الفوائد الطوسية

- الحر العاملي المزيد...
557 /
1

-

2

[المدخل]

بسمه تعالى

الحمد للّه الذي زيّن سماء الحوزات العلمية بأشعة أنوار علوم العلماء العاملين و أوضح مسالك الحلال و الحرام بمساعى الفقهاء البارعين و رجّح ميزان شرائع الإسلام بتثقيل موازين حملة آثار الأئمة الرّاشدين و الصلاة و السلام الازكيان على أشرف الأنبياء محمد و عترته الأقدسين ثم رحمة اللّه و رضوانه على متابعيهم و المقتفين لآثارهم و المقتبسين من أنوارهم من الأولين و الآخرين الى يوم الدين.

و بعد فيقول العبد العاصي المحتاج الى بحر مغفرته مهدي بن أبى الفضل ابن عباس اللاجوردي الحسيني الكاشاني أصلا و محتدا القمي منشئا و مولدا:

السعادة كل السعادة التفقه في الدين و النظر في أقوال الأئمة الطاهرين المطهّرين الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و ملاحظة كلماتهم و الغور فيما ورد عنهم (عليهم السلام) تعليما للأمة و تزكية للملة، لأنها المتكفلة لما هو المراد لكل عاقل و يرومه اللبيب (و كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل و عاطل).

و انى مذ عرفت نفسي ألزمتها بالسير في تحصيل علومهم و خدمة خدام معارفهم و حفظ آثارهم و نشر أخبارهم و حفظ تراثهم و من نعم اللّه الجميلة و مواهبه السنية على هذا العبد الضعيف المستضعف أنه رزقني في طيلة أسفاري إلى البلاد و الممالك الإسلامية لتحصيل التراث الديني و آثار الشيعة الإمامية و غيرهم كتاب (الفوائد الطوسية) لمؤلفه الشهير خريت فن الحديث محمد بن الحسن الحرّ

3

العاملي «قده» (1033- 1104 ه) صاحب كتاب وسائل الشيعة الذي هو قطب رحى الاستنباط و كنت آسفا ان هذه الدرّة اليتيمة تركت في مخازن الكتب الخطية و لم ينتشر الى الان الى أن ساعدت السواعد الإلهية صديقي في اللّه المحب لنشر آثار أجدادي الطاهرين حجة الإسلام الشيخ محمد درودي التفرشي فشمر الذيل لطبعه و نشره و وفقنا اللّه تعالى في إعانته للتصحيح و التعليق عليه و مراجعة المصادر و المدارك فانتشر بعون اللّه تعالى فوق ما يؤمل من حسن الطبع و الصحة الكاملة و جودة التجليد و الوراقة.

ثم ان لي حق رواية هذا الكتاب و سائر مؤلفاته «قده» بطرقي المذكورة في إجازاتي فليروها كل من شاء و أحب أن يروى عنّي جميع ما صحت لي روايته و صلحت منى أجازته بحق رواياتي عن مشايخي الأعلام و آيات اللّه في الأنام القاطنين في العراق و إيران و الطيبة و بيت اللّه الحرام و أخص منهم بالذكر الشيخ الجليل و الأستاد الكبير المبرء من كل شين التقي النقي صاحب التأليفات الممتعة القيمة آيت اللّه العظمى الشيخ آغا بزرگ الطهراني «قده» و أول من ألحقه بالشيوخ خاتمة المحدثين و المجتهدين ثالث المجلسين الحاج الميرزا حسين النوري الطبري المتوفى (1320) بطرقه الخمسة المفصلة المسطورة في خاتمة المستدرك و المشجرة في مواقع النجوم المطبوع أخيرا.

اللهم انصرنا على القوم الكافرين و اقطع الأيادي الاستعمارية عن الممالك الإسلامية الموجبة لتضعيف الإسلام و المسلمين و ثبتنا على ما ينفعنا في الدنيا و الدين و أيدنا لتقرير قواطع البراهين و رفع وساوس الشياطين في تبيين قوانين دين سيد المرسلين. في ليلة العشرين من رجب المرجب في عام 1403 من الهجرة النبوية على صاحبها آلاف التحية و الثناء.

قم- الحوزة العلمية أقل عباد اللّه عملا و أوفرهم هواء و زللا. مهدي اللاجوردي الحسيني

4

كلمة المصحح

الحمد للّه الذي رجح مداد العلماء الداعين اليه و الدالين عليه و الذابين عن دينه و المنقذين ضعفاء عباده من شباك إبليس و مردته أفضل من دماء الشهداء.

و الصلاة و السلام على خير أبواب رحمته محمد و آله المعصومين النجباء و اللعنة الدائمة على أعاديهم الأشقياء.

أما بعد فانى بعد ما وفقني اللّه تعالى لطبع كتابي «الاثني عشرية» في الرد على الصوفية، و رسالة «تنزيه المعصوم» عن السهو و النسيان لمؤلفه العلامة الحبر المتبحر خريت علمي الحديث و الفقه صاحب كتاب «الوسائل» الشيخ «محمد بن الحسن» الحر العاملي ره كنت أتمنى أن أقوم بنشر بعض آثار اخرى له.

فأنبأنى بعض رجال الفقه و المعرفة بكتاب له طيب اللّه رمسه يسمى ب«الفوائد الطوسية» و حثني على نشره بالتأكيد فأخذت أهبتى لطبعه و نشره بين رواد الفضيلة و العلم ايفاء لحق مؤلفه على معاشر الطائفة المحقة الاثني عشرية و هو كما ترى خير كتاب في موضوعه.

قال العلامة النسابة السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي دامت بركاته في سجع البلابل في ترجمة صاحب الوسائل: كتاب الفوائد الطوسية يشتمل على فوائد كثيرة و مطالب متنوعة في فنون العلم و هو حسن جدا (1).

____________

(1) راجع مقدمة كتاب إثبات الهداة ج 1.

5

و العلامة الرازي في الذريعة: الفوائد الطوسية للشيخ المحدث الحر العاملي ره مشتمل على مائة و اثنين فائدة أو ثلاث كما في فهرسه الموجود لبعض الفضلاء أو للمصنف نفسه و هو في مطالب جليلة متفرقة، و حل بعض الأحاديث المشكلة و فيه نحو عشرة رسائل يحسن إفراد كل منها الى أن قال رأيت منه نسخا عديدة (1).

و قد اعتمدت في تصحيحه على نسختين.

1- نسخة مخطوطة لخزانة مكتبة آية اللّه العظمى السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي و هذه النسخة سقط من أواسطها وريقات بخط عبد اللّه العاشقابادى في أواخر شهر رمضان المبارك سنة 1128 ثمانية عشر و مأة بعد الألف.

2- نسخة مخطوطة ثمينة مصححة أخرى من مكتبة الحجة العلامة السيد مهدي اللاجوردي الحسيني دام توفيقه تفضل بإرسالها علينا للطبع و جعلها في متناول أيدينا بخط محمد تقي الكرماني سنة عشر و مأة بعد الالف.

ثم أقدم ثنائي العاطر و شكري المتواصل إلى الأخ الأمجد الأعز الوجيه «الحاج أبو القاسم» السالك حفظه اللّه بإعطائه نفقة طبع الكتاب فعلينا شكره و على اللّه اجره.

و لا يسعني أيضا إلا أن اثني و اشكر صديقي في اللّه الحجة المتتبع السيد مهدي اللاجوردي الحسيني دام ظله حيث وازرني في التصحيح و التعليق فلله درّة و عليه أجره.

و أنا العبد الحقير محمد بن الحسن التفرشي الشهير بدرودي

____________

(1) راجع الذريعة ج 16 ص 347.

6

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

[مقدمة المؤلف]

الحمد للّه على إفضاله و الصلاة و السلام على محمد و آله و بعد فيقول الفقير الى عفو اللّه الغنى: محمد بن الحسن بن على الحرّ العاملي عامله اللّه بلطفه الخفي و الجلي.

هذه فوائد في حل بعض الأحاديث المشكلة. و فرائد في تحقيق بعض المسائل المعضلة التي كان يسئلنى في طوس عنها بعض أهل العلم و الكمال فاكتب لهم في شرحها ما يقتضيه الحال، و يخطر بالبال فأردت جمعها بعد الشتات ليستعان بها على حل بعض المشكلات.

فقد جمعت من الفوائد ما لا يجمعه شيء من المصنفات و من تأمّلها وجد فيها من النكت و التحقيقات و الغرائب و التدقيقات و جواب الشبهات و توجيه المتشابهات و رفع التمويه (1) و المغالطات ورد ما اشتهر من التدليسات و التلبيسات و إبطال ما ظهر في بعض كتب الإمامية من أباطيل العامة المزخرفات و إيقاظ الغافل عن بعض المشهورات المخالفة للروايات المتواترات ما لا يوجد في شيء من المؤلفات، و المسئول من الناظر فيها إصلاح الخلل و العفو عن الهفو و الزلل (و سميتها الفوائد الطوسية) و اللّه الموفق.

____________

(1) التمويه: بمعنى التلبيس.

7

فائدة (1) [في أن الصدوق أجل من أن يوثق]

اعلم ان محمد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه «ره» لم يوثقه الشيخ و لا النجاشي و لا غيرهما من علماء الرجال المشهورين و لا العلامة صريحا، لكنهم مدحوه مدائح جليلة لا تقصر عن التوثيق ان لم ترجح عليه و انما تركوا التصريح بتوثيقه لعلمهم بجلالته و استغنائه عن التوثيق لشهرة حاله و كون ذلك من المعلومات التي لا شك فيها.

فمما قالوا فيه انه جليل القدر حفيظ بصير بالفقه و الاخبار و الرجال شيخنا، و فقيهنا و وجه الطائفة لم ير في القميين مثله في حفظه و كثرة علمه و ذكروا له مدائح أخر.

و الحاصل ان حاله أشهر من أن يخفى و مع ذلك فان بعض المعاصرين الآن يتوقف في توثيقه بل ينكر ذلك لعدم التصريح به و الحق ان التوقف هنا لا وجه له بل لا شك و لا ريب في ثقته و جلالته و ضبطه و عدالته و صحة حديثه و روايته و علو شأنه و منزلته، و يدل على ذلك وجوه اثنا عشر.

أحدها: أنهم صرحوا بل أجمعوا على عدّ رواياته في الصحيح و لا ترى أحدا منهم يتوقف في ذلك كما يعلم من تتبع كتب العلامة كالخلاصة و المختلف و المنتهى و التذكرة و غيرها. و كتب الشهيدين و الشيخ حسن و الشيخ محمد و السيد محمد و ابن داود و ابن طاوس و الشيخ على بن عبد العالي و المقداد و ابن فهد و الميرزا

8

محمد و الشيخ بهاء الدين و غيرهم.

بل جميع علمائنا المتقدمين و المتأخرين لا ترى أحدا منهم يضعّف حديثا بسبب وجود ابن بابويه في سنده حتى ان الشيخ حسن في المنتقى (1) مع زيادة تثبته و اختصاصه باصطلاح في الصحيح معروف: يعدّ حديثه من الصحيح الواضح عنده.

و فعلهم هذا صريح في توثيقه بناءا على قاعدتهم و اصطلاحهم إذ لا وجه له غير ذلك فهذا إجماع من الجميع على صحة روايات الصدوق و ثقته.

و قد صرحوا بأن قولهم: فلان صحيح الحديث يفيد التعديل و يدل على التوثيق و الضبط، و صرحوا بأن قولهم وجه يفيد التعديل، و أن الثقة بمعنى العدل الضابط فقولهم فيما مرّ وجه الطائفة مع قولهم في حفظه يفيد التوثيق.

و الحق ان العدالة فيه زيادة على معنى الثقة بل بينهما عموم من وجه و معلوم ان توثيق كل واحد من المذكورين مقبول فكيف الجميع؟! و ثانيهما: أنهم أجمعوا على مدحه بمدائح جليلة عظيمة و اتفقوا على تعظيمه و تقديمه على جملة من الرواة و تفضيله على كثير من الثقات مع خلوة من الطعن بالكلية و حاشاه من ذلك مضافا الى كثرة رواياته جدا.

و قد قالوا (عليهم السلام) اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا (2) و غير ذلك.

و ثالثها: ما هو مأثور مشهور من ولادته ببركة دعاء صاحب الأمر (عليه السلام) و اعتناؤه و اهتمامه بالدعاء لأبيه بولادته و ما ورد في التوقيع إلى أبيه من الامام (عليه السلام) مشهور (3) مع أنه رئيس المحدثين و قد صنّف ثلاثمائة كتاب في الحديث و لو كان فاسقا و العياذ باللّه لوجب التثبت عند خبره و قد شاركه في الدعاء و الثناء اخوه

____________

(1) راجع مقدمة منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح و الحسان.

(2) راجع الوسائل كتاب القضاء ج 18 ص 99 ح 3.

(3) راجع كتاب الغيبة تأليف شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي ره ص 188.

9

الحسين و قد صرحوا بتوثيقه و معلوم ان محمدا أجل قدرا في العلم و العمل.

و أعظم رتبه في الفقه و الرواية من أخيه.

و رابعها: ما صرح به الشهيد الثاني في شرح دراية الحديث من توثيق جميع علماءنا المتأخرين عن زمان الشيخ محمد بن يعقوب الكليني ره الى زمانه و المعاصرين له و مدحهم زيادة على التوثيق و قد دخل فيهم الصدوق و معلوم ان توثيق الشهيد الثاني مقبول.

قال في شرح الدراية (1) في الباب الثاني: «تعرف العدالة» المعتبرة (2) في الراوي «بتنصيص عدلين» عليها «أو بالاستفاضة» بأن تشتهر عدالته بين أهل النقل أو غيرهم من العلماء كمشايخنا السالفين من عهد الشيخ محمد بن يعقوب الكليني و ما بعده الى زماننا هذا لا يحتاج أحد من هؤلاء المشايخ المذكورين المشهورين الى تنصيص على تزكية و لا تنبيه على عدالة لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم و ضبطهم و ورعهم زيادة على العدالة و انما يتوقف على التزكية غير هؤلاء من الرواة الذين لم يشتهروا بذلك ككثير ممن سبق على هؤلاء و هم طرق الأحاديث المدونة في الكتب غالبا و في الاكتفاء بتزكية الواحد «العدل» «في الرواية قول مشهور لنا» و لمخالفينا «كما يكتفى به» أى بالواحد «في أصل الرواية» و هذه التزكية فرع الرواية فكما لا يعتبر العدد في الأصل فكذا في الفرع و ذهب بعضهم الى اعتبار اثنين كما في الجرح و التعديل في الشهادات فهذا طريق معرفة عدالة الراوي السابق على زماننا، و المعاصر يثبت بذلك و بالمباشرة الباطنة المطلعة على حاله و اتصافه بالملكة المذكورة «انتهى» (3).

____________

(1) فائدة- يعرف عدالة الراوي بالشهرة و بتصديق العدلين بلا اشكال و هل يكفى فيها العدل الواحد، نعم، كما هو المشهور لعموم حجية قول العدل، و فيه ان الأصل حجية قول العدل الواحد خرج منه اعتبار التعدد في الشهادات فبقي الباقي.

(2) الغريزية نسخة المصدر.

(3) الدراية في علم مصطلح الحديث ص 69.

10

و خامسها: انا نجزم جزما لا ريب فيه بان الصدوق ابن بابويه (رحمه اللّه) ما كان يكذب في الحديث قطعا و لا يتساهل فيه أصلا و انه كان ضابطا حافظا عدلا لما بلغنا بالتتبع من آثاره و اخباره و فضائله و عبادته و ورعه و علمه و عمله و هذا هو معنى الثقة بل أعظم رتبة من التوثيق.

و الفرق بين هذا و ما قبله ظاهر فان دعوى الشهيد الثاني هناك لدخول المذكورين في هذا القسم و نصّه على توثيقهم بتلك الطريق [كائنا من كان] كافيان و لو فرضنا ان تلك الأحوال لم تصل إلينا لنستدل بها كما استدل و الحاصل ان الاحتجاج هناك بالنقل و ثقة الناقل و هنا بالمنقول نفسه.

و سادسها: ان جميع علماء الإمامية أجمعوا على اعتبار الكتب الأربعة و اعتمادها و العمل بها و الشهادة بكونها منقولة من الأصول الاربعمأة المجمع عليها المعروضة على الأئمة (عليهم السلام) كما صرح به الشهيد الثاني و الشيخ بهاء الدين في درايتهما (1) بل بعضهم يدعى انحصار الأخبار المعتمدة في الفروع أو الكتب المتواترة فيها من غير فرق بين كتاب الصدوق و غيره بل كثير منهم يرجحونه على الباقي فيقبلون مراسيله فضلا عن مسانيده و ضعاف مسانيده باصطلاحهم فضلا عن صحاحها، و هذا التصريح واقع من الأصوليين و هو صريح في توثيق مؤلفه و الفرق بين هذا و الأول واضح فان هذا أبلغ من الأول و لا تلازم بينهما بل يكفى هنا ان نقول: هذا الاعتبار و الاعتماد و التلقي بالقبول و الترجيح على كتب الثقات يمتنع عادة اجتماعها مع عدم ثقة المؤلف بدلالة الوجدان و الاستقراء و الإجماع هنا على النقل و هو تواتر.

و قد نقل ابن طاوس في كشف المحجة من كتاب من لا يحضره الفقيه و قال:

____________

(1) راجع الوجيزة في الدراية ص 16.

11

و هو ثقة معتمد عليه (1)، و قال الشيخ بهاء الدين في الأربعين (2) عن ثقة الإسلام محمد بن على بن الحسين بن بابويه، و صرح ابن طاوس أيضا بتوثيقه في كتاب فلاح السائل و نجاح المسائل و ذكر (3) انه ذكر الثناء عليه في كتاب غياث الورى في سكان الثرى.

و سابعها: ان علماء الحديث و الرجال المتقدمين منهم و المتأخرين كلهم يقبلون توثيق الصدوق للرجال و مدحه للرواة بل يجعلون مجرد روايته عن شخص دليلا على حسن حاله خصوصا مع ترحمه عليه و ترضيه عنه بل ربما يجعلون ذلك دليلا على توثيق ذلك الشخص و لا يتصور منهم ان يقبلوا توثيق غير الثقة قطعا لتصريحهم في الأصول و الدراية و الفقه باشتراط عدالة الراوي و المزكى و الشاهد.

و ثامنها: ان جماعة من أجلاء علمائنا الإمامية استجازوا من الصدوق و نقلوا عنه أكثر الأصول الاربعمأة بل أكثر كتب الشيعة و من جملة المشار إليهم الشيخ المفيد و ناهيك به و لا يتصور منه و من أمثاله طلب الإجازة و قبولها الى مثل تلك الكتب من غير ثقة.

و تاسعها: انه بالتتبع للأخبار و الآثار و كتب علمائنا و مؤلفات الصدوق و غيره يعلم انه أعظم رتبة و أكثر اعتبارا عندهم من أبيه و أخيه بل أكثر معاصريه ان لم يكن كلهم و هم على قوله أشد اعتمادا و في نقله و حديثه أعظم اعتقادا و قد صرحوا بتوثيقهما و هو يدل على اعتقادهم ثقته و قد علم انه كان وصي أبيه و شرط الوصي

____________

(1) كشف المحجة لثمرة المهجة ص 122- 123 في قوله (رحمه اللّه): و لا تكره انى ما اخلف لك و لإخوتك ذهبا و لا فضة بعد الممات فهذه سيرة جدك و مولاك على (صلوات اللّه عليه) الى أن قال: و وجدت أيضا في كتاب «من لا يحضره الفقيه» و هو ثقة معتمد عليه عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) ما يخاف الرجل بعد شيئا أشد عليه من الحال الصامت قال قلت: كيف يصنع؟ قال يضعه في الحائط و البستان و الدار.

(2) الأربعين ص 7 ح 1.

(3) فلاح السائل ص 127- 144.

12

العدالة فهذا توثيق من أبيه له و ما يتوجه عليه يعلم جوابه فيما مرّ كما ان الذي قبله يدل على توثيق المفيد له.

و عاشرها: نقلهم لفتواه و أقواله و احتجاجه و استدلاله في مختلف الشيعة و أمثاله و طعنهم في دعوى الإجماع مع مخالفته و اعتمادهم [و اعتبارهم خ] لروايته و أقواله و أدلته و لا يجامع ذلك عدم ثقته إذ شرط المفتي العدالة و الثقة و الامانة اتفاقا و لم ينقلوا في مثل تلك المواضع فتوى غير الثقة على وجه الاعتبار أصلا بل قد صرح العلامة في أواخر بحث الأذان من المختلف بتوثيقه و جلالته (1) و حجية مرسلاته.

و حادي عشرها: انهم اتفقوا على وصفه بالصدوق و برئيس المحدثين و لا شيء منها بلقب وضعه أبوه له بل وصف وصفه به علماء الشيعة لما وجدوا المعنيين فيه و قد ذهب جمع من العلماء الى ان لفظ الصدوق يفيد التوثيق و أوضح منه رئيس المحدثين فان المحدثين ان لم يكن كلهم ثقات فأكثرهم، و محال عادة ان يكون رئيسهم غير ثقة و انما وجه ترك توثيقه اعتقادهم انه غير محتاج الى نص على توثيقه لشهرة أمره و وضوح حاله (2) و مثله جماعة منهم السيد مرتضى علم الهدى و

____________

(1) قال العلامة «قده» في مسئلة تحريم أخذ الأجرة على الأذان: روى ابن بابويه قال رأى أمير المؤمنين (ع) رجلا فقال: يا أمير المؤمنين إني لأحبك فقال له: و لكني أبغضك، قال: و لم؟ قال لأنك تبغي في الأذان كسبا و تأخذ على تعليم القرآن الأجر.

قال (قدس سره): و ان كان مرسلا: لكن الشيخ أبا جعفر بن بابويه من أكابر علماءنا و هو مشهور بالصدوق و الثقة و الفقه و الظاهر من حاله انه لا يرسل الا مع غلبة ظنه بصحة الرواية إلخ «ص 90 ط 1323 ه.

(2) كفى في وثاقته أنه من مشايخ الإجازة و روى عنه الأعاظم مضافا الى صاحب السرائر و ابن طاوس قد صرحا بتوثيقه و التوثيق انما يتوقع في حق غير المشايخ و أما المشايخ فشأنهم أجل.

و وجدت مكتوبا من خط بعض الأعاظم أن المرحوم الخاقان فتحعلى شاه قاجار سمع ان جسده الشريف طريا في سرداب مع صبي عنده و على أظفاره أثر الحناء فلما سمع السلطان بذلك زاره مع جمع من الخوانين العظام و العلماء الأعلام فدخلوا السرداب فأمر بالبناء و التعمير لقبره الشريف.

13

جميع من تأخر عنه كما تقدم و لا يرد على ذلك توثيقهم لمثل الشيخ و المفيد و الكليني لأن ذلك احتياط غير لازم و توضيح للواضحات و الراجح الذي لم يصل الى حد اللزوم لا حرج في فعله تارة و تركه أخرى و لا تجب المداومة عليه و لعلهم كانوا يعتقدون الصدوق أعظم رتبة من غيره ممن ذكر لجميع ما مرّ.

و ثاني عشرها: اجتماع هذه الوجوه كلها و غيرها مما لم نذكره فان كان بعضها غير كاف فمجموعها كاف شاف.

و اعلم ان بين العدالة و الثقة عموما و خصوصا من وجه لأن الثقة يجامع الفسق و الكفر و معناها كون الإنسان يؤمّن منه الكذب عادة و هذا كثيرا ما يتحقق من الكافر فضلا عن الفاسق و هذا هو المعتبر في النقل الموجود في الأحاديث المتواترة.

و قد أطلق الشيخ في كتاب العدة (1) العدالة بمعنى الثقة فحكم بأنها تجامع فساد المذهب ثم صرح بأن المراد بالعدالة ما قلناه و معلوم ان العدل قد يكون كثير السهو فلا يكون ثقة و قد يكون كذبه لم يظهر بحيث ينافي العدالة لكن لم يظهر أنه يؤمن منه الكذب عادة فإن عدم الظهور أعم من ظهور العدم و هو ظاهر واضح و اللّه اعلم.

____________

(1) قال الشيخ الطائفة أبو جعفر «قده» في العدة و أما العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الأخر فهو أن يكون الراوي معتقدا للحق مستبصرا ثقة في دينه متحرجا من الكذب غير متهم إلخ «ص 94 من الجزء الأول من النسخة المخطوطة في مكتبة صديقنا العلامة الحاج السيد مهدي اللاجوردي الحسيني. دام تأييده».

14

فائدة (2) [جواب شبهة الفخر الرازي في خبر المنزلة]

قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير عند قوله تعالى وَ لَقَدْ قٰالَ لَهُمْ هٰارُونُ مِنْ قَبْلُ يٰا قَوْمِ إِنَّمٰا فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي (1) هيهنا دقيقة و هي ان الرافضة تمسكوا بقوله (عليه السلام) لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» ثم ان هارون ما منعته التقية في مثل هذا الجمع العظيم بل صعد المنبر و صرح بالحق و دعا الناس الى متابعة نفسه و المنع من متابعة غيره فلو كانت امة محمد (صلى اللّه عليه و آله) على غير حق لوجب على على (عليه السلام) ان يفعل مثل ما فعله هارون و ان يصعد المنبر من غير تقية و لا خوف و ان يقول «فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي» فلما لم يفعل ذلك علمنا ان الأمة كانوا على الصواب «انتهى» (2).

و الجواب: أما بإثبات المساواة بين الفعلين أو بعدم لزوم المماثلة بينهما في ذلك لوجود الفارق و عدم دخول هذا الحكم الخاص في المنزلة المحكوم بثبوتها.

و قد خطر بخاطري القاصر وجوه اثنا عشر كل منها يصلح جوابا.

الأول: ان الحديث المتواتر بين الفريقين الخاصة و العامة هكذا: «على

____________

(1) طه 93.

(2) التفسير الكبير الجزء الثاني و العشرون ص 106.

15

منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي» (1) فاستثناء منزلة النبوة التي هي مختصة بهارون يوجب استثناء توابعها و لوازمها و من جملة ذلك عدم جواز التقية على النبي (صلى اللّه عليه و آله) و كما هو متفق عليه عند العامة و مشهور بين الخاصة و ان كان فيه ما فيه و لما كان هارون نبيا لم تجز له التقية و لما كان على (عليه السلام) اما ما جازت.

و هذا مما تقرر عندهم فتكون شبهة الفخر الرازي مما خرج بالاستثناء المذكور في هذا الحديث.

الثاني: لو سلمنا تساوى الحالين في جواز التقية لقلنا أنها مشروطة بالخوف قطعا فلعل هارون لم يخف بما قاله و على (عليه السلام) خاف فلم يقل مثله لو سلمنا انه ترك الإنكار و لا يلزم تسليمه لما يأتي ان شاء اللّه تعالى و هذا وجه آخر للفرق بين الحالين و هو يظهر لمن تتبع الاخبار و الآثار.

الثالث: ان هارون صرح بما صرح لأنه كما كان له ناصر و هو موسى فكان واثقا بأنه يكشف لهم الحال و يبين لهم الحق من الضلال و هم مقرّون بنبوته و هو غير متهم عندهم في صدق مقالته و على (عليه السلام) لم يصرح كما زعمتم لأنه لم يكن له ناصر بعد موت النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الحسنان (عليهما السلام) كانا متهمين عندهم في ذلك فظهر الفرق، و في الاستثناء المذكور اشارة اليه و اشعار به و معلوم ان اختلاف الأحوال هنا يستلزم اختلاف الأحكام و الفرق بين هذا و الذي قبله ظاهر، فإنه مع وجود الناصر يجب إظهار الحق و ان بقي بعض الخوف و الا سقط الجهاد.

الرابع: انه انما يلزم تساوى هارون و على (عليه السلام) في المنزلة و التقرب الحاصلين لهما من موسى و محمد (صلى اللّه عليه و آله) و هذا هو الذي يفهم من الحديث فمن أين انه يجب تساويهما في جميع الأوصاف و الأحوال و الأفعال و الأقوال و كيف يتصور ذلك مع ان الضرورة تدفعه فان هارون مات في زمان موسى، و على (عليه السلام) مات بعد محمد (عليهم السلام) بثلاثين سنة و بينهما تفاوت عظيمة في العمر و الأزواج و الأولاد، و هارون كان يعبد اللّه

____________

(1) إحقاق الحق ج 5 ص 186.

16

على شرع خاص و على (عليه السلام) على خلافه و اختلافهما في الأحوال الواقعة في زمانهما من الكليات و الجزئيات كالحروب و غيرها أكثر من أن تحصى.

و هل يقدر الرازي أو غيره على إثبات هذه المماثلة؟ و دون إثباتها خرط القتاد بل شيب الغراب و انما اللازم ثبوت جميع المنازل المشار إليها و كل ما دخلا فيها عدا ما استثنى و معلوم ان ما فعله هارون و على (عليه السلام) هنا ليس من جملتها و لا داخلا فيها بل هو خارج قطعا و العجب العجيب من اشتباه مثل هذا على الرازي! لكن هذا بمصداق قوله (عليه السلام) حبك الشيء يعمى و يصم و الفرق بين هذا و الأول ان هذا مستفاد من لفظ المنزلة و الأول من الاستثناء.

الخامس: ان فعلهما (عليهما السلام) متفق نوعا إذ كل واحد منهما موافق للصواب و الشرع و مطابق لمقتضى الحال و لا تلزم الموافقة في أكثر من ذلك إذ لا دليل عليه و الشرعان مختلفان و لعل النص من موسى (عليه السلام) و محمد (صلى اللّه عليه و آله) بعين ما فعله هارون و على (عليه السلام) كما ترويه الشيعة في الثاني.

السادس: ان هارون ترك الحرب و الجهاد مع عباد العجل و قال إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ (1) و قال إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كٰادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلٰا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدٰاءَ (2) فظهر انه منعه الخوف من المبالغة في ذلك و اقتصر على مجرد القول و ما المانع من كون على (عليه السلام) قد قال لهم نحو ما قاله هارون و لم يقبلوا فتركهم كما تركهم هارون و ما الدليل على عدمه؟ مع انه الشيعة تروى وقوع ذلك بل قد روته العامة أيضا كما هو منقول في كتب الفريقين من دعواه الإمامة و تقاعده عن بيعة ابى بكر مدة طويلة و إظهاره للإنكار مرارا متعددة ففعلهما أولا و آخرا واحد و لا أقل من الاحتمال، و عدم الوجدان لو سلم لا يدل على عدم الوجود.

____________

(1) طه- 94.

(2) الأعراف- 150

17

السابع: ان عليا (عليه السلام) علم ان إظهار هارون لم يفد شيئا مع ان دعوى بني إسرائيل كانت أوضح بطلانا و أبعد من الشبهة من دعوى الصحابة و على تقدير المساواة فالمطلب حاصل و على تقدير المرجوحية أيضا في هذا الجانب لظهور رجحان النبي على الوصي في احتمال القبول و إقبال القلوب قطعا فيقابل المرجوحية لو فرضت فلذلك لم يظهر إلا الإنكار لكونه عبثا لا فائدة فيه.

هذا ان سلمنا عدم إظهار الإنكار و تنزلنا عن النقل المتواتر من الجانبين الذي يفيد العلم مع خلو خاطر الناظر فيه من الشبهة و التقليد كما أشار إليه المحققون.

الثامن: انا لو قطعنا النظر أيضا عن ثبوت الإنكار من على (عليه السلام) لقلنا لكل مقام مقال و يرى الحاضر ما لا يراه الغائب فلعل هارون علم حصول المصلحة في الإنكار فضلا عن انتفاء المفسدة و كان إنكاره سببا لتوبة جماعة كثيرة و انه لو لم يظهر ما أظهر و ينكر ما أنكر لوقع أعظم مما حصل من الفساد و استولى الكفر و الارتداد و علم على (عليه السلام) حصول المفسدة في الإنكار فضلا عن عدم المصلحة فلعله لو أظهر مثل هارون (عليه السلام) على قول الرازي أو حارب القوم على قولنا لارتد كل من كان أظهر الإسلام أو أكثرهم أو ادعوا النبوة لشخص منهم أو أكثر أو نحو ذلك من الفساد فاختلاف الفعلين لاختلاف المصلحتين.

التاسع: انه لا يمتنع حصول القدرة لهارون دون على (عليه السلام) الإظهار و الإنكار و صعود المنبر و النهى عن المنكر و عدم حصول القدرة لعلي (عليه السلام) بل حصول العجز له فقد بايع الناس غيره و استولى على المنبر و منعوه منه و معلوم ان تكليف مالا يطاق قبيح لا يجوز على اللّه عند أهل العدل، و الأدلة العقلية و النقلية واضحة كقوله تعالى لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا.

العاشر: ان هارون لم يكن متهما في إظهار ما أظهر فإنه لم يدع الى نفسه و انما دعا الى عبادة ربه و نهاهم عن عبادة العجل فقال إِنَّمٰا فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ

18

الرَّحْمٰنُ و على (عليه السلام) كان متهما عندهم في الإظهار لأنه كان يدعو الى نفسه بحسب الظاهر و ان كانت المصالح في إمامته في نفس الأمر لجميع الأمة فكان فعل هارون أقرب الى القبول و كان فعل على (عليه السلام) أبعد منه لو سلم ما ادعاه الرازي من الترك.

الحادي عشر: ان عليا (عليه السلام) علم ان إنكار هارون لم يفد شيئا مع انه نبي مرسل و شريك لموسى (عليه السلام) في النبوة فلذلك لم ينكر كما ادعاه الخصم و للعلم بعدم الفائدة و بطريق الأولوية.

الثانى عشر: انه على قول الرازي و أمثاله من المجبرة لا قدرة لهارون و لا لعلى (عليه السلام) على خلاف ما وقع بل و لا على ما وقع و لا قدرة لأحد من الخلق على فعل و لا ترك فسقطت الشبهة و بطل الاعتراض لان الجميع عند الخصم من فعل اللّه أو من فعل المكلف بطريق الجبر و عدم القدرة على الفعل و الترك فلا يصح قوله: الرافضة تمسكوا، و لا قوله: صعد المنبر و دعا الناس، و لا ان هارون فعل و عليا (عليه السلام) ترك.

و أيضا فإن العصمة منفية عنده عن النبي و الامام فترك على (عليه السلام) لهذه الكلمة التي قالها هارون لو سلم لا يقدح في إمامته لكونها من الصغائر و هذا إلزامي للرازى بحسب ما يعتقده و هذه الوجوه، و ان كان فيها بعض التداخل فبينها فرق و لا يخفى و الداعي إلى جمعها التيمن بالعدد و اللّه تعالى أعلم.

19

فائدة (3) [حديث في الرؤية]

في توضيح حديث محمد بن عبيد في باب الرؤية من الكافي (1) قوله (عليه السلام) فيه: اتفق الجميع لا تمانع بينهم ان المعرفة من جهة الرؤية ضرورة فإذا جاز أن يرى اللّه بالعين وقعت المعرفة ضرورة.

أقول: ربما يستدل بهذا الحديث على حجية الإجماع و فيه انه يحتمل كونه احتجاجا على العامة بما هو حجة عندهم لأن السائل سئله عما ترويه العامة و الخاصة في الرؤية فيفهم منه انه يريد الاحتجاج على العامة في إبطال رواياتهم، و يحتمل ان يكون إشارة الى أن إجماع الخاصة حجة بل مشتمل على الحجة مع دخول المعصوم كما في هذه الصورة فلا يدل على حجية إجماع خلا من المعصوم.

و يحتمل ان يكون إشارة الى ان هذا الحكم لاتفاق العقول على الجزم به على انه حق أو بديهي أو ضروري مع قطع النظر عن الإجماع بل هو استدلال بصريح العقل و الدليل العقلي القطعي لا ريب في حجيته هنا، فالملاحظة هو حكم العقول لا أقول كما في صورة الإجماع فهذه ثلاثة احتمالات و مع قيام الاحتمال لا يجوز الاستدلال.

و الحاصل انه يجوز ان يراد بقوله اتفق الجميع المخالف و الموافق اى الخاصة و العامة و يجوز ان يراد جميع فرق العامة و على كل تقدير فالاحتجاج تام

____________

(1) ج 1 ص 96 ط الغفاري.

20

لأنه على المخالفين مع فرض صحة قولهم و بيان ما يترتب عليه من الفساد ليظهر من بطلان اللازم بطلان الملزوم و اللّه اعلم، و جواز استدلاله (عليه السلام) بالإجماع لا يستلزم جوازه لنا لأنهم (عليهم السلام) قد استدلوا بالقياس و المصالح المرسلة و ما هو أضعف منها و نهونا عن الاستدلال بها و وجهه ما ذكرناه.

قوله (عليه السلام) فيه: ثم لم تخل تلك المعرفة من أن تكون ايمانا أو ليست بإيمان فان كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية ايمانا فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان لأنها ضده فلا يكون في دار الدنيا مؤمن لأنهم لم يروا اللّه عز و جل.

أقول: هذا ظاهر و توضيحه ان الايمان المقيد أو المشروط بالرؤية ضد الايمان غير المقيد و المشروط بها من حيث الاشتراط و عدمه أو من حيث ان الرؤية يستلزم الجسمية و الاكتساب ينفى ذلك فظهران الايمان بأحدهما ضد الايمان بالآخر و تبين ان الايمان يتحقق بدون الرؤية فلا يكون شرطا فيه بل يكون عدمها شرطا و ربما يعترض على ظاهره بأنه يمكن كون الايمان و المعرفة حاصلين بكل من القسمين و ان كان أحدهما أقوى من الأخر.

و الجواب: انه يمكن كونه إلزاميا للسائل بما يعتقده و يقبله فهمه، أو لمن سأل السائل و امتحنه و كان ذلك حجة عظيمة عليهما كما في أمثال هذا الحديث و نظائره من احتجاج الأئمة (عليهم السلام) على المخاصمين و المعترضين بحسب ما كان يقتضيه الحال و إلزامهم بأشياء بحيث لا يستطيعون الجواب عنها أصلا و يتركون مذاهبهم لأجلها، و غيرهم يمكنهم الجواب عنها بسهولة بحسب الظاهر و هو من فضائل الأئمة (عليهم السلام) و كمال فصاحتهم و بلاغتهم و تمام ملاحتهم لمقتضيات الأحوال و انهم كانوا يكلمون الناس على قدر عقولهم.

و يمكن كون الجواب احتجاجا على العامة القائلين بصحة القياس فإنه يلزمهم استحالة كون حكم الضدين واحدا لوجوب قياس كل ضد على ما يوافقه في العلة فيختلف الحكمان البتة فتأمل.

21

قوله (عليه السلام): و ان لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية ايمانا لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الاكتساب ان تزول «أ» و لا تزول في المعاد.

أقول: يعنى إذا تبين فساد اللازم الذي هو القول بعدم وجود مؤمن في الدنيا أصلا بالنص و الإجماع و الضرورة تبين فساد الملزوم الذي هو انحصار الايمان في المعرفة الضرورية فثبت ان المعرفة الكسبية ايمان و يلزم زوالها في الآخرة و اليه أشار بقوله (عليه السلام) لم تخل هذه المعرفة ان تزول اى لم تخل من حكم الزوال اى لا بد من زوالها.

و بعض الأصحاب قال: ان النقطة زائدة من النساخ لتقدم مثل هذا اللفظ و هو هناك بالمعجمة قطعا فتوهم انه هنا كذلك و انما هو بالمهملة و تشديد اللام و المعنى لم يجز أو لم يحل اعتقاد ان تزول بل تبقى «انتهى» و فيه بعد و على ما قلناه معناه صحيح.

و الحاصل ان المراد انه لا بد من زوال المعرفة الكسبية عند حصول المعرفة الضرورية لاستحالة اجتماع الضدين في محل واحد و الا لزم أن يكون في القلب معرفة ضرورية و كسبية فيجوز اجتماع ظنين مختلفين أو يقينين كذلك أو ظن و يقين بشيء واحد من غير ان يزيل أحدهما الأخر أو اتصاف الظن أو اليقين بضعف و شدة باعتبار معلوم واحد أو مظنون واحد و كل ذلك محال فعلم من ذلك انه يجب زوال المعرفة الكسبية في الآخرة إذا حصلت المعرفة اليقينية فيلزم عدم وجود مؤمن في الآخرة.

و أيضا فقد ثبت ان الايمان في الدنيا مشروط باعتقاد ان اللّه لا يرى فان زال ذلك في المعاد لزم المحال لان اللّه واحد لا يتغير حاله و لا يتبدل حكم رؤيته في الدنيا و الآخرة فالأيمان بأنه لا يرى لا يجوز تغيره في المعاد لأن العلة في عدم رؤيته واحدة في الحالين و إذا قلنا ان الايمان هو المعرفة الكسبية المشروطة بعدم الرؤية فلا شك ان الضرورية ضدها و مع قطع النظر عن التضاد اما ان يفيد الرؤية المعرفة فيلزم

22

تحصيل الحاصل أولا فيلزم ان يكون الكسب أقوى من الرؤية حيث يحصل به الايمان دونها و هو معلوم البطلان و ليس الخبر كالعيان.

و قوله: و لا يزول في كتاب التوحيد للصدوق (رحمه اللّه) و لن تزول (1) و هو أبلغ لدلالته على التأبيد على قول أكثر النحويين و لا يخفى ان عدم الزوال مسبب عن عدم إمكان الرؤية بقوله لم تخل تلك المعرفة ان تزول و اللّه اعلم.

قوله (عليه السلام) فهذا دليل على ان اللّه تعالى لا يرى بالعين إذا العين تؤدى الى ما وصفناه.

أقول: هنا تقدير مضاف أي إذ رؤية العين بل لا بد من تقدير جملة من المضافات كما في قوله تعالى: حكاية عن السامري فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ (2) حيث قدّروه من اثر حافر فرس الرسول، و هنا ذات العين لا تؤدى الى هذه المفاسد بل تقديره إذ جواز رؤية العين و اعتقاد جواز رؤية العين تؤدى الى ما وصفناه اى لوازم فاسدة يدل فسادها على فساد ملزوماتها و هي ان لا يكون في الدنيا مؤمن أولا يكون في الآخرة مؤمن أو تحصيل الحاصل أو اجتماع الضدين في محل واحد أو اجتماعهما في حكم واحد عند أصحاب القياس أو عدم تضاد الضرورة و الكسب و الظن و اليقين أو اليقينين المتفاوتين أو الظنين كذلك و كل ذلك محال و بعض هذه اللوازم مصرح بها و الباقي يفهم مما تقدم تقريره و اللّه اعلم.

____________

(1) و في المطبوعة من نسخ التوحيد عندنا أولا تزول مكان و لن تزول.

(2) طه: 96.

23

فائدة (4) [حديث آخر في الرؤية]

في توضيح حديث أحمد بن إسحاق في باب الرؤية أيضا من الكافي قوله (عليه السلام) لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي و المرئي هواء ينفذه البصر (1).

أقول: لا يخفى ان من أعجب حواس الحيوانات البصر و قد تحير العقلاء و العلماء في وجه إدراكه الأشياء هل هو بخروج الشعاع من العين و اتصاله بالمرئى فيلزم الحركة و الانتقال على العرض، أو خروج جوهر من العين مع صغرها فيتصل بنصف كرة العالم و نحوها و كلاهما محال أم هو بانطباع صورة المرئي في العين فيلزم انطباع العظيم في الصغير مع بقاء كل منهما على حاله و هو محال أم بقوة خلقها اللّه للنفس تدرك المرئي عند حصول الشرائط و لعله أقرب فإن فيه الاعتراف بالعجز عن الإحاطة بكنه الأسرار الإلهية و الإقرار بالقصور عن ادراك غايات الحكم الربانية، و الشرائط عشرة، سلامة الحاسة و كثافة المبصر و عدم القرب و البعد المفرطين و المقابلة أو حكمها و وقوع الضوء على المرئي و كونه غير مفرط و عدم الحجاب و التعمد للابصار و توسط الشفاف. و عند اجتماعها تجب الرؤية و المخالف مكابر لا يلتفت الى خلافه و ما قلناه مع كونه من القطعيات البديهية يدل عليه أحاديث رؤية الهلال و غيرها.

ثم لا يخفى ان أكثر هذه الشرائط بل كلها يستفاد من كلام الامام (عليه السلام)

____________

(1) ج 1 ص 97

24

مع اختصاره و بلاغته فان نفوذ البصر مع اختلال شرط منها محال أو ليس بلازم قوله (عليه السلام) فيه: فاذا انقطع الهواء عن الرائي و المرئي لم تصح الرؤية.

أقول: هذا يتحقق مع فقد كل واحد من الشرائط السابقة و لو بالتأمل و العناية على ان تحققه مع فقد البعض كاف في ثبوت أصل المطلب و ما يترتب عليه إثباتا و نفيا أو المراد الهواء المعهود أي الذي ينفذه البصر فاللام للعهد الذكرى و كونه للجنسية ممكن لأنه عبر ثانيا بانقطاعه لا بعد منه كما اعتبر في الأول وجوده فتغيير الأسلوب قرينة على ذلك و مع اختلال اى شرط كان ينقطع الهواء عن الرائي من حيث كونه رائيا أو مطلقا أو عن المرئي كذلك أو عنهما فلا تصح الرؤية.

قوله (عليه السلام): و كان في ذلك الاشتباه.

أقول: يحتمل معنيين أحدهما: أن يراد و كان في ذلك اشتباه المرئي على الرائي اى كان في انقطاع الهواء عدم الرؤية و بقاء المرئي على اشتباهه فلا تصح الرؤية و لا تتضح حاله للرائى بها و هذا الوجه قريب يناسب ما قبله دون ما بعده.

و ثانيهما: ان يراد و كان في ذلك اى الحكم المذكور و حصول الرؤية مع الشروط و عدمها مع عدمها الاشتباه بين الرائي و المرئي في الشرائط المعتبرة بينهما و الأوصاف الموجودة فيهما المجوزة لكون كل واحد منهما رائيا للآخر من المقابلة و كون كل منهما في جهة و كونه جسما مركبا و مغايرته لبصره و احتياجه إلى الشرائط و افتقاره الى آلة يبصر بها و غير ذلك مما يمتنع نسبته الى اللّه سبحانه و تعالى عن ذلك علوا كبيرا و هذا الوجه يناسب ما بعده من التعليل الاتى.

قوله (عليه السلام) فيه: لأن الرائي متى ساوي المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه و كان في ذلك التشبيه.

أقول: لا يخفى ان المساواة في الأسباب و الشرائط يلزم منها الاشتباه في الأوصاف و ان لم يلزم منها المساواة في كل وجه فيلزم هنا كون اللّه في مكان

25

و كونه مقابلا أو حكمه الى غير ذلك من الأشياء المذكورة سابقا و غيرها من الأشياء المقتضية لكونه تعالى مرئيا و ما يترتب على ذلك و ما يستلزمه فيلزم مشابهته تعالى لخلقه فيما يوجب نسبة النقص و الاحتياج اليه المستلزمين للإمكان و الحدوث المنافيين للوجوب و القدم و هذه كلها مفاسد معلومة البطلان فيلزم بطلان ملزومها الذي هو الرؤية لما علم من الأدلة القطعية على بطلان المشابهة المذكورة.

قوله (عليه السلام) فيه: لأن الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات.

أقول: يعنى انه لا بد من حصول الشروط و اتصالها بالمشروط بها في الوجود فلو لم يكن بينهما اتصال بان كان أحد الشرائط معدوما أو الجميع لم يمكن كون المشروط موجودا و يمكن ان يراد بالأسباب العلل التامة و ان مسبباتها اعنى معلولاتها لا تنفك عنها اى لا توجد بدون وجودها و لا يتأخر وجود أحدهما عن الأخر كما اشتهر بينهم و فيه ما فيه و كلا الوجهين يناسب خصوص المقام.

إذا عرفت هذا فهنا فائدة تترتب على بعض ما تقدم و هي ان المرئي في حال حكم المقابلة كما يرى الشيء في المرآت هل هو عين المرئي أم شبح آخر يغايره و ان شابهه يبنى ذلك على الخلاف السابق في حصول الرؤية و يفهم من كلام بعضهم ان الصورة المرئية في المرآت ليست عين المرئي و لا غيره و هو غير معلوم (1) ثم ان الذي يترجح و يظهر مما تقدم انها عين المرئي و كذلك ما رواه الكليني (2) في آخر باب الرؤية عن هشام بن الحكم في جملة كلام ان البصر إذا لم يجد له منفذا لرجع راجعا فحكى ما رواه كالناظر في المرآة فتدبر و يتفرع على ذلك ما لو رأى صورة المرآة في المرآة إذا قابلتها ببعض أعضائها التي تحرم رؤيتها في غير هذه الصورة و كذا إذا قابلت الماء الصافي أو نحوهما هل تكون تلك الرؤية محرمة أم لا و كذا حيث يكون النظر ينشر الحرمة هل يحكم بان مثل هذه الرؤية ينشر الحرمة أم لا.

____________

(1) و هو غير معقول- خ ل

(2) ج 1 ص 99 ح 12.

26

و كذا في صورة النذر و العهد و اليمين إذا كان متعلق هذه الأشياء النظر إلى شيء أو عدم النظر هل يحصل الوفاء أو الحنث بهذه الصورة أم لا و الذي يظهر مما أشرنا إليه سابقا التحريم هنا و نشر الحرمة و ثبوت الوفاء أو الحنث لما ذكر لكن لا يمكن الاعتماد في الفتوى على مثله كما لا يخفى و لا يتبادر فهم هذا المعنى من إطلاق لفظ الرؤية فالأولى التمسك بالاحتياط في الفتوى و العمل بل يتعين ذلك.

و قد روى الشيخ و الكليني بإسنادهما ان يحيى بن أكثم سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الخنثى و قول على (عليه السلام) انه يورث من المبال و من ينظر إليه إذا بال أو عسى أن يكون امرأة و قد نظر إليها الرجال أو عسى أن يكون رجلا و قد نظر اليه النساء و هذا ما لا يحل فأجاب أبو الحسن الثالث (عليه السلام) عنها قول على (عليه السلام) في الخنثى انه يورث من المبال فهو كما قال و ينظر قوم عدول يأخذ كل واحد منهم مرآة، و يقوم الخنثى خلفهم عريانة فينظرون في المرآة فيرون شبحا فيحكمون عليه (1).

و هذا الحديث الشريف غير صريح في جواز الرؤية هنا مطلقا بل هو مخصوص بهذه الصورة و هي محل ضرورة لا شبهة في جواز الرؤية فيها و الظاهر ان الجواب اقناعى لإسكات الخصم يعنى انه يمكن الاحتياط و الاستظهار بهذا الوجه و بالجملة ليس بصريح في مغايرة المرئي هنا في المرآة اعنى الصورة العضو الذي يراد رؤيته و الا لما جاز لهم الحكم على ذلك الشبح فلا يلزم جواز الرؤية مطلقا لأنه قياس و نحن لا نقول به و ما قلناه يؤيده الاعتبار و الاستظهار و موافقة الاحتياط المأمور به في كثير من الاخبار و اللّه تعالى اعلم.

____________

(1) التهذيب ج 9 ص 356، كا- ج 7 ص 159.

27

فائدة (5) [حديث المسح في التيمم]

في الكافي (1) و التهذيب و الاستبصار عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام)، انه سئل عن التيمم فتلا هذه الآية وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا (2)، و قال فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (3) قال:

فامسح على كفيك من حيث موضع القطع و قال وَ مٰا كٰانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (4).

أقول: في هذا الحديث إجمال و اشكال من عدة وجوه.

منها: ان السؤال وقع عن التيمم فاما أن يكون سؤالا عن الكيفية أو الكمية أو الوقت أو العذر المسوغ له أو ما يتيمم به أو ما يوجبه أو ما ينقضه أو ما يبيحه أو نحو ذلك و الجواب لا يطابق شيئا من المذكورات.

و الجواب: انه تضمن بيان بعض الكيفية و هو مسح الكفين و حد ما يمسح منهما و ذلك كاف و لعل الامام (عليه السلام) فهم من السائل اختصاص سؤاله بذلك أو اقتضى الحال الاقتصار في الجواب عليه كما في قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ (5)

____________

(1) الكافي ج 3 ص 62 التهذيب ج 1 ص 206 ح 2.

(2) المائدة- 38

(3) المائدة: 6

(4) مريم: 64.

(5) البقرة 188- 218.

28

«يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ» ا لا ترى ان السائل قبل ذلك و نقله و لم يراجع الامام (عليه السلام) و منها: تلاوة الآيتين في الجواب مع انه لا يظهر بهما دلالة على الحكم المذكور الموافق لعمل الشيعة أصلا بل ربما ظهر منهما دلالة على ما يناقضه كما لا يخفى.

و الجواب: لعل غرض الامام (عليه السلام) ان الأيدي تطلق على إطلاقات شتى كما كما في آيتي الوضوء و السرقة و غيرهما و انه لا يجوز إنكار ما ذهبنا اليه لجواز إطلاق الأيدي عليه، و وجه آخر ربما كان أقرب هو انه لما قيد في آية الوضوء الأيدي بقوله «إِلَى الْمَرٰافِقِ» و التأسيس أولى من التأكيد فهم ان القيد محتاج اليه و الا لكان بمنزلة الزائد و العبث فيلزم ارادة ما دون ذلك المفصل من إطلاق اليد كما هو ثابت في آية القطع إجماعا إذ لا قائل بوجوبه من المرفق فيكون الغرض منه الرد على العامة القائلين باستيعاب اليدين الى المرفقين في التيمم وجوبا فكأنه قال آية التيمم مطلقة كآية السرقة فلم قيد تموها بما لا يدل عليه دليل إذ تقييدها في الوضوء لا يوجب تقييدها في التيمم بوجه كما لا يخفى و الأصل عدم التناول لما زاد على مضمون آية السرقة.

و منها: ان المعتبر عند الشيعة في القطع هو قطع الأصابع الأربع و ترك الإبهام و الكف و هذا القدر في التيمم لا يجزى عندهم و لا عند غيرهم و ان كان المقصود بالاستشهاد آية الوضوء فذلك القدر غير واجب عند الشيعة إلا القليل و هو مخالف لصريح هذا الحديث أيضا و لغيره من الأحاديث الكثيرة.

و الجواب: لعل المراد الاستشهاد على ورود الأيدي مطلقة إطلاقات متعددة كما ذكرناه و يكون إشارة الى ان ما كان مقيدا منصوصا كآية الوضوء لا يجوز العدول عنه و ما لم يكن كذلك كآية التيمم و آية السرقة علم بيانه من جهة السنة و جواب آخر هو ان مذهب بعض العامة في القطع انه من مفصل الزند فيكون احتجاجا عليهم بما يعتقدونه و هو ان الأيدي أطلقت على قولكم في آية السرقة على هذا القدر و أطلقت في آية التيمم أيضا فيجب حمله على ذلك لأصالة

29

عدم الزيادة و لعدم النص على التقييد و لما تقدم و لا ينافيه ان الاحتجاج عليهم في هذا الحكم المخالف لمذهبهم ينافي ملاحظة التقية في الحكم الأخر لأنه يمكن ان تقتضي الحال التقية في أحد الحكمين دون الثاني كما هو ظاهر أو يكون المحتج عليهم مصرين على حكم القطع جازمين به دون حكم التيمم بل كان عندهم فيه شك و تردد على ان الاحتجاج عليهم بما يعتقدونه لا يلزم منه موافقتهم فيه بل يمكن مجامعته للتصريح بمخالفتهم إذا اقتضاه الحال.

و منها: ان في هذه الضمائر تشويشا لان الضمير «تلا» عائد الى الامام و ضمير قال الاولى الى اللّه و الثانية الى الامام و الثالثة الى اللّه و هو غير مستحسن.

و الجواب: لا يمتنع ان تكون الضمائر كلها عائدة الى الامام (عليه السلام) كما لا يخفى غايته ان تكون قال الاولى و الثالثة بمعنى تلا أو تمثل أو نحوهما و هو غير بعيد أو تقول الضمير الثالث و الرابع عايدان الى الامام فلا تشويش سلمنا لكن نقول مثل هذا واقع في التنزيل و هو فن من فنون البلاغة كما في قوله تعالى:

لِتُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ (1) و غير ذلك على ان هذه العبارة المشتملة على الضمائر واقعة في كلام الراوي الذي نقل عنه حماد فلعله لم يكن من أهل البلاغة.

و منها: ان قوله وَ مٰا كٰانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (2) لا يظهر مناسبته للحكم و لا- للاستشهاد.

و الجواب: ان الغرض منه كما يفهم من أحاديث كثيرة هو اللّه لم يترك شيئا بغير حكم و لا حكما بغير دليل حتى بيّن جميع ذلك في القرآن اما في ظاهره أو باطنه و هم (عليهم السلام) اعلم به كقوله تعالى مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ- وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ (3) و غير ذلك أو المراد ان اللّه لم ينس تقييد آية التيمم بقوله الى المرافق و قولكم يشعر بنسبة النسيان اليه تعالى عن ذلك و اللّه تعالى اعلم.

____________

(1) الفتح- 8.

(2) مريم- 63.

(3) الانعام 37، النحل 89

30

فائدة (6) حديث قياس إبليس

مروي عن عدة طرق في الكافي و غيره و في بعضها ان أول من قاس إبليس حيث قاس نفسه بآدم فقال خلقتني من نار و خلقته من طين فلو قاس الجوهر الذي خلق منه آدم بالنار كان ذلك أكثر نورا و ضياء من النار (1) أقول: لا يخفى ان المراد من الأحاديث المشار إليها ذم القياس و إبطاله بإبطال هذه الصورة ليظهر فساد القياس المتعارف و ذلك من وجوه اثنا عشر.

أحدها: ان يكون المراد أن إبليس قاس نفسه بآدم فدله قياسه الفاسد على انه خير من آدم حيث انه خلق من النار و خلق آدم من طين و أخطأ في القياس فإنه لو عرف حقيقة ما خلق منه آدم و هو النور الذي هو أشرف من النار و أكثر ضياء منها لعلم ان قياسه معكوس عليه فان كان جاهلا بحال المقيس و المقيس عليه لم يجز القياس و كان فاسدا و ان كان عالما كان أشد فسادا و كان كقول أبي حنيفة قال على و قلت انا. (2).

فعلى التقدير الأول لا يعلم القياس وجه القياس فلا يحصل له العلم بالمساواة بين المقيس و المقيس عليه و قد يكون في الواقع القياس كقياس إبليس و على التقدير الثاني فالأمر أوضح فسادا حيث ترك ما يعلم الى ما لا يعلم كما ترك أبو حنيفة قول

____________

(1) كاج 1 ص 58 ح 18.

(2) كا ج 1 ص 57 ح 13.

31

أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي لا حجة فوقه الى القياس فظهر بطلان قياس إبليس و ان لم يكن من قبيل قياس أبي حنيفة و أمثاله و منه يظهر بطلان قياسهم من حيث انهم في أكثر المواضع التي عملوا فيها بالقياس خالفوا الأئمة (عليهم السلام) فاما ان يكونوا جاهلين بحال الأصل و الفرع فلا يجوز لهم القياس أو عالمين فهم (عليهم السلام) اعلم منهم و على التقديرين يلزم بطلان القياس.

و ثانيها: أن يكون المراد ان أصحاب القياس على تقدير علمهم بحال الأصل و الفرع انما يعلمون الظاهر من حالهما و حكم اللّه عز و جل غالبا يكون متعلقا ببواطن الحقائق و أكثر الحكم الشرعية غير ظاهرة لنا فكل صورة من صور القياس يمكن ان تكون كقياس إبليس حيث قاس على ما ظهر له من حال النار و الطين و غفل عن حال ذلك الجوهر و النور و لو علم به لعلم ان القياس باطل منعكس عليه.

و ثالثا: أن يكون المراد ان ما من صورة من صور القياس الا و يمكن معارضتها بما هو مثلها أو أقوى منها كهذه الصور لكثرة الأصول التي يمكن القياس عليها و كثرة العلل التي يمكن استنباطها بل المنصوصة أيضا كما يظهر لمن نظر أحاديث العلل.

و رابعها: ان يكون المراد أن في هذه الصورة يدل القياس على بطلان القياس و كذلك أكثر صورة فيلزم منه بطلانه مطلقا هذا على تقدير كون قاس الثاني على وجه الحقيقة و هذا الوجه قريب من الذي قبله و فيه إشارة إلى جواز الاستدلال على الخصم بما يعتقده حجة و ان كان في نفسه باطلا و لذلك ترى المتقدمين من أصحابنا يستدلون على المسائل في الظاهر بطريقة المخالفين و في الباطن عملهم انما هو بقول المعصومين (عليهم السلام) صرح بذلك السيد المرتضى ره في رسالة أفردها لذلك.

و خامسها: ان يكون المراد ان أول من قاس إبليس الذي هو أعدى أعداء

32

أعداء اللّه و أصفيائه و هو دال على ذم مطلق القياس بل إبطاله لأنه سنة عدو اللّه و الباعث على خلاف مراد اللّه.

و سادسها: ان يكون المراد ان أول صورة اتفق العمل فيها بالقياس كان قياسها فاسدا باطلا منتقضا و هو دليل على ذم مطلق القياس أيضا.

و سابعها: ان يكون المراد ان أول قياس عمل به كان في مقابلة النص الصحيح الصريح الذي لا معدل عن العمل به بعد المراجعة و الممانعة و هو دليل على ذم مطلق القياس كما مر و يشير اليه قولهم (عليهم السلام) ان أبا حنيفة كان يقول قال على و قلت و يضاف الى ذلك ما تقرر من ان للّه في كل مسئلة حكما معينا منصوصا عليه عند الأئمة (عليهم السلام) فكل قياس لا تعلم موافقته النص و يحتمل كونه مقابلا فيكون فاسدا كقياس إبليس و ما كان منه موافقا لا حاجة إليه بل يجب ان يكون العمل بالنص.

و ثامنها: ان يكون المراد ان أول صورة عمل فيها بالقياس كانت مستلزمة للتكبر و الافتخار و الحسد، و نحوها من المفاسد القبائح فظهر بطلان القياس و فساده.

و تاسعها: ان يكون المراد ان أول قياس عمل به كان سببا للفساد الكلى و الجزئي الواقع في العالم (1) و ناهيك بذلك دليلا على فساده و بطلانه فقد عرفت ان ذلك كان سبب كفر إبليس و عداوته لبني آدم و تسليطه عليهم فانجر الأمر الى كل فساد وقع في الأرض و كل فساد يقع الى يوم القيمة بل و لعذاب من يعذب و يخلد في النار أبد الآباد.

و عاشرها: ان القياس كان أول باعث على إنكار الشريعة و مقابلتها بالتكذيب و استعمال الظن في مقابلة العلم و العمل بالهوى و الرأي و في ذلك مفاسد لا تحصى و حاديعشرها. ان أول صورة عمل فيها بالقياس كانت كبيرة و ذنبا لا يغفر

____________

(1) في العلم- خ

33

و لا يكفره شيء.

و ثاني عشرها: ان يكون المراد ان قياس إبليس بحسب الظاهر كان واضح الصحة و الرجحان من حيث ان المخلوق من التراب مستحق لان تسجد له الملئكة فالمخلوق من النار يجب أن يكون أعظم رتبة منه فلا يجب السجود عليه لمن خلق من التراب كما لا يجب السجود على الثاني للأول و هو مع كونه بحسب الظاهر جليا فاسدا فكيف بالخفي و لا يدل على جواز القياس في منصوص العلة و لا قياس الأولوية لما يظهر من آخر الحديث من عدم استدلاله (عليه السلام) بالقياس على حكم أصلا و لو سلمنا استدلاله (عليه السلام) بصورة من القياس لم يدل على جوازه مطلقا لان من المعلوم ان علمهم (عليهم السلام) غير مستند الى القياس بل مأخوذ عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن اللّه عز و جل بل لو فرض استناد علمهم اليه و جوازه لهم لم يدل على جوازه لغير المعصوم كما لا يخفى و اللّه تعالى اعلم.

و قد روى على بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن إسحاق بن جرير قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) أى شيء يقول أصحابك في قول إبليس خلقتني من نار و خلقته من طين قلت جعلت فداك قد قال ذلك و ذكره اللّه في كتابه قال كذب إبليس لعنه اللّه يا إسحاق ما خلقه اللّه الا من طين ثم قال قال اللّه «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ» خلقه اللّه من تلك النار و خلق النار من تلك الشجرة و الشجرة أصلها من طين (1).

و اعلم انه يفهم من الأحاديث المشار إليها و من عدة أحاديث و من عبارات جماعة من فقهائنا ان القياس كان يطلق عندهم على مطلق الاستنباط و الاستدلال الظني لأنه يرجع الى القياس أو يكون دليل حجية القياس و من تأمل الأحاديث تحقق ذلك و لهذا كانوا يطلقون المقاييس على جميع طرق الاجتهاد كما في مناقشات الصدوق ابن بابويه مع الفضل بن شاذان و يونس بن عبد الرحمن و هنا كلام آخر يأتي في بعض الفوائد ان شاء اللّه تعالى.

____________

(1) تفسير القمي ج 2 ص 244 ط النجف.

34

فائدة (7) [في بحث المعرف بالألف و اللام]

في شرح الرضى و شرح ابن الناظم و غيرهما في بحث المعرف بالألف و اللام عبارة استشكلها بعض الأصحاب فسأل عنها و هي هذه و مذهب الخليل أقرب لسلامته من دعوى الزيادة في الحرف و من التعرض لالتباس الاستفهام بالخبر أو بقاء همزة الوصل في غير الابتداء مسهلة أو مبدلة (1).

أقول: يعنى انه يلزم على مذهب سيبويه من ان المعرف هي اللام وحدها و ان الهمزة زائدة لكن الابتداء بالساكن جملة من المحذورات أولها دعوى الزيادة في الحرف أي زيادة الهمزة مع ان الأصل عدم الزيادة فمعنى الزيادة في الحرف القول في بعض الحروف بأنه زائد أو الزيادة في جنس الحرف و يحتمل كون المراد من دعوى الزيادة في الحرف الذي هو ال بان يلزمه كونها مركبة من حرفين أحدهما أصلي و الأخر زائد مع ان الزيادة في الحروف غير جايزة و المحذور الثاني مركب من أمرين أحدهما: التباس الاستفهام بالخبر و ثانيهما: بقاء همزة الوصل في الدرج فهما محذور واحد لازم على تقديرين لا محذوران ليرد الاعتراض

____________

(1) شرح ابن الناظم ص 40 ط النجف

35

بان ذلك غير لازم أو مشترك و هذا محل الاشكال و على ما قلناه يزول ذلك و يتضح بالمثال و له أمثلة كثيرة منها: قوله تعالى قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ و تقريره ان نقول على مذهب سيبويه من ان همزة أل زائدة للوصل اما أن يجب عنده هنا حذفها أو إبقاؤها فإن وجب حذفها بقي همزة واحدة فيشتبه الاستفهام بالخبر و لا ينافي الاشتباه وجود أم لأنه يمكن فرض عدمها في مثال آخر و لأنها تجامع الخبر أيضا في غير هذه الصورة و اما ان يجب عنده إبقاؤها فيلزم الشق الثاني و هو بقاء همزة الوصل في غير الابتداء و هو خلاف للقاعدة و هذا لا يلزم الخليل لأنه يختار أبقاهما كما هو الأصل في الحرف الأصلي ان لا يحذف فلا يلزم اشتباه لوجود همزتين و لا الشق الثاني إذ ليست هذه همزة الوصل و اللّه أعلم.

36

فائدة (8) [حديث أرواح الكفار]

في توضيح حديث في باب أرواح الكفار من الكافي قوله (عليه السلام) في وادي برهوت يرد عليه هام الكفار و صداؤهم (1).

أقول: ذكر صاحب الصحاح ان الهامة الرأس و الجمع هام، و هامة القوم رئيسهم. و ذكر صاحب القاموس: ان الصدا: الرجل اللطيف الجسد، و الجسد من الإنسان بعد موته و حشو الرأس و الدماغ و طائر يصر بالليل يقفز قفزانا و طائر يخرج من رأس المقتول إذا بلى بزعم الجاهلية و العطش.

و قال أيضا في القاموس الهامة: رأس كل شيء و طائر من طير الليل و هو الصدى و رئيس القوم «انتهى» فقد ظهر ان الهام و الصدى في المعنى متقاربان أو متحدان إذا عرفت هذا ففي معنى الحديث المذكور وجوه.

منها: ان يراد الورود على وادي برهوت في الآخرة من حيث انه واد من جهنم فهو مضاف إليها أي ترد على المضاف إليه وادي برهوت اعنى جهنم و ذلك ليوافق بقية الأحاديث فإن المستفاد منها اختصاص الورود في الدنيا على وادي برهوت بأرواح الكفار و ورود أبدانهم يوم القيمة على النار.

و منها: ان يراد الورود في الدنيا و يراد بالأجسام اللطيفة نفس الأرواح على طريق التشبيه أو الاستعارة للمشاركة في مجرد اللطافة على ان الذي يفهم من كثير

____________

(1) كا- ج 3 ص 246 ح 5 ط الإسلامية

37

من الاخبار و صرح به جمع من العلماء ان الروح جسم لطيف و على تقدير عدمه فلعل النكتة فيه تهجين حال أرواح الكفار و تخييل انها في الكثافة بمنزلة الأجسام اللطيفة.

و منها: ان يراد الورود في الدنيا أيضا و يراد بالأجسام اللطيفة القوالب التي تتعلق بها الأرواح كما ورد في أهل الجنة و عدم التصريح به في غيره غير ضائر لأن هذا الحديث كاف و لعل التعلق ليمكن الشعور المعتد به لهم و فيه ان الخبر غير صريح فيه و تعلق أرواح الكفار بأجسام غير أجسامهم في البرزخ مع دخولهم نار الدنيا ظلم. اللهم الا ان يقال الورود لا يستلزم العذاب أو يقال باختصاص العذاب هنا بالروح.

و منها: ان يكون هام مشدد إذ لم يثبت تخفيفه فهو من هم إذا دب اى مشى رويدا أو من هم إذا قصد أو من هم إذا حزن و على كل تقدير هو من أوصاف الأرواح و كون الصدى على هذا بمعنى حشو الرأس و الدماغ ممكن بمعنى الشعور و العقل فهو من وصف الأرواح أيضا بمعنى ان لها في حال ورودها على وادي برهوت شعورا في الجملة.

و منها: ما نقل عن نهاية ابن الأثير انه قال الهامة: رأس كل شيء ج ها م و طائر من طير الليل و هو الصدى ثم قال الصدى طائر يخرج من رأس المقتول إذا بلى بزعم الجاهلية.

قيل كانت العرب يزعم ان روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فيقول اسقوني اسقوني فإذا أدرك بثأره طارت.

و قيل كانوا يزعمون ان عظام الميت و قيل روحه تصير هامة فتطير و يسمونه الصدى «انتهى» و قد ذكر بعضه صاحب القاموس كما مر فتدبر و اللّه أعلم.

38

فائدة (9) [اسم الجنس]

اعلم ان اسم الجنس ما دل على ذات صالحة لأن تصدق على كثيرين و لو كان على سبيل البدلية و هو على قسمين جمعى و أفرادي.

فالأول: ما خص في الاستعمال بالصدق على الثلاثة فما فوقها و هو على ثلاثة أقسام.

الأول: ما يفرق بينه و بين واحدة بالتاء و التاء في واحدة كتمر و تمرة.

و الثاني: ما تكون فيه دون مفردة ككما و كمأة.

و الثالث: ما يفرق بينه و بين واحده بياء النسب كروم و رومي و زنج و زنجي.

و الثاني: على قسمين أحدهما: ما يكون صادقا على الكل و على أى بعض فرض منه كالماء و العسل و الثاني ما لا يكون كذلك كالإنسان و رجل فإن الإنسان مثلا يصدق على اى فرد فرض من افراده و لا يصدق على جملة الأفراد فلا يقال القوم إنسان بل يقال زيد إنسان و السر في ذلك ان أفراده أشخاص و هو انما يصدق عليها و أكثر من فرد (1) ليس بشخص فلا يصح صدقه عليه و بهذا ظهر ان ما قيل من ان اسم الجنس يصدق على القليل و الكثير فاسد لأنه من خلط قسم من أحد قسمي اسم الجنس الأفرادي بالآخر.

____________

(1) و أكثر بمعنى فرد- خ ل.

39

فائدة (10) [عبارة في حاشية الخطائي]

في حاشية الخطائي اللهم الا ان يفرق بين التصريح بالفعل و تقديره.

قال المحقق اليزدي: قيل هذا مناف لما سبق من تصريحهم بكون الجملة التي خبرها فعلية كالفعلية في مجرد افادة التجدد لا ينافي صحة الفرق بينهما يأن الأولى تنصرف الى الدوام عند وجود الداعي و الثانية لا تقبل ذلك و هو ظاهر «انتهى» و توضيحه ان الاسمية التي خبرها فعلية و الفعلية المحضة سيان بالنظر الى ذاتيهما في إفادة التجدد و هذا لا ينافي الفرق بينهما من حيث ان الاولى تفيد الدوام من حيث وجود الداعي اليه و أما الثانية فلا تقبل ذلك من حيث ان الفعل فيها وضع لان ينسب الى الفاعل و لا ريب في إفادة التجدد و حاصل كلام صاحب القيل الرد على المحقق الخطائي من حيث انه فرق بين التصريح بالفعل و تقديره في الجملة الاسمية من ان الاولى تفيد الدوام دون الثانية بأن هذا مناف لتصريحهم بان الاسمية التي خبرها فعلية تفيد التجدد كالفعلية المحضة و المحقق اليزدي تسلم له هذا و لكن حكم بأنه لا ينافي الفرق بينهما من حيث وجود الداعي إلى الدوام في جانب الاولى دون الثانية لكونها لا تقبله لان الفعل وضع لان ينسب الى الفاعل و النسبة فيه تدل على التجدد فتأمل.

40

فائدة (11) [التقديرات الشرعية]

الرطل العراقي مائة و ثلاثون درهما، و الرطل المدني مائة و خمسة و تسعون درهما، و الصاع ستة أرطال بالمدني و تسعة أرطال بالعراقي و هو الف و مائة و سبعون درهما.

و هذه التقديرات عندنا منصوصة في أحاديث الفطرة و غيرها و الدرهم ستة دوانيق و الدانق ثماني حبات من أوسط حب الشعير يكون مقدار العشرة دراهم سبعة مثاقيل فالمثقال درهم و ثلاثة أسباع درهم و الدرهم نصف المثقال و خمسة.

فالرطل العراقي أحد و تسعون مثقالا و الرطل المدني مائة و ستة و ثلاثون مثقالا و نصف مثقال.

و الصاع ثمانمائة و تسعة عشر مثقالا و الرطل المدني مائة و ستة و ثلاثون مثقالا و نصف مثقال و الصاع ثمانمائة و تسعة عشر مثقالا.

و الكر الف و مأتا رطل بالعراقي و ثمانمائة رطل بالمدني يكون مائة ألف مثقال و تسعة آلاف مثقال و مأتي مثقال:

و المن الشاهي ألف و مأتا مثقال يكون ألفا و سبعمائة و خمسة عشر درهما تقريبا كل عشرة أمنان اثنا عشر الف مثقال و المن التبريزي نصفه.

و الرطل الدمشقي اثنا عشر أوقية و الأوقية خمسون درهما فالرطل ستمائة درهم يكون أربعمائة و عشرين مثقالا فالكر مئتان و ستون رطلا بالدمشقى.

و نصاب الغلات خمسة أوسق و الوسق ستون صاعا فالوسق أربعون منا و ثلثا من

41

الا عشرين مثقالا و بالدمشقى مائة و سبعة عشر رطلا فالنصاب بالعراقي ألفان و سبعمائة رطل و بالمدني ألف و ثمانمائة رطل و بالدمشقى خمسمائة رطل و ثلاثة و ثمانون رطلا و زكاة النقدين ربع العشر و نصاب الذهب عشرون دينارا ففيها عشرة قراريط ثم أربعة دنانير ففيها قيراطان و هكذا دائما و الدينار هو المثقال و هو عشرون قيراطا.

و نصاب الفضة مائتا درهم ففيها خمسة دراهم ثم كلما زاد أربعين ففيها درهم فظهر ان زكاة النقدين ربع العشر فلو اخرج ربع عشر ما عنده منهما برئت ذمته لأنه بقدر الواجب أو أزيد لاحتمال عدم تمام النصاب الأخير و الصاع أربعة أمداد فالمد رطلان و ربع بالعراقي و رطل و نصف بالمدني يكون ثلاثمأة درهم الا ثمانية دراهم و الصاع بالرطل الدمشقي رطلان الا ثلثين درهما.

و المسافة ثمانية فراسخ بريدان أو نصفها لمريد الرجوع و هو بريد و البريد أربعة فراسخ و الفرسخ ثلاثة أميال و الميل أربعة آلاف ذراع و الذراع أربعة و عشرون إصبعا و قد روى في الحديث ان صاع النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان خمسة أمداد و ان المد مائتان و ثمانون درهما و الدرهم ستة دوانيق و الدانق وزن ست حبات و الحبة وزن حبتين من أوسط حب الشعير (1) و الإطلاق محمول على الأول لوروده في عدة أحاديث و العمل عليها و الحديث المشار إليه أخيرا انما ورد في مقام استحباب الغسل بصاع و لعل الصاع المقدر فيه هو صاع الغسل الذي كان يستعمله (عليه السلام).

فقد روى انه كان يغتسل بخمسة أمداد هو و زوجته (2) و الأمر الاستحباب سهل لجواز الزيادة و النقصان فيه و يظهر من بعض الاخبار ان الصاع كان على عهده (صلى اللّه عليه و آله) خمسة أمداد و انه تغير في عهدهم (عليهم السلام) و في أحاديث الفطرة و الزكاة ما يدل على ان المعتبر هو ما كان في زمانهم (عليهم السلام) و هو ما اشتمل على التقديرات المذكورة سابقا و اللّه تعالى اعلم.

____________

(1) الفقيه ص 34 ج 1

(2) كا- ج 3 ص 22 ح 5

42

فائدة (12) [حديث العقل]

في توضيح حديث خلق العقل و هو مشهور ورد من عدة طرق بأسانيد مختلفة تزيد على عشرين متفرقة في كتب الحديث فمن تلك الطرق ما رواه الكليني بإسناده الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: لما خلق اللّه العقل استنطقه ثم قال له اقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال و عزتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحب الى منك و لا أكملتك إلا فيمن أحب أما إني إياك آمر و إياك أنهى و إياك أعاقب و إياك أثيب (1).

أقول: قد أورد بعضهم على هذا الحديث الشريف جملة من الإشكالات ترد عليه بحسب الظاهر و يندفع بعد التأمل.

أحدها و ثانيها: قوله استنطقه اى طلب منه النطق مع انه ليس من أفعال العقل و لا له عليه قدرة فطلبه منه مع ذلك قبيح و يلزم منه تكليف ما لا يطاق و هو باطل بالضرورة من مذهب الإمامية.

و الجواب أولا: ان معنى استنطقه غير منحصر في طلب النطق بل جملة معانيه ما قاله صاحب الصحاح ان استنطقه بمعنى كلمه و كثيرا ما يكلم الإنسان ما لا يفهم الكلام لغرض آخر كما يكلم الدار و غرضه التحسر أو الاعتبار.

و قال الشاعر:

قف بالديار و سلها عن أهاليها * * * عسى ترد جوابا من يناديها

____________

(1) كا- ج 1 ص 10 ح 1

43

و قد ورد في الحديث ان تفكر ساعة خير من قيام ليلة.

و سئل الإمام (عليه السلام) عن معنى هذا التفكر فقال ان يمر بالديار الخربة فيقول أين بانوك أين ساكنوك مالك لا تتكلمين (1) فالمراد من مكالمة العقل مجرد إظهار انقياده و طاعته لا نطقه بالجواب.

و ثانيا: يحتمل ارادة المعنى المذكور في السؤال و يكون تعالى أراد النطق من العقل مع أقداره عليه فإنه لا يمتنع ان يكون اللّه سبحانه جعل فيه قوة للنطق و الاقتدار على التعبير عما يريده من الاعتراف له.

و ثالثا: يحتمل ان يراد بالنطق الفهم و الإدراك فإنه أحد معانيه و كثيرا ما يستعمل فيه.

و اعلم ان الوجه الأول و الثاني متقاربان فان كلمه يتضمن معنى طلب منه النطق لان الكلام يستلزم طلب الجواب غالبا و الوجه الثاني قريب باعتبار كمال قدرته تعالى على مثل ذلك و ما هو أعظم منه و من أنكر ذلك فقد أنكر قدرته تعالى و لا يخفى ان النطق لا يتوقف على وجود الجوارح من اللسان و نحوه باعتبار كمال القدرة و ان توقف على ذلك في بنى آدم لا يلزم توقفه عليه في المجردات لو سلم تجرد العقل ح فان لها حكما آخر و مما يقرب ذلك.

قوله أَنْطَقَنَا اللّٰهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ (2) قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ (3) وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّٰا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (4).

و رابعا: يحتمل ان يريد بالنطق المجازي أعني الإخبار بلسان الحال و الدلالة على المقصود بأي وجه كان اى طلب تعالى من العقل ان يكون دليلا لعباده على وحدانيته و مخبرا لهم بربوبيته بالتفكر فيه أو به

____________

(1) كا- ج 2 ص 54 ح 2

(2) فصلت 21- 11

(3) فصلت 21- 11

(4) الاسراء- 44

44

و ثالثها و رابعها قوله (عليه السلام) ثم قال له اقبل فأقبل ثم قال و عزتي إلخ فإن لفظة ثم موضوعة للتراخي و لا تراخى هنا بحسب الظاهر.

و الجواب أولا ان التراخي غير معلوم الانتفاء إذ يحتمل تخلل زمان طويل أو كلام كثير بين كل واحد من الأمور المذكورة و بين أبعده.

و ثانيا: ان ثم تأتي أيضا بمعنى الفاء أى لمجرد التعقيب من غير تراخ كما في قوله جرى في الأنابيب ثم اضطرب و ثالثا: ان التراخي يعتبر في كل مقام بحسبه كما قالوه في التعقيب كما في قولهم تزوج فولد له و الأمور العظيمة المهمة تستعمل فيها ثم دون الفاء و ان لم يكن تراخ ظاهر لعظم قدرها ينبغي ان تكون في أزمنة متباعدة لقصور الزمان القليل عنها و لو باعتبار و الادعاء أو لأنها لكثرة الاحتياج إليها و اهميتها و تشوق النفوس الى العلم بها بعد الزمان القصير المتخلل دونها أو بينها طويلا متراخيا عما قبله يشهد بذلك من تتبع كلام الفصحاء و تراكيب البلغاء.

و خامسها: ان الإقبال و الأدبار لا يتصوران من العقل بحسب الظاهر و لا تظهر لهما فائدة.

و الجواب: انه لا بعد في اتصاف العقل بالإقبال و الأدبار بمعنى الذهاب و الإياب و كذا النفوس و الحواس و نحوها فإنها تذهب و تجيء و تفارق على وجه تصح نسبته إليها و لا ينحصر ذلك فيما يعهد من إقبال الإنسان بوجهه و إعراضه به و الغرض في الأمر بالإقبال و الأدبار كالغرض في جميع التكاليف من إظهار الانقياد و اختبار العباد و بيان امتثال الأمر كما ان من أراد اختبار طاعة عبده يقول له اذهب ثم يقول له ارجع لإظهار الطاعة و إلزام الحجة و لا بعد في ان يخلقه اللّه تعالى أولا على حالة يمكن اتصافه بالإقبال و الأدبار الحقيقيين و قد اعطى اللّه الجن و الملائكة قدرة التشكل بأشكال بنى آدم و غيرهم فلا يبعد ان يعطى اللّه العقل ذلك و لو في حال الأمر بالإقبال و الأدبار على نحو ما مر في الاستنطاق.

45

و سادسها: ان الإقبال و الأدبار انما يتصور أن بالنسبة إلى مكان و اللّه سبحانه منزه عن المكان.

و أيضا قد ورد ان أول ما خلق اللّه العقل فعلم انه لم يكن ح مكان.

و الجواب: ان ذلك ممنوع بل الإقبال و الأدبار قد يكونان لا بالنسبة إلى مكان كما يقال اقبل على العلم و اعرض عن الجهل و لا يلزم نسبتها الى اللّه عز و جل و لا الى مكان سلمنا لكن لا تعلق لهما يكون الباري سبحانه و تعالى في مكان بل يمكن ان يعين للعقل مكانا للإقبال و الأدبار كما يختاره و يريده و قولهم (عليهم السلام) أول ما خلق اللّه العقل على تقدير ثبوته يحتمل ان يكون الأولية فيه مخصوصة ببعض الأقسام لما ورد في حديث آخر من أحاديث العقل و هو أول ما خلق من الروحانيين فلا يلزم تقدم خلقه على خلق المكان مطلقا أو تقدم خلق الروحانيين كذلك يرجع الأمر إلى الجواب الأول.

و سابعها: ان التكليف متوقف على كمال العقل و قد تضمن هذا الحديث الشريف انه لا يكمل الا فيمن أحبه اللّه فيلزم ان يكون كل من أبغضه اللّه غير مكلف و هو خلاف المعلوم ضرورة بالنص و يلزم أن يكون كل مكلف ممن يحبه اللّه و ان كان مرتكبا لجميع المعاصي و الكفر و هو باطل ضرورة.

و الجواب: ان العقل على مراتب و ينقسم إلى أقسام و كمال العقل أيضا له مراتب و درجات فالاكمال المذكور في الحديث أعلى درجة مما يتوقف عليه التكليف ألا ترى ان النبي و الأئمة (عليهم السلام) كانوا يحكمون على أهل زمانهم بأحكام الشريعة مع ان المعلوم من حالهم و حال أهل كل زمان انهم في غاية التفاوت في العقول و لا يخصون الأحكام التكليفية بأهل الدرجة العالية في العقل و وجه إكمال العقل اما ان يكون تفضلا من اللّه على بعض العباد بواسطة عملهم الصالح أو تفضلا محضا أو بتوفيقهم للعمل بمقتضى ما وهبهم من العقل.

و يشير الى ذلك ما في الحديث القدسي و انه ليتقرب الى بالنوافل حتى أحبه

46

فإذا أحبته كنت سمعه الذي يسمع به الحديث (1). فيرجع الى الاختبار من العبد الطاعة فالعقل يكون ناقصا على الأول بالنسبة الى عدم العمل بمقتضاه و على الثاني بالنسبة الى ما أضيف إليه من العقل الكامل و في هذا الحديث إشارة إلى تعلق التكليف بالعقل و صاحبه قبل إكماله و يأتي تأويل هذا الحديث إن شاء اللّه.

و ثامنها: ان العقل لم يثبت انه من جملة أهل التكليف فما وجه قوله إياك آمر و إياك أنهى إلخ ثم ان اختصاصه المستفاد من تقديم المعمول غير واضح فكثرة الأوامر و النواهي المتوجهة إلى غيره و الثواب و العقاب الذين يستحقهما غيره و ان كان قصرا إضافيا بالنسبة الى من ليس بمكلف فما مزيته على المكلفين.

و الجواب: لا شبهة ان العقل كان مكلفا في ذلك الوقت بالإقبال و الأدبار و قد ثبت ذلك بهذه الأحاديث و هو كاف و يحتمل كونه مكلفا بغير ذلك أيضا من تحصيل المعارف و الاعتقادات و لا بعد في استمرار تكليفه بمثل ذلك و اما الاختصاص فقد يكون قصرا حقيقيا في ذلك الوقت أو يكون الحصر مخصوصا بالأمر و النهى المذكورين.

و يحتمل ان يكون وجهه ان العقل علم انه مناط التكليف، و انه حجة اللّه الباطنة على العباد فظن انه بذلك خارج من تعلق التكليف به فنبهه تعالى على فساد الظن بالنص على توجه الأمر و النهى المذكورين إليه خاصة.

و يحتمل ان يكون من باب وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ اى أهل القرية يعني انما يتوجه التكليف و الأمر و النهى و الثواب الى أهل العقل فكأن العقل هو المخصوص بذلك و ربما يقرب هذا الإتيان بصيغة المضارع دون الماضي و ان كانت هذه العبارة قد تستعمل فيما تقدم من الأمر و نحوه كما إذا أمرت شخصا ثم قلت له إياك أعني فإن ما قارب الحال من الماضي يمكن إدخاله في حكم الحال إذ هو في الحقيقة اجزاء

____________

(1) كافي ج 2 ص 352

47

من أواخر الماضي و أوائل المستقبل و ان لم يتم ذلك حقيقتا فمجازا.

و تاسعها: ان هذا معارض بما ورد في غيره من أحاديث العقل بك آخذ و بك اعطى و بك أثيب و بك أعاقب و هذا تضمن انه هو المخصوص بذلك.

و الجواب: لا منافاة في ان يكون العقل مكلفا بتكليف خاص و يكون هو للمكلفين دليلا على التكليف و مناطا له و كل من الفريقين يؤمر و ينهى و يعاقب و يثاب وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ فليس المراد ان العقل يثاب و يعاقب بفعل صاحبه قطعا و لعل الكليني (قدس سره) لاحظ إيراد ما يدل على التكليف العقل نفسه أولا ثم ما يدل على انه شرط التكليف ثانيا.

و بالجملة فلا معارضة بين الأحاديث هنا و لا منافاة و على تقدير الإضمار في الحديث المذكور و أمثاله يتحد مضمون الأحاديث لكنه تقدير لا ضرورة إليه لاستقامة المعنى بدونه.

و عاشرها:

و حادي عشرها: ان العقل إذا كان من المجردات كما قيل فلا يتصور تعلق الثواب و العقاب به و ان جعل متشكلا بشكل ليمكن تعلق الثواب و العقاب فذلك الشكل لا يستحق ثوابا و لا عقابا.

و الجواب: ان اللّه قادر على أن يوصل اليه ثوابا و عقابا بما يناسبه بل قد وقع ذلك بالفعل كما دل عليه حديث جنود العقل و الجهل فإنه ظاهر واضح في ذلك و لم يثبت تجرد العقل.

و ثاني عشرها: ان اللّه سبحانه كان عالما بطاعة العقل فلا وجه للأمر.

و الجواب: انه تعالى عالم بطاعة كل مطيع و معصية كل عاص و مع ذلك يحسن التكليف إظهارا للطاعة، أو المعصية ليستحق صاحبها الثواب أو العقاب و لعله من قبيل قوله تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ و إن كان يؤمن منه الشرك ليكون

48

أبلغ في الأمر للغير بالطاعة و في الزجر عن المعصية و حيث ان العقل بهذه الطاعة اليسيرة حصل له الثواب بهذا الشرف العظيم و الجهل على قياس ذلك مع انه لو لا هذه المعصية لكان بمنزلة العقل ففي ذلك من التنبيه و الموعظة ما لا يخفى و قد استدل بعض المحققين من المعاصرين بحديث العقل و الجهل على وجوب العمل بالنص. و عدم جواز العمل بخلافه أصلا.

و هو استدلال حسن عند التأمل لكن لا حاجة إليه لكثرة الأدلة و النصوص الصريحة و اللّه أعلم بحقائق أحكامه و دقائق كلامه.

49

فائدة (13) [حديث من يعرف الحق لم يعبد الحق]

في تأويل حديث سأل عنه بعض الطلبة و ذكر انه وجده في بعض الكتب و لفظه: من عرف الحق لم يعبد الحق (1) أقول: مثل هذا لا ضرورة بنا الى النظر في تأويله و توجه الفكر الى توجيهه إذ لم يصح له سند و لا يثبت في كتاب معتمد مع أنه مخالف لصريح العقل معارض بصحيح النقل بل يقتضي بطلان ضروريات الدين و يضادّ الكتاب و السنة و إجماع المسلمين فيحتاج إلى إثبات صحته أولا ثم النظر من صرفه عن ظاهره ثانيا فإنه غير صحيح على قاعدة الأصوليين و لا الاخبار بين، و يقرب الى الاعتبار انه من كلام بعض الصوفية الذين نقل عنهم القول بسقوط العبادات عمن وصل الى مرتبة الكشف و الوصول و بعد التنزل و تسليمه يجب تأويله لما مر و ذلك ممكن من وجوه اثنى عشر.

أحدها: ان يكون المراد بالعبادة الجحود و الإنكار فإنه أحد معانيها اللغوية صرح به في القاموس و غيره و ذكروا ان الفعل منه كفرح و عليه حمل قوله إِنْ كٰانَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعٰابِدِينَ (2) في بعض الوجوه فيكون المعنى و اللّه اعلم من عرف

____________

(1) رواه أيضا السيد عبد اللّه الشبر ره في مصابيح الأنوار عن المؤلف ره و اخرج الوجوه التي ذكره المصنف ره هنا راجع الجزء الأول ص 432.

(2) الزخرف- 81

50

الحق معرفة صحيحة ثابتة لم يجحده و لم ينكره بعد معرفته و يكون إشارة الى أن من جحد الحق لم يكن معرفته السابقة صحيحة كما ذهب اليه المرتضى و جماعة من العلماء و دل عليه بعض النصوص المعتمدة و على هذا الوجه يحتمل كون الجملة الخبرية هنا مرادا بها النهى كقوله (عليه السلام) لا ضرار على وجه.

و ثانيها: أن يكون يعبّد مشدّد الباء من عبده بالتشديد أى ذلله و منه طريق معبد إذ لم يثبت ضبط هذه اللفظة بالتخفيف اى من عرف الحق لم يذلله ببذله لغير أهله أو بترك التقية به أو بالإهانة له و الاستخفاف به أو بفعل المعاصي و المحرمات الموجبة لنقص الايمان و يكون المراد بالحق الثابت من حق يحق إذا ثبت و لا يكون اسما من أسمائه تعالى مع احتمال التوجيه مع كونه من أسمائه تعالى أيضا على بعض الوجوه و على هذا اما ان يراد المعرفة التامة أو مطلق المعرفة مع كون الجملة في معنى النهى كما سبق.

و ثالثها: أن يراد بالحق الثابت كما ذكر و يخص بغيره تعالى حيث ان كنه ذاته تعالى لا يعرف و انما تتعلق المعرفة بصفاته تعالى و أسمائه و أفعاله و أنبيائه و حججه و نحوها مما لا يجوز عبادته فمن عرفه علم انه غير مستحق للعبادة فلم يعبده و من عبده لم يكن عرف اللّه و لا عبده.

و رابعها: أن يكون المراد من عرف الحق أي حق المعرفة و أقواها اعنى الضرورية الحاصلة يوم القيمة و هناك يسقط التكاليف قطعا فيخصص بذلك لضرورة الجمع بينه و بين الضروريات و لا يخفى ان هذا ليس ببعيد، و ما نقل من الصوفية من حصول هذه المعرفة في الدنيا لبعضهم مردود إذ هي دعوى بلا دليل بل الدليل قائم على فسادها و ترتب المفاسد عليها و لو سلمنا فالدليل قائم على عدم سقوط التكاليف في الدنيا و ان حصلت و قد أفردنا ذلك مع أمثاله في محل آخر.

و خامسها: ان من عرف اللّه حق المعرفة أي غاية ما يمكن منها في الدنيا لم يعبده حق العبادة فكيف من دونه في الرتبة و المعرفة فيجب الاعتراف بالتقصير في