النخبة في الحكمة العملية و الأحكام الشرعية

- الفيض الكاشاني المزيد...
289 /
5

تقديم

تاريخ الفقه

جاء مصطلح الفقه و الاجتهاد في اللغة بمعنى «الفهم» و استخدم القرآن الكريم و الحديث الشريف المصطلح بنفس المعنى، دون أن يخصّص المعنى بعلم خاص، غير أنّه أطلق «الفقه» منذ أواخر القرن الهجري الأول، اصطلاحا على «علم الأحكام». لهذا عرّف فقهاء الشيعة، الفقه استنادا على المفهوم الجديد كالتالي: «العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية» (1).

و لقد تبلور علم الفقه تدريجيا بعد النّبي (ص) باعتباره أحد الفروع العلمية الإسلامية، و سمّي من عمل فيه و خاض غمار لججه «الفقيه»، حيث أخذ الفقيه على عاتقه دراسة علم الإحكام، و بذل الجد و الجهد في سبيل تبيين الحلال و الحرام، و يمكن القول انّ هذا العلم ظهر حسب ما تطلبته الضرورة، و توسّع بمعنى الأزمنة و مقتضياتها.

و كان المؤمنون على عهد رسول الله (ص) يأخذون الأحكام عنه مباشرة، الّا انّه، بعد وفاته (ص) لم يكن واضحا على وجه الدّقة لدى عامة

____________

(1) معالم الأصول، 22.

6

الناس المرجع الذي يأخذون عنه أحكام دينهم، فحاول بعض الصحابة الإجابة على الاستفسارات الفقهية من خلال رواية الأحاديث النبوية الشريفة، بيد انّ هذه الحالة لم تستمر طويلا، فقد شعرت الأمّة بعد حين بأنّ هذه الأحاديث لا يمكنها أن تلبي حاجاتها عصرئذ، ففكّر العلماء بالبحث عن أجوبة جديدة لمشكلات جديدة، الأمر الذي فتح باب الاجتهاد في الفقه.

و ظهر في القرنين الثاني و الثالث للهجرة فقهاء حاولوا العثور على أجوبة دينية و فقهية في صدور الأحكام الشرعية، كلّ بطريقته و منهجه الخاص و بالاستناد على بعض الأدلة من مثل القياس و الاستحسان و الاستصلاح و سدّ الذرائع و غيرها.

امّا الفقه الشيعي، فكان له مساره الخاص و يمكن اختزال أدوار الفقه و الاجتهاد الشيعي الى مراحل التالية:

1- مرحلة التأسيس، عصر الأئمة

بلحاظ ان المذهب الشيعي في فكره السياسي و الكلامي يعتقد بالنص على امامة الأئمة الأطهار (ع) كما يعتقد بأنّهم يتّصفون بميزتين استثنائيتين، هما «العصمة و العلم»، و عليه فهو يعتبر «عصر الإمامة» عصر الحضور ايضا، و يرى أن سنّة الأئمة من قول و عمل و تقرير يمكن الاستناد عليها كما السنّة النبوية الشريفة، و لها الحجّية الشرعية عن أئمّتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، و بالتالي فإنّ الشيعي كان ملزما باتّباعها.

و في هذه المرحلة كانت الأحاديث النبوية تروى أيضا بطريق الأئمة (ع) أو أن يقطع بصحّتها من خلال تأييدهم لها، فكان القرآن و سنّة

7

النّبي و الأئمة هي أدلّة أسس الأحكام الشرعية.

و بينما كان الحظر مضروبا على كتابة الحديث النبوي عند أهل السنّة منذ عهد الخليفة الثاني و حتّى خلافة عمر بن عبد العزيز (م 101 ق)، كان الشيعة منكبّين على التأليف و التدوين مدفوعين بتشجيع من أئمتهم لنحو هذا المنحى، فكتب تلامذة الأئمة مصنّفات مختلفة في الفقه و الحديث و تدوين الأحكام الشرعية.

و قد قيل: أنّ الامام عليّ (ع) كتب صحيفة بخطه دوّن فيها بعض مسائل الحلال و الحرام (1)، غير أن النجاشي اعتبر أبا رافع من صحابة الامام علي (ع) أوّل من كتب في الفقه من الشيعة بتأليفه كتاب «السنن و الأحكام و القضايا» (2)، ثم ألّف من بعده ولده علي و ربيعة بن شميع و هما من صحابة الامام علي (ع) أيضا في الفقه. (3)

ترعرع في القرن الثاني محدّثون و فقهاء في مدرسة الإمامين الباقر و الصادق «(عليهما السلام)» و غيرهما، كتب بعضهم في الفقه و الحديث، و قد ورد ذكرهم و مؤلفاتهم في الكثير من المصادر الإسلامية كالفهرست لابن النديم و مراجع شيعية متنوّعة كرجال النجاشي و فهرست الطوسي و غيرها من المصادر الرجالية و التاريخية و الفقهية. (4).

و تأتي المصنّفات الّتي كتبت تحت عنوان «آيات الأحكام» و تبحث في الآيات الفقهية القرآنية على رأس المؤلفات الشيعية و أوائلها و يبدو أنّ محمد بن السائب الكلبي (م 146 ه) هو أوّل من كتب في هذا المجال و تحت

____________

(1) تاريخ الفقه الجعفري: 71.

(2) رجال النجاشي: 6.

(3) رجال النجاشي: 7.

(4) راجع تأسيس الشيعة، تاريخ الفقه الجعفري، الامام الصادق و المذاهب الأربعة.

8

هذا العنوان. (1)

و رغم انّ المذهب الشيعي اتخذ موقعا رائدا في طرح الفقه و تدوينه و نشره و توسيعه، الّا انّه تأخّر في الاجتهاد بمعناه الحالي، و من غير المعلوم على وجه الدّقة من أين بدأ هذا الاجتهاد بين المسلمين، فقد قيل: أنّ الرسول (ص) كان يجتهد (2)، و لكن هل كان بإمكان المسلمين الاجتهاد في الأحكام الشرعية في زمن النبي (ص) و العمل باجتهادهم؟ الموضوع يحتاج إلى تأمّل و دراسة، ذلك أن بعض العلماء المعاصرين يعتقدون بأنّ باب الاجتهاد فتح منذ عهد الرسول (ص)، بل كان شأنا ضروريا للأمّة. (3)

و جاء في رواية، أنّ النّبي (ص) أجاز معاذ بن جبل بالاجتهاد عند اللزوم، و العمل به. (4) فإذا اعتمدنا الرواية و اعتبرنا أنّها أجازت الاجتهاد، فلا مناص من القبول بأنّ المسلمين كان لهم حقّ الاجتهاد في زمن الرسول (ص) في الحالات الّتي لم ينزل فيها حكم شرعيّ قاطع على أقلّ تقدير. و بعد وفاته (ص) أصبح للاجتهاد في الأحكام الفقهية و الشرعية ضرورة أكيدة للأسباب التي ذكرناها، و أقدم الصحابة و لا سيّما الخلفاء على حلّ المشاكل الفردية و الاجتماعية بالاجتهاد في حال غياب النص من القرآن و السنّة، بل الاجتهاد مقابل النص في بعض الحالات.

و على رغم أنّ حاجة الشيعة إلى الاجتهاد كانت أقلّ، لأنّها لم تتبوّأ مركز القرار و القيادة و الموقع التنفيذي إلّا مدّة قصيرة تمثّلت في خلافة أمير المؤمنين علي (ع) و سنة واحدة في حياة الإمام الحسن (ع) إلّا أنّ

____________

(1) الذريعة 1: 40- 41.

(2) موسوعة الفقه الإسلامي 1: 8- 9.

(3) أصل الشيعة و أصولها، محمد حسين آل كاشف الغطاء: 148.

(4) الملل و النحل 1: 201.

9

الاجتهاد كان ضروريا لها في حدود مشكلاتها اليومية المحصورة في نطاق كونها اقلّية محكومة، و هذه الحاجة الى الاجتهاد كانت ترفع بطريق الأئمة «(عليهم السلام)»، لأنّ الاجتهاد السنّي كان مرفوضا من قبل الشيعة بجميع أشكاله.

و في القرن الثاني، وقف الشيعة إلى جانب «أهل الحديث» ضدّ أهل الاجتهاد الذين أطلق عليهم يومذاك «أهل الرأي» و رفضوا «القياس» بمختلف اشكاله سوى القياس المنصوص العلّة. و كان الاتجاه الحديثي لدى الشيعة أقوى منه عند السنة بسبب حضور الأئمة «(عليهم السلام)» لحجّية سنّتهم و تفسيرهم للحديث النبوي.

و لم تكن ثمة ضرورة لاجتهاد الفقيه الشيعي في حياة الأئمة (ع)، و ليست لدينا صورة واضحة دقيقة عن مدى حقّه في الاجتهاد في الأحكام في عصر الإمامة، الّا انّ الشّك لا يساورنا في إطلاق الأئمة لقب «الفقيه» على بعض تلامذتهم، بل الطلب منهم بالإفتاء (كما في مثال ابان بن تغلب الذي أمره الإمام الباقر (ع) بالإفتاء في مسجد المدينة)، لكن من غير المعلوم ان كانت فتاوى هؤلاء الفقهاء تتحدّد في نقل الآراء الفقهية للإمام، أم تتمدد خارج هذا الحد الى العمل بالرأي الشخصي و الإفتاء به لعامّة الناس. و قد راح البعض الى أن الفقهاء في عصر الإمامة كانوا يمارسون الاجتهاد و الفتوى بما للكلمة من معنى، غير انّ حضور الامام كان يطغى و يغطي على هذه الممارسة الاجتهادية، بمعنى انّ مرجعية المجتهد حينذاك كانت تنحصر في فترة غياب الامام، و كان سعي الناس ينصب على الوصول الى المصدر الرئيسي أي الإمام (ع)، بل انّ الفقهاء أنفسهم كانوا يطرحون أيّة مشكلة

10

شرعية مع الأئمة. (1)

أذن فقد تأسّس علم الفقه و الفقاهة في إطار الأحكام الشرعية بتوجيه من الأئمة و بسعي دؤوب من العلماء و الفقهاء، و توفّرت مقدمات ظهور و جواز الاجتهاد المشروع القائم على أساس الكتاب و السنة و العقل و الإجماع.

و في هذه المرحلة دوّنت تعاليم الأئمة في أربعمائة أصل، و انتشرت في البلاد الإسلامية، و أصبحت مبادئ يعمل وفّقها الشيعة.

2 في عصر الغيبة

ثقلت كفّة الاتجاه الحديثي في أواسط القرن الهجري الثالث و في فترة خلافة المتوكل (م 247 ه) بالذات التي رافقتها موجة قمع ضد المعتزلة و الشيعة و غيرهما من المذاهب العقلية، و ترك هذا الوضع تأثيره المباشر على الشيعة، و خاصة في فترة الإمامين التاسع و الحادي عشر، حيث منعا من الاتصال مع اتباعهم من الشيعة، ممّا حدّد من النمو العلمي الشيعي، و استمر الوضع على هذا المنوال بشكل أو بآخر في فترة الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر «عج» و الّتي استغرقت فترة طويلة نسبيا.

و قد انهمك الكليني في هذه المرحلة بجمع الحديث الشيعي و تهذيبه، ليدوّن من ثمّ كتابه المهم «الكافي». و بعد وفاته سنة (329 ه)، أي في السنة الأخيرة من مرحلة الغيبة الصغرى و أصل ابن بابويه (م 381 ه) طريق سلفه، و ألّف كتابه: «من لا يحضره الفقيه» و غيره من كتب الحديث.

و يعتبر ابن عقيل النعماني و هو من طبقة الكليني و قد أدرك عصر

____________

(1) آشنايي با علوم إسلامي، أصول فقه: 60.

11

الغيبة الصغرى أوّل فقيه شيعي قام بتذهيب الفقه (1)، و يمثّل كتابه المعروف «المستمسك بحبل آل الرسول» من أشهر و أهمّ المراجع الفقهية الشيعية في القرنين الرابع و الخامس.

و ربما كان ابن الجنيد الإسكافي (م 381 ه) الفقيه الشيعي الوحيد الذي اعتمد القياس و الاستحسان اساسين في الاجتهاد الفقهي، و صنّف المسائل الفقهية تصنيفا مناسبا و قسّمها تقسيما موضوعيا، و ترك لنا مؤلّفات فقهية عديدة، لم يصلنا منها شيء. (2)

و جاء من بعد ابن الجنيد تلميذه الشيخ المفيد الذي كتب مؤلّفات مهمّة في أصول الفقه، منها: «المقنعة» و «الاعلام فيما اتفقت عليه الإمامية» في الأحكام و أصول الفقه و رسالة في ذبائح أهل الكتاب و غيرها.

و حلّ بعد تلميذه الشيخ الطوسي (385- 460 ه) الذي أرسى بنبوغه و علمه و سعيه و سعة أفقه قواعد الاجتهاد الشيعي، و ألّف كتابيه المهمّين «التهذيب» و «الاستبصار» في تنقيح الحديث، فأصبحا في عداد الكتب الأربعة عند الشيعة إلى جانب «الكافي» و «الفقيه».

و يعد الشريف المرتضى علم الهدى (355- 436 ه) أكبر فقيه شيعي بعد الشيخ الطوسي في القرن الخامس، و من أهمّ كتبه في الأصول «الذريعة إلى أصول الشريعة». و من الفقهاء المعروفين في هذا القرن تلامذة السيد المرتضى ابن البرّاج سعد الدين أبو القاسم الطرابلسي (404- 481 ه) و له:

«الجواهر» و «المهذّب» و «شرح جمل العلم و العمل»، و حمزة بن عبد العزيز المشهور بسلّار الديلمي (م 448 ه) و له الكتاب الفقهي، «المراسم العلوية

____________

(1) الفوائد الرجالية 2: 211، 220.

(2) تأسيس الشيعة: 302، 303.

12

و الأحكام البلوية»، و أبو الحسن محمد بن محمد البصروي مؤلف كتاب «المفيد في التكليف».

آل الاجتهاد بعد الشيخ الطوسي إلى الجمود تقريبا، و لعلّ من أبرز الأسباب الاجتماعية و السياسية لذلك زوال حكم آل بويه و استيلاء السلاجقة الأتراك على العراق و بغداد بالذّات، الأمر الذي حدّد نمو الفقه الشيعي و المعارف الأخرى، أضف الى ذلك قوة آراء الشيخ الطوسي الّتي ظلّت دون منازع و دون أن ينبري أحد من الفقهاء لمعارضتها، الأمر الذي جعل من التكامل الفقي و الإبداع حالة عسيرة يصعب اجتيازها.

و بحلول النصف الثّاني من القرن السادس برز حفيد الشيخ الطوسي من ابنته ابن إدريس الحلي (543- 598 ه)، و أنهى بانتقاداته و ابداعاته و جرأته الفكرية مرحلة الجمود السابقة، و أسّس هذا العلّامة مدرسة الحلّة الّتي أنجبت علماء كبار ارتقوا بالفقه الشيعي و الأصول إلى الذروة، و قد تحدّث ابن إدريس بكل وضوح عن دور العقل في الاجتهاد، و اعتبره من الأدلّة حينما لا يتوفّر النص القرآني أو السنّة أو الحكم الاجماعي. (1)

و بعده عمل المحقق الحلّي على تقوية دور العقل ايضا و تبيين استخداماته (2). و تمّ في هذه المرحلة تثبيت الأدلّة الأربعة: الكتاب و السنة و العقل و الإجماع الّتي اعتمدت منذ القرن الخامس، و لم تتغيّر حتّى يومنا هذا.

و قد عاش في عهد ابن إدريس فقهاء أمثال أبي المكارم ابن زهرة (511- 585 ه) صاحب كتاب «الغنية» و عماد الدين ابن حمزة الطوسي (م 566 ه) مؤلف كتاب «الوسيلة إلى نيل الفضيلة»، الّا انّ ممّا لا غبار عليه أن

____________

(1) السرائر: 3.

(2) المعتبر: 6.

13

المحقّق الحلّي (م 676 ه) هو أهمّ مجتهد و فقيه شيعي بعد ابن إدريس أدّى دورا مصيريا في إنضاج الفقه و تطويره، و في أشهر كتبه الفقهية «شرائع الإسلام» الذي يعتبر أهمّ مصدر في التحقيق و التدوين و التبويب الفقهي في العصور الّتي تلته. و كان أوّل من جعل الفقه في أربعة أبواب، العبادات و العقود و الإيقاعات و الأحكام، و من مؤلفاته الأخرى في الفقه و الأصول، «معارج الأصول» و «تبصرة المتعلّمين» و «تذكرة الفقهاء» و «منتهى المطلب» و «إرشاد الأذهان» و «نهاية الأحكام» و «تلخيص المرام» و «قواعد الأحكام».

و يمثّل محمد بن مكّي الشهير بالشهيد الأول (734- 786 ه) أبرز فقيه و مجتهد في المرحلة الثالثة من الفقه الشيعي بعد العلّامة الحلّي، حيث أعطى دفعات للفقه الشيعي من خلال جهوده الاجتماعية و السياسية المهمّة و تدريسه و تأليفه و تحقيقه و نبوغه العلمي و أخيرا شهادته، و من مؤلفاته الفقهية الهامّة: «الدروس الشرعية» و «اللمعة الدمشقية» و «الذكرى».

أمّا العلماء الذين حلّوا بعده، فقد اقتفوا- مدة قرن و نصف- آثاره و نهجوا منهجه و اتبعوا مدرسته، و ان صدر عنهم الجديد، فلم يكن ذلك يتخطّى شرح أفكاره و آرائه و بيانها و توضيحها، و من أشهر هؤلاء العلماء هم: ابن المتوّج احمد بن عبد الله البحراني (م 826 ه) مؤلف «النهاية في تفسير الخمسمائة آية»، و الفاضل المقداد الحلّي (م 826 ه) مؤلّف «كنز العرفان» و «التنقيح الرائع»، و ابن فهد الحلّي (م 841 ه) مؤلف «المهذب البارع» و «المنتصر» و «الموجز الحاوي»، و محمد بن قطّان الحلّي مؤلف «معالم الدّين في فقه آل ياسين»، و مفلح بن حسين الصيمري (م

14

877 ه) مؤلف «غاية المرام» و «كشف الالتباس» و «جواهر الكلمات»، و إبراهيم بن سليمان القطيفي (م 945 ه) مؤلف «إيضاح النافع»، و زين الدين العاملي (م 966 ه) المعروف بالشهيد الثاني مؤلف «الروضة البهية- شرح لمعة الشهيد الأول-» و «روض الجنان» و «مسالك الافهام» (1). و للشهيد الثاني مكانة أرفع و دور أبرز بين أقرانه في مسار تطوّر الفقه الشيعي.

و في نهاية المرحلة الثالثة برز المحقّق الكركي (م 960 ه) أشهر مجتهد شيعيي، تميّز فقهه عن فقه المرحلتين السابقتين بنقتطين:

الاولى: أنّه عزّز و رسّخ الأسس الفقهية بقدرته العلمية لاستدلالته القوية في كلّ مبحث.

الثانية: أنّه أولى اهتماما خاصّا ببعض المسائل الّتي أدّت إلى تغيير نظام الحكم في إيران و أوصلت الشيعة إلى سدة الحكم، فلم تكن تحتلّ مكانة مهمّة في الفقه قبل عصره بعض المسائل من قبيل: حدود صلاحيات الفقيه، و صلاة الجمعة و الخراج و المقاسمة و أمثالها لعدم ابتلاء الناس بها. (2)

و للكركي مؤلّفات عديدة في الفقه و الأصول، منها: «جامع المقاصد» في شرح القواعد و «تعليق الإرشاد» و «فوائد الشرائع».

و لا بد أن نشير هنا الى أنّ فقهاء هذا العصر المرموقين لا ينحصرون بما ذكرنا، و من الحق أنّ نذكر أسماء فقهاء آخرين أدّوا دورا مهمّا في تطوير الفقه الشيعي. منهم فقهاء آل طاوس، و خاصة رضي الدّين علي (م 664 ه) المشهور بكتابه «مصباح المجتهدين» و غياث الدّين عبد الكريم ابن احمد (648- 693 ه)، و منهم أيضا أبو علي بن الفضل بن أمين الإسلام الطبرسي

____________

(1) زمين در فقه إسلامي (الأرض في الفقه الإسلامي) 1: 65- 66.

(2) المصدر السابق: 67.

15

(م 572 ه) مؤلف «المنتخب في مسائل الخلاف» و زين الدين حسن اليوسفي الآبي (م 698 ه) مؤلف «العمدة» و «الفصيح» و «المنهج»، و عبد الله بن عبد المطّلب الحسيني الأعرجي (م 754 ه) مؤلف «كنز الفوائد».

و ثمة عوامل عديدة وقفت وراء تطوّر الفقه و الاجتهاد الشيعي خلال تلك القرون الأربعة، و لعلّ أهمّها اجتماعيا انهيار خلافة بغداد الذي أنهى دهرا من التعصّب و الطائفية ضدّ الشيعة، و أصبح بإمكان هذا المذهب أن يوسّع من علومه و معارفه، خاصّة إذا علمنا أنّ شخصية علمية و سياسية بارزة كالخواجة نصير الدّين الطوسي (597- 672 ه) تبوأت منزلة مرموقة في الجهاز الحاكم منذ البداية، و عبدت الطريق امام النشاط العلني للشيعة في الميادين المختلفة.

و قام العلامة الحلّي بعد الخواجة بدور مهم في هذا المجال، و قد مهّدت لتعاون الفقهاء الشيعة مع الايلخانيين عوامل عديدة، منها فكرة التعاون مع السلطان العادل، بل حتّى الظالم و لكن ضمن شروط محدّدة، هذه الفكرة الّتي ظهرت عند الشيعة منذ القرن الرابع، و منها العداء التاريخي العميق مع العباسيين.

و كان لنبوغ الكركي و اقتداره العلمي و السياسي أثر كبير في استمرار تدفق الفقه الشيعي و استمراره في أوائل العهد الصفوي و بروز فقهاء و بارزين اختط معظمهم منهج الكركي حتى نهاية العهد الصفوي أمثال حسين بن عبد الصمد العاملي (م 984 ه) مؤلف «العقد الطهماسبي»، و عبد العالي بن علي الكركي (م 993 ه) مؤلف «شرح الإرشاد» و الشيخ البهائي (م 1030 ه) مؤلف «مشرق الشمسين»، و «الحبل المتين»، و «الاثنا عشريات» و «الجامع العباسي»، و الميرداماد الأسترآبادي (م 1040 ه)

16

مؤلف الحاشية على «الروضة البهية»، و المحقق حسين الخوانساري (م 1098 ه) مؤلف «مشارق الشموس»، و جمال الدين محمد الخوانساري (م 1125 ه) و له حاشية على «الروضة البهية»، و الفاضل الهندي (م 1137 ه) مؤلف «كشف اللثام و المناهج السويّة».

و شذّ عن هذا المنهج- الى حدّ ما- المقدس الأردبيلي (م 993 ه) صاحب «زبدة البيان» فهو و ان لم يوجد تحولّا اساسيا في الفقه، غير انّه كان يعتمد على الفكر و الاجتهاد في التحليل و التدقيق دون أن يعود الى آراء السلف، و قد سار على منهجه الفقهي بعض فقهاء أواسط العهد الصفوي، و منهم محمّد بن علي الموسوي العاملي (م 1009 ه) مؤلف «مدارك الأحكام و هداية الطالبين»، و الحسن بن زين الدين العاملي (م 101 ه) مؤلف «معالم الدين» و «منتقى الجمان» و عبد الله بن حسين الشوشتري (م 1021 ه) مؤلف «جامع الفوائد» و المحقق السبزواري (م 1090 ه) مؤلف «كفاية الأحكام» و «ذخيرة العباد»، و أخيرا الفيض الكاشاني (م 1090 ه) مؤلف «الوافي» و «معتصم الشيعة» و «مفاتيح الشرائع» و غيرها، الذي وافق المنهج الاجتهادي عند المقدس الأردبيلي على رغم كونه إخباري المسلك (1).

و كان ضليعا في الفقه و الحديث و التفسير و الأخلاق و الحكمة العالية. و لكن سار على هذا المنهج الاستقلالي حتّى في فقهه الأخباري، و لهذا اتّجه في ذات المسار الفكري للمقدّس في مخالفة آرائه لفقهاء السلف في الكثير من المسائل، شأنه في ذلك شأن أتباع المقدّس الأردبيلي و خاصّة السبزواري و صاحب المدارك. (2) و يرفض الفقيه الشيعي الكبير محمد حسن بن محمد باقر

____________

(1) زمين در فقه إسلامي 1: 68- 69.

(2) راجع: جواهر الكلام 16: 71.

17

النجفي صاحب الجواهر المنهج الاستقلالي لهؤلاء الفقهاء و تجاهلهم لآراء السلف و يصفهم بمصطلح أتباع المقدّس الأردبيلي.

التصنيف في الفقه

جرى تقسيم البحوث الفقهية و تصنيفها و تنظيمها تنظيما أصوليا بطريق متعددة، فقد قسّم الفقه السّني المباحث الفقهية الى مجموعتين: العبادات و المعاملات، و صنّف العالم الشافعي الغزالي الأحكام الدينية و الأخلاقية في كتابه «احياء علوم الدين» إلى أربعة طوائف: العبادات و العادات و المنجيات و المهلكات (1). و قد ترك هذا الأسلوب تأثيره على نصوص الفقه الشافعي (2)، و أرسى أساس تقسيم البحوث الفقهية إلى أربعة أقسام هي:

العبادات و المعاملات و المناكحات و الجنايات.

و قيل في تسويغ هذا المنهج في التصنيف بأن البحوث الفقهية تتعلّق امّا بالشؤون الأخروية كأحكام العبادات، أو بشؤون تنظيم الحياة المادّيّة التي تنقسم بدورها إلى ثلاثة أقسام، فامّا ان تكون قوانين تنظيم العلاقات البشرية و تتشكّل منها أبواب المناكحات، و امّا قوانين يرتبط بها بقاء الفرد و النوع الإنساني معا و تلك هي أبواب المناكحات، و امّا قوانين يرتبط بها بقاء الفرد و النوع الإنساني معا و تلك هي الأحكام الجنائية و الجزائية. (3)

و يلاحظ في الفقه الشيعي أقدم الأطروحات التصنيفية في «مراسم» سلار بن عبد العزيز الديلمي (م 448 ه) و «مهذّب» القاضي عبد العزيز بن

____________

(1) الغزالي، احياء علوم الدين 1: 3، الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء 1: 4- 5.

(2) نحو: الغزي، الفتح القريب، 598، الباجورى، حاشية الفتح القريب 2: 332.

(3) نفائس الفنون، شمس الدين محمد بن محمود الآملي: 146.

18

البرّاج (م 481 ه) و «كافي» أبو الصلاح الحلبي (من أواسط القرن الخامس)، الذي قسّم التكليف الشرعي إلى أقسام ثلاثة، أطلق عليها العبادات و المحرّمات و الأحكام، و أدرج في مبحث العبادات عددا من البحوث الخاصة بالعقود و المعاملات كالنذر و العهد و الوصايا، اضافة الى العبادات المعروفة من صلاة و صيام و حجّ و زكاة و خمس و جهاد، فيما وضع أحكاما فقهية أخرى في مبحث الأحكام. (1)

و قام ابن البراج بتقسيم الأحكام الشرعية إلى قسمين في «المهذّب» قسم يختص بالأحكام العامّة الّتي يحتاج إليها الجميع، و هي العبادات التي قدّمها على غيرها من أبواب الفقه (2)، و ثان للأحكام الأخرى. و لم يستعمل أي تبويب خاص آخر للاحكام الفقهية.

و صنّف سلّار بدوره الفقه الى العبادات و المعاملات، و قسّم الثاني إلى عقود و أحكام (3)، و قسّم الأحكام الى جزائية و سواها. (4) و بالاستلهام من هذا المنهج، ألّف المحقّق الحلّي شرائعه في أربعة أبواب هي على الترتيب:

العبادات و العقود و الإيقاعات و الأحكام. (5)

سار على هذا المنهج الفقهاء الذين جاؤوا بعده (6)، و قد فسّر الشهيد الأوّل في كتاب «القواعد» هذا التقسيم علميا بإشارته الى أنّ المباحث الفقهية امّا أن تعالج الأبعاد الروحية و الأخروية أو أبعاد الحياة الدنيوية و

____________

(1) الحلبي، الكافي في الفقه: 201.

(2) ابن البراج، المهذب: 213.

(3) سلار، المراسم: 28.

(4) نفسه: 143.

(5) المحقّق الحليّ، الشرائع 1: 19 و 163؛ 2: 53 و 135.

(6) النائيني: منية الطالب 1: 33.

19

تنظيمها، فما عالج منها القسم الأوّل فهي العبادات و ما تناول الثاني فهي المعاملات، و ينقسم الجزء الثاني إلى نوعين، فهي امّا أحكاما تترتب على تعهدات الأفراد أنفسهم، أو انّها أحكام لا علاقة لها بتعهدات الأشخاص، و يطلق على هذه الأخيرة الأحكام، و تشمل المباحث القضائيّة و الجزائية و الإرث و أمثال ذلك.

و التعهّدات على قسمين فهي امّا ذات طرفين و تسمّى العقود و امّا ذات طرف واحد تختصّ بالشخص المتعهّد و تسمّى الإيقاعات. (1) و للشهيد كلام في هذا المعنى في كتاب «الذكرى»، سوى أنّه جعل الفرق هناك بين العبادات و سائر المباحث الأخرى على أساس ان الأعمال العبادية ينبغي أن تؤدّى بنيّة طاعة الأوامر الإلهية و التقرّب منه و رضاه، بينما لا تتطلب سائر الموضوعات الفقهية هذه النية (2). و اعتبر بعض الفقهاء انّ الفرق فيما بينها يتحدّد بوجود نوع من الرغبة الإلهية و الرجحان الذاتي في العبادات ممّا لا يتوفر في سائر الموضوعات. (3).

و اقترح الفاضل المقداد (م 826 ه) اسلوبين آخرين لتنظيم الموضوعات الفقهية و ترتيبها، و كلاهما مستلهمان من «قواعد» الشهيد الأول، ينطلق أحد هذين الأسلوبين و قد أسماه الأسلوب الفلسفي من فكرة انّ الإنسان و في سبيل تكامل شخصيته الإنسانية لا بدّ أن يوفّر لنفسه العوامل المفيدة و يبعد عن طريقه العناصر الضارّة، و العوامل النافعة تعطي- باختلاف طبيعتها- نتائج فورية عاجلة أو على المدى المستقبلي، و تعتبر العبادات

____________

(1) الشهيد الأوّل، القواعد و الفوائد: 4.

(2) الشهيد الأول، الذكرى: 6- 7.

(3) كاشف الغطاء، شرح القواعد: 1.

20

ضمن هذا القسم الأخير، أمّا الأحكام و القوانين المتعلّقة بالزواج و المعاملات و الأطعمة و أمثالها فهي تقع ضمن القسم الأول، كما شرعت الأحكام الجزائية لازاحة العوامل الضارّة عن مسار التكامل البشرى، و هذا يعني ان الاقتراح الأوّل يصنّف المباحث الفقهية إلى ثلاثة أقسام.

و عمّد المقداد في أسلوبه الثاني إلى تقسيم الفقه إلى خمسة أقسام على أساس أنّه جاء لحماية خمسة عناصر اساسية في حياة الإنسان، و هي: الدّين و النفس و المال و النسب و العقل، فقد شرّعت العبادة لحفظ الدين، و بعض الأحكام الجزائية لحفظ الأنساب، و قوانين المعاملات لتنظيم العلاقات المالية و حفظ الأموال، و أحكام تحريم المسكرات و عقوبات تناولها و أمثال ذلك لحراسة العقل البشري، و تأتي أبواب القضاء و الشهادات التي تشتمل على القوانين و التعاليم و الأحكام القضائية، لحفظ النظام الإسلامي بأكمله و ضمان تطبيقه تطبيقا سليما. (1)

و اختار مؤلف هذا الكتاب- الفيض الكاشاني- في كتبه الفقهية و الحديثية مثل «الوافي» و «معتصم الشيعة» و «مفاتيح الشرائع» و «النخبة» ترتيبا و تنظيما جديدين، أبدع فيه تدوينا جديدا للفقه و الحديث من خلال إدغام و نقل بعض الأبواب [1]، فصنّف الفقه الى قسمين، أحدهما في فن العبادات و السياسات و الآخر في فن العادات، و المعاملات. (2)

____________

[1] استلهم فكرة هذا الأسلوب إلى حدّ كبير من أسلوب الغزالي في إحياء علوم الدين.

____________

(1) المقداد، التنقيح الرائع: 4.

(2) مفاتيح الشرائع 1، 14، الوافي 1: 16.

21

الكتب الفقهية للفيض الكاشاني

أغنت مؤلفات الفيض المكتبة الإسلامية بمختلف العلوم و المعارف الدينية، و اتّسمت كتبه الفقهية بالتنوّع و التنظيم و الأسلوب الخاص، و توفّرت على خصائص فكرية لا تجدها في الكتب الأخرى، و هي حسب الترتيب الهجائى كالتالي:

1- أبواب الجنان: في وجوب الجمعة و آدابها و فضل الجماعة و آدابها، و هو مرتّب على فصول باللغة الفارسية، ألّفه سنة- 1055 ه. (1)

2- ترجمة الطهارة: جاء في فهرس تصانيفه: «انّه في فقه ما يتعلّق بالطهارة في مأتين و ثمانين بيتا»، ألّفه باسم ولده معين الدين محمّد. (2)

3- جهاز الأموات: في أمّهات مسائل الجنائز و أحكام الأموات، ألّفه سنة 1057 ه. (3)

4- زاد الحاج: في مناسك الحج و العمرة بالفارسية، ذكره في فهرسته.

5- الشهاب الثاقب: في إثبات الوجوب العيني لصلاة الجمعة في زمن الغيبة، فرغ منه في سنة 1057 ه، قال عنه في فهرس تصانيفه: انّ فيه تحقيق الإجماع و ذكر ما هو حجة و ما ليس بحجة و تزييف الإجماعات المنقولة التي هي منشأ الخلاف بين العلماء في وجوبها. طبع في النجف الأشرف سنة 1368 ه. (4)

6- معتصم الشيعة في أحكام الشريعة، فيه أمّهات المسائل مع ذكر

____________

(1) الذريعة 1: 15 رقم 72 و ص 77 رقم 371.

(2) الذريعة 4: 115 رقم 545.

(3) الذريعة 5: 298 رقم 1402.

(4) الذريعة 14: 252 رقم 2436.

22

الأقوال و الدلائل، و هو كالشرح للمفاتيح على ما صرّح به فيه، خرج منه مجلّد في الطهارة و مقدمات الصلاة في سبعة عشر الف بيت، فرغ منه في 1029 ه، قال في أول المفاتيح: أودعت فيه «المعتصم» أمّهات المسائل مع ذكر الأقوال فيها و الدلائل في أحسن بيان و ترتيب، فلما فرغت من أمّهاته و أتممت منه مجلّدا اشتغلت بأمر آخر، ثم رجعت إليه، فرأيت إن اختصره في وريقات قليلة و فصول و جيزة و سمّيته «مفاتيح الشرائع». (1)

7- مفاتيح الخير: فيما يتعلّق بفقه الصلاة و لواحقها، بالفارسية، في 250 بيتا. (2)

8- مفاتيح الشرائع: في الفقه، في فن العبادات و السياسات و العادات و المعاملات، فرغ منه في عام 1042 ه، و عليه حواشي و شروح كثيرة.

قال العلّامة الشيخ آقا بزرگ الطهراني: اختصره من كتابه «معتصم الشيعة و المتأخرون تلقّوه بالقبول و كتبوا على الحواشي و الشروح، (منها):

شرح مفاتيح الشرائع للسيد إبراهيم بن السيد محمد باقر الرضوي القمي النجفي الهمداني، كان حيّا سنة 1168 ه، و شرح للسيّد ابي الحسن بن السيد عبد الله بن نور الدين بن المحدث الجزائري (م 1193 ه)، و شرح للمولى الشريف العدل ابي الحسن بن محمد طاهر بن عبد الحميد بن معتوق الفتوني العاملي اسمه «شريعة الشيعة»، و شرح للأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني المولى محمد باقر بن المولى محمد أكمل «م 1206 ه» خرج منه كتاب الطهارة و الصلاة و الزكاة و الخمس و هو غير حاشيته على المفاتيح بل الشرح هذا كبير، ينقل، عنه جميع تلاميذه و من تأخّر عنه و اسمه «مصابيح

____________

(1) الذريعة 21: 210 و قم 4654.

(2) الذريعة 21: 302 رقم 5183.

23

الظلام [1]»، و شرح لآقا محمد جعفر ابن آقا محمد علي الكرمانشاهى ابن الوحيد البهبهاني، توفّي في نيف و خمسين بعد الألف و المأتين اسمه، «المصابيح المنيفة»، و شرح للمولى محمد حسين ابن المولى محمد حسن الجيلاني الأصفهاني اللبناني (م 1129 ه)، و شرح للشيخ حسين بن محمد بن احمد ابن إبراهيم العصفوري البحراني (م 1216 ه) فرغ منه في سنة (1212 ه) و اسمه «الأنوار اللوامع»، و شرح للمولى محمد رضا بن عبد المطلب التبريزي (م 1208 ه) و اسمه «المصابيح»، و شرح للمولى محمد رضا ابن المولى محمد مؤمن القمي، و شرح للشيخ سليمان ابن الشيخ احمد آل عبد الجبار القطيفي (م 1266 ه)، و شرح للسيد عبد اللّه بن محمّد رضا شبّر الحلّي الكاظمي (م 1242 ه) سماه «مصابيح الظلام»، و شرح مختصر من سابقه موسوم ب«المصباح الساطع» للسيد عبد الله شبّر، و شرح للسيد عبد الله ابن السيد نور الدين ابن السيد المحدّث الجزائري (م 1173 ه) الموسوم به «الذخر الرائع»، و شرح للشيخ عبد الله بن الشيخ على بن يحيى الجد حفصى البحراني الموسوم ب«أنوار المصابيح»، و شرح اسمه «مفتاح المجامع» لآغا محمد على بن الوحيد البهبهاني (م 1216 ه)، و شرح للسيد الأجل صاحب الرياض الأمير السيد على ابن الأمير محمد الطباطبائي ابن أخت الوحيد البهبهاني و صهره على بنته (م 1231 ه)، و شرح للسيد جدّ آية الله بحر العلوم السيد محمد ابن السيد عبد الكريم البروجردي الطباطبائي، اسمه «مفتاح أبواب الشريعة»، و شرح باسم «نهاية المرام» للسيد المجاهد السيد محمد بن المير السيد على الطباطبائي الحائري (م 1242 ه)، و شرح لولد المصنّف علم الهدى محمد بن محسن الفيض الكاشاني (م 1112 ه)، و

____________

[1] تمّ تحقيق هذا الشرح و تصحيحه بواسطة مؤسسة «الوحيد البهبهاني» في قم.

24

شرح لآقا محمود بن آقا محمد على كرمانشاهى (م 1269 ه)، و شرح للمولى محمد هادي ابن المولى مرتضى ابن المولى محمد مؤمن، أخ الفيض الكاشاني، و شرح آخر لم يعرف مؤلفه (1). اضافة الى الحواشي على «مفاتيح الشرائع» من السيد إبراهيم بن محمد باقر الرضوي القمّي الذي كان حيّا في (1168 ه)، و للأستاذ الوحيد الآقا محمد باقر البهبهاني (م 1206 ه) حاشيتين، و كذلك حاشية للسيد حيدر العاملي و الميرزا محمد بن سليمان التنكابني (م 1302 ه)، و لمحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن حسين بن عيسى العشياني الأحسائي البحراني، و حاشية لولد المصنف محمد بن محسن بن مرتضى المدعو بعلم الهدى و حاشية للمولى محمد يوسف بن محمد علي اللّاهيجي، كتبها على هوامش النسخة الّتي كتبها لنفسه في (1096 ه). (2)

9- النخبة في الحكمة العملية و الأحكام الشرعية: خلاصة لجميع أبواب الفقه و أصول الأخلاق، و للكتاب شروح عديدة سنذكرها. (3)

10- النخبة الصغرى: في لباب فقه الطهارة و الصلاة و الصوم في 360 بيتا، و قد يسمّى «نخبة العلوم»، فرغ منه (1050 ه) و طبع مستقلا في (1324 ه). (4)

11- النخبة الكبرى: فصّل فيه ما أجمله و بيّن ما أبهمه في «النخبة الصغرى» و هي كتعليقة تقرّب من أصلها في الحجم أو تزيد عليها كما ذكر

____________

(1) الذريعة 14: 74- 80.

(2) الذريعة 6: 212- 214.

(3) الذريعة 24: 97 رقم 501.

(4) الذريعة 24: 96 رقم 496.

25

في فهرس تصانيفه. (1)

يتّضح من خلال مرور سريع على مؤلّفات الفيض و كتبه و تحقيقاته أنّه كان من نوادر الدهر و من كبار علماء الشيعة و مشاهيرهم، و قلّما يجود الدهر بمثله و ينجب على شاكلته، و الحقّ يقال انه لا تجد في القرون الأخيرة من بين المتأخرين من الفقهاء و المحدثين و المفسّرين و المحقّقين و المؤلّفين الشيعة شخصية مثل الفيض الّا ما ندر و قلّ، إذ كان عالما ضليعا متبحرا في أكثر العلوم و المفاهيم و المعارف الإسلامية و الأخلاقية و العرفانية و الاجتماعية و السياسية و غيرها، له فيها رأي حصيف، و فكر رفيع. و تعتبر مؤلفاته القيّمة كنزا أغنى مكتبة العلوم الإسلامية إلى حدّ لافت للنظر.

يقول المحدّث الجزائري و صاحب قصص العلماء: انّ مؤلفات الفيض الكاشاني بلغت ما يقارب مأتي مؤلّف، و لكن ما هو مذكور في كتب الرجال و تراجم العلماء لا يتجاوز المائة و الثلاثين.

و قد أحصاها التنكابني في كتابه مائة و سبعين (2)، و أحصى منها المحقّق القمّي في كتابه ما يقارب مائة كتاب (3)، و أحصاها العلامة المدرسي التبريزي في موسوعته أكثر من مأتي كتاب. (4).

و قد كتب العشرات من العلماء و الفقهاء و المحدّثين و المتكلّمين و المفسّرين بالإضافة الى ذلك شروحا و حواشي و تعليقات على كتبه و رسائله و كلماته و أفكاره، كما رأينا ذلك لدى مرورنا على كتابه «المفاتيح»، مما يعكس القيمة العلمية و الفكرية للفيض في حوزات القرون الماضية، و لا شك في انّه

____________

(1) الذريعة 24: 98 رقم 505.

(2) قصص العلماء: 324.

(3) الفوائد الرضوية: 635.

(4) ريحانة الأدب 4: 369- 279.

26

بأسلوبه و آرائه الخاصّة كان من طليعة العلماء الذين استقطبوا أنظار الآخرين في حياته و بعد وفاته. [1]

و إذا كان للفيض في بعض الأحكام و الموضوعات رأي جديد بالاستناد على الأخبار و الروايات و الأحاديث الإسلامية المعتبرة، كحرمة الغناء الّتي يعتبرها متأنية من مجالس اللهو و اللعب في البلاطين الأموي و العباسي و من كيفية إجرائه، حيث أقدم الشيخ الأنصاري في المكاسب المحرّمة على تفسير هذه الفتوى، فانّ ذلك يدلّ على جرأته و فهمه و عمق فكره الديني و الاجتماعي، و لهذا حظي باحترام علماء كبار أمثال العلامة المجلسي و الشيخ الأنصاري و الحرّ العاملي و الوحيد البهبهاني و صاحب مفتاح الكرامة و السيد المجاهد و صاحب الحدائق و صاحب الجواهر (1) و غيرهم ممّن أثنوا عليه و على خدماته.

و يعد الفيض الكاشاني من المتكلّمين، و الفلاسفة المشّائيين، مكان ذا حظّ وافر في العلوم الأخلاقية و معرفة النفس. كما انّه كان شاعرا أديبا أنشد أشعارا رائعة و لطيفة، و ممّا تركه من الآداب العرفانية، الغزل الرائع مما يأنس به أرباب الذوق الغني الرقيق.

يقول العلامة الطباطبائي عن شخصية المحدث الكاشاني البارعة: كان الفيض شخصية جامعة للعلوم قلّ نظيرها في العالم الإسلامي في جامعيته، و الملحوظ انّه قد تناول كلّ علم من العلوم بصورة مستقلة، و لم يخلط علما بآخر. (2)

و لقد اتهمه مخالفوه بكونه ذا عقائد صوفية، و حمل في بعض مؤلفاته

____________

[1] سقنا في مقدمة تحقيق كتابه «نوادر الاخبار» حديثا مفصلا عن حياته.

____________

(1) جواهر الكلام 30: 153.

(2) مهر تابان: 26.

27

على المجتهدين و طعن فيهم. يقول المحقّق القمّي: انّ ظنّي في نسبة التصوف الباطل اليه «ره» انّها فرية بلا مرية، و الباعث عليها اقتداره بأهل هذه الطريقة في الموالاة مع الغلاة و الملحدين و إظهار البراءة من أجلّائنا المجتهدين، و عدم اعتنائه بالمخالفة لإجماع المسلمين و الإنكار لبعض ضروريات هذا الدين المبين، و الّا فبين ما يقوله و يقولونه مع قطع النظر عن هذا القدر المشترك بون بعيد، و إنكاره على أطوار هذه الطائفة في حدود ذواتها إنكار بليغ شديد. (1)

و أثنى عليه صاحب الروضات بقوله: أمره في الفضل و الفهم و النبالة في الفروع و الأصول و كثرة التأليف مع جرأة التعبير و التوصيف أشهر من أن يخفى في هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد. (2)

و أخيرا يقول العلامة المدرّسي التبريزي: الفيض الكاشاني عالم عامل ربّاني و فاضل كامل صمداني و عارف سبحاني، من أجلّاء علماء الإمامية في القرن الحادي عشر الهجري في عهد الشاه عباس الثاني، كان فقيها محدّثا مفسّرا محقّقا مدقّقا و حكيما متكلّما متألّها و أديبا شاعرا ماهرا، جمع العلوم العقلية و النقلية، ليس له مثيل في فهم و إدراك معاني الأحاديث و الأخبار، فريدا في تطبيق أصول الظواهر و البواطن و الجمع بين أصول الشريعة و الطريقة. و فضلا عن مراتبه العلمية، فقد انتشر في الآفاق صيته في مكارم الأخلاق و عرف جلال مقامه بين الخلائق، اعترف به المخالف و الموافق و صدّقه القريب و البعيد، و هو أشهر من أن يحتاج الى شرح و توضيح. كلّ تأليف من مؤلفاته المتنوّعة مرآة حقيقية لتبحّره و فضله و كماله و فطنته

____________

(1) الفوائد الرضوية: 637.

(2) روضات الجنات 6: 79.

28

و ذكائه و حسن ذوقه و استقامة طريقته و كثرة اطلاعه على الفروع و الأصول و غاية إحاطته بالمعقول و المنقول. (1)

نحن و الكتاب الحاضر

اعتمد علماء السلف أسلوب التلخيص و الاختزال و الانتخاب من كتبهم و مؤلفاتهم المطوّلة بحذف الاستدلالات الطويلة و اختصار الأقوال و الأفكار الفقهية و الكلامية تعميما للفائدة، أو تهذيبا للكتب النافعة للعلماء الآخرين و تلخيصها، و هو أسلوب استخدم منذ القدم في كتابة الحديث.

و يعدّ الفيض الكاشاني من هذا النمط من المؤلفين، إذ بادر الى تلخيص كتبه و إيجازها، كما عمد الى تهذيب مؤلفات الآخرين و اختصارها.

و قد مرّ بنا انه كتب خلاصات كثيرة في الفقه، و له في التفسير «الأصفى» و «المصفّى»، و في أصول العقائد «أصول العقائد» و في الأخلاق «الحقائق» تلخيص المحجة البيضاء، و «سراج السالكين» منتخب المثنوي المولوي، و في الحديث «الشافي» [1] تلخيص الوافي، و انتزع «شوق الجمال» و «شوق العشق» من ديوانه، و «الكلمات الرائعة» من كتابه الكلمات المكنونة، و «كلمات السّرية» من أدعية المعصومين (ع) و «الكلمات المخزونة» من الكلمات المكنونة، و «لبّ الحسنات» مختصر منتخب من الأوراد، و «المعارف» ملخّص كتابه علم اليقين، و «منتخب رسائل اخوان الصفا»، و «منتخب غزليات شمس تبريزي»، و منتخب «غزليات مثنوى مولوي» و «منتخب الفتوحات المكيّة» و «منتخب گلزار قدس» و «منتخب مكاتيب

____________

[1] سينشر قريبا كتاب «الشافي» محققا من عملنا إن شاء اللّه.

____________

(1) ريحانة الأدب: ج 4: ص 369.

29

قطب الدّين محي» و «التطهير» و المنتخب من «النخبة الفقهية» و «النخبة الصغرى» في لباب فقه الطهارة و الصلاة و الصوم و «النخبة الكبرى» فصّل فيه ما أجمله و بين ما أبهمه في «النخبة الصغرى».

و للمحدّث الكاشاني إلى جانب مؤلّفاته القيّمة الكثيرة، اثر قيّم آخر [هذا الكتاب] عمد فيه الى خلاصة جميع أبواب الفقه و أصول الأخلاق سمّاه:

ب«النخبة في الحكمة العملية و الأحكام الشرعية»، و قد تسمّى بالنخبة الوجيزة لأنّه قال بعد الخطبة: «هذه نخبة وجيزة في الحكمة العملية و الأحكام الشرعية على ما ورد به الكتاب و السنّة و آثار الأئمة من أهل بيت العصمة و من اقتبس من أنوارهم تفصّل بين ما وضّح دليله و بان سبيله ممّا لا ريب فيه و بيّن ما أبهم مأخذه و أظلم مسلكه ممّا يتشابه الأمر فيه ليكون العامل على بصيرة من الأخذ باليقين». (1)

بدء بمقدمة في نوعي العلم المقصود بذاته و المقصود منه العمل، ثم بكتاب الطهارة بقسميها الظاهرة و الباطنة في كلّ منها أبواب ثمّ بكتاب الصلاة في أبواب أيضا و هكذا سائر الكتب الفقهية و هي اثنا عشر كتابا و مائة و خمس و ستون بابا.

و على رغم انّ الأبواب الفقهية لهذا الكتاب المهم و المختصر هي تلخيص لكتابة الفقهي الأكبر «مفاتيح الشرائع»، الّا أن الجديد الذي يلاحظ في هذا الكتاب هو اختلاط و امتزاج أحكام الفقه و الشريعة المحمّدية من الحلال و الحرام و المستحب و المباح بالآداب و السنن الأخلاقية و الحكمة المتعالية و العرفانية. بتعبير آخر يعتقد الفيض بأنّ التعاليم الإلهية نزلت لبناء الفرد و المجتمع و تربيته اخلاقيا و قانونيا، باعتبار انّه لا يمكن الفصل بين المفاهيم و

____________

(1) النخبة، المقدمة: 43.

30

المعايير الأخلاقية لرقي الأمّة الإسلامية و العالم و التكاليف الشرعية.

و لا يمكن الإعراض عن القضايا الأخلاقية و عدم الاهتمام بقيمها و الانصراف الى علوم الفروع الفقهية و الانتهاك منها فقط دون ربطها بالأخلاق العملية بحجّة أن التكاليف الشرعية هي غير الأخلاق.

و هنا ينبغي ألّا ننسى ملاحظة مهمّة حول الفيض يمكن استخلاصها من آثاره، إذ يستنتج من التواريخ الّتي ذكرها على مؤلفاته انّه كتب المهم منها خلال العقود الأربعة الأولى من حياته، و يعتبر كتاب «الوافي» الّذي ألّفه سنة 1068 ه، أهمّ منجزاته العلمية بعد «الصافي» و «معتصم الشيعة» و «مفاتيح الشرائع» و «علم اليقين» و «عين اليقين» التي كتبها قبل أن يجتاز الأربعين، و بعدها ترك رسائل موجزة ألحقت بالمؤلفات الكبيرة كالحقائق مثلا.

و قد شهدت السنوات الأولى من عمره العلمي تأليفه الآثار الفقهية ليّتجه من ثمّ الى العرفان كما يظهر ذلك من خلال مؤلّفاته الّتي تكشف عن هذا المسار الفكري، و إذا ظهر شيء من النتاج الفكري الفقهي خلال المرحلة الثانية، فإنّما تلاحظ عليه الملامح العرفانية كما هو الحال في «النخبة» و «التطهير»، ثمّ أتّجه في المرحلة التالية نحو الحديث، و ألّف «الوافي» على امتداد هذا المسار الّذي أبعده بعض الشيء عن التصوف و آثاره ضد الاجتهاد و علم الأصول، رغم ان الموقف من الاجتهاد و الأصول كانت له جذور قديمة عند الفيض، خاصّة إذا عرضنا أنّ «الأصول الأصلية» ألّفه سنة 1044، و «سفينة النجاة» سنة 1058 ه.

و يعدّ كتاب «الحقائق» من أواخر مؤلفاته و هو عبارة عن دورة في الفقه و الأخلاق و يحوي على الكثير من الآداب و السنن الشرعية، ألّفه سنة 1090 هو إذا اعتبرنا هذا الكتاب هو ثمرة نتاج الفيض، فلا بدّ من النظر

31

اليه كمعارف متمسك بأخبار و آثار أهل البيت (ع) قبل أن ينظر اليه كفيلسوف أو فقيه عارف بذل الجد و الجهد لاستثمار كلّ ما يمكن الاستفادة منه في سبيل تهذيب النفس و إصلاح الأخلاق، بل انّه تأمّل في الفقه أيضا من زاوية الأخلاق.

مثال ذلك، يقول في مقدمة كتاب «الطهارة»: «الطهارة طهارتان، طهارة الباطن و طهارة الظاهر. و طهارة الباطن إمّا من جريمة الجوارح أو ذميمة القلب أو شغل السّر بما سوى اللّه. و طهارة الظاهر امّا من الخبث أو التفث أو الحدث». (1)

يقول الفيض في فهرس تصانيفه: «النخبة يشتمل على خلاصة أبواب الفقه كلّها مع استقصاء الآداب و السنن ظاهرا و باطنا و أصول علم الأخلاق في عبارات وجيزة بليغة، مراعية لألفاظ الحديث في الأكثر لم يسبق بمثله. و قد تمّت في ثلاثة آلاف و ثلاثمائة بيت تقريبا في سنة خمسين بعد الألف» (2) انّ الاهتمام بكتاب «النخبة» لم ينحصر في عصرنا و حسب، بل لفت انظار العلماء و الفقهاء و العرفاء بعد تأليفه في القرون الماضية، فكتبوا عليه تعاليق و شروحا و حواشي فها على سبيل المثال:

1- شرح طهارة النخبة: للسيد نور الدين ابن المحدّث الجزائري (م 1158 ه)، و هو شرح للمقصد الأوّل منه في طهارة الباطن، أهداه إلى سلطان عصره الشاه سلطان حسين الصفوي، فاستدعى منه ترجمته الى

____________

(1) النخبة: 43.

(2) الذريعة 24: 97، فهرس المصنفات: 3، مخطوط.

32

الفارسية، فترجمه و سماه «أخلاق سلطاني». (1)

2- التحفة السنيّة في شرح النخبة المحسنيّة: للسيد عبد اللّه بن نور الدين بن المحدّث الجزائري الموسوي التستري المولود سنة 1114 هو المتوفى سنة 1173 ه، ألّفه سنة 1163 ه. (2)

3- شرح النخبة: في عدّة مجلّدات، و هو للمولى عبد اللّه بن محمد كاظم التبريزي و قد فرغ من كتابتها 1119 ه. (3)

4- مفتاح الصحبة في شرح النخبة: للسيد نور الدّين المحدّث الجزائري. (4)

5- الحاشية على النخبة: لابن الفيض محمّد بن المحسن المدعو علم الهدى، كتابتها 1094 ه. (5)

منهج التحقيق

تركّز سعينا في هذا العمل على تصحيح النص، و كما هو واضح، فإنّ المؤلف أخذ كثيرا من نصوص الأخبار و الأحاديث الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، ثم أرجعنا بعض النصوص الى الأخبار و الأحاديث الواردة في الموضوع، كما أننّا عملنا- ما في وسعنا- لاستخراج أغلب الروايات الّتي ورد ذكرها في الكتاب استشهادا بها من مصادرها الأولية و أحيانا من نسخة شرح الكتاب نشير إليه في الهامش ب«ش». اضافة الى الشرح و

____________

(1) الذريعة 3: 366.

(2) الذريعة 3: 443.

(3) الذريعة 14: 102.

(4) الذريعة 21: 335.

(5) الذريعة 24: 98.

33

التوضيح الذي تتطلبه بعض الحالات.

و اعتقادنا هو أنّ هذا الكتاب فريد في نوعه، موضوعا و تبويبا، و يضيف إلى أهميته انّه من تأليف فقيه متكلّم، و محدّث خبير، و حكيم متألّه، و عالم جليل نحرير، كان يشار اليه بالبنان من علماء عصره و جميع الدهور من بعده لتمكّنه من الفقه و الكلام و الحديث و التفسير و التقويم و الأخلاق و العرفان و غيرها.

و قد طبع «النخبة» في إيران السنوات «1303، 1316، 1324، 1330، 1333 ه» على الحجر في طهران. و تمّت مقابلة النص على النسخ التالية- مشارا إليها بالرموز المذكورة:

ألف: نسخة مخطوطة بيد محمد المدعو برضى النظري ابن محمد حسين بتاريخ 1091 ه، من مكتبة حجة الإسلام السيد حسن الموسوي الغزنوي، دام مشكورا.

ب: نسخة مصوّرة لشرح النخبة باسم «التحفة السنيّة» من تأليف السيد عبد الله بن نور الدين الجزائري «م 1173 ه» كتبت سنة «1163 ه».

ت: نسخة مخطوطة كتبت بتاريخ «1177 ه» من مكتبة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ المشايخى (رحمه اللّه).

س: نسخة مطبوعة على الحجر بتاريخ «1330 ه» على نسخة الميرزا القمّي (رحمه اللّه)، قام بتصحيحها محمد حسين القمي (رحمه اللّه)، و تمّت طباعتها في دار الطباعة التابعة للميرزا على أصغر.

و هنا أرى من الواجب عليّ أن أتقدّم بجزيل الشكر و وافر الثناء الى سماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ الباقري لمراجعته الكتاب، و الى سماحة الحجة الفاضل الشيخ جعفر الخراساني على ملاحظاته القيّمة التي

34

أبداها حول الكتاب، كما اشكر منظمة الاعلام الإسلامي على تبنّيها طباعته و إخراجه.

و في الختام أقدّم هذا الجهد المتواضع الى الجامعة العلمية و الفقهاء و العلماء، و طلاب علوم الدينية، على أمل أن يقع موقع قبول عند الله تعالى، و أن تكون هذه الخدمة في سبيل نشر المعارف الدينية و العقائد الإسلامية سببا للنجاة من ناره الموقدة يوم الحساب.

قم المقدسة مهدي الأنصاري القمّي 1417 هق

35

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

مقدّمة الكتاب

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت النبوّة عن دينه القويم، و أبلج [1] بأنوار آثارهم في ظلمات البدع و الأهواء عن صراطه المستقيم، و الصلاة و السلام على محمّد و آله المعصومين ما دامت الصلوات و التسليم.

امّا بعد: فيقول خادم العلوم الدينيّة محمّد بن مرتضى المدعوّ بمحسن، أحسن اللّه إليه: هذه «نخبة وجيزة في الحكمة العملية و الأحكام الشرعية» على ما ورد به الكتاب و السنّة و آثار الأئمة من أهل البيت العصمة (عليهم السلام)، و من اقتبس من أنوارهم (عليهم السلام)، تفصّل بين ما وضّح دليله و بان سبيله ممّا لا ريب فيه، و بيّن ما أبهم مأخذه و أظلم مسلكه ممّا يتشابه الأمر فيه، ليكون العامل على بصيرة من الأخذ باليقين و الاحتياط في الدّين، إذ ورد: «حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات، فهلك

____________

[1] أبلج، ظهر و اتّضح.

44

من حيث لا يعلم». (1)

و إذ لا سبيل إلى القطع في الشبهات فالأمور ثلاثة، و كذلك في الفرض و النفل:

ففرض بيّن، و نفل بيّن، و شبهات بينهما، من أتى بها نجا من ترك الفرائض، و من تركها وقع فيه فهلك من حيث لا يعلم.

فارتفع الخلاف، و نجونا ممّا نهينا عنه من القول بالرأي و الجزاف، لإبهامنا ما أبهم اللّه و سكوتنا عمّا سكت اللّه، و كما أنّ تارك الشبهات في الحلال و الحرام و فاعلها في الفرض و النفل، ليس كالهالك من حيث لا يعلم، فكذا الهالك من حيث لا يعلم ليس كالهالك من حيث يعلم.

فالناس ثلاث فرق مترتّبين، و لا نعبأ بقول من لا برهان له به، و إن كان في الآخرين مشهورا، و لا بإجماع يدّعى في محلّ الخلاف، فإنّه ليس إلّا زورا، إذا لمجمع عليه لا ريب فيه، فكيف يشتبه بالمتنازع فيه، و اللّه يقول الحقّ و هو يهدي السبيل.

مقدّمة

العلم علمان: علم يقصد لذاته، و هو نور يظهر في القلب فينشرح الغيب و ينفسخ، فيحتمل البلاء و يحفظ السرّ و علامته التجافي عن دار الغرور، و هو الأفضل، لأنّه المقصد الأقصى.

و علم يقصد للعمل ظاهرا أو باطنا، ليتوسّل به الى ذلك النور، و هو العلم بما يقرب إليه تعالى، و ما يبعّد منه، و علامته: الحلم و الصمت و تصديق الفعل القول، و هو الأقدم، لأنّه الشرط.

____________

(1) العوالي 1: 89- 24.

45

و أمّا مجادلة علم الكلام و التعمّق في فتاوى تستنبط بالرأي، فليسا من العلم و الفقه في شيء، بل هما ممّا يقسي القلب و يبعّد عن اللّه عزّ و جلّ.

و انّما رخّص في التكلّم، لضرورة دفع شبهة المعاندين، و قد ورد: «أنّ إثمه أكبر من نفعه» (1) و حقّ العلم إخلاص طلبه للّه عزّ و جلّ، (2) و العمل به (3)، و القول بما يعلم (4)، و الوقوف عند ما لا يعلم (5)، و الاحتراز عن الفتوى بالرأي (6)، و عن التديّن بما لا يعلم (7)، ففيهما هلك من هلك (8)، و التفهم و الاستبصار (9)، و بذله لأهله (10)، و منعه من غير أهله، و الشفقة في التعليم (11)، و الاقتصار على قدر الفهم، و قطع الطمع، و التواضع للمتعلّم (12)، و التملّق للمعلّم (13)، و الأدب له (14) و التسليم، و إحضار القلب، و السؤال، و ترك الاستنكاف، و تقديم الأهم فالأهم، و المذاكرة، و ترك المناظرة (15) إلّا مع الاضطرار، فيقتصر على

____________

(1) الأمالي للمفيد: ص 34 ح 9.

(2) منية المريد: 65 و 239 و كنز الكراجكي، 239.

(3) البصائر: 46 ح، و المحاسن: 27 ح 9.

(4) العوالي: ج 4 ص 65 ح 22 و المحاسن: ج 1 ص 206 ح 62.

(5) أمالي الصدوق: 343، و المحاسن: ج 1 ص 206 و 205.

(6) العوالي: ج 4 ص 65 ح 21 و ص 75 ح 60، و منية المريد: 137.

(7) المحاسن: ج 1 ص 206 و الدرة الباهرة: 34.

(8) المحاسن: ج 1 ص 164.

(9) أمالي الصدوق: 251.

(10) المحاسن: ج 1 ص 255 ح 286 و 287.

(11) منية المريد: 86.

(12) أمالي الصدوق: 292 ح 2 و منية المريد: 75.

(13) العّدة: 71.

(14) الإرشاد: 136، و أمالي الصدوق: 303، و روضة الواعظين: ج 1 ص 11.

(15) الإرشاد: 136، و المحاسن: 233 ح 187.

46

الواقع أو القريب منها في الخلوة و على سبيل التشاور و التعاون، شاكرا للمصيب، معترفا بالخطإ، غير مهتمّ بظهوره من الطرف، مقدما لإفحام النفس و الشيطان.

و التمسّك في الأصول بمحكمات الكتاب و السنّة و الإجماع (1) المقطوع به، غير متصرّف بعقله في شيء منها، لاعتصامها عن الهوى و تأييد الاعتقاد بالعمل، و صحبة الصالحين، و إصغاء الوعظ اللين، و ترك مجادلة المتكلّمين.

و في الفروع بالمجمع عليه، ثمّ الأحوط، ثم الأوثق دليلا، ثمّ قول من ظنّ أنّه أعلم و أورع، ثمّ التخيير.

____________

(1) أمالي الطوسي: ج 1 ص 395، و معاني الأخبار: 154 ح 2، و بصائر الدرجات: 145، و الخصال: 48 ح 54.

47

كتاب الطهارة

باب التعداد

الطهارة طهارتان: طهارة الباطن، و طهارة الظاهر، و طهارة الباطن إمّا من جريمة الجوارح، أو ذميمة القلب، أو شغل السرّ بما سوى اللّه تعالى، ثمّ إن كانت عن قبيح ففرض، و إلّا فنفل.

و طهارة الظاهر إمّا من الخبث و التفث [1]، أو الحدث، ثمّ إن كانت لواجب مشروط بها ففرض، و إلّا فنفل، و ورد: «الطهور نصف الإيمان» (1)، و كأنّ النصف الآخر هو العمارة بالطاعة ظاهرا و باطنا.

و الباطن هو الأصل و الأهمّ، فالسلف كانوا يبالغون فيه و يتسائلون عن دقائق عيوبه.

و لكنّ لطهارة الظاهر أثرا في تنوير الباطن، كما يصادف عند إسباغ الوضوء و سائر الأعمال الظاهرة لارتباط الملك بالملكوت، و من ثمّ يصدق رؤيا من اعتاد الصدق.

و نبدأ بطهارة الباطن و موجباتها.

____________

[1] الوسخ. في ألف «و طهارة الظاهر امّا الخبث أو من التفث».

____________

(1) العوالي 1: 115- 33.

48

باب جرائم الجوارح

و هي ما يخالف حكمه تعالى من فعل أو ترك، و تنقسم الى حقّه تعالى، و حقّ العبد. و حقّ العبد أغلظ، لأنّه لا يترك، و إلى كبيرة و صغيرة، و تكفّر الصغيرة باجتناب الكبيرة، و الكبيرة ما أوجب اللّه عليه النّار. (1)

و في بعض الأخبار: «أنّها سبع: قتل النفس الحرام، و عقوق الوالدين، و أكل الربا، و التعرّب بعد الهجرة، و قذف المحصنة، و أكل مال اليتيم، و الفرار من الزحف» (2).

و زيد في غيره: «الإشراك باللّه، و اليأس من روح اللّه، و الأمن من مكر اللّه (3)، و السحر، و الزّنا، و اليمين الغموس الفاجرة، و شهادة الزور، و كتمان الشهادة، و شرب الخمر، و ترك الصلاة متعمّدا، أو شيء ممّا فرض اللّه، و نقض العهد، و قطيعة الرحم» (4).

و في الثالث: «اللواط، و السرقة، و أكل الميتة، و الدم، و لحم الخنزير، و ما أهلّ لغير اللّه من غير ضرورة، و السحت، و القمار، و البخس في الكيل و الوزن، و معونة الظالمين و الركون إليهم، و حبس الحقوق من غير عسر، و الكذب، و الكبر، و الإسراف و التبذير، و الخيانة، و الاستحقار لأولياء اللّه، و الاستخفاف بالحجّ، و الاشتغال بالملاهي (5)، و الإصرار على الصغائر من الذنوب» (6).

____________

(1) راجع الكافي 2: 276- 112- 1.

(2) راجع التهذيب 4: 149- 39- 39، و الخصال 2: 364- 56 و 57 و المقنعة: 74.

(3) راجع الكافي 2: 545- 51 ذيل ح 3 و ص 278- 112- 4.

(4) راجع الكافي 2: 285- 112- 24.

(5) في المصدر: «التي تصدّ عن ذكر اللّه تبارك و تعالى مكروهة كالغناء و ضرب الأوتار».

(6) الخصال 2: 610- ب المائة- 9. قال الصدوق: الكبائر هي سبع و بعدها فكلّ ذنب كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه، و صغير بالإضافة إلى ما هو أكبر منه.

49

و الإصرار هو: أن لا يستغفر و لا يحدّث نفسه بتوبة (1)، و إنّما كبر لأنّه سبب تراكم الظلمة، و مثله الاستحقار كأن يقول: طوبى لو لم يكن غير ذلك، فورد: «أنّه لا يغفر» (2)، و كنسيان حلمه تعالى و ستره، فإنّه سبب الأمن من مكره عز و جل (3).

الإظهار، فإنّه يؤدّي إلى ذنوب آخر كهتك الستر، و ترغيب الغير.

و ورد: «المذيع بالسّيئة مخذول، و المستتر بها مغفور» (4).

و الطهارة عن الجريمة: إمّا بالتوبة وحدها، أو مع التدارك، أو الحدّ أو التعزير أو كليهما، أو الجميع، و ذلك بحسب أصناف الجرائم.

باب التوبة

و هي تبرئة القلب عن الذنب، و الرجوع من البعد إلى القرب، و ورد:

«التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (5) و هي فرض في كلّ حال و على الفور، و جدواها حبّه تعالى (6)، و التوفيق على الطاعة، و حلاوتها و قبولها، و العافية و الرزق و قضاء الحوائج، و هي مقبولة مع تحقّق شروطها بلا شكّ، و إنّما الشك في تحقّقها.

____________

(1) انظر تفسير العياشي 1: 198- 144 من سورة آل عمران.

(2) راجع الكافي 2: 287- 113- 1.

(3) راجع سورة يوسف: 87، و الأعراف: 99.

(4) الكافي 4: 24- 16- ذيل ح 3، ج 2: 428- 189- 1 و 2.

(5) الكافي 2: 435- 191- 10، عيون اخبار الرضا 2: 74- 347.

(6) راجع عيون اخبار الرضا (ع) 2: 29- 4- 33، صحيفة الرضا: 46- 26.

50

و هي: أن تكون للّه سبحانه (1)، لا لمال أو جاه أو خوف من سلطان أو عدم أسباب، و أن يتندّم.

أما النّدم فغير مقدور و هو التوبة حقيقة، و أن يعزم على عدم العود (2)، و حقّها أن تعترف، فورد: «الاعتراف بالذنب كفّارة له» (3) و يتدارك الفرائض، و يردّ المظالم، و يذيب اللّحم النابت من الحرام بالحزن، و يذيق النفس مرارة الطاعة كما أذاقها حلاوة المعصية، و يغسل ثيابه و يغتسل، و يصلّي ما أراد في موضوع خال، و يضع الوجه على الأرض و التراب بدمع جار و قلب حزين و صوت عليّ، و يذكر الذنوب واحدا واحدا، و يلوم النفس و يوبّخها، و يرفع يديه حامدا مصلّيا داعيا مستغفرا.

و تصحّ عن البعض مع الرجحان، ككونه أفحش، أو العقاب عليه أصعب، و التدارك أشقّ، و الّا لزم بقاء الفكر على التائب منه المقيم على صغيره، و تفيد نقصان العقوبة: لأنّها بحسب الذنب لا النجاة، لأنّها بترك الكل، و عليه يحمل ما ورد بعدم الصحّة أو على عدم الرجحان.

و الطريق إليها ذكر ما ورد في فضلها (4) و قبح الذنب (5)، و شدّة العقوبة (6)، و ضعف النفس عن الاحتمال، و شرف الآخرة (7)، و خساسة الدنيا (8)، و

____________

(1) «كما كان يفعله رسول الله (ص) في كلّ يوم سبعين مرّة من غير ذنب»، انظر الكافي 2:

450- 199- 1، 2 و ص 504- 28- 5.

(2) راجع معاني الاخبار: 174- 3، و غرر الحكم: 93.

(3) الكافي 2: 426- 1- 2 و 4.

(4) راجع العوالي 1: 237- 150- الكافي 8: 19- ثواب الأعمال: 214.

(5) راجع الفقيه 4: 282- 176- 16- الكافي 2: 271- 111- 13.

(6) راجع الكافي 2: 276- 111- 30.

(7) جامع الاخبار: 172 فصل 137.

(8) راجع الكافي 2: 241- تحف العقول: 378.

51

قرب الموت، و لذّة المعرفة (1)، و المناجاة الممتنعة مع الإصرار، و خوف الإملاء بعدم الأخذ الحالي، و الاستدراج بالإحسان (2) و قلع أسباب الإصرار، و هي: الغرور (3)، و حبّ الدّنيا (4)، و طول الأمل (5) بما يأتي.

باب التدارك

و هو في حقّه تعالى القضاء و الكفّارة [1]، و في حقّ العبد ردّ المال إلى المالك أو الوارث مبالغا في التبليغ إن أمكن، و إلّا فالعزم عليه، أو التصدّق عنه، و عرض الاقتصاص في جناية النفس و الطرف، أو الدية، أو الاستعفاء في الجميع، و الإرشاد في الإضلال، و عند العجز فتكثير الحسنات بحسب المظالم.

و في نحو الغيبة و السبّ [2] و الإيذاء [3]، فالاستعفاء مع البلوغ إليه، و الاستغفار له مع عدمه، أو الذكر المفصّل مع الاعتذار، إلّا أن يزداد التأذّي بالإظهار في المبهم تحاميا عن ذنب آخر.

و ينبغي المبالغة في الاستعفاء [4] بالتلطّف و التودّد و الإحسان، فإن عفا

____________

[1] كالاستغفار، فإنّه توبة و كفّارة كلّ من لم يجد السبيل إلى شيء من الكفّارة- التهذيب 8:

299- 13- 97،- الاستبصار 4: 44- 26- 2.

[2] عليه تعزير إن كان بغير قذف، راجع الكافي 7: 240- 48- 3 و 17.

[3] في الكافي عن الصادق (ع): «الذين آذوا المؤمنين. يؤمر بهم إلى جهنّم» ج 2- 351- 145- 2.

[4] ففي الحديث: «عليكم بالعفو فإنّ العفو لا يزيد العبد إلّا عزّا فتعافوا يعزّكم اللّه» راجع الكافي: 108- 53- 5.

____________

(1) راجع المحاسن: 199- 2- 25 و 29 و 31.

(2) راجع الزهد: 33- 5- 86 و 87 و 89 و 94 و 99.

(3) راجع الفقيه 4: 277- 176- 10- التهذيب 5: 23- 3- 15.

(4) راجع الكافي 2: 238- 126- 1 و 6 و 7 و 8 و 15 و 16 و 17.

(5) راجع الكافي 2: 66- 32- 7.

52

و إلّا يحاسب و يجبر بحسنة في مقابلته، فذلك يفعل لو كان ميّتا أو غائبا مع الاستغفار له.

و في حق اللّه تعالى، فورد: «اتبع السيّئة بالحسنة تمحها» [1] فنحو سماع الملاهي بسماع القرآن، و القعود في المعصية بالاعتكاف، و القتل بالإعتاق (1)، و الغيبة بالثناء (2)، و الغصب بالصدقة، إلى غير ذلك، «إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ» (3).

باب الحدّ و التعزير

من أتى فاحشة فالأحب أن يسترها (4) و يتوب عنها، فإن أقرّ بالزنا أو اللواط أو المساحقة عند الحاكم أربعا، أو شهد عليه أربعة شهود عيانا قبل التوبة، و كان لغيره الملوط ما يغنيه من فرج دائم قد أصابه، مع التكليف و الحرّية، طهّره الحاكم من الزنا و المساحقة بالرجم. (5)

و من اللواط به (6)، أو بضربه بالسيف، (7) أو إلقائه من شاهق، أو إحراقه

____________

[1] كما في قوله تعالى «إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ» هود: 114. و راجع أمالي الصدوق:

153.

____________

(1) راجع قوله تعالى في سورة النساء: 92،- الفقيه 4: 70- 19- 18، الكافي 7: 276- 3- 2.

(2) راجع أمالي الطوسي 1: 195- 238.

(3) هود: 114.

(4) راجع الفقيه 4: 21- 4- 31.

(5) راجع الاستبصار 3: 168- 109- 2، الكافي 7: 185- 8- 6.

(6) انظر الكافي 7: 181- 5- 3، التهذيب 10: 42- 1- 149 و 150.

(7) راجع الفقيه 4: 14- 4- 1، التهذيب 10: 41- 1- 146.

53

بالنار، و إن لم يكن له ما يغنيه، أو لاط بما دون الثقب، فيجلد مائة سوط. (1)

و يزاد في الزنا تغريب عام [1]، فان زنى بذات محرم أو مكرها [2]، أو زنى الكافر بمسلمة، أو لاط بمسلم، فالقتل مطلقا (2)، و المملوك يجلد خمسين في الجميع.

و يزاد الفاعل بالميّت أو الميتة تعزيرا [3] و يجلد القوّاد بين الحرامين خمسا و سبعين، و ينفى من مصره [4].

و يعزّر الصبي و المجنون و المقرّ دون العدد، [5] و المجتمعان تحت إزار واحد مجرّدين من دون حلّ [6]. و المقبّل بشهوة و المعانق بشهوة، و المستمني بعضو منه أو من غيره المحرّم، و الواطئ للبهيمة، و تقدير الكلّ إلى الحاكم.

و يغرم ثمن البهيمة لمالكها، و يحرم لحمها و لبنها و نسلها، و تذبح و تحرق، و إن كانت للظهر أخرجت من بلد الواقعة و بيعت في غيره. [7]

و من جامع في نهار رمضان متعمّدا ضرب خمسين [8]، و من رمى بالغا

____________

[1] و هذا على الإمام أن يخرجه من المصر الذي جلد فيه، كما في الكافي 7: 197- 19- 2، الفقيه 4: 17- 4- 9 و التهذيب 10: 35- 1- 119.

[2] إلّا أنّه أعظم ذنبا كما في التهذيب 10: 23- 1- 17، الاستبصار 4: 208- 119- 6.

[3] و لا حدّ عليه كما روي عن الصادق (عليه السلام)، راجع الاستبصار 4: 225- 128- 2 و 3.

[4] أفتى به الأصحاب كما في الكافي 7: 261- 63- 10، الفقيه 4: 34- 9- 1.

[5] و يقام على المرأة الحدّ إلّا إذا كانت جارية، راجع الكافي 7: 180- 4- 2 و ص 192- 13- 3.

[6] على اختلاف في الروايات مائة جلدة، كما في الكافي 7: 181- 5- 5، في التهذيب 10- 40- 1- 144، كلّ واحد منهما مائة سوط غير سوط.

[7] فيها الحدّ إن كانت ممّا يؤكل لحمه و الجلد دون الحدّ إن كانت ممّا يركب ظهره. كما في الكافي 7:

204- 25- 1 و الفقيه 4: 33- 8- 1 و الاستبصار 4: 223- 127- 3.

[8] نصف الحد، إن كان أكرهها، و إن كانت طاوعته لكليهما خمس و عشرين سوطا، راجع الكافي 7: 242- 12، التهذيب 10: 145- 5.

____________

(1) كما في الكافي 7: 198- 21- 1، التهذيب 10: 54- 2- 2 و عليه فتوى الأصحاب.

(2) راجع الكافي 7: 239- 46- 3، التهذيب 10: 38- 1- 134.

54

عاقلا حرّا مسلما بالزنا أو اللواط و هو غير متظاهر به، و طالبه بالحقّ و ثبت بالإقرار، أو عدلين، و لا بيّنة له كاملة حاضرة، جلد ثمانين [1] فإن واجه به غير المرمي زيد تعزيرا له.

و كذا يعزّر كلّ معرض بما يكرهه المواجه من الفجور، الّا أن يكون مستحقّا له، لتظاهره به، فالوقيعة فيه مندوب إليها. و لا يحدّ الأب لولده بل يعزّر (1).

و من شرب مسكرا، أو أقرّ به مرّتين أو شهد عليه عدلان، جلد ثمانين بعد الإفاقة عريانا [2].

و من سرق ما قيمته ربع دينار من الحرز و أقرّ به، أو شهد عليه عدلان قطعت أصابعه الأربع من اليمنى (2)، فإن عاد، قطعت رجله اليسرى من المفصل فإن عاد، خلّد في الحبس، فإن عاد، قتل. (3)

و هكذا يقتل أصحاب الحدود في الرابعة (4) و المملوك في الثامنة، و لا يقطع المملوك بالإقرار، و لا بسرقة مال مولاه، و لا الوالد لولده، و لا سارق المأكول في المجاعة [3]، و لا الثمرة على الشجرة، [4] و تدرأ الحدود بالشبهات.

____________

[1] حدّ القاذف و الفرية. راجع الكافي 7: 205- 26- 1، الفقيه 4: 38- 10- ذيل ح 21.

[2] إلّا إذا كان جاهلا بالتحريم، راجع الكافي 7: 216- 31- 14، الفقيه 4: 43- 12- 6.

[3] في شيء ممّا يؤكل مثل الخبز و اللحم و أشباه ذلك دون غيره، راجع التهذيب 10: 112- 59 و 60 و 61 و الفقيه 4: 43- 2، الكافي 7: 231- 1 و 2.

[4] و إذا مرّ بها فليأكل و لا يفسد، و إذا حمل فيعزّر و يغرم قيمته مرّتين كما في الحديث و في آخر، إذا أخذ من النخل و الزرع قبل ان يصرم فليس عليه قطع، فإذا أصرم النخل و حصد الزّرع فأخذ قطع، و هذا محمول على كونه حرزا. راجع الكافي 7: 230- 3 و 7، التهذيب 10: 110- 47 و 48 و 130 و 136 و 138، الفقيه 4: 44- 10 و ص 365- 11.

____________

(1) راجع الكافي 7: 212- 13 و التهذيب 10: 77- 63.

(2) راجع الكافي 2217- 2 و ص 219- 2، علل الشرائع 2: 223- 1.

(3) راجع الكافي 7: 223- 8، التهذيب 10: 103- 17، العيّاشي 2: 318- 105.

(4) انظر الكافي 7: 223- 8 و 191- 1، الاستبصار 4: 217.