا.

ليست الكتب الأربعة من أمّهات النصوص الروائية و مصادر الحديث الشيعية و حسب، بل إنّها من أمّهات الكتب في جميع العلوم، بحيث إنّنا إذا بحثنا عن المصادر الأصلية لأيّ علم فإنّنا سنتعرض للكتب الأربعة. لقد أدّى تنظيمها الممتاز و اشتمالها على جميع أبواب الفقه و المنزلة العلمية الرفيعة لمصنّفيها و شخصياتهم العالية إلى أن يتّخذها العلماء و الفقهاء و الباحثون مراجع معتمدة لديهم منذ عصر تدوينها و إلى اليوم.

و تعتبر الكتب الأربعة شاملة- من وجهة نظر أكثر العلماء- لأهمّ الروايات و الأحاديث الواردة في الاصول الأربعمائة، (2) و من هنا فقد كانت و لا زالت من أهمّ مصادر استنباط فقه الإمام الصادق (عليه السلام) منذ أكثر من ألف عام.

لم يكتب بعد وفاة الشيخ الطوسي سنة 460 هق. و حتّى القرن العاشر أيّ كتاب

____________

(1). معالم العلماء: 112، الذريعة 20: 252.

(2). وصول الأخيار إلى اصول الأخبار: 85.

19

له شمول و إتقان و ترتيب و تنظيم و توثيق الكتب الأربعة. لقد مرّت حالة من الركود و السكون و الفترة على تدوين الحديث استمرّت بضعة قرون، و كان لهذا الأمر أسباب كثيرة.

و بعد القرن العاشر الهجري بدأت حركة جديدة تجمع الأحاديث عند الشيعة جرى خلالها تأليف و تدوين مجاميع كبيرة تضمّنت أحاديث الكتب الأربعة و نصوص الحديث الشيعية الاخرى، و لعلّ أهمّها:

1. الوافي، لمحمّد بن مرتضى بن محمود الملقّب بالفيض الكاشاني (1007- 1091 ه) و يعتبر أحد الكتب الثلاثة الهامّة التي الّفت بعد الكتب الأربعة. قام الفيض بتأليف كتابه معتمدا كلّ روايات الكتب الأربعة في نسق موضوعي، و أورد روايات مهمّة من كتب اخرى لغرض شرح نصوص الكتب الأربعة و التعليق عليها.

يتضمّن الوافي 273 بابا و نحو 50 ألف حديث. و هو جامع للاصول و الفروع و السنن و الأحكام، و يحتوي على ثلاث مقدّمات و 14 جزء و خاتمة، انتهى العمل من تأليفه سنة 1068 هق.

2. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، لمحمّد بن الحسن المعروف بالشيخ الحرّ العاملي (1033- 1104 ق) و الذي يحتوي أيضا على جميع أحاديث الكتب الأربعة، و هو جامع لروايات و أحاديث أكثر من سبعين كتابا من كتب الإمامية، و انتهى العمل من تأليفه سنة 1088 ق.

3. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، لمحمّد باقر المجلسي المعروف بالعلّامة المجلسي (1037- 1110 ق) و يشتمل على أكبر مجموعة أحاديث و روايات جمعت من غير الكتب الأربعة. قام العلّامة المجلسي بتهيئة أكثر من 629 كتابا و مرجعا و أفاد منها. و يوجد الكثير من كتب العامّة بين هذه المصادر. هذا و قد اعتبر العلّامة الطباطبائي البحار أفضل دائرة معارف شيعية.

جديد بالذكر أنّ نصوصا و مجموعات اخرى غير هذه الكتب الثلاثة ظهرت في القرنين أو الثلاثة الأخيرة إلّا أنّ الحديث عنها خارج اهتمام هذه المقدمة.

20

* كتب الفيض الروائية

إنّ التطور الذي حدث بعد القرن العاشر يتمثّل في جمع و تبويب جملة التراث الحديثي الشيعي، و ممّا لا ريب فيه؛ كان المحدّث و المحقّق المرحوم الفيض الكاشاني واحدا في العلماء المتقدّمين في هذا المجال، و تعتبر تصنيفاته ذخرا يرفد المكتبة الإسلامية و يسهم في إغنائها، و تحظى كتبه الروائية باسلوب متميّز يتمثّل بتنوّع في الموضوع و تنسيق في التبويب و الترتيب، و عرض لبعض الآراء الخاصّة به و دقّة متناهية في فهم الأخبار و التفطّن لمعانيها، سيّما في مجال شرح الأخبار و بيان الأحاديث الغريبة بشكل يجعلها أكثر جلاء و وضوحا.

و فيما يلي نذكر الدورات القيّمة التي سطّرها قلم المحدّث الكاشاني وفقا لترتيب تأليفها تاريخيا:

1. خلاصة الأذكار و اطمينان القلب

، يقول المؤلّف في تعريفه: هو جامع لزبدة الأذكار الواردة في القرآن و الحديث، كلّ فعل و عمل و حركة و سكون و حال و وقت و حادثة و واقعة و سرور و همّ و عبادة و معاملة إلى غير ذلك، قد جمعتها من مواضع شتّى و كتب متفرّقة و ضبطتها في اثني عشر فصلا يقرب من ألفي بيت و ثلاثمائة؛ و قد صنّف في سنة ثلاث و ثلاثين بعد الألف (1). و قد طبع على الحجر مرّة واحدة في طهران.

2. ميزان القيامة،

يقول الفيض الكاشاني في فهرسته؛ ذكرت فيه تحقيق القول في كيفية ميزان يوم القيامة و التوفيق بين الأخبار المتخالفة فيه بحسب الظاهر و الجمع بين الأقوال المختلفة التي قيلت فيه، و هو من أبكار أفكاري التي لم يطمثهنّ أحد قبلي و للّه الحمد. يشتمل على ستّة أبواب و يقرب من ستمائة بيت. و قد صنّف في سنة أربعين بعد الألف (2).

3. ذريعة الضراعة،

في جمع الأدعية المتضمّنة للمناجاة مع اللّه تعالى المنقولة عن الأئمّة المعصومين و لا سيّما سيّد العابدين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، يقرب من

____________

(1). الوافي: مقدّمة المؤلّف 3- 7، فهرست مصنّفات الفيض: 5.

(2). فهرست مصنّفات الفيض: 15.

21

خمسة آلاف بيت. و قد صنّفه في سنة نيّف و خمسين و ألف (1).

4. الخطب،

يشتمل على مائة خطبة و نيّف لجمعات السنة و العيدين لفّقها و التقطها من كلام الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، يقرب من أربعة آلاف بيت، و قد تمّ جمعه في سنة سبع و ستّين بعد الألف (2).

5. وصف الخيل،

في ذكر ما ورد في اتّخاذ الخيل و معرفتها و علاماتها، عن الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، يقرب من مائتي بيت و قد صنّفه في سنة سبع و ستّين بعد الألف (3).

6. الوافي،

يحتوي على جملة ما ورد من علوم الدين في القرآن المبين و جميع ما تضمّنته الاصول الأربعة الروائية الشيعية، و يقول المؤلّف في مقدّمة الكتاب: «هذا كتاب واف في فنون علوم الدين يحتوي على جملة ما ورد منها في القرآن المبين، و جميع ما تضمّنته اصولنا الأربعة التي عليها المدار في هذه الأعصار، أعني: الكافي و الفقيه و التهذيب و الاستبصار، من أحاديث الأئمّة الأطهار (سلام اللّه عليهم)، حداني إلى تأليفه ما رأيت من قصور كلّ من الكتب الأربعة عن الكفاية، و عدم وفائه بمهمّات الأخبار الواردة للهداية، و تعسّر الرجوع إلى المجموع لاختلاف أبوابها في العنوانات، و تباينها في مواضع الروايات، و طولها المنبعث عن المكرّرات.

أمّا الكافي: فهو و إن كان أشرفها و أوثقها و أتمّها و أجمعها، لاشتماله على الاصول من بينها و خلوّه من الفضول و شينها، إلّا أنّه أهمل كثيرا من الأحكام، و لم يأت بأبوابها على التمام، و ربّما اقتصر على أحد طرفي الخلاف من الأخبار الموهمة للتنافي، و لم يأت بالمنافي، ثمّ إنّه لم يشرح المبهمات و المشكلات، و أخلّ بحسن الترتيب في بعض الكتب و الأبواب و الروايات. و ربّما أورد حديثا في غير بابه، و ربّما أهمل العنوان لأبوابه، و ربّما أخلّ بالعنوان لما يستدعيه، و ربّما عنون ما لا يقتضيه.

____________

(1). فهرست مصنّفات الفيض: 12.

(2). فهرست مصنّفات الفيض: 15.

(3). فهرست مصنّفات الفيض: 18.

22

و أمّا الفقيه: فهو كالكافي، في أكثر ذلك، مع خلوّه من الاصول، و قصوره عن كثير من الأبواب و الفصول. و ربّما يشتبه الحديث فيه بكلامه، و يشتبه كلامه في ذيل الحديث بتمامه، و ربّما يرسل الحديث إرسالا، و يهمل الإسناد إهمالا.

و أمّا التهذيب: فهو و إن كان جامعا للأحكام، موردا لها قريبة من التمام، إلّا أنّه كالفقيه في الخلوّ من الاصول، مع اشتماله على تأويلات بعيدة و توفيقات غير سديدة، و تفريق لما ينبغي أن يجمع، و جمع لما ينبغي أن يفرّق، و وضع لكثير من الأخبار في غير موضعها، و إهمال لكثير منها في موضعها، و تكرارات مملّة و تطويلات للأبواب مع عنوانات قاصرة مخلّة.

و أمّا الاستبصار: فهو بضعة من التهذيب، أفردها منه مقتصرا على الأخبار المختلفة و الجمع بينها بالقريب و الغريب. و بالجملة، فالمشايخ الثلاثة، شكر اللّه مساعيهم، و إن بذلوا جهدهم، أرادوا وسعوا في نقل الأحاديث و جمع شتاتها و أجادوا، إلّا أنّهم لم يأتوا فيها بنظام تام، و لا و في كلّ واحد منهم بجميع الاصول و الأحكام، و لم يشرحوا المبهمات منها شرحا شافيا، و لم يكشفوا كثيرا ممّا كان منها خافيا، و لم يتعاطوا حلّ غوامضه، و لا تفرّغوا لتفسير مغامضه، و لكنّ الإنصاف أنّ الجمع بين ما فعلوا و بين ما تركوا أمر غير ميسّر، بل خطب لا تبلغه مقدرة البشر، فهم قد فعلوا ما كان عليهم، و إنّما بقي ما لم يكن موكولا إليهم. فكم من سرائر بقيت تحت السواتر، و كم ترك الأوّل للآخر، و لم أر أحدا تصدّى لتتميم هذا الأمر إلى الآن، و لا صدع به أحد من مشايخنا في طول الزمان، مع أنّ الأفئدة في الأعصار و الأدوار هاوية إليه، و الأكباد في الأقطار و الأمصار هائمة عليه.

فشرعت فيه و جمعت جمعا و تدوينا، و نظّمته نظما و ترتيبا، و هذّبته تهذيبا، و رتّبته ترتيبا، و فصّلته تفصيلا، و سهّلت طريق تناوله تسهيلا، و بذلت جهدي في ألا يشذّ عنه حديث و لا إسناد، يشتمل عليه الكتب الأربعة ما استطعت إليه سبيلا، و شرحت منه ما لعلّه يحتاج إلى بيان شرحا مختصرا في غير طول.

و أوردت بتقريب الشرح أحاديث مهمّة من غيرها من الكتب و الاصول، و وفّقت بين أكثر ما يكاد يكون متنافيا منه توفيقا سديدا، و أوّلت بعضه إلى بعض تأويلا غير

23

بعيد، ليكون قانونا يرجع إليه أهل المعرفة و الهدى، من الفرقة الناجية الإمامية و دستورا يعوّل عليه من يطلب النجاة في العقبى من شيعة العترة النبوية، و لا يحتاجون معه إلى كتاب آخر، و لا يفتقرون بعده في استنباط المسائل و الأحكام إلى كثير نظر، و يستريحوا من الاجتهادات الفاسدة و الاجماعات الكاسدة، و الاصول الفقهية المختلفة و الأنظار الوهمية المختلفة، و سمّيته ب«الوافي» (1).

7. الصافي في تفسير القرآن،

بما وصل إلينا من أئمّتنا المعصومين (عليهم السلام) من البيان و يقول الفيض: جمعت فيه من مواضع شتّى من كتب أصحابنا (قدّس سرّهم) ما لعلّه يكفي لظاهر التفسير مع شيء من التأويل يسير، أرحت به إخواننا من التفسير بالرأي و التخمين و لا سيّما آراء العامّة من المخالفين. يقرب من سبع و أربعين ألف بيت، وقع الفراغ من تأليفه في خمس و سبعين بعد الألف (2). و قد طبع الكتاب هذا مرّات عديدة في طهران و بيروت.

8. الأصفى،

و هو منتخب من الصافي يشتمل على لباب ما فيه، يقول الفيض:

راعيت فيه غاية الإيجاز مع التنقيح، و نهاية التلخيص مع التوضيح، في أحد و عشرين ألف بيت تقريبا، وقع الفراغ منه بعد الصافي بسنتين (3).

9. الشافي،

و هو منتخب من (الوافي) يشتمل على لباب ما فيه، أورده ما هو بمنزلة الاصول و الأركان و ما لا تعارض عند التحقيق فيه و لا تشابه، يقرب من سبعة و عشرين ألف بيت. وقع الفراغ منه في سنة اثنتين و ثمانين بعد الألف (4).

10. الأربعين في مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)،

يقول الفيض في تعريف كتابه هذا:

و هو انموذج من فضائله، و قطيرة من بحار مناقبه (عليه السلام)، التقطته من كتاب جمعه بعض أصحابنا في فضائله (عليه السلام)، يقرب من ثلاثة آلاف و ثلاثمائة بيت (5).

11. ثناء المعصومين (عليهم السلام)،

و هو تحيّة إليهم بسؤال الصلوات و السلام من اللّه

____________

(1). الوافي: المقدّمة.

(2). فهرست مصنّفات الفيض: 5.

(3). فهرست مصنّفات الفيض: 5. و قد صدر الكتاب حديثا بتصحيحنا من دار اللوح المحفوظ.

(4). فهرست مصنّفات الفيض: 6.

(5). فهرست مصنّفات الفيض: 13.

24

عليهم، مع ذكر بعض محامدهم- يقرب من ستّين بيتا (1).

12. نوادر الأخبار،

في جمع الأحاديث غير المذكورة في الكتب الأربعة المشهورة. يقول الفيض في مقدّمة كتابه هذا: و اكتفينا عن المكرّر بما هو أجمع و أكفى، و عسى أن يكون فيما أوردنا غنى عن كثير من الأخبار لوجود محصّل ما تركنا فيما ذكرنا غالبا، و لاختصاص أكثر تلك الأخبار بتلك الأعصار و أهل تلك الديار.

و إنّما اختصرنا هذا الاختصار ليكون أيسر للحفظ و الضبط، و أسهل للقيد و الربط، في سبعة آلاف بيت (2).

يتّضح من خلال نظرة سريعة لمؤلّفات الفيض و كتبه و تحقيقاته، أنّه كان من نوادر الدهر و من كبار علماء الطائفة الإمامية و مشاهيرهم، و قلّما يجود الدهر بمثله و ينجب على شاكلته، و الحقّ أن يقال: أنّه لا تجد في القرون الأخيرة من بين المتأخّرين من الفقهاء و المحدّثين و المفسّرين و الباحثين و المؤلّفين الشيعة، شخصية كالفيض إلّا ما ندر و قلّ، إذ كان عالما متضلّعا متبحّرا في أكثر العلوم و المفاهيم و المعارف الإسلاميّة و الأخلاقية و العرفانية و الاجتماعية و السياسية و غيرها، له فيها رأي حصيف، و فكر رفيع. و تعتبر مؤلّفاته القيّمة كنزا أغنى مكتبة العلوم الإسلامية إلى حدّ لافت للنظر.

و إذا كان للفيض الكاشاني في بعض الأحكام و الموضوعات رأي جديد بالاستناد إلى الأخبار و الروايات و الأحاديث الإسلامية المعتبرة، كحرمة الغناء التي يعتبرها متأتّية من مجالس اللهو و اللعب في البلاطين الاموي و العبّاسي و من كيفية إجرائه، حيث أقدم الشيخ الأنصاري في المكاسب المحرّمة على تفسير هذه الفتوى و في غيره، فإنّ ذلك يدلّ على جرأته و فهمه و عمق فكره الديني و الاجتماعي، و لهذا حظي باحترام علماء كبار أمثال العلّامة المجلسي و الشيخ مرتضى الأنصاري و الحرّ العاملي و الوحيد البهبهاني و صاحب مفتاح الكرامة و السيّد المجاهد و صاحب الحدائق و صاحب الجواهر (3) و غيرهم ممّن أثنوا عليه و على خدماته.

____________

(1). فهرست مصنفات الفيض: 162.

(2). نوادر الأخبار: المقدّمة. طبع هذا الكتاب بتحقيقنا في مؤسسة العلوم الإنسانية و البحوث الثقافية بطهران.

(3). جواهر الكلام 30: 153.

25

لقد نشأ الفيض و ترعرع في اسرته العريقة في العلم و الأدب و الأخلاق، فيهم فقهاء اصوليون و حكماء متألّهون و رجال أدب و فضيلة.

هذا جدّه العلّامة تاج الدين شاه محمود بن علي الكاشاني الحكيم المتألّه العارف الشاعر النابغة المحدّث النحرير، كان من مشاهير علماء كاشان، و قبره بها.

و هذا أبوه العلّامة رضي الدين شاه مرتضى الأوّل، كان فقيها نبيها، اصوليا، متكلّما، حكيما، متألّها، مفسّرا، أديبا، شاعرا، بارعا، عابدا، زاهدا، ربّانيا.

و هذا ابنه العلّامة محمّد علم الهدى، العلم الفريد و العليم الوحيد، ذو الرأي السديد و الأمر الرشيد، عيبة الفضائل، و صاحب التأليف القيّمة و التصانيف الجيّدة.

و إخوته: العلّامة ضياء الدين محمّد بن شاه مرتضى، كان محدّثا فقيها عارفا.

و العلّامة محمّد مؤمن، كان من أجلّة علماء عصره فقها و حديثا و رجالا و كلاما و فلسفة و عرفانا و أدبا و تفسيرا. و العلّامة صدر الدين محمّد بن شاه مرتضى، كان عالما، محدّثا، عارفا متكلّما. و العلّامة عبد الغفور، كان فقيها، محدّثا، حكيما. و العالم الفاضل الأديب مرتضى بن شاه مرتضى، كان شاعرا أديبا.

و أخيرا اتّفق العلماء و المترجمون على غزارة علم الفيض الكاشاني و كثرة فهمه و ذكائه، و غزارة تصانيفه و آثاره، و أنّه بسعة اطّلاعه و جامعيّته لعلوم شتّى كان يضاهي الإمام فخر الدين الرازي و الخواجه نصير الدين الطوسي و العلّامة الحلّي و قطب الدين الشيرازي، فالرجل بتصنيفه كتاب «الوافي» الذي هو أحد الجوامع الكبار الأربعة المتأخّرة من مشاهير أئمّة الحديث. و بتأليفه كتاب «مفاتيح الشرائع» على اسلوب حديث مطلوب، قد أقبل عليه الفقهاء، فكتبوا عليه أربعة عشر شرحا و سائر مصنّفاته الفقهية، كان من أفقه الفقهاء و فحولهم المشهورين، و بسائر ما صنّفه لا سيّما في الحكمة و العرفان و الأخلاق كان من الحكماء الراسخين الموحّدين و العرفاء الشامخين.

* نحن و كتاب الشافي

يعدّ «الشافي» تلخيصا لكتاب «الوافى» و قد اعتمد علماء السلف

26

اسلوب التلخيص و الاختزال و الانتخاب من كتبهم و مؤلّفاتهم المطوّلة بحذف الاستدلالات الطويلة و اختصار الأقوال و الأفكار الفقهية و الكلامية تعميما للفائدة، أو تهذيبا للكتب النافعة لعلماء آخرين و تلخيصها، و هو اسلوب استخدم منذ القدم في كتابة الحديث.

و يعدّ الفيض الكاشاني من هذا النمط من المؤلّفين، إذ بادر إلى تلخيص كتبه و إيجازها، كما عمد إلى تهذيب مؤلّفات الآخرين و اختصارها، فكتب خلاصات كثيرة في الفقه، كذلك له في التفسير «الأصفى» و في اصول الاعتقاد «اصول العقائد» و في الأخلاق «الحقائق» في تلخيص المحجّة البيضاء و «سراج السالكين» منتخب المثنوي المعنوي، و انتزع «شوق الجمال» و «شوق العشق» من ديوانه، و «الكلمات الرائعة» من كتابه «الكلمات المكنونة»، و «الكلمات السرية» من أدعية المعصومين (عليه السلام) و «الكلمات المخزونة» من «الكلمات المكنونة»، و «لبّ الحسنات» مختصر منتخب من الأوراد، و «المعارف» ملخّص كتابه «علم اليقين» و «منتخب رسائل إخوان الصفا»، و «منتخب غزليات شمس تبريزي»، و «منتخب غزليات مثنوى مولوى» و «منتخب الفتوحات المكيّة» و «منتخب گلزار قدس» و «منتخب مكاتيب قطب الدين محي» و «التطهير» و «المنتخب من النخبة الفقهية» و «النخبة الصغرى» في لباب فقه الطهارة و الصلاة و الصوم و «النخبة الكبرى» فصّل فيه ما أجمله و بيّن ما أبهمه في «النخبة الصغرى» و «أصول المعارف» ملخّص مهمّات «عين اليقين»، و «اللئالئ» و هو من الملتقطات، و «أنوار الحكمة» مختصر كتاب «علم اليقين» مع فوائد حكميّة، و «نقد الأصول الفقهية» المشتمل على خلاصة علم اصول الفقه و ملخّصه، و «منتخب الأوراد» المشتمل على الأذكار و الدعوات المتكرّرة في اليوم و الليلة أو الاسبوع أو الشهر أو السنة، و «زاد العقبى» خلاصة ما في «منتخب الأوراد» مع ذكر ثواب تلك الأوراد و ترجمة أذكارها، و «شرائط الإيمان» منتخب من «راه صواب»، و «الأذكار المهمّة» و هو مختصر من خلاصة الأذكار، و «آيينه شاهى» و هي منتخب من «ضياء القلب»، و أخيرا «المنتخب الكبير» و «المنتخب الصغير» (1).

____________

(1). راجع فهرست مصنفات الفيض: 23- 5.

27

و ممّا يجدر ذكره هنا أنّنا كنّا منذ مدة بعيدة بصدد التفكير في إعداد ملخّص للكتب الأربعة، و لم تتهيأ لنا الفرصة الكافية للمطالعة و التحقيق في هذا الخصوص. على أن مرادنا بالتلخيص ليس هو التهذيب و التقويم بل هو الاختيار و الانتخاب.

و قد عثرنا خلال مطالعتنا في خزانة الكتب الرضوية (عليه السلام) على نسخة مخطوطة نفيسة و اخرى مطبوعة على الحجر تشتمل على تلخيص للكتب الأربعة يستند إلى أسس علمية قويمة يستحقّ لأجلها أن يكون أحسن منتخب لها، و بعد استشارة المحقق العلامة المرحوم السيد عبد العزيز الطباطبائي و بتشجيع منه عقدنا العزم على تحقيق و تصحيح هذا الأثر المهم.

فللمحدّث الكاشاني إذن إلى جانب مؤلّفاته القيّمة و الكثيرة، أثر قيّم آخر [هذا الكتاب] و هو انتخاب جيّد و دقيق من كتابه «الوافي» و اقتصار في أحاديث العقائد و الأخلاق و هكذا الشرائع و الأحكام على الأهمّ و الأحكم و سمّاه: ب«الشافي» و قال في مقدّمته: «هذا ما اصطفيناه من كتابنا «الوافي» ممّا رويناه عن أهل البيت (صلوات اللّه عليهم)، و زبدة ما يتعلّق به من البيان، مع تصرّف في بعض المواضع في الترتيب و العنوان، أوردنا فيه ما كان بمنزلة الاصول و الأركان، و ما لا تعارض عند التحقيق فيه، و لا تشابه بعد التأمّل في ألفاظه و معانيه، بل هو من قبيل المحكم، و اكتفينا عن المكرّر بالأوضح و الأتمّ، و اقتصرنا في الشرائع و الأحكام على الأهمّ و الأحكم، و حذفنا ذكر الرواة إلّا عند الحاجة إليه لقلّة جدواه فيما خلص من التنافي، كما حقّق في «الوافي»، و ربّما ذكرنا بعض الحديث في ذيل ما يناسبه ليكمل به معناه، و ما سقط من نسخ «الكافي» فمن كتب شيخنا الصدوق أثبتناه» (1).

و جعل المؤلّف كتابه في جزءين: جزء فيما هو من قبيل العقائد و الأخلاق، و جزء فيما هو من قبيل الشرائع و الأحكام، و يقول الفيض في فهرسته: «في كلّ منهما

____________

(1). الشافي: المقدّمة.

28

اثنا عشر كتابا يقرب من سبعة و عشرين الف بيت، و وقع الفراغ منه في سنة اثنتين و ثمانين بعد الألف» (1).

و يقول في تاريخ تصنيفه:

قد حاز كتاب الشافي * * * أنوار كتاب الوافي

أرّخت لذاك الشافي * * * شمس لسماء الوافي

(2) و الحقّ أن نقول: كتاب «الشافي» من أبرز و أكمل و أهم كتب الحديث خاصّة في العقائد و الأخلاق إضافة إلى الشرائع و الأحكام، و هو في الظاهر تلخيص للوافي، و في الواقع هو ملخّص ما هو المحكم و الأهم و الأتم من أحاديث الكتب الأربعة مع تبويب و ترتيب و تنظيم بديع و تهذيب عن المكرّر و الشبيه، و ليس له نظير في كتب الأحاديث المشهورة.

* منهج التحقيق

تركّز سعينا في هذا العمل على تصحيح النصّ و تخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية، و لقد قوبلت نصوص الكتاب على نسختين مخطوطتين من المكتبة الرضوية؛ الاولى: رقمها (10869) و الثانية: (8916) و هكذا على نسخة مطبوعة على الحجر قديما. سعى في طباعته السيد سعيد الطباطبائي و الحاج ميرزا أبو القاسم و الحاج ميرزا محمود الشفيعي ((رحمه اللّه)).

ثمّ اعيدت مقابلة الروايات مع مصادرها الحديثية الاولى تحقيقا للنصوص و تقويما للصحيح و تنزيها عن الأغلاط، و عمدنا إلى توضيح بعض ما لم يوضّح المحدّث الكاشاني من الأحاديث و كان بحاجة إلى ذلك.

و في الختام آمل أن يقع هذا العمل موقع قبول عند اللّه تعالى، و أن تكون هذه الخدمة في سبيل نشر المعارف الدينية و العقائد الإسلامية الصحيحة سببا للنجاة من ناره الموقدة يوم الحساب.

____________

(1). فهرست مصنّفات الفيض: 6.

(2). و هي تعادل في حساب الجمّل سنة 1082 ه.

29

كما و لا يفوتني أن أشكر الاخوة الأعزّاء الاخوان الناصري في المكتبة الرضوية بمشهد الرضا (عليه السلام)، و كذا أشكر ابن عمّي الفاضل محمّد جواد الأنصاري القمّي على ما بذله من عناية في هذا السبيل، و أشكر أخيرا السيد كريم أكبري و ابو الحسين الكعبى لمراجعتهما الكتاب، و دار اللوح المحفوظ التي قامت بنشر هذا العمل العقائديّ خدمة للإسلام و المسلمين، وفّق اللّه الجميع لما يحبّه و يرضاه إنّه سميع الدعاء.

قم المقدّسة- مهدي الأنصاري القميّ المبعث النبوي 27 رجب 1423

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين و به ثقتي، نحمدك اللّهم يا من شرح صدورنا بنور الإسلام، و هدانا لمعرفة أئمة الهدى من أهل بيت نبيّه عليه و عليهم الصلاة و السّلام.

أما بعد، فهذا ما اصطفينا من كتابنا «الوافي» ممّا رويناه عن أهل البيت (صلوات اللّه عليهم)، و زبدة ما يتعلّق به من البيان، مع تصرّف في بعض المواضع في الترتيب و العنوان، أوردنا فيه ما كان بمنزلة الأصول و الأركان، و ما لا تعارض عند التحقيق فيه، و لا تشابه بعد التأمّل في ألفاظه و معانيه، بل هو من قبيل المحكم، و اكتفينا عن المكرّر بالأوضح و الأتم، و اقتصرنا في الشرائع و الأحكام على الأهمّ و الأحكم، و حذفنا ذكر الرّواة إلّا عند الحاجة إليه لقلّة جدواه فيما خلص من التنافي، كما حقّق في «الوافي».

و ربّما ذكرنا بعض الحديث في ذيل ما يناسبه ليكمل به معنى، و ما سقط من نسخ (الكافي) فمن كتب شيخنا الصّدوق أثبتناه و سمّيناه «الشافي» و جعلناه جزءين: جزء فيما هو من قبيل العقائد و الأخلاق، و جزء فيما هو من قبيل الشرائع و الأحكام، و رتّبنا كلّا من الجزءين على اثني عشر كتابا، في كلّ كتاب أبواب، و اللّه الملهم لما يثبت و يترك في كلّ باب.*

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

كتاب العقل و الجهل

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

باب إقبال العقل و إدباره

[المتن]

[1] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «لما خلق اللّه العقل استنطقه ثمّ قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال: و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منك، و لا أكملتك إلّا في من احبّ، أما إنّي إيّاك آمر، و إيّاك أنهى، و إيّاك اعاقب، و إيّاك اثيب» (1).

* بيان

«العقل» جوهر ملكوتي نورانيّ، خلقه اللّه سبحانه من نور عظمته، و به أقام السّماوات و الأرضين و ما فيهنّ و ما بينهنّ من الخيرات، و لأجله ألبس الجميع حلّة نور الوجود، و بوساطته فتح أبواب الكرم و الجود، و لولاه لكنّا جميعا في ظلمة العدم، و لاغلقت دوننا أبواب النّعم، و هو أوّل خلق من الرّوحانيّين عن يمين العرش، و هو بعينه نور نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و روحه الّذي تشعّب منه أنوار أوصيائه المعصومين و أرواح الأنبياء و المرسلين (سلام اللّه عليهم أجمعين)، ثم خلقت من شعاعها أرواح شيعتهم من الأوّلين و الآخرين.

قال نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أوّل ما خلق اللّه نوري» (2) و في رواية أخرى: «روحي» (3) و في الحديث القدسي: «لولاك لما خلقت الأفلاك» (4) و في هذا المعنى وردت روايات كثيرة.

و في حديث المفضّل عن الصّادق (عليه السلام) «إنّا خلقنا أنوارا، و خلقت شيعتنا من شعاع

____________

(1). الكافي 1: 10/ 1.

(2). رياض الجنان- مخطوط، عنه البحار 15: 24/ 44. قال السيّد الداماد تغّمده اللّه بغفرانه: أوليّة خلق نوره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، انّما هي في الدرجة الأولى الرتبة، لأنّ درجة نفس الانسانية الكاملة التي هي في حال الكمال في سلسلة العود درجة المخلوق الأوّل الذي هو أوّل الأنوار العقلية في سلسلة البدو، و أقول: هذا طريقة أهل النظر و ما قلنا طريقة الموحّدين- منه (رحمه اللّه تعالى).

(3). البحار 57: 309 عن كتب العامّة.

(4). الأنوار لأبي الحسن البكري 1: 5.

38

ذلك النّور، فلذلك سمّيت شيعة، فإذا كان يوم القيامة التحقت السّفلى بالعليا» (1) و إنّما سمّي الخلق الأوّل عقلا لأنّه به يعقل كلّ شيء و يعلم، و نورا لأنّه به يبصر كلّ شيء، و روحا لأنّه به حياة كلّ شيء.

«استنطقه» جعله ذا نطق و كلام يليق بذلك المقام ليصير أهلا للخطاب، أو طلب منه النطق بأن قال له: «تكلّم» كما ورد في رواية اخرى. «أقبل» أي إلى الدنيا، و اهبط إلى الأرض رحمة للعالمين «فأقبل» فنزل إلى هذا العالم، فأفاض النّفوس الفلكيّة بإذن ربّه ثم الطّبائع، ثم الصّور، ثم الموادّ، فظهر في حقيقة كلّ منها و فعل فعلها، فصار كثرة و أعدادا، و تكثّر أشخاصا و أفرادا.

«ثم قال له أدبر» ارجع إلى ربّك «فأدبر» فأجاب داعي ربّه، و توجّه إلى جناب قدسه بأن صار جسما مصوّرا من ماء عذب و أرض طيّبة، ثم نبت نباتا حسنا، ثمّ صار حيوانا ذا عقل هيولائي، ثمّ صار عقلا بالملكة، ثمّ عقلا مستفادا، ثمّ عقلا بالفعل، ثمّ فارق الدّنيا و لحق بالرّفيق الأعلى. و كذلك فعل كلّ من تبعه و شيّعه من الأرواح المتشعبة منه المقتبسة من نوره أو المنبجسة (2) من شعاعه، و يلحق به الجميع و يحشر معه في عروجه إلى العالم الأعلى و رجوعه الى اللّه.

فإقباله عبارة عن توجّهه إلى هذا العالم الجسماني، و إلقائه عليه من شعاع نوره و إظهاره الأعيان فيه، و إفاضته الشّعور و الإدراك و العلم و النطق على كلّ منها بقدر استعداده له، و قبوله منه من غير أن يفارق معدنه و يخلّي مرتبته و مقامه في القرب، بل يرشح بفضل وجوده الفائض من اللّه عزّ و جلّ على وجود ما دونه.

و إدباره عبارة عن رجوعه إلى جناب الحقّ، و عروجه إلى عالم القدس باستكماله لذّاته بالعبوديّة الذّاتيّة شيئا فشيئا من أرض المادّة إلى سماء العقل حتى يصل إلى اللّه تعالى، و يستقرّ إلى مقام الأمن و الراحة، و يبعث إلى المقام المحمود الّذي يغبطه به الأوّلون و الآخرون.

فإقباله في جميع المراتب إيجابي تكويني لا يحتمل العصيان، و أمريّ دفعي لا يدخل تحت الزّمان، و لا يتطرّق الى السّابق عند وجود اللّاحق بطلان و لا نقصان، و إدباره في الأواخر تكليفي تشريعي، و كلّه خلقي تدريجي مقيّد بالزمان، يبطل السّابق عند وجود اللّاحق شخصا و جسما لا حقيقة و روحا، و كلّ مرتبة منهما عين نظيرتها من الاخر حقيقة و غيرها شخصا.

____________

(1). رياض الجنان لفضل اللّه بن محمود الفارسي- عنه البحار 25: 21/ 32.

(2). الانبجاس: النّبوع في العين خاصة أو عامّ.

39

و مثل نور العقل في عالم الغيب مثل نور الشمس في عالم الشهادة، فكما أنّ عين البصر تدرك بنور الشمس المحسوسات في هذا العالم، و لو لاه لما أبصرت شيئا، فكذلك عين البصيرة تدرك بنور العقل المعقولات في ذلك العالم، و لولاه لما أبصرت شيئا، و كما أنّ من عمي بصره لا يبصر بنور الشمس شيئا، فكذلك من عميت بصيرته لا يبصر بنور العقل شيئا.

ثم إنّ هذه الأنوار الشعاعيّة المنبجسة من ضياء العقل و النور المحمّدي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منها ما هو غريزيّ للإنسان، به يتهيّأ لإدراك العلوم النظرية، و تدبير الصناعات الخفيّة، فيخرجها من القوة إلى الفعل شيئا فشيئا، و بها يفارق سائر الحيوانات، و منها ما هو مكتسب له، به يميّز بين النافع له في المال و الضارّ به فيه، فيقدم على النافع و يجتنب الضارّ، و يختار الاجل الباقي على العاجل الفاني في النفع و بالعكس في الضرر، و هو ثمرة الأول و الغاية القصوى له، و تؤيّده الملائكة و تلهمه و تهديه.

و إلى كلا العقلين اشير فيما ينسب إلى أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) أنّه قال:

رأيت العقل عقلين * * * فمطبوع و مسموع

و لا ينفع مسموع * * * إذا لم يك مطبوع

كما لا تنفع الشمس * * * وضوء العين ممنوع

و لكلّ منهما درجات و مراتب: فكامل و أكمل و ناقص و أنقص.

«إيّاك آمر» إمّا على حقيقته، أو هو بمعنى بل و لأجلك، إذ العقل هو المكلّف أو هو ملاك التكليف.

«و إياك اعاقب» يعني عند انغمارك في التعلّقات الجسمانية، و استغراقك في الشهوات الدنيوية، و إلّا فالجوهر العقلي من جهة ذاته بذاته سعيد في الدنيا و الآخرة لا ذنب له و لا معصية، و إنّما يعتريه شيء من ذلك لأجل صحبة البدن و مخالطة الوهم و الخيال، و النزول في منزل الأرذال.

هذا ما عندي في شرح هذا الحديث، و إنّما اقتبسته من مشكاة أنوار أئمتنا (عليهم السلام) و إفاضة أشعّة أضوائهم، فإنّ عطاياهم لا تحملها إلّا مطاياهم، و سيأتي في كلماتهم (عليهم السلام) ما يؤكّده و يحقّقه إن شاء اللّه تعالى.

و زاد في «محاسن البرقي» في آخر الحديث: «فأعطى محمدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تسعة

40

و تسعين جزءا، ثم قسّم بين العباد جزءا واحدا» (1) و كأنه أريد بالجزء الواحد الجزء الشعاعي الذي لا ينتقص بانبجاسه من عقل الكلّ شيء منه، و إنّما قيل ذلك تمثيلا للنسبة.

باب جنود العقل و الجهل

[المتن]

[2] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه خلق العقل- و هو أوّل خلق من الروحانيين- عن يمين العرش من نوره، فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، فقال اللّه تعالى:

خلقتك خلقا عظيما، و كرّمتك على جميع خلقي.

قال ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانيا، فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فلم يقبل، فقال له: استكبرت، فلعنه.

ثمّ جعل للعقل خمسة و سبعين جندا، فلمّا رأى الجهل ما أكرم اللّه به العقل و ما أعطاه، أضمر له العداوة، فقال الجهل: يا ربّ، هذا خلق مثلي خلقته و كرّمته و قوّيته، و أنا ضدّه و لا قوّة لي به، فأعطني من الجند مثل ما أعطيته، فقال: نعم، فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك و جندك من رحمتي، قال: قد رضيت.

فأعطاه خمسة و سبعين جندا، فكان ممّا أعطى من الخمسة و سبعين الجند. الخير و هو وزير العقل، و جعل ضدّه الشر و هو وزير الجهل، و الإيمان و ضدّه الكفر، و التصديق و ضدّه الجحود، و الرجاء و ضدّه القنوط، و العدل و ضدّه الجور، و الرضا و ضدّه السخط، و الشكر و ضدّه الكفران، و الطمع و ضدّه اليأس، و التوكّل و ضدّه الحرص، و الرأفة و ضدّها القسوة، و الرحمة و ضدّها الغضب، و العلم و ضدّه الجهل، و الفهم و ضدّه الحمق، و العفّة و ضدّها التهتّك، و الزّهد و ضدّه الرغبة، و الرفق و ضدّه الخرق، و الرّهبة و ضدّها الجرأة، و التواضع و ضدّه الكبر، و التؤدة (2) و ضدّها التسرّع،

____________

(1). المحاسن 1: 192/ 8.

(2). التؤدة: بضم التاء و فتح الهمزة و سكونها: التأنّي و التمهّل و الرزانة- لسان العرب-

41

و الحلم و ضدّه السّفه، و الصمت و ضدّه الهذر، و الاستسلام و ضدّه الاستكبار، و التسليم و ضدّه الشك، و الصبر و ضدّه الجزع، و الصفح و ضدّه الانتقام، و الغنى و ضدّه الفقر، و التذكّر و ضدّه السهو، و الحفظ و ضدّه النسيان.

و التعطّف و ضدّه القطيعة، و القنوع و ضدّه الحرص، و المواساة و ضدّها المنع، و المودّة و ضدّها العداوة، و الوفاء و ضدّه الغدر، و الطاعة و ضدّها المعصية، و الخضوع و ضدّه التطاول، و السلامة و ضدّها البلاء، و الحبّ و ضدّه البغض، و الصدق و ضدّه الكذب، و الحقّ و ضدّه الباطل، و الأمانة و ضدّها الخيانة، و الإخلاص و ضدّه الشّوب، و الشهامة و ضدّها البلادة، و الفهم و ضدّه الغباوة.

و المعرفة ضدّها الإنكار، و المداراة ضدّها المكاشفة، و سلامة الغيب ضدّها المماكرة، و الكتمان ضدّه الإفشاء، و الصلاة ضدّها الإضاعة، و الصوم ضدّه الإفطار، و الجهاد ضدّه النكول، و الحجّ ضدّه نبذ الميثاق، و صون الحديث ضدّه النميمة، و برّ الوالدين ضدّه العقوق، و الحقيقة ضدّها الرياء، و المعروف ضدّه المنكر، و الستر ضدّه التبرّج، و التقيّة ضدّها الإذاعة، و الإنصاف ضدّه الحميّة، و التهيئة ضدّها البغي، و النظافة ضدّها القذر.

و الحياء ضدّه الخلع، و القصد ضدّه العدوان، و الراحة ضدّها التعب، و السهولة ضدّها السهولة، و البركة ضدّها المحق، و العافية ضدّها البلاء، و القوام ضدّه المكاثرة، و الحكمة ضدّها الهوى، و الوقار ضدّه الخفّة، و السعادة ضدّها الشقاوة، و التوبة ضدّها الإصرار، و الاستغفار ضدّه الاغترار، و المحافظة ضدّها التهاون، و الدعاء ضدّه الاستنكاف، و النشاط ضدّه الكسل، و الفرح ضدّه الحزن، و الالفة ضدّها الفرقة، و السخاء ضدّه البخل.

و لا تجتمع هذه الخصال كلّها من أجناد العقل إلّا في نبي أو وصي نبي أو مؤمن قد امتحن اللّه قلبه للإيمان، و أمّا سائر ذلك من موالينا فإنّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتّى يستكمل و ينقى من جنود الجهل، فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء و الأوصياء، و إنّما يدرك ذلك بمعرفة العقل و جنوده و مجانبة

42

الجهل و جنوده، وفّقنا اللّه و إيّاكم لطاعته و مرضاته» (1).

* بيان

«العرش» عبارة عن جميع الخلائق كما ورد في الحديث (2) و يأتي ذكره، و يمينه أقوى جانبيه و أشرفهما و هو عالم الروحانيات كما أن يساره أضعفهما و أدونهما و هو عالم الجسمانيات «من نوره»: من نور ذاته الذي هو عين ذاته.

«أدبر» أي انصرف إلى الدنيا و اهبط إلى الأرض رحمة للعالمين، فمعنى الإدبار هاهنا بعينه هو معنى الإقبال في الحديث الأوّل، و التعبير عنه بكلّ منهما صحيح، فإنّ اللّه سبحانه بكلّ شيء محيط فالإقبال إليه عين الإدبار عنه و بالعكس، فلا منافاة بين الحديثين في التقديم و التأخير.

«أقبل» توجّه إلي و ترقّ إلى معارج الكمال باكتساب المقامات و الأحوال «خلقا عظيما» إذ به يقوم كلّ شيء بعد تقويم اللّه إيّاه «و كرّمتك على جميع خلقي» إذ هو وسيلة إفاضة نور الوجود على الجميع.

«ثم خلق الجهل» و هو جوهر نفساني ظلماني خلق بالعرض و بتبعيّة العقل من غير صنع فيه غير صنع العقل، يقوم به كلّ ما في الأرض من الشرور و القبائح و هو بعينه نفس إبليس و روحه الذي به قوام حياته الذي تشعّب منه أرواح الشياطين، ثم خلقت من ظلماتها أرواح الكفّار و المشركين.

«من البحر الاجاج» من المادة الجسمانية الظلمانية الكدرة التي هي منبع الشرور و الافات في هذا العالم، و هو إشارة إلى علّته القابلية، قال اللّه تعالى وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمٰاءِ (3) أي كان بناء العالم الجسماني و قوامه على المادّة التي لها قبول كلّ خير و شرّ كالماء القابل للتشكّلات المختلفة بسهولة، فمنه عذب فرات و منه ملح اجاج.

و قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه قبل أن يخلق الخلق قال: كن ماء عذبا أخلق منك جنّتي و أهل طاعتي، و كن ملحا اجاجا أخلق منك ناري و أهل معصيتي، ثم أمرهما فامتزجا، فمن ذلك صار يلد المؤمن كافرا و الكافر مؤمنا». (4)

و يؤيّد هذا التشبيه و التجوّز و يشيّده ما يقال أنّ نسبة المادّة إلى مقبولاتها التي

____________

(1). الكافي 1: 20/ 14.

(2). معاني الأخبار: 29.

(3). هود/ 7.

(4). المحاسن 1: 282/ 412.

43

هي لابستها و خالعتها من الصور و الأعراض نسبة البحر إلى الأمواج.

«فقال له أدبر» أمر اللّه له أمر التكوين أن اهبط من عالم الملكوت و النور إلى عالم الموادّ و الظلمات مصلحة للنظام و ابتلاء للأنام، إذ نظام هذا العالم و عمارته لا ينصلح إلّا بنفوس شرّيرة و قلوب قاسية، و تكميل السعداء المهتدين لا يتمشّى إلّا بوجود الأشقياء المردودين، و لأن يتحقق مظاهر بعض الأسماء فيوجد آثارها «كالعدل» و «المنتقم» و «الجبار» و «التوّاب» و «الغفور» و «العفو» فإنها أسماء إلهيّة و صفات ربّانية لا يظهر آثارها و غاياتها إلّا إذا جرى على العبد ذنب، و لذلك ورد في بعض الأخبار «لو لا أنّكم تذنبون لذهب اللّه بكم و جاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر اللّه لهم».

«فأدبر» فتوجّه إلى عالم الزور و بعد عن مقام الرحمة و النور هابطا مع العقل حيث هبط و ظهر في حقائق النفوس الفلكية و الطبائع و الصور و المواد، فصار جسما مصورا من ماء اجاج و أرض خبيثة منتنة، ثم صار نباتا، ثم صار حيوانا ذا جهل هيولائي، ثم اكتسب جهلا بالملكة، ثم جهلا مستفادا، ثم جهلا بالفعل، و عند ذلك انتهى إدباره فصار في غاية البعد من اللّه سبحانه.

و كذلك فعل من تبعه و شيّعه من الأرواح الخبيثة المتشعّبة منه و يلحق به و يحشر معه في هواه إلى دركات الجحيم و نزوله إلى أسفل سافلين، و إدباره في جميع المراتب تابع لإدبار العقل و إقباله جميعا، و إنما تحقق بالعرض لا بالذات، إذ كلّ من لم يقبل من شعاع نور العقل أو قلّ قبوله منه، بقي في ظلمة الجهل بمقدار عدم قبوله منه، و ذلك لسوء استعداد مادّته و خبث طينته.

«ثم قال له: أقبل» أمرا تكليفيا تشريعيا «فلم يقبل» لأنه بلغ بالإدبار أقصى مراتب الكمال المتصوّر في حقّه، و لهذا استكبر لتأكّد وجوده الظلماني و رسوخه في ذمائم الصفات و قوة أنانيّته و اغتراره. و الإقبال إلى الحقّ إنّما يتيسّر لنفوس السعداء لأجل ضعف وجودهم الجسماني و قبولهم التبدّل في الأكوان الوجودية، و تطوّرهم في الأطوار الاخروية بفناء بعد فناء لبقاء فوق بقاء، و عدم تعلّقهم بهذا الوجود، و لا تقيّدهم بهذه المحابس و القيود، و ترك التفاتهم إلى شيء سوى مبدأ كلّ خير وجود، و ليس شيء من هذه في الأشقياء، بل هم متّصفون بأضدادها.

«فلعنه» أبعده عن رحمته و طرده عن دار كرامته «خمسة و سبعين جندا» المذكور في النسخ التي رأيناها عند التفصيل «ثمانية و سبعين» و لعلّ الثلاثة الزائدة «الطمع و العافية و الفهم» لاتّحاد الأوّلين مع الرجاء و السلامة المذكورين و ذكر

44

الفهم مرّتين في مقابلة اثنين متقاربين. و لعلّ الوجه في ذلك أنّه لمّا كان كلّ منها غير صاحبته في دقيق النظر ذكرت على حدة، و لمّا كان الفرق دقيقا خفيّا و المعنى قريبا- كما يأتي ذكره- لم يحسب من العدد.

«أضمر له العداوة» قال استادنا في العلوم الحقيقية صدر المحقّقين محمّد بن إبراهيم الشيرازي (قدّس سرّه): إنّما لم يعلن بالعداوة لعدم قدرته على إمضائها، و ذلك أنّه لمّا ظهر له من فضائل العقل و محاسنه و ما أكرمه اللّه به من العلوم و الكمالات ممّا هو مسلوب عنه، و لا يمكنه تحصيلها لنفسه لإعراضه عن الحقّ سابقا بالإيجاب و لاحقا بالاكتساب، و لا يقدر أيضا على جحودها و إنكارها لغاية ظهورها و ظهور آثارها، فغلبه الحسد و البغضاء، فجعل تارة يكتسب لنفسه صفات مشبّهة و علوما مموّهة، و أقوالا مزخرفة يتراءى عند الجهال أنّها كمالات، و اخرى يعارض العقلاء و يقاوم الحكماء بصفات تضادّ صفاتهم، فالتطارد بين حزب اللّه و حزب الشيطان واقع إلى يوم القيامة، كما قال الخليل على نبيّنا و (عليه السلام):

وَ بَدٰا بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةُ وَ الْبَغْضٰاءُ أَبَداً حَتّٰى تُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ (1).

«مثلي» فإنّي مخلوقك كما أنّه مخلوقك «مثل ما أعطيته» في القوّة و الكثرة، ليتحقّق (2) لي بكلّ منها المعارضة و المجادلة معه، و ذلك قول اللّه عز و جل: وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (3).

«من رحمتي» أي من الرحمة العامّة الواسعة التي وسعت كلّ شيء، لا الخاصة التي هي لأهل السعادة خالصة، لخروج الجهل و جنده من تلك الرحمة أزلا و أبدا.

«الخير» المراد به معناه الحقيقي دون الإضافي و هو ظاهر، و إنّما جعل وزير العقل لدخول سائر جنوده تحته كدخول سائر جنود الملك تحت حكم وزيره، و كذا الكلام في الشرّ.

«و الإيمان» هو الاعتقاد الجازم الثابت باللّه سبحانه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الاخر، و كماله إنّما يكون بالعمل بمقتضاه «و التصديق» يعني بما ظهر حقيقته و لأهل الحق إذا عرفوه.

«و الرجاء» الفرق بينه و بين الطمع، و كذا بين القنوط و اليأس، إمّا بأن يخصّ

____________

(1). الممتحنة (60): 4.

(2). يستحقّ- خ ل.

(3). الذاريات (51): 49.

45

الرجاء و القنوط بالامور الاخروية، و الآخران بالامور الدنيوية، كما يشعر به قوله سبحانه: لٰا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (1) و قوله عز و جل حكاية: فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لٰا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ (2) أو يخصّ الرجاء بما يكون بالاستحقاق و الطمع بما ليس بالاستحقاق، و كذا الآخران، أو يخصّ أحدهما بإعطاء الثواب، و الاخر بترك العقاب، و مقابلاهما بما يقابلهما.

«و العدل» هو لزوم الاقتصاد في كل شيء من الأخلاق و الأعمال و معاملات الناس من غير ميل إلى طرفي الإفراط و التفريط.

«و الرضا» أي بقضاء اللّه عزّ و جل، و علامته ترك الشكاية في نفسه و إلى غيره.

«و الشكر» و هو يكون باللسان بأن يحمد اللّه على نعمه، و بالجنان بأن يعتقد أنّها من اللّه تعالى، و بالأركان بأن يصرفها في طاعة اللّه.

«و التوكل»: و هو أن يكل اموره جميعا إلى اللّه تعالى و لا يعتمد على الأسباب، و لا ينافيه السعي الإجمالي فيها من غير اعتماد «و ضدّه الحرص» هو بذل الجهد في التحصيل معتقدا أنّ بدون ذلك لا يحصل، و لاشتماله على المعنيين قوبل تارة بالقنوع كما يأتي، و اخرى بالتوكّل كما هنا. و قيل: بل الذي هو ضدّ التوكّل إنّما هو بالضاد المعجمة و التحريك، و معناه: الهمّ بالشيء و الحزن له و الوجد عليه.

و تقسّم البال في التوصّل إليه.

«و الرأفة» قيل: هي حال القلب المعنوي، و الرحمة حال القلب الجسماني.

«و ضده الجهل» هو عدم العلم عمّن شأنه أن يكون عالما، فهو غير الجهل الذي في مقابلة العقل الذي قد مرّ تفصيله.

«و ضدّه الحمق» هو البلادة المفرطة، و لعلّ الفرق بينه و بين الغباوة كالفرق بين الجهل المركب و البسيط.

«و العفّة» هي اعتدال القوّة الشهوية في كلّ شيء من غير ميل إلى الإفراط و التفريط. «و ضدّها التهتّك» هو إفراطها و استعمالها فيما لا ينبغي.

«و الزهد» يعني في الدنيا، «و الرفق» هو التلطّف و لين الجانب. «و ضدّه الخرق» بالضم، و بالتحريك، و هو الزجر و الخشونة، و أصله الجهل و الحمق، و يقال:

«الأخرق» لمن لا يحسن العمل و التصرف في الامور أيضا.

«و الرهبة» يعني من اللّه سبحانه «و ضدّها الجرأة» يعني على محارم اللّه سبحانه.

____________

(1). الزمر (39): 53.

(2). يوسف (12): 87.

46

«و ضدّه الكبر» هو ما يكون في النفس كامنا، فإن ترتّب عليه الآثار فهو التكبّر و الاستكبار.

«و التؤدة» هي التأنّي و التثبّت في الامور. «و ضدّه السّفه» هو الخفّة و الطيش.

«و الصمت» هو السكوت عمّا لا يحتاج إليه «و ضدّه الهذر» هو الهذيان و الكلام الذي لا فائدة فيه.

«و الاستسلام» هو الطاعة و الانقياد لكلّ ما هو حقّ، «و التسليم» هو الإذعان للحق من غير تزلزل و اضطراب. و ربما يوجد في بعض نسخ «الكافي» و غيره:

(و التسليم و ضدّه التجبّر، و العفو و ضدّه الحقد، و الرّقة و ضدّها القسوة، و اليقين و ضدّه الشك)، و يمكن إرجاع بعض هذه إلى غيرها ممّا ذكر.

«و الصبر» أي على الطاعات، و عن المعاصي، و على المكاره، «و الصفح» هو العفو و التجاوز.

«و الغنى» يعني بالحق، أو غنى النفس، أو التغاني، «و ضدّه الفقر» يعني إلى الخلق، أو فقر النفس، أو التفاقر.

«و التذكر» و هو استحضار القوّة المدركة الصورة العلميّة من الحافظة ثانيا بعد ما أدركتها أولا و اختزنتها فيها. و في بعض النسخ: «التفكّر» يعني في صنائع اللّه سبحانه و بدائعه و آفات النفس و الامور الاخروية و نحو ذلك. «و ضدّه السهو» السهو إن جعل ضد التذكّر فمعناه: زوال تلك الصورة من المدركة لا الحافظة، فيمكن استحضارها ثانيا عند التفتيش و الإمعان و الاسترجاع، و إن جعل ضدّ التفكّر فمعناه: الغافلة عمّا ينبغي أن يتفكّر فيه.

«و الحفظ» يعني حفظ ما ينبغي حفظه، و هو اختزان الصورة العلمية في الحافظة. «و ضدّه النسيان» هو زوالها عن الحافظة.

«و القنوع» أي في امور الدنيا بالقليل اليسير و على قدر الكفاية. «و المواساة» هي المشاركة في المعاش و المساهمة في الرزق مع إخوانه الذين هم نظراؤه في الدين.

«و المودّة» هي من الودّ بمعنى الحبّ، و كأنّ الفرق بينها و بين الحبّ أنّ الحبّ ما كان كامنا في النفس و ربّما لم يظهر أثره، بخلاف المودّة فإنها عبارة عن إظهار المحبة و إبراز آثارها من التألّف و التعطّف و نحو ذلك، فالحبّ أعمّ و كذا مقابلاهما.

«و الوفاء» هو إتمام الحقوق و توفيرها «و الخضوع» أي لمن ينبغي و يستحقّ له،

47

و هو التذلّل، و ربّما يفرّق بينه و بين الخشوع بأن يخصّ الخضوع بالصوت و البصر، و الخشوع بالبدن، أو أحدهما بالقلب و الاخر بالجوارح. «و ضدّه التطاول» هو الترفّع و الاستحقار.

«و السلامة و ضدّها البلاء» و يأتي أيضا «و العافية و ضدّها البلاء» و ربّما يفرّق بينهما بأن يجعل البلاء الذي ضدّ السلامة بمعنى الامتحان و الاختبار و يكون بالخير و الشرّ، و البلاء الذي ضدّ العافية، بمعنى البلوى و البليّة. و ربّما يخصّ متعلّق أحدهما ممّا يكون العبد سببا له كالفسوق و العادات الرديّة، و الاخرى بما يكون من جهته سبحانه كالأمراض و العلل، أو يخصّ إحداهما بالروح و الاخرى بالجسد، أو يخصّ إحداهما بالنفس و الاخرى بما يخرج عنها كالأهل و المال و الولد، و الأوّل أولى.

ثم إن فسّرناهما أو إحداهما بالخلوّ من الأمراض النفسانية و الآراء الفاسدة و الأعمال القبيحة فكونهما من جنود العقل، و كون ضدّهما من جنود الجهل ظاهر، فإنّ العاقل يتخلّص منها لمعرفته بها، و الجاهل يختارها و يقع فيها من حيث لا يشعر. و أمّا إذا فسّرناهما أو إحداهما بالخلوّ من الأمراض و العلل، فبيانه يحتاج إلى بسط في الكلام مع أنه ورد في الحديث: «إنّ البلاء موكّل بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثال فالأمثل» (1) فكيف يكون من جنود الجهل ما هو بالأنبياء و الأولياء أخصّ و بهم أليق!

فنقول و باللّه التوفيق: قد دلّ قوله سبحانه: مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (2) على أن جميع المصائب من الأمراض و العلل و غيرها متسبّب عن سيّئات العبد و معاصيه الناشئة من جهله، فهو بمقدار جهله و قلّة عقله سبب لمعاصيه الموجبة لابتلائه بالبلايا.

و أمّا الأنبياء و الأولياء فابتلاؤهم مخصوص بأبدانهم و ما يتعلّق بحياتهم الدنيوية فحسب دون أرواحهم و ما يرتبط بحياتهم الاخروية، و أبدانهم في معرض الغافلة و الحجاب و البعد عن اللّه سبحانه اللازمة للبشرية، فهم إنّما يبتلون في أبدانهم بقدر غفلتهم و لوازم بشريّتهم في هذه الدار التي هي بمنزلة السجن لهم ليتخلّصوا إلى جناب القدس خالصين مخلصين (بفتح اللام) و هذا لا ينافي عصمتهم، لأنّ عصمتهم إنما هي من الذنوب و المعاصي لا المباحات المبعدة لهم

____________

(1). الكافي 2: 106/ 259/ 29 ما في معناه.

(2). الشورى (42): 30.

48

عن عوالي المراتب الموجبة لابتلائهم بالمصائب ليعودوا إليها، يدلّ على ذلك ما نسب إليهم في القرآن ممّا لا ينبغي و ان لم يكن معاصي.

و في (روضة الكافي) باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ مِنَ الشَّيْطٰانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (1)؟

فقال: «يا أبا محمّد، تسلّطه و اللّه من المؤمن على بدنه و لا يسلّط على دينه، و قد سلّط على أيّوب (عليه السلام) فشوّه خلقه و لم يسلّط على دينه، و قد يسلّط من المؤمنين على أبدانهم و لا يسلّط على دينهم».

قلت: قوله تعالى: إِنَّمٰا سُلْطٰانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (2).

قال: «الذين هم باللّه مشركون يسلّط على أبدانهم و على أديانهم» (3).

«و الإخلاص» هو أن يفعل الطاعة ابتغاء لوجه اللّه سبحانه و الدار الآخرة لا لشيء آخر من هوى أو شهوة، أو عادة، أو رياء، أو نحو ذلك. «و ضدّه الشوب» هو أن يكون مشوبا بإحدى هذه.

«و الشهامة» هي الجلادة و ذكاء الفؤاد و توقّده، و المعرفة ربّما يفرّق بينها و بين العلم بأنها إدراك الجزئيات، و العلم إدراك الكلّيات، أو هي إدراك البسائط، و هو إدراك المركبات، أو هي الإدراك التصوري، و هو الإدراك التصديقي، أو هي إدراك الشيء ثانيا و تصديقه بأنّ هذا ذاك الذي قد أدركه أولا، و كأنّه المراد هاهنا، لأن الإنكار لا يصلح أن يكون ضدّا إلّا لمثل هذا المعنى.

«و المداراة» هي الستر على المعايب و ترك الجفاء و الصبر على الأذى «و ضدّها المكاشفة» هي إظهار العداوة و كشف البغضاء «و سلامة الغيب» أي سلامة غيره منه في غيبته فلا يمكره، أو اريد بالغيب القلب «و الكتمان» أي ستر عيوب الإخوان و أسرار الخلّان. قيل: و إن اضطرّ إلى الكذب فله أن يفعل كما في حقّ نفسه، فالمؤمنون كنفس واحدة.

«و الصلاة» و ضدّها الإضاعة، و للإضاعة مراتب أعلاها تركها بالكليّة، و أدناها ترك شيء من آدابها و سننها كالمحافظة على وقتها و الإقبال عليها و الجماعة فيها.

____________

(1). النحل (16): 98- 99.

(2). النحل (16): 100.

(3). الكافي 8: 288/ 433.

49

«و ضدّه الإفطار» للإفطار أيضا مراتب، أعلاها الأكل و الشرب و الوقاع، و أدناها الغيبة و الكذب و الفحش و الخصومة و نحوها.

«و الجهاد» و هو شامل للأصغر الذي هو مع الأعداء الظاهرة، و الأكبر الذي هو مع النفس التي هي أعدى الأعداء «و ضدّه النكول» هو الامتناع و ترك الإقدام، و له مراتب أعلاها ترك الجهاد بالكلية، و أدناها ترك الإخلاص فيه و شوبه بالحظوظ العاجلة.

«و ضدّه نبذ الميثاق» هو ترك الوفاء بالعهد، فإن للّه سبحانه عهدا في عنق عباده أن يحجّوا بيته الحرام و يتذكروا الميثاق الذي جعله اللّه سبحانه لهم في الحجر الأسود بالربوبية لنفسه و بالنبوّة لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بالوصيّة لعلي (عليه السلام)، فإنّه أوّل من أسرع إلى الإقرار بذلك، فاختاره اللّه لأن يجعل فيه ميثاق الناس، فيشهد يوم القيامة لكلّ من وافاه و حفظ الميثاق كما جاءت به الرواية عنهم (عليهم السلام). و الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

«و ضدّه النّميمة» هي نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد و الشرّ، فهي أخصّ من الإفشاء. لأنّه قد يتعلّق بغير الحديث، كما انّ صون الحديث أخصّ من الكتمان.

«و ضدّه العقوق» هو الإساءة إليهما و تضييع حقوقهما.

«و الحقيقة» هي استواء السرّ و العلانية بأن لا يظهر في أفعاله و أقواله، و كلّ ما ندب إليه الشرع في فعل الحسنات و ترك القبائح، و هو من الصفات الغالبة، أي الأمر المعروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه.

«و الستر» هو بفتح السين بمعنى التغطية، و المراد به تغطية ما يقبح إظهاره و يستهجن شرعا أو عرفا. «و ضدّه التبرّج» هو التظاهر بذلك من دون مبالاة.

«و التقيّة» هي وقاية النفس من اللائمة أو العقوبة، و هي من الدّين، و في كلّ شيء «و ضدّها الاذاعة» هي الإشاعة، قال اللّه تعالى تعييرا لقوم: وَ إِذٰا جٰاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذٰاعُوا بِهِ (1).

«و الإنصاف» هو التسوية و العدل «و ضدّه الحميّة» هي التجاوز من العدل و التعدّي من الحق استنكافا منهما للغيرة النفسانية و التعصّب للشيء، سمّيت بها لأنها سبب الحماية.

____________

(1). النساء (4): 83.

50

«و التهيئة» لعلّ المراد بها هاهنا التأنّي و التثبّت في الامور و الاستقامة على المأمور، و ربّما تفسّر بالموافقة و المصالحة للجماعة و إمامهم، و في بعض النسخ بالنون قبل الهاء، فإن صحّت فهي اسم من انتهى عن المنكر و تناهى عنه.

«و ضدّه الخلع» هو في الأصل بمعنى النزع و من لم يستحي فكأنّه نزع، عن نفسه قيد الشرع و عقال العقل.

«و القصد» هو التوسط في الامور كلّها، «و ضدّه العدوان» هو التجاوز عن الوسط و العدول عنه الاستقامة إما إلى الإفراط أو التفريط.

و «الراحة» قيل: يعني بها اختيار ما يوجبها بحسب النشأتين.

و قال استاذنا صدر المحقّقين طاب ثراه: إنّما كانت الراحة من جنود العقل لقلّة شواغل العاقل بالامور الدنياوية و لاستئناسه بذكر الحق، و رضائه بما جرى عليه و قسم له من قضاء اللّه صابرا على أحكامه شاكرا لنعمه، لا يحسد أحدا من الخلق، و لا يريد ظلما و لا سوءا، و لا يضمر دغلا و لا شرّا، فنفسه ساكنة عن الوسواس، و قلبه فارغ عن الخلق، يستوي عنده إنكارهم و إذعانهم لعلمه بحقارة الدنيا و دثورها.

و امّا الجاهل فهو أبدا في تعب و مشقّة، تارة من جهة عاداته الردّية و أمراضه النفسانية، كالحقد، و الحسد، و العداوة، و غيرها من الملكات التي هي كشعلات نارية، يحترق بها قلبه في الدنيا و الآخرة، و تارة من جهة أغراضه النفسانية الشهوية، و اكتساب مشتهياته التي يتعب بدنه في تحصيلها من ارتكاب الأسفار البعيدة، و ركوب البحار العميقة، و قطع المفاوز الخطيرة، و تارة من جهة حبّه الرئاسات و المناصب و الترفّعات على الأقران بارتكاب المخاطرات، كتقرّب السلاطين، و تعرّضه لمكافحة الخصماء و محاربة الأعداء إلى غير ذلك من الامور الباطلة المتعبة للنفوس و الأبدان، المعذّبة للقلوب و الأرواح، و منشأ هذه كلّها الجهل بدناءة الحياة الدنيا و خساسة هذه الأغراض و دثورها و زوالها.

و «السهولة» هي الانقياد و لين الجانب، في الحديث النبويّ: «المؤمنون هيّنون ليّنون، كالجمل الأنف إن قيد انقاد، و إن انيخ على صخرة استناخ» (1).

«و البركة» هي الدوام و الثبات و النماء «و ضدّها المحق» هو النقص و المحو و الإبطال.

____________

(1). النهاية 1: 75، شرح شهاب الاخبار: 48/ 119.

51

«و القوام» هو القناعة بما يقوم به الشخص في الدنيا و يتقوى به في العبادة و الكفاية بالمقدور و الاقتصاد في التحصيل و الإنفاق، قال اللّه تعالى: وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً (1). «و ضدّه المكاثرة» هي جمع الأسباب و الحرص على التكاثر في الأموال و الأولاد و الضياع و العقار و النساء و الخيل و الأنعام و غير ذلك من متاع الحياة الدنيا ممّا يزول و تبقى حسرته، و قد ورد: «إنّ الدنيا دار من لا دار له و لها يجمع من لا عقل له» (2).

«و الحكمة» هي الأخذ باليقينيّات الحقّة في القول و العمل و «ضدّها الهوى» هو الرأي الفاسد و اتّباع النفس و شهواتها الباطلة فيهما، قال اللّه تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ (3).

«و الوقار» هو الثبات و السكون و الحلم و الرزانة.

«و السعادة و ضدّها الشقاوة» السعادة: هي نيل ما تشتهيه النفس مع الشعور به، و الشقاوة: فقد ذلك مع الشعور به. و كلّ منهما ينقسم إلى الدنياوية و الاخراوية، و السعادة الدنياوية أيضا من جنود العقل إذا لم يخلّ بالاخراوية، و أمّا الشقاوتان فكلتاهما من جنود الجهل، كما بيّناه في بيان الراحة و التعب.

و «التوبة» هي الرجوع من الذنب إلى الطاعة «و ضدّها الإصرار» هو الإقامة على الذنب و الإدامة عليه.

«و الاستغفار» هو طلب المغفرة و العفو من اللّه تعالى عن تقصيره في جنب اللّه «و ضدّه الاغترار» هو الغافلة عن التقصير بسبب غلبة الهوى.

«و المحافظة» هي المراقبة و المداومة على فعل الخيرات «و ضدّها التهاون» هو الاستحقار و الاستخفاف.

«و النشاط» هو النهوض للعبادة على وجه الخفّة و السهولة «و ضدّه الكسل» هو التثاقل في الأمر.

و «الفرح» هو السرور، و إنّما كان الفرح من جنود العقل لأنّه من لوازم إدراك المحبوب و صفاته و آثاره، و كلّما كان المحبوب أشرف و أعلى فإدراكه و إدراك صفاته و آثاره ألذّ و أبهج، و سرور المدرك به أشدّ و أكثر. و العاقل محبوبه هو اللّه سبحانه الذي هو أعلى الأشياء، و هو مدرك لصفاته و آثاره عزّ و علا، فهو فرحان

____________

(1). الفرقان (25): 67.

(2). مسكّن الفؤاد: 2، المقدمة.

(3). النجم 53: 3.

52

بالحق و بكلّ شيء لأنه يرى فيه الحق و يعلم أنّه منه و أنّ مصيره إليه، لأنه ينظر إلى الأشياء بنور اللّه.

و الجاهل مطلوبه إنّما هي اللذّات الفانية التي هي حاجات متعبة و ضرورات مزعجة، فإنّ الأكل و الشرب و الوقاع و قهر العدوّ و نحوها مثلا إن هي إلّا دفع آلام و رفع كربات و تسكين نيران و إطفاء لهبات من جوع أو عطش أو غلمة (1) أو تشفّي غيظ أو نحو ذلك. و إنّما سمّي ما يحصل له عقيب انفعاله عنها فرحا و سرورا من باب الغلط و الاشتباه، لعدم وجدان صاحبه الفرح الحقيقي، فيحصل بسببه الغرور، كما قال سبحانه: إِنَّمَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ- إلى قوله- وَ مَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا إِلّٰا مَتٰاعُ الْغُرُورِ (2). بل كلّما نال منها شيئا اهتم في تحصيل آخر و لم يرض به و هكذا، فهو دائما في غمّ و حزن في تحصيل مأربة، و مأربة كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مٰاءً حَتّٰى إِذٰا جٰاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً (3).

و «ضدّه الحزن» إنّما كان الحزن من جنود الجهل لأنّه إنّما يكون على ما فات، و العاقل من حيث هو عاقل لا يتأسّف على ما فاته، قال اللّه سبحانه: لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ (4)، و قال: إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اللّٰهِ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ (5).

و «الالفة» يعني بالموافق و المخالف، قال استادنا (قدّس سرّه): الوجه في كون الالفة من صفات العقل أنّه جوهر مرتفع الذات عن الجسم و الجسمانيات، و عالمه عالم الوحدة و الجمعية، و منه يتفرّع كلّ خير و رحمة، و الجهل صفة النفوس المتعلّقة بالأجسام التي وجودها عين قبول الانقسام و الافتراق، و وحدتها عين الكثرة، و وصلها عين الفصل و المباينة. و كلّ واحد من ذوي النفوس الجزئية قبل أن يستكمل ذاته عقلا بالفعل، لا يحبّ إلّا نفسه، بل يعادي غيره و يحسده على ما آتاه اللّه من فضله، و إذا أحبّ أحدا فإنّما أحبّه ليتوصّل به إلى هواه أو شهوته، فإذا ارتفعت الأغراض و الأعراض من بينهم كما في الآخرة رجعوا إلى ما كانوا عليه من الفرقة و العداوة، كما قال سبحانه: الْأَخِلّٰاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ

____________

(1). الغلمة: هيجان شهوة النكاح من المرأة و الرجل «مجمع البحرين: 6/ 127».

(2). الحديد (57): 20.

(3). النور (24): 39.

(4). الحديد (57): 23.

(5). يونس (10): 62.

53

إِلَّا الْمُتَّقِينَ. (1)

و «ضدّها الفرقة» و في بعض النسخ «العصبية».

«و السخاء» له مراتب أعلاها بذل المهجة في سبيل اللّه، ثم الإيثار: و هو البذل مع الحاجة، و مقابله الإمساك عن نفسه مع حاجته، و هي غاية اللؤم، امتحن اللّه قلبه و شرحه و وسعه بالتصفية و التخلية (2) للإيمان (لنور الإيمان)، و هو العلم التحقيقي اللدنّي بمعرفة العقل و جنوده، لأنه إذا عرف العقل و جنوده عرف الجهل و جنوده، لأن الأشياء إنّما تعرف بأضدادها.

«و مجانبة الجهل و جنوده» إذا جونب الجهل و جنوده حصل العقل و جنوده، لأنّ التجلية و التحلية يستلزمان التخلية، و الأول إشارة إلى العلم، و الثاني إشارة إلى العمل.

باب الفضل و العقل

[المتن]

[3] 1. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام) قال لهشام بن الحكم: «يا هشام، إن اللّه تبارك و تعالى بشّر أهل العقل و الفهم في كتابه فقال: فَبَشِّرْ عِبٰادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ (3).

يا هشام، إنّ اللّه تبارك و تعالى أكمل للناس الحجج بالعقول و نصر النبيّين بالبيان، و دلّهم على ربوبيّته بالأدلّة». ثم تلا (عليه السلام) الآيات (4) التي تدلّ أهل العقل على معرفة اللّه سبحانه و ما

____________

(1). الزخرف (43): 67.

(2). و التحلية. خ ل.

(3). الزمر (39): 17- 18.

(4). الآيات: النحل (16): 12 و غافر (40): 67 و الجاثية (45): 5 و الحديد (57): 17 و الرعد (13): 4 و الروم (30): 24 و الأنعام (6): 151 و الروم (30): 28 و الأنعام (6): 32 و الصافات (37): 136- 138 و العنكبوت (29) 34 و 35 و 43 و البقرة (2): 170 و 171 و يونس (10): 42 و الفرقان (25): 44 و الحشر (59):

14 و الأنعام (6): 116 و لقمان (31): 25 و العنكبوت (29): 63 و سبأ (34): 13 و ص (38): 24 و غافر (40): 28 و هود (11): 40 و الأنعام (6): 37 و الأعراف (7): 131 و الأنفال (8): 34 و يونس (10): 55 و القصص (28): 13 و 57 و الزمر (39): 49 و الدخان (44): 39 و الطور (52): 47 و المائدة (5): 103 و البقرة (2): 269 و آل عمران (3): 7 و 190 و الرعد (13): 19 و الزمر (39): 9 و ص (38): 29 و غافر (40): 53- 54.

54

يستفاد منه مدح العقل و العقلاء و ذم الجهل و الجهلاء و ما يدلّ على مدح القلّة و ذم الكثرة و تحلية أولو الألباب بأحسن حلية.

ثم قال: «يا هشام، إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ (1) يعني عقل، و قال: وَ لَقَدْ آتَيْنٰا لُقْمٰانَ الْحِكْمَةَ (2) قال: الفهم و العقل.

يا هشام، إنّ لقمان قال لابنه: تواضع للحقّ تكن أعقل الناس، و إنّ الكيّس لدى الحق يسير (3). يا بني، إنّ الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى اللّه، و حشوها الإيمان، و شراعها التوكّل، و قيّمها العقل، و دليلها العلم، و سكّانها الصبر.

يا هشام، إنّ لكلّ شيء دليلا، و دليل العقل التفكّر، و دليل التفكّر الصمت، و لكلّ شيء مطيّة، و مطيّة العقل التواضع. و كفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه.

يا هشام، ما بعث اللّه أنبياءه و رسله إلى عباده إلّا ليعقلوا عن اللّه تعالى، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، و أعلمهم بأمر اللّه أحسنهم عقلا، و أكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا و الآخرة.

يا هشام، إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرّسل و الأنبياء و الأئمة، و أما الباطنة فالعقول.

يا هشام، إنّ العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، و لا يغلب الحرام صبره.

يا هشام، من سلّط ثلاثا على ثلاث فكأنّما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكّره بطول أمله، و محا طرائف حكمته بفضول كلامه، و أطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنّما أعان هواه على هدم عقله، و من هدم عقله أفسد عليه دينه و دنياه.

يا هشام، كيف يزكو عند اللّه عملك، و أنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك، و أطعت هواك على غلبة عقلك!

يا هشام، الوحدة علامة قوة العقل فمن عقل، عن اللّه اعتزل أهل الدنيا و الراغبين

____________

(1). ق (50): 37.

(2). لقمان (31): 12.

(3). أسير. خ ل.