حاشية على مختلف الشيعة (للعلامة)

- السيد محمد باقر الميرداماد المزيد...
62 /
1

[كتاب الطهارة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و صلواته على سيّدنا اكرم النبيّين و آله الطاهرين

[تعريف الطهارة]

قال (رحمه اللّٰه تعالى) فى المختلف كتاب الطهارة

قال الشيخ فى النهاية انّها اسم لما يستباح به الدخول فى الصلاة فأورد ابن ادريس على طرده ازالة الخبث عن البدن و الثياب للصلاة و على عكسه وضوء الحائض و في المبسوط عرّفها بإيقاع افعال في البدن مخصوصة على وجه مخصوص تستباح بها الصلاة و أورد عليه انّ الحدّ للإيضاح و الأفعال المخصوصة غير مشار إلى ما يرفع ابهامها و كذلك الوجه المخصوص و قال المحقّق الطهارة اسم للوضوء و الغسل و التيمّم على وجه له تأثير فى استباحة الصلاة و أورد المصنّف على عكسه الوضوء المجدّد و ما فى حكمه فى انتفاء ذلك التأثير عنه كوضوء النوم و وضوء المحتلم للجماع و وضوء الحائض و ربما يلزم الإخراج فى الأخير بناء على أنّها على صورة الطهارة لا طهارة لما فى قول الصادق (عليه السلام) امّا الطهر فلا و لكن تتوضّأ و ذكر شيخنا الشهيد فى الدروس إنّها استعمال طهور مشروط بالنيّة و قد قيل انّه أجود التعاريف و هو منتقض

2

طردا بالرمى لاشتراطه بالنيّة و كون الحصاة المستعملة فيه طهورا و بإبعاض بعض الطهارة و ما في الذكرى انّها استعمال الماء او الصعيد لإباحة العبادة طردا بأبعاضها و عكسا بما ليس لإباحة العبادة من اقسام كلّ من الطهارات الثلث فامّا المصنّف فقد قال في القواعد الطهارة غسل بالماء او مسح بالتراب متعلّق بالبدن على وجه له صلاحيّة التأثير فى اباحة العبادة فغسل بالماء كالجنس بالنسبة إلى الطهارة المائيّة و ازالة الخبث مطلقا بالماء و مسح بالتراب كالجنس للتيمّم و تعفير الاناء و يرد عليه خروج التيمّم بالثلج عنه و التعلق بالبدن لخرج ازالة الخبث بالماء عن الثياب و مسح الاناء بالتراب و التأثير في العبادة غسل البدن من النجاسة بالماء و مسحه بالتراب لا للتيمّم و تعميمه بالنسبة إلى العبادة مطلقا دون الصلاة فقط ليشمل ما للطواف و الصوم و مسّ كتابة القرآن و الاذكار المنذورة المشروطة بالطهارة و أمثالها و يرد عليه انّه ان اريد التأثير التّام خرج عنه غسل الحيض مثلا و الوضوء معه للصلاة و ان اريد الاعمّ منه و من الناقص النقص بأبعاض الطهارة و اخذ الصلاحية لادخال الوضوء المجدّد اذ له في نفسه ذلك الصلوح و ان لم يترتّب عليه الاباحة لحصولها بالذي قبله قلت و ان اعتبر

3

المجدّد من حيث وصف التجدّد كان من تلك الحيثيّة وضوءا شرعيّا مع عدم اندراجه في الحدّ و حينئذ فامّا ان يقال بالرفع به على تقدير ظهور الخلل فى الواقع قبله و عند ذلك لم يبق هو على وصف التجدد بل ينكشف انّه وضوء اوّل ابتدائىّ فاذن المؤثّر في العبادة هو من حيث هو استينافىّ لا من حيث هو معاديّ و الانتقاض انّما هو بالمفروض مجدّدا معا في نفس الامر من تلك الحيثيه او لا يقال بذلك فالمجدّد المعاد لا يكون على تلك الصلاحيّة اصلا اذ لو كانت له تلك الصلاحيّة و لكنّ الوضوء الاوّل قد منعه عن التأثير بالفعل لزم اتّصافه بالتّأثير بالفعل عند عدم المانع و التقدير خلافه فالتقييد بالصلاحيّة ممّا ليس في حريم الاجداء اصلا و ربّما يلتزم لتصحيح كلام المحقّق انّ الوضوء المجدّد لا يعدّ طهارة شرعيّة على ما يراه جمع من الاصحاب بل انّما هو على صورة الطهارة و ليس بشيء و كيف و هو كالصلاة المعادة و قد ورد انّ الاحتساب إلى اللّٰه سبحانه فايّهما احتسب عند اللّٰه تعالى واجبا كان الاخر مستحبّا و امّا نحن فقد عرّفناها بما لا ينثلم بتلك النقوض فيما علّقناه على شرح القواعد فقلنا انّها غسل بالماء او مسح بالتراب او ما في حكمه متعلّق بالبدن مشروط بالنيّة استقلالا و ليس يرد عليه شىء لا في

4

طرده و لا في عكسه فيخرج عنه الرمي و ازالة الخبث و ابعاض الطهارة لعدم كون الرمي غسلا و لا مسحا و عدم اشتراط ازالة النجاسة بما هي إزالة النجاسة بالذات بالنيّة و كون اشتراط ابعاض الطهارة بالنيّة في ضمن اشتراط الكلّ بها لا استقلالا و يدخل فيه الوضوء المجدّد و وضوء الحائض و غسلها و الوضوء للنوم و لجماع المحتلم و للجنب اذا اراد تغسيل الميّت و لجماع من غسّل الميّت قبل غسل المسّ و سائر الوضوءات حتّى وضوء الحائض للجلوس على مصلّاها و جميع الاغسال الواجبة و المندوبة و جميع التيممات كذلك و التيمّم بالثلج ايضا لكونه في حكم التراب حين الضرورة عند من يقول بالضرب عليه كالتراب مع فقد غيره م ح ق مدّ ظلّه العالى بسم اللّٰه الرّحمن الرحيم

[باب المياه و أحكامها]

[الفصل الأول في الماء القليل]

[حمل المطلق على المقيّد]

قوله (رحمه اللّٰه تعالى) و المطلق يحمل على المقيّد جمعا بين الادلّة

و نحن نقول القول فى هذه الاخبار من هذا السبيل متّجه و لكن العمدة المعوّل عليها في الاحتجاج على ما ذهب اليه الحسن بن ابى عقيل من سبيل النقل ما رواه رئيس المحدّثين في الكافي و شيخ الطائفة في التهذيب بطريق حسن في المشهور و صحيح لدينا على ما حقّقناه في امر ابراهيم بن هاشم القميّ و اضرابه عن ابن مسكان قال حدّثنى

محمّد بن ميسّر قال سالت

5

ابا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهى إلى الماء القليل في الطريق و يريد ان يغتسل منه و ليس معه اناء يغرف به و يداه قذرتان قال يضع يده و يتوضّأ ثمّ يغتسل هذا ممّا قال اللّٰه عزّ و جلّ

مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ

فانّ منطوقه مقيد بالماء القليل و ناطق بأنّ اصابة القذر إيّاه لا يخرجه عن طهوريّته الاصليّة و

صحيحة علىّ بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) قال سألته عن الرجل رعف فامتخط فصار الدم قطعا فاصاب إناءه هل يصحّ الوضوء منه ان لم يكن شىء يستبين في الماء فلا بأس و إن كان شيئا بيّنا فلا يتوضّأ منه

فانّها بمنطوقها ناصّة على بقاء ماء الاناء على طهوريّته اذا لم يحدث بذلك فيه تغيّر مستبين للحسّ و امّا ما تجشّمه الشيخ هنالك من الفرق بين القليل الذي لا يدركه الطرف مثل رءوس الابر من الدم بل من غيره من أيّة نجاسة كانت على ما قاله في المبسوط و بين الكثير المستبين للطرف فمن الوهن في غاية السقوط و ما رواه الشيخ في كتابى الاخبار بسند متين في الموثّق عن مصدّق بن صدقة عن عمّار بن موسى الساباطي

عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته هل يتوضّأ من كوز او اناء يشرب منه يهودىّ فقال نعم فقلت من ذلك الماء الذي يشرب منه قال نعم

و ما رواه الشيخ ايضا

6

مسندا عن زكّار بن فرقد

عن عثمان بن زياد قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) اكون في السفر فآتى الماء النقيع و يدىّ قذرة فاغمسها في الماء قال لا بأس

و ما رواه الشيخ في الصّحيح عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّٰه

عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ منه و اشرب فاذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا تتوضّأ و لا تشرب

و ما رواه الشيخ ايضا في الصحيح عن الحسين بن سعيد عن ابن سنان

عن ابن مسكان قال سألت ابا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء ممّا ولغ فيه الكلب و السنّور او شرب منه جمل او دابّة او غير ذلك أ يتوضّأ منه او يغتسل قال نعم الّا ان تجد غيره فتتنزّه عنه

و ما رواه الشيخ ايضا في الصحيح عن ابراهيم بن عمر اليماني

عن ابى خالد القمّاط انّه سمع ابا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في الماء يمرّ به الرجل و هو نقع فيه الميتة او الجيفة فقال ابو عبد اللّٰه (عليه السلام) اذا كان تغيّر ريحه و طعمه فلا تشرب و لا تتوضّأ منه و ان لم يتغيّر ريحه و طعمه فاشرب و توضّأ

و مكاتبة محمّد بن اسماعيل بن بزيع المضمرة الصحيحة و قد رواها الشيخ عنه في الصحيح قال كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء و

7

يستقى فيه من بئر يستنجى فيه الانسان من بول او يغتسل فيه الجنب ما حدّه الذي لا يجوز فكتب لا يتوضّأ من مثل هذا الّا من ضرورة اليه

و ما رواه رئيس المحدّثين في الكافي بسنده عن السكوني

عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليهم و سلّم) الماء يطهّر و لا يطهّر

اذ منطوقه انّ جوهر الماء في نفس حقيقته غير قابل للتطهير بل فاعل إيّاه فقط و ذلك لا يستقيم على القول بتنجيس القليل بالملاقاة و ما من الروايات المشهورية بالاسنانيد الجمهوريّة من

قوله (صلّى اللّٰه عليهم و سلّم) الماء طهور لا ينجّسه شيء

بناء على ما قد حقّقناه في مظانّه وفاقا لبرعة أولى التحقيق انّ لام تعريف الجنس تعرّف نفس الحقيقة بما هى هى و تفيد الحكم عليها على الإطلاق حيثما تحقّقت إلّا اذا قرن الكلام او نهضت القرائن بأخذ الحقيقة من حيث الانطباق على بعض الافراد بخصوصه و ما رواه الصدوق عروة الاسلام ابو جعفر ابن بابويه في الفقيه حيث قال

و اتى اهل البادية رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فقالوا يا رسول اللّٰه انّ حياضنا هذه تردها السباع و الكلاب و البهائم فقال لهم (عليه السلام) لها ما اخذت افواهها و لكم سائر ذلك

اذ منطوقها حكم جميع تلك الحياض سواء كانت قدر الكرّ او ما دون الكرّ لأنّ الجمع

8

المضاف من صيغ العموم و ايضا ترك الاستفصال و لا سيّما عند شدّة الحاجة إلى تفصيل البيان من ادلّة التعميم كما قد اقترّ في مقامه في علم الاصول على انّ حياض البادية قلّ فيها ما يبلغ الكريّة و ايضا الحياض في لغة العرب و خصوصا في لسان فصحاء الاعراب تقال للقرارة فما فوقها من صغار الغدران فهذه الاخبار تدلّ على انّ الماء القليل لا ينجس بمجرّد ملاقاة القذر بل انّما بالتغيّر بالنجاسة في أحد أوصافه البتّة و أخباركم الّتى حاججتموا بها بعد عزل النظر عمّا يثلم في صلوحها للحجيّة و المعارضة قصاراها الدالّة على التنجيس لمطلق الملاقاة من دون التقييد بالتغيّر فاذن قد ظهر انعكاس الامر في لزوم حمل المطلق على المقيّد و من النقل المتواتر الدالّ على التعميم عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليهم و سلّم)

ما رواه الخاصّة و العامّة في فى المسانيد من قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) خلق اللّٰه الماء طهورا لا ينجّسه الّا ما غيّر طعمه او ريحه

و في بعضها

او لونه

اذ من المتّفق على صحّته لدى الكلّ انّ المعنى بالماء الذي خلقه اللّٰه طهورا ليس متخصّصا بالكثير منه فقط بل انّه مستوعب الشمول للكثير و القليل جميعا فيكون الضمير في لا ينجّسه عائدا اليه لا محالة على العموم الاستغراقىّ بتّة و من سبيل العقل انّه لو تنجّس الماء القليل بالملاقاة لزم ان لا يكون مزيلا للخبث بوجه من الوجوه اصلا و اللازم

9

باطل بالاجماع فيكون الملزوم باطلا قطعا و الملازمة مستبينة الظهور فانّ كلّ جزء من اجزاء الماء الوارد على المحلّ النّجس اذا لاقاه كان متنجّسا بالملاقاة خارجا عن الطهوريّة في اوّل آنات اللقاء و ما لم يلاقه لا يعقل ان يكون مطهّرا إيّاه و ما اتى به السيّد المرتضى رضى اللّٰه عنه و ارضاه من اصحابنا و الشافعىّ من فقهاء العامّة في احد قوليه من الفرق بين ورود الماء على النجاسة و بين ورود النجاسة على الماء اذ الاستعلاء في صورة الورود يمنع عن قبول التنجيس فهو بالاستعلاء غير متنجّس اصلا و بالورود مطهّر للمحلّ عن النجاسة قول مبهرج مموّه في ظاهره بصبغ لون التحصيل و هو غير عائد إلى عائدة تحصيليّة فانّ الكلام في ذلك الجزء الملاقى و لزوم تنجّسه و القدر المستعلى لكونه دون مبلغ الكريّة غير صالح لان تكون مادّة له تقوى على ان تعصمه بالاتّصال عن قبول التنجيس فلو كانت الملاقاة مثار التنجس لزم تنجس القدر الملاقى لا محالة فلا يتصحح التطهير أصلا و أما ما تكلفه المصنف (رحمه اللّٰه تعالى) من ارتكاب القول بالتنجيس هناك من بعد الانفصال عن المحلّ الحامل للنجاسة فمن عجائب الأقاويل و اعاجيب التّجشمات فامّا ما احتجّ به شيخنا الشهيد (قدّس اللّٰه لطيفه) فى الذكرى و هو من احسن ما لهم هنالك من الاحتجاج حيث قال ينجس

10

القليل الواقف بالملاقاة في الاشهر لمفهوم الشرط في الحديثين يعنى بهما مرسلة الاصحاب عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) اذا بلغ الماء كرّا لم يجعل خبثا و صحيحة معاوية بن عمّار عن ابى عبد اللّٰه الصادق (عليه السلام) اذا كان الماء قدر كرّ لم يتنجّسه شىء فجوابه اوّلا انّ مفهوم الشرط و ان كان حجّة لكنّ المراسيل لا تستطيع ان تعارض المسانيد و لا دلالة المفاهيم به مستطيعة ان تقاوم دلالة المناطيق و ثانيا ان سبيل الجمع بين هذه الأخبار المتعارضة أن يقال الحكم بتنجيس ما دون الكرّ بالملاقاة تنزيهىّ و النجاسة المحكوم بها عليه انّما معناها كراهة استعماله و استحباب التجنّب و التنزه عنه من غير ضرورة اليه حيثما يوجد ماء آخر لم يلاق النجاسة على ما قد نطق به بعض الاحاديث الحاكمه بعدم التنجيس لا النجاسة الحقيقة الشرعيّة المانعة من التطهّر به مطلقا في حالتي السعة و الاضطرار و ربّما يقال الاحتياط يقتضى الحكم بالتنجيس و لا يعلم انّ الاحتياط انّما يصار اليه في الاستدلال اذا ما تقاومت الادلّة من غير رجحان في احد الطرفين الّا باعتبار الاحتياط و انّ الحكم بعدم التنجيس مع الكراهة عند السعة ابلغ و اقوى في مراعاة الاحتياط فانّه لا يوجب التطهّر به البتّة مع السعة عنه و لا فوات الطهارة الواجبة المأمور بها مع الاضطرار اليه عند فقدان

11

ماء غيره بخلاف الحكم بالتنجيس اذ فيه الاخلال بالطهارة المحتمل وجوبها في حالة الاضطرار و انحصاريتّه ثمّ لو كانت الأدلّه متقاومة على التكافؤ لكان اعتضاد عدم التنجيس بأصالة الطهارة و اصاله بقاءها و كون الطهارة الاصليّة مقطوعا بتحقّقها و النجاسة العارضة مشكوكا في عروضها كافيا في المصير اليه فكيف مع تباهر حججه و تظاهر دلائله فليفقه و ليتفقّه و نحن في نأنأة الامر و عنفوان العمر في زمن الصبا قد افردنا رسالة مبسوطة فى هذه المسألة كافلة للبحث المشبع للقلب و الفحص المثلج للفؤاد في كلّ حديث حديث سندا و متنا و في كلّ حجّة حجّة مادّة و صورة من الطرفين و لقد ناظرنا فيها بعض من قد عاصرنا من الفضلاء العارفين بأساليب الأنظار الفقهيّة في ذلك الزمان بمشهد سيّدنا و مولانا ابى الحسن الرضا صلوات اللّٰه و تسليماته على روحه و جسده به سناباد طوس فجرت في البين مناظرات متينة و مفاوضات رزينة فليرجع إليها و ليراجعها من احبّ ان يكون ممّن يطيف بمداقّ المقام و يحيط بأطراف الكلام من الجانبين و الحمد للّه حقّ حمده

[عدم تطهير النجس بالنجس]

و النجس لا يطهّر النجس فيكون نجاسة الماء الحاصلة عند اوّل الملاقاة لحكم الاحاديث الدالة على ذلك مستصحبة غير زائلة ما دامت تلك الملاقاة باقية و في هذا البحث

12

نظر لما قد عرفت انّ ذلك الاحتجاج مبين على ما قد زعمه من تساقط الاحاديث و اطّراحها مما فيها من التعارض و التعادم فاذن يرجع الكلام معه إلى انّها غير متعارضة بل المطلق منها محمول على المقيّد فهي مقتضية لاولويّة التنجيس و هل هذا الّا ما قد أورده عليه اوّلا في المقام الاوّل سيأتي تحقيقه ان هذا الاحتمال اوهن و اسقط و ادون و احطّ من ان يعدّ تحقيقا و سنتكلّم عليه فيما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى و نعم القول ما في الذكرى حيث قال و اعترف المرتضى بعدم النصّ على الفرق بين ورود الماء على النجاسة و عكسه و قوّاه فحكم بعدم نجاسته الماء الوارد و الا لما طهر المحلّ و يلزمه ان لا ينجس بخروجه بطريق الاولى و فهم الفاضلان منه ذلك و تبعه ابن ادريس و ما في شرح القواعد لجدّي المحقّق اعلى اللّٰه قدره حيث قال هذا يعنى انّ المستعمل في غسل النجاسة نجس و ان لم يتغيّر بالنجاسة هو القول الاشهر بين متأخرى الاصحاب و الاشهر بين المتقدمين انّه غير رافع كالمستعمل في الكبرى و قال المرتضى و ابن ادريس و قوّاه في المبسوط بعدم نجاسته اذا لم يتغيّر و الّا لم يطهّر المحلّ لأنّه اذا تنجّس بوروده لم يفد المحلّ طهارة و ألزم المصنّف بعدم نجاسته حين الورود بل بعد الانفصال و فيه اعتراف بالعجز عن دفع ما استدلّ به من مكان قريب فانّ القول بنجاسة القليل الملاقى للنجاسة بعد مفارقتها

13

لا يعقل وجهه و قال الشيخ فى الخلاف بطهارة الماء الغسلة الاخيرة و الظاهر انّ موضع الخلاف ماء الغسل المعتبر فى التطهير دون ما سواه و حكى بعضهم عن المصنّف و شيخه ابن سعيد القول بنجاسته الغسالة مطلقا و ان زاد الغسل على العدد المعتبر انتهى بألفاظه و اذا استبان لك انّ ما التزمه المصنّف خارج عن دائرة المعقوليّة و انّ مساق القوّة إلى ما قوّاه فى المبسوط من القول بالطهارة مطلقا الّا مع التغيّر و انّ الفرق بين ورود الماء على النجاسة و عكسه غير منصوص عليه بسنّة نقليّة و لا محجوج عليه بحجّة عقليّة تبيّن لديك انّ الاصحّ رواية و الاقوى دراية هو ما ذهب اليه ابن ابى عقيل و اللّٰه سبحانه أعلم و لكنّ المستحبّ الافضل باليقين بل الاحوط الاولى فى الدين هو العمل بالمشهور الّا عند العوز و الضرورة وقوفا على مقتضى تعميم النصّ فى قوله عزّ من قائل فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً* و امتثالا لصريح محكم الحكم فى احاديث اصحاب العصمة الصحيحة الصريحة ثمّ تمّم كرّا بماء طاهر فى المسألة بعد الاتفاق على القول المشهور و هو تنجيس القليل بالملاقاة اقوال لكنه يفرق فى الثالث بين النجسين و بين الطاهر و النجس نقله الشيخ فى المبسوط عن بعض اصحابنا و الذي يقوى عند التأمل الدقيق ان الفرق ضعيف غير مؤثّر اذا الطاهر المتمم يتنجّس بلقاء النجس المتمّم فى اوّل

14

الملاقاة فيصير فى حكم النجس من قبل و الحق اطلاق القول بالطهارة بالتيمّم فى الصورتين

قوله عليه دفعة

يعنى دفعة عرفيّة لا حقيقية و امّا نبع ذى المادّة من تحته فمع القوة و الفوران فى قوّة القاء الكرّ عليه دفعة و اذا كان على ترشح و ضعف ففى حكم الاتمام تدريجا و به قال ابن الجنيد و اختاره المحقّق نجم الدّين ابو القاسم و شيخنا الشهيد ابو عبد اللّٰه محمّد بن مكّى و فى تباعتهما رهط من المتأخرين انّه يطهر قطع السيّد رضى اللّٰه تعالى عنه بالتطهير فى التيمّم مطلقا و كذا سلّار و القاضي و ابن ادريس و هو قول الشيخ فى المبسوط و اليه ذهب صاحب الجامع الشيخ الامام يحيى بن سعيد و قوّاه المحقّق القمقام جدّى اعلى اللّٰه تعالى مقامه و هو القول الترجيح و الحكم الصحيح عندى و تردّد الشيخ ره انّي لأعجب من المحقّق فى المعتبر و المصنّف العلّامة فى المنتهى و فى هذا الكتاب و ولده الامام فى الايضاح و شيخنا المحقّق الفريد الشهيد فى الذكرى كيف يعزون هذا التردد إلى الشيخ فى المبسوط و ليس فى المبسوط ما يوهم التردد بل انّه اوّلا ذكر ما كان اشهر فى عصره اعنى الحكم ببقاء النجاسة ثمّ نقل القول بالتطهير مطلقا فى الموضعين فحكم بقوّته محتجّا عليه و هذا سبيله المسلوك اكثريا فى المبسوط فهذه عبارة المبسوط بألفاظها و الطريق إلى تطهير هذه المياه ان يطرأ عليها كرّ من ماء مطلق

15

و لا يتغيّر مع ذلك احد أوصافها فحينئذ يحكم بطهارتها فان تمّت كرّا بالمياه الطاهرة لم يرفع عنها حكم النجاسة بل ينجس الكلّ و فى اصحابنا من قال اذا تمّمت بطاهر كرّا زال عنها حكم النجاسة و هو قوىّ لقولهم (عليهم السلام) اذا بلغ الماء كرّا لم يحمل نجاسته فامّا اذا تمّمت كرّا بنجاسته فلا شكّ انه ينجس الكلّ و ان كان مقدار الكرّ فى الموضعين و نجسا لم يجمع بينهما لم يزل عنهما حكم النجاسة لأنّه لا دليل عليه و فى اصحابنا من قال يزول ذلك للخبر و هو قوىّ على ما قلناه انتهى

قوله و الجواب

قلت امّا الاحتجاج عليه من سبيل النقل فسنتلو عليك القول الفصل فيه إن شاء اللّٰه و أما من سبيل العقل فالذى فيه بتعبير المتدبّر و عليه تعويل المتبحر هو انّ فى الاتمام كرّا تنعدم الهويّتان الاتصاليتان الجوهريتان الناقصتان عن الكريّة بشخصيّتهما و توجد هويّة واحدة متّصلة جوهريّة من بدو الامر متعددة بالكريّة فى اول الحدوث مع انحفاظ شخصيّة الهيولى بعينها فى الصورتين و من الممتنع بقاء الهويّتين الممتدتين الجوهريتين المنفصلين حين طروّ الاتصال على ما قد برهنا عليه فى باب اثبات الهيولى فى كتبنا الحكمية و لا سيّما كتاب الايماضات و التشريقات و هو الصحيفة الملكوتية فاذن لا شىء من الماءين المحكوم عليهما بالنجاسة بباق هناك بهويّته الشخصيّة الجوهرية النجسة

16

حتى يحكم بارتفاع النجاسة عنهما او باستمرارهما على وصف النجاسة بل انّما عند التيمّم حدوث هويّة مائيّة ممتدّة جوهريّة موصوفة بالكريّة فى ابتداء الوجود و لم يسبق إليها حكم التنجيس اذ لم يكن يتطرق إليها ملاقاة النجاسة و الهيولى الباقية بشخصيّتها فى الاتصال و الانفصال غير صحيحة الحكم عليها بالطهارة و النجاسة اصلا و الكريّة بالاجماع ملاك قوّة عدم الانقهار و الانفعال عن النجاسة الّا بالتغيّر فاذن لا محيد هناك عن الحكم بالطهارة و لقد استبان بما حقّقناه انّ القول بتطهير النجس بالإتمام تجوّز فى التغير و مجاز فى العبادة و انّما القول الصّحيح على الحقيقة هو الحكم بالطهارة على الكرّ الحادث بالاتّصال من البداية فليعلم انّ معرفة هذا الاصل هي الضابط المهمّ فى باب هذه المسألة و حلّ شكوك الذاهبين فيها إلى ابقاء النجاسة و ستزداد فى ذلك استبصار إن شاء اللّٰه العزيز العليم و الاقرب عندي الاوّل و اليه ذهب فى المنتهى و النهاية و التحرير و القواعد و غيرها من كتبه و هو الذي استصحه ولده المدقق الامام ابو طالب فخر الدّين فى الايضاح و اقوى ما لهم هنالك فى الاحتجاج عليه ما تمسك به المحقق فى المسائل العزيّة من مسالك ثلاثة الاوّل ان بلوغ حدّ الكر ليس شيئا زائدا على الماء بل امر اضافى عرض له اى ليس امرا

17

جوهريا زائدا على جوهريّته مجموع المائتين و لذلك لم يزدد المجموع بالاتصال مقدارا اصلا بل انّما زال عنهما الانفصال العارضىّ و عرض لهما امر اضافى يعبّر عنه بالبلوغ و الاتصال مع انحفاظ مقدار المجموع من غير تزيّد و تنقص و حينئذ فامّا ان كلّا من الماءين مطهّر الاخر و المؤثر متقدم لا محالة على الاثر تقدّما ذاتيا فيلزم الدور المحال و امّا انّ احدهما يطهّر الاخر و هو نجس و ذلك امر بيّن البطلان و امّا انّ البلوغ هو المطهّر لهما و قد قلنا انّه ليس الّا اضافة عارضة هى الاتصال الاضافى بينهما لا غير فكيف تكون اضافه احد النجسين إلى الاخر بالاتّصال مفيدة للتطهير و محصّلة للطهارة قلت هذا شكّ مأخوذ من سياق ما يورد فى مبحث المزاج فى العلم الطبيعىّ انّه يلزم من تفاعل العناصر فى الامتزاج ان يكون كلّ من الكيفيّات الفاعلة و المنفعلة كاسرة و منكسرة معا فى وقت واحد و حلّه هناك انّ كلّا من البسائط بصورته النوعيّة كاسر و فى كيفيّته الفعليّة او الانفعاليّة الحالة فيه منكسر و بمادّته الحامله منفعل قابل و البسائط بأسرها مستدامة باقية بصورها النوعيّة المتمايزة الوجود فى المركبات بعد التركيب و امّا فيما نحن فى سبيل بيانه فهويّتا الماءين الموصوفين بالقلّة و النجاسة زائلتان بصورتيهما الجسميّتين باقيتان بمادتهما

18

الحاملة و هويّة الماء الواحد الموصوف بالكريّة المحكوم عليه بالطهارة حادثة بصورته الجسمية الشخصيّة و عروض الاتصال الاضافى مساوق حدوث الاتصال الجوهرى نعم ما أورده متّجه على مسلك الروايتين و على طريقه الذاهبين إلى الجواهر الافراد و لكن البراهين الحقيقية قد احالتهما جميعا فمصير التطهير فى التتميم إلى زوال موضوع القلّة و النجاسة بصورته الجسميّة المتشخّصة و حدوث موضوع البلوغ و الطهارة بصورة أخرى جسمية شخصية و نظير ذلك ما انّه فى الاستحالة التى هى من المطهّرات تزول العين النجسة بصورتها النوعيّة الجوهريّة و تحدث عين اخرى طاهرة بصورة اخرى نوعيّة فان قلت فاذن يلزمك بهذا البيان بعينه تطهير القليل النجس بالاتصال بقليل اخر مع عدم البلوغ كرّا قلت كلّا اذ كما النجاسة حكم شرعىّ لا تثبت الّا بمدرك شرعىّ كذلك الطهارة حكم شرعىّ لا يتصحّح الّا بمدرك شرعى و ليس فى مدارك الاحكام الشرعية ما يعطى طهارة الماء الحادث من اتصال قليل نجس بمثله فى القلّة مع القصور عن بلوغ الكريه و كانّه قد بزغ فى اضعاف ما أوضحناه انّ مجرّد الاتصال غير مستوجب للطهارة بل ليس مع ذلك بدّ من ان يكون ذلك على سبيل الاتّحاد فى الوجود لا بحسب الحسّ فقط و لا مجرّد الاتّحاد فى الوجود ايضا ملاك

19

ذلك الاستيجاب بل لا منتدح مع ذلك من الاتحاد العرفي بحيث يعد مجموع المتصل و المتصل به ماء واحدا فى العرف كما انّه ماء واحد بالشخص فى الوجود فالشرع مؤسّس على اعتبار العرف و الظاهر و لذلك لا يكون التيمم بمائع آخر غير الماء المطلق كماء ورد و شبهه بحيث لا رخ؟؟؟ المجموع عن الاطلاق مؤثّرا فى التطهير لامتناع اتحاد المتباينين بالنوع فى الوجود و لا مجرّد اتصال الماء النجس فى اناء ضيق الرأس بماء كثير مفيدا للطهارة مع اتحادهما بالوجود فى نفس الامر ما لم تتحصّل الوحدة العرفيّة

[استناد الطهارة]

المسلك الثانى انّه لو تحقّقت الطهارة فى صورة النزاع لكانت امّا مستندة إلى الماءين من حيث استهلاكهما للنجاسة و امّا إلى امر آخر غيرهما و الاوّل باطل لان الاستهلاك عبارة عن المكاثرة إلى حيث تذهب عين النجاسة او حكمها و ذلك منتف اذ الماءان حين الافتراق و عند الاجتماع على قدر واحد فلا يتصحح الاستهلاك بالكثرة و لا بالخاصيّة القاهرة للنجاسة اذ الكلام على تقدير الانقهار السابق على البلوغ و الثانى منفيّ بقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) و

قول ابى عبد اللّٰه الصادق (عليه السلام) الماء يطهّر و لا يطهّر

اى يطهّر غيره و غيره لا يطهّره و الاستناد إلى السكوني غير قادح فى الرواية فانّه و ان كان عاميا فهو من ثقات الرواة و قال شيخنا ابو جعفر ((رحمه اللّٰه)) فى مواضع من كتبه انّ الاماميّة مجمعة على العمل بما يرويه

20

السكوني و عمّار و من ماثلهما من الثقات و لم يقدح بالمذهب فى الرّواية مع اشتهار الصدق و كتب جماعتنا مملوّة من الفتاوى المستندة إلى نقله قلت كانّ ما ادريناك يدريك فساد هذا ايضا اذ فى صوره النزاع ليس شىء من الماءين مستدام الذات و الوجود عند الاجتماع حتى ينظر فى سبب ارتفاع النجاسة عنه بل معنى التطهير حدوث ماء واحد موصوف بالكريّة التى هى مناط الطهارة و القاهرية بالاجماع القطعي

[في مستنقع الحمّام]

المسلك الثالث انّ طهارة هذا الماء ممّا لا يجتمع مع نجاسة مستنقع الحمّام لأنّه ايضا ماء كثير حاصل من احتجاج مياه نجسة لكن الثابت نجاسة مستنقع الحمّام

لقول ابى الحسن الاوّل (عليه السلام) و لا يغتسل من البئر التى يجتمع فيها ماء الحمّام فانّه يسيل فيها ما يغتسل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزّنا و الناصب

فليكن الثابت فى هذا الماء ايضا النجاسة قلت كونهما ممّا لا يجتمعان غير مسلّم لكون ماء الحمّام متخصّصا بمزيد استقذار و استخباث لاستجماع اصناف الاقذار و أنواعها فالامر فيه متغلّظ جدّا لتغلّظ النجاسات المجتمعة فيه فلعلّه بتلك المزيّة يكون مستحقّا للاختصاص بمزيد التوقى و التجنب عنه كماء الدماء الثلاثة بالقياس إلى سائر الدماء أ ليس فى تعليله (عليه السلام) اشارة لطيفة تومئ إلى ذلك فيكون حكم النجاسة هناك لخصوصيّة المادّة

21

على انّ الرواية مسندة إلى محمّد بن عبد الحميد عن حمزه بن احمد امّا محمّد بن عبد الحميد بن سالم العطّار فقد ذكره الشيخ فى كتاب الرجال فى اصحاب مولانا ابى الحسن الرضا (عليه السلام) من غير مدح و ذمّ و ابو عمرو الكشّى أورده فى جماعة ثمّ قال هؤلاء كلّهم فطحية و هم من اجلّة العلماء و الفقهاء و العدول بعضهم ادرك الرضا (عليه السلام) و كلّهم كوفيّون و النجاشي قال محمّد بن عبد الحميد بن سالم العطّار ابو جعفر روى عبد الحميد عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) و كان ثقة من اصحابنا الكوفيين و الذي يتأكد به الظنّ انّه يعنى ارجاع التوثيق اليه لا إلى ابيه و لكن حمزة بن احمد لست أتحقّق حاله لم يقع إليّ فيه من ائمّة التوثيق و التوهين الّا ما فى كتاب الرجال للشيخ فى اصحاب مولانا الكاظم (عليه السلام) حمزة بن احمد مقتصرا على مجرّد ذكره فالسند عندى غير معلوم الامر إلى ان يستبين حاله ثمّ انّها قد عورضت بما

روى عن ابى الحسن (عليه السلام) و قد سئل عن مجتمع الماء فى الحمام من غساله الناس يصيب الثوب فقال (عليه السلام) لا بأس

فالمصير إلى حمل النهى على التنزيه جمعا بين الروايتين المتعارضتين من غير اطّراح

22

الحكم الّا بدليل تقرير هذا الاحتجاج انّ الطهارة هناك حكم متجدّد اذ قد كان الحكم بالنجاسة شرعا متحققا فلا يتجدد ذا و لا يرتفع ذاك الا بثبوت دليل من الشرع و لم يثبت قلت على ما تعرّفت ليست النجاسة و الطهارة هناك بمتواردتين على موضوع واحد باق بل تجدّد الطهارة بتجدد موضوعها و ارتفاع النجاسة بانتفاء موضوعها فحقّ التقرير ان تقال هذا الماء الحادث من اتصال ماء نجس بمثله لا يصحّ الحكم عليه بالطهارة الّا بدليل شرعىّ و طهوريّة الماء فى اصل الخلقه غير متناولة لهذه الصورة و لم يثبت هناك دليل آخر و لكنّا قد هديناك السبيل و ستزداد فيه هدى إن شاء اللّٰه عملا بالاستصحاب هذا الاحتجاج استصحاب النجاسة السابقة و قد علمت بطلان الموضوع فكيف يعقل الاستصحاب و لو عزلنا النظر عن ذلك تنزلا فالموضوع غير باق على حاله بل قد اتصف بالبلوغ فقد اختلف الخطب و تبدل الشأن فكيف يصح الاستصحاب فاذا لاقى إلخ فى هذا الاحتجاج ايضا مثل ما فيما قبلها من الوجهين و لأنّه متيقّن النجاسة؟؟؟ هذا احتجاج رابع و فيه ايضا بعد العزل عن حديث اختلاف الموضوع و تبدّله ان اليقين و الشكّ ليسا يتعلّقان بالنجاسة و الطهارة لموضوعهما فى زمان واحد بل فى زمانين متعاقبين فيرجع الامر إلى ترجيح جانب النجاسة المشكوك فيها فى هذا الزمان لكونها متيقّنة

23

فى الزمان السابق فتصير النجاسة بذلك مظنونة فى هذا الزمان على قياس الامر فى تيقن الطهارة و الشكّ فى وقوع الحدث من بعدها و ذلك انّما يستقيم لو كان الموضوع فى الزمانين على شأنه بعينه و هو فى صورة التنازع غير صحيح لاختلاف الحال بالاتصال و الانفصال و البلوغ و عدمه فالتشبث بهذه الحجّة إعمال قياس فى غير موضعه و استعمال مقال فى غير حيّزه ثمّ لأصحاب هذا القول تشبّث بالاستغراب و هو انّه يلزم من القول بالتطهير ان يكون كفّ من الماء النجس مطهّر الماء نجس يستتمّ بانضمامه اليه كرّا و ذلك امر غريب و على ما قد تحققت ان معنى التطهير هناك حدوث ماء طاهر قاهر لا انتقال الماء المنقهر النجس من النجاسة و المقهوريّة إلى الطهارة و القاهريّة يستبين وهنه لأنّ الكريّة الدافعة إلخ هذا الاستدلال من باب ادخال الجزئىّ تحت الكلّي الذي هو القياس الميزانى لا من باب القياس الفقهي الذي هو اجراء حكم جزئىّ ما على جزئى آخر لطباع جامع مشترك بجمعهما و تقريره على وجهه انّ الكريّة منبع القاهرية الّتى هى مناط القوة على دفع النجاسة و عدم الانقهار عنها بالاجماع و هى موجودة فى هذا الماء البالغ الذي نحن فى بيان طهارته و لو لا التساوى إلخ سيستبين لك سبيل هذه الحجّة و رزانتها احد قوله (عليه السلام)

24

؟؟؟ هذا الحديث مستفيض مشهور متّفق على روايته مروىّ من طرق متكثّرة على عدّة احرف مختلفة بلغ و كان؟؟؟ كرّا و قلّتين و قدر كرّ و قدر قلّتين و لم يحمل و لم ينجّسه؟؟؟ خبثا و نجسا و نجاسة و شىء و هو مطبق على تواتره بالمعنى و بالقدر المشترك بل قد اقرّ له بعض من الاصحاب و رهط من علماء الجماهير بالتواتر اللفظىّ على هذا الوجه بعينه و العموم فيه منصرح من تلقاء اذا بلغ و اطلاق جنس الماء و لم يحمل وقوع النكرة فى سياق النفي فمعناه على ما اطبق عليه الحذّاق المراجيح الموثوق بثقافتهم من ائمّة شرح الفاظ الحديث المشهود لهم بالبراعة فى العلوم اللسانية العربيّة لم يقهره الخبث و لم يظهر فيه حكمه و اثره و لم يغلب عليه الانقهار عن النجاسة و لم يؤثر فيه شىء بالتنجيس و قال ابن الاثير فى النهاية لم يحمل الخبث اى لم يظهره و لم يغلب الخبث عليه من قولهم فلان يحمل غضبه اى يظهره و المعنى انّ الماء لا ينجس بوقوع الخبث فيه و قيل معنى لم يحمل خبثا يدفعه عن نفسه كما يقال فلان لا يحمل الضيم اذا كان يأباه و يدفعه عن نفسه و قيل معناه انّه اذا كان قلتين لم يحتمل ان يقع فيه نجاسة لأنّه ينجس بوقوع الخبث فيه فيكون على الاوّل قد قصد اوّل مقادير المياه الّتى لا ينجس بوقوع النجاسة فيها و هو ما بلغ القلّتين فصاعدا و على الثانى قصد آخر المياه الّتى ينجس بوقوع

25

النجاسة فيها و هو ما انتهى فى القلّة إلى القلّتين و الاوّل هو القول و قال المطرزيّ فى المغرب و فى الحديث

اذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثا

و روى نجسا القلّة حبّ عظيم و هى معروفة بالحجاز و الشام و النجس؟؟؟ كلّ ما استقذرته

و قوله لم يحمل خبثا

اى يدفعه عن نفسه يقال فلان لا يحمل الضيم اذا كان يأبى الظلم و يدفعه عن نفسه و فى التنزيل فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ اى التزمها و فى المجمل لم يحمل خبثا انّما اراد لم يظهر فيه الخبث قالوا و يقول العرب فلان يحمل غضبه اى يظهر غضبه و فى القاموس لم يحمل خبثا اى لم يظهر فيه الخبث و بالجملة اذا بلغ الماء يعطى تعميم حكم الجزاء و هو عدم حمل الخبث بالقياس إلى افراد جنس الماء المنصف بالبلوغ طاهرا كان او نجسا كما قولنا اذا بلغ الانسان كان مكلّفا و اذا اسلم الرجل لم يحلّ دمه و عرضه و لم يحمل يعطى تعميم دفع ظهور الخبث و دفاع الانقهار عنه مطلقا سابقا كان او عاقبا و خبثا يعطى التعميم بالقياس إلى أيّ خبث كان وقع فيه قبل البلوغ او بعده و كذلك القول فى جملة مسانيد الاصحاب كصحيحة معاوية بن عمّار من طريق الكافي و من طريقى التهذيب و الاستبصار

عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) اذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شىء

و صحيحة محمّد بن مسلم من طريق محمّد بن يعقوب فى الكافي و من طريق الشيخ من طرق متعدّدة و رواها الصدوق ايضا من طريقه فى

26

الفقيه

عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن الماء

إلى آخر سؤاله

قال (عليه السلام) اذا كان قدر كرّ لم ينجّسه شيء

و ما رواه الكليني و الشيخ من غير طريق واحد و الصدوق جميعا فى الصحيح عن اسماعيل بن جابر قال

سألت ابا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجّسه شيء قال كرّ

و ما فى الكافي بسنده عن الحسن بن صالح الثورى و رواه الشيخ ايضا بسنده عنه

عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال اذا كان الماء فى الركيّ كرّا لم ينجّسه شىء

و ما فى كتابى الاخبار بالإسناد الصحيح إلى عبد اللّٰه بن المغيرة عن بعض اصحابه و رواه فى الفقيه ايضا

عن ابى عبد اللّٰه الصادق (عليه السلام) قال اذا كان الماء قدر قلّتين لم ينجّسه شىء

فالمعنى المفاد لا يضرّه فى طهارته و لا يؤثّر فيه بالتنجيس شىء اصلا و هو عامّ على الاطلاق بالنسبة إلى وقوع الشىء المسند اليه التأثير قبل الكرية و بعدها انّما الجزاء المترتب على شرط الكريّة عدم التأثير و التنجيس لا مخالطة ما يسند اليه ذلك التأثير و ذلك كما فى

قوله (صلّى اللّٰه عليهم و سلّم) حبّ علىّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة

عدم الضرر مع الحبّ سواء كانت السيّئة معه او قبله و ذلك امر سنبين فى فنّ المعاد فما وقع المحقّق فى المعتبر و فى المسائل العزّية و للعلّامة فى المنتهى حيث زعما انّ لم يحمل خبثا و لم ينجّسه شيء ليسا سواء هناك فى الإفادة فممّا

27

ليس له سبيل إلى تحصيل فامّا ظنّهما انّ التنجيس جعل الشىء نجسا و ذلك مختصّ بابتداء التأثير و حكم النجاسة فى مقام التنازع مستدام لا مجعول فمن بعض الظن الذي هو بالوهم اشبه منه بالظنّ و إلى الفساد أقرب منه إلى الصحّة اذ الجعل و التأثير عمّ من الاحداث و الابقاء و الابداء و الادامة و المجعول مفتاق لا محالة إلى تأثير الجاعل فى الابتداء و الاستدامة جميعا بل فى نفس جوهره لا من حيث خصوص وصف الحدوث او البقاء و ذلك امر مفروغ عن بيانه فى كتبنا العقليّة و صحفنا الحكميّة ثمّ انّا قد علّمناك انّ الماء البالغ المحكوم عليه بالطهارة او بالنجاسة فى صورة النزاع حادث الذات متجدّد الجوهر فهو ليس مستدام النجاسة او الطهارة بل يتحقّق له واحدة منهما مع تحقّق ذاته فايّتهما ادّعيت فى حقّه احتيج فيها إلى دليل شرعىّ لإثبات امر لا لاستصحاب امر ثابت فليتفقّه الثانى قوله تعالى؟؟؟ هذا مسلك واحد فى الاستدلال من حيث التمسك بكلّ من تلك العمومات و العموم فى الاوّلين من تنكير ماء فى سياق النفي فهذا الماء يندرج فيه ما لم يصرف عنه صارف شرعىّ و فى الثالث من النهى المغيّى المفيد لعموم التسويغ عند الغاية فالاغتسال بمثل هذا الماء داخل فى الغاية ما لم يصدّ عنه صادّ و يعارضه معارض و فى الرابع من اطلاق جنس

28

الماء فى حيّز مدخول اذا و ترتيب امساسه الجلد على وجدانه كما فى اذا رأيت الاسد فاحذره قياس لا يجوز العمل به و قد عرفت انّه قياس منطقى و لا عمل الّا بأحد الاقيسه المنطقية لا قياس فقهىّ لا يجوز العمل به نعم يتوجّه امّا منع الكبرى او عدم تكرّر الاوسط و يندفع بدقّة التأمّل و احصاء نكات تلوناها على سمعك رجحان احتمال الطهارة عملا بالاصل قلت ان اراد بهذا الاصل ما هو احد الادلّة وراء الاستصحاب فانتهاضه هناك فى حريم المنع و ان اراد به استصحاب الطهارة الثابته بالأدلّة للماء المطلق فى اصل خلقته فصحّة الاستصحاب مشروطة ببقاء موضوع الحكم على حاله الاصلىّ من غير ان يعتريه ما هو مظنّة انتقاض ذلك الحكم و مثار بطلانه تحقيق ذلك انّ الاصل فى اللغة ما يبتنى عليه الشىء و فى الاصطلاح يقال لمعان عدّة الراجح يقال الاصل الحقيقة و ما لا يعدل عنه الّا لثبوت حجّه صارفة شرعيّة يقال الاصل فى المنافع العامّة الخالية من وجوه الضرر الاباحة و الاصل فى العقود الواقعة الصحّة اى وقوعها على الجهة الصحيحة و مقتضى الادلّه يقال الاصل فى افعال المسلمين و اقوالهم الصحّة و الاصل فى مطلق الماء المطلق حتّى الماء الحاصل من ذوبان الثلج و من انقلاب الهواء اليه مثلا الطهوريّة بحسب اصل الخلقه و القانون

29

الكلّي يقال لنا اصل و هو ان العقل مقدّم على النقل عند التعارض و انّ الاصل مقدّم على الظاهر اذا تعارضا و الدليل يقال الاصل فى هذه المسألة الكتاب او السنة او الاجماع او سبيل العقل و هذه المعاني الخمسة ليس يعتبر فى شىء منها حال موضوع الحكم بحسب البقاء و الاستمرار و الثبات و الاستدامة بل انّما يلحظ حاله بحسب نفسه و فى حدّ ذاته و لو كان فى بدء الامر و بداية الفطرة و المستصحب يقال مثلا فى قصّة ذى اليدين تعارض الاصل و الظاهر فسرعان الصحابة اعملوا الظاهر و ذو اليدين الاصل و فى ارض الحمّام و ثياب مدمني الخمر تعارضا و افاخم الاصحاب رجحوا الظاهر و فى موت الصيد المجروح فى الماء القليل مع الاشتباه تعارض الاصلان و ذهب رهط من المحققين إلى العمل بهما معا و هذا المعنى السادس انّما الملحوظ فيه حال الشىء بحسب الاستمرار و الاستدامة و حيث استبان ما تعرفت فاعلمن انّ من لا يستصحّ التطهير بالتتميم لا يتصحّح له الحكم بطهارة الماء المتيقّن بلوغه الكريه و وقوع النجاسة فيه جميعا مع الشكّ فى السبق و اللحوق عملا بالاصل اصلا اذ نهوض الاصل بأحد المعاني الخمسة فيه اوّل المسألة لتكافؤ المتعارضين و تعارض المتكافئين و هما سبق حدوث سبب التنجيس و سبق حدوث سب القاهرية و الاصل

30

بالمعنى السادس اعنى استصحاب الطهارة الثابتة فى اصل الخلقه غير متصحّح مع عدم البقاء على الشأن الخلقىّ و طرو عارض هو مظنّه بطلان الحكم المستصحب بناء على احتمال امر يعارضه كما ليس يتصحّح استصحاب سلامة حواسّ صحيح المزاج و متانة قواه عند عروض الامراض الحادّة نظرا إلى امكان مدافعة الطبيعة و مقاومتها فاذن قد استتبّ ما ادّعاه السيّد رضى اللّٰه تعالى عنه من الملازمة بين عدم طهارة الماء المتمم و عدم الحكم بطهارة الماء المتيقّن فيه البلوغ و وقوع سبب التنجيس مع الشكّ فى السابق و تساوى احتمالى النجاسة و الطهارة فيه و سقط منع المصنف إياهما و عمله في ترجيح جانب الطهارة بالاصل و ما فى شرح القواعد لجدّي المحقق اعلى اللّٰه مقامه فى توجيهه حيث قال لا ريب انّ النجاسة سبب فى تنجيس ما تلاقيه مع اجتماع جميع المعدّات لقبوله التنجيس و كذا لا ريب انّ بلوغ الماء حد الكريّة سبب لزوال التنجيس و لمنع قبوله مع انتفاء المانع عن ذلك فاذا وجدت النجاسة و بلوغ حدّ الكريّة فى ماء و لم يعلم السابق و اللاحق كان محكوما بطهارته لأنّ المقتضي للطهارة عن موجود و هو بلوغ الكريّة و المانع هنا و هو سبق النجاسة لا غيره مشكوك فيه فينتفى بالاصل فيعمل المقتضي عمله و امّا المقتضي للتنجيس و هو النجاسة فانّ تأثيره مشروط بعدم الكريّة و لا يكون ذلك الّا مع السبق و هو غير معلوم فينتفى بالاصل فكانّه

31

فيما أحسب ليس يفي بضمان دركه أ ليس على تقدير عدم افادة التيمّم التطهير لا يكون البلوغ سببا لزوال التنجيس بل انّما يكون مانعا عن قبوله لا غير و يكون المقتضي للطهارة سبق البلوغ لا نفسه و سبق النجاسة الذي هو المانع و سبق البلوغ الذي هو المقتضي سيّان فى كونهما منتفيين بالاصل و الاصل الاستصحابىّ فى جانب الطهارة قد بتّ عمله تيقّن ملاقاة النجاسة الغير المعلوم كونها بعد البلوغ و ان لم يسبقها عليه و ذلك كما يقال اصالة براءة الذمّة عن الوجه الزائد الذي به لا بغيره يتيقّن الخروج عن العهدة يكون عملها مبتوتا بعد ورود اصل التكليف و ان لم يكن تعلّق التكليف بذلك الوجه بعينه معلوما و لعلّ الامر ينصرح حقّ الانصراح بتدقيق التأمّل فليتأمّل فانّا لم نقف عليها مسندة إلخ ملخّص مقصوده على ما أورده فى المنتهى وفاقا لما قاله المحقّق فى المعتبر و فى المسائل العزّية انّ مرويّات الاصحاب مسندة على كثرة طرقها انّما هى بلفظة لم ينجّسه و ذلك يدلّ على انّ البلوغ مانع من التأثير لا على انّه رافع لما كان ثابتا فامّا رواية لم يحمل و هي المفيدة للمطلوب فالشيخ رواها فى المبسوط مرسلة و مثل هذه لا تعويل عليها و ادّعا السيّد المرتضى و ابن ادريس تواترها بالاجماع مجرّد دعوى من غير اثبات قلت قد تعرّفت بما عرّفناك ان لم

32

يحمل و لم ينجّسه سبيلهما فى افادة المطلوب واحد ثم كيف لا يكون تعويل على مرسلة قد عمل بها و أفتى بمضمونها و حكم بأنّها قولهم (عليهم السلام) شيخ الطائفة و رئيسها و نقل تواترها سيّد اعاظم الاصحاب و قدوة اكارمهم و غيرهم من افاخم اشياخنا العلماء الفقهاء و ائمّة الفقه و الحديث من جماهير العامّة رووها فى مسانيد جميعا انّي لعلى شدّة التعجّب من المحقق فى قول بعض المتأخرين زعم انّ هذه الرواية مجمع عليها عند المؤالف و المخالف و هى خبر مرسل و الذي رواه مرسلا المرتضى و الشيخ ابو جعفر و امّا المخالفون فلم اعرف به منهم عاملا سوى ما يحكى عن ابن حىّ و هو زيدىّ منقطع المذهب و أنت قد دريت فيما تلوناه عليك ان ابن حىّ و هو الحسن بن صالح الثورى احد الرواة فى بعض الطرق من مسانيد اصحابنا و بالجملة لأمثال تلك الاقاويل العسوفه قال جدّى الامام القمقام اعلى اللّٰه تعالى مقامه هناك فى شرح القواعد المتأخرون ارتكبوا فى الحديث تأويلات لا يدلّ عليها دليل و طعنوا فيه بمطاعن ضعيفة و لا شبهة فى انّ الاحتياط هو العمل لقولهم و للتحقيق حكم آخر انّما ينصرف غالبا إلى الظاهر قد سمعت انّ اطلاق الجنس فى حيّز مدخول اذا يعطى العموم و هو الجواب عن الرابع وقوع النكرة فى سياق النفي فى قوله تعالى

33

فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً يدفع إخراج هذا الماء عنه إلا بحجة ناهضة و أنى لهم بذلك

تفريع [في تتميم متغير بالنجاسة بمثله]

إذا تمم متغير بالنجاسة بمثله فلم يبق التغير حين بلوغ حد الكرية أو بقي مع البلوغ ثم زال من بعد البلوغ بزمان فعند أصحاب القول بالتطهير تحصل الطهارة عند زوال التغير مطلقا عن سبب كان أو عن نفسه صرح بذلك سبط ابن إدريس الشيخ الإمام يحيى بن سعيد و جده و غيرهما و أما الآخرون فلا يقنعهم مجرد زوال التغير كيف كان. قال شيخنا الشهيد (قدس اللّٰه تعالى لطيفه) في الذكرى: و لا يكفي زوال التغير في نفسه أو بتموجه نجسا أو بملاقاة جسم طاهر ساتر أو مزيل للاستصحاب و لأنه كما لا ينجس إلا بوارد لا يطهر إلا بوارد و هو إلزام و يلزم من قال بطهارة المتمم طهره بذلك و قد صرح به بعض الأصحاب لأصالة الطهارة في الماء و الحكم بالنجاسة للتغير و إذا زال سبب النجاسة عمل الأصل عمله.

قلت: الحق على ما دريت أن يقال في الاستدلال لكون البلوغ هو السبب المقتضي للطهارة فإذا زال سبب النجاسة و هو التغير عمل المقتضي عمله هذا في الماء البالغ و أما القليل الناقص عن حد البلوغ المتغير بالنجاسة إذا زال عنه التغير من تلقاء نفسه أو بالتموج أو بأجسام طاهرة مزيلة لا ساترة على الأقوى فحكمه أيضا كذلك عند ابن أبي عقيل و من وافقه في القول و أما عند الذاهبين إلى القول الأشهر فالحكم فيه البقاء على النجاسة قولا واحدا.

قال المصنف العلامة في المنتهى: لأن المقتضي للتنجيس في الكثير التغير فيزول بزواله و في القليل مجرد

34

الملاقاة دون التغير فلا يؤثر زواله في المتنجس و لا يوجب زوال التنجيس أصلا انتهى كلامه. و هو وجه رزن و نكتة حسنة. و هذا محز- حزه و احتزه أي قطعه- الفصل البازغ و محط الفحص البالغ في مباحث هذه المسألة فليدقق التأمل و ليلطف التدبر و اللّٰه سبحانه ولي الفضل و المنة. ما لا يدركه الطرف من الدم التخصيص بالدم إنما وقع منه في الإستبصار على محاذاة الرواية و أما في المبسوط فقد ألحق به كل ما لا يستبين للطرف كرءوس الإبر من أية نجاسة كانت تخصيص قول الشيخ في الفرق بين كثير النجاسة و قليلها الذي لا يدركه الطرف بالدم على ما قد وقع من المصنف العلامة (رحمه اللّٰه تعالى) ذائع عند المتأخرين و هو غير مطابق لما في المبسوط حيث قال: و حد القليل ما نقص عن الكر الذي قدمنا مقداره و ذلك ينجس لكل نجاسة تحصل فيه قليلة كانت النجاسة أو كثيرة تغيرت أوصافه أو تتغير إلا ما لا يمكن التحرز منه مثل رءوس الإبر من الدم و غيره فإنه معفو عنه لأنه لا يمكن التحرز منه و كأنهم إنما راجعوا الإستبصار و فيه بعد صحيحة علي بن جعفر فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على أن إذا كان ذلك الدم مثل رءوس الإبر الذي لا يحس و لا يدرك فإن مثل ذلك معفو عنه فوقع في ظنونهم أن مذهبه في

35

ذلك التخصيص بالدم

قوله احتجّ الشيخ بوجهين الاوّل

؟؟؟ قد استبان لك ممّا نقلناه عنه انّه لم يحتجّ الّا بعدم امكان التحرّز منه و امّا الرواية فقد حملها على ذلك جمعا بين الروايات المتعارضة ثمّ انّا قد تلونا عليك فيما سبق انّ قوله (عليه السلام) ان لم يكن شيء يستبين فى الماء و ان كان شيئا بيّنا انّما مفاده الظهور و عدم الظهور اذ الاستبانة ليس معناها الّا الظهور و ذلك لا يستلزم معاينة جرم الدم متميّزا عن الماء البتّة بل توفيقا بين الروايات المتخالفة المناطيق ظاهرا فى الماء القليل

قوله و لا يلزم من اصابته للاناء اصابته للماء

و ان كان يفهم منه لكن دلالة المفهوم ضعيفة لا يستريب من تمهّر فى فنّ البيان و فى علم الاصول فى انّ دلالة اصاب إناءه على اصابته للماء من دلالة المنطوق القويّة جدّا الشائعة اكثريّا امّا مجازا عقليّا بان يعنى باصاب و إناءه معنياهما الحقيقيّان و يتجوّز فى الاستناد للعلاقة العقليّة المصحّحة لذلك كما قولك انا جالس و جالس السفينة متحرك او مجازا مرسلا من تسمية الماء باسم محلّه الذي هو الاناء كما قوله سبحانه فَلْيَدْعُ نٰادِيَهُ اى اهل ناديه الحالّ فيه و النادي المجلس او مجازا من تغيّر حكم الاعراب بإضمار المضاف

36

و التقدير ماء إنائه كما قوله تعالى وَ جٰاءَ رَبُّكَ اى امر ربّك و امّا قوله عزّ من قائل وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ فيحتمل كلّا من الثلاثة بإسناد السؤال إلى الآية للعلاقة بينها و بين أهلها الذين هم المسئولون حقيقة او بإطلاق القرية على أهلها تسمية للحالّ باسم المحلّ او بتغير الاعراب لحذف المضاف اى اهل القرية و ليس هو بمقصود على الاخير البتّة كما هو المشهور عند علماء العربيّة و المفسّرين و بالجملة دلالة الالتزام و المجازات من دلالات المناطيق و ليست هى من اقسام دلالة المفاهيم و أنواعها فى شىء اصلا و من ذلك قوله (صلّى اللّٰه عليهم و سلّم) رفع عن أمّتي الخطأ و النسيان اى المؤاخذة بهما و قول القائل اعتق عبدك عنّى على الف اى مملِّكا لي على الف و قد اقترّ ذلك فى مقرّه فى علم الاصول و لقد اطبق العلماء و البلغاء على انّ المجاز و الكناية ابلغ من الحقيقة و التصريح لأنّ الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم فهو كدعوى الشيء ببيّنته و كانّ هذا الغفول ممّن هو من ائمّة التحقيق و التحصيل غير مغتفر لدى المحصّلين و لكن لكلّ صارم نبوة و لكلّ جواد كبوة و اغرب من ذلك ما قد وقع فيه المحقّق فى المعتبر حيث قال و لعلّ معنى اصابته الاناء الشكّ فى وصوله إلى الماء و لست

37

ادرى أيّة لفظه هناك بإزاء هذا المعنى ثمّ و كيف يليق بمثل علىّ بن جعفر رضى اللّٰه تعالى عنه و هو فى رتبته الّتى هو فيها فى الفقه و التبصر ان يسأل اخاه الامام العالم موسى بن جعفر (عليها السلام) هل يصحّ الوضوء من ماء اصاب الدم إناءه الذي هو فيه من دون اصابته إيّاه فلينظر

قوله فهو معارض برواية علىّ بن جعفر فى الصحيح ...

و كذلك قال المحقّق ايضا فى المعتبر و هذا ايضا ممّا يستغرب عنه منهما جدّا فانّ هذه تتمّة الرواية الاولى من طريق رئيس المحدّثين محمّد بن يعقوب الكلينىّ فى الكافي الصحيح عن محمّد بن يحيى عن العمركىّ بن علىّ

عن عليّ بن جعفر عن اخيه ابى الحسن (عليه السلام) قال سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فاصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه فقال ان لم يكن شيئا يستبين فى الماء فلا بأس و ان كان شيئا بيّنا فلا يتوضّأ منه

قال

و سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ فيقطّر قطرة فى إنائه و هل يصلح الوضوء منه قال لا

و الشيخ رواها تخريجا بترك هذه التتمة فحيث انّ علىّ بن جعفر جعل الدم فى سؤاله اوّلا قطعا صغارا اعتبر (عليه السلام) الاستبانه و حيث انّه فى السؤال اخيرا ذكر القطر او التقطير اذ اللفظة يحتملهما فجعل

38

القطرة اعظم من القطعة الصغيرة الّتى سأل عنها اوّلا قال (عليه السلام) لا من دون اعتبار الاستبانة فهذا صريح دلالة الرواية فلذلك بنى الشيخ عليها و قال القطع الصغار التى لا تحسّ و لا تدرك لا بأس بها فامّا نحن فنقول لعلّ ذلك بناء على انّ القطرات من الدم و اما جعلهما روايتين متعارضتين فبعيد عن درجة التثقف و اللّٰه سبحانه اعلم

قوله انتقض بجميع التكاليف

لعدم خلوّها عن المشقة استدلال الشيخ بالمشقّة ضعيف لأنّ الحكم بتجنّب النجاسات عامّ بالنسبة إلى قليلها و كثيرها فما لم يقم دليل شرعىّ على التخصيص وجب الوقوف على موقف العموم و بلوغ العسر فى محلّ النزاع حد الحرج المنفىّ فى الدين ممنوع و لكنّ الردّ عليه بالانتقاض بجميع التكاليف ساقط اذ كلامه هناك فى شدّة المشقّة و عسر التحرز و لا كذلك الامر فى ساير التكاليف فهذا قول الشيخ فيما لا يدرك من قليل النجاسات فى الماء و سيقول المصنّف فى مسألة من ذى قبل فى فصل احكام النجاسة قال ابن ادريس قال بعض اصحابنا اذا ترشّش على الثّوب او البدن مثل رءوس الابر من النجاسات فلا بأس بذلك و الصحيح وجوب ازالتها قليلة كانت او كثيرة قلت و الذي يعهد من ديدن ابن ادريس انّه يعنى بعض اصحابنا الشيخ او السيّد المرتضى و ليس يستبين

39

ذلك من اقاويلهما فقد قال الشيخ فى المبسوط فى فصل تطهير الثياب و الابدان من النجاسات و كلّ نجاسة تجب ازالة قليلها و كثيرها فانّه تجب ازالتها عن الثياب و الابدان ادركها الطرف او لم يدرك و السيد قال بذلك فى البول خاصّة حيث قال فى المياه فارقيّات نجاسة الخمر اغلظ من سائر النجاسات لأنّ الدم و ان كان نجسا فقد ابيح لنا ان نصلّي فى الثوب اذا كان فيه دون قدر الدرهم و البول قد عفي عنه فيما ترشش عند الاستنجاء كرءوس الابر و الخمر لم يعف عنه فى موضع اصلا نعم ابن الجنيد قد الحق بالدم ساير النجاسات فى العفو عمّا دون قدر الدرهم منها و لا يتّجه على قوله التقدير برءوس الابر و فى طريق هذه الرواية عثمان بن عيسى و هو واقفىّ هو عثمان بن عيسى ابو عمرو تارة يقال له الكلابىّ و تارة العامرىّ و تارة الرواسىّ من ولد عبيد اللّٰه بن رؤاس و الصحيح انّه مولى بنى رؤاس بضمّ الراء قبل الهمزة المفتوحة و السين المهملة اخيرا و فى اصحابنا من يفتح الراء و يشدّد الواو من غير الهمز و فيهم من يقول بفتح الراء و تخفيف الواو و هو و ان كان واقفيّا لكنّه احد من اجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم و اقرّوا لهم بالفقه و العلم على ما نقله ابو عمرو الكشّى عن بعضهم و الشيخ ذكره فى كتاب الرجال فى اصحاب ابى الحسن

40

الكاظم و ابى الحسن الرضا (عليهما السلام) و قال النجاشي كان شيخ الواقفة و وجهها واحد الوكلاء المستبدّين بمال موسى بن جعفر (عليهما السلام) و قال الكشّى ذكر نصر بن الصبّاح ان عثمان بن عيسى كان واقفيّا و كان وكيل موسى ابى الحسن (عليه السلام) و فى يده مال يعنى للرضا (عليه السلام) فمنعه فسخط (عليه السلام) عليه قال ثمّ تاب عثمان و بعث اليه بالمال و كان شيخا عمّر ستّين سنة و كان يروي عن ابى حمزة الثمالى و لا يتّهمون عثمان بن عيسى حمدويه قال قال محمّد بن عيسى أن عثمان بن عيسى رأى فى منامه انّه يموت بالحير فيدفن فيه على صاحبه السلام فرفض الكوفة و منزله و خرج إلى الحير و ابناه معه فقال لا ابرح حتى يمضى اللّٰه مقاديره فاقام تعبّد ربّه جلّ و عزّ حتى مات و دفن هناك (رحمه اللّٰه) إلى هنا كلام الكشي و كذلك أورده النجاشي ايضا قلت من البحث انّ المصنف العلّام فى خلاصة الرجال عدّ طريق الصدوق؟؟؟ سماعة من الحسن فى طريقه عثمان بن عيسى و فى هذا الكتاب بحكم بردّ الرواية من جهة عثمان بن عيسى و الصحيح في ذلك ان يصار امّا إلى اجماع العصابة المنقول من طريق الاصحاب فيعدّ الطريق صحيحا او إلى ما رواه حمدويه معاضدا لما ذكره نصر بن الصبّاح فيعدّ حسنا

[الفصل الثاني في حد الكر]

قوله فى الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن اسماعيل بن جابر

صحّ استصحاح الطريق و اسناده إلى

41

عبد اللّٰه بن سنان على ما فى كتابى الاخبار التهذيب و الاستبصار و امّا ما ربّما يظنّ انّ المتوسّط فى هذا الطريق بين الرقّى و اسماعيل بن جابر انّما هو محمّد بن سنان على ما فى بعض اسانيده من طريق محمّد بن يعقوب (رحمه اللّٰه تعالى) فى الكافي و انّه قد وقع للراوين من بعده ابدال محمّد بعبد اللّٰه و انّ اختلاف الطبقة يأباه فعساه ان يكون من بعض الظنّ من غير وجه واحد على ما يعلمه من قد احصى رواشح أوردناها فى شرح الكافي بفضل اللّٰه سبحانه و منّه قال ثلاثة اشبار فى ثلاثة اشبار قلت عدم تخصيصه (عليه السلام) شيئا من الثلاثة اشبار المضروبة و الثلاثة اشبار المضروب فيها بشيء من الابعاد النكتة الطول و العرض و العمق بعينه حيث لم يقل ثلاثة اشبار فى طوله فى ثلاثة اشبار فى عرضه مثلا كالتنصيص فى اسلوب من البلاغة على انّ ايّا من الابعاد و الثلاثة الطوليّة و العرضيّة و العمقيّة اعتبر مضروبا او مضروبا فيه يجب ان يكون ثلاثة اشبار خصوصيّة كلّ منها ملقاة فى ذلك فاذن مفاد سياق قوله و مساق كلامه (عليه السلام) كون كل من الابعاد الثلاثة ثلاثة اشبار بحيث يكون تكسير الماء سبعة و عشرين شبرا و هذا ادقّ الوجوه و ارصنها فى شرح هذا الحديث و اما ما اليه ينساق الذهن فى جليل النظر و لم يكن يتعدّاه الادهان

42

فى شرحه و بيانه إلى هذا الزمان و هو انّ المخصوص بالذكر بعدان و البعد المتروك فيه محال على المذكور على ما هو المعروف عند الاصحاب فكانّه ليس فى تلك الرصانة و الرزانة و ان كان مسلكا واضحا و محملا صحيحا لا بأس بها و هناك رواية اخرى فى مضمون هذه الرواية لا بأس بها ايضا رواها الشيخ فى كتابى الاخبار و فى الصحيح عن صفوان يعنى ابن يحيى

عن اسماعيل بن جابر قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الماء الذي لا ينجّسه شىء قال ذراعان عمقه فى ذراع و شبر سعته

فمدلول هذا الخبر إلى مذهب الصدوق اقرب إلى مذهب الشيخ فانّ ذراعا و شبرا اقلّ من ثلاثة اشبار بشيء يسير و زراعين ازيد من ثلاثة اشبار زيادة ما طفيفة اذ الذراع على العرف المشهور عبارة عن ستّ قبضات و هى اربع و عشرون اصبعا فكلّ قبضة اربع اصابع و الشبر ثلث قبضات تقريبا و السعة تشمل الطول و العرض فالمراد ثلاثة اشبار فى عمقه فى ثلثه اشبار فى كلّ من بعدى سعته الطولىّ و العرضىّ هذا على وزان ما قلناه فى الرّواية السابقة و امّا على سياق المعروف بين الاصحاب فيحتمل السعة على احد البعدين و يحال المتروك على المذكور لكن ذلك كلّه ضعيف اى الاحتياط و ادّعاء الاجماع و عدم الدليل على انتفاء

43

الانفعال فى الناقص عن هذا التحديد امّا الاوّل فلانّ الاحتياط السابق على الاجتهاد الذي قد يعتبر المجتهد انضمامه إلى دليل احد الطرفين ليحصل معه الترجيح انّما يصحّ اعتباره اذا كانت دلايل الطرفين من دونه متعارضه متفاوته لا اذا ما كان الدليل ناهضا بالترجيح فى طرف بعينه مع عزل النظر عن اعتبار الاحتياط على ما عليه الامر فى صورة النزاع و الاحتياط اللاحق انّما العمل به شأن المقلّد فى اختيار من يقلّده من المجتهدين المتساويين فى العلم و شرايط استحقاق التقليد دون المجتهد فانّه مكلّف بالعمل بمظنونه على انّ الاحتياط هناك معارض بمثله فى استعمال الطهور للصلاة الواجبة و امّا الثانى فلان دعوى الاجماع فى المسألة المختلف فيها و هي انفعال الماء القليل عن ملاقاة النجاسة من دون التغيّر غير مسموعة و امّا الثالث فلدلالة الاخبار الصحيحة السالمة عمّا يعارضها و بالجملة فالاقوى قول ابن بابويه على ما قاله المصنّف اذ فى العمل بالاخبار الدالّة على قوله يتصحّح حمل اخبار اعتبار الزيادة على ذلك على الاستحباب و الأفضليّة فيحصل التوفيق بين الاخبار من غير اطّراح خبر على خلاف العمل بما يدلّ على اختيار الشيخ فضلا عمّا زاد عليه

44

تذنيب [في التقدير التحقيقي و التقديري]

الاشبه على ما قد قاله المحقّق فى المعتبر انّ مع؟؟؟ التقدير هناك تحقيق لا تقريب لأنّه تقدير شرعىّ فيتعلّق باعتبار التحقّق ثمّ بناء اعتبار الاشبار تحقيقا على رعاية الغالب الوسط السوىّ المستوي لا ما يندر و يخرج عن ميزان الاستواء و الاعتدال المعتبر أرطال العراق هذا هو المشهور فى هذه العصور و عليه الفتوى وفاقا لجدّي المحقّق أعلى اللّٰه مقامه فى شرح القواعد و الارطال العراقية كلّ منها احد و تسعون مثقالا و كلّ رطل مدنى رطل و نصف من ارطال العراق و بالدراهم المدنىّ مائة درهم و خمسة و تسعون درهما و العراقي ثلثاه اعنى مائة و ثلثين درهما و قد ورد بذلك الخبر ففى التهذيب فى باب زكاة الفطر مسندا من طريقين عن ابراهيم بن محمد الهمذاني عن ابى الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) مكاتبة ان الصاع ستّة ارطل بالمدنيّ و تسعة ارطل بالعراقى و ان الرطل مائة و خمسة و تسعون درهما تكون الفطرة الف و مائة و سبعين درهما فى الذكرى للخبر عن الرضا (عليه السلام) و قال المطرزيّ فى المغرب الصاع ثمانيّة ارطل عن اهل العراق و عند اهل الحجاز خمسة ارطل و ثلث و قال فيه الرطل بالكسر و الفتح لغة نصف منا و عن الاصمعى هو بالكسر الذي يوزن به او يكال به

45

و قال ابو عبيد وزنه مائة درهم و ثمانيه و عشرون درهما و كذلك فى النهاية الاثيرية حيث قال قد تكرّر ذكر الصاع فى الحديث و هو مكيال يسع أربعة امداد و المدّ مختلف فيه فقيل هو رطل و ثلث بالعراقى و به يقول الشافعي و فقهاء الحجاز و قيل هو رطلان و به اخذ ابو حنيفة و فقهاء العراق فيكون الصاع خمسة أرطال و ثلثا او ثمانية أرطال

قوله و لأنّ الارطال العراقية تناسب رواية الاشبار

يعنى بذلك انها تناسب رواية ثلاثة اشبار فى ثلاثة اشبار من غير اعتبار النصف على ما هو طريق القمّيّين و سبيل الفتوى و هو اللائح من عبارة الشيخ (رحمه اللّٰه تعالى) فى التهذيب مع انّه خلاف ما ذهب اليه من اعتبار النصف و كلام شيخنا من الذكرى سبيله مقاربة التفسير بالعراقى للتقدير بالثلاثة و النّصف على ما هو المشهور و على منواله ينسج من يقاس به من المتأخرين و ذلك بعيد و من الغريب جدّا ان الصدوق (رحمه اللّٰه) فى الفقيه ذهب فى التقدير المساحىّ بالاشبار إلى الاقتصار على الثلاثة و اسقاط النصف و اعتبر فى الارطال المقدّر بها الوزن اعنى ألفا و مائتي رطل الارطال المدنية و السيّد الفقيه الزاهد صاحب البشرى جمال الدين احمد بن طاوس (قدس اللّٰه نفسه الزكيّة)

46

ذكر عدم المناسبة بين الوزن بالأرطال و المساحة بالاشبار مطلقا و مال إلى حصول القاهرية على دفاع النجاسة بكلّ ما روى و كانه يعتبر اقلّ الاقدار و يحمل الزائد على الندبيّة قال الشيخ و هذا يرجّح اعتبار العراقية يعنى فى الارطال التى بها يناط تقدير الكرّ بحسب الوزن فى المذهب و فى صحيّة ابن ابى عمير من طريق التهذيب و الاستبصار عن بعض اصحابنا عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال الكرّ من الماء الذي لا ينجّسه شىء الف و مائتا رطل و من العجب انّ المصنف لم يورد؟؟؟ هذا الحديث الصّحيح مع انه العمدة فى هذا الباب و مطمح النظر و ملمح الغرض فى كلام الشيخ التوفيق بينه و بين صحيحة محمّد بن مسلم المذكورة لأنّ الصلاة يجب اداؤها بطهور إلخ هذا مسلك مستقيم قد بسط القول فيه الشيخ فى الاستبصار و نحن ايضا قد سلكناه فيما أسلفناه فى ترجيح قول ابن ابى عقيل و من وافقه كابى عبد اللّٰه الحسين بن ابراهيم الغضائرى شيخ الطائفة فى الاقدمين و مفيد الدين محمّد بن جهم من اصحابنا الحلبيّين المتأخّرين فى الماء القليل على ما قد نقله شيخنا المحقّق الفريد الشهيد (قدّس اللّٰه تعالى لطيفه) فى شرح الارشاد لا اعتبار ببلدهم (عليهم السلام) بل ببلد السائل هذا كلّه من كلام الشيخ فى الاستبصار إلى حيث قال و هم (عليهم السلام)

47

كانوا يعتبرون عادة ساير البلاد حسب ما يسألون عنه على صيغة المجهول و عود ضمير عنه إلى ما و ذلك قول متين و المصنف (رحمه اللّٰه تعالى) غيّر الصيغة إلى البناء للمعلوم على ان يكون الفاعل اهل ساير البلاد و الضمير البارز المتصل للمفرد إلى ضمير الجمع على العود إليهم (عليهم السلام) و هو غير سديد فى قانون العربيّة فانّهم (عليهم السلام) هناك مسئولون لا مسئول عنهم بل المسألة مسئول عنها و ما عبارة عن المسألة التى عنها السؤال فليتدبّر و قال المفيد و سلّار؟؟؟

قال فى المنتهى اطلق المفيد و سلّار تنجيس مياه الاوانى و الحياض حتى انّ سلّار أوجب اهل اهراقها و إن كان كثيرا و هذا الاطلاق غير واضح ثمّ قال و الحقّ انّ مرادهما بالكثرة هنا الكثرة العرفيّة بالنسبة إلى الاوانى و الحياض التى تسقى منها الدوابّ و هى غالبا تقصر عن الكرّ قلت كون الكثرة فى اصطلاح الفقهاء و عرف اهل الشرع حقيقة فى قدر الكرّ المقدّر شرعا و استدلالهما بعموم ما ورد فى النهى عن استعمالها يأتيان ان يكون مرادهما ذلك بل الحقّ ان يقال انّما ورود النهى العامّ لأنّ الاوانى و الحياض فى الغالب الشائع المتعارف هى اوانى الاستعمالات و حياض الدور التى هى المصانع لانصباب ماء المطر لاجتماع مياه الغسالات و بالجملة التى هى بحسب العادة

48

الشائعة لاتسع قدر الكرّ فى الاكثر و خصوصا فى تلك البلاد و سيّما فى عصرهم (عليهم السلام) فى البئر قال شيخنا المحقق الشهيد فى شرح الارشاد فى تحديد حقيقه مائها البئر مجمع ماء نابع من الارض لا يتعدّاها غالبا و لا يخرج عن مسمّاها عرفا قلت مغزى كلامه و تحقيق مرامه انّ نوع ماء البئر ماء نابع لا يتعدى منبعه غالبا و لا يخرج محله عن مسمّى مجمعه عرفا على خلاف شاكله النوع الذي يسمّى الماء الجارى فماء نابع يشملها جميعا و لا يتعدّى منبعه محلّه و لا يخرج عن مسمّى مجمعه يفصل هذا النوع عن النوع الجارى و غالبا لأنّه قد يكون هذا النوع على سبيل الندرة اذا تكاثرت الامطار فى بعض الاربعاء الكثرة الوابل و فى بعض السنين الوادقه المطر شديد النبع قوىّ الترشح كثير الفيضوضة بحيث ربّما يتعدّى رجا منبعه و يخرج من حافة مجمعه فلو لا هذا القيد لدخل هذا القسم من الماء فى الجارى و هما متباينان نوعا و خرجت البئر عن حدّ حقيقتها المطلوب تعريفها و عرفا تنبيه على انّه لا مدخل فى ذلك لمقادير عمق ما يسمّى مجمعا لو و غوره و قعر وهدته و انغمار حفرته فى جوف الارض بالزيادة و النقيصة و طول المسافة و قصرها اصلا حتى لو كانت مسافة القعر فى طولها اكثر من سبعين ذراعا و فى قصرها اقلّ من نصف ذراع مثلا و كان فى الاكثري الغالب

49

لم يكن النبوع بحيث يتعدّى المنبع و يخرج عن المجمع كان يعدّ ذلك الماء النابع فى عداد مياه الآبار و كان مجمعه و مجتمعه يسمّى بئرا و هذا كانّه امر مستبين عند من يلحظ ضعف نبوع هذا الماء بحسب ضعف جوهره المترشح من اعماق باطن الارض و قعر جوفها بحيث لا يستطيع السيلان من الحافة و الفيوض على الساهرة و يتتبّع العرف الشائع المستمرّ فى الامصار و الاقطار و الاعصار و الادوار بإطلاق اسم البئر على مجتمعه و مجمعه و بالجمله ان بين الماء النابع السائل الفائض على وجه الارض و الماء المترشح من مسامّات باطن الارض المحفورة الواقف القاطن فى جوفها و عمقها فرقانا بينا سواء كان قريبا من سطح ساهرة الارض و حافة وهدة المجمع او بعيدا عنهما فاذن قد استقام تعريف البئر بأنّها مجمع ماء مترشح فى جوف الارض لا يتعدّى مرشحه و منبعه غالبا و لا يخرج محلّه عن كونه مسمّى مجمعه عرفا و استبان انّ الماء الجارى و ماء البئر نوعان متباينان فى الحقيقه و فى الاطلاق العرفي الشائع و الراكد هو الماء الواقف عن السيلان المنقطع عن الجريان فهو لا محالة قسم ثالث وراء القسمين و اما ماء الغيث فهو فى حكم الجارى و معدود منه ما دام متقاطرا فاذا انقطع التقاطر كان الحاصل المجتمع فى الحياض و الغدران منه كالراكد من الجارى فاذن قد استتب قول

50

الاصحاب فى تثليث قسمة الماء المطلق إلى الجارى و الراكد و ماء البئر و اذا تحقّقت ما تلوناه عليك بان لك اندفاع ما أورده جدّى القمقام اعلى اللّٰه تعالى مقامه و بعض من اقتاس به من المتأخرين على شيخنا حيث نقل قوله فى شرح القواعد ثم قال معترضا عليه القيد الاخير موجب الاجمال التعريف لأنّ العرف الواقع؟؟؟ لا يظهر أيّ عرف هو أ عرف زمانه (صلّى اللّٰه عليه و آله) ام عرف غيره و على الثانى فيراد العرف العامّ ام الاعمّ منه و من الخاصّ مع انّه يشكل ارادة عرف غيره (صلّى اللّٰه عليه و آله) و الّا لزم تغيّر الحكم بتغيّر التسمية فيثبت فى العين حكم البئر لو سمّيت باسمه و بطلانه ظاهر و الّذى يقتضيه النظر انّ ما ثبت اطلاق اسم البئر عليه فى زمنه (صلّى اللّٰه عليه و آله) او زمن احد الائمّة المعصومين (صلّى اللّٰه عليهم) كالتى فى العراق و الحجاز فثبوت الاحكام له واضح و ما وقع فيه الشكّ فالاصل عدم تعلّق احكام البئر به و ان كان العمل بالاحتياط اولى انتهى ما قاله اسبغ اللّٰه تعالى اجلاله بألفاظه قلت و ما استشكله لا اشكال فيه اذا المراد