ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد - ج1

- المحقق السبزواري المزيد...
180 /
1

-

2

كتاب الطّهارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلوة و السّلام على خيار خلقه سادات الأنام محمّد و آله الطاهرين الكرام الأجلّاء العظام كتاب الطّهارة أي هذا كتاب الطّهارة و الكتاب اسم مفرد جمعه كتب بضمّ التّاء و سكونها و هو فعال من الكتب بفتح الكاف سمّي به المكتوب كالخلق بمعنى المخلوق و كقولهم هذا درهم ضرب الأمير و معناه الجمع و منه تكتب بنوا فلان إذا تجمّعوا و منه الكتاب لأنّه يجمع أمورا متفرقة من المسائل

و الطهارة مصدر طهر بضم العين و فتحها و هي لغة النظافة و قد نقلت في الاصطلاح إلى المعنى الشّامل للوضوء و الغسل و التيمّم و قد اختلف كلام الأصحاب في تعريفها و لا يكاد يوجد تعريف خال عن الطعن حتى زعم بعضهم أن التعريف لفظي و الإطناب في هذا الباب قليل الجدوى في أمر الدّين فالاشتغال بالأمر الأهم أولى و النظر في أقسامها و أسبابها و هي الأحداث الموجبة للطّهارة و معنى السبب عند الأصوليين الوصف الظّاهر المنضبط الذي جعله الشّارع مناطا لحكم شرعيّ كالوقت لوجوب الصّلوة و ما يحصل به و هو الماء و التراب

و توابعها كأحكام الخلوة و النّجاسات و كيفية إزالتها و أحكام الأواني و غيرها

الأول في أقسامها

و هي وضوء و غسل و تيمم أي منقسمة إليها انقسام الكلّي إلى جزئياته و كل منها واجب و ندب

فالوضوء

يجب

بأصل الشرع للصّلاة و الطواف الواجبين و التقييد بالوجوب بناء على عدم وجوب الوضوء لصلاة النّافلة و إن كان شرطا في صحّتها لجواز تركه مع ترك المشروط به و قد يتوهم وجوب الوضوء لها بناء على توجّه الذم على تاركه إذا أتى بالنّافلة في تلك الحال غفلة عن أنّ الذّم ليس لترك الوضوء بل للفعل المذكور و ربما أعان على هذا التوهم إطلاق الواجب عليه مجازا لمشاركته مع الواجب في الشرطية و قد يعبّر عنه بالوجوب الشرطيّ إشارة إلى علاقة التّجوّز و هذا الحكم أعني وجوب الوضوء للصّلاة الواجبة إجماعي و تدلّ عليه الأخبار و الآية و تندرج في الواجب اليوميّة و غيرها من بقيّة الصّلوة الواجبة و لا يحتاج إلى إخراج صلاة الميّت إن قلنا إنّ إطلاق الصّلاة عليها مجاز.

و المعروف من مذهب الأصحاب أن الوضوء ليس واجبا لنفسه بل إنّما يجب عند اشتغال الذمة بواجب مشروط به حتّى أن المصنف في التّذكرة و المدقق الشيخ علي و الشهيد الثّاني نقلوا الإجماع عليه

و حكى الشهيد في الذكرى قولا بوجوب الطهارات أجمع بحصول أسبابها وجوبا موسعا لا يتضيّق إلا لظن الوفاة أو لضيق وقت العبادة المشروطة بها.

و احتمل المصنف في النّهاية وجوب الوضوء بحدث و أسبابه استدل الأولون بقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا الآية إذ المراد و اللّٰه أعلم إذا أردتم القيام إلى الصّلوة أو معنى آخر يقاربه لا نفس القيام إلى الصّلوة و إلا لزم وجوب الوضوء مؤخّرا عن الصّلاة و هو باطل إجماعا و الاستدلال بالآية من وجهين:

الأول أنّ هذا الكلام يستفاد منه بحسب العرف أنّ المطلوب الغسل و المسح لأجل الصّلوة كما إذا قيل إذا أردت الحرب فخذ سلاحك يفهم منه الأخذ لأجل الحرب و فيه أنّه لا منافاة بين الوجوب لأجل الصّلوة و بين وجوبه في نفسه فيجوز أن يجتمع الوجوبان.

الثاني أنّ مفهوم الشرط حجّة عند أكثر الأصوليّين فالآية تدل على عدم وجوب الوضوء عند عدم إرادة الصّلوة فلا يكون واجبا لنفسه و فيه أنّ المسلم حجيّة مفهوم الشرط إذا لم يكن للتعليق بالشرط فائدة أخرى سوى التخصيص و هاهنا ليس كذلك إذ يجوز أن تكون الفائدة هاهنا بيان أن الوضوء واجب لأجل الصّلوة و إن كان واجبا في نفسه فيكون الغرض متعلقا بالوجوب العارض له حين إرادة الصّلوة باعتبار التوصّل به إليها و كونه من مصالحها مع أنه يستفاد من هذا التعليق كون الوضوء شرطا لصحة الصّلوة إذ يستفاد منه وجوب الوضوء سابقا على الصّلوة فالإتيان بالصّلاة بدون الوضوء كان ضدّا للواجب المذكور و ضد الواجب قبيح منهي عنه و لا يجوز التعبّد بالقبيح المنهيّ عنه على ما حققناه في أصول الفقه و إن خالف في كلتا المقدمتين جماعة من الأصوليين و سيجيء في بعض مباحث هذا الكتاب إشارة إجمالية إلى تحقيق الأمر فيهما بل يمكن أن يقال الآية حجة عليهم إذ يستفاد منها وجوب الوضوء عند إرادة القيام و قد تكون الإرادة متحققة قبل الوقت فيلزم على هذا أن يكون الوضوء قبل الوقت واجبا و هم نافون لذلك متحاشون عنه

و استدلّوا أيضا بما رواه الشيخ في كتاب الصّلاة في أوائل باب تفصيل ما تقدم ذكره

عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصّلاة و لا صلاة إلّا بطهور

و أورده الصّدوق في الفقيه مرسلا عن أبي جعفر (عليه السلام) وجه الاستدلال بهذا الخبر اشتراط وجوب الطهور بدخول الوقت و المشروط عدم عند عدم الشّرط و في ترتب الفعل الدّال على التجدّد على دخول الوقت دلالة على ذلك و أورد عليه بعضهم أنّ المشروط وجوب الطهور و الصّلاة معا و انتفاء هذا المجموع يتحقق بانتفاء أحد جزأيه فلا يتعيّن انتفاؤهما معا و لعلّ غرضه أن المشروط وجوب المجموع على سبيل الاستغراق الأفرادي فكأنه قيل إذا دخل الوقت وجب كل واحد من الأمرين و اللازم من ذلك على تقدير حجية مفهوم الشرط رفع الإيجاب الكلّي عند انتفاء الشرط إلا أنّ المشروط مجموع الأمرين من حيث هو مجموع إذ ذلك بعيد جدّا بقي الكلام في التجدد المستفاد من الفعل

و يمكن أن يقال تعليقه بالشرط بناء على أنّ الوجوب المؤكد إنّما يكون عند دخول الوقت أو باعتبار أن اتصافه بنوع من الوجوب و هو الوجوب لغيره متجدّد عند الوقت و ارتكاب هذا التأويل أقرب من حمل ما يعارضه على خلاف الظّاهر كما سيظهر على أن هذه الصّيغة شاع استعمالها في مجرّد الثبوت من غير إرادة التجدد الفعلي شيوعا تاما فيقال وجب كذا و يجب كذا مستعملين في أصل الثبوت يظهر ذلك للمتتبع.

و أمّا الإجماع المنقول ففيه أنّ الظاهر أنّ هذه المسألة ممّا لم يصرّح فيه القدماء بشيء و إنّما تجدّد الكلام في الوجوب الغيري و مقابله بين المتأخرين و كلام القدماء مجمل خال عن هذا التعيين نعم كلام ابن بابويه ظاهره الوجوب الغيري حيث قال باب وقت وجوب الظهور و أورد خبر زرارة المذكور و هو ليس بصريح فيه و إثبات الإجماع في مثل هذه المسائل الناشئة بين المتأخرين لا يخلو عن تعذّر و تعسّر سيّما مع وجود الخلاف كما عرفت

و يدل على وجوب الوضوء لنفسه الأخبار التي علق فيها الوجوب على وجود الأسباب و هي كثيرة منها

قول الصادق (عليه السلام) في حديث رواه الشيخ عن زيد الشحّام في الصحيح أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول من وجد طعم النوم فإنّما أوجب عليه الوضوء

و

قوله (عليه السلام) فيما رواه الشّيخ عن زرارة في الصحيح فإذا نامت الأذن و العين و القلب وجب الوضوء

و

قول أبي الحسن (عليه السلام) فيما رواه الكليني عن معمّر بن خلاد في الصحيح إذا خفي عليه الصّوت فقد وجب عليه الوضوء

إلى غير ذلك من الأحاديث.

و الحاصل أنه وقع التعارض بين تلك الأحاديث و بين الخبر السّالف في الجملة فلا بد من ارتكاب التأويل أما في الخبر السابق و يعضده قرب التأويل فيه و كثرة معارضه و أما في تلك الأحاديث و تعضده الشهرة بين الأصحاب و لولاها لكان القول بوجوب الوضوء لنفسه متجها إلا أن الاجتراء على خلاف المشهور مشكل و المسألة محلّ التوقف

و مسّ كتابة القرآن إن وجب لما لم تكن الغاية هنا واجبة بأصل الشرع لم يصفه بالوجوب بل أتى بطريق الشّرط بخلاف

3

الأوليين و هذا الحكم مبنيّ على تحريم المسّ للمحدث بالحدث الأصغر و هو المشهور بين الأصحاب حتى أنّ الشيخ في الخلاف نقل إجماع الفرقة عليه و ألحق بها أبو الصّلاح اسم اللّٰه تعالى و خالف الشيخ في المبسوط فزعم الكراهة و هو المحكي عن ابن البراج و ابن إدريس

قال في الذكرى بعد نسبة الكراهة إلى المبسوط و يلزم ابن الجنيد الكراهة لأنه يكره ذلك للجنب و الحائض و حدثهما أقوى و قد يريدان بالكراهة الحرمة.

و لا يخفى أن حمل كلام الشيخ على الحرمة يخالف ما قال في موضع آخر من المبسوط بعد تقسيم الوضوء إلى الواجب و المندوب فالواجب هو الذي يجب الاستباحة الصّلاة أو الطواف لا وجه لوجوبه إلا هذين

حجة الأول وجهان الأوّل قوله تعالى إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ

و الاستدلال بهذه الآية مبنيّ على إرجاع ضمير لا يمسّه إلى القرآن و كون الجملة صفة للقرآن أو خبرا ثالثا لإن و حينئذ يكون النفي بمعنى النهي قيل نقلا عن التبيان و مجمع البيان و عندنا أنّ الضمير يعود إلى القرآن فلا يجوز لغير الطاهر مسّه قيل و ينبه عليه قوله تعالى تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ فإنه صفة للقرآن أو خبر آخر لإن و ما نقل عن بعض الصّادقين من أن المراد المطهّرون من الأحداث و الخباثات.

و في بعض الأخبار الذي ينبغي أن يعد من الصّحاح نسب المنع إلى الآية الشريفة

و لقائل أن يقول لا يتعين إرجاع الضّمير إلى القرآن فيجوز أن يكون راجعا إلى الكتاب و يكون المعنى في كتاب مكنون أي اللوح المحفوظ لا يمسّ ذلك الكتاب إلا الملائكة المطهرون من أدناس الذنوب كما ذكره صاحب الكشاف و يرجّحه قرب المرجع و إبقاء الجملة على ظاهرها.

و كلام التبيان و مجمع البيان و إن كان مشعرا باتفاق الأصحاب على إرجاع الضمير إلى القرآن لكن في إثباته إشكال و لو سلّم رجوع الضمير إلى القرآن يحتمل أن يكون المراد لا يمسّه إلا المطهرون حال كونه في اللوح المحفوظ إبقاء للجملة على ظاهرها و أيضا على تقدير الرجوع إلى القرآن و العدول عن ظاهر الخبريّة الحمل على النهي التحريميّ غير لازم إذ يجوز أن يكون المراد لا ينبغي أن يمسّه إلا من هو على الطهارة من النّاس كما قال صاحب الكشّاف و حينئذ لا يستفاد منها أكثر من الكراهة.

و قد يقال إذا تعذّرت الحقيقة يتعين الحمل على أقرب المجازات إليها و هو هاهنا التحريم إما بطريق النهي أو الأخبار و هو لا يصفو عن شوب التأمّل ثم على تقدير التنزل عن ذلك كلّه يمكن أن يقال يصدق المطهر على الطاهر من الحدث الأكبر بل على الطاهر من الأخباث فلا يقتضي الطهارة عن الحدث الأصغر

و قد يقال الطهارة حقيقة في المعنى الشرعي لثبوت الحقائق الشرعية و حينئذ يتم الاستدلال بالآية.

و فيه أنا لا نسلم ثبوت حقيقة شرعية فيها سلّمنا لكن يحتمل الحمل على المجاز حذرا عن التأويل الذي ذكر و لا بد للترجيح من دليل مع ما يرد عليه من الأبحاث التي ذكرنا آخرا و بالجملة إثبات التحريم بالآية لا يخلو عن إشكال نعم لو ثبت صحة الخبر الدال على أنّ المراد بالآية ذلك كان هو المعتمد لكني لم أطلع في هذا الباب إلا على خبر لا يبلغ درجة الصحة

الوجه الثاني الأخبار منها ما

رواه الشيخ عن أبي بصير في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء قال لا بأس و لا يمسّ الكتاب

و ليس في سند هذه الرّواية ما يوجب التوقف إلا من جهة أبي بصير و الحسين بن المختار فإن الحسين واقفي و أمّا أبو بصير فإنّ كثيرا من أصحابنا المتأخّرين يتوقفون فيه زعما منهم اشتراكه بين الثقة.

و الظاهر عندي أنه لا توقف من هاتين الجهتين أمّا الجهة الأولى فلما حققته من عدم اشتراك أبي بصير بين الثقة و غيره بل هو إمّا يحيى بن أبي القاسم أو ليث بن البختري المرادي و كلاهما ثقتان و احتمال غيرهما بعيد سيّما إذا كانت الرّواية عن الصّادق (عليه السلام) فإنه لا يحتمل حينئذ غيرهما و ما زعم من أن يحيى واقفي توهّم و سيجيء تحقيق ذلك في مسألة الكر و لأجل ذلك ألحقت أخبار أبي بصير بالصّحاح إذا لم يكن قادح في الصّحة من غير جهته و على هذه القاعدة جريت في مباحث هذا الشرح و أمّا الحسين بن المختار فهو و إن كان واقفيا على ما ذكر الشيخ في رجاله لكن نقل المصنف عن ابن عقدة عن عليّ بن الحسن بن فضال توثيقه.

و ذكر المفيد في إرشاده أنّ الحسين من خاصّة الكاظم (عليه السلام) و ثقاته و أهل العلم و الورع و الفقه من شيعته.

و ذكر ثقة الإسلام في الكافي قال عن الحسين بن المختار قال لي الصادق رحمك اللّٰه و قد روى جماعة من الثقات عنه نصّا على الرّضا (عليه السلام) و في رواية حماد بن عيسى كتابه و حماد ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه إشعار بالاعتماد على نقله و بالجملة هذا الخبر من الموثقات و الصحيح عندي العمل بالأخبار الموثقة إذا سلّمت عن معارض أقوى منها فإنّي أعمل بكل خبر يحصل الظنّ بنسبته إلى المعصوم (عليه السلام) و على هذه القاعدة تدور رحى العمل بالترجيحات في هذا الكتاب و غير خاف على اللبيب إفادة الخبر المذكور للظن و تحقيق هذا المقام ليس من وظيفة هذا الشرح بل هو نظر أصولي يتعلق بفنه و إنّما الغرض هاهنا الإشارة إلى الأصل الذي يبنى كثير من الترجيحات في هذا الشرح عليه و منها ما

رواه الشيخ عن حريز في الصحيح عمن أخبره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال كان إسماعيل بن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عنده فقال يا بني اقرأ المصحف فقال إني لست على وضوء فقال لا تمس الكتاب و مسّ الورق و اقرأه

و إنّما صحّحنا الخبر عن حريز مع أنه من رواية المفيد عن أحمد بن محمّد عن أبيه و أحمد بن محمد هذا إمّا مشترك بين أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد و أحمد بن محمد بن يحيى أو مختص بالأول على ما رجّحه بعض العلماء و هما غير موثقين في كتاب الرّجال لأن الظاهر أنّهما من مشايخ الإجازة و ليسا بصاحب كتاب و الغرض من ذكرهما رعاية اتصال السّند و الاعتماد على الأصل المأخوذ منه فلا يضرّ جهالتهما و عدم ثقتهما و ما يوجد في كلام الأصحاب من تصحيح الأخبار التي إحداهما أو نظيرهما في الطريق مبني على هذا لا على التوثيق و في هذا الخبر ضعف من حيث الإرسال لكن الخبر صحيح إلى حماد بن عيسى و هو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه و فيه إشعار ما بقوة الخبر و منها ما

رواه الشيخ عن إبراهيم بن عبد الحميد في القوي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال المصحف لا تمسّه على غير طهر و لا جنب أو لا تمس خطه و لا تعلقه إنّ اللّٰه تعالى يقول

لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ

و منها ما

رواه الشيخ عن عليّ بن جعفر في الصحيح على الظاهر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرّجل أ يحل له أن يكتب القرآن في الألواح و الصحيفة و هو على غير وضوء قال لا

و لا يخفى أن صحة الاستدلال بالأخبار الثلاثة الأول موقوف على ثبوت أنّ صيغة النهي المذكورة في الأخبار المنقولة عن الأئمّة (عليهم السلام) ظاهرة في التحريم و للتأمّل فيه مجال.

و إن قلنا بأنّها حقيقة فيه في القرآن و الأحاديث النبويّة على ما هو التحقيق و وجه التأمّل شيوع استعمال النهي في الكراهة في الأخبار المذكورة شيوعا تاما يوجب الشك في ظهورها في معنى التحريم كما أفاده بعض الأصحاب و نحوه الكلام في دلالة الأمر على الوجوب و على هذا فلا بد في مواضع الاستدلال بالنهي على التحريم من الاستعانة بانضمام قرينة توجب الظهور فيه و حصولها في محل البحث غير واضح.

و يمكن أن يجعل الشهرة أمارة لذلك و لكنه لا يصفو عن شوب التأمّل بالكليّة.

أما الخبر الأخير فلعلّ صلاحيته للتأييد أقرب بيانه أنّه مصروف عن ظاهره و هو تحريم كتابة القرآن للمحدث إذ لا أعلم قائلا به من الأصحاب فالخبر محتاج إلى التأويل إمّا بحمل نفي الحلية على نفي الإباحة لا نفي الجواز المقابل للتحريم و إمّا بأن يقال الحكم مبنيّ على الغالب من وقوع المسّ عند الكتابة إذ عدم وقوع مس المكتوب للكاتب عند الكتابة ممّا يحتاج إلى التحفظ التّام و هو قليل خلاف الشائع الغالب و الخبر على التأويل الثاني يوافق المدّعى دون الأول و لا يبعد ترجيح الثاني فإذن الخبر يصلح للتأييد حجة القول الثاني أصل الإباحة و أنه لم يعهد من السّلف منع الصّبيان من المسّ و للتأمّل في التعليلين مجال و المسألة محلّ إشكال و إن كان لترجيح القول الأوّل وجه

و يستحبّ

لمندوبي الأولين لا خلاف في استحباب الوضوء للصلاة المستحبة و كذا في اشتراط صحّتها به و يجوز الدخول به في الفرائض و الظاهر أنه لا خلاف في ذلك و نقل اتفاقهم عليه ابن إدريس و في المنتهى أنه قول أهل العلم.

و أمّا الطواف المستحبّ ففي كون الوضوء شرطا لصحّته أو لوقوعه على الوجه الأكمل

4

خلاف و سنذكر في محلّه إن شاء تعالى و دخول المساجد و قراءة القرآن و حمل المصحف و النّوم و صلاة الجنائز و السّعي في حاجة و زيارة المقابر و نوم الجنب

تخصيصه بالذكر لزيادة الاهتمام لورود الخبر فيه بخصوصه و لئلا يتوهّم عدم شرعيّة الوضوء للجنب

و جماع المحتلم قبل الغسل و علل في الخبر بأنه لا يؤمن أن يجيء الولد مجنونا لو حملت من ذلك الجماع

و ذكر الحائض للّه تعالى في وقت كلّ صلاة و سيجيء مستنده

و الكون على طهارة و الكون يحتمل قراءته بالجر يعني يستحب الوضوء لأجل البقاء على الطّهارة و بالرّفع عطفا على الضّمير المستتر في يستحبّ أو على الابتداء و حذف الخبر قال الشارح الفاضل إن أراد الكون فإن نوى رفع الحدث فلا ريب في الصحة و حصول ما نواه إذ لا يحصل الكون عليها إلا مع ارتفاعه مع الاختيار و هو إحدى الغايتين

و إن نوى الاستباحة بشيء ممّا يتوقّف على الوضوء حصل المقصود أيضا لزوما لكن يكون الكون حينئذ تابعا و إن نوى الكون على طهارة فقد قرب الشهيد ره الإجزاء كما حكينا عنه و هو حسن لأنه إحدى الغايات المطلوبة للشّارع و لأنه يستلزم الرّفع لأن الكون على طهارة لا يتحقق إلا معه انتهى كلامه

و للتأمّل في بعض ما ذكره مجال

و التجديد المشهور بين الأصحاب استحباب التجديد لكل صلاة و يدلّ عليه ما

روي من أنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله)كان يجدّد لكلّ صلاة

و

روي الوضوء على الوضوء نور على نور

و

روي من جدد وضوءه من غير حدث جدد اللّٰه توبته من غير استغفار

و

روي أنّ تجديد الوضوء لصلاة العشاء يمحو لا و اللّٰه و بلى و اللّٰه

أورد هذه الأخبار ابن بابويه مرسلا و

روى الكليني عن سماعة بن مهران في القوي قال قال أبو الحسن موسى (عليه السلام) من توضأ للمغرب كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في نهاره إلا الكبائر

و

عن سماعة بإسناد فيه إرسال قال كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) فصلّى الظّهر و العصر بين يدي و جلست عنده حتّى حضر المغرب فدعا بوضوء فتوضّأ للصلاة ثمّ قال لي توضأ فقلت جعلت فداك أنا على وضوء فقال و إن كنت على وضوء إنّ من توضأ للمغرب كان وضوؤه ذلك كفّارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر و من توضأ للصبح كان وضوؤه ذلك كفّارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر

و

في الصحيح عن سعدان و هو غير موثق في كتب الرّجال لكن له أصل يرويه جماعة من الثقات منهم صفوان بن يحيى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه قال الطهر على الطهر عشر حسنات

و مقتضى هذه الأخبار استحباب التجديد لكل صلاة و

موثقة ابن بكير الآتية عن قريب محمولة على النّهي عن الوضوء بدون اليقين بالحدث على جهة الابتداء باعتقاد بطلان الأول جمعا بين الأدلة و الحمل على النهي عن التجديد مطلقا كما هو ظاهر الخبر لا يوافق عمل الأصحاب

و قال أبو جعفر ابن بابويه في تأويل الأحاديث الواردة بتكرر الوضوء مرّتين إنّ معناها تجديد الوضوء قال و قولهم الثالثة لا يؤجر عليها يريد به التجديد الثالث و تمثل بأنه يستحب الأذان و الإقامتان للظهر و العصر و من أذن للعصر كان أفضل و الأذان الثالث بدعة لا أجر له

و كلامه يحتمل أمرين أحدهما نفي الأجر عليه إذا كان الكلّ صلاة واحدة

قال المصنف في المختصر فإن أراد الأول فقد خالف المشهور و إن أراد الثاني فلم أقف فيه على نصّ و الظاهر أنّ مراده المعنى الثاني أو التجديد لصلاة واحدة أكثر من مرّة واحدة بقرينة التشبيه

و اعلم أنّ مقتضى هذه الأخبار استحباب التّجديد لمن لم يصل بالأول أيضا كما قطع به المصنف في التذكرة و توقف فيه الشهيد في الذكرى و احتمله للعموم و عدمه لعدم نقل مثله و كذلك مقتضى الأخبار استحباب التحديد لصلاة واحدة أكثر من مرّة واحدة

و رجح الشّهيد في الذكرى العدم و هو أحد احتمال كلام الصّدوق و توقف فيه المصنف في المخ

احتج الشهيد بالأصل و بأدائه إلى الكثرة المفرطة و أنت خبير بما في التعليلين

و ألحق المصنف في التّذكرة بالصّلاة سجود التلاوة و الشكر و احتمل في الذكرى إلحاق الطواف به إن في كلام الأصحاب استحباب الوضوء في مواضع أخرى لم يذكرها المصنف لعل المستند في هذه الأحكام كلها النّصوص لكن لم أطلع على نصّ في بعضها

و ذكر بعض علمائنا المتأخرين أنّ الذي يجتمع من الأخبار و كلام الأصحاب أنه يستحب الوضوء للصّلاة و الطواف المندوبين و مسّ كتاب اللّٰه و قراءته و حمله و دخول المساجد و استدامة الطهارة و هو المراد بالكون عليها و التأهب لصلاة الفريضة قبل دخول وقتها ليوقعها في أوّل الوقت و للتجديد و صلاة الجنازة و طلب الحوائج و زيارة قبور المؤمنين و ما لا يشترط فيه الطهارة من مناسك الحج و للنّوم و يتأكّد في الجنب و جماع المحتلم قبل الغسل و ذكر الحائض و جماع المرأة الحامل

مخافة مجيء الولد أعمى القلب بخيل اليد بدونه و جماع غاسل الميّت و لما يغتسل و إذا كان الغاسل جنبا و لمريد إدخال الميّت قبره و وضوء الميّت مضافا إلى غسله على قول و لإرادة وطي جارية بعد أخرى و بالمذي في قول قويّ و الرعاف و القيء و التخليل المخرج للدّم إذا كرههما الطبع و الخارج من الذّكر بعد الاستبراء و الزيادة على أربعة أبيات شعر باطل و القهقهة في الصّلاة عمدا أو التقبيل بشهوة و مسّ الفرج و بعد الاستنجاء بالماء للمتوضئ قبله و لو كان قد استجمر و قد ورد بجميع ذلك روايات إلا أنّ في كثير منها قصورا من حيث السّند انتهى كلامه

و لا يبعد أن يقال لا يضر ضعف الإسناد بعد اشتهار مدلول الخبر بين الأصحاب لكن الظاهر أنّ شهرة التي تجبر كسر ضعف السّند الشهرة بين المتقدمتين من الأصحاب لا المتأخرين منهم وجودها في جميع المواضع المذكورة غير ظاهر

نعم يمكن أن يقال أدلة السّنن ممّا يتسامح فيه بينهم بنا على ما ورد عن الصادق (عليه السلام) بأسانيد مختلفة فيها الحسن و الصحيح و إن اختلف ألفاظ الحديث و عباراته أنّ من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه كان له و إن لم يكن على ما بلغه لكن لا يخفى أنّ هذا الوجه إنّما يفيد مجرد ترتب الثواب على ذلك الفعل لا أنه فرد شرعي تترتب عليه الأحكام الوضعية المترتبة على الأفراد الواقعية

و اعلم أنّ الوضوء المستحبّ الذي لم يجامع الحدث الأكبر إن قصد به الصلاة النّافلة صحّ و جاز به الدّخول في الفريضة على ما مر ذكره و إن قصد به غاية أخرى غير الصّلاة ممّا يشترط فيه الوضوء إن قلنا باشتراط الوضوء في غير الصّلاة

فالمشهور بين أصحابنا المتأخرين أنه كذلك أيضا و ظاهر ابن إدريس خلافه حيث قال و إجماعنا منعقد على أنه لا يستباح الصّلاة إلا بنية رفع الحدث أو استباحة الصلاة بالطّهارة و إن قصد بالوضوء ما لا يشترط فيه الطهارة كدخول المساجد و قراءة القرآن أو قصد الكون على الطهارة أو قصد وضوء مطلقا ففيه أقوال بين الأصحاب:

الأول يصحّ الوضوء مطلقا و يرتفع الحدث و يجوز به الدّخول في الفريضة مال إليه المحقق في المعتبر و جعله بعض المتأخرين قولا مشهورا حيث قال الظاهر من مذهب الأصحاب جواز الدخول في العبادة الواجبة المشروطة بالطهارة بالوضوء المندوب و الذي لا يجامع الحدث الأكبر

مطلقا و ادعى بعضهم عليه الإجماع و لم أطلع على ما نسبه إلى بعضهم من دعوى الإجماع إلّا في كلام ابن إدريس حيث قال:

و يجوز أن يؤدّي بالطهارة المندوبة الفرض من الصّلاة بدليل الإجماع من أصحابنا لكن عموم كلامه مخصّص بما إذا قصد بالطهارة المندوبة صلاة النّافلة أو رفع الحدث جمعا بينه و بين ما حكي عنه سابقا

الثاني عدم ارتفاع الحدث به مطلقا و هو قول الشيخ في المبسوط و المحكي عنه في جواب المسائل الحلبيّات و إليه ذهب ابن إدريس

الثالث صحة الوضوء مطلقا بمعنى ارتفاع الحدث به و جواز الدّخول به في الفريضة إلا إذا نوى وضوءا مطلقا و إلى هذا القول مال المصنف في المنتهى

الرابع صحته بالمعنى المذكور إن نوى ما يستحب له الطهارة لأجل الحدث كقراءة القرآن و عدمها إن نوى ما يستحب لا للحدث كتجديد الوضوء و هو قول المصنف في التذكرة

الخامس عدم الصحة إن كان الاستحباب لا باعتبار الحدث كتجديد الوضوء و كذا إن كان الاستحباب باعتبار الحدث لكن لم يقصد الكمال و صحته إن قصد الكمال في الصورة

5

المذكورة و هو قول المصنف في النّهاية

السّادس الصحة إن قصد إيقاع ما الطهارة مكملة له على الوجه الأكمل و كذا إن قصد به الكون على الطهارة و عدم الصحة في غير الصّورتين و هو قول الشهيد في الذكرى قال فيه و في نية الوضوء للنوم نظر لأنه نوى وضوء الحدث و ألحقه في المعتبر بالصحيح لأنه قصد النوم على أفضل أحواله و لما في الحديث من استحباب النوم على طهارة و هو مشعر بحصولها

و لك أن تقول لا يلزم من استحباب النوم على الطهارة صحّة الطهارة للنوم إذ الموصل إلى ذلك وضوء رافع للحدث فلينو رفعه أو استباحة شيء مشروط به لا مناف له و التحقيق أن جعل النوم غاية مجازا ذا الغاية هي الطهارة في آن قبل النوم بحيث يقع النّوم عليها فيكون من باب الكون على طهارة و هي غاية صحيحة انتهى

و اعلم أنّ كلام الأصحاب في هذا الباب لا يخلو عن اضطراب و الخلاف في هذا المقام يحتمل أمرين:

أحدهما أن يكون الخلاف في صحة الوضوء بمعنى كونه واقعا على الوجه المطلوب شرعا و به يشعر كلام الشهيد في الذكرى

و ثانيهما أن يكون الخلاف في ارتفاع الحدث به و جواز الدخول به في الفريضة إن كان واقعا على جهة الصّحة و هو ظاهر الباقين و الأقرب عندي صحّة الوضوء و ارتفاع الحدث به في كلّ موضع تحقق شرعيّة الوضوء و لم يجامع الحدث الأكبر

و يدل على الأوّل أنّ الظاهر أن حقيقة الوضوء ليس إلا الأفعال المعينة التي ذكرها اللّٰه تعالى في كتابه و النهي [النية] خارجة عن حقيقته و القدر الذي ثبت اشتراط صحة الوضوء به إنّما هو القربة على تقدير تمامية الدّليل عليه و لم يثبت اشتراط صحّته بنية استباحة أمر مشروط به فإذا ثبت شرعيّة الوضوء لأمر ما صح الوضوء له و لا يتوقف على النية المذكورة فتم ما قلناه بل نقول قوله (عليه السلام) في

صحيحة زرارة لا صلاة إلّا بطهور

يقتضي شرعيّة الوضوء مطلقا

إلّا لمانع شرعي لما تحقق من أنّ التكليف بالمشروط يقتضي التكليف بالشرط و الشرط الموقوف عليه للصّلاة مطلق الطهور و الظاهر أنه صادق على الأفعال المعلومة مطلقا و النية خارجة عن حقيقته و لم يثبت اعتبار نية الغاية فمطلق الوضوء مأمور به شرعا

و يدل على الثاني أنّ الإتيان بأفعال الصلاة على الحالة المذكورة يقتضي الإجزاء لإطلاق الأمر بالصّلاة و لم يثبت إلا اشتراطها بطهارة صحيحة شرعا و قد حصلت فمن أراد إثبات اشتراطها بأمر زائد على ما ذكرنا احتاج إلى دليل و هو منتف

لا يقال ظاهر الآية وجوب الوضوء على من قام إلى الصّلاة مطلقا سواء حصلت له الطهارة المذكورة أم لا فلا يصح الاكتفاء به

لأنا نقول إن الآية مخصّصة بالمحدثين اتفاقا و سيجيء بعض الأخبار الدالة على ذلك فلا يصحّ التّعليق بها فيما ذكر و لا يخفى أنّ الاستدلال المذكور مبنيّ على أنّ الصّلاة حقيقة في الأركان المخصوصة مطلقا و الشرائط خارجة عن مدلولها الحقيقي

و لو قلنا إن الصّلاة اسم للأركان المخصوصة الجامعة لشرائط الصحة الواقعة على الوجه الشرعي لم يتم هذا الاستدلال إذ لمانع أن يمنع أنّ الصلاة الواقعة على الحالة المذكورة جامعة لشرائط الصحّة

و يدل على ما ذكرناه أيضا ما

رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن بكير عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا استيقنت أنك قد توضأت فإيّاك أن تحدث وضوءا أبدا حتى يستيقن أنك قد أحدثت

و أورده الكليني في الكافي بالسّند المذكور بهذه العبارة

و إذا استيقنت أنك أحدثت فتوضّأ و إياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى يستيقن أنّك قد أحدثت

و ليس في طريق هذا الخبر من يتوقف في شأنه إلا ابن بكير فإنه فطحي و بكير فإنه غير موثق في كتب الرّجال و عندي أنه لا يحسن التوقف من هاتين الجهتين

أما الأولى فلأن ابن بكير ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم و أقروا لهم بالفقه على ما ذكره الشيخ أبو عمرو الكشي و ظاهر الشيخ في العدة اتفاق الأصحاب على العمل برواياته مع توثيق أئمة الرّجال له و العادة تقضي بأن وقوع التوقف في تصحيح روايات المخالف و الاحتياط في الجرأة على توثيقه و التحرز من إكثار الرواية عنه أكثر من الموافق و مع هذا فتوثيق الأصحاب لابن بكير و مخالطتهم إياه و رواية أجلائهم كابن أبي عمير و صفوان و غيرهما عنه مما يدلّ على كمال ثقته و جلالته و ضبطه

و حيث كان مدار الأمر عندي في التعويل على الأخبار حصول الظنّ بمدلول الخبر و كان الظنّ بأمثال هذه الأخبار غير قاصر عن الظن الحاصل بكثير من الصحاح لم يكن لنا بد من العمل بأمثال هذه الأخبار و التعويل عليها و الظن حاصل باتفاق القدماء على العمل بمثل هذه الأخبار و على هذه القاعدة تدور رحى مباحث هذا الشرح

و أمّا بكير فليس في شأنه توثيق صريح لكن ذكر في رجال الكشي بعض الرّوايات الصحيحة الدالة على مدح عظيم في شأنه و بعض الروايات المعتبرة الدالة على حسن حاله و في صحة الرّواية إلى ابن بكير و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه إشعار باعتبار الرّواية و المفهوم من طريقة القدماء العمل بأمثال هذه الرّوايات

و بذلك يحصل الظنّ بمدلول مثل هذه الأخبار فلا يبعد التعويل عليها عند سلامتها عن معارض يوجب وهنها و ضعفها

و استدلّ بعضهم على ما ذكرناه بأنه متى شرع الوضوء كان رافعا للحدث إذ لا معنى لصحّة الوضوء إلا ذلك و متى ثبت ارتفاع الحدث انتفى وجوب الوضوء للصّلاة و فيه بحث لجواز أن يكون الغرض من الوضوء وقوع تلك الغاية المترتبة عليه عقيبه و إن لم يقع رافعا

و استدل عليه بعضهم بعموم ما دلّ في الأخبار الكثيرة على أنّ الوضوء لا ينتقض إلّا بالحدث

و فيه نظر لأنّ عدم الانتقاض لا يقتضي ترتب جميع ما يترتب على كلّ وضوء بل يقتضي استحباب ما ثبت ترتبه على ذلك الوضوء فتدبّر

و الغسل

يجب لما وجب له الوضوء

إما للصلاة و الطواف فإجماعي و إما للمس عند وجوبه فمبنيّ على تحريم المسّ للجنب و هو معروف بين الأصحاب

و قد نقل ابن زهرة إجماع الأصحاب عليه و نقل المحقّق في المعتبر و المصنف في المنتهى إجماع أهل الإسلام و كذا نقل الإجماع الشارح الفاضل و نقل في الذكرى القول بالكراهة عن ابن الجنيد لكنّه ذكر أنه قد يطلق الكراهة و يريد به التحريم فينبغي أن يحمل عليه و نسب بعض الشارحين للشرائع إلى الشيخ في المبسوط القول بالكراهة و هو خطأ فإن الشيخ في المبسوط صرّح بالتحريم نعم كره ذلك للمحدث و مراده المحدث بالحدث الأصغر كما هو الشائع و حكى بعض الشارحين عن الذكرى حكاية القول بالكراهة عن الشيخ و لم أر هذه الحكاية في الذكرى

و مستند هذا الحكم ما مر في المحدث مضافا إلى عدم ظهور الخلاف هاهنا و يؤيّده ما رواه الكليني في باب الحائض و النفساء يقرآن القرآن

عن داود بن فرقد في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن التعويذ يعلق على الحائض قال نعم و لا بأس قال و قال تقرأ و تكتبه و لا تصيبه يدها

و

روي أنّها لا تكتب القرآن

و

روى الشيخ عن داود في الصحيح عن رجل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن التعويذ يعلق على الحائض قال لا بأس و قال تقرأه و لا تكتبه و لا تمسّه

و لدخول المساجد مع اللبث في غير المسجدين و فيهما يكفي في الوجوب مجرّدا الدّخول و قراءة العزائم و معنى العزائم نفس السجدات الواجبة فإطلاقها على السّور من باب حذف المضاف سور العزائم و تسميتها عزائم لإيجاب اللّٰه تعالى إياها على العباد كما هو أحد معاني العزيمة إن وجبا بنذر و شبهه إذ لا وجوب لأحدهما بأصل الشرع

و المصنف أطلق وجوب الغسل بهذه الأمور الخمسة من غير فصل بين الأحداث الموجبة للغسل

و التفصيل أنه لا خلاف في وجوب غسل الجنابة لكلّ واحد من هذه الأمور على ما نقله جماعة من الأحداث و الظاهر أنه لا خلاف في وجوب غسل الحيض للغايات الثلاث المتقدمة و المشهور بين علمائنا وجوبه لدخول المساجد و قراءة العزائم أيضا

و قوى بعض المتأخّرين عدم الوجوب و أمّا النفساء فقيل إنّها كالحائض إجماعا و أما غسل الاستحاضة فقيل إن وجوبه للصّلاة و الطواف موضع وفاق و في المسّ قولان و في دخول المساجد و قراءة العزائم إشكال و أمّا غسل المسّ فلم أطلع على شيء يقتضي اشتراطه في شيء من العبادات و سيجيء مسند هذه المسائل و تحقيقها في محله إن شاء اللّٰه تعالى

و يجب الغسل أيضا لصوم الجنب إذا بقي من الليل مقدار فعله على المشهور خلافا لابن بابويه و سيجيء تحقيقه في

6

محله إن شاء اللّٰه تعالى و لا منافاة بين وجوب الشيء لنفسه و وجوبه للغاية أيضا فكلام المصنف لا ينافي القول بوجوب الغسل لنفسه و لم يذكر المصنف الحائض و النّفساء و في إلحاقهما بالجنب إشكال سيجيء تحقيقه في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى و المستحاضة مع غمس القطنة أي يجب الغسل لصوم المستحاضة مع الغمس و هذا يشمل حالتها الوسطى و العليا و سيجيء تحقيق هذه المسألة و تفصيلها إن شاء اللّٰه تعالى

و يستحب

الغسل للجمعة

لا خلاف بين الأصحاب في مشروعيّة غسل الجمعة و رجحان فعله و الأخبار الدّالة عليه متظافرة و اختلف الأصحاب في وجوبه و استحبابه فالمشهور بين الأصحاب استحبابه حتى أنّ الشيخ في الخلاف نقل الإجماع عليه

و قال أبو جعفر ابن بابويه غسل الجمعة واجب على الرجال و النساء في السّفر و الحضر إلا أنه رخص للنساء في السّفر ثم قال بعد ذلك غسل الجمعة سنة واجبة و ظاهر الكليني أيضا وجوب غسل

الجمعة و هو المنقول عن عليّ بن بابويه و يدلّ على الأول ما

رواه الشيخ عن عليّ بن يقطين في الصحيح قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الغسل في الجمعة و الأضحى و الفطر قال سنة و ليس بفريضة

و

عن زرارة في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألت عن غسل الجمعة فقال سنة في السّفر و الحضر إلّا أن يخاف المسافر على نفسه القر

و يدل على الثاني ما

رواه الشيخ عن محمد بن عبد اللّٰه و عبد اللّٰه بن المغيرة في الصحيح أو الحسن عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) قال سألته عن الغسل يوم الجمعة فقال واجب على كلّ ذكر و أنثى من عبد أو حرّ

و قد يتوقف في إسناد هذا الخبر بناء على أنه رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن محمّد بن عبد اللّٰه و عبد اللّٰه بن المغيرة و أحمد إنّما يروي في الأسانيد المتكثرة و الطرق المختلفة عن ابن المغيرة بالواسطة و الغالب أن يكون الواسطة أباه و هو من الممدوحين

و قد تكون الواسطة أيّوب بن نوح و محمد بن خالد البرقي و هما ثقتان و في عدّة أسانيد روايته عن محمد بن عبد اللّٰه بواسطة ابن أبي نصر و على هذا فالقدر المتيقن حسن هذه الرّواية و مع هذا فلا يحصل الشك في الاعتماد عليها كما نبّهنا عليه مرارا و ما

رواه الكليني و الشيخ عنه عن عبد اللّٰه بن المغيرة في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) قال سألته عن الغسل يوم الجمعة فقال واجب على كل ذكر و أنثى من عبد أو حر

و

عن ابن أبي نصر و هو ممّن أجمعت كل العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم عن محمّد بن عبيد اللّٰه و هو غير موثق قال سألت الرّضا (عليه السلام) عن غسل يوم الجمعة فقال واجب على كل ذكر و أنثى من عبد أو حرّ

و ما رواه

ابن بابويه عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) في جملة حديث و الغسل فيها يعني يوم الجمعة واجب

و ما رواه

الكليني عن زرارة في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال قال أبو جعفر (عليه السلام) لا تدع غسل يوم الجمعة فإنه سنّة و شم الطيب و البس صالح ثيابك و ليكن فراغك من الغسل قبل الزوال فإذا زالت فقم و عليك السّكينة و الوقار و قال الغسل واجب يوم الجمعة

و

عن منصور بن حازم في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال الغسل يوم الجمعة على الرجال و النساء في الحضر و على الرجال في السّفر

و أورده في موضع آخر بهذا الإسناد و زاد عليه و ليس على النّساء في السفر و في رواية أخرى أنه رخص للنساء في السّفر لقلة الماء

و

عن حماد في الحسن بإبراهيم عن حريز عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا بد من غسل الجمعة في السّفر و الحضر فمن نسي فليعد من الغد

و روي فيه رخصة للعليل و ما رواه

الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال اغتسل يوم الجمعة إلا أن تكون مريضا أو تخاف على نفسك

و

عن عليّ بن يقطين في الصحيح قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن النّساء إليهن غسل الجمعة قال نعم

و ما رواه

ابن بابويه و الشيخ عن سماعة بن مهران بإسنادين لا يبعد أن يعدا من الموثقات أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل الجمعة فقال واجب في السّفر و الحضر إلا أنه رخص للنّساء في السّفر لقلة الماء

و ما رواه

ابن بابويه عن أبي بصير في الضعيف أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرّجل يدع غسل يوم الجمعة ناسيا أو متعمدا فقال إذا كان ناسيا فقد تمت صلاته و إن كان متعمدا فليستغفر اللّٰه و لا يعد

و يرد على حجة القول الأول أنّ إطلاق السّنة على ما ثبت بقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)دون الكتاب شائع ذائع فلا يتعيّن حملها على مقابل الواجب و على حجة القول الثاني أنّ إطلاق الواجب على المستحبّ المؤكد شائع و لم يثبت كون المعنى الاصطلاحي مرادا في الأخبار و روايات منصور و حريز و محمد بن مسلم و عليّ بن يقطين و أبي بصير دلالتها على الوجوب غير ظاهر و تحقيق المقام أنه يمكن الجمع بين الأخبار بوجهين

الأوّل أن يقال المراد بالسنة المستحب و إطلاق الوجوب محمول على الاستحباب المؤكد الثاني أن يقال المراد بالواجب معناه الاصطلاحي و بالسنة مقابل ما ثبت بالكتاب

و يؤيد الأول قرب هذا الحمل فإن الظاهر أن السّؤال كان عن حكم غسل الجمعة باعتبار الوجوب و الاستحباب فلا يناسبه الجواب بأنه مما قرره النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)و لم يرد في الكتاب

و يؤيّده أيضا ما رواه

الشيخ في الصحيح عن القاسم عن علي و فيهما اشتراك بين الثقة و غيره قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل العيدين أ واجب هو فقال هو سنة قلت فالجمعة قال هو سنة

و ما رواه

الكليني و الشيخ عنه في الصحيح عن الحسين بن خالد و هو غير موثق قال سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) كيف صار غسل يوم الجمعة واجبا قال إن اللّٰه تعالى أتم صلاة الفريضة بصلاة النّافلة و أتمّ صيام الفريضة بصيام النافلة و أتم وضوء النافلة بغسل الجمعة ما كان من ذلك من سهو أو نقصان

و أورده الشيخ في موضع آخر بأدنى تفاوت في الإسناد و فيه

و أتم وضوء الفريضة بغسل يوم الجمعة

و يؤيده أيضا أصالة عدم الوجوب و كونه أشهر بين الأصحاب فظهر مما ذكرنا أن القول بالاستحباب لا يخلو عن رجحان و المسألة لا تصفو عن الإشكال و التردد و أمّا ما رواه

الشيخ عن عمار السّاباطي في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرّجل ينسى الغسل يوم الجمعة حتى صلّى قال إن كان في وقت فعليه أن يغتسل و يعيد الصلاة و إن مضى الوقت فقد جازت صلاته

فمحمول على الاستحباب إذ لا أعلم قائلا بوجوب ذلك من الأصحاب و الاحتياط في الدّين يقتضي المواظبة على هذه السّنة المتأكدة و الاعتناء بها فقد ورد الترغيب العظيم على فعلها و اللوم و التعنيف البالغ على تركها فروى

الكليني و الشيخ عن الأصبغ قال كان علي (عليه السلام) إذا أراد أن يوبخ الرّجل يقول و اللّٰه لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة فإنه لا يزال في طهر إلى يوم الجمعة الأخرى

و روى

الشيخ عن أبي ولاد الحنّاط عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال من اغتسل يوم الجمعة فقال أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله اللّٰهمّ صلّ على محمد و آل محمد و اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهّرين كان له طهرا من الجمعة إلى الجمعة

و رواه

ابن بابويه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) غسل يوم الجمعة طهور و كفّارة لما بينهما من الذنوب من الجمعة إلى الجمعة

و روى

الشيخ عن سهل بن اليسع في القوي أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرّجل يدع غسل يوم الجمعة ناسيا أو غير ذلك قال إن كان ناسيا فقد تمت صلاته و إن كانت متعمدا فالغسل أحب إلي و إن هو فعل فليستغفر اللّٰه و لا يعود

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول المشهور بين الأصحاب أنّ وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى الزّوال و نقل الإجماع على امتداده إلى الزّوال الشيخ في الخلاف و المحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى بل نقل المحقق الإجماع على اختصاص الاستحباب بما قبل الزوال

و قال الشيخ في موضع من الخلاف وقته إلى أن يصلي الجمعة و ظاهره يخالف القول الأول و يحتمل الموافقة بأن يكون ذكر صلاة الجمعة كناية عن الزوال و يدل على التحديد الأول

أمّا على عدم الإجزاء قبل الفجر فلعدم صدق اليوم قبل طلوع الفجر و يؤيده رواية بكير الآتية في أغسال ليالي رمضان

و يدلّ على إجزائه بعد طلوع الفجر ما رواه

الكليني عن زرارة و الفضيل بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم و الآخر قوي قالا قلنا له أ يجزي إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة قال نعم

و يدل عليه أيضا حسنة زرارة و مرسلة جميل الآتيتان ففي مسألة تداخل الأغسال و شهد للتحديد الثاني

قوله (عليه السلام) في حسنة زرارة السّابقة و ليكن فراغك من الغسل قبل الزوال

و يؤيد اختصاص الاستحباب بما

7

قبل الزّوال أو ما قبل صلاة الجمعة ما رواه

الشّيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير عن جعفر بن عثمان و هو مشترك بين الثقة و من لم يوثق في كتب الرجال عن سماعة بن مهران و هو ثقة لكنّه واقفي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرّجل لا يغتسل يوم الجمعة في أوّل النّهار قال يقضيه من آخر النّهار فإن لم يجد فليقضه يوم السّبت

و قول الشيخ في الخلاف غير بعيد لإطلاق الرّوايات و حصول الغرض الذي صار سببا لغسل الجمعة فقد روي

عن الصّادق (عليه السلام) قال كانت الأنصار تعمل في نواضحها فإذا كان يوم الجمعة جاءوا فتأذّى النّاس بأرواح آباطهم و أجسادهم فأمرهم رسول اللّٰه بالغسل يوم الجمعة فجرت بذلك السّنة

و حينئذ يحمل الأمر بالغسل قبل الزّوال في حسنة زرارة على الاستحباب بقرينة الأوامر السّابقة عليه و اللاحقة له بل لو لم يكن الإجماع المنقول سابقا أمكن القول باتّساع وقته إلى آخر النّهار لعموم الأدلّة و عدم ظهور كون القضاء في رواية سماعة بالمعنى المعروف بين الأصوليين

الثاني لو فاته الغسل قبل الزّوال قضاه بعد الزوال أو في يوم السّبت على المشهور بين الأصحاب و خصه ابن بابويه بما إذا كان الفوات لنسيان أو عذر و الأصل في هذا الباب رواية سماعة و مرسلة حريز السّابقتان و ما رواه

الشيخ عن ابن بكير في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة قال يغتسل ما بينه و بين الليل فإن فاته اغتسل يوم السّبت

و أما ما رواه

عن ذريح في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرّجل هل يقضي غسل الجمعة قال لا

فخصّص جمعا بين الأدلة بالعذر و التعميم في رواية سماعة و ابن بكير يقتضي ترجيح المشهور و عدم الاختصاص بالعذر و هل يلحق بما ذكر ليلة السّبت قيل نعم و هو خروج عن المنصوص

الثالث يجوز تقديم غسل الجمعة يوم الخميس لمن خاف عوز الماء في يوم الجمعة و الشّارح الفاضل عمّم الحكم لخائف فوت الأداء وفاقا للشيخ و الأصل في هذا الباب ما رواه

الشيخ عن محمّد بن الحسين و الظاهر أنّه الثقة عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال قال لأصحابه إنكم لتأتون غدا منزلا ليس فيه ماء فاغتسلوا اليوم لغد فاغتسلنا يوم الخميس للجمعة

و ما رواه

الكليني و الشيخ و ابن بابويه في القوي عن ابنتي موسى بن جعفر قالتا كنا مع أبي الحسن (عليه السلام) بالبادية و نحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة فإن الماء غدا بها قليل فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة

و ضعف الرّوايتين منجبر بالشهرة و عمل الأصحاب مع ما عرفت من المساهلة في أدلة السّنن و الرّوايتان مختصتان بصورة عوز الماء و مستند التعميم الذي ذكره الشارح الفاضل غير واضح و الوجه عدم التعدي من المنصوص

الرّابع قيل الظاهر أن ليلة الجمعة كيوم الخميس فلا يجوز التقديم إلّا إذا خاف عوز الماء و به قطع الشيخ في الخلاف مدّعيا عليه الإجماع و للتأمّل فيه مجال إذ المذكور في الرّواية يوم الخميس فالتعدي منه إلى غيره يحتاج إلى دليل و لو تمكن من قدم غسله يوم الخميس من الغسل يوم الجمعة استحب له ذلك لعموم الأدلة و به صرّح ابن بابويه ره و غيره

الخامس ذكر جماعة من الأصحاب أنه كلما قرب من الزّوال كان أفضل لتأكد الغرض بذلك و فيه تأمّل و قد يقال أفضل وقتي التعجيل و القضاء ما كان أقرب إلى وقت الأداء و هو آخر الأوّل و أول الثاني و مستنده غير معلوم

و أوّل ليلة من رمضان و الظاهر أنه إجماعي و يدلّ عليه ما رواه

الشيخ و الكليني عن سماعة بإسناد لا يبعد أن يعد من الموثقات قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل الجمعة فقال واجب في السّفر و الحضر إلا أنه رخص للنّساء في السّفر لقلة الماء و قال غسل الجنابة واجب و غسل الحائض إذا طهرت واجب و غسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف فجاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكلّ صلاتين و للفجر غسل فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرّة و الوضوء لكلّ صلاة و غسل النفساء واجب و غسل المولود واجب و غسل الميّت واجب و غسل من غسل ميتا واجب و غسل المحرم واجب و غسل يوم عرفة و غسل الزيارة واجب إلا من علّة و غسل دخول البيت واجب و غسل دخول الحرم يستحب و غسل ليلة إحدى و عشرين سنّة و غسل ليلة ثلاث و عشرين سنة لا تتركها لأنه يرجى في إحداهن ليلة القدر و غسل يوم الفطر و غسل يوم الأضحى سنة لا أحبّ تركها و غسل الاستخارة مستحب

و زاد في الكافي

يستحب العمل في غسل الثلاث ليالي من شهر رمضان ليلة تسعة عشر و إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين

و ليلة نصفه لا أعلم فيها نصا على الخصوص و يظهر من كلام المصنف في النّهاية أنّ به رواية و قال الشيخ في المصباح و إن اغتسل ليالي الإفراد كلها خاصة ليلة النصف كان فيه فضل كثير

و سبع عشرة و تسع عشرة و إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين و الظاهر أنه اتفاقي بين الأصحاب و يدل عليه ما رواه

الشيخ عن محمّد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليه السلام) قال الغسل في سبع عشر موطنا ليلة سبع عشرة من شهر رمضان و هي ليلة التقى الجمعان و ليلة تسع عشرة و فيها تكتب الوفد وفد السّنة و ليلة إحدى و عشرين و هي الّتي أصيبت فيها أوصياء الأنبياء و فيها رفع عيسى بن مريم (عليه السلام) و قبض موسى (عليه السلام) و ليلة ثلاث و عشرين ترجى فيها ليلة القدر و يومي العيدين و إذا دخلت الحرمين و يوم تحرم و يوم الزيارة و يوم تدخل البيت و يوم التروية و يوم عرفة و إذا غسلت ميتا أو كفنته أو مسسته بعد ما يبرد و يوم الجمعة و غسل الجنابة فريضة و غسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل

و

عن بكير بن أعين في الضعيف قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) أي الليالي أغتسل في شهر رمضان قال في تسع عشرة و في إحدى و عشرين و في ثلاث و عشرين و الغسل أوّل الليل قلت فإن نام بعد الغسل قال هو مثل غسل يوم الجمعة إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك

و غير ذلك من الرّوايات الصحيحة و غيرها

و ليلة الفطر ذكره الشيخان و يدلّ عليه ما رواه

الشيخ عن الحسن بن راشد في الضعيف قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) إن الناس يقولون إن المغفرة تنزل على من صام شهر رمضان ليلة القدر فقال يا حسن إن القاريجار إنما يعطى أجره عند فراغه و كذلك العبد قلت فما ينبغي لنا أن نعمل فيها فقال إذا غربت الشمس فاغتسل فإذا صليت الثلاث ركعات فارفع يديك و قل

تمام الحديث

و يومي العيدين و حكي فيه إجماع الأصحاب و يدل عليه صحيحة محمد بن مسلم السابقة و غيرها من الأخبار المعتبرة قال الشهيد في الذكرى الظاهر أن غسل العيدين ممتد بامتداد اليوم عملا بإطلاق اللفظ و يتخرج من تعليل الجمعة أنه إلى الصّلاة أو إلى الزّوال الذي هو وقت صلاة العيد و هو ظاهر الأصحاب انتهى

و ليلة نصف رجب هذا مشهور و لم أطلع فيه على نص و علل بشرف الوقت و يظهر من كلام المصنف في النّهاية أن به رواية

و شعبان يدل عليه روايتان فيهما ضعف

و يوم المبعث و هو السّابع و العشرون من رجب ذكره الشيخ في الجمل و المصباح على ما حكاه المحقق في المعتبر و لم أطلع على رواية

و الغدير نقل فيه الإجماع و يدل عليه الرّواية

و المباهلة هو الرابع و العشرون من ذي الحجة على المشهور و قيل هو الخامس و العشرون منه و اختاره المحقق و يدل عليه رواية سماعة السّابقة إلا أنّها وردت بلفظ الوجوب و لعلّه لشدة الاستحباب و ربما ينقل الإجماع على عدم الوجوب

و عرفة نقل فيه الإجماع و يدل عليه روايات منها رواية سماعة السّابقة

و غسل الإحرام على المشهور بين الأصحاب حتى قال الشيخ في التهذيب إنه سنّة بلا خلاف و نسب إلى ابن أبي عقيل القول بالوجوب و أسند السيّد المرتضى القول بالوجوب إلى أكثر الأصحاب حكى ذلك المصنف في المختلف و الروايات في هذا الباب مختلفة ففي بعضها أنه سنة و في بعضها أنه فرض و في بعضها أنه واجب و يمكن الجمع إما بحمل الفرض و الواجب على تأكد الاستحباب أو حمل السنة على ما ثبت بقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)و الأصل يعضد الأول كما أن الاحتياط يوافق الثاني

و الطواف و زيارة النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) كل ذلك للرواية و ما ورد بلفظ الوجوب محمول على تأكد الاستحباب

و قضاء صلاة الكسوف العارض للشمس أو القمر للتارك عمدا مع استيعاب الاحتراق اختلف الأصحاب في غسل قاضي صلاة الكسوف فقال الشيخ في الجمل باستحبابه

8

إذا احترق القرص كلّه و ترك الصّلاة متعمّدا و اختاره أكثر المتأخّرين منهم المصنّف و اقتصر المفيد و علم الهدى على تركها متعمدا من غير اشتراط استيعاب الاحتراق

و نقل عن السيّد المرتضى في المسائل المصرية الثالثة و أبي الصّلاح و سلّار القول بالوجوب و من القائلين بوجوبه بالشرطين المذكورين في النّهاية و الأقرب عندي الاستحباب إذا تعمّد الترك سواء احترق القرص كلّه أم لا

و يدلّ عليه ما رواه

الشيخ عن حماد عن حريز في الصحيح عمن أخبره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا انكسف القمر فاستيقظ الرّجل و لم يصل فليغتسل من غد و ليقض الصّلاة و إن لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلّا القضاء بغير غسل

و هذه الرواية إرسالها غير ضائر لأنها رواية معمولة عند الأصحاب مشهورة بينهم مع أن في صحتها إلى حماد بن عيسى و هو ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه إشعارا بحسنها و الاعتماد عليها و الغالب على حريز الرواية عن الثقات و فيه أيضا إشعار بحسنها و ينضاف إلى هذا كله المسامحة في أدلّة السّنن و لا يقدح اختصاصها بحكم القمر لأن الظّاهر عدم القائل بالفصل فيستحب الحكم في الشمس أيضا

فإن قلت: ظاهر هذه الرّواية و هو القضاء في صورة عدم العلم مطلقا غير معمول به بين أكثر الأصحاب و ينفيه الأخبار المعتمدة الآتية في محلّه فينبغي أن يخص بصورة احتراق الجميع

قلت: الذي يستفاد من الأخبار عدم وجوب القضاء إلّا في الصّورة المذكورة لا عدم استحبابه نعم لو ثبت الإجماع على عدم الاستحباب تعين المصير إلى تخصيص الخبر بصورة احتراق الجميع لكن الإجماع عليه غير ثابت و لا ادّعاه أحد احتج القائل بالوجوب بالرّواية المذكورة و قول أحدهما (عليهما السلام) في آخر صحيحة محمد بن مسلم السابقة

و غسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل

و الجواب عن الأوّل أن الأمر في أخبارنا غير واضحة الدلالة على الوجوب مع أن قوله (عليه السلام) في آخر الخبر فليس عليه إلّا القضاء بغير غسل محمول على الاستحباب لما أشرنا إليه من أن حمله على الوجوب ينافي الأخبار المعتمدة فلا بد إمّا من حمله على الاستحباب أو تخصيصه بصورة استيعاب الاحتراق و لا يخفى بترجيح الأول و هذا ممّا يقوي قرب حمل الأمر المذكور في الخبر على الاستحباب و عن الثاني أنه لا اختصاص فيه بالقضاء بل ظاهره الأداء و وجوب الغسل و الحال هذه غير معمول به بين الأصحاب فينبغي حمله على الاستحباب و لا ترجيح لتخصيصه بالقضاء على الحمل المذكور

و المولود حين ولادته على المشهور بين الأصحاب و قال شاذ منا بوجوبه استنادا إلى رواية سماعة السّابقة و لعل الوجوب في الرّواية محمول على تأكد الاستحباب بقرينة انضمام ما ثبت استحبابه

و للسّعي إلى رؤية المصلوب بعد ثلاثة أيام مع حصول الرؤية اختلف فيه الأصحاب فقال أبو الصّلاح بوجوبه و ابن البرّاج باستحبابه و اختاره المصنف و لعل المستند فيه ما قال ابن بابويه في الفقيه

و روي أنّ من قصد إلى رؤية مصلوب فنظر إليه وجب عليه الغسل عقوبة

قال المحقّق بعد نقل هذه الرّواية و لم يثبت عندي ما ذكره (رحمه اللّٰه) و بالجملة مستند الوجوب غير واضح لعدم ثبوت صحّة الرؤية عدم وضوح كون المراد بالوجوب معناه المصطلح و لا يبعد القول بالاستحباب للرّواية المذكورة و لا فرق بين المصلوب الشرعي و غيره و لا بين أن يكون مصلوبا على الهيئة المعتبرة شرعا و غيره عملا بإطلاق الدّليل

و للتّوبة سواء كانت عن فسق أو كفر و التقييد بالفسق في كثير من عبارات الأصحاب يقتضي خروج الصّغائر و صرح المفيد بالتقييد بالكبائر و قال المصنّف في المنتهى سواء كان الفسق مشتملا على صغيرة أو كبيرة و الأصل في هذه المسألة ما روى

الشيخ و الكليني و الصدوق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أن رجلا جاء إليه فقال له إنّ لي جيرانا و لهم جوار يتغنّين و يضربن بالعود فربما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعا مني لهنّ فقال له (عليه السلام) لا تفعل فقال و اللّٰه ما هو شيء آتيه برجلي إنما هو سماع أسمعه بأذني فقال الصّادق (عليه السلام) تاللّه أنت أ ما سمعت اللّٰه يقول

إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا

فقال الرجل كأني لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّٰه عز و جل من عربي و لا عجمي لا جرم أني قد تركتها فإني أستغفر اللّٰه فقال له الصّادق (عليه السلام) قم فاغتسل و صلّ ما بذلك فلقد كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك استغفر اللّٰه و اسأله التّوبة من كل ما يكره فإنّه لا يكره إلّا القبيح و القبيح دعه لأهله فإن لكل أهلا

قال المحقّق بعد نقل الرّواية و هذه مرسلة و هي متناولة لصورة معيّنة فلا يتناول غيرها و العمدة فتوى الأصحاب مضافا إلى أن الغسل جبر فيكون مرادا و لأنه تقال لغسل الذّنب و الخروج من دنسه انتهى

و صلاة الحاجة و صلاة الاستخارة ليس المراد أي صلاة أوقعها المكلف لهذين الأمرين بل صلوات مخصوصة و رد النّص باستحباب الغسل قبلها أو بعدها و هي مذكورة في مظانها

و غسل دخول الحرم و المسجد الحرام و مكة و الكعبة و المدينة و مسجد النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله)للنص في الجميع

و لا يتداخل

أي لا يتداخل هذه الأغسال بأن يكفي غسل واحد عند اجتماع سببين أو أكثر من أسباب الغسل و إلى هذا ذهب جماعة من الأصحاب منهم المصنّف استنادا إلى أن كل واحد منها سبب مستقل في استحباب الغسل و الأصل عدم التداخل و التداخل في بعض الصور على خلاف الأصل خارج عن هذا الحكم بدليل مختص به و لاعتبار نية السّلب

و لا يخفى ضعف هاتين الحجتين لأنا لا نسلم أن الأصل عدم التداخل و قد تحقّق عندي في الأنظار الأصوليّة بطلان التمسّك بأمثال هذه الأصول و سيجيء إشارة إليه في مباحث المياه في مسألة تطهير المضاف مع أنه تقدير التسليم معارض بأصل عدم تعلق التكليف بالأمر الزائد و لا حجة على اعتبار نية السّبب مع مخالفته لأصل عدم الوجوب على أنّ هذا لا يقتضي عدم التداخل لجواز الجمع في النيّة و تفصيل المسألة و تحقيقها أنه إذ اجتمع على المكلّف غسلان فصاعدا فإمّا أن يكون الكل واجبا أو مستحبّا أو يكون بعضها واجبا و بعضها مستحبّا فهاهنا أقسام ثلاثة

الأوّل أن يكون الكل واجبا و حينئذ فإن قصد الجميع في النيّة فالظاهر إجزاؤه عن الجميع و إن لم يقصد تعيينا أصلا بل نوى مطلقا من غير قصد حدث معينا كالجنابة أو الحيض مثلا فالظاهر إجزاؤه عن الجميع إن تحقّق ما يعتبر في صحّة النيّة من القربة و غيرها إن قلنا باعتبار أمر زائد على القربة و إن قصد حدثا معيّنا فإن كان الجنابة فالمشهور بين الأصحاب إجزاؤه عن غيره بل قيل إنّه متّفق عليه و إن كان غيرها ففيه قولان و الأظهر أنّه كالأوّل و ظاهر القول بعدم التداخل عدم الإجزاء مطلقا

و قال المصنّف في النهاية و إن نوى الأدون كالحيض فالأقوى عدم ارتفاع الجنابة فإن رفع الأدون لا يستلزم رفع الأعلى فإن اقترن بالوضوء احتمل رفعها لوجود مساوي الغسل للإذن في الدخول في الصّلاة معهما و عدمه فإن الوضوء لا تأثير له في رفع حدث الجنابة و لا غسل الحيض لقصوره و يحتمل قوة الحيض لافتقاره في رفعه إلى طهارتين و استغناء الجنابة عن أحدهما انتهى كلامه

و لا يخفى أن الاستناد إلى مثل هذه التعليلات الاعتباريّة في الأمور الشرعيّة ممّا يخالف طريقة أصحابنا المتمسّكين بالنّصوص المحترزين عن التعويل على الأقيسة و الاستحسانات و الاعتبارات العقليّة و لعلّ غرض المصنف و من يحذو حذوه في إيراد أمثال هذه التعليلات و أضعف منها بمراتب في كثير من المباحث الشرعية مجرد إيراد نكتة من غير تعويل عليه أو استناد في الحكم إليه أو الغرض الرد على العامة جريا على مقتضى أصولهم لكن لا يجري هذان التّوجيهان في كثير من المواضع و هم أعرف بمقاصدهم و أغراضهم

لنا على ما ذكرنا و رجّحنا أن مقتضى التكليف الاغتسال بعد حصول السّبب كالحيض و الجنابة و يصدق على الغسل الواحد له اغتسال بعد حصول الحيض فيحصل امتثال كلا التكليفين المقتضي للإجزاء عن الجميع و ليس مقتضى التكليف الاغتسال بعد حصول السبب اغتسالا مغايرا لاغتسال الذي به تمثيل المكلف الآخر إذ في ذلك خروج عن إطلاق الأمر إلى التقييد و التخصيص من غير حجة و التحقيق يدفعه

و لنا أيضا ما رواه

الكليني عن زرارة في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك إلى أن قال: إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك

9

للجنابة و الجمعة و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزيارة و إذا اجتمعت عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد ثم قال: و كذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها و إحرامها و جمعتها و غسلتها من حيضها و عيدها

و ربما يظن أنّ عدم التصريح باسم الإمام المروي عنه في أمثال هذه الأخبار موجب لضعفها و الحق أن الأمر ليس كذلك لأن الماهر المتصفح يعلم أن زرارة و أمثاله لا يروون إلا عن الإمام (عليه السلام) و أن قدماء الأصحاب لا يروون في كتبهم و مصنّفاتهم التي يعولون عليها و يبنون أحكامهم عليها إلا ما روي عن المعصوم (عليه السلام) و الأمر الذي صار سببا لعدم التصريح باسمهم (عليهم السلام) في كثير من المواضع أن كثيرا من مصنفي كتب أخبارنا القديمة كانوا يروون عن الأئمّة (عليهم السلام) مشافهة و يوردون جملة ما يروونه في كتبهم في مقام واحد و إن كانت الأحكام التي فيها مختلفة و يصرّحون في أوّلها باسم الإمام الذي أسندت تلك الأخبار إليه و يكتفون في الباقي بالإضمار فيقولون و سألته أو قال و نحو ذلك إلى أن ينتهي الأخبار المروية عنه و كثير من القدماء أيضا وافقهم على نقل تلك الأخبار على الوجه الذي نقل في الأصل الأوّل ثم طرأ على تلك الأخبار النقل إلى كتب أخرى تخالف تلك الكتب بحسب الغرض و الترتيب و الأبواب و تقطعت بعض تلك الأخبار عن بعض و تفرقت على الأبواب و المباحث التي رتب الكتاب الأخير عليها و أورد الناقل تلك الأخبار على الوجه الذي في الكتاب الأول بعينه من الإضمار و الإجمال و غفل عن وقوع الالتباس بسببه لزوال الارتباط الذي يحسن ذلك بسببه فصار هذا سببا للأمر المذكور

و لكن الأمر غير خفي على المتصفح عند إمعان النظر و إذ قد عرفت أنّ غاية ما يحصل من البحث و النظر في أكثر المواضع الظن بالحكم لم تكن الاحتمالات البعيدة قادحة في حصول الغرض فينبغي أن يحفظ ما ذكرنا في المباحث الآتية على أنه قد أورد هذا الخبر ابن إدريس في آخر السّرائر في جملة الأحاديث المنتزعة من كتب المشيخة المتقدّمين فأورد هذه الرّواية فيما نقل من كتاب حريز بن عبد اللّٰه السجستاني قال نقلا عن الكتاب المذكور

و قال زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) إذا اغتسلت

إلى آخر الحديث فعلى هذا يكون الخبر صحيحا لأن كتاب حريز أصل معتمد معمول عليه بين الأصحاب

و أورد الشيخ في التهذيب هذا الخبر عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) بأدنى تفاوت في المتن بإسناد فيه عليّ بن السّندي و هو ممّن لم يصرّحوا بتوثيقه إلا أن الكشي نقل عن نصر بن الصّباح توثيقه و نصر بن الصّباح غالي المذهب غير موثق في كتبهم إلا أنّ الكشي كثيرا ما ينقل عنه الكلام في الرجال و فيه إشعار باعتماد ما على قوله و مع ذلك يشكل التعويل على مجرّد توثيقه و يفهم من كلام المصنف أنه زعم الاتحاد بين عليّ بن السندي و علي بن السري و حكم بتعديل عليّ بن السّري و نقله عن النجاشي و ابن عقدة

و في عبارة التهذيب و السّرائر بدل الحجامة الجمعة و لعلّ عبارة الكافي تصحيف و أورد ابن إدريس هذا الخبر من كتاب النوادر لمحمد بن عليّ بن محبوب أيضا بصورة ما ذكره الشيخ إلا في قوله

فإذا اجتمعت للّه عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد

فإنه ذكره هكذا

فإذا اجتمعت لك و عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد

و حكى ابن إدريس بعد إيراد الحديث من كتاب النوادر زيادة هذه صورتها و قال زرارة حرم اجتمعت في حرمة يجزيك لها غسل واحد و لعلّه من كلام زرارة و كأنّها مستفادة من حديث الميّت الآتي و كأن الحرمة هاهنا بمعنى الحقّ و يحتمل أن يكون قوله لك إشارة إلى المندوب و عليك إشارة إلى الواجب و ذكر ابن إدريس أن نسخة كتاب النوادر الّتي نقل الأحاديث منها بخطّ الشيخ أبي جعفر الطوسي و يشهد لما ذكرناه ما رواه

الكليني عن جميل بن درّاج بإسناد فيه عليّ بن حديد و في شأنه تأمّل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه في ذلك اليوم

و ما رواه

الشيخ عن زرارة في الصحيح قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ميت مات و هو جنب كيف يغسل و ما يجزيه من الماء قال يغسل غسلا واحدا يجزي ذلك للجنابة و لغسل الميّت

لأنّهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة و

عن شهاب بن عبد ربّه في الحسن قال سألت أبا عبد اللّٰه عن الجنب أ يغسل الميّت أو من غسل ميتا أ يأتي أهله ثم يغتسل قال هما سواء لا بأس بذلك إذا كان جنبا غسل يديه و توضأ و غسل الميّت و هو جنب و إن غسل ميتا ثم أتى أهله توضأ ثم أتى أهله و يجزيه غسل واحد لهما

و الاشتهار بهذا الخبر على المطلوب إنما يتم على القول بوجوب غسل الميّت

و ما رواه

الشيخ عن زرارة في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إذا حاضت المرأة و هي جنب أجزأها غسل واحد

و

عن أبي بصير في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سئل عن رجل أصاب من امرأته ثم حاضت قبل أن تغتسل قال تجعله غسلا واحدا

و

عن عمّار السّاباطي في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل أن تغتسل قال إن شاءت أن تغتسل فعلت و إن لم تفعل ليس عليها شيء فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض و الجنابة

و

عن حجاج الخشاب في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه عن رجل وقع على امرأته فطمثت بعد ما فرغ أ تجعله غسلا واحدا إذا طهرت أو تغتسل مرتين قال تجعله غسلا واحدا عند طهرها

و

عن عبد اللّٰه سنان بإسناد فيه محمد بن عيسى عن يونس و فيه توقف عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن المرأة تحيض و هي جنب هل عليها غسل الجنابة قال غسل الجنابة و الحيض واحد

و لا يضر اختصاص هذه الأخبار بالجنابة و الحيض إذ الظّاهر عدم القائل بالفصل و الأخبار الكثيرة الدالة على أنّ الميّت الجنب يغسل غسلا واحدا لا يخلو عن تأييد ما للمطلوب و تدل على الإجزاء عن الجنابة و إن قصد غيرها قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا فإن المراد بالاطهار الاغتسال و الظاهر أنّ نية كونه للجنابة ليس معتبرا في حقيقته و لهذا التقريب يمكن الاستدلال عليه بقوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا لصدق الاغتسال

و يدل عليه عموم الأخبار الواردة في بيان غسل الجنابة من غير تقييد و العمومات الدالة على جواز الدخول في الصّلوة بعد الغسل من غير تقييد بناء على ما ذكرنا من تحقق الاغتسال مطلقا و قد يستشكل الحكم بالإجزاء في صورة تعيين أحد الأحداث بناء على اتحاد معنى الحدث و عدم القصد إلى رفعه و فيه أنا لا نسلم اشتراط نية رفع الحدث المطلق في حصوله على أن لقائل أن يقول نية رفع حدث الجنابة مثلا يستلزم حصوله

لقوله (عليه السلام) إنّما لكل امرئ ما نوى

و هو يستلزم رفع الحدث بل عينه لاتحاد معنى الحدث كما ذكر و بالجملة الحدث معنى واحد كما ذكره و تلك الأسباب معرفات له فملاحظة الحدث وصف كونه معلولا عن سبب معين يخرجه عن حقيقته و الأمثل الإعراض عن هذه الوجوه إلى النصوص

الثاني أن تكون الأغسال كلها مستحبة و لا يبعد القول بالتداخل سواء قصد الأسباب بأسرها أم لا لصدق الامتثال و دلالة بعض الأخبار السابقة عليه و ما قال المحقق من أنه يشترط نية السبب في الغسل المستحب فدليله غير واضح و الأصل عدم الاشتراط

و ذهب المصنف في النّهاية و التذكرة إلى أنه لو نوى غسلا معيّنا لم يدخل غيره فيه و لو نوى بالواحد الجميع فالوجه الإجزاء و الأقرب ما ذكرناه

الثالث أن يكون بعضها واجبا و بعضها مستحبّا كما لو اجتمع مع غسل الجنابة مثلا غسل مندوب أو أغسال مندوبة فإن نوى الجميع أجزأه غسل واحد و كذا لو نوى الجنابة دون غسل الجمعة كذا ذكره الشيخ في الخلاف و المبسوط منعه المصنف و استشكله المحقق من حيث إنه يشترط نية السّبب و فيه المنع السّابق و الأقرب مختار الشيخ لبعض الأدلة السّابقة

أمّا لو نوى الجمعة مثلا دون الواجب فقال الشيخ إنه لم يجزه لأنه لم ينو الجنابة فيكون حدثه باقيا و لا يجزيه عن الجمعة لأن المراد به التنظيف و هو لا يحصل مع بقاء الحدث و هذا هو المشهور و فيه نظر لدلالة بعض الأخبار السابقة و صدق الامتثال على الإجزاء عنهما و يدل عليه ما روى ابن بابويه في الفقيه أن من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل

10

حتّى خرج شهر رمضان أنّ عليه أن يغتسل و يقضي صلاته و صومه إلّا أن يكون قد اغتسل للجمعة فإنه يقضي صلاته و صومه إلى ذلك اليوم و لا يقضي ما بعد ذلك مع أنه (رحمه اللّٰه) ضمن في أول الكتاب أن لا يورد فيه إلّا ما يحكم بصحّته و يعتقده حجة بينه و بين ربه و هذا يقتضي في الجملة نوع قوة في الخبر خصوصا إذا كان في أوائل كتابه

احتج المصنف على عدم التداخل في صورة اجتماع الواجب و الندب بوجهين

الأول أن غسل الجنابة واجب فالفرد الذي يأتي به إن قصده واجبا لم يجزئ من الجمعة و إن قصده مستحبا لم يجزئ عن الجنابة و إن جمع بينهما يلزم اعتقاد النقيضين و قد يقال نية الوجوب يستلزم نية النّدب لاشتراكهما في ترجيح الفعل و لا يضر اعتقاد منع الترك لأنه مؤكد للغاية و هو ضعيف لأن المباينة و التضاد بين الواجب و النّدب ممّا لا خفاء فيه و ربما يتوهم إمكان اجتماع جهة الوجوب و الندب في شيء واحد من جهتين بمعنى أن يكون شيء واحد فردا للطبيعة التي تعلق بها التكليف الإيجابي مع كونه فردا للطبيعة التي تعلق بها التكليف الاستحبابي إلّا أن يكون ذلك الفرد متصفا بالجهتين معا في نفسه فإذا أتى المكلف بالفرد المذكور يحصل امتثال كلا التكليفين

و فيه نظر إذ الطبيعة إنّما تكون متعلقة للتكاليف باعتبار اتحادها مع أفرادها في الخارج فإذا تعلّق التكليف الاستحبابي بطبيعة كان معناه في الحقيقة يرجع إلى أن ما يصدق عليه هذه الطبيعة يستحبّ فعله و يجوز تركه فلو كان بعض أفرادها مما لا يجوز تركه لم يكن القدر المشترك بين تلك الأفراد جائز الترك فلا يتعلق به التكليف الاستحبابي هذا خلف فإذا لا يجوز أن يكون الأمر الذي لا يجوز تركه فردا للطبيعة المستحبة

نعم يمكن أن يكون أمر واحد فردا للطبيعة المستحبة و فردا للطبيعة الواجبة فردا يجوز تركه بأن يأتي بفرد آخر لا مطلقا و محلّ البحث خارج عن هذا القسم فتدبر

و الأقرب أن يقال لما دل الدليل على إجزاء غسل واحد عنهما يلزم أن يقال إحدى الوظيفتين يتأدى بالأخرى بمعنى أنه يحصل له ثوابها و إن لم يكن من أفرادها حقيقة كما تتأدّى صلاة التحية بالفريضة و الصوم المستحبّ بالقضاء أو يقال ما دل على استحباب غسل الجمعة مخصّص بصورة لا يحصل سبب الوجوب و المراد من كونه مستحبا أنه مستحب من حيث كونه غسل الجمعة يعني مع قطع النظر عن طريان العارض المقتضي للوجوب

الثاني

قوله (عليه السلام) إنّما لكل امرئ ما نوى

و الجواب أنّ هذه الرّواية مع إجمالها مخصّصة بالأخبار السّابقة الدالة على التداخل جمعا بين الأدلة و إن نوى المكلف الفعلي من غير تعيين الأسباب كلا أو بعضا فالقول بالإجزاء غير بعيد لعموم الأدلة السالفة و عدم انتهاض دليل على اشتراط نيّة السّبب

و قال المصنّف في النهاية فإن نوى مطلق الغسل على وجه الوجوب انصرف إلى الواجب و إن نوى المطلق و لم يقيد بوجه الوجوب فإن شرطنا في الندب نية لم يقع عن أحدهما

و التيمم

يجب للصّلاة و الطواف الواجبين

لاشتراطهما بالوضوء أو الغسل و كون التيمم بدلا عنهما

و لخروج الجنب من المسجدين

وجوب التيمم للخروج و تحريمه بدونه مشهور بين الأصحاب بل قال المصنف في المنتهى إنه قول علمائنا و قال المحقق في المعتبر هذا مذهب فقهائنا و مستنده الإجماع منا على تحريم المرور في المسجدين للجنب

و حكى في الذكرى عن ابن حمزة القول بالاستحباب و الأول أقرب و الأصل في هذا الباب ما رواه

الشيخ عن أبي حمزة في الصحيح قال قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان الرّجل نائما في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله)و سلم فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم و لا يمر في المسجد إلّا متيمما و لا بأس أن يمرّ في سائر المساجد و لا يجلسان فيها

وجه الدلالة على ما اخترناه إما كون الأمر للوجوب إن قلنا بذلك في أخبارنا مطلقا أو بمعونة انضمام الشّهرة و إمّا أن مقتضى الأدلة المنع من كون المجنب في شيء من المسجدين مطلقا و الخبر المذكور دل على جواز الكون المقارن للتيمّم و الخروج بعده فبذلك تخصص العمومات و يبقى سائر الأكوان مندرجا تحت عموم المنع و يلزم من ذلك وجوب التيمّم

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل ظاهر جماعة من الأصحاب وجوب التيمم و إن أمكن الغسل و ساوى زمانه زمان التيمّم أو قصر عنه و به صرّح المدقق الشيخ علي و اختاره بعض المتأخرين و خالف فيه جماعة من الأصحاب منهم الشهيد في الدروس و الشارح الفاضل في جملة من كتبه فإنهم ذهبوا إلى تعيين الغسل عند إمكانه و تساوي زمانه الزمان التيمم أو نقصه عنه و حصول الأمن من تلويث المسجد و الآية و احتمل في الذكرى تقديم الغسل مطلقا عند إمكانه و كذا الشارح الفاضل في شرح الشرائع من غير تقييد بالقصور أو المساواة و قال في شرح هذا الكتاب و إنّما قيد جواز الغسل في المسجد مع إمكانه بمساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه مع أن الدليل يقتضي تقديمه مطلقا مع إمكانه لعدم العلم بالقائل تقديمه مطلقا و إلّا لكان القول به متجها ففي هذه المسألة وجوه ثلاثة و الأقرب عندي الأوسط

و يدلّ عليه أن فرض تحقق الماء في المسجد و إمكان الاغتسال من غير حصول تلويث المسجد الآية مع قصور زمانه عن زمان التيمم أو مساواته له نادر بحسب العادة و المتعارف جدّا بل هو مجرد فرض عقلي و التتبع التام كاشف عن أن الأخبار الواردة عن الأئمّة (عليهم السلام) مبني على المتعارف المعتاد و ليس نظرهم (عليهم السلام) في أحكامهم على الفروض النادرة و الاحتمالات البعيدة

إذا عرفت هذا فاعلم أن في صورة إمكان الغسل مع الأمن من التلويث لا يصح الاستناد إلى الخبر الدال على التيمم في إيجابه فحينئذ إن كان زمان الغسل قاصرا عن زمان التيمم لزم عليه الغسل لا يخلو إما أن يجب عليه حينئذ الغسل أو التيمم أو يجوز له الخروج بدون شيء منهما لا سبيل إلى الثالث للإجماع عليه و لأن اقتضاء التمكن من الغسل جواز الخروج بدون الأمرين بعيد جدا فثبت وجوب المكث عليه بمقدار الغسل أو التيمّم

و لما ثبت بالأدلة تحريم اللبث في المسجد مطلقا كان جوازه متقدرا بقدر الضرورة و اقتضاء الدّليل و هو الاقتصار على القدر الأقل و هو زمان الغسل و بهذا ثبت المطلوب و إن كان زمان الغسل مساويا لزمان التيمم فالأمر فيه كالسّابق لأنه يجب عليه حينئذ على ما بيّناه أحد الأمرين من الغسل أو التيمم إمّا على سبيل التخيير أو على سبيل التعيين لا وجه لتعيين التيمم لعدم الدليل عليه فثبت جواز الغسل

و إذا ثبت جوازه يلزم وجوبه لأن الغسل يقتضي ارتفاع حدث الجنابة ففي زمان الخروج ليس بجنب يقينا و أما التيمم فلا يقتضي ذلك يقينا فلا يحصل اليقين لعدم جنابته في زمان الخروج و النهي عن الكون في المسجد مجنبا يقتضي تحصيل البراءة اليقينية فيجب الاقتصار على ما تحصل به و إن كان زمان الغسل أكثر من زمان التيمّم تعيّن التيمّم سواء كان زمان الغسل أكثر من زمان التيمم مع زمان الخروج أم لا

أما الأول فظاهر لأنّ الّذي ثبت بالدليل وجوب أحد الأمرين من التيمم أو الغسل فيجب الاقتصار على أقلهما لبثا

و أما الثاني فلأن الكون الزائد على مقدار التيمم مما يتعذر له الغسل مع حصول الاضطرار إليه فيستباح بالتّيمّم بناء على ما سيجيء في محله من أن التيمم يبيح ما يبيح المائية عند تعذرها فالتيمم موجب لقلة الكون المحرّم

لكن لا يخفى أن في صورة يكون زمان الغسل أكثر من زمان التيمم لكن يكون مساويا لزمان الخروج يحتمل جواز الغسل بعد التيمم و لا يبعد عدم جوازه و وجوب الخروج

أما إذا أمكن الغسل خارج المسجد ترجيحا للاجتياز على اللّبث و في صورة يكون زمان الغسل أكثر من زمان التيمم و أقل من زمان الخروج يحتمل وجوب الغسل بعد التيمم لأن تكون الزائد على زمان الغسل المشتمل عليه الخروج ممّا يمكن الغسل له فيجب

و يحتمل التخيير بين الغسل و الخروج أو وجوب الخروج في صورة التمكن من الغسل خارجا ترجيحا للاجتياز الكثير على اللبث القليل ثم ما ذكرناه من التفاصيل إنما يتجه إذا كان كل واحد من الغسل أو التيمم متضمّنا للبث و أمّا إذا كان أحدهما متضمنا للبث و أمكن الآخر على سبيل الاجتياز فيحصل في الأحكام المذكورة نوع شكّ مثلا أمكن التيمم اجتيازا في زمان الخروج و لا يمكن الغسل إلا مع اللبث و كان

11

زمان الغسل قاصرا عن زمان التيمّم

بيانه أنّ الظاهر من الأدلة تعلق تكليفات ثلاثة بالنسبة إلى المجنب النهي عن كونه في المسجدين و النهي عن لبثه فيه لاندراجه في العمومات الدالة على النهي عن لبث الجنب في المسجد مطلقا و النهي عن اجتيازه في المسجدين ففي الصّورة المذكورة اختيار الغسل يوجب قلة التخصيص فيما دل على الأول و الثالث دون الثاني و في اختيار التيمم ينعكس الأمر

و يعضد الأوّل أولوية اختيار قلة التخصيص فيما يدل على الأكثر من تكليف واحد

و الثاني كثرة ما دلّ على النهي عن اللّبث و أولويّة اختيار قلة التخصيص في العقل و بالجملة للتأمّل في هذا المقام نوع وجه

و قد يستدل على هذا القول بحمل الخبر الدالّ على التيمم على الغالب من عدم إمكان الغسل أو حصول التلويث به جمعا بينه و بين ما دل على اشتراط فقد الماء في صحة التيمّم و ظاهره تسليم كون ظاهر الخبر العموم و فيه نظر لأنه على تقديره اختيار عموم الخبر لو سلّم وجود أمر دال بظاهره على اشتراط عدم الماء في صحّة التيمّم مطلقا سواء كان لصلاة واجبة أم لا قلنا كون الجنب في المسجد محرّم فيما عدا الكون بمقدار التيمم المخرج عن العمومات بمقتضى الخبر المذكور لعدم الدليل على خروج زمان الغسل عن العمومات حينئذ إذ لا دليل على تسويغ الكون بمقدار زمان الغسل و إخراجه عن العمومات إلا الاضطرار إلى كون ما فيلزم وجوب الغسل في صورة قصور زمانه عن الزمان الخروج و جوازه في صورة المساواة مع تأمّل فيهما

أو دوران الأمر بينه و بين التيمم لعدم جواز الخروج بدونهما فيلزم الغسل في صورة مساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه

و حيث سلّم عموم ما دل على وجوب التيمم لا يتجه شيء من الأمور المذكورة للغسل بل كان عموم ما دل على النهي عن الكون في المسجد بالنسبة إلى الغسل سالما عن المعارض العقلي و النقلي فلا مقتضي لجوازه حينئذ فيلزم تحقق شرط التيمم و هو عدم التمكن الشرعي من استعمال الماء حجة القول الأول النظر إلى عموم الخبر ظاهرا

الثّاني إطلاق كلام المصنف يقتضي عدم الفرق بين المحتلم و غيره سواء أجنب في المسجد أو دخل فيه مجنبا و به صرّح بعض الأصحاب و علل ذلك باشتراك الجميع في العلّة و هو تحريم قطع شيء من المسجد جنبا مع إمكان الطهارة و بعدم تعقل الفرق بين المحتلم و غيره و فيه تأمّل لتحريم لبث الجنب في المسجد بمقتضى الأخبار خرج عنه المحتلم بمقتضى النص السّابق فيبقى غيره مندرجا تحت المنع و ليس ما ذكره من العلّة منصوصة حتى ينسحب في غيره فيكون الحكم بالتشريك من القياس الممنوع منه و عدم ظهور الفرق لا يقتضي عدمه في الواقع

نعم لو أمكن التيمم في أثناء الخروج من غير استلزامه لزيادة الكون لا يبعد وجوبه لقطع بقية الطريق و كذا لو كان زمان المكث الحاصل في التيمم أقل من زمان الخروج مع تأمّل في الأخير

الثالث هل يبيح هذا التيمم الصّلاة و غيرها ممّا يشترط فيه الطهارة قيل لا لوجوب الخروج عقيبه متحرّيا أقرب الطرق

و ذكر الشارح الفاضل هاهنا تفصيلا ملخّصه أن الغسل إما أن يكون ممكنا في المسجد أم لا فإن كان ممكنا و قلنا بتقديم التيمم على الغسل لم يصح الدّخول به في الصّلاة للإجماع على عدم إباحة الصّلوة بالتيمم مع التمكن من الغسل و إن لم يمكن في المسجد فإن كان ممكنا خارج المسجد فالوجه أيضا عدم إباحته الصّلاة لأنّ وقوعها في المسجد ممتنع لوجوب المبادرة إلى الخروج و بعد الخروج متمكن من الغسل فيفسد التيمّم و إنّما شرع التيمم في المسجد لاحتياج الخروج إلى الطهارة مع عدم إمكان الغسل له و إن لم يكن الغسل ممكنا خارج المسجد

فالوجه أن هذا التيمم مبيح للصّلاة و غيرها لعدم المانع فإن التيمّم مع تعذّر المائية يبيحه ما تبيحه إلّا على قول ولد المصنف من عدم إباحة دخول المساجد مطلقا بالتيمّم و سيأتي بطلانه و نمنع حينئذ وجوب المبادرة إلى الخروج و تحري أقرب الطرق لأنّ ذلك مشروط بإمكان الغسل خارجا جمعا بين قولهم هنا و قولهم أنّ التيمم يبيح ما تبيحه المائية و من جملته اللبث و الصلاة انتهى ملخص كلامه

و فيه نظر و الصّواب أن يقال لا يخلو إمّا أن يكون الغسل في زمان التيمم ممكنا في المسجد أم لا فإن كان ممكنا و قلنا بتقديم التيمم فلا يخلو إما أن يكون ممكنا في المسجد بعد الفراغ من التيمم أيضا أم لا فإن كان ممكنا بعد الفراغ من التيمم لم يصح به الدخول في الصّلاة لا يخلو إما أن يكون ممكنا خارج المسجد أيضا أم لا و على التقديرين صحّ ما ذكرنا

أمّا على الأول فلأنه متمكن من الغسل فلا يجوز له الصّلاة بالتيمم

و أما على الثاني فلأن الكون في المسجد بمقدار الغسل صار مباحا له بسبب التيمم لتعذر الغسل لهذا الكون تعذرا مسوغا للتيمم فصار متمكنا من الغسل فلا يجوز له الصّلاة بالتيمم و على التقدير الأول لم يجز له الكون الزائد على الخروج متحريا أقرب الطرق لعموم النهي عن كون الجنب في المسجد إلا ما خرج بدليل و هو الكون بمقدار الخروج

و على التقدير الثاني جاز له الكون بقدر زمان الغسل بسبب التيمم و إن لم يكن ممكنا في المسجد بعد الفراغ من التيمم فلا يخلو إما أن يكون ممكنا بعد الفراغ من التيمّم خارج المسجد أم لا و على الأول لم تصح الصّلاة به لما ذكر و لا الكون الزائد على الخروج و على الثاني صحّت الصّلاة به و لم يجب عليه الخروج كما ذكره الشارح الفاضل و إن لم يكن الغسل ممكنا فلا يخلو إما أن يكون ممكنا بعد الفراغ منه في المسجد أم لا فإن كان ممكنا لم يصح الصّلاة به كما ذكر

و حكم الكون ما ذكر في الشق الأول و إن لم يكن بعد الفراغ منه ممكنا في المسجد فإما أن يكون ممكنا خارج المسجد أم لا و على الأول لم تصح الصّلاة به و لا الكون الزائد و على الثاني صحّت كما علمت

فظهر من هذا التفصيل أن كلام الشارح الفاضل (رحمه اللّٰه) لم يصح على إطلاقه لكنه (رحمه اللّٰه) نظر إلى أن الغالب عدم الانفكاك بين التمكن من الغسل في ابتداء التيمم و بعد الفراغ منه

الرّابع هل يلحق بالجنب الحائض قيل نعم استنادا إلى مرفوعة محمّد بن يحيى السّابقة و اختاره الشهيد و أنكره المحقق في المعتبر استضعافا للرواية و لأن التيمم طهارة ممكنة في حق الجنب عند تعذر الماء و لا كذلك الحائض فإنها لا سبيل لها إلى الطّهارة

و لعل غرضه من هذا التعليل نوع تأييد ثم أثبت الاستحباب و لعلّه بناء على المسامحة في أدلة السّنن

و اعترض الشهيد ره على ما ذكر من التعليل بأنه اجتهاد في مقابلة النص و بالمعارضة باعترافه بالاستحباب

و على ما ذكرنا يندفع ذلك

و في الذكرى نقل عن ابن الجنيد أنه إذا اضطر الجنب أو الحائض إلى دخول المساجد تيمما ثم قال: و يبعد إرادة منقطعة الحيض في الخبر و في كلامه و جاز أن يكون التيمم مبيحا لهذا و إن كان الحدث باقيا فإنه لا يرفع الحدث في موضع إمكانه بالمائية فكيف في موضع استحالته

ثم على القول بالإلحاق لا يبعد إلحاق النفساء كما صرح به الشارح الفاضل لكونها حائضا في المعنى دون المستحاضة

الخامس هل يستحب التيمم لباقي المساجد استقرب ذلك الشهيد في الذكرى لما فيه من القرب إلى الطهارة و لا يزيد الكون فيه عن الكون في التيمم في المسجد و ليس بجيّد لعدم النصّ و وجود الفارق فإن الجواز في المسجدين مشروط بالطهارة دون باقي المساجد فلا يصح ارتكاب اللبث المحرم في التيمم لأجل ما ليس فيه مشروطا به و استحباب الغسل للجواز في المساجد لا يستلزم المدعى كما لا يخفى

و النّدب لما عداه

لا يبعد القول ببدلية التيمم في كل موضع يحتاج إلى الطهارة للرّوايات الصّحيحة الدالة على كون التراب طهورا و كونه بمنزلة الماء و كونه أحد الطهورين و ما ثبت توقفه على نوع خاص منها لا على مطلق الطهارة ففيه إشكال و سيجيء الكلام في تحقيقه في مبحث التيمم و في بدليته للأغسال المستحبّة مطلقا إشكال

و حكم الشارح الفاضل بالاستحباب على القول بكونها رافعة للحدث و لا يخفى أن ظاهر كلام المصنف هنا يقتضي عدم وجوب التيمم لمسّ كتابة القرآن و دخول المساجد عند تعذر الغسل و هو خلاف لما صرّح به في غير هذا الكتاب

و قد تجب الثلاثة بالنذر و شبهه

كاليمين و العهد على شرائطها المذكورة في مواقعها

و يشترط في انعقاد نذر كل واحد منها الرجحان على المشهور من اشتراط رجحان المنذور في انعقاد النذر و لو نذر الوضوء فهل ينصرف إلى وضوء يكون رافعا للحدث

12

أو مبيحا للصّلاة على القول بعدم حصول ذلك في مطلق الوضوء أم لا بل يعم الوضوء مطلقا

فيه وجهان أقواهما الثاني فعلى الثاني ينعقد نذر الوضوء في زمان معيّن و إن لم يكن محدثا فيه نعم يشترط صحّته و مشروعيته فلا ينعقد نذره مع غسل الجنابة و ما قيل من انعقاد نذر الوضوء دائما محل التأمّل و على الأول فإن كان محدثا فالأمر فيه واضح و إن كان متطهرا فالذي ذكره الشارح الفاضل أنه لم يجب عليه الوضوء لامتناع تحصيل الحاصل و لا الحدث لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب المشروط و يتوجه عليه المنازعة في كون الوضوء الرافع مستحبا مشروطا

بل يقال إنه مستحب مطلق و الحدث شرط لوجوده لا لاستحبابه على أنّ الوضوء مستحب مطلق و الوضوء الرافع فرد منه فلو نذره وجب لكونه فردا للوضوء المطلق الراجح مطلقا و لا يشترط كون الفرد من حيث الخصوص راجحا حتّى ينعقد نذره كما في الصّلاة في موضع لا مزية و لا بد لبيان الحقّ في هذا المقام و تحقيقه من تمهيد مقدمتين إحداهما أن المكلف إذا جمع بين مباح و مندوب مثلا في النذر و تعلق غرضه بالمجموع من حيث هو مجموع أو بكلّ واحد واحد على سبيل الاستغراق بأن يكون غرضا واحدا لا بكل واحد واحد على حدة فالظاهر عدم انعقاد النذر على القول باشتراط الرجحان في المنذور إما لأن عدم رجحان أحد الجزءين يستلزم عدم رجحان المجموع لا وجود له على حدة حتى يتصف بالرجحان أو عدمه

و ثانيهما أن الإتيان بالوضوء الرافع للحدث في الحقيقة ليس إلّا الإتيان بالحدث في زمان سابق في الواقع و الإتيان بالوضوء في زمان لاحق لأن الوضوء الموصوف بهذا الوصف مسبّب عن الأمرين المذكورين و التكليف بالمسبّب تكليف بأسبابه حقيقة على ما تبيّن في محلّه

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المكلف إذا نذر الوضوء في زمان معين لم يكن محدثا فيه فمتعلق النذر حقيقة الحدث في زمان سابق في الواقع و الوضوء في زمان لاحق له كما ذكر في المقدمة الثانية و الحدث لا رجحان له لكونه مستلزما لتفويت الكون على طهارة في زمان ما و للأصل مع انتفاء الدّليل على رجحانه فلا يكون للمجموع رجحان

لا يقال الوضوء الرافع راجح و هو مما يتوقف على الحدث فيكون الحدث مصلحة راجحة لتوقف الأمر الراجح عليه لأنا نقول لا رجحان لخصوص الوضوء الرافع من حيث إنه رافع فتوقفه على الحدث لا يقتضي رجحانه و ذلك بناء على أنّ الرافعيّة خصوصيّة ملحقة بالوضوء إذا اتفق أن يكون بعد الحدث و انضمام هذا القيد إليه لا يوجب مزية رجحانه فما توقف هو عليه باعتبار هذه الخصوصيّة لا يكتب رجحانا باعتبار توقفها عليه لأن الموقوف عليه لخصوص الفرد الراجح لا يكون راجحا إلّا إذا كان للخصوصيّة رجحان أ لا ترى أن المشي إلى المواضع المكروهة ممّا يتوقف عليه الصّلاة فيها و هي فرد لطبيعة الصّلاة الراجحة مع أنه لا رجحان للمشي إلى تلك للواضع فإذن علم بما ذكرنا أنه لا ينعقد النذر المذكور بحيث يجب عليه وضوء رافع و لو اتفقت المرأة حائضا في الوقت المعيّن في النذر و حضر وقت صلاة بنى على الوجهين

و أمّا الغسل فإن قيده في نذره بأحد أسبابه انعقد و إن أطلقه أوقعه على أحد تلك الأسباب و إن قيده بزمان لم يوجد فيه شيء من أسبابه فيمكن أن يقال إن النذر باطل لأن الوجوب العارض بسبب النذر تابع لرجحان المنذور في نفسه و لما كان رجحان المنذور هنا رجحانا مشروطا مقيّدا بوجود السّبب كان الواجب أيضا كذلك فإذا لم يتحقق السّبب لم يكن هناك وجود بسبب النّذر أصلا

و يمكن أن يقال الغسل مثلا كغسل الجنابة راجح مطلقا و إن كان وجوده به مشروطا بوجود السّبب و تقريبه أن غسل الجنابة مثلا مستتبع لثواب مترتب على فعله و لما كان مشروعيته متوقفة على وجود السّبب كان وجود السّبب من حيث كونه مستتبعا لمشروعية غسل الجنابة المستتبع للثواب مصلحة راجحة و لكان مثل تحصيل النّصاب لأجل الزكاة

لكن هذا مبنيّ على عدم رجحان الغسل بدون السّبب أو مزية ثواب ذي السّبب على غيره و الأول ممّا قد اختلف فيه و الثاني ممّا أمكن النزاع فيه

و أما التيمم فلما مشروعيته مشروطة بعدم الماء أو عدم التمكن من استعماله كان ذلك شرطا في انعقاد نذره مع التعيين فإن لم يتفق ذلك بطل نذره و لم يجب عليه اتحاد السّبب لما مر و إن أطلق توقفه هذا مع تعيين إحدى الطهارات و مع الإطلاق فإن قصد المعنى الشرعي توقف على ثبوته و تعيينه و إن قصد المعنى الاصطلاحي بنى على تحقيق المعنى المنقول إليه اصطلاحا و قد اختلف فيه فمنهم من جعل الطهارة اسما لما يبيح العبادة من الأقسام الثلاثة دون إزالة الخبث و منهم من أطلقها على إزالة الخبث أيضا

و قد يقال ربما يظهر من كلام بعض المتقدّمين إطلاقها على مطلق الثلاثة سواء كانت مبيحة أم لا و الأكثرون على الأول و هل يحمل على المائية خاصّة أو الترابية أو التخيير فيه أوجه منشؤها أنّ إطلاق الطهارة على الأقسام الثلاثة إمّا بطريق الاشتراك أو التواطؤ أو التشكيك أو الحقيقة و المجاز

فعلى الأولين الثالث و كذا على الثالث على الأظهر و يحتمل انصرافه إلى الفرد الأقوى لأنه المتيقن و إلى الأضعف لأصالة البراءة من الزائد و الاحتمالان ضعيفان و على الرابع الأول لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة

النظر الثاني في أسباب الوضوء

و المراد بالسّبب هنا الوصف الدّال على المخاطبة بالطّهارة وجوبا أو ندبا و لو بالقوة لئلّا يخرج حدث الصّبي و المجنون و الحائض لأن التخلف لفقد الشرط أو وجود المانع لا يقدح في السّببيّة و السّبب أعمّ من الموجب لأن الإيجاب إنّما يكون عند المخاطبة بالواجب المشروط بالطهارة فيما يجب لغيره على المشهور أو عند وجوب السّبب فيما يجب لنفسه إلّا أن يراد بالموجب أعمّ من أن يكون موجبا بالفعل أو يكون من شأنه ذلك و هو خلاف المتبادر و كذا السّبب أعمّ من النّاقض لأن النقض يقتضي سبق الطّهارة فالتعبير عن الأحداث بالسّبب أولى و ممّا ذكرنا علم أن الفرق بين الموجب و النّاقض عموم من وجه

و كيفيته إنّما

يجب الوضوء

من البول و الغائط و الريح من الموضع المعتاد المراد به المخرج الطبيعيّ و وجوب الوضوء بهذه الأشياء ممّا لا خلاف فيه و تدل عليه الأخبار المستفيضة بل المتواترة و في حكم المعتاد لو اتفق المخرج في غيره لا أعلم فيه خلافا

و حكى المصنف في المنتهى الإجماع عليه و ألحق به الخارج من غير الطبيعي مع انسداده و ظاهر المصنف في المنتهى دعوى الإجماع عليه و إن لم ينسد الطبيعي فإن صار الخروج معتادا فالمشهور بين المتأخرين النقض مطلقا

و يظهر من المنتهى وجود الخلاف فيه و احتمل في النهاية عدم النقض به إذا خرج من فوق المعدة أو محاذيه و ذهب الشيخ إلى نقض ما خرج من تحت المعدة دون ما فوقه من غير استفصال و ذهب ابن إدريس إلى النقض مطلقا

و المسألة عندي محل التردد و احتج الشيخ بالآية و بعدم تناول الاسم لما خرج مما فوق المعدة و هو ضعيف لأن الآية تنصرف إلى المعنى المعهود المتعارف و عدم تناول الاسم ممنوع احتج ابن إدريس بالآية و هو أيضا ضعيف لما ذكرنا من انصرافها إلى المعهود المتعارف

فإن قلت قد روى الشيخ عن زرارة في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال لا يوجب الوضوء إلّا من الغائط أو بول أو ضرطة أو فسوة تجد ريحها و هذا الخبر و ما في معناه يدلّ على صحة قول ابن إدريس قلت ليس الناقض ذات الأحداث المذكورة بل وصف متعلق بها فينصرف إلى المعهود الغالب و هو خروجها على الوجه الطبيعي الشائع

فإن قلت قد دلت الأخبار الكثيرة على حصر الناقض فيما خرج من الطّرفين الأسفلين أو الذكر أو الدبر و فيه دلالة على عدم حصول النقض بغير ذلك إلّا في مواضع الإجماع فما وجه التردد في المسألة قلت قد أشرنا سابقا إلى أن التصفح كاشف عن أن النظر في الأحكام المودعة في الأحاديث المنقولة عن أصحاب العصمة (عليهم السلام) إنما هو مقصور على الشائع المتعارف لا على الفروض النادرة فلعل الحصر في الأخبار مبني على ذلك فلا يعلم منها حكم الفروض المذكورة فيبقى حكمها في معرض الجهل و الاشتباه

فإن قلت فإذن يرتفع حكم النقض عنها نظرا إلى أن الوضوء لا ينتقض إلّا باليقين بالحدث على

13

ما دل عليه بعض الأخبار الصّحيحة قلت الّذي أفهم من الخبر عدم حصول الانتقاض بالشك في ثبوت ما وجد كونه حدثا و لا يدخل فيه الشّكّ في حدثية ما يتيقن وجوده

و بالجملة الشك في المسألة ليس مقصورا فيه و سيجيء لهذا زيادة بيان في بعض نظائر هذه المسألة و بما ذكرنا يعلم أن اليقين ببراءة الذمة من التكليف الثابت يقتضي إيجاب الوضوء في الصّورة المذكورة لما ثبت من اشتراط الصلاة بالطهارة و الشك في بقائها في الصّورة المذكورة فتدبروا

اعلم أن الظاهر على القول باعتبار الاعتناء فيما خرج من غير المخرجين النظر إلى العرف لأنه المقول في أمثال هذه الأمور و حدده بعض الأصحاب بالمرتين و هو غير ثابت و قياسه على الحيض فاسد و في نقض الخارج لا على وجه الانفصال بأن تخرج المقعدة ملطخة بشيء من الغائط وجهان و التقييد بالمعتاد يخرج الريح إذا كان من الذكر و كذا من قبل المرأة و هو اختيار المصنف في المنتهى

و في التذكرة حكم بنقض الخارج من قبل المرأة لأن له طريقا إلى الجوف وفاقا للمعتبر و التعليل ضعيف و المسألتان محلّ التّردد لعدم النص

و النوم الغالب على الحاستين و هما السمع و البصر غلبة معطّلة لهما لا مطلق الغلبة و المعتبر في الغلبة التحقيقية عند السّلامة من الآفة و التقديرية مع عدمها و الظاهر أن القول ببطلان الوضوء بالنّوم في الجملة إجماعي نسبه المحقق في المعتبر إلى علمائنا أجمع و المشهور بطلان الوضوء به مطلقا

و نقل الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة عليه و نقل في التهذيب إجماع المسلمين على بطلان الوضوء بالنوم الغالب من غير استفصال و ذكر ابن بابويه في كتابه خبرا عن سماعة أنه سئل الرجل يحقق رأسه و هو في الصّلاة قائما أو راكعا فقال ليس عليه وضوء و رواية أخرى مرسلة عن الكاظم (عليه السلام) أنه سئل عن الرّجل يرقد و هو قاعد قال لا وضوء عليه ما دام قاعدا لم ينفرج قال في المختلف فإن كان هاتان الروايتان مذهبا له فقد صارت المسألة خلافية و الظّاهر أن الرّوايتين مذهب له بناء على ما قرّره في أول الكتاب

و لهذا نسب في المعتبر و التذكرة إلى ابن بابويه أنه قال إن النوم ليس بناقض إذا كان قاعدا لم ينفرج و نقل في المختلف عن علي بن بابويه أنه لم يعد النوم في النواقض و الأول أقرب لنا ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح قال قلت لأبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) ما ينقض الوضوء فقال ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر و الدبر من الغائط و البول أو مني أو ريح

و النوم حتى يذهب العقل و كل النّوم يكره إلّا أن تكون تسمع الصوت و عن زرارة في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال لا ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك أو النوم و عن زرارة في الصحيح قال قلت له الرّجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء فقال يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن فإذا نامت العين و الأذن و القلب وجب الوضوء

قلت فإن حرك إلى جنبه شيء و لم يعلم به قال لا حتى يستيقن أنّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بين و إلّا فإنه على يقين من وضوء به و لا ينقض اليقين أبدا بالشّك و لكن ينقضه بيقين آخر

و روى الكليني عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الخفقة و الخفقتين فقال ما أدري ما الخفقة و الخفقتان إنّ اللّٰه يقول بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ إن عليّا (عليه السلام) كان يقول من وجد طعم النّوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء قال الجوهري خفق الرجل أي حرك رأسه و هو ناعس و في الحديث كانت رءوسهم يخفق خفقة أو خفقتين

و روى الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل هل ينقض وضوؤه إذا نام و هو جالس قال إن كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه و ذلك أنه في حال ضرورة

ذكر الشيخ أن الخبر محمول على عدم التّمكن من الوضوء و أنّ عليه حينئذ التيمّم قال لأن ما ينقض الوضوء لا يختص بيوم الجمعة و الوجه فيه أنّه يتيمّم و يصلّي فإذا أنقض الجميع توضأ و أعاد الصّلاة لأنه إنما يقدر على الخروج من الرّحمة

قال بعض الأصحاب و فيما ذكره (رحمه اللّٰه) بعد و لعل الوجه في ذلك مراعاة التقيّة بترك الخروج للوضوء في تلك الحال أو عدم تحقّق القدر الناقض من النوم مع رجحان احتماله بحيث لو كان في غير الموضع المقروض لحسن الاحتياط بالإعادة و حيث إنه في حال ضرورة فالاحتياط ليس بمطلوب منه و عن عبد اللّٰه ابن المغيرة و محمد بن عبد اللّٰه قال سألنا الرضا (عليه السلام) عن الرّجل ينام على دابته فقال إذا ذهب النّوم بالعقل فليعد الوضوء

و في سند هذه الرّواية كلام مر ذكره في مثله في غسل الجمعة و روى ابن بابويه عن زرارة في الصحيح أنه سأل أبا جعفر و أبا عبد اللّٰه (عليهما السلام) عمّا ينقض الوضوء فقالا ما خرج من طرفيك الأسفلين الذكر و الدبر من غائط أو بول أو مني أو ريح و النوم حتى يذهب العقل

و روى الشيخ عن عبد الحميد بن عواض في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سمعته يقول من نام و هو راكع أو ساجد أو ماش على أي الحالات فعليه الوضوء و روى الشيخ عن زيد الشحام في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الخفقة و الخفقتان أن اللّٰه تعالى يقول بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ إن عليا (عليه السلام) كان يقول من وجد طعم النّوم فإنّما أوجب عليه الوضوء و تدل عليه صحيحة معمّر بن خلاد المذكورة في المسألة الآتية

و ممّا يدل عليه أيضا ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عبد اللّٰه الأشعري في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء إلا حدث و النوم حدث و أورد على هذا الحديث إشكال و هو أن صورته بحسب الظاهر قياس من الشكل الثاني و المقدّمة الأولى منه مركبة من مقدّمتين

إحداهما لا ينقض الوضوء شيء غير الحدث و الثانية ينقض الوضوء حدث و انضمام شيء منهما مع الكبرى لا ينتج إذ على الأوّل لا يتكرر الأوسط و الثاني لا تفيد الموجبتين في الشكل الثّاني

و يمكن أن يقال ليس المراد بالحدث في المقدمة الأولى حدثا معينا و لا حدثا ما و إن كان ظاهره ذلك مع قطع النّظر عن خصوص المقام بل يراد بمعاونة المقام الحدث أي حدث كان على سبيل العموم كما يقال لا أحبّ إلّا عالما و لا أبغض إلّا جاهلا و منه قوله تعالى عَلِمَتْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ فيصير في قوة قولنا كلّ حدث ناقض فينضم إلى الكبرى و ينتظم منه قياس على الشّكل الرّابع و يعكس و يصير من الشكل الأوّل و ليس الترتيب ملحوظا بل الغرض الإشارة إلى المقدمتين من غير ترتيب فعلي يكون هذا الكلام مسوقا لبيان ناقضية النوم

و يمكن أن يقال الغرض المطلوب أوّلا و بالذات بهذا الحديث نفي النّقض عما ليس بحدث نحو اللّمس و القيء و القهقهة كما تقوله جمع من العامة فحكم (عليه السلام) بنفي النقض عما ليس بحدث و لمّا لم يكن اسم الحدث واضح الصّدق على النوم في اللّغة و العرف مع أنه من الأمور النّاقضة للوضوء صرّح بإطلاقه عليه

و المقتضي لهذا التصريح إمّا دفع توهم عدم النقض به من ظاهر الحضر و إمّا الجواب عن سؤال يرد على الحصر و هو أن النوم ناقض و هو خارج عن الحصر بحسب الظاهر و ذكر المصنّف في المختلف أن كل واحد من الأحداث فيه جهتا اشتراك و امتياز و ما به الاشتراك و هو مطلق الحدث لمغاير لما به الامتياز و هو خصوصيّة كلّ واحد من الأحداث و لا شك في أن تلك الخصوصيّة ليست بأحداث أو إلّا كان ما به الاشتراك داخلا فيما به الامتياز و ذلك يوجب التسلسل و إذا انتفى الحدثية عن المميّزات لم يكن لها مدخل في النقض و إنما يستند النقض إلى المشترك الوجود في النّوم على ما حكم به في المقدمة الثانية و وجود العلّة يستلزم وجود المعلول فثبت النقض في النوم و هو المراد و يرد عليه أن انتفاء الحدثية عن المميّز مسلم لا عن الأمر المميز أي الفرد فقوله إذا انتفى الحدثية عن المميزات لم يكن لها مدخل في النقض ممنوع

و كذا قوله و إنما يستند النقض إلى المشترك الوجود في النّوم كيف و صدق الأحكام الشرعيّة على الطبائع الكليّة باعتبار وجودها في الخارج متّحدة مع أفرادها فيكون للخصوصيّات مدخل فيما يصدق على الكليّ و الأخبار الدّالة على أن النّوم ناقض للوضوء كثيرة و اكتفينا بذكر الصّحاح منها لحصول الكفاية بها

و استدل عليه المصنّف في المنتهى بالآية أيضا و ذكر أن المفسّرين أجمعوا على أن المراد بها إذا قمتم من النوم و نسبه الشيخ في الخلاف إلى المفسّرين و روى الشيخ عن ابن بكير في الموثق قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام)

14

قوله إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ ما يعني بذلك إذا قمتم إلى الصلاة قال إذا قمتم من النوم قلت ينقض النوم الوضوء فقال نعم إذا كان يغلب على السّمع و لا يسمع الصوت

و أمّا ما رواه الشيخ عن عمران بن حمران في القوي أنه سمع عبدا صالحا يقول من نام و هو جالس لم يتعمد النوم فلا وضوء عليه و ما رواه عن سيف بن عمر في الصحيح عن بكر بن أبي بكر الحضرمي و هو غير مذكور في كتب الرجال قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) هل ينام الرّجل و هو جالس فقال كان أبي يقول إذا نام الرّجل و هو جالس مجتمع فليس عليه وضوء و إذا نام مضطجعا فعليه الوضوء

فحملهما الشيخ على نوم لا يغلب العقل و هو غير بعيد لأنه الغالب في حال القعود و يمكن حملها على التقية لموافقتها لمذاهب أكثر العامة مع عدم حسن سندهما و كذلك الحكم في الأخبار الموافقة لهما في المعنى و استشهد الشيخ لما ذكره من التأويل بما رواه عن عن أبي الصّباح الكناني في الضعيف عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن الرّجل يخفق و هو في الصّلوة فقال إن كان لا يحفظ حدثا منه إن كان فعليه الوضوء و إعادة الصّلوة و إن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء و لا إعادة

و الاستشهاد به على ما ذكره مشكل بل لا يبعد تطبيقه على قول ابن بابويه و إنما ارتكبنا التأويل في هذه الأخبار ترجيحا للأكثر الأصح الأشهر المعتضد بالقرآن على غيره ممّا يقرب التأويل فيه

و الجنون و الإغماء و السّكر ذكر المصنف في المنتهى أنه لا يعرف فيه خلافا بين أهل العلم و ذكر الشيخ في التهذيب إجماع المسلمين في الأولين و استدل عليه بما رواه عن معمّر بن خلاد في الصحيح قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع الوضوء يشتد عليه و هو قاعد مستند بالوسائد فربما أغفى و هو قاعد على تلك الحال قال يتوضأ قلت إنّ الوضوء يشدّ عليه فقال إذا خفي عنه الصّوت فقد وجب الوضوء عليه

و أورد عليه أن هذا مختصّ بالنوم لأن الإغفاء بمعنى النوم فلا ينطبق على المطلوب و أجيب بمنع عموم الشرطية فلا يختص بالسؤال و رد بأن الضمير في قوله عنه يرجع إلى المحكي عنه فلا يعم قيل الأجود الاستدلال عليه بما دل على حكم النوم من باب التنبيه فإنه إذا أوجب الوضوء بالنوم الذي يجوز معه الحدث وجب بالإغماء و السّكر بطريق أولى و فيه تأمّل

و الاستحاضة القليلة إنّما خصّها بالذكر لأن غرضه ذكر ما يوجب الوضوء خاصّة و ليس كذلك المتوسّطة و الكثيرة فإنّ كلّا منهما من حيث هي هي لا يوجب الوضوء فقط لإيجابه الغسل في بعض الأحوال فاندفع النقض بالمتوسطة بناء على أنّها توجب الوضوء فقط على بعض الأحوال أعني ما عدا الصبح و إيجاب الاستحاضة القليلة للوضوء فقط هو المشهور بين الأصحاب

و حكي عن ابن أبي عقيل عدم إيجابها الوضوء و لا الغسل و عن ابن الجنيد إيجابها لغسل واحد و سيأتي تحقيقه في محلّه لا غير يحتمل أن يكون قيدا للاستحاضة أي لا غيرها من حالتيها الوسطى و الكبرى و يمكن أن يكون تأكيدا للحصر المستفاد من إنّما يعني لا يجب الوضوء بشيء غير الأمور المذكورة

و هذا الحكم أعني عدم وجوب الوضوء بشيء غير ما ذكره متفق عليه بين الأصحاب إلا في مواضع

الأوّل المذي و هو ما يخرج عند الملاعبة أو التقبيل على ما قال الجوهري و غيره و قريب منه ما قال الهروي من أنه أرق ما يكون من النطفة عند الممازحة و التقبيل و ما قال ابن الأثير من أنه البلل اللزج الذي يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء و عدم بطلان الوضوء به مشهور حتى نقل في التذكرة الإجماع عليه و خالف فيه ابن الجنيد فزعم أن ما يخرج من المذي عقيب الشهوة يكون ناقضا و احتمله الشيخ في الإستبصار استحبابا و ظاهر التهذيب بطلان الوضوء بما خرج عن شهوة و يكون خارجا عن المعهود المعتاد من كثرته و الأقرب الأوّل لما رواه الشيخ عن زيد الشحام في الصحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) المذي ينقض الوضوء قال لا و لا يغسل منه الثوب و لا الجسد إنّما هو بمنزلة البزاق و المخاط و عن محمّد بن إسماعيل في الصحيح عن أبي الحسن (عليه السلام) قال سألته عن المذي فأمرني بالوضوء منه ثم أعدت عليه سنة أخرى فأمرني بالوضوء منه و قال إن عليّا (عليه السلام) أمر المقداد أن يسأل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)و سلم و استحيا أن يسأله فقال فيه الوضوء قلت فإن لم أتوضأ قال لا بأس به

و عن ابن سنان يعني عبد اللّٰه في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال ثلاث يخرجن من الإحليل و هي المني و فيه الغسل و الودي ففيه الوضوء لأنه يخرج من دريرة البول قال و المذي ليس فيه وضوء إنّما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف و عن زيد الشحام و زرارة و محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إن سال من ذكرك شيء من مذي أو وذي فلا تغسله و لا تقطع له الصّلوة و لا تنقض له الوضوء إنّما هو بمنزلة النخامة كل شيء خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل

و عن ابن أبي عمير في الصحيح عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال ليس في المذي من الشهوة و لا من الإنعاظ و لا من القبلة و لا من مس الفرج و لا من المضاجعة وضوء و لا يغسل منه الثوب و لا الجسد و عن إسحاق بن عمار في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن المذي فقال إن عليّا (عليه السلام) كان رجلا مذاء فاستحيا أن يسأل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)و سلم لمكان فاطمة (عليها السلام) فأمر المقداد أن يسأله و هو جالس فقال له ليس بشيء

و ما رواه الكليني عن محمد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المذي يسيل حتى يصيب الفخذ فقال لا يقطع صلاته و لا يغسله من فخذه إنه لم يخرج من مخرج المني إنّما هو بمنزلة النخامة و عن بريد بن معاوية في الحسن بإبراهيم قال سألت أحدهما عن المذي فقال لا ينقض الوضوء و لا يغسل منه ثوب و لا جسد إنّما هو بمنزلة المخاط و البزاق

و عن زرارة في الحسن بإبراهيم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إن سال من ذكر شيء وذي أو ودي و أنت في الصّلوة فلا تغسله و لا تقطع الصّلوة و لا تنقض له الوضوء و إن بلغ عقيبك فإنّما ذلك بمنزلة النخامة و كل شيء خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل أو من البواسير و ليس بشيء فلا تغسله من ثوبك إلا أن نقذره إلى غير ذلك من الأخبار

و تدل عليه أيضا الأخبار الكثيرة الدّالة على حصر النّاقض في أشياء مخصوصة ليس المذي منها و أما ما رواه الشيخ عن علي بن يقطين في الصحيح قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المذي أ ينقض الوضوء قال إن كان من شهوة نقض و في الموثق عن الكاهلي و هو ممدوح قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المذي فقال ما كان منه شهوة فتوضأ منه

و عن أبي بصير في القوي قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) المذي الذي يخرج من الرجل قال أحد لك فيه حدّا قال قلت نعم جعلت فداك قال فقال إن خرج منك على شهوة فتوضأ و إن خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء فالوجه في هذه الأخبار حملها على الاستحباب أو على التقيّة جمعا بينها و بين الأخبار السّابقة المعتضدة بالأصل و الشهرة مع قوتها بحسب الأسانيد و وضوح الدلالة و قرب التأويلين المذكورين

و أما ما رواه يعقوب بن يقطين في الصحيح قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرّجل يمذي و هو في الصّلوة من شهوة أو من غير شهوة قال المذي منه الوضوء فمحمول على الاستحباب أيضا أو التقية لأنه مذهب أكثر العامة و يؤيّد حملها على الاستحباب صحيحة محمد بن إسماعيل السّابقة و أولها الشيخ في التهذيب بأنّها محمولة على التعجب لا الإخبار و فيه بعد

احتج المصنف في المختلف لابن الجنيد برواية محمّد بن إسماعيل الواردة بدون قوله قلت فإن لم أتوضأ إلى آخر الخبر و قد أورده الشيخ كذلك عنه في الصحيح عن الرّضا (عليه السلام) و ذكر أن هذا الخبر شاذ فلا تعارض الأخبار الدالة على نفي الوضوء من المذي و ذكر أنّ راوي هذا الحديث بعينه روى جواز ترك الوضوء من المذي فعلم أنّ المراد هنا منها ضرب من الاستحباب و هو حسن

الثاني قال ابن الجنيد من مسّ ما انضم عليه الثقبتان نقض وضوءه و مس ظهر الفرج من الغير ناقض للطهارة من المحلّل و المحرم و قال أبو جعفر ابن بابويه (رحمه اللّٰه) إذا مسّ رجل باطن دبره أو باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء و إن كان في الصّلوة قطع الصّلوة و توضأ و أعاد الصّلوة و إن فتح إحليله أعاد الوضوء و الصّلوة و المشهور أنه لا ينقض الوضوء شيء من ذلك كله و هو أقرب

و يدل عليه مضافا إلى الأخبار الدالة على حصر النّاقض في أشياء

15

محصورة ليس فيها شيء من ذلك أخبار منها ما رواه الشّيخ عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ليس في القبلة و لا المباشرة و لا مسّ الفرج و لا الملامسة وضوء و ما رواه الكليني عن زرارة في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ليس في القبلة و لا مس الفرج و لا المباشرة وضوء

و يؤيده عموم ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمّار في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرّجل يعبث بذكره في الصّلوة المكتوبة قال لا بأس به و عن سماعة في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرّجل يمس ذكره أو فرجه أو أسفل من ذلك و هو قائم يصلّي أ يعيد وضوءه فقال لا بأس بذلك إنّما هو من جسده و تدل عليه أيضا صحيحة ابن أبي عمير السّابقة

و ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّٰه في القوي قال سألته عن رجل مسّ فرج امرأته قال ليس عليه شيء و إن شاء غسل يده احتجا على ما نقل عنهما بما رواه أبو بصير في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا قبل الرّجل المرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء

و ما رواه عمّار السّاباطي في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سئل عن الرّجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره قال نقض وضوءه و إن مس باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء و إن كان في الصّلوة قطع الصّلوة و يتوضأ و يعيد الصّلوة و إن فتح إحليله أعاد الوضوء و أعاد الصّلوة و الجواب أنهما لا يصلحان لمعارضة الأخبار السّابقة المعتضدة بالشهرة و الأصل

فيحمل هذان الخبران على الاستحباب و خبر أبي بصير معارض بالأخبار الدالة على عدم وجوب الوضوء بالقبلة و خبر عمّار معارض بما رواه عمار أيضا في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في المرأة تكون في الصّلوة فتظن أنّها قد حاضت قال تدخل يدها فتمسّ الموضع فإن رأت شيئا انصرفت و إن لم تر شيئا أتمت صلاتها

الثالث أكثر علمائنا على أنّ القبلة لا ينقض الوضوء و قال ابن الجنيد ينقض قبلة المحرم إذا كان بشهوة و الاحتياط إعادة الوضوء إذا كانت في محلل و الأقرب الأول لصحيحي زرارة السّالفتين و حسنة زرارة و صحيحة ابن أبي عمير السّابقتين و ما رواه الشيخ عن الحلبي في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القبلة ينقض الوضوء قال لا بأس حجة ابن الجنيد خبر غير نقي السّند لا يصلح معارضا للأخبار السّابقة فليحمل على الاستحباب

الرابع أكثر الأصحاب على أنّ القهقهة لا تنقض الوضوء خلافا لابن الجنيد و الأقرب الأوّل للعمومات السّابقة احتج ابن الجنيد بخبر غير صحيح نحمله على الاستحباب

الرابع الحقنة لا تنقض الوضوء للعمومات السّابقة خلافا لابن الجنيد

الخامس الدم الخارج من السّبيلين إذا شك في خلوه من النجاسة احتج بحجة اعتبارية ضعيفة

و يجب على المتخلي

للبول و الغائط ستر العورة أي جلوسه بحيث لا يرى عورته الناظر المحترم إلا ما استثني كالزوجة و المملوكة غير المزوجة و المعتدة و كذا يجب ستر العورة في غير حال الخلوة و يدل عليه مضافا إلى اتفاق الأصحاب ما رواه الشيخ عن حريز في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه

و ما رواه الكليني عن رفاعة بن موسى في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)من كان يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر فلا يدخل الحمّام إلا بمئزر و أسنده ابن بابويه إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)مرسلا

و ما رواه الشيخ عن أبي بصير بإسناد فيه توقف عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال إذا تعرى أحدكم نظر إليه الشيطان فطمع فيه فاستتروا و عن حماد بن عيسى بإسناد فيه جهالة عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال قيل له إن سعيد بن عبد الملك يدخل مع جواريه الحمام قال و لا بأس إذا كان عليه و عليهن الأزر لا يكونون عراة كالخمر ينظر بعضهم إلى سوأة بعض

و عن أبي بصير في القوي قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) يغتسل الرجل بارزا فقال إذا لم يره أحد فلا بأس و قول أبي الحسن (عليه السلام) في رواية حمزة بن أحمد بعد السّؤال عن الحمام أدخله بمئزر و غض بصرك و قول علي بن الحسين (عليه السلام) لسدير لما دخل في الحمام بغير إزار ما يمنعكم من الأزر فإن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)قال عورة المؤمن على المؤمن حرام

رواه الكليني و ابن بابويه و في مرفوعة سهل قال قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) لا يدخل الرّجل مع ابنه الحمام فينظر بعورته و روى محمد بن عمر عن بعض من حدثه أن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول من كان يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر قال فدخلت ذات يوم الحمام فتنور فلما أن أطبقت النورة على بدنه ألقى المئزر فقال له مولى بأبي أنت و أمي إنّك توصّينا بالمئزر و لزومه و قد ألقيته عن نفسك فقال أ ما علمت أنّ النورة قد أطبقت العورة و روى محمد بن جعفر عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)لا يدخل الرجل مع ابنه الحمام فينظر إلى عورته و قال ليس للوالدين أن ينظر إلى عورة الولد و ليس للولد أن ينظر إلى عورة الوالد

و قال لعن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)سلم النّاظر و المنظور إليه في الحمام بلا مئزر و رواه علي بن الحكم عن رجل من بني هاشم عن أبي الحسن (عليه السلام) بعد سؤاله عن الحمام لا تدخل الحمام إلا بمئزر و غض بصرك

و قال ابن بابويه و سئل الصادق (عليه السلام) عن قول اللّٰه عز و جل قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ فقال كل ما كان في كتاب اللّٰه تعالى من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا إلا في هذا الموضع فإنه هو الحفظ من أن ينظر إليه

و ما دل من تلك الأخبار على تحريم النظر إلى العورة تدل على وجوب الستر لتحريم المعاونة على الإثم و الغرض من إيراد تلك الأخبار حصول الغرض بالتحاق بعضها ببعض فلا يضر عدم دلالة بعضها على تمام المقصود و ضعف إسناد بعضها

و أمّا ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان بإسناد فيه توقف عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال نعم فقلت أعني سفليه فقال ليس حيث تذهب إنّما هو إذاعة سرّه و عن حذيفة بن منصور في الصحيح على الأقرب قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) شيء يقوله الناس عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال ليس حيث تذهب إنّما عنى عورة المؤمن أن يزل زلة أو يتكلم بشيء يعاب عليه فيحفظ عليه ليعيره به يوما ما و عن زيد الشحام في الضعيف عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال ليس أن يكشف فيرى منه شيئا إنّما هو أن تزري عليه أو تعيبه فقد أجيب عن هذه الأخبار بأنها لا تنافي تحريم النظر إلى العورة لأنها إنّما تضمن تفسير هذا اللفظ المعين أعني قولهم عورة المؤمن على المؤمن حرام و لا يلزم من عدم إرادة تحريم النظر من هذا اللفظ نفي التحريم رأسا مع إمكان حمل الحصر فيها على المبالغة و التأكيد

و أما ما رواه الكليني عن عبد اللّٰه بن يعفور في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) أ يتجرد الرجل عند صبّ الماء يرى عورته أو يصبّ عليه الماء أو يرى هو عورة النّاس قال كان أبى بكيرة ذلك من كل أحد فلا ينافي ما ذكرناه لأن معنى الكراهة ليس مقصورا على المعنى المتعارف الأصولي بل أعمّ منه فلا ينافي التحريم و الأصح أن العورة القبل و الدبر للإجماع على كونهما عورة و لا دليل على تحريم الزائد فيكون منفيا بالأصل

و الظاهر أن البيضتين منها و يدل على ما ذكرنا ما رواه الشيخ عن عليّ بن إسماعيل الميثمي عن محمد بن حكيم في القويّ قال الميثمي لا أعلمه إلا قال رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) أو من رآه متجردا و على عورته ثوب فقال إنّ الفخذ ليست من العورة عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه في الضعيف عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال العورة عورتان القبل و الدّبر مستور بالأليتين فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة

و رواه الكليني أيضا بزيادة قوله و أما القبل فأسرّه بيدك بعد قوله و الدّبر مستور بالأليتين قال و في رواية أخرى فأمّا الدبر فقد سترته الأليتان و أما القبل فاستره بيدك

و قال ابن بابويه قال الصادق (عليه السلام) الفخذ ليست من العورة و روى عبد اللّٰه المرافقي قال دخلت حماما بالمدينة فإذا شيخ كبير و هو قيم الحمام فقلت يا شيخ لمن هذا الحمام قال لأبي جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) فقلت أ كان يدخله قال نعم فقلت كيف كان يضع قال كان يدخل فيبدأ فيطلي عانته و ما يليها ثم يلف إزاره على أطراف إحليله و يدعوني فأطلي له سائر جسده فقلت له يوما من الأيّام الذي يكره أن أرآه قد رأيته قال كلا إن النورة ستره

و أما ما رواه الكليني عن بشير النبال في الضعيف قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحمام فقال

16

تريد الحمام قلت نعم قال فأمر بإسخان الحمام ثم دخل فاتزر بإزار و غطى ركبته و سرته ثم أمر صاحب الحمام فطلى جسده ما كان خارجا من الإزار ثم قال اخرج عني ثم طلى هو ما تحته بيده ثم قال هكذا فافعل فمحمول على الاستحباب قضية للجمع

و عدم استقبال القبلة و استدبارها و الظاهر أن المراد بالاستقبال الاستقبال بجميع البدن و كذا الاستدبار لا بالمخرج خاصّة كما قد يتوهم و المستفاد من الأخبار اختصاص ذلك بحال التغوط و البول و يحتمل شموله لحالة الاستنجاء أيضا لما رواه الشيخ عن عمّار بن موسى في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال قلت له الرّجل يريد أن يستنجي كيف يقعد قال كما يقعد للغائط

و معنى وجوب عدم الاستقبال وجوب ضد الاستقبال لأن التكليف في الحقيقة متعلق به و انتسابه إلى العدم ظاهريّ في الصّحاري بفتح الراء على الأفصح جمع صحراء كعذراء و عذاري و قد يكسر على قلة و هي البرية و المراد هنا مقابل البنيان و البنيان تحريم الاستقبال و الاستدبار للمتخلي مطلقا هو المشهور بين الأصحاب و ابن الجنيد استحبّ ترك الاستقبال في الصّحراء و لم يذكر البنيان و لا الاستدبار و قال المفيد في المقنعة و لا يستقبل القبلة و لا يستدبرها و لكن يجلس على استقبال المشرق إن شاء أو المغرب

ثم قال و إذا دخل الإنسان دارا قد بني فيها مقعد للغائط على استقبال القبلة أو استدبارها لم يضره ذلك و إنّما يكره ذلك في الصّحاري و المواضع التي يمكن فيها الانحراف عن القبلة و الظاهر من العبارة المنقولة عن سلار التحريم في الصحاري و الكراهة في البنيان و اضطرب كلام الأصحاب في نقل مذهب المفيد فحكى عنه في المعتبر التحريم في الصّحاري و الكراهة في البنيان

و كلام المقنعة غير صريح في التحريم في الصّحاري و لا الكراهة بالمعنى المتعارف في البنيان مع أنه سوى بين الصّحاري و المواضع التي يمكن فيها الانحراف فنسبة الفرق بين الصّحاري و البنيان على الإطلاق إليه محلّ النظر

و حكى عنه المصنف في المنتهى و التذكرة و الشهيد في الدروس التحريم في الصّحاري و لم يذكر الكراهة و قال في المختلف بعد نقل عبارة المفيد و هذا الكلام يعطي الكراهة في الصحاري و الإباحة في البنيان و هو ظاهر كلام الشهيد في الذكرى و الكل لا يوافق كلامه في المقنعة و حكى المدقق الشيخ علي عن بعض الأصحاب القول بكراهة الاستقبال و الاستدبار مطلقا و قائله غير معلوم

و الحجة على المشهور ما روى الشيخ عن عيسى بن عبد اللّٰه الهاشمي في القوي عن أبيه عن جدّه عن علي (عليه السلام) قال قال لي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لكن شرقوا أو غربوا و عن ابن أبي عمير في الصحيح عن عبد الحميد بن أبي العلاء الثقة أو غيره رفعه قال سئل الحسن بن عليّ (عليهما السلام) ما حدّ الغائط قال لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها

و ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن عليّ بن إبراهيم قال خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و أبو الحسن موسى (عليه السلام) قائم و هو غلام فقال له أبو حنيفة يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم فقال اجتنب أفنية المساجد و شطوط الأنهار و مساقط الثمار و منازل النزال و لا تستقبل القبلة لغائط و لا بول و ارفع ثوبك و ضع حيث شئت

و ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى بإسناده رفعه قال سئل أبو الحسن (عليه السلام) ما حد الغائط قال لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها مضافا إلى التعليلات الاعتبارية و الاستناد إليها في التحريم مشكل للتأمّل في أسانيدها و عدم وضوح دلالتها على التحريم لشيوع استعمال النواهي في أخبارنا في الكراهة و انضمام ما يقول الأصحاب بكراهته يؤيّده فالقول بالاستحباب غير بعيد

و يؤيده وجود الكنيف في دار أبي الحسن (عليه السلام) مستقبل القبلة رواه الشيخ عن محمد بن إسماعيل بن بزيع في الحسن و المسألة محل التردّد و الاحتياط التجنب و ممّا يدل على فضله ما رواه الشيخ عن محمّد بن إسماعيل في الحسن عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) أنه سمعه يقول من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة و تعظيما لها لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له و احتج سلّار بما ذكرناه من التأييد السّابق

و أجيب عنه بأنه غير دال على أنه (عليه السلام) جلس عليه مع جواز الانحراف و الظاهر أن التشريق و التغريب مستحب للرّواية السّالفة و نقل عن بعض المدققين القول بالوجوب تمسكا بظاهر الأمر و أيّده بقوله (عليه السلام) ما بين المشرق و المغرب قبلة و أن قبلة البعيد هي الجهة و فيها اتساع و اعترض عليه بقصور الرّواية من حيث السّند فلا يصحّ للتعويل في الحكم المخالف للأصل و لعدم الوقوف على مصرح بالوجوب و استضعف تأييده بأنه مع سلامة سنده محمول على الناسي أو يأول بما يرجع إلى المشهور و هو حسن إلا أنه يفهم التردد منه في سلامة الرّواية و ليس في موقعه لأن الرّواية صحيحة أوردها ابن بابويه عن معاوية بن عمار في الصحيح و الظاهر أنه لو قلنا بالتحريم و اشتبه الجهة و أمكن تحصيل العلم أو الظنّ بها وجب من باب المقدمة لوجوب تحصيل الظنّ بالامتثال مع الإمكان و إن لم يمكن تحصيل شيء من الأمارات سقط

فروع الأول قال الشيخ في المبسوط إذا كان الموضع مبنيا على الاستقبال أو الاستدبار و أمكنه الانحراف عنه عليه ذلك فإن لم يمكنه لم يكن عليه شيء بالجلوس قال المحقّق و كأنه يريد مع عدم التمكن من غيره

الثاني كره في المنتهى استقبال بيت المقدّس لأنه قد كان قبلة و لا يحرم للنّسخ و في الحكم بالكراهة نظر لفقد النصّ

الثالث احتمل المصنف في النهاية اختصاص كراهة الاستدبار بالمدينة و ما ساواها لأن استدبار الكعبة فيها يوجب استقبال بيت المقدس قال الشهيد و هذا الاحتمال لا أصل له

و يجب

غسل

مخرج البول

بالماء خاصة عند علمائنا أجمع على ما حكاه المحقق و العلّامة و غيرهما و تدل عليه أخبار كثيرة منها ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا صلاة إلا بطهور و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السّنة من رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)

و أما البول فإنه لا بدّ من غسله و عن جميل بن درّاج في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا انقطعت درة البول فصبّ الماء و عن بريد بن معاوية في القوي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال يجزي من الغائط المسح بالأحجار و لا يجزي من البول إلا الماء و عن زرارة في الصحيح قال توضأت يوما و لم أغسل ذكري ثمّ صليت فسألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال اغسل ذكرك و أعد صلاتك و عن ابن أذينة في الصحيح قال ذكر أبو مريم الأنصاري أن الحكم بن عيينة بال يوما و لم يغسل ذكره متعمدا فذكرت ذلك لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال بئس ما صنع عليه أن يغسل ذكره و يعيد صلاته و لا يعيد وضوءه و عن يونس بن يعقوب في الموثق قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الوضوء الذي افترضه اللّٰه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال يغسل ذكره و يذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرّتين

و الأخبار في هذا الباب كثيرة و اختلف الأصحاب في أقل ما يحصل به الطهارة في غسل مخرج البول على قولين الأول أن أقل ما يجزي في غسل مخرج البول مثل ما على الحشفة اختاره الشيخان و ابنا بابويه و المحقق استنادا إلى ما رواه الشيخ عن نشيط بن صالح في القوي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول فقال مثلا ما على الحشفة من البلل

و يشكل الاستناد إليه لعدم وضوح سنده و معارضته بما رواه الشيخ عن نشيط في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال يجزي من البول أن يغسله بمثله هذا مع عدم صراحته في عدم إجزاء الأقل من المثلين و معارضته بما سيجيء فحملها على الاستحباب ممكن إلا أن الشهرة و عدم استيلاء المثل بعد حصول اليقين بوصوله بتمام موضع الملاقاة يعضد الوجوب و المفهوم من عبارة أكثر القدماء و الرّواية أن المراد تحديد أقل مقدار الماء الذي به يغسل و قد وقع الخلاف في تفسيره بين جمع من المتأخرين فقيل إنه كناية عن وجوب غسل مخرج البول مرّتين و التعبير بذلك لبيان أقل ما يجزي

و يمكن أن يحمل عليه كلام ابن بابويه حيث قال و يصبّ على إحليله من الماء مثلي البول يصبه مرّتين و استشكل

17

ذلك بأنّ المزيل لا بد أن يكون مستوليا على النّجاسة و المثل لا يكون مستوليا على البلل المماثل فلا يجزي المثلان منفصلين و ذكر بعض المتأخرين أنه يمكن اعتبار المماثلة بين الماء المغسول به و بين القطرة المتخلفة على الحشفة بعد خروج البول فإن تلك القطرة يمكن إجراؤها على المخرج و أغلبيتها على البلل الذي يكون على حواشيه و قيل إن المراد الغسلة الواحدة لاشتراط الغلبة في المطهر و هو لا يحصل بالمثل و شيخنا الشهيد في الذكرى اعتبر الفصل بين المثلين مع أنه اكتفى في تحقق المرتين في غير الاستنجاء بالانفصال التقديري و وجهه المدقق الشيخ علي بأن اعتبار ذلك لتعدّد الغسل حق لا لأنّ التعدد لا يتحقق إلا بذلك بل لأن التعدّد المطلوب بالمثلين لا يوجد بدون ذلك لأن ورود المثلين دفعة واحدة غسلة واحدة و لو غسله بأكثر من المثلين بحيث يتراخى أجزاء الغسل بعضها عن بعض في الزمان لم يشترط الفصل و الأقرب على القول بوجوب الغسل مرّتين اعتبار الانفصال الحقيقي ليصدق التعدّد عرفا فيحصل الامتثال

القول الثاني أنه لا يتقدر ما يحصل به الإزالة بقدر بل تحصل الطهارة بما سمي غسلا و إليه ذهب أبو الصلاح قال المصنف و هو الظاهر من كلام ابن البراج و يقوي هذا المذهب إطلاق الروايات و ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن ابن المغيرة في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي الحسن (عليه السلام) قال قلت له للاستنجاء حد قال لا حتى ينقي ما ثمة قلت فإنه ينقي ما ثمة و يبقى الريح قال الريح لا ينظر إليها

و موثقة يونس بن يعقوب السّابقة عن قريب و بعض الروايات تدل على وجوب غسل البول مرتين كرواية الحسين بن أبي العلاء في الحسن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن البول يصيب الجسد قال صبّ عليه الماء مرتين فإنّما هو ماء و رواية أبي إسحاق النّحوي في الحسن عنه (عليه السلام) قال سألته عن البول يصيب الجسد قال صب عليه الماء مرتين أوردهما الشيخ و يؤيده أن المستفاد من ظاهر كلام المحقق نقل الإجماع على وجوب غسل البول عن الثوب و الجسد مرتين حيث نسب ذلك إلى علمائنا في مبحث النجاسات

و لقائل أن يقول خبر ابن المغيرة و يونس بن يعقوب خاصان بالاستنجاء فيخص بهما عموم هذين الخبرين بما عدا الاستنجاء مع أن المتبادر المنساق إلى الذهن منهما ما عدا الاستنجاء على أن حملهما على الاستحباب غير بعيد و لمن يقتصر في الاحتجاج على الصّحاح أن يقول اشترك تلك الأخبار جميعا في عدم الصحّة و وقع التعارض بينهما فيلزم العدول عنها إلى مقتضى الأخبار الصحيحة و هو الاكتفاء بالمرة لإطلاق الأخبار الصّحيحة الواردة في الاستنجاء و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل يبول باللّيل فيحسب أن البول أصابه و لا يستيقن فهل يجزيه أن يصب على ذكره إذا بال و لا ينتشف قال يغسل ما استبان أنه أصابه و ينضح ما شك فيه من جسده أو ثيابه

و أمّا إسناد كلام المحقق بنقل الإجماع فقد يقال إنّما استفيد من كلام المحقق اختصاص دعوى الإجماع بإزالة البول من غير محل الاستنجاء لأنه حكى في مبحث الاستنجاء عن أبي الصّلاح أنه قال أقل ما يجزي ما أزال عين البول عن رأس فرجه ثم احتج الاعتبار مثلي ما على الحشفة بوجهين

الأول رواية نشيط السّابقة مؤيدة بما روي من أن البول إذا أصاب الجسد يصب عليه الماء مرّتين الثاني أن غسل النجاسة بمثلها لا يحصل معه اليقين بغلبة المطهر على النجاسة و لا كذا لو غسل بمثليها و أشار بعد هذا إلى رواية نشيط المتضمنة للاكتفاء بالمثل و قال إنها مقطوعة السّند فالعمل بالأولى و لا يخفى عليك أن الإجماع لو كان متحققا عنده هنا لكان أجدر بالذكر في الاحتجاج من الوجهين اللذين استدل بهما و هو حسن

فظهر أن القول بجواز الاكتفاء بالغسل الموجب للنقاء قوي لكن العمل بالغسلتين أولى و أحوط لما فيه من الاستظهار و الخروج من الخلاف و الثلاث أكمل لما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح قال كان يستنجي من البول ثلاث مرّات الحديث و المراد بوجوب غسل مخرج البول الوجوب من باب المقدمة لتوقف الصّلوة الواجبة عليه فيكون واجبا موسعا يتضيق وقت الصّلوة و قول الشارح الفاضل المحقق و إطلاق الوجوب قبل الوقت مجاز محل تأمّل و قولهم لا معنى لوجوب الشرط قبل زمان المشروط وجوب ممنوع

و اعلم أنه ذكر المحقق في المعتبر و المصنف في المنتهى أنه إذا لم يجد الماء لغسل مخرج البول أو تعذر استعماله لمانع كالجرح أجزأ مسحه بما يزيل عين النجاسة كالحجر و الخرق و الكرسف و شبهه لأنه يجب إزالة عين النجاسة و أثرها فإذا تعذرت إزالة الأثر تعينت إزالة العين

و فيه نظر إذ لا دليل على وجوب إزالة النجاسة إلا على الوجه المطهّر و حيث تعذرت كان إيجاب التجفيف محتاجا إلى دليل و لم أطلع عليه نعم لو كان عدم التجفيف مقتضيا لتنجيس الثوب و البدن كان الحكم بوجوبه متجها ثم المصنف صرّح بأنه لو وجد الماء بعد ذلك وجب عليه الغسل و لا يجتزي بالمسح المتقدم و قد ادعى صاحب المدارك الإجماع عليه و هو المرتبط بالأدلة السّابقة

لكن ظاهر كلام المحقق في المعتبر و الشرائع خلافه و لعلّه غير مراد له و روى الشيخ عن ابن أبي عمير في الصحيح عن حنان بن سدير الثقة الواقفي قال سمعت رجلا يسأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال إنّي ربما بلت فلا أقدر على الماء و ربما يشد ذلك علي فقال إذا بلت و تمسّحت فامسح ذكرك بريقك فإن وجدت شيئا فقل هذا من ذاك

و رواه الكليني في الحسن عن حنّان و عن سماعة في القوي قال قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام) إني أبول ثم أتمسح بالأحجار فيجيء ما يفسد سراويلي قال ليس به بأس و لا بد من تأويلهما بما يوافق ما ذكرنا و في الذّكرى أن خبر حنان متروك و روى الشيخ عن العيص بن القاسم في الصّحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء يمسح ذكره الحجر و قد عرق ذكره و فخذاه قال يغسل ذكره و فخذيه و سألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فأصاب ثوبه يغسل ثوبه قال لا قال بعض الأصحاب

و لعلّ المراد بعجز الخبر كون إصابة اليد بغير الموضع الذي حصل به المسح و منشأ الشبهة المفضية للسّؤال احتمال سريان التنجيس لليد كلها بسبب رطوبة العرق

و كذا يجب غسل

مخرج الغائط

و هو في اللغة ما انخفض من الأرض سمي الحدث المعلوم غائطا تسمية له باعتبار ما يقع فيه غالبا مع التعدي و الظاهر أن المراد به في عبارات الأصحاب تعدي حواشي الدّبر إن لم يصل إلى الألية فيظهر من التذكرة نقل الإجماع على ذلك و كذا يفهم الإجماع من كلام الشارح الفاضل و لو لا ذلك لم يبعد تفسيره بوصول النجاسة إلى محل لا يعتاد وصولها إليه و لا يصدق على إزالتها اسم الاستنجاء كما ذكره صاحب المدارك فإن الدليل يساعد عليه و هذا الحكم ممّا نقل الإجماع عليه الشهيدان و قال في المعتبر إنه مذهب أهل العلم و استدل عليه بروايتين عامتين كما صرّح به بعض العلماء و احتج له المصنف في المنتهى بعموم الأخبار المتضمنة للأمر بغسل مخرج الغائط موجها له بأنه ثبت جواز الاستجمار في غير المتعدي فيكون العام بحاله بالنسبة إلى المتعدّي

و لا يخفى أن الأخبار الدالة على الاكتفاء بالأحجار مطلقة من غير تفصيل بالمتعدي و غيره فإن لم يكن إجماع على الحكم المذكور كان للتأمّل مجال نعم لو فسر التعدي بذلك المعنى الآخر صح بلا ريب حتى يزول العين و الأثر المستفاد من الأخبار أن الواجب في الاستنجاء من الغائط هو الإنقاء و التفصيل الذي ذكره المصنف من وجوب إزالة الأثر مع العين هنا و الاكتفاء بالعين إذا كان المزيل حجرا موافقا للشيخ في المبسوط و جماعة من الأصحاب لم نطلع على رواية يذكر فيها هذا التفصيل و اختلفوا في تفسير الأثر فقيل إنه الرسم الدال عليها و قيل هو اللون لأنه عرض لا يقوم بنفسه فلا بد له من محل جوهري يقوم به و هو النجاسة إذ الانتقال على الأعراض محال فوجود اللون دليل على وجود العين فيجب إزالته و لا يلزم مثل ذلك في الرّائحة لأنّها قد تحصل بتكيف الهواء و فيه أنه يجوز قيام اللون بالمحلّ الطاهر بالمجاورة

18

كما جوّزتم تكيّف الهواء بالمجاورة و الفرق تعسّف على أنا لا نسلّم أن وجود أجزاء مصغرة غير محسوسة يقوم به اللّون ضائر و أيضا سيجيء أنّ اللّون معفو عنه في النجاسات فهنا أولى

و قيل إن المراد به ما يتخلف على المحل عند مسح النجاسة و تنشيفها و قريب منه ما قيل إنه الأجزاء اللطيفة العالقة بالمحلّ التي لا تزول إلا بالماء و اختاره الشّارح الفاضل في شرح الشرائع و حد سلّار الاستنجاء بأن يصر الموضع و المشهور خلافه و هو أقرب لحسنة ابن المغيرة الدالة على أنّ حدّه النقاء و يؤيده موثقة يونس بن يعقوب و يؤيّده أن حصول الصرير يختلف باختلاف المياه فيسقط اعتباره و لا عبرة بالرائحة و تدلّ عليه حسنة ابن المغيرة و إطلاق الأخبار و اعترض شيخنا الشهيد في الذكرى بأنّ وجود الرائحة يرفع أحد أوصاف الماء و أجاب مرّة بالعفو عنها للنص و الإجماع و أخرى بأن الرائحة إن كان محلّها الماء نجس لانفعاله و إن كان محله اليد أو المخرج فلا و هو حسن

و يتخير

مع عدمه أي التعدي بين ثلاثة أحجار طاهرة و الظاهر أن جواز الاستنجاء بالأحجار مع عدم التعدي إجماعي بين الأصحاب و يدل عليه عدة روايات و أما اشتراط الطّهارة بالشك في حصول الإزالة بدونها و اشتراط صحة الصّلوة بها فلا يحصل اليقين بالبراءة مع تأمّل فيه

و نقل المصنف الإجماع عليه في المنتهى و احتج مع ذلك بما نقل في بعض الأخبار المرسلة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار قال و هذه الرواية و إن كانت مرسلة إلا أنّها موافقة للمذهب و لأنه إزالة النجاسة فلا يحصل بالنجس و على تقدير الاستعمال ففي حكم المحل احتمالات أحدها تحتم الماء لأن الإزالة بالأحجار رخصة فيجب قصرها على مورد النص و به حكم الشهيدان الثاني بقاء المحل على حاله فيجزي فيه الاستجمار و هذا احتمال ذكره المصنف في المنتهى و النّهاية و وجهه بأن النجس لا يتأثر بالنجاسة

و فيه ضعف الثالث التفصيل فإن كانت نجاسة بغير الغائط تعيّن الماء و إلا أجزأ الاستجمار بالحجر؟؟؟ و غيره و هو مختار المصنف في القواعد و دخل في إطلاق العبارة الحجر المستعمل ثانيا على تقدير النقاء بدونه و به قطع المصنف و هو خيرة المحقق في المعتبر و هو قريب لعموم الدلائل و عدم ما يصلح للمنع و شبهها من كل جسم طاهر مزيل للنجاسة إلا ما استثني عند الشيخ و جمهور المتأخرين و نقل الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة عليه و كذا ابن زهرة

و المحكي عن سلّار أنه لا يجزي في الاستجمار إلا ما كان أصله الأرض و عن ابن الجنيد أنه قال إن لم يحضر الأحجار يمسح بالكرسف أو ما قام مقامه ثم قال و لا اختار الاستطابة بالآجر و الخرف إلا إذا لبسه طين أو تراب يابس و عن المرتضى أنه قال يجوز الاستنجاء بالأحجار و ما قام مقامه من المدر و الخرق و يدل على خصوص البعض صحيحة حريز عن زرارة قال كان يستنجئ من البول ثلاث مرات و من الغائط و بالمدر و الخرق و الظاهر عود الضمير إلى المعصوم بقرينة الحال و معونة ما ظهر من عادتهم في مثل هذا الاستعمال لا إلى زرارة و غيره و صحيحة زرارة أيضا قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان الحسين بن علي (عليهما السلام) يتمسّح من الغائط بالكرسف و لا يغسل أوردهما الشيخ في التهذيب

و ما رواه الكليني في الحسن عن جميل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال في قول اللّٰه عز و جلّ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ قال كان الناس يستنجون بالكرسف و الأحجار ثم أحدث الوضوء و هو خلق كريم فأمر به رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)و صنعه فأنزل اللّٰه عز و جلّ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ

و القول بجواز الاستنجاء بالكرسف و الخرق و المدر حسن لوجود الرّواية الصحيحة معتضدة بغيرها و أما بغيرها فيمكن التأمّل فيه بناء على عدم رواية صحيحة دالة عليه و الترجيح للجواز بناء على دلالة الخبرين و هما معا معتضدين بالشهرة لا يقصّران عن الصحيح بل قيل إن الأولى منهما لا يقصر عن الصحيح إذ ليس في طريقها من يتوقف فيه إلا إبراهيم بن هاشم و أخباره من الأخبار المعتمدة عند الأصحاب و إن لم يكن في شأنه توثيق صريح بل أخباره يعد عند بعضهم من الصحاح

و على هذا جرى المصنف في كثير من المواضع و أمّا خبر يونس بن يعقوب فلا توقف فيه إلا من جهة يونس فإنه و إن كان ثقة لكن نقل الكشي عن حمدويه عن بعض أصحابه أنه فطحي و نقل عن محمّد بن مسعود أنه عدّه من فقهاء أصحابنا الفطحية و ذكر الصدوق أنه فطحي لكن ذكر الكشي في شأنه عدة أخبار حسنة تدل على حسن حاله

و ذكر النجاشي مع مهارته في الفن و ضبط أنه قد قال بعبد اللّٰه ثم رجع و لم يذكر الشيخ في كتاب الرجال و الفهرست أنه فطحي و قد عرفت ما أشرنا إليه سابقا من أن طريقنا العمل بأمثال هذه الأخبار و اشترط الصّلابة و عدم الصّقالة و اللزوجة في كلامهم بناء على عدم الإزالة بما انتفى فيه أحد تلك الأمور لو اتفق الإزالة فقيل لا يجزي و احتمل الشارح الإجزاء لحصول الغرض و هو حسن و استثنى المحترم و هو أقسام فما كتب فيه شيء من كلام اللّٰه تعالى أو الأحاديث أو التربة الحسينية فقد يحكم بكفره و ذلك عند عدم العلم و العمد فلا يتصور حينئذ التطهير

و أما مع جهله فالظاهر التطهير كما نقل عن جماعة إن قلنا بالعموم في المطهر و منه العظم و الروث و الظاهر أنه إجماعي كما ادّعاه المصنف في المنتهى و صاحب المعتبر و تدل عليه رواية ليث المرادي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود

أما العظم و الروث فطعام الجن و ذلك ممّا اشترطوا على رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)فقال لا يصلح بشيء من ذلك و الرّواية ضعيفة أوردها الشيخ في التهذيب و عد منه المطعوم بل ربما يدعى الإجماع على عدم إجزائه و استدل عليه في المعتبر بأن له حرمة تمنع من الاستهانة و ربما يناقش من صحة هذا الوجه و بأن طعام الجنّ منهيّ عنه فطعام أهل الصّلاح أولى بدلالة الفحوى و فيه تأمّل و اشترط المصنف في النّهاية كون المزيل جافا تعويلا على أن البلل الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة و يعود شيء منه إلى محل النجو فيحصل عليه نجاسة أجنبية فيكون قد استعمل الحجر النجس و أن الرطب لا يزيل النجاسة بل يزيد التلويث و الانتشار ثم احتمل الإجزاء لأن البلل ينجس بالانفصال كالماء الذي يغسل به النجاسة لا بإصابة النجاسة و يرد على الوجهين أنهما يختصان بالبلل الكثير المتميز

و في توجيه الاحتمال نظر إذا كان البلل متميزا أو اعترض الشهيد ره بأن النجاسة العارضة للبلل من نجاسة المحل فلا يؤثر و وجه في التذكرة اشتراط الجفاف بأن الرطب لا ينشف المحل و هذا على تقدير صحته لا يتم في غير المسحة الأخيرة

و هل يحصل الإجزاء في المواضع التي قلنا بالتحريم استقربه المصنف في المنتهى و عدمه المحقق في المعتبر وفاقا للشيخ في المبسوط و ابن إدريس بل ادعى ابن زهرة الإجماع على عدم إجزاء العظم و الروث و المطعوم

و استدل عليه في المعتبر بأن المنع مستصحب حتى يثبت رفعه بدليل شرعي و الشيخ بأن النهي يدلّ على الفساد و هو ممنوع في الأحكام الوضعية و قد يجاب عن حجة المحقق بأن الاستصحاب مرتفع بعموم ما دل على الاكتفاء بما حصل به النقاء و فيه تأمّل و المسألة محل تردّد و إن كان المشهور لا يخلو عن قوة

مزيلة للعين و لا يشترط هنا زوال الأثر و المعتمد حصول النقاء كما هو مقتضى الأخبار و بين الماء لكن الأخير أفضل لما رواه الشيخ عن هشام بن الحكم في الصحيح على الظّاهر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)يا معشر الأنصار إن اللّٰه قد أحسن عليكم الثناء فما ذا تصنعون قالوا نستنجي بالماء و احتج المحقق بأنّ الماء أقوى المطهرين و أضاف إليه في المنتهى بقول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار فإنه يدل على أفضلية غيره عليه و هو الماء

و لو لم ينق بالثلاثة وجب الزائد و الظاهر أنه إجماعي و يستحب أن لا يقطع إلا على وتر ذكره جماعة من الأصحاب و دل عليه رواية عيسى بن عبد اللّٰه قال في المعتبر و الرواية من المشاهير و في حكم عدم النقاء الشك في النقاء

و لو نقي المحل بالأقلّ من ثلاثة وجب الإكمال هذا هو المشهور و نقل عن المفيد عدم الوجوب و اختاره المصنف في المختلف و كلام الشيخ غير صريح في أحد الأمرين و استدل على المشهور بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار و بقوله (عليه السلام) في صحيحة

19

زرارة أيضا جرت السّنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان و هذا الاستدلال لا يخلو عن ضعف و استدل الشارح الفاضل بروايتين من طريق العامة و هو ضعيف

و استدل أيضا بأن الحجر لا يزيل النجاسة بالكلية فلا بد من المنع في استصحابها في الصّلوة إلا في موضع التقدير الشرعي و فيه تأمّل و استدل الآخرون بأن المقصود إزالة النجاسة و قد حصل و فيه تأمّل و لحسنة ابن المغيرة حيث قال هل للاستنجاء حدّ فقال (عليه السلام) لا حتى ينقي ما ثمة و الاستنجاء يطلق على غسل موضع النجو و مسحه كما شهد له النقل و نص عليه أهل اللغة و لموثقة يونس بن يعقوب السّابقة و هذا المذهب قوي

و أمّا الاستدلال بما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان علي بن الحسين (عليه السلام) يتمسّح من الغائط بالكرسف و لا يغسل و عن زرارة في الصحيح أيضا قال كان يستنجي من البول ثلاث مرّات و من الغائط بالمدر و الخرق فضعيف

و يكفي ذو الجهات الثلاث

نقل المصنف عن الشيخ أنه قال أجزأ عنه بعض أصحابنا و الأحوط اعتبار العدد ثم اختار المصنف الإجزاء و نقله عن ابن البرّاج و هو مختار الشهيد و الشيخ علي

و ذهب المحقق و جماعة من المتأخرين إلى عدم الإجزاء و اختاره الشهيد الثاني و ولده احتجوا للأوّل بأن المراد من الأحجار الثلاثة ثلاث مسبحات كما قيل اضربه عشرة أسواط فإن المراد عشر ضربات بالسوط و بأن المقصود إزالة النجاسة و هي حاصلة بذلك و بأنّها لو انفصلت أجزأت فكذا مع الاتّصال و أي عاقل يفرق بين الحجر بغيره متّصلا و منفصلا و بأن الثلاثة لو استجمروا بهذا الحجر لأجزأ كل واحد عن حجر و بقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)إذا جلس أحدكم لحاجته فليمسّح ثلاث مسحات

و أجيب عن الأول بأنه فرق بين قولنا اضربه عشرة أسواط و بين قولنا اضربه بعشرة أسواط و لا نسلّم أن معنى الأخير ما ذكره فالتشبيه غير موافق و أيضا هذا المعنى مخالف للأصل لا يصار إليه إلا عند القرينة كما في المثال على أنّ الشكّ في كونه حقيقة أو مجازا يكفي المعترض لأنّ التّطهير يحتاج إلى الإثبات

و عن الثاني بأن المقصود إزالة النجاسة على الوجه المعتبر شرعا و حصوله ممنوع و عن الثالث بأنه قياس الحال الاتصال بالانفصال و استبعاد التفرقة غير مسموع مع وجود فارق هو النصّ و الغالب في أبواب العبادات رعاية جانب التعبّد

و الفرق بين استجمار كلّ واحد بالواحد و بين استجمار الواحد بكل واحد واضح لحصول الامتثال في الأول دون الثاني و أمّا الاستناد إلى حديث المسحات كما وقع في كلام الشهيد و الشيخ علي فضعيف لكونه ضعيف الإسناد عاميا على الظاهر على أنه مطلق و خبر الأحجار مقيّد و المقيد يحكم على المطلق احتج في المعتبر بقوله (عليه السلام) لا يستنجي أحدكم دون ثلاثة أحجار و بقول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة جرت السّنة في أثر الغائط الحديث

و يمكن الاستدلال أيضا بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار و بأن الشك في حصول البراءة يقتضي استصحاب نجاسة المحل حتى يثبت المزيل

و يمكن الجواب عن الأول بأن الخبر ضعيف عامي فلا يصلح للحجيّة و عن الثاني بأنّ كون ذلك سنّة لا يستلزم عدم جواز غيره و عن الثالث أنّ المفهوم إنّما يكون حجة إذا ثبت أنه ليس للتخصيص فائدة أخرى و يجوز أن يكون سبب التخصيص تحقق النقاء بذلك غالبا أو كونه أفضل الأفراد

و يؤيده ثبوت الإجزاء بغيرها من الخرق و المدر فإن الحمل على ما ذكرنا أولى من القول بالمفهوم و ارتكاب التخصيص و الأجود الاستدلال على مختار المصنف بعموم خبر ابن المغيرة و يونس بن يعقوب و منه يظهر الجواب عن الرابع و ينبغي التنبيه على أمور

الأول لو استجمر بحجر ثم غسله أو كسر ما نجس منه جاز الاستجمار به ثانيا قال المصنف في المنتهى قال و يحتمل على قول الشيخ عدم الإجزاء محافظة على صورة لفظ العدد و فيه بعد قال بعض الأصحاب و الاحتمال المذكور قريب و إن استبعده اللّٰهمّ إلا أن يخرج بالكسر عن اسم الحجر الواحد أو كان استعماله في الزيادة على الثلاث حيث لا يحصل النقاء بها

الثاني المعروف بين الأصحاب حصول الإجزاء بالاستجمار من غير فرق بين استيعاب المحل في كل مسح و بين توزيع المسحات على إجزاء المحل احتج له المحقق في المعتبر بحصول الامتثال على التقديرين و أورد عليه أنه مع التوزيع يكون بمنزلة المسحة الواحدة و أجاب بأن المسحة الواحدة لا يتحقق معه العدد المعتبر و وافقه المصنف في المنتهى

و نقل فيه عن بعض الفقهاء منع ذلك لأنه يكون تلفيقا فيكون بمنزلة مسحة واحدة و لا يكون تكرارا و استضعفه بأنا لو خلينا و الأصل لأجزئ بالواحدة المزيلة لكن لما دل النّص على التعدّد وجب اعتباره و قد حصل و الظاهر من قوله بعض الفقهاء أهل الخلاف شهد له الممارسة و يظهر من كلام جماعة من أصحابنا المتأخرين أن للأصحاب قولا بعدم إجزاء التوزيع قال بعض الأصحاب و أظنه توهما نشأ من نسبة العلّامة القول بذلك إلى بعض الفقهاء

الثالث ذكر المحقق أن الأفضل مسح المحلّ كله بكل حجر و جعله الشيخ في المبسوط أنه أولى و أحوط و ذكر المصنف في النّهاية و التذكرة أنّ الأحسن و الأحوط في كيفية الاستجمار أن يضع واحدا على مقدم الصّفحة اليمنى فيمسحها به إلى مؤخرها و يديره إلى الصّفحة اليسرى فيمسحها به من مؤخرها إلى مقدّمها و يرجع على الموضع الذي بدأ به و يضع الثاني على مقدم الصّفحة اليسرى و يفعل به مثل ذلك و يمسح بالثالث الصّفحتين معا قال

و ينبغي وضع الحجر على موضع طاهر بقرب النجاسة لأنه لو وضعه على النجاسة لا بقي منها شيئا و ينشرها فيتعين حينئذ الماء ثم إذا انتهى إلى النجاسة أدار الحجر قليلا حتّى يرفع كل جزء منه جزءا من النجاسة و لو أمره من غير إدارة لنقل النجاسة من موضع إلى آخر فتعين الماء و لو أمره و لم ينقل فالأقرب الإجزاء لأن الاقتصار على الحجر رخصة و تكليف إدارة الحجر تضييق باب الرخصة و يحتمل عدمه لأنّ الجزء الثاني من المحل يلقى ما ينجس من الحجر و الاستنجاء بالنجس لا يجزي انتهى كلامه و ما قربه متجه و نقل عن ابن الجنيد أنه قال إذا أراد أن يستطيب بالثلاثة الأحجار جعل حجرين للصّفحتين و حجرا للمشربة يدنيه ثم يقلّبه و المشربة بفتح الراء و ضمها مجرى الحدث من الدبر و لم نطلع في أخبارنا على هذه التفاصيل و قيل إن ما ذكره ابن الجنيد مروي من طريق العامة

الرابع لو ترك الاستنجاء و صلّى عامدا أعاد الصّلوة و الظاهر أنه لا خلاف في ذلك بين الأصحاب و لو تركه نسيانا فالمشهور بين الأصحاب أنه يعيد الصّلوة سواء كان في الوقت أو في خارجه دون الوضوء و نقل عن ابن الجنيد أنه قال إذا ترك غسل البول ناسيا يجب الإعادة في الوقت و يستحبّ بعد الوقت و قال أبو جعفر ابن بابويه من صلّى و ذكر بعد ما صلّى أنه لم يغسل ذكره فعليه أن يغسل ذكره و يعيد الوضوء و الصّلوة و من نسي أن يستنجي من الغائط حتى صلى لم يعد الصّلوة

يدل على الأول أخبار كثيرة منها ما رواه الشيخ عن عمرو بن أبي نصر في الصحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أبول و أتوضأ و أنسي استنجائي ثم أذكر بعد ما صليت قال اغسل ذكرك و أعد صلاتك و لا تعد وضوءك و عن زرارة في الصحيح قال توضأت يوما و لم أغسل ذكري ثم صليت فسألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن ذلك فقال اغسل ذكرك و أعد صلاتك

و رواه الكليني عن زرارة في الحسن بإبراهيم بن هاشم و يدل على عدم الوضوء أيضا ما رواه الشيخ و الكليني بتفاوت في المتن عن عليّ بن يقطين في الصحيح عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال سألته عن الرّجل يبول فلا يغسل ذكره حتى يتوضأ وضوء الصّلوة قال يغسل ذكره و لا يعيد وضوءه و عن عمرو بن أبي نصر في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرّجل يبول فينسى أن يغسل ذكره و يتوضأ قال يغسل ذكره و لا يعيد وضوءه

و ما رواه الكليني عن ابن أبي عمير في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرّجل يبول و ينسى أن يغسل ذكره قال يغسل ذكره و يعيد الصّلوة احتج ابن الجنيد بما رواه الشيخ عن هشام بن سالم في الضعيف بأحمد بن هلال عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرّجل يتوضأ و ينسى أن يغسل ذكره و قد بال فقال يغسل ذكره و لا يعيد الصلاة

و هذا الخبر مع ضعفه يدل على التفصيل الذي ذكره ابن الجنيد فظاهره مخالف لما عليه الأصحاب فالتعويل عليه مشكل احتج ابن بابويه على إعادة الوضوء بما رواه الشيخ عن أبي بصير في الموثق

20

قال قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إن أهرقت الماء و نسيت أن تغسل ذكرك حتى صلبت فعليك إعادة الوضوء و غسل ذكرك و عن سليمان بن خالد في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرّجل يتوضّأ و ينسى غسل ذكره قال يغسل ذكره ثم يعيد الوضوء

و عن سماعة بإسناد فيه تأمّل قال قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة فلم تهرق الماء ثم توضّيت و نسيت أن تستنجي فذكرت بعد ما صلّيت فعليك الإعادة فإن كنت أهرقت الماء فنسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك إعادة الوضوء و الصّلوة و غسل ذكرك لأن البول مثل البراز

و رواه الكليني أيضا و الجواب أنّ هذه الأخبار محمولة على الاستحباب جمعا بين الأخبار و يدل على عدم إعادة الصلاة في نسيان الاستنجاء من الغائط ما رواه الشيخ عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال سألته عن رجل ذكر و هو في صلاته أنه لم يستنج من الخلاء قال ينصرف و يستنجي من الخلاء و يعيد الصّلوة و إن ذكر و قد فرغ من صلاته أجزأه ذلك و لا إعادة عليه

و ما رواه الشيخ عن حماد بن عثمان في الصحيح عن عمّار بن موسى الثقة الفطحي قال سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول لو أن رجلا نسي أن يستنجي من الغائط حتى يصلّي لم يعد الصّلوة و أجيب عن الثاني بالقدح في الإسناد لمكان عمّار و عنهما بالحمل على صورة استنجى بالأحجار و نوى الاستنجاء بالماء و هو حمل بعيد

و أكثر الأخبار الدالة على الإعادة مخصوصة بالبول فلا يعارض خبر عمّار فيمكن الجمع بينه و بين الأخبار السّابقة بحمل هذا الخبر على نسيان الاستنجاء من الغائط أو حمل الأخبار السّابقة على الاستحباب و لكن الاجتزاء على خلاف المشهور المخالف للأخبار مشكل

و أما ما رواه الشيخ عن عمرو بن أبي نصر في القوي قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) إنّي صلّيت فذكرت أني لم أغسل ذكري بعد ما صليت فأعيد فقال لا فلا يقاوم الأخبار السّابقة و حمله الشيخ على نفي إعادة الوضوء و هو تأويل بعيد

و يستحبّ

تقديم الرّجل اليسرى دخولا و اليمنى خروجا هذا الحكم مشهور بين الأصحاب و علل بالفرق بين دخول الخلاء و دخول المسجد و قال المحقق في المعتبر لم أجد لهذا حجة غير أن ما ذكره الشيخ و جماعة من الأصحاب حسن و المراد به في البنيان ظاهر و أما في الصحراء فيمكن أن يراد موضع الجلوس فإذا بلغ إليه قدم اليسرى و إذا فرغ قدم اليمنى صرّح به المصنف في النهاية قيل و يلوح من كلام بعض المتأخرين اختصاص الحكم بالبنيان

و تغطية الرأس قال في المعتبر يستحب تغطية الرأس عند دخول الخلاء و التسمية و عليه اتفاق الأصحاب روى علي بن أسباط مرسلا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا دخل الكنيف يقنع رأسه و يقول سرّا في نفسه بسم اللّٰه و باللّٰه لكن عليّ بن أسباط واقفي و الحجة أنه يأمن مع تغطية رأسه من وصول الرائحة إلى دماغه و ذكر المفيد (رحمه اللّٰه) أنها من سنن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)انتهى و ما ذكره (رحمه اللّٰه) مذكور في المقنعة مع غير ذلك من العلل كالأمن من عبث الشيطان و لما فيه من إظهار الحياء من اللّٰه تعالى لكثرة نعمه على العبد و قلة الشكر منه و علّله الصدوق بأنه إقرار غير مبرئ نفسه من العيوب

و الاستبراء عند جمهور الأصحاب و عزى المصنف إلى الشيخ في الإستبصار القول بالوجوب و نقله ابن إدريس عن بعض الأصحاب و اختلف عبارات الأصحاب في كيفيته فقال ابن بابويه ليمسح بإصبعه من عند المقعدة إلى الأنثيين ثلاث مرّات ثم ينتر ذكره ثلاث مرّات و قال ابن الجنيد على ما نقل عنه إذا بال فيستحب أن ينتر ذكره من أصله إلى طرفه ثلاث مرات ليخرج شيء إن كان بقي في المجرى

و قال المفيد في المقنعة فإذا فرغ من حاجته و أراد الاستبراء فليمسّح بإصبعه الوسطى تحت أنثييه إلى أصل القضيب مرّتين أو ثلاثا ليخرج ما فيه من بقية البول و قال الشيخ في النهاية فإذا فرغ فليمسّح بإصبعه من عند مخرج نجو إلى أصل القضيب ثلاث مرات ثم يمر إصبعه على القضيب و ينتره ثلاث مرّات و قريب منه عبارة المبسوط

و نقل منه بعض المتأخرين اعتبار المسحات التّسع المشهورة و لا يخفى عدم دلالته عليه و إن حملها على ما نقل عن ابن بابويه غير بعيد و حكى الفاضلان عن المرتضى نحو ما قاله ابن الجنيد

و قال في المعتبر بعد نقله لكلام الشيخين أبلغ في الاستظهار و قال ابن زهرة في الغنية أما البول فيجب الاستبراء منه أولا بنتر القضيب و المسح من مخرج النجو إلى رأسه ثلاث مرات ليخرج ما لعله باق في المجرى و ادعى إجماع الفرقة فلعلّه أطلق الوجوب على معنى الأعمّ

و قال ابن حمزة في الوسيلة المسح من مخرج النجو إلى أصل القضيب بالإصبع في الاستبراء ثلاث مرّات و ينتر القضيب بين الإبهام و السّبّابة ثلاث مرّات و هو موافق لابن بابويه و قال ابن إدريس و كيفيته أن يمسح بإصبعه من عند مخرج النجو إلى أصل القضيب ثلاث مرات ثم يمر إصبعه على القضيب و يخرطه ثلاث مرات و هو قريب من كلام الشيخ

و ذكر المصنف و المحقق في الشرائع و جماعة من المتأخرين تبعا لهما أنّها المسح باليد من عند المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا و منه إلى رأسه ثلاثا و ينتره ثلاثا و في هذا الكيفية زيادة على المستفاد من العبارات السّابقة إلا أن يحمل كلام الشيخ عليه و هو غير متعين

و المصنف لم ينقل في مقام نقل الخلاف إلّا كلام المرتضى فلعله ظنّ موافقة الشيخين له و ليس الأمر كذلك كما لا يخفى و قال الشهيد في الدروس يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثم إلى رأسه ثم عصر الحشفة ثلاثا ثلاثا و التنحنح ثلاثا و قال في البيان يمسح ما بين المقعدة إلى أصله ثم ينتره ثم عصّر الحشفة مثلثا و التنحنح الذي ذكره الشهيد ذكره المصنف أيضا في بعض كتبه من غير التقييد بالتثليث و نقل الشهيد في الذكرى تثليث التنحنح عن سلّار و حكم صاحب المعالم بكون ذلك وهما و ما ذكره المرتضى (رحمه اللّٰه) أنسب بالرّواية روى الشيخ عن حفص بن البختري في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرّجل يبول قال ينتره ثلاثا ثم إن سال حتى يبلغ السّاق فلا يبالي و النتر الجذب بقوة و جفوة

و روى الكليني عن محمد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل بال و لم يكن معه ماء قال يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات و ينتر طرفه فإن خرج بعد ذلك شيء فليس من البول و لكنه من الحبائل و ذكرها الشيخ بعينه إلا أنه ذكر بدل طرفه ذكره و روى الشيخ عن ابن أبي عمير في الصحيح عن جميل بن صالح الثقة عن عبد الملك بن عمرو و هو غير موثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرّجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللا قال إذا بال فخرج ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاث مرات و غمز ما بينهما ثم استنجى فإن سال حتى يبلغ السّوق فلا يبالي فظهر بما ذكرنا أنّ الزيادات التي ذكرها المتأخرون مع اضطرابها و اختلافها غير موجودة في الرّوايات و غير موافقة لما ذكره القدماء لكن لا حرج فيها فإن الظاهر أن العلة هي إخراج بقايا البول و لكثرة الاستظهار مدخل في حصول الغرض قال في القاموس استنتر من بوله احتبذ به و استخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء حريصا عليه مهتما به و قريب منه في نهاية ابن الأثير و ينبغي التنبيه على أمور

الأوّل لا نعرف خلافا بين علمائنا في أن البلل المتجدد بعد الاستبراء لا حكم له و أن الخارج مع عدم الاستبراء بحكم البول يجب غسل الموضع و إعادة الوضوء فهنا حكمان

أما الحكم الأول فقد نقل ابن إدريس الإجماع عليه و تدل عليه الأخبار المذكورة و ما رواه الكليني عن ابن أبي يعفور في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل بال ثم توضأ و قام إلى الصّلوة فوجد بللا قال لا يتوضأ إنّما ذلك من الحبائل و تدل عليه أيضا صحيحة زيد الشحام و زرارة و محمد بن مسلم و حسنة زرارة السابقة في مبحث أسباب الوضوء و لا بد من تقييد إطلاق هذه الأخبار بالأخبار السّابقة جمعا بين الأدلة و أما ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن عيسى قال كتب إليه رجل هل يجب الوضوء ممّا خرج من الذكر بعد الاستبراء فكتب نعم فلا يصلح لمعارضة الأخبار السّابقة فيحمل على الاستحباب إذ لفظ الوجوب في الأخبار غير صريح في المصطلح عليه بين الأصوليّين و حمله الشيخ في الإستبصار على التقية لموافقته لمذهب أكثر العامة و استضعفه في المنتهى بجهالة المكتوب إليه و ضعف المكاتبة و أما الحكم الثّاني و هو انتقاض الوضوء بالخارج قبل الاستبراء فالظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب و نقل ابن إدريس الإجماع عليه

21

و لعلّ مستنده مفهومات الأخبار السّابقة مضافا إلى قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان السّابقة في مبحث نواقض الوضوء و الودي فمنه الوضوء لأنه يخرج من دريرة البول فلا بد من تخصيصه بصورة عدم الاستبراء جمعا بين الأدلة و المفهومات المذكورة و إن لم تكن صريحة في المدّعى إذ يمكن أن يكون المراد منها الاستحباب لكنّها توجب تقوية الخبر السّابق و تعضده أيضا الشهوة بين الأصحاب و الإجماع المنقول و عدم ظهور الخلاف و توقف اليقين بالبراءة من التكليف الثابت عليه إذ قد ثبت اشتراط صحّة الصّلوة بالوضوء من الحدث لقوله (عليه السلام) لا صلاة إلا بطهور إذ المراد بالطهور طهور غير مرتفع بالحدث و حصوله في محلّ البحث مشكوك و الشك في الشرط يستلزم الشك في المشروط ثم الظاهر عدم الفرق بين كونه موجبا للوضوء و وجوب غسل الموضع و أنه في حكم البول كما صرّح به جماعة من الأصحاب و يدل عليه التعليل المذكور في خبر ابن سنان و الظاهر أنه لا خلاف فيه بينهم و إن كان المصرح به في كلام كثير منهم هو الأول

الثاني الاستبراء ثابت للذكر إجماعا و أثبته جماعة للأنثى فتستبرئ عرضا و نفاه المصنف استنادا إلى الأصل فلا حكم للخارج المشتبه منها للأصل و للتأمل فيه وجه

الثالث ذكر المصنف في التذكرة و الشهيد في الذكرى أنه يستحب الصّبر هنيئة قبل الاستبراء و مستنده غير معلوم بل اللائح من بعض الأخبار خلافه فقد روى الشيخ عن جميل بن درّاج في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا انقطعت درة البول فصبّ الماء و عن داود الصرمي في القوي قال رأيت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) غير مرة يبول و يصيب الماء من ساعة

و الدّعاء دخولا و خروجا و عند الاستنجاء و هو استفعال من النجو و هو الحدث الخارج و المراد به غسل الموضع أو مسحه كما نص عليه أئمة اللغة و عند الفراغ منه روى الكليني و الشيخ عنه عن معاوية بن عمّار بإسناد فيه توقف قال سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول إذا دخلت المخرج فقل بسم اللّٰه اللّٰهمّ إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرّجيم و إذا خرجت بسم اللّٰه و الحمد للّه الذي عافاني من الخبيث المخبث و أماط عني الأذى و إذا توضأت فقل أشهد أن لا إله إلا اللّٰه اللّٰهمّ اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهّرين

و روى الشيخ عن عبد اللّٰه بن ميمون القداح في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليهم السلام) أنه كان إذا خرج من الخلاء قال الحمد للّه الذي رزقني لذته و أبقى قوته في جسدي و أخرج عني أذاه يا لها نعمة ثلاثا

و عن الصادق قال قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)إذا انكشف أحدكم لبول أو غير ذلك فليقل بسم اللّٰه فإنّ الشيطان يغض بصره قال الصدوق في الفقيه كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)إذا أراد دخول المتوضي قال اللّٰهمّ إني أعوذ بك من الرّجس النّجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم اللّٰهمّ أمط عني الأذى و أعذني من الشيطان الرجيم و إذا استوى جالسا للوضوء قال اللّٰهمّ أذهب عني القذى و الأذى و اجعلني من المطهّرين و إذا تزجر [انزجر] قال اللّٰهمّ كما أطعمتنيه هنيئا طيّبا في عافية فاخرج مني خبيثا في عافية و كان (عليه السلام) يقول ما من عبد إلا و به ملك موكل يلوي عنقه حتى ينظر إلى حدثه ثم يقول له الملك يا ابن آدم هذا رزقك فانظر من أين أخذته و إلى ما صار فعند ذلك ينبغي للعبد أن يقول اللّٰهمّ ارزقني الحلال و جنبني الحرام قال الصدوق

و كان (عليه السلام) يعني عليّا (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقول الحمد للّه الحافظ المؤدي فإذا خرج مسح بطنه و قال الحمد للّه الذي أخرج عني أذاه و أبقى في قوته فيا لها من نعمة لا يقدر القادرون قدرها و كان الصادق (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقنع رأسه و يقول في نفسه بسم اللّٰه و باللّٰه و لا إله إلّا اللّٰه ربّ أخرج مني الأذى سرحا بغير حساب و اجعلني لك من الشّاكرين فيما تصرفه عنّي من الأذى و الغم الذي لو حبسته عني لهلكت لك الحمد اعصمني من شر هذه البقعة و أخرجني منها سالما و حل بيني و بين طاعة الشيطان الرّجيم

و يستحب الجمع بين الماء و الأحجار لما رواه الشيخ عن أحمد بن محمّد في الصحيح عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال جرت السّنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار و تتبع بالماء و يستحب ارتياد المكان المناسب لما روى الشيخ عن سليمان الجعفري قال بت مع الرّضا (عليه السلام) في سفح حبل فلمّا كان آخر الليل قام فتنحى و صار على موضع مرتفع فبال و توضّأ و قال من فقه الرّجل أن يرتاد لموضع بوله و بسط سراويله فقام عليه و صلّى صلاة الليل و لبعض الرّوايات الآتية

و ذكر جماعة من الأصحاب استحباب الاستتار و استحباب تأخير كشف العورة حتى يدنو إلى الأرض و الاعتماد في الجلوس على الرجل اليسرى و احتجوا على الأوّل و الثّاني بالتأسّي و على الثالث بتعليم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)أصحابه ذلك

و ذكر المفيد استحباب الابتداء في الاستنجاء بمخرج الغائط و يدل عليه موثقة عمّار السّاباطي

و يكره

الجلوس في الشوارع جمع شارع و هو الطريق الأعظم كما قاله الجوهري و لعلّ المراد هنا أعمّ و المذكور في الرواية الطرق النافذة و المشارع جمع مشرعة و هي موارد المياه كشطوط الأنهار و رءوس الآبار و المذكور في بعض الروايات شطوط الأنهار و في بعضها شفير بئر ماء يستعذب منها أو نهر يستعذب و فيء النزال أي منازلهم كما في الرّواية و تحت الأشجار المثمرة و هذا في المملوك و المباح و أمّا ملك الغير فلا يجوز بغير إذنه و قال الشارح الفاضل و هي ما من شأنها الثمر و إن لم تكن مثمرة بالفعل لإطلاق الخبر و لأنّ بقاء المعنى المشتق منه غير شرط في صدق المشتق عندنا و فيه نظر لأن إطلاق الرّواية بحيث يشمل ما ذكره ممنوع فإن في بعضها مساقط الأثمار و في بعضها تحت الأشجار المثمرة و في بعضها تحت شجرة فيها ثمرتها و شمولها لما لم يكن فيه بالفعل ممنوع و لو لم يشترط بقاء المشتق منه في صدق المشتق يلزم صدق المثمرة على ما أثمر في وقت لا على ما من شأنه ذلك كما لا يخفى

و قال الصدوق لا يجوز التغوّط في فيء النزال و تحت الأشجار المثمرة و العلّة في ذلك ما قاله أبو جعفر الباقر (عليه السلام) إنّ للّه تبارك و تعالى ملائكة وكلهم بنبات الأرض من الشجر و النخل فليس من شجرة و نخلة إلا و معها من اللّٰه عزّ و جلّ ملك يحفظها و ما كان فيها و لو لا أنّ معها من يحفظها لأكلها السّباع و هوام الأرض إذا كان فيها ثمرتها و إنّما نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)أن يضرب أحد من المسلمين خلاء تحت شجرة أو نخلة و قد أثمرت لمكان الملائكة الموكلين بها قال و لذلك يكون الشجرة و النخل أنسا إذا كان فيه حمله لأن الملائكة تحضره و في هذا الخبر دلالة على اختصاص الحكم بوجود الثمرة و لعله أراد بعدم الجواز المعنى الشامل للكراهة

و مواضع اللعن و فسر في بعض الرّوايات عن علي بن الحسين (عليه السلام) بأبواب الدّور و استقبال جرم النيرين الشمس و القمر لا جهتهما لما روي من نهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)و احتمل الشهيدان كراهة استدبارهما معللا بالمساواة في الاحترام و حكم المصنف في النّهاية بنفي كراهة الاستدبار و رواية السّكوني و الكاهلي يختصان بالاستقبال في البول و الأصحاب عمّموا الحكم بالنسبة إلى الحدثين ذكر ابن بابويه في الفقيه و سئل الحسن بن علي (عليهما السلام) ما حد الغائط قال لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و في خبر آخر لا تستقبل الهلال و لا تستدبرها و قال المفيد في المقنعة لا يجوز لأحد أن يستقبل بفرجه قرصي الشمس و القمر في بول و لا غائط و ظاهره التحريم

و الريح بالبول الأنسب تعليقه بالأخير ليوافق المشهور و ما صرّح به في غير هذا الكتاب و الأكثر خصّوا ذلك بالبول و الاستقبال و مستند هذا الحكم مرسلة ابن أبي عمير قال سئل الحسن بن علي (عليه السلام) ما حد الغائط قال لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لا تستقبل الريح و لا تستدبره و ليس في هذه الرّواية تعرض للبول فلا يناسب المدّعى و قد تنبه بذلك الشهيد (رحمه اللّٰه) فأطلق من غير تخصيص بالبول و وجه الاحتجاج بعضهم بأن المراد من الغائط التخلي و هو غير بعيد و الرواية تضمنت الاستدبار أيضا و لم يذكره الأكثر و المتجه عدم الفرق بناء على العمل بهذه الرواية و به حكم الشهيد (رحمه اللّٰه)

و البول في الصّلبة و ما في معناها مما هو مظنة العود للترقي عن النجاسة و التأسي بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله)لما روي في الحسن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال كان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)أشد الناس توقيا من البول كأنّه إذا أراد البول تعمد إلى مكان مرتفع من الأرض أو إلى مكان من الأمكنة فيه التراب الكثير كراهة أن ينضح عليه البول و

في ثقوب الحيوان لما روي من نهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)عن ذلك

22

و لأنه لا يؤمن من حيوان يلسعه كما اتفق لسعد بن عبادة و قيل إنها مساكن الجنّ و في الماء جاريا راكدا إلا أن الكراهة في الراكد أشد على المشهور و نقل عن ظاهر علي بن بابويه في رسالته نفي الكراهة في الجاري احتجّوا بما رواه الشيخ عن الحسين عن بعض أصحابه عن مسمع عنه (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إنه نهى أن يبول الرّجل في الماء الجاري إلّا من ضرورة و قال إنّ للماء أهلا قال في المعتبر لا تنافي بين الرّوايتين لأن الجواز لا ينافي الكراهة

و لا يخفى أنّ ظاهر الرّواية نفي الكراهة في الماء الجاري و كذلك ما رواه الشيخ عن سماعة بإسناد لا يبعد أن يعد من الموثق قال سألته عن الماء الجاري يبال فيه قال لا بأس و عن ابن بكير في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال لا بأس بالبول في الماء الجاري و عن عنبسة بن مصعب في الضّعيف قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرّجل يبول في الماء الجاري قال لا بأس إذا كان الماء جاريا

و رواية مسمع ضعيف لا تصلح لمعارضة تلك الأخبار و روى الصدوق في العلل حديثا صحيح الإسناد يدل على المنع من البول في الماء النقيع ثم اعلم أن المذكور في الروايات البول و بعض الأصحاب اقتصر على موضع الرّواية و بعضهم سوى بينه و بين الغائط

و ذكر بعضهم أنّ ثبوت الكراهة في البول يقتضي ثبوتها في الغائط بطريق أولى و ضعفه ظاهر و يكره أيضا البول قائما لما روى الكليني عن محمّد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال من تخلى على قبر أو بال قائما أو بال في ماء قائما أو مشى في حذاء واحد أو شرب قائما أو خلا في بيت وحده و بات على غمر فأصابه شيء من الشيطان لم يدعه إلّا أن يشاء اللّٰه و أسرع ما يكون الشيطان إلى الإنسان و هو على بعض هذه الحالات فإن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)خرج في سرية فأتى وادي مخبة فنادى أصحابه ألا ليأخذ كل رجل منكم بيد صاحبه و لا يدخلن رجل وحده و لا يمضي رجل وحده قال فتقدم رجل وحده فانتهى إليه و قد صرع فأخبر بذلك رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)فأخذه بإبهامه فغمزها ثم قال بسم اللّٰه اخرج حيث أتى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)فقام

الغمر بالتحريك الدسم و الزهومة من اللحم قاله ابن الأثير و غيره لغير ذلك من الأخبار و يكره التطميح بالبول لما روى الصدوق عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)مرسلا أنه نهى أن يطمح الرّجل ببوله في الهواء من السّطح أو من الشيء المرتفع

و لرواية مسمع و السّكوني و ذكر الشيخ و بعض الأصحاب أنه يكره الجلوس في أفنية الدّور و لم أطلع على مستند له بل الموجود في بعض الرّوايات أفنته المساجد قيل و ربما لاح من كلام بعض المتأخرين الاستناد في التعميم إلى رواية عامية

و اختلف كلام أهل اللغة في تفسير الفناء فقال الجوهري فناء الدار ما امتد من جوانبها و في النهاية و القاموس أنّها المتسع أمام الدار و من الأصحاب من فسّره بما قال الجوهري ثم قال المراد منه هنا حريم الدار خارج المملوك منها

و الأكل و الشرب هذا الحكم مشهور بين الأصحاب و احتج عليه في المعتبر بأنه يتضمّن الاستقذار الدال على مهانة النفس

و احتج عليه أيضا في المنتهى بما روى الصدوق في الفقيه مرسلا قال دخل أبو جعفر الباقر (عليه السلام) الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها و غسلها و دفعها إلى مملوك معه فقال يكون معك كلها إذا خرجت فلمّا خرج (عليه السلام) قال أين اللقمة قال أكلتها يا بن رسول اللّٰه فقال إنّها ما استقرّت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة فاذهب فأنت حر فإني أكره أن أستخدم رجلا من أهل الجنة

و ذلك لأن تأخيره (عليه السلام) مع ما فيه من الثواب العظيم و تعليقه على الخروج يدل على مرجوحية الأكل و ليس في الرواية تعرّض لحال الشرب و ألحق به و احتج عليهم بعضهم بالاشتراك في المعنى و فيه ما فيه

و السّواك لما روى الشيخ عن الحسن بن أشيم قال أكل الأشنان يذيب البدن و التدلك بالخرف يبلي الجسد و السّواك في الخلاء يورث البخر

و الاستنجاء باليمين لما روي من قوله (عليه السلام) أنه من الجفاء و روى الشيخ نهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)عن ذلك و روي عن أبي جعفر (عليه السلام) إذا بال الرّجل فلا يمس ذكره بيمينه و ذكر بعض الأصحاب أنه يكره الاستجمار باليمين أيضا و احتج بأنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)كانت يمناه لطهوره و طعامه و يسراه لخلائه و ما كان من أذى

و باليسار و فيها خاتم عليه اسم اللّٰه تعالى و أنبيائه و أئمته (عليهم السلام) و المراد باسم الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) ما قصد به أحدهم لا ما قصد به اسم موافق لاسمهم و الرواية مخصوصة باسم اللّٰه تعالى و ألحق به اسم الأنبياء و الأئمّة للتعظيم و كره بعضهم استصحاب ذلك في الخلاء مطلقا قال الصدوق و لا يجوز للرّجل أن يدخل إلى الخلاء و معه خاتم عليه اسم اللّٰه أو مصحف فيه القرآن

و روى الشيخ عن عمار السّاباطي في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال لا يمس الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم اللّٰه إلى أن قال و لا يدخل المخرج و هو عليه و عن أبي القاسم في الضعيف عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال قلت له الرّجل يريد الخلاء و عليه خاتم فيها [فيه] اسم اللّٰه تعالى قال ما أحبّ ذلك قال فيكون اسم محمد قال لا بأس و يكره استصحاب دراهم بيض غير مصرورة لرواية غياث عن الصادق (عليه السلام) و يكره الاستنجاء و على يده خاتم فضة من أحجار زمزد قال لا بأس به و لكن إذا أراد الاستنجاء نزعه

و رواه الكليني و في نسخ الكافي زمرّد بدل زمزم قال في الذكرى و سمعناه يعني الزمرد مذاكرة و أورد على الرّواية الأولى أن زمزم من المسجد فلا يجوز أخذ الحصى منه و أجيب باستثنائه بالنصّ و بأنّ الحكم مبني على الوقوع فلا يلزم جوازه و استبعد بعضهم الوجهين سيّما الأول بناء على أنّ مثل هذا النصّ لا تكفي لتخصيص ما وقع الاتفاق عليه من تحريم أخذ الحصى من المسجد و وجهه بما يخرج من البئر على وجه الإصلاح و يكره طول الجلوس على الخلاء

و روي أنه يورث الباسور و الكلام لرواية صفوان و قال ابن بابويه و لا يجوز الكلام على الخلاء لنهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)عن ذلك و روي أن من تكلم على الخلاء لم يقض حاجته بغير الذكر و يدل عليه ما رواه الكليني عن أبي حمزة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال مكتوب في التوراة التي لم تغير أن موسى سأل ربه فقال إلهي إنه يأتي علي مجالس أغرك و أجلك أن أذكرك فيها فقال يا موسى إن ذكري حسن على كل حال و الحاجة لانتفاء الحرج و التقييد بالحاجة يخرج ما لو حصل الغرض بغير الكلام كالتصفيق و شبهه

و آية الكرسي لما رواه الصّدوق عن عمر بن يزيد في الصحيح و قد سأله عن التسبيح في المخرج و قراءة القرآن لم يرخص في الكنيف أكثر من آية الكرسي و يحمد اللّٰه أو آية الحمد للّه ربّ العالمين و استثني حكاية الأذان أيضا لما رواه الصدوق في الفقيه عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال لمحمّد بن مسلم يا ابن مسلم لا تدعن ذكر اللّٰه على كل حال و لو سمعت المنادي ينادي بالأذان و أنت على الخلاء فاذكر اللّٰه عز و جل قل كما يقول و هذه الرواية مذكورة في كتاب علل الشرائع بطرق صحيح و أمّا طريقها في الفقيه فلا يعد من الصحاح عند الأكثر لأن في طريق الصّدوق إلى محمد بن مسلم أولاد البرقي و لم يوثقوهم في كتب الرجال و لكن التحقيق عندي يقتضي إلحاقه بالصحاح لأن الصدوق صرح في أول كتابه بأن جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول فالظاهر أن نقل الرواية المذكورة من كتاب أحمد بن أبي عبد اللّٰه البرقي إذ ليس للمتأخر عنه كتاب و تلك الكتب كانت معروفة عندهم و ذكر الوسائط و مشايخ الإجازة رعاية لاتصال السّند فلا يضر عدم ثقتهم و من هذا القبيل ذكر أولاد أحمد في الطريق و يعضد هذه الرواية غيرها ممّا يدل على مدلولها كرواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إن سمعت الأذان و أنت على الخلاء فقل مثل ما يقول المؤذن و لا تدع ذكر اللّٰه عز و جل في تلك الحال لأن ذكر اللّٰه حسن على كلّ حال و عن سليمان بن مقبل المدني قال قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) لأيّ علة يستحب للإنسان إذا سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن و إن كان على البول أو الغائط قال لأن ذلك يزيد في الرّزق

و بهذا ظهر ضعف ما ذكره الشارح الفاضل من استثناء الحيعلات من حكاية الأذان بناء على أنه ليس بذكر و عدم النص عليه بالخصوص و استثنى من الكلام رد السلام لعموم الأمر به و استثنى المصنف الحمد عند العطسة و تسميت العاطس محتجا بكونهما ذكرا

و تجب في الوضوء

النية نقل جماعة من الأصحاب الإجماع على وجوب النية في الوضوء كالشيخ في الخلاف و المصنف في التذكرة و ابن زهرة في الغنية و قال في المعتبر إنه مذهب الثلاثة و أتباعهم

23

و ابن الجنيد ثم قال لم أعرف لقدمائنا نصّا على التعيين و نقل الشهيد في الذكرى عن ابن الجنيد القول باستحبابها و القول بأنه لو غربت عنه النيّة قبل ابتداء الطهارة ثم اعتقد ذلك و هو في عملها أجزأه ذلك و عن الجعفي القول بأنه لا بأس إن تقدّمت النية العمل أو كان معه و هي لغة مطلق العزم و أما شرعا فقد اختلف عبارات الأصحاب و أقاويلهم في القدر الواجب منها فالمفيد في المقنعة و الشيخ في النهاية اكتفيا بالقربة و هو المحكي عن المحقق في بعض رسائله

و في المبسوط ذكر نية الرفع أو استباحة مشروط بالطهارة و لم يذكر القربة قال الشهيد و الظاهر أنه تركها لظهورها و المحقق في المعتبر صرّح بالقربة و أحد الأمرين و عدم اشتراط الوجوب أو الندب مع عدم اشتراط أحد الأمرين المذكورين و ابن زهرة في الغنية جمع بين الأربعة و بين الطاعة

و اختار الشهيد القربة و الوجوب أو الندب و أحد الأمرين و المصنف في القواعد ذكر القربة و أحد الأمرين و الوجوب و الندب أو جهتهما و هنا أقوال أخر نقلها الشهيد في الذكرى

الأوّل الاستباحة قال إنه يلوح من كلام المرتضى

الثاني الجمع بين القربة و الوجه و الرفع و الاستباحة و نسبه إلى أبي الصّلاح و ابن البراج و ابن حمزة و الراوندي

الثالث الوجوب أو وجهه إن كان واجبا أو الندب و الرفع أو الاستباحة ذكر أنه مستفاد من تفاريق كلام ابن إدريس قال إنه لم يذكر القربة و ادعى الإجماع على وجوب نية الرفع أو الاستباحة

الرابع إطلاق النية و نسبه إلى الجعفي و سلار و اعلم أنه ثبت بالأدلة الكثيرة تحريم الرّياء في العبادات و إيجاب أن يكون الفعل للّه و هذا يقتضي أن تكون العلة الغائية للفعل هو إرادة التقرب إلى اللّٰه سبحانه بأحد المعنيين أعني موافقة إرادته أو طلب الرفعة و نيل الثواب عنده بمعنى أنه كلما ذكر الفعل في أثنائه كان معتقدا أن الغرض منه التقرب فإن ثبت إجماع على وجوب أمر زائد على ذلك كان هو المعتمد و إلا كان للتأمّل مجال

قال صاحب البشرى على ما حكى عنه الشهيد (رحمه اللّٰه) في الذكرى لم أعرف نقلا متواترا و لا آحادا يقتضي القصد إلى رفع الحدث أو الاستباحة لكن علمنا يقينا أنه لا بد من نية القربة و إلا كان هذا من باب اسكتوا عمّا سكت اللّٰه عنه و الظاهر أنّ من ذكر النية من القدماء و أطلق لم يقصد سوى ما ذكرنا و أكثرهم لم يذكروها و كأنهم أغناهم التشديد العظيم الواقع في الشريعة في تحريم الرياء و إيجاب أن يكون الطاعات للّه عن ذكرها بخصوصها

و لعلّ لهذه العلة لم يقع حديث النية في شيء من الأخبار الواردة في بيان حقائق الوضوء و الصّلاة و غيرهما خصوصا في مواقع التعليم و البيان مع عموم البلوى بها و شدة الاحتياج إليها و غاية إشفاقهم على شيعتهم و من هنا يظهر أن أمر النية هين مسامح فيه لا يجري فيها التدقيقات التي ذكرها المتأخرون حتى استصعب على رهط من النّاس فوقعوا في الشدة و الوسواس على خلاف ما عهد من سنن الأئمّة و طريقة كبراء القوم و عظماء الأسلاف

و من هنا قال بعض الفضلاء لو كلف اللّٰه العباد بغير نية كان تكليفا بما لا يطاق و اقترب من الحقّ نعم الأمر المهم إخلاص العمل و تصفيتها عن ثوب الرياء الذي هو أخفى من دبيب النملة السّوداء في الليلة الظلماء على الصّخرة الصّمّاء و تخليصها عن الأغراض الفاسدة و الدّواعي الباطلة و هو مرتبة مستصعبة لا ينال أقصاها إلا الأنبياء و الأولياء و الصّدّيقون

و كأنه إشارة إليه ما روي عن كلام مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) تخليص العمل من الفساد أشد من طول الجهاد و تتفاوت درجات المريدين في نيل هذه البغية و درك هذا المطلب و إنّما يحصل الترقي على مراقيه العالية و الصّعود على مراتبه السّامية بسبب كثرة الرّياضات الشرعيّة و قوة المجاهدات العقلية و تطويع القوى للقوى العاقلة و كسر الدّواعي البدنية و التزهد في الدّنيا البائدة الهامدة و حط الأغراض الزائلة الفاسدة و التحلي بحلية الصالحين و اقتفاء آثار المتقين جعلنا اللّٰه و إيّاكم من الواصلين إلى هذه الدّرجة الفائزين بنيل هذه البغية فإنّها من أعاظم مطالب الطالبين

ثم اعلم أنهم استدلّوا على وجوب النية بقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الآية و فيه نظر سيظهر و بقوله (عليه السلام) إنّما الأعمال بالنيات بناء على أن الظاهر من الحصر انتفاء حقيقة العمل عند انتفاء النية و حيث تعذّر الحمل على هذا نحمله على أقرب المعاني إليه و هو نفي الصحة و المشروعية

و فيه نظر لأن الأعمال أعمّ من العبادات بحسب اللغة و العرف و لم يثبت هنا حقيقة شرعية توجب حملها عليها أو توجب التشكيك في حملها على المعنى اللغوي فيجب حملها على المعنى اللغوي

و حينئذ لو حمل الحصر على نفي الصحّة بدون النية يلزم التخصيص و إخراج غير العبادات فيجب الحمل على نفي الثواب بدونها حتى لا يلزم ذلك و مقاومة قرب المجاز اللازم في الأوّل اللازم في الثاني ممنوعة و لو نوقش في لزوم حمل الأعمال على المعنى اللغوي كانت غاية الأمر الشك في مدلوله فلم يبق وثوق في الحمل على نفي الصحة في مقام الاستدلال على أن الخبر غير صريح في الدلالة على وجوب النية بالمعنى المصطلح لما فيه من الإجمال و قريب منه الاستدلال بحديث لا عمل إلا بنية و إنما لكل امرئ ما نوى بل هو أخفى دلالة على المطلوب

و هي عند المصنف إرادة الفعل فبدون الإرادة لا يكون ناويا بل إن صدر الفعل كان على سبيل السّهو و النسيان لوجوبه أو ندبه أو لوجههما و المراد بالوجه الغاية التي لأجلها كان ذلك الحكم و هو كونه لطفا في التكاليف العقلية أو كونه إخلالا بالمفسدة الحاصلة في الترك و عند أبي القاسم البلخي من المعتزلة كونه شكرا لنعم اللّٰه تعالى و عند الأشعريّة أن الأحكام إنما شرعت لمجرد الأمر و النهي لا لأجل غاية أخرى بناء على نفي قاعدة التحسين و التقبيح العقليين و نفي الغرض عن أفعاله تعالى ثم الظاهر أنّ هذا الحكم من المصنف مبني على ما ذكره في كتبه الكلامية وفاقا للمحقّق الطوسي و غيره ممن يذهب مذهب العدل أنه يشترط في استحقاق الثواب على فعل الواجب أن يوقع لوجوبه أو لوجه وجوبه و المندوب كذلك لا للذة أو عادة أو غيرهما

و الظاهر من كلام المصنف أنه وجب عليه الجمع بين غاية التقرب و الوجوب التعليلي فلو فعله لوجوبه من غير ملاحظة التقرب أو فعله متقربا من غير أن يكون الوجوب علّة للفعل و إن لاحظ اتصافه بالوجوب لم يكف

و من هنا يظهر أنّ القائلين باشتراط نية الوجوب أو الندب منهم من يكتفي بقصد أحدهما من غير ملاحظة تعليل الفعل به كما هو ظاهر الأكثر و منهم من لم يكتف بذلك بل الشهيد ره في الدروس جمع بين الوجوب الوصفي و التعليلي في نية الصّلاة و قد ينقل عن الشهيد ره أن ذكر الوجوب هنا لإخراج عبادة و فيه أن القربة كاف لإخراج الرّياء

و ممّا استدل به على اشتراط نية الوجوب أو الندب وجهان الأول أن إيقاع الفعل على وجهه واجب و لا يتم إلا بذلك و رد بأنه إن أريد بوجوب إيقاع الفعل على وجهه إيقاعه على الوجه المأمور به شرعا فمسلم لكن كون النية المذكورة ممّا يعتبر شرعا أوّل البحث و إن أريد به إيقاعه مع قصد وجهه الذي هو الوجوب أو الندب فممنوع و هل هو إلا مصادرة

الثاني أن الوضوء يقع تارة على وجه الوجوب و تارة على وجه الندب فحيث كان أحد الأمرين مطلوبا اشترط تشخيصه بأحد الأمرين ليتميز عن مقابله و فيه أن اجتماع القسمين في زمان واحد ممنوع على أن التميز لا يتوقف على ما ذكرتم لجواز حصوله بالغاية و استدل نافي الاشتراط بمفهوم الحصر في قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ الآية فلو زيد عليه لكان نسخا لمنافاة الزيادة له و استضعف بمنع أن مطلق الزيادة مناف للإخلاص و الحصر بل إنّما ينافيهما ما ينافي الإخلاص و الأولى التمسّك بأصل الإباحة و إطلاق الآية

قال المحقق في بعض تحقيقاته الذي ظهر لي أن نية الوجوب و الندب ليست شرطا في صحة الطهارة و إنّما يفتقر الوضوء إلى نية القربة و هو اختيار الشيخ أبي جعفر الطوسي ره في النهاية فإن الإخلال بنية الوجوب ليس مؤثرا في بطلانه و لا إضافتها مضرّة و لو كانت غير مطابقة لحال الوضوء في

24

وجوبه و ندبه و ما يقول المتكلمون من أنّ الإرادة تؤثر في حسن الفعل و قبحه فإذا نوى الوجوب و الوضوء مندوب فقد قصد إيقاع الفعل على غير وجهه كلام شعري و لو كان له حقيقة لكان النّاوي مخطئا في نيته و لم تكن النية مخرجة للوضوء عن التقرب به

انتهى كلامه و هو حسن متقربا إلى اللّٰه تعالى و المراد به موافقة إرادة اللّٰه تعالى و امتثال أمره أو نيل الثواب عنده تشبيها لرفعة الشأن بقرب المكان و لا ريب في إجزاء الأول و كونه أفضل من الثاني لكونه أقرب إلى درجة الإخلاص و أنسب بمقام العبودية و عليه مدائح كثيرة في الكتاب و السّنة

و أمّا الثاني و هو طلب الثواب و في حكمه الخوف من العقاب فقد نقل الشهيد ره في قواعده عن الأصحاب القول ببطلان العبادة بهاتين الغايتين و به قطع السيّد رضي الدّين ابن طاوس

ثم اختار الشهيد في القواعد و في الذكرى محتجا بأن قصد الثواب لا يخرج عن ابتغاء اللّٰه بالعمل لأن الثواب لمّا كان من عند اللّٰه فمبتغيه مبتغ لوجه اللّٰه في الجملة و لا يقدح كون تلك الغاية باعثة على العبادة لأنّ الكتاب و السنة مشتملة على المرهبات و الإيعاد بالعقوبات و على المرغبات من المدح و الثناء في العاجل و الجنة و نعيمها في الآجل قال ره و لو قصد المكلف الطاعة للّه تعالى و ابتغاء وجهه كان كافيا و يكفي عن الجميع قصد اللّٰه سبحانه

هذا ما أفاده ره و يدل على إجزاء العبادة بهما كثير من الظواهر كقوله تعالى يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً- وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً و قوله تعالى رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ إِقٰامِ الصَّلٰاةِ وَ إِيتٰاءِ الزَّكٰاةِ يَخٰافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصٰارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللّٰهُ أَحْسَنَ مٰا عَمِلُوا

و استدل بعضهم في ذلك إلى قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي راجين للفلاح أو لكي تفلحوا قاله الطبرسي

و للتأمّل فيه مجال و ممّا يؤيّد إجزاء الصّلاة ما روي عنهم (عليهم السلام) من بلغه ثواب من اللّٰه على عمل فعمله التماس ذلك الثواب أوتيه و إن لم يكن الحديث كما بلغه و غير ذلك ممّا يدل على المدح بالأعمال خوفا و رجاء في الأخبار الكثيرة بل يستفاد ذلك من الترغيبات و الترهيبات المشتمل عليها الكتاب و السنة و يؤيّد ذلك صعوبة الخلاص من ذلك خصوصا بالنسبة إلى العوام و من قصرت درجته عن منازل الكاملين فتكليفهم بمثل هذه المرتبة و المرتبة السّابقة بون بعيد و أشار الصادق (عليه السلام) إلى تفاوت درجات العباد فيما روى عنه هارون بن خارجة في الحسن قال إن العبّاد ثلاثة قوم عبدوا اللّٰه عز و جل خوفا فتلك عبادة العبيد و قوم عبدوا اللّٰه تبارك و تعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء و قوم عبدوا اللّٰه عز و جل حبا له فتلك عبادة الأحرار و هي أفضل العبادة

و هذا يدل على إجزاء غيرها و بالجملة الظاهر أن المكلف إذا أتى بالفعل للّه من غير قصد آخر أو امتثالا لأمره أو موافقة لإرادته أو لكونه أهلا للعبادة أو حبا له أو انقيادا أو إجابة لدعوته أو ابتغاء لمرضاته إلى غير ذلك كان مجزيا

و إنّما أثر الأصحاب لفظ القربة مع غموض معناها اقتفاء لوقوعها كثيرا في الألفاظ الشرعيّة كقوله تعالى أَلٰا إِنَّهٰا قُرْبَةٌ لَهُمْ و قوله تعالى وَ يَتَّخِذُ مٰا يُنْفِقُ قُرُبٰاتٍ و قوله (عليه السلام) أقرب ما يكون العبد إلى ربه و هو ساجد

ثم لا يخفى أن الأقرب في الاستدلال على وجوب القربة بالأخبار الدالة على تحريم الرياء في العبادات مطلقا و إيجاب أن يكون الأعمال للّه و أما الاستدلال عليه بقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ الآية بأنه حصر فيها غاية كل أمر في العبادة حال الإخلاص و لو حصل الامتثال بدون الإخلاص لم تكن الغاية منحصرة فيه و الضمير و إن كان لأهل الكتاب لكن يثبت حكمه في حقنا قوله تعالى بعد ذلك وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي المستمرة على جهة الصواب على ما قاله الإمام الطبرسي فللتأمّل فيه مجال إذ يجوز أن يكون المراد بالإخلاص تخصيص العبادة باللّٰه تعالى من دون غيره من الآلهة كقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ و قوله تعالى قُلْ إِنَّمٰا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّٰهَ وَ لٰا أُشْرِكَ بِهِ و قوله تعالى أَمَرَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ ذٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ

و ما رواه الكليني عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قول اللّٰه عز و جلّ حَنِيفاً مُسْلِماً قال خالصا مخلصا ليس فيه شيء من عبادة الأوثان و أيضا ليس هنا حصر الغاية في مجرد العبادة في حال الإخلاص بل ضم إليه الصّلاة و الزكاة فلا يلزم وجوب الإخلاص في كلّ عبادة و أيضا يجوز أن يكون المراد الطاعة لكن يكون التعريف للعهد إشارة إلى الطاعة التي يتحقق به أصل الدين و يؤيده قوله تعالى وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ و على هذا لا يلزم إلا وجوب الإخلاص في أصل الدين و الملة لا في كلّ عبادة و كذا الاستدلال بقوله تعالى فَادْعُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لمنع أن المراد بالإخلاص فيه نية التقرب و منع العموم في كلّ عبادة لأن الأمر لا يدل على التكرار

و كذا قوله تعالى قُلِ اللّٰهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي بناء على وجوب التأسّي لما فيه من بعض النوع السّابقة على أنّ وجوب التأسّي إنما يكون عند العلم بوجه الوجوب و إثباته هنا يحتاج إلى بيان

و في وجوب نية رفع الحدث أو الاستباحة للصلاة أو شيء آخر مشروط بالوضوء قولان احتج النافي بالأصل و الموجب بقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا أي لأجل الصّلاة فإن ذلك هو المفهوم منه لغة فإذا قيل إذا لقيت الأمير فخذ أهبتك و إذا لقيت الأسد فخذ سلاحك يفهم منه طلب الأخذ لأجل لقاء الأمير و الأسد و لا معنى لفعله لأجل الصّلاة الآتية استباحتها به

و فيه بحث لأن غاية ما يلزم ممّا ذكرتم أن يكون الوجوب لأجل الصّلاة على أن يكون الظرف قيدا للوجوب لا وجوب الوضوء لأجل الصّلاة على أن يكون الظرف قيدا للوضوء حتى إذا لم يصدر عنه الوضوء المعلل المغيّا بكونه لأجل الصّلاة لم يكن ممتثلا على أنه لو سلّم ذلك لا يلزم منه وجوب نية الاستباحة عند الفعل كما يدعونه

و يرد عليه أيضا أن هذا الدليل لو تم لدل على وجوب نية الاستباحة تعيينا كما هو مذهب المرتضى لا التخيير بينه و بين الرفع لأن المستفاد من الآية وجوب نية الاستباحة كما ادعوا فإن كان ذلك ظاهرا في الوجوب العيني ثبت ما قلنا و إلا فلا خفاء في أنّ القول بكون شيء قائما مقامه بدلا عنه يحتاج إلى دليل فإذا انتفى الدّليل كان القول بتعين الاستباحة متعينا فاندفع ما يقال في الجواب من أن الاستباحة أحد الفردين الواجبين و أحد أفراد الواجب المخير يصدق عليه الوجوب بقول مطلق

ثم نقول إمّا أن يكون نية الرفع يستلزم نية الاستباحة أم لا و على الأول كان صحة النية باعتبار اشتماله على نية الاستباحة المطلوبة و كان ضم الرفع إليه لغوا عبثا لا عبرة به و على الثاني كانت النية غير صحيحة لعدم اشتمالها على نية الاستباحة و لا يحتاج دفعه إلى تكلف دفع الاستلزام البين كما ارتكبه الشارح الفاضل إذ الظاهر أن المراد برفع الحدث رفع الحالة التي لا يصحّ معها الدخول في الصّلاة و غيرها من غايات الوضوء و هذا مستلزم للاستباحة لزوما بينا فإن منعه مانع كان للقائل بالتخيير أن يقول إنّ مرادنا برفع الحدث هذا المعنى فلا وجه لمنعه

و تجب استدامتها حكما إلى الفراغ بمعنى أن لا ينوي نية تنافي النية الأولى بأن يقصد إبطال العمل أو ما يعلم أنه يبطل العمل أو يقصد ببعض الأجزاء الرياء أو غاية أخرى غير التقرب و إن رجع إلى النية الصحيحة قبل الإتيان بشيء من الأفعال أو بعده مع عدم جفاف الأعضاء السّابقة صحّ وضوؤه و هذا الحكم بناء على ما ذكرنا من أن الأخبار و الإجماع دالان على وجوب أن يكون الفعل للّه و أن يكون القصد منه التقرب فإذا نوى في الأثناء نية أخرى مخالفة للنية الأولى لم يكن ما يأتي به بعد تلك النية للّه تعالى و لم يقصد به التقرب إليه فلم يصدق أن مجموع العمل للّه

أما لو رجع إلى القصد الأول كان المجموع حاصلا بالغرض الصحيح و لم يثبت أن تخلل هذه النية الفاسدة ضائر و قال ابن زهرة في الغنية الفرض الثالث استمرار حكم هذه النية إلى حين الفراغ من العبادة و ذلك بأن يكون ذاكرا لها غير فاعل لنية تخالفها بالإجماع

و فسر الشهيد الاستدامة الحكمية في الذكرى بالبقاء على حكمها و العزم على مقتضاها استنادا

25

إلى أنّ مقتضى الدّليل الاستدامة الفعلية لكن لما تعسّر ذلك أو تعذر اكتفى بالاستدامة الحكمية دفعا للحرج و لعلّ مراده من العزم المذكور العزم عليه كلّما ذكر لا مطلقا و لكون هذا التقييد مذكورا في قواعده و تصريحه في الذكرى و غيره بأن غروب الاستدامة غير قادح في الصحة فلا يرد أنّ ما ذكره يقتضي بطلان عبادة الذاهل في الأثناء و هو باطل إجماعا على أن الإجماع المذكور ممنوع

و المستند ما سمعته من كلام ابن زهرة و لا أن الاستدامة المذكورة هي بعينها الاستدامة الفعلية التي نفاها أو لا بل هي نفس النية إذ هي عبارة عن العزم المخصوص على أن المراد من العزم المذكور مجرد العزم على الفعل على الوجه الذي قصد أولا من غير ملاحظة سائر الخصوصيات المعتبرة في النية و كان مراد الشهيد ره من الدليل الذي جعل مقتضى الاستدامة الفعلية خبر إنما الأعمال بالنيّات

و في دلالته على ذلك تأمّل لأنه على تقدير تسليم أن المراد منه نفي الصحة بدون النية يجوز أن يكون المراد من الأعمال المعهودة من الشارع كالصّلاة و الحجّ و غيرهما و الأجزاء غير داخلة في ذلك إلا على سبيل التضمّن و الدلالة التضمنيّة ملغاة في أمثال هذه المواضع فغاية ما يلزم وجوب تلبّس العمل بالنية و مقارنته بها و هو لا يقتضي بقاءها إلى آخره فإنه غير مستفاد من الملابسة المفهومة من الباء أ لا ترى أن قوله (عليه السلام) لا صلاة إلا بطهور و لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب لا يقتضي إلا ملابسة الصّلاة بهما من غير استصحاب مستمرّ كما في قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ و قولهم بالرفاء و البنين فأورد عليه أيضا بأن مقتضى الدّليل على تقدير تمامه الاستدامة الفعلية بقدر الإمكان لعدم الدليل الدال على الاكتفاء بالاستدامة الحكمية حتى يقال إنه بدل مخصوص فلا ينتقل إلى غيره و يمكن أن يقال قد دل الدليل على استمرار العزم مع باقي الخصوصيات و غير العزم منفي بالإجماع فيبقى العزم على المقتضي واجبا لكنّه ره لم يتمسك بنفي ذلك بل بنفي الحرج و فيه ما فيه

ثم إنه ره نسب التفسير الذي ذكرنا أولا إلى الشيخ في المبسوط و كثير من الأصحاب ثم قال و كأنه نبأ منهم على أن الباقي مستغن عن المؤثر و قيل إنه في رسالة الحج بنى كلا التفسيرين على أن الباقي هل هو محتاج إلى المؤثر أم لا و هو ضعيف جدّا

فلو نوى المكلف بوضوئه التبرد خاصة من دون انضمام القربة و سائر ما يعتبر في النية أو ضم الرّياء إلى التقرب بطل هذا هو المشهور بين الأصحاب و المحكي عن ظاهر كلام السيّد المرتضى القول بإجزاء العبادة المنوي بها الرياء بمعنى سقوط القضاء لا حصول الثواب و هو مبني على قاعدته من عدم الملازمة بين صحّة الأعمال و قبولها فبالصحة يحصل الامتثال و بالقبول يستحق الثواب و الاستدلال على المشهور بقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ الآية ضعيف فإنه مع المنوع السّابقة

يرد عليه أيضا أن ليس المراد حصر غاية كل عبادة في العبادة حال الإخلاص و إلا لم يصحّ عطف الصّلاة و الزكاة عليه بل المراد حصر غاية الجميع في ذلك و حينئذ يجوز أن يكون أصل العبادة غاية لبعض الأوامر و الإخلاص غاية لبعضها فلا يلزم اشتراط العبادة بالإخلاص مع إمكان النزاع في كون ذلك إشارة إلى الحصر المذكور يجوز أن تكون إشارة إلى العبادة في حال الإخلاص فلا يلزم الوجوب في حقنا بخلاف ما لو ضم التبرد هذا الحكم مشهور بين الأصحاب لعدم منافاة الضميمة لنية القربة كنية الغازي القربة و الغنيمة و قيل بالبطلان لمنافاته الإخلاص المعتبر شرعا و إثبات ذلك لا يخلو عن إشكال و قال الشهيد في قواعده يحتمل أن يقال إن كان الباعث الأصلي هو القربة ثم طرأ التبرد عند الابتداء في الفعل لم يضر و إن كان الباعث الأصلي هو التبرد فلمّا أراده ضم القربة لم يجز و كذا إذا كان الباعث مجموع الأمرين لأنه لا أولوية حينئذ تدافعا و تساقطا

و الظاهر أن نية القربة إن كانت غالبة فالمتجه الصحة و إلا فمحل إشكال هذا كله إذا لم تكن الضميمة أمرا راجحا شرعا و إلا فالوجه الصحّة مطلقا و من هذا الباب قصد الإمام بتكبيرة الإحرام إعلام القوم و ضم الصّائم إلى الصّوم نيّة الحميّة و إرادة تأسي الغير به عند إظهار الخير و يقارن بها غسل اليدين المستحب لأجل الوضوء على تفصيل يأتي من كون الغسل عن النوم أو البول أو الغائط لا من الريح و لا إذا كان مستحبا بسبب آخر كما إذا أراد الوضوء بعد الأكل أو واجبا كما إذا كانت نجسة كذا ذكره بعض الأصحاب و هو مخصوص بغسل اليدين دون باقي المستحبات كالسّواك و التسمية و ادّعى الشّارح الإجماع عليه

و يمكن القول بأن الغسل في الصّورة الأخيرة لأجل الوضوء و يؤيده ما ورد من التعليل في النّائم بأنه لا يدري أين باتت يده و من كون الغسل من ماء قليل من إناء واسع الرأس و سيأتي الكلام فيه و أولى بالجواز تقديمها عند المضمضة و الاستنشاق

و نقل عن ابن إدريس أنه جوز التقديم عند غسل اليدين في الغسل دون الوضوء بل في الوضوء أن يقارن المضمضة و الاستنشاق حسب و مثل ذلك قال ابن زهرة تعليلا بأنهما من مندوبات الوضوء و قال الشهيد إن ذلك تحكم

و نقل عن بعض أهل العلم التوقف فيهما نظرا إلى أنّ مسمّى الوضوء الحقيقي غيرهما و للقطع بالصحّة إذا قارن غسل الوجه دون غيره و يمكن تأييده بأنه ثبت توقف صحة الوضوء على نية ما و عند التقديم يحصل الشك في حصول الشرط فيجب الأخذ بالمتيقن و ذلك بناء على أن التكليف إذا كان مردّدا بين أمرين يجب الأخذ بما يحصل به اليقين بالبراءة و قد حققناه في غير هذا الكتاب

و يمكن دفعه بأن القدر الثابت اشتراط الوضوء بنية شاملة للجميع و لم يثبت أكثر من ذلك فيكون تقييد إطلاق الآية متقدرا بهذا القدر و من هنا يظهر قوة القول بالتوسعة كما هو المشهور لكن الأحوط تأخير النية إلى ابتداء غسل الوجه و أفراد المسنونات السّابقة بنية

و أمّا المستحبات الواقعة في أثناء الوضوء فلا يجب التعرض لها حال النية بل يكفي نية التقرب حال فعلها و المقارنة المذكورة على سبيل الجواز و السّعة لا الوجوب

و يتضيق عند غسل الوجه و المراد ابتداؤه إذ لو أخر عن ذلك لم يكن مجموع الفعل حاصلا بنيّة التقرب و لا متلبسا بالنية و يلوح مما نقلنا سابقا عن الجعفي و ابن الجنيد الخلاف في ذلك

و غسل الوجه بما يسمى غسلا قال الشارح الفاضل هو في اللغة إمرار الماء على وجه التنظيف و التحسين و إزالة الوسخ و نحوها و المراد هنا ما يحصل معه الجريان على جميع أجزاء ما يجب غسله و أقله أن يجري جزء من الماء على جزءين من البشرة و لو بمعاون انتهى و الأقرب تحديده بالعرف و الظاهر أن الغسل المأمور به في الوضوء لا يحصل بدون الجريان و يؤيده ما رواه الشيخ و الكليني عن زرارة في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره فقد أجزأه و يحدد الجريان بالعرف

و أما الرّوايات الدالة على إجزاء مثل الدهن مثل ما رواه الشيخ عن زرارة و محمد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم و رواه الكليني بإسنادين أحدهما السّند السّابق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إنما الوضوء حد من حدود اللّٰه ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه و أن المؤمن لا ينجسه شيء إنما يكفيه مثل الدهن و ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه أن عليّا (عليه السلام) كان يقول الغسل من الجنابة و الوضوء يجزي منه ما أجري من الدهن الذي يبل الجسد و لو لا في طريق هذه الرّواية غياث بن كلوب لكانت من الحسان و أما غياث فلم يوثقوه في كتب الرجال

و يظهر من كلام الشيخ في العدة أنه عامي لكن الأصحاب يعملون بأخباره و ما رواه الكليني بإسناد فيه توقف عن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يأخذ أحدكم الرائحة من الدّهن فيملأ بها جسده و الماء أوسع من ذلك و ما رواه الشيخ عن زرارة في الموثق بابن بكير و الحسن بن علي بن فضال قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غسل الجنابة قال أفض على رأسك ثلاث أكف و عن يمينك و عن يسارك إنما يكفيك مثل الدّهن

فقد حملها الشهيد ره على الدهن الذي يحصل معه الجريان توفيقا بينه و بين مفهوم الغسل و لأن أهل اللغة يقولون دهن المطر الأرض إذا بلها بلا يسيرا و يخدش الأخير أن حمل الدهن على هذا المعنى

26

بعيد بل الظّاهر أنّ المراد من الدّهن اطلاء الجسد بالدّهن و يؤيده رواية محمد بن مسلم السّابقة و التأويل الأول أيضا بعيد في هذه الرّواية و حملها على الضرورة أو عوز الماء على ما ذكره الشيخان أقرب

و يؤيده ما رواه الشيخ عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال أسبغ الوضوء إن وجدت ماء و إلا فإنه يكفيك اليسير و على ما ذكر تحمل الروايات الدالة على إجزاء القليل و إن لم يكن بلفظ الدهن مثل ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) في الوضوء قال إذا مسّ جلدك الماء فحسبك

و ما رواه الشيخ و الكليني عن هارون بن حمزة الغنوي في القوي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال يجزيك من الغسل و الاستنجاء ما بللت يدك و ذكر الشارح أن التمثيل من بالغ في وصف تقليل الغسل بالدهن مبنيّ على ضرب من المبالغة في جواز تقليل الجريان و ربما يقال لا مانع من أن يكون ذلك على سبيل الحقيقة لوقوعه في الأخبار المعتبرة

قال ابن إدريس و بعض أصحابنا يذهب في كتاب له إلى إطلاق الدّهن من غير تقييد للجريان و الأقرب ارتكاب التأويل في تلك الأخبار كما ذكر وقوفا على ظاهر الآية و الأخبار الواردة بالغسل و الصبّ و الإفاضة و ما دل على غرفة لكل عضو و يعضده عمل الأصحاب و توقف اليقين بالبراءة من التكليف الثابت عليه

و على كل تقدير فلا ريب في كون الإسباغ أفضل لرواية الحلبي السّابقة قال المصنف في التذكرة يستحب أن يزيد في ماء الوجه على باقي الأعضاء لما فيه من الغضون و الشعور و الدّواخل و الخوارج

و قد روى علي (عليه السلام) أن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)كان يكثر فيه الماء و فيه أيضا أنه يستحب مسح الماقين بالإصبعين لإزالة الرمض لفعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)قال في الذكرى رواه من فعله أبو أمامة و لم أره من طريقنا

و لكنه حسن للاستظهار و هل يجب الدلك المشهور بين الأصحاب العدم لصدق الغسل بدونه و أوجبه ابن الجنيد لا اشتمال الوضوء البياني عليه و هو موقوف على ثبوت ما يشتمل عليه الوضوء البياني و فيه كلام سيجيء و الأكثر منعوا من وجوب الدلك مع اعترافهم بوجوب ما اشتمل عليه الوضوء البياني إلا ما أخرجه الدليل حتى بنوا عليه أحكاما و على المشهور غمس العضو في الماء بدون الدلك جائز

و حكي عن السيّد جمال الدين بن طاوس في البشرى أنه لم يجوز الغمس لأنه يستلزم الاستيناف بماء جديد في المسح و أورد عليه أنّ ذلك لا يسمّى استينافا عرفا و هو المعتمد في أمثال ذلك و لو نوى عند آخر ملاقاة الوضوء للماء كان أحوط و أقرب من التخلّص عن هذه الشبهة

من قصاص مثلث القاف و الضمّ أعلى و قصاص الشعر منتهى منبته من مقدّمه أو مؤخره أو حواليه كما نص عليه أهل اللغة و المراد هنا منتهى شعر النّاصية شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن و المراد إلى طرف الذقن و هو مجمع اللحيين اللّذين ثبتت عليهما الأسنان السّفلى طولا و ما دارت عليه الإبهام بكسر الهمزة و هي الإصبع العظمى و الإصبع الوسطى عرضا و الظاهر أنه لا خلاف في هذا التحديد بين الأصحاب و نقل الإجماع عليه الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية

و يدل عليه ما رواه ابن بابويه عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال له أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يتوضّأ الذي قال اللّٰه عز و جلّ فقال الوجه الذي أمر اللّٰه عز و جل بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه و لا ينقص منه إن زاد عليه لم يوجر و إن نقص منه أثم ما دارت عليه الإبهام و الوسطى من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه و ما سوى ذلك فليس من الوجه فقال الصّدغ من الوجه قال لا

و أوردها الكليني و الشيخ عن زرارة بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم من غير تصريح بالإمام المنقول عنه و قد أشرنا سابقا إلى أن ذلك غير ضائر سيّما مع التصريح في الفقيه بإسناده إلى الإمام (عليه السلام) و في الخلاف و المعتبر نقله عن حريز عن أحدهما (عليهما السلام)

و عن ابن الجنيد الإشارة إلى كونها عن الباقر (عليه السلام) و قد يعد إسناده في الكتابين صحيحا و ليس بجيّد إذ في الطريق محمّد بن إسماعيل الذي يروي الكليني عنه و هو مشترك بين الثقة و غيره و احتمال كونه ابن بزيع الثقة الجليل فاسد جدّا و قد بين ذلك صاحب المنتقى و غيره بما لا مزيد عليه و بالجملة هذا الإسناد ليس عندي من الصحيح المصطلح عليه

و على هنا جريت في مباحث هذا الكتاب و يدل على بعض التحديد السّابق ما رواه الكليني و الشيخ بإسناده عنه عن إسماعيل بن مهران في الضعيف قال كتبت إلى الرّضا (عليه السلام) أسأله عن حدّ الوجه فكتب إلي من أوّل الشعر إلى آخر الوجه كذلك الجبينين

و الأصحاب فهموا من الرّواية الأولى أنّ الخد الطولي من قصاص الشعر أي منتهى شعر النّاصية إلى الذقن و حدّه العرضي ما اشتملت عليه الإبهام و الوسطى و إنّما حملوا القصاص على منتهى شعر الناصية و إن كان أعمّ منه بحسب اللغة إما لكون ذلك هو متبادر في مثل هذه العبارة أو لأن التحديد لموضع الاشتباه و غير هذا الموضع ممّا ارتفع عن النزعتين لا اشتباه في كونه من الرأس فكأنه (عليه السلام) قال ما دارت عليه الإصبعان من المبدإ المذكور إلى منتهاه من الموضع الذي يظنه النّاس وجها و لهذا بينه بقوله (عليه السلام) و ما جرت عليه الإصبعان ممّا يظنه النّاس وجها فلا يلزم على هذا الحمل دخول النزعتين و هما البياضان المكتنفان للنّاصية في التحديد و لا دخول الصّدغين فيه لأن الصدغ على ما فسره المصنف في المنتهى الشعر الذي بعد انتهاء العذار المحاذي لرأس الأذن و ينزل عن رأسها قليلا و غيره من الفقهاء ممّا يقرب منه و هو ليس مما دارت عليه الإصبعان غالبا لأن المراد بالدوران الحركة حول الشيء

و على هذا يندفع ما أورد على الأصحاب بأن ظاهر الرواية على هذا الحمل يوجب خروج بعض ما دخل في التحديد كالصّدغين لاشتمال الإصبعين عليهما غالبا و دخول بعض ما ليس من الوجه عندهم كالنزعتين لأنهما تحت القصاص ثم إنه ره حمل الرّواية على معنى آخر و هو أن كلا من طول الوجه و عرضه و هو اشتمل عليه الإبهام و الوسطى بمعنى أن الخط الواصل من القصاص إلى طرف الذقن و هو مقدار ما بين الإصبعين غالبا إذا فرض ثبات وسطه و أدير على نفسه ليحصل شبه دائرة فذلك القدر هو الوجه الذي يجب غسله و ذلك لأنّ الجار و المجرور في قوله (عليه السلام) من قصاص شعر الرّأس إما متعلق بقوله دارت أو صفة مصدر محذوف و المعنى أن الدوران يبتدئ من القصاص منتهيا إلى الذقن و إما حال من الموصول الواقع خبرا عن الوجه و هو لفظة ما إن جوزنا الحال عن الخبر

و المعنى أنّ الوجه هو القدر الذي دارت عليه الإصبعان حال كونه من القصاص إلى الذقن فإذا وضع طرف الوسطى مثلا على قصاص الناصية و طرف الإبهام على آخر الذقن ثم أثبت وسط انفراجهما و دار طرف الوسطى مثلا على الجانب الأيسر إلى أسفل دار طرف الإبهام على الجانب الأيمن إلى فوق و تمت الدائرة المستفادة من قوله (عليه السلام) مستديرا

و هذا الوجه مع كونه خلاف المتبادر إلى الأذهان يستلزم خروج بعض الجبينين عن الوجه و الظاهر أنه لم يذهب إليه أحد و هو مناف لما يفهم من الوجه عرفا و من هنا جعل الموافق و المخالف مبدأ الوجه مبدأ التسطيح حتى جعلوا الدخول فيه و الخروج عنه ضابطا في هذا الباب على أنّ قوله (عليه السلام) طول الوجه بقدر ما بين الإصبعين غالبا محل تأمّل

ثم اعلم أن المستفاد من الرواية المذكورة خروج الصّدغين عن الوجه و هو مذهب جمهور العلماء و قيل إنه إجماعي و به يشعر عبارة الشيخ في التهذيب لكن نقل الشهيد في الذكرى عن ظاهر الراوندي في الأحكام غسل الصّدغين و لا إشكال في خروج الصّدغ عن الوجه على تفسير الفقهاء لكن فسّره أهل اللغة بما بين العين إلى الأذن كما يدل عليه صريح كلام ابن الأثير

و ظاهر كلام غيره و على هذا معنى قوله (عليه السلام) إنه ليس من الوجه أنه ليس كله من الوجه و لا ينافي أن يكون بعضه من الوجه و أما العذار و هو النابت على العظم النّاتي الذي هو سمت الصماخ و ما انحط عنه إلى وتد الأذن فذهب جماعة من العلماء منهم الفاضلان إلى عدم كونهما من الوجه بل يومئ عبارة التّذكرة إلى كون ذلك إجماعيّا

و صرّح في المنتهى بعدم استحبابه أيضا و في التحرير تحريمه إذا اعتقده

27

و ظاهر عبارة الشيخ في المبسوط و الخلاف يدل على خلاف ذلك و زعم الشهيد ره أنّ ظاهر عبارة ابن أبي عقيل و ابن الجنيد أيضا يدل على خلافه لكن ما نقله من عبارتهما غير دالّ على مطلوبه و الأقرب الأول لعدم شمول الإصبعين لهما غالبا و اتصالهما بالصّدغين

و الاستدلال على وجوب غسله بأن العارض يجب غسله و هو متّصل بالعذار و قريب من محاذاته و كذا شعر الخدين و لعدم مفصل يقف الغسل عليه دون العذار و لأنه أخذ بالاحتياط ضعيف و على ما ذكرنا لم يجب غسل البياض الذي بين الأذن و العذار بطريق أولى و الظاهر أنه اتفاقي بين الأصحاب

و أما العارض و هو الشعر المنحط عن القدر المحاذي للأذن نابتا على اللحية إلى الذقن فقد قطع الشهيدان بوجوب غسلهما و اختاره الشيخ علي بل ظاهر عبارة الشهيد الثاني في شرح الشرائع دعوى الإجماع على ذلك و فيه تأمّل لتصريح المصنف في المنتهى بعدم وجوب غسله من غير نقل خلاف و قال المصنف في النهاية لا يجب غسل ما خرج من حد الإصبعين منهما لخروجهما عن حد الوجه و الضمير يرجع إلى العذار و العارض و هذا قريب لمقتضى الرّواية السّابقة

و أمّا ما يقال من أن التحديد العرضي المذكور إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصّة و إلا لوجب غسل ما نالته الإبهام و إن تجاوز العارض و هو باطل إجماعا ففيه أن التخصيص المذكور خلاف الظاهر و خروج شيء منه بالإجماع لا يوجب التخصيص في غير محله مع أن التحديد مخصوص بمواضع الاشتباه و ما خرج عن العارض خارج عن الوجه بلا شبهة و أمّا مواضع التحذيف و هو ما بين الصدغ و النزعة من منابت الشعر الخفيف الذي يتّصل بالرأس فقيل لا يجب غسله لنبات الشعر عليه متصلا بشعر الرأس

و فيه أن اتصاله بشعر الرأس لا يوجب كونه منه إذا كان متميزا عنه كما هو الواقع و للأصل و وجوب تحصيل اليقين بالبراءة من التكليف الثابت يدفعه و قيل يجب لأنه المستفاد من تحديد أعلى الوجه بمنابت شعر الرأس

و فيه أن المتبادر من مبدإ التحديد منتهى شعر الناصية قال في الذكرى الأحوط أنها من الوجه لاشتمال الإصبعين على طرفها و لوقوعها في التسطيح و المواجهة و فيهما ضعف إن جعل المقصود بهما الحكم لكنه جعلهما علة للاحتياط و لا ريب في كون غسلهما أحوط مع عدم نية الوجوب إلا فيما يشتمل عليه الإصبعان منه و أما الأذنان فليسا من الوجه باتفاق الأصحاب و دلالة الأخبار و ما يدل على خلافه من الأخبار محمول على التقية كل ذلك

من مستوي الخلقة و التحديد في الرّواية بحسب الغالب و غيره يحال عليه فيغسل ما يغسله و لا يجزي غسل الوجه منكوسا هذا هو المشهور بين الأصحاب و ذهب السيّد المرتضى و ابن إدريس إلى استحباب ذلك حجة الأول وجوه منها ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح

و رواه الكليني عن زرارة بإسناد فيه توقف بتفاوت ما في المتن قال حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)فدعا بقدح من ماء فأدخل يده اليمنى فأخذ كفا من ماء فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه ثم مسح بيده الحاجبين جميعا ثم أعاد اليسرى في الماء فأسدلها على اليمنى ثم مسح جوانبها ثم أعاد اليمنى في الإناء ثم صبّها على اليسرى فصنع بها كما صنع باليمنى ثم مسح ببقية ما بقي في يده رأسه و رجليه و لم يعدها في الإناء الحديث فإن فعله (عليه السلام) بيانا للمجمل فيكون وجوب ابتدائه بالأعلى متعينا و فيه أنه لا إجمال في الآية حتى يحمل فعله (عليه السلام) على البيان و ابتداؤه (عليه السلام) يجوز أن يكون لأجل قرب هذا الفرد إلى العادة أو لكونه أفضل الفردين الواجبين أو يكون اتفاقيّا فلا يدل على الوجوب

و يؤيده كون ذلك غير مذكور في كثير من الروايات المشتملة على حكاية وضوئه (صلى اللّٰه عليه و آله)و رواه هذا الراوي بعينه من غير نقل ذلك و منها قول أبي جعفر (عليه السلام) في حسنة زرارة المنقولة في الكافي فوضعها على جبينه و هو قريب من الأول احتجاجا و جوابا

و منها أنه (صلى اللّٰه عليه و آله)توضأ مرة مرة ثم قال هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلا به فتعين البدأة بالأعلى بناء على أنه (عليه السلام) بدأ بالأعلى إمّا لبعض الأخبار الدالة على ذلك أو لأنه (صلى اللّٰه عليه و آله)لو عكس لزم بعينه العكس و هو خلاف الإجماع و أيضا هو مكروه على ما سلمه القائلون بجواز النكس فكيف يصدر عنه (صلى اللّٰه عليه و آله)فثبت ابتداؤه (صلى اللّٰه عليه و آله)بالأعلى فيجب ذلك بمقتضى الخبر

و لا يخفى أن هذه الرّواية أوردها ابن بابويه مرسلا و الظاهر أنه من طريق العامة صرّح به علم الهدى في الإنتصار و ابن زهرة في الغنية فإثبات حجيّتها لا يخلو عن إشكال إلا أن إيراد الصدوق لها مع التزامه أن لا يورد في كتابه إلا ما يحكم بصحّته ممّا يقويها و إن لم يوجب الحكم بصحّتها

و يمكن أن يقال عدم القبول لا يستلزم عدم الإجزاء عند السّيّد إذ يتحقق بعدم ترتب الثواب فلا دلالة في الخبر على اشتراط البدأة بالأعلى و يمكن دفعه بالاستعانة بالإجماع المركب لكن إثباته لا يخلو عن إشكال و لقائل أن يقول دلالة عدم القبول على عدم الإجزاء أو على عدم الثواب بالكلية ليس له وضوح تام لشيوع استعماله في فوات الكمال و الثواب التام و يؤيده اشتمال الوضوء المحكي على بعض المندوبات

و الظاهر أن عدم القبول له ظهور ما في البطلان فيكون لهذا الخبر دلالة ما على المشهور لكن الاستدلال به مع معارضته لإطلاق الآية و الأخبار مشكل مع إمكان أن يقال يجوز أن يكون هذا إشارة إلى الغسلات و المسحات التي فعلها مرة من غير إشارة إلى جميع خصوصيّاتها حذرا عن لزوم التخصيص و ما نقموا نقمة لهذا الخبر و هو قوله (صلى اللّٰه عليه و آله)ثم توضأ مرتين و قال هذا وضوء من ضاعف اللّٰه له الأجر لا يخلو عن تأييد ما لذلك ثم ما قالوا من أنه (عليه السلام) بدأ في الوضوء المذكور بالأعلى ممنوع

و الخبر الذي أشير إليه لا دلالة فيه على ذلك و قد علمت ما في التعليل الثاني و أمّا قولهم النكس مكروه فلم يفعله النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)ففيه أنه يجوز أن يفعله بيانا للجواز و قد يقال إن المراد لا يقبل اللّٰه الصّلاة إلا بمثله فالواجب أقل ما يصدق معه المماثلة و انتفاؤها رأسا بالبدأة بغير الأعلى ممنوع

و فيه نظر لأنه إذا تعذر الحمل على الحقيقة يجب أن يحمل على أقرب المجازات إليها و هو المماثلة من جميع الجهات على أن حملها على المماثلة المطلقة يوجب خروج الكلام عن الفائدة و هو بعيد

و منها قول أبي جعفر (عليه السلام) في حكاية وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع لا يرد الماء إلى المرفق رواه الشيخ عن زرارة و بكير ابني أعين و تستفاد منه الحكم في اليد و يجري في الوجه للإجماع المركب و أنت خبير بما فيه و في طريق هذه الرّواية عثمان بن عيسى و هو واقفي غير موثوق به إلا أنه قيل إنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه

و ذكر الشيخ في العدة أن الأصحاب يعملون برواياته و قد روى قريبا من ذلك الكليني عنهما بطريق حسن

و منها ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن الهشيم بن عروة في الضعيف قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ فقال ليس هكذا تنزيلها إنّما هي فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ من الْمَرٰافِقِ ثم أمر يده من مرفقه إلى أصابعه

و فيه أن الرواية ضعيفة مع أن ظاهرها مناف لما تواتر من القراءات و لا دليل على حجية مثله حجة القول الثاني إطلاق الآية و الأخبار و احتج لهذا القول في المختلف بعموم قوله (عليه السلام) لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا و هو استدلال ضعيف و على القول بالمشهور فالواجب صبّ الماء على الوجه و إتباعه بالباقي

و أما ما توهمه بعض القاصرين من عدم جواز غسل جزء من الأسفل قبل الأعلى و إن لم يكن في سمته فضعيف فاسد بلا ريب

و لا يجب تخليل اللحية و إن خفت أو كانت للمرأة هذا هو المشهور و إليه ذهب الشيخ و المحقق في بعض كتبه قال الشيخ في الخلاف و لا يجب إيصال الماء إلى أصل شيء من شعر الوجه مثل شعر الحاجبين و الأهداب و العذار و الشارب بالإجماع

و ذهب المصنف في عدّة من كتبه و الشهيد في بعض كتبه إلى وجوب التخليل في اللحية الخفيفة و فسر بما ترى البشرة في مجلس التخاطب من خلاله و نسب المصنف القول بذلك في التذكرة إلى ابن أبي عقيل و في المختلف إلى المرتضى و ابن الجنيد و اعترض عليه الشهيد ره بأنّ عبارتهما غير دالّة على مطلوبه و حملها على المشهور

و ذكر

28

أن ما ذكره العلّامة في التذكرة مخالف الظاهر الأصحاب و مشهور العامة أيضا لأنّ عندهم يجب تخليل ما عدا اللّحية خف أو كثف و التفصيل بالخفة و الكثافة تخص اللّحية عندهم و ليس مذهب المصنف كذلك حجة المشهور وجوه منها أن الوجه اسم لما يواجه به ظاهرا فلا يتبع غيره و منها ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح قال قلت له أ رأيت ما كان تحت الشعر قال ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء

و رواه الصدوق عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له أ رأيت ما أحاط به الشعر فقال كل ما أحاط اللّٰه به من الشعر فليس للعباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء و منها ما رواه الشيخ الكليني عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) في الرّجل يتوضأ أ يبطن لحيته قال لا و منها الأخبار المستفيضة الدالة على جواز الاكتفاء بالغرفة الواحدة في غسل الوجه إذ يستبعد أن يحصل بالغرفة الواحدة غسل المنابت و أصول الشعر

و فيه ضعف لوجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعور على كل حال كما سيجيء و ما يكفي لها لا يبعد أن يكفي لمنابت الشعر

و منها ما روي أنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه و هو قريب من السّابق استدلالا و إيرادا و مع أنه (صلى اللّٰه عليه و آله)كثيف اللحية كما نقل فلا يدل على المطلوب أصلا و منها ما رواه الشيخ عن زرارة في القوي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ليس المضمضة و الاستنشاق فريضة و لا سنة و إنّما عليك أن تغسل ما ظهر و لفظة إنما للحصر و في الرّواية تأمّل من حيث السّند

و فيها أيضا ضعف آخر من حيث اشتمالها على حكم مخالف للأخبار الكثيرة و مذهب أكثر الأصحاب و اعلم أنهم فسروا الخفيف بما يرى البشرة من خلاله في مجلس التخاطب أو ما يصل الماء إلى مبنية من غير مبالغة و الكثيف مقابله و ذكروا أن البشرة الظاهرة في خلال الشعور يجب غسله بلا خلاف و حينئذ يقل الجدوى في الخلاف المذكور كما قاله بعض العلماء و إن أردت تحقيق المقام فاعلم أن الخلاف المذكور يحتمل وجوها ثلاثة و إن اختلف عبارات الأصحاب في ظهور الانطباق على بعضها دون بعض الأول أن الشعور إذا كانت بحيث يظهر بعض البشرة من خلالها و يستر بعضها بها هل يجب غسل البشرة المستورة أم لا و بتحرير الخلاف على هذا الوجه صرّح الثاني الشهيد الثاني أن الشعور التي لا تستر ما تحتها عرفا هل يجب غسل ما تحتها أم لا

و الظاهر من المختلف أن الخلاف في ذلك الثالث أن البشرة التي تظهر في بعض مجالس التخاطب دون بعض هل يجب غسله أم لا و بعض الفضلاء حرر الخلاف على هذا الوجه و على الوجه الأوّل فالأقرب المشهور للأدلّة السّابقة و إن كان في بعض منها ضعف و على الثاني فالأقرب خلافه لصدق اسم الوجه عليها على الظاهر و حصول المواجهة بها و لخبري التحديد

و يؤيده رواية زرارة الدالة على وجوب غسل الظاهر و دخوله في قوله (عليه السلام) كل ما أحاط به الشعر غير ظاهر و كذا صدق التبطين عليه لأن الظاهر أن المراد به غسل الباطن و ما نحن فيه في حد الظاهر و بالجملة يتوقف اليقين بالبراءة عليه و على الوجه الثالث فللتوقف فيه مجال و إن كان للقول بوجوب التحليل رجحان ثم اعلم أنهم ذكروا أن البشرة الظاهرة في خلال الشعور يجب غسلها على أيّ حال بل نقلوا الإجماع عليه و ذكر بعض أفاضل الشارحين أنّ ذلك غير واضح الدّليل

ثم ذكر أنّ الظاهر من الأخبار عدم الوجوب لأن الظاهر منها الاكتفاء بإيصال الماء إلى ظاهر الوجه بكف واحد مع المبالغة و بكفين على تقدير عدمها و أظن عدم الوصول إلى ما بين الشعور من المواضع الصّغيرة بذلك

و فيه نظر لأنه يمكن الاستدلال على ما منعه بأن اسم الوجه صادق عليها و يتوقف اليقين بالبراءة عليه و يؤيّده خبر التحديد و خبر زرارة الدال على وجوب غسل الظاهر و أما ما ذكر من عدم وصول كف واحد إلى المواضع الصّغيرة جدا محلّ المبالغة محلّ التأمّل

نعم قد لا يحصل العلم بذلك و حينئذ لا يبعد القول بعدم الكفاية فإن الرّواية لا تدل على الإجزاء على كل حال نعم المستفاد من الروايات أن أمر الغسل لا يعتبر فيه التعمق و التدقيق التام و التكلفات الشائعة بين المبتدعين و أهل الوسواس بل المستفاد منها أنه هين مسامح يكتفى فيها بالظن الغالب و المبالغة في الجملة لصدق الغسل عرفا بذلك

و بالجملة حال البشرة الظاهرة في خلال الشعور حال غيرها من أجزاء الوجه و ما ذكر دال على عدم لزوم المبالغة التامة و لا اختصاص له بالبشرة المذكورة و هل يستحب تخليل اللحية الخفيفة نفاه المحقق في المعتبر و المصنف في المنتهى

و تدل عليه صحيحة محمّد بن مسلم السّابقة و أثبته المصنف في التذكرة و الشهيد في الذكرى و لو مع الكثافة قال لما رووه أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)فعله و روينا في الجعفريات أنه قال قال أمرني جبرئيل عن ربي أن أغسل فنكي عند الوضوء و هما جانبا العنفقة أو طرف اللحيين عندها و في الغريبين مجمع اللحيين و وسط الذقن و هما قيل العظمان النّاشزان أسفل من الأذنين و قيل هما ما يتحركان من الماضع دون الصّدغين و عنه (عليه السلام) أنه كان ينضح غابته و هي الشعر تحت الذقن و أن عليّا (عليه السلام) كان يخلل لحيته انتهى

و الوقوف على ظاهر الخبر الصحيح أولى قال في الذكرى الأولى استحباب إفاضة الماء على ظاهر اللحية طولا و عرضا و صرّح به ابن الجنيد و في خبر زرارة الصحيح عن الباقر (عليه السلام) في حكاية وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)ثم غمس كفه في الماء ثم وضعه على جبينه و سيّله على أطراف لحيته ثم أمرّ يده على وجهه و ظاهر جبينيه مرّة واحدة

و في الكافي و سدله على أطراف لحيته انتهى و هو حسن و يجب غسل اليدين مبتدئا بهما وجوبا عند المصنف من المرفقين بكسر الميم و فتح الفاء و بالعكس و هو موصّل الذراع في العضد قاله الجوهري و غيره و هو المكان الذي يرتفق به أي يتكئ عليه قال الشهيد هو مجمع عظمي الذراع و العضد لا نفس المفصل

و على هذا فشيء منه داخل في العضد و شيء منه داخل في الذراع و هو المفهوم من كلام الشهيد و المصنف في بعض كتبه و فسّره بعض شراح قانون الطبّ بمفصل السّاعد و العضد إلى أطراف الأصابع بدلالة الكتاب و السّنة و الإجماع على وجوب غسل هذا المقدار و أما الابتداء بالمرفق فقد ظهر الخلاف فيه و البحث عنه سابقا

و يدخل المرفقين في الغسل بإجماع أصحابنا و أكثر العامة صرّح بذلك جماعة من الأصحاب و ذكر الفاضل الشارح أن وجوب غسل المرفق لا خلاف فيه إنّما الخلاف في أن سبب الوجوب هل هو النص أو الاستنباط من باب المقدمة و تظهر الفائدة في وجوب غسل جزء من العضد فيما لو قطعت اليد من المرفق و الآية غير دالة على الوجوب الأصلي لأن الغاية قد تكون داخلة كقوله تعالى مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى و قولهم حفظت القرآن من أوله إلى آخره و قد تكون خارجة كما قوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ و قوله تعالى فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ و الأكثر على خروج الغاية صرّح به نجم الأئمّة

قال الشيخ أبو علي الطبرسي في جوامع الجامع لا دليل في الآية على دخول المرافق في الوضوء إلا أن أكثر الفقهاء ذهبوا إلى وجوب غسلها و هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) انتهى

و أمّا إلى في الآية بمعنى مع فلم نطلع على دليل يدل عليه إلا أن الشيخ في الخلاف ذكر أنه قد ثبت عن الأئمّة (عليهم السلام) أن المراد بها في الآية معنى مع و هو مصدق فيما ادّعاه و أما قولهم الغاية تدخل في المغيّا حيث لا مفصل محسوس ففيه تأمّل و كذا في قولهم المجانس داخل في الابتداء أو الانتهاء

و استدل الأصحاب بروايات ضعيفة قاصرة عن الدلالة على الوجوب الأصلي فإن بعضها تدل على أنه (عليه السلام) ابتدأ من المرافق و لفظة من غير دالة على دخول المبدإ فإن الأكثر على عدم دخول حدي الابتداء و الانتهاء و مع ذلك فعله (عليه السلام) لا يدل على الوجوب إلا إذا كان بيانا للمجمل و هو هنا ممنوع إذ لا إجمال في الآية على شيء من المذاهب فإن عند البعض الكلام حقيقة في الدخول فلا إجمال و بعضها تدل في الجملة على أنه (عليه السلام) أدخل المرفق في الغسل

و فيه ما قد عرفت و أما ما يدل على أن الأقطع يغسل ما بقي من عضده أو من المكان الذي قطع منه فمع عدم صراحته في الوجوب يجوز أن يكون مختصّا به بأن يكون غسل شيء من المرفق بدلا عن غسل اليد في حقه واجبا و سيجيء تتمة الكلام فيه و ينبغي التنبيه على أمور

الأول قال في الذكرى الأقرب وجوب تخليل الشعر لو كان على اليد و إن كثف لتوقف

29

غسل اليد عليه قال و هل يجب غسله الأقرب ذلك لأنه من توابع اليد و هو حسن

الثاني هل يجب غسل الظفر إن خرج عن اليد فيه وجهان و الوجوب قول المصنف و الشهيد و هو حسن تحصيلا للبراءة اليقينية و لو كان تحته وسخ مانع من وصول الماء فالذي حكم به المصنف و الشهيد في الذكرى وجوب إزالته و استشكله المصنف في المنتهى فقال لقائل أن يقول إنه حائل عما يجب غسله يمكن إزالته من غير مشقة فيجب

و يمكن أن يقال إنه ساتر عادة فكان يجب على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)بيانه و لما لم يبيّن دل على عدم الوجوب و لأنه يستر عادة فأشبه ما يستر الشعر من الوجه ثم قرب الأول و ما قربه غير بعيد لكن الصواب تقييده بالوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة الظاهرة أما المانع من بشرة مستورة تحت الظفر بحيث لا يظهر للحس لو لا الوسخ

فالظاهر عدم الوجوب مع إمكان النزاع في أصل الغسل نظرا إلى صدق غسل اليد بدونه و لم يثبت أمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)أعراب البادية و أمثالهم بذلك أمر وجوب مع أن الظاهر عدم انفكاكهم عن ذلك

الثالث قال في الذكرى لو ثقبت يده وجب إدخال الماء الثقب لأنه صار ظاهرا فلو التحم سقط و هو حسن إلا أنه ينبغي التقييد بالقدر الظاهر من الثقب

الرّابع قال في الذكرى لو كان في يده سلعة وجب غسلها و تخليل غضونها و ما تحتها لشمول الاسم لها و الظاهر عندي أن يجعل الضابط في هذا الباب وجوب غسل ما ظهر من العضو و لو نكس الغسل بأن ابتدأ بالأصابع بطل الغسل فإن تدارك قبل الجفاف صح الوضوء و إلا بطل هذا هو المشهور خلافا للمرتضى و ابن إدريس و الكلام كالوجه حجة و جوابا

و لو كان له يد زائدة وجب غسلها إن كانت تحت المرفق مطلقا أو فوقه و لم يتميز عن الأصلية بلا خلاف كما صرّح به بعضهم أما إذا كانت فوقه و تميزت فقولان أحدهما أنه كذلك و اختاره المصنف لصدق اسم اليد عليها حقيقة و لصحّة تقسيمها إلى يد زائدة و أصلية و بهذا التقرير يندفع عنه ما يقال من أنّ صحة التقسيم لا يستلزم صدق المقسم على الأقسام كما في تقسيم الحيوان إلى الأبيض و غيره و لا يحتاج إلى إثبات عموم تلك الدعوى و جعل القسم هناك هو الحيوان الأبيض لا مطلقا احتج أيضا بالمعارضة بما تحت المرفق و اعترض عليه بأن اليد محمولة على المعهود المتعارف فصدق اسم اليد على الزائدة لا يكفي في الوجوب و المعارضة غير لازمة لأن ما تحت المرفق لم يوجب غسله لكونه يدا بل لكونه في محل الفرض فكان من جملته كغير اليد من الأجزاء التي لا يصدق عليها اسمها حقيقة و لا مجازا

و فيه تأمّل لأن كونه في محلّ الفرض لا يكفي للوجوب إذا لم تكن يدا و لا من أجزائها لأن الواجب غسل اليد و هو يستلزم غسل أجزائها دون غيرها

و المسألة محل إشكال للشك في كون الإضافة في قوله تعالى وَ أَيْدِيَكُمْ محمولة على العهد أو على العموم فإن ثبت الأوّل لم يجب غسل الزائد فوق المرفق و كان للنزاع في وجوب غسل الزائد تحت المرفق أيضا مجال إن لم يدفعه الإجماع و إلا كان الظاهر وجوب غسلها سواء ثبت العموم أو كان مشكوكا تحصيلا للبراءة من التكليف الثابت و لعلّ المتبادر الأوّل

و أما إذا كانت خارجة من نفس المرفق فيجب غسلها عند المصنف بالطريق الأولى و أمّا على التحقيق ففيه إشكال و تعلم الزائدة بقصرها و نقص أصابعها و فقد البطش و ضعفه و كذا يجب غسل اللحم الزائد تحت المرفق و الإصبع الزائدة

و كذا اللحم الزائد في المرفق لا فوقه لخروجه عن محل الفرض و مقطوع اليد من دون المرفق يغسل الباقي لما رواه الشيخ عن رفاعة في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن الأقطع اليد و الرّجل كيف يتوضأ قال يغسل ذلك المكان الذي قطع منه

و روى الكليني عن رفاعة بإسنادين أحدهما عن الحسان و الآخر من الموثقات قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الأقطع قال يغسل ما قطع منه و روى الكليني و الشيخ عن محمد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الأقطع اليد و الرّجل قال يغسلهما

و الظاهر أن هذا الحكم إجماعي فكفى للمستند فيه ما ذكرنا و إن أمكن المناقشة في الدلالة و يسقط وجوب غسل اليد لو قطعت من المرفق هذا بناء على أنّ وجوب غسل المرفق من باب المقدمة متجه فإذا زال الاشتباه بالقطع من المفصل سقط الوجوب و كذا إذا كان وجوب غسله أصالة و قلنا بأن المرفق هو المفصل لانتفاء محل الوجوب

لكن روى الشيخ و الكليني عن عليّ بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ قال يغسل ما بقي من عضده و ظاهر الرّواية إن حمل على الوجوب مخالف للإجماع على ما ادعاه المصنف في المنتهى فالحمل على الاستحباب ليس أبعد من حمله على أنه يغسل بقية المرفق فيحمل عليه و عمل ابن الجنيد بمضمون الرواية و كأنه لم يعتد بخلاف المصنف فنقل الإجماع على خلافه و قيل إذا كان وجوب غسل المرفق أصالة لم يسقط لأن المرفق هو العظمان المتداخلان فإذا ذهب أحدهما وجب غسل الآخر إذ لا يسقط الميسور بالمعسور

و فيه تأمّل و الاستدلال عليه بقوله (عليه السلام) إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم أولى لكنه مبنيّ على تفسير المرفق بما ذكروا إذا كان القطع ممّا فوق المرفق يسقط الفرض و ادعى الإجماع عليه في المنتهى لكن المنقول عن ابن الجنيد خلافه و أما مقطوع الرّجل فيفهم حاله ممّا ذكر في مقطوع اليد

و لم أطلع على نصّ يدل على حكمه غير أنّ الصدوق لما روى عن الكاظم (عليه السلام) ما تقدّم قال و كذلك روي في قطع الرجلين و يجب مسح بشرة مقدم الرأس دون سائر جوانبه بدلالة الأخبار و اتفاق الأصحاب فروى الشيخ عن محمّد بن مسلم في الصحيح قال قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) امسح الرأس على مقدمه و عن محمّد بن مسلم أيضا في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال مسح الرأس على مقدمه

و عن محمد بن مسلم أيضا في الحسن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه ذكر المسح فقال امسح على مقدم رأسك و امسح على القدمين و ابدأ بالشق الأيمن إلى غير ذلك من الأخبار و ما ورد على خلاف ذلك ضعيف متروك باتفاق الأصحاب أو شعره أي شعر المقدم المختص به إذ به يحصل الامتثال فلا يجزي على شعر غير المقدم و إن كان موضوعا عليه و لا على شعر غير مختص به كالطويل بحيث يخرج بمدّه عن حده و الممنوع منه الجزء الخارج بالمدّ لا أصله و ما يتّصل به بأقل اسمه أي يجب المسح بأقل ما يصدق عليه المسح من غير تحديد في الماسح و الممسوح على المشهور بين المتأخرين و به صرح الشيخ في المبسوط حيث قال لا يتحدد بحدّ و ابن إدريس

و قال المصنف في المختلف المشهور بين علمائنا الاكتفاء في مسح الرأس و الرجلين بإصبع واحدة اختاره الشيخ في أكثر كتبه و ابن أبي عقيل و ابن الجنيد و سلّار و أبو الصّلاح و ابن البراج و ابن إدريس و نقل ابن زهرة إجماع الفرقة عليه و في المقنعة يجزي إصبع يضعها عليه عرضا و الثلاث أسبغ

و قال الشيخ في النّهاية و المسح بالرأس لا يجوز أقل من ثلاث أصابع مضمومة مع الاختيار فإن خاف البرد من كشف الرأس أجزأ مقدار إصبع واحدة و قال ابن بابويه حد مسح الرأس أن يمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدّم الرأس و مثله نقل عن المرتضى

و هذا في المشهور مستحب و نقل في الذكرى عن الراوندي أنه لا يجوز أقل من إصبع و الأقرب الأول لما رواه الشيخ عن زرارة و بكير ابني أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال في المسح تمسح على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك و إذا مسحت بشيء من رأسك و بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع أجزأك

و عن زرارة و بكير ابني أعين في الصحيح أنهما سألا أبا جعفر (عليه السلام) من وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)فدعا بطشت أو تور فيه ماء ثم حكى وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)إلى أن انتهى إلى آخر ما قال اللّٰه سبحانه وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من رجليه قدميه ما بين الكعبين إلى آخر أطراف الأصابع فقد أجزأه

و روى نحوا منهما الكليني عن زرارة و بكير في الحسن بإبراهيم بن هاشم في جملة حديث طويل و ما رواه الصدوق عن زرارة في الصّحيح و الشيخ و الكليني عنه بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم بتفاوت ما في المتن قال قلت

30

لأبي جعفر (عليه السلام) أ لا تخبرني من أين علمت و قلت المسح ببعض الرأس و ببعض الرّجلين فضحك ثم قال يا زرارة قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)و نزل به الكتاب من اللّٰه تعالى لأنّ اللّٰه تعالى يقول فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فعرّفنا أن الوجه كلّه ينبغي له أن يغسل ثم قال وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ ثم فصّل بين الكلامين فقال وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فعرفنا حين قال بِرُؤُسِكُمْ أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما الحديث

و أما الاستدلال بما رواه الشيخ عن حماد بن عيسى في الصحيح عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) في الرّجل يتوضأ و عليه العمامة قال يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدم رأسه فضعيف

و نحوه ما روى الكليني عن حمّاد في القوي عن الحسين قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجل توضأ و هو معتم فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد قال ليدخل إصبعه و احتج في المختلف للمخالف برواية أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح عن أبي الحسن (عليه السلام) قال سألته عن المسح كيف هو فوضع يده كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظهر القدم فقلت جعلت فداك لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه قال لا إلا بكفه و لا يخفى عدم دلالته على المدعى بوجه

و يمكن الاستدلال بما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح قال قال أبو جعفر (عليه السلام) المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه مقدار ثلاث أصابع و لا تلقي عنها خمارها و رواه الشيخ و الكليني أيضا بإسناد من الحسان

وجه الدلالة أن الظاهر من الإجزاء كونه أقل الواجب و عن معمّر بن عمر في القوي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يجزي في المسح على الرأس مقدار موضع ثلاث أصابع و كذلك الرجل

و الجواب عنهما أنهما يجوز أن لا يكون الغرض تحديد أقل مراتب الإجزاء بل كان الغرض نفي ما اشتهر بين المخالفين و كان التخصيص بهذا المقدار للاستحباب سلمنا دلالته على ما ذكرتم لكن يجب تأويله جمعا بينه و بين ما هو أقوى منه مع أن الإجزاء في الخبر الأول يحتمل أن يكون باعتبار عدم وضع الخمار إذ هي مأمورة بالوضع كما في بعض الروايات

روى الشيخ بإسناد فيه جهالة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرّجل إنّما المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها و تضع الخمار عنها فإذا كان الظهر و العصر و المغرب و العشاء تمسح بناصيتها و المستفاد من هذه الرواية استحباب وضع القناع لها في الصبح دون البواقي

و جماعة من الأصحاب ألحقوا بالصّبح المغرب أيضا و مستنده غير واضح و اعلم أن الظاهر أنّ من أوجب المسح بمقدار ثلاث أصابع جعل التحديد للممسوح لا للماسح كما صرّح به بعض الأصحاب و ذكر الشيخ علي أن المراد هذا المقدار في عرض الرأس لا في طوله و ذكره الشهيد الثاني في شرح النفلية لكن عبارته في شرح الشرائع تدل على خلافه

و لعلّه يومئ إليه عبارة النهاية ثم اعلم أنّ المستفاد من خبر زرارة السّابق أن الباء في الآية للتبعيض فلا يضر إنكار جماعة من الأصوليين لذلك و لا إنكار سيبويه مجيء الباء للتبعيض في سبعة عشر موضعا من كتابه و لا ما قال ابن جني من أن أهل اللغة لا يعرفون هذا المعنى و إنما يورده الفقهاء مع أنه مع كونه شهادة على النفي معارض بإقرار الأصمعي مع ما قيل من أنه أشد أنسا بكلام العرب من سيبويه و نظرائه و قد رفقه على ذلك أبو علي الفارسي و ابن كيسان و القتيبي و ابن مالك و أكثر عليه من الشواهد و الدلائل قيل و الكوفيّون أيضا قال بعض أصحابنا و الظاهر أنّهما يعني سيبويه و ابن جني نفياه عن بعض أصحابنا البصريّين لا غير صرّح به ابن جني

و يؤيد كون الباء في الآية للتبعيض أنه يتعدى بنفسه و لو لا الباء للتبعيض لما كان لها فائدة و نحن لا نحتاج إلى زيادة خوض فيه لما صحّ عن أهل البيت (عليهم السلام) من كونها في الآية للتبعيض

و لا يجزي الغسل عنه بدون المسح لعدم حصول الامتثال و روى الشيخ عن زرارة في الصحيح قال قال لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت أنّ ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء ثم قال ابدأ بالمسح على الرّجلين فإن بدا لك غسل فغسلته فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفروض و عن محمد بن مروان في القوي قال قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إنه يأتي على الرّجل ستون سنة أو سبعون سنة ما قبل اللّٰه منه صلاة قلت و كيف ذلك قال لأنه يغسل ما أمر اللّٰه بمسحه و الظاهر أن معنى الغسل إجراء الماء على العضو و معنى المسح إمرار اليد مع رطوبة سواء كان مع الجريان أم لا فيكون بين حقيقة المسح و الغسل عموم من وجه فلا يضره كثرة الماء في المسح بحيث يحصل منه جريان قليل و به صرح الشهيد في الذكرى فقال و لا يقدح قصد إكثار الماء لأجل المسح لأنه من بلل الوضوء و كذا لو مسح بماء جار على العضو و إن أفرط في الجريان لصدق الامتثال و لأن الغسل غير مقصود انتهى

و بالجملة الظاهر أن الجريان القليل غير ضار إذا لم يقصد أن المفروض غسل و هذا امتثال له لصدق المسح عليه فيشمله إطلاق الآية و الأخبار إذ يصدق عليه المسح بالبلة و لم يقيّد البلة في الأخبار بالقلّة و للخروج من العسر و الضّيق و أنه لم يعهد أنهم (عليهم السلام) أمروا بتخفيف الرطوبة خصوصا في مواقع التعليم مع عموم البلوى و وقوع الحاجة إذ لا تخلو اليد في أكثر الأحيان بعد الفراغ من الوضوء عن رطوبة يحصل به مسمى الغسل و لم ينقل أنهم (عليهم السلام) كانوا ينفضون الأيدي تخفيفا للرّطوبة مع توفر الدّواعي على نقل أمثاله إن كانت و لم يذكر السّلف أيضا ذلك فلا يبعد أن يحصل بمجموع ذلك الظن بما ذكرنا

و حينئذ كانت المقابلة بين المسح و الغسل في الآية باعتبار المغايرة لا المباينة الكليّة و المراد من الغسل الممنوع منه في الخبر الغسل بدون المسح أو مع قصد وجوب الغسل و لعلّ هذا مراد المصنف هنا

و في التذكرة حيث نقل فيها إجماع الأصحاب على أنّ الغسل لا يجزي عن المسح فظهر بذلك أن ما ذكره جماعة من الأصحاب من أن بين حقيقي الغسل و المسح تباينا و أن الجريان قادح في المسح تمسّكا بدلالة الأخبار و الآية على اختصاص كل من المسح و الغسل بأعضائه و بالإجماع المنقول في التذكرة ضعيف

و يستحب المسح مقبلا لم أطلع فيه على دليل صالح و تمسّك في المعتبر بالتفصّي عن الخلاف و ذهب الأكثر منهم الشيخ في النهاية و الخلاف و المرتضى و ابن حمزة إلى الوجوب لوقوع الخلاف فيه فيجب فعل المتيقن و هو ضعيف و الأقرب عدم الوجوب لإطلاق الآية و ما رواه الشيخ عن حماد بن عثمان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا و فيه تأمّل سيظهر و يدلّ عليه كثير من العمومات

و لا يجوز على حائل كعمامة لعدم حصول الامتثال و الظاهر أنه إجماعي و يدل عليه بعض الأخبار و المنافي مؤوّل أو غيرها كالحنّاء على الأشهر لعدم حصول الامتثال و روى الشيخ عن محمد بن يحيى في الصحيح رفعه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الذي يخضب رأسه في الحناء ثم يبدو له في الوضوء قال لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه الماء و يدل على جواز المسح على الحناء ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرّجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال يمسح فوق الحناء و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرّجل يخلق رأسه ثم يطلبه بالحناء و يتوضأ للصّلاة فقال لا بأس بأن يمسح رأسه و الحناء عليه و حملها الشيخ على المشقة بإزالة الحناء و ربما يأولان بأثر الحناء و هو اللون المجرّد و فيه بعد و ينبغي التنبيه على أمور

الأول قال في الذكرى الظاهر أن باطن اليد أولى في المسح نعم لو اختص البلل بالظاهر و عسر نقله أجزأ و لو تعذر المسح بالكف فالأقرب جوازه بالذراع و يرد عليه أن المفهوم من الأوامر إما أن يكون المسح بالكف أو الأعم منه فعلى الأول لا يتجه الحكم ببدلية المسح بالذراع إلا بدليل و على الثاني يلزم إجزاؤه من غير ضرورة

الثاني لا يستحب مسح جميع الرأس عندنا قال في الذكرى و الأقرب كراهيته و حرمه ابن حمزة و في الخلاف أجمعنا على أنه بدعة و قال ابن الجنيد لو مسح من مقدم رأسه إلى مؤخره أجزأه إذا كان غير معتقد فرضه و لو اعتقد فرضه لم يجزه إلا أن يعود إلى مسحه و استضعفه في الذكرى باشتماله على الواجب فلا يؤثر الاعتقاد في الزائد و هو حسن و أبو الصّلاح أبطل الوضوء لو تدين بالزيادة في الغسل أو المسح

الثالث من منع

31

من الغسلة الثانية لا يجوز المسح ببللها عنده أما الثالثة فإن قلنا بتحريمها لم يجز و إن قلنا بجوازها فالأقرب عدم الإجزاء على القول باشتراط كون المسح من بلل الوضوء فالأقرب عدم الإجزاء على القول باشتراط كون المسح من بلل الوضوء لأنه ليس من بلل الوضوء و ربما يجوز الإجزاء لاختلاطه بماء الوضوء و هو المنقول عن المعتبر

الرابع هل يشترط تأثير المسح في المحل فيه وجهان و مختار المصنف في النّهاية الاشتراط

الخامس لو مسح العضو و عليه بلل فهل يكون مجزيا قيل نعم و قيل لا و هو قول المصنف في المختلف و والده و الأول أقرب لحصول الامتثال و هو مختار المحقق و ابن إدريس و المصنف في المنتهى بل قال المحقّق لو كان في ماء و غسل وجهه و يديه ثم مسح برأسه و رجليه جاز لأنّ يديه لم ينفك عن ماء الوضوء و لم يضره ما كان على قدميه من الماء احتج المصنف في المنتهى بأنه يستلزم المسح بماء جديد

و هو ممنوع قال في الذكرى لو غلب ماء المسح رطوبة الرجلين ارتفع الإشكال و يجب مسح بشرة الرجلين بدلالة الكتاب و إجماع الفرقة و تواتر ذلك عن الأئمّة (عليهم السلام) و يستفاد من التخصيص هنا بالبشرة و التعميم في الرأس بالنسبة إلى البشرة و الشعر أنه لا يجزي المسح على الشعر هنا بأقل اسمه بحسب عرض الرجل و لا يجب الاستيعاب العرضي و نقل المحقق في المعتبر و المصنف في المنتهى و التذكرة الإجماع على ذلك لكن رواية ابن أبي نصر السّابقة تدل على الاستيعاب العرضي فيحمل على الاستحباب كما أشار إليه الشيخ في النّهاية

و يؤيد الرّواية المذكورة ما رواه الشيخ عن عبد الأعلى مولى آل سام في القوي قال قلت لأبي عبد اللّٰه عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء قال تعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّٰه عز و جلّ قال اللّٰه مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ امسح عليه و حملها على الوجوب ينافي الإجماع المنقول من رءوس الأصابع إلى الكعبين هذا هو المشهور قال المصنف في المنتهى لا يجب استيعاب الرّجلين بالمسح بل الواجب من رءوس الأصابع إلى الكعبين و لو بإصبع واحدة و هو مذهب علمائنا أجمع و ظاهر هذه العبارة دعوى الإجماع على وجوب الاستيعاب الطولي

لكن المحقق في المعتبر تردد في ذلك ثمّ رجّح الوجوب تمسّكا بقوله تعالى إِلَى الْكَعْبَيْنِ و احتمل في الذكرى العدم و جعل الوجوب أحوط قال و عليه فتوى الأصحاب و يمكن الاستدلال على الأول بوجهين الأول الآية فإن الظاهر كون التحديد للمسح أو يقال التحديد للممسوح و الظاهر من مسح الشيء استيعابه و يضعف الأول بأن موافقة سياق الآية يقتضي الحمل على تحديد الممسوح كما في قوله تعالى إِلَى الْمَرٰافِقِ و إن سلم كونها ظاهرة في تحديد المسح في نفسها مع أنه قد نوقش فيه و يخدش ذلك ما ذكره الشيخ من أنه ثبت عن الأئمّة (عليهم السلام) أن المراد بإلى في الآية معنى مع

و يؤيّد أنه ليس لتحديد المسح على الأخبار الدالة على جواز النكس و سيجيء مع ما فيه على أنه قد ثبت بصحيحة زرارة السّابقة في مسح الرأس أنّ المراد من المسح على الرّجلين المسح ببعضها و أنه موصول بالمسح بالرأس و الباء للتبعيض فعلى هذا لو ثبت كون التحديد للمسح لا يلزم إلا وجوب المسح على بعض الرّجل منتهيا إلى الكعبين

و يؤيد ذلك قراءة الجر لأنه على ذلك التقدير يكون الأرجل معطوفة على الرأس و قد ثبت أنه لا استيعاب في مسح الرأس فكذا في المعطوف عليه و يمكن دفعه بالإجماع المركب و في إثباته إشكال و يضعف الثاني بأن هذا لا يجري على قراءة الجرّ و لا نسلم أن المسح بالشيء ظاهر في الاستيعاب إذ فرق بين المسح بالشيء و بين مسح الشيء على ما ذكره فخر الدّين الرازي و غيره سلمنا لكن المراد بالمسح بالرأس بعضه كما عرفت فكذا في المعطوف عليه على أنه قد ظهر بخبر زرارة أنّ المراد من مسح الرّجل بعضها كما مرّ مع أن الاستيعاب ظاهرا و باطنا بل ظاهرا فقط خلاف ما ذهب إليه الأصحاب كما مر الثاني صحيحة أحمد بن أبي نصر السّابقة في مسح الرأس فإنّها تدلّ على الاستيعاب

و نحوه ما رواه الشيخ عن أحمد بن أبي نصر في الصحيح قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المسح على القدمين كيف هو فوضع بكفه على الأصابع ثم مسحها إلى الكعبين فقلت له لو أنّ رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين قال لا إلا بكفه كلّها و يضعف بأنه محمولة على الاستحباب كما عرفت

و يمكن الاستدلال على الثاني بأن المراد من الآية على ما استفيد من صحيحة زرارة الأمر بمسح بعض الرّجل و هذا مطلق يتحقق بدون الاستيعاب لا يقال يفهم من الآية البعض المنتهى إلى الكعب و كل من ذهب إلى هذا ذهب إلى وجوب الاستيعاب الطّولي فالتقييد لازم بالإجماع لأنا نقول لا نسلم الصغرى لجواز أن يكون التحديد للممسوح كما مرّ مع إمكان المناقشة في الكبرى

و ممّا يقوي ذلك قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة و بكير ابني أعين السّابقة في مسح الرأس فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من رجليه ما بين الكعبين إلى آخر أطراف الأصابع فقد أجزأه و هذا كما أنه يدل على عدم وجوب الاستيعاب يؤيد كون التحديد في الآية للممسوح

و يمكن المناقشة في دلالتها على عدم الاستيعاب بأنه يجوز أن يكون قوله (عليه السلام) ما بين الكعبين بدلا لقوله شيء أو عطف بيان له فيكون المعنى فإذا مسح بما بين الكعبين و يكون الباء للإلصاق و المراد بما بين الكعبين كله كما يقال ما بين المشرق و المغرب قبلة إلا أنه يستبعد ذلك كثيرا فيما روى الكليني في الحسن عن زرارة و بكير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل

ثم قال إن اللّٰه عز و جل يقول يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلا غسله و أمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع شيئا من يديه إلى المرفقين فليس له أن يدع شيئا إلا غسله لأن اللّٰه يقول اغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق

ثم قال و امسحوا برءوسكم و أرجلكم إلى الكعبين فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه الحديث و يستفاد من هذا الحديث حيث قال فإذا مسح بالفاء الظاهر في التفريع و إن كان بمعاونة المقام عدم لزوم الاستيعاب في المسح و أن التحديد في الآية للممسوح يظهر ذلك للمتدبّر في سياق الحديث

و ممّا يؤيد ما ذكرنا ما رواه الشيخ عن معمر بن عمر في القوي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يجزي في المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع و كذلك الرّجل و الأحوط العمل بما عليه الأصحاب و هل يجب إدخال الكعب فيه قولان أحوطهما ذلك و اختار في المعتبر عدم الوجوب لحديث الأخوين و له قوة

و يؤيده ما يدل على عدم وجوب استبطان الشراكين و على القول بوجوب الاستيعاب الطّولي يجب إدخال شيء منه من باب المقدمة و هما أي الكعبان مجمع القدم و أصل السّاق و هو المفصل بين السّاق و القدم هذا مختار المصنف و تبعه الشهيد في الرسالة و صاحب الكسر و الفاضل الأردبيلي و الشيخ بهاء الملة و الدين على وجه سنذكر و بالغ في إنكار المصنف جماعة من أصحابنا المتأخرين منهم الشهيد ره و نسبوه إلى مخالفة الإجماع و التحقيق معهم إذ الظاهر أن قول المصنف مخالف لما ذهب إليه الأصحاب و نقلوا الإجماع عليه بل الكعب عند الأصحاب عبارة عن العظم النّاتي في وسط القدم عند معقد الشراك

و نقل المرتضى في الانتصار و الشيخ في التهذيب و الخلاف و الإجماع على ذلك و قال الشيخ أبو علي الطبرسي في مجمع البيان و أما الكعبان فقد اختلف في معناهما فعند الإمامية هما العظمان الناتيان في ظهر القدم عند معقد الشراك و قال ابن زهرة هما الناتيان في وسط القدم عند معقد الشراك و ذكر من جملة الأدلة إجماع الفرقة

و قال المحقق في المعتبر و عندنا الكعبان هما العظمان النّاتيان في وسط القدم و هما معقد الشراك و هذا مذهب فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) ثم ذكر في جملة الأدلة الإجماع و العبارات المنقولة عن علمائنا المتقدمين و المتأخرين يقارب ما ذكرنا و ستسمع شيئا منها في طي الكلام المنقول عن المختلف و أسند ابن الأثير هذا القول إلى الشيعة و صاحب لباب التأويل أسنده إلى الشيعة و كل من قال بالمسح فلا عبرة بنقل جمع من العامة ما يخالف ذلك عن أصحابنا لقلة تتبعهم لكلام الأصحاب

و يدل على ما ذكرنا ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) قال سألته

32

عن المسح على القدمين كيف هو فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم و في بعض نسخ الكافي على الكعبين فإن المراد بظاهر القدم ما ارتفع منه فإن الظواهر أشراف الأرض

و يقال لما ارتفع و غلظ من الأرض و العجب أنه لم يذكر الشهيدان هذه الرّواية مع كونها أقوى ما ورد في هذا الباب و يؤيد ذلك ما رواه الشيخ في الصّحيح عن ميسر و هو ممدوح و قد وثقه علي بن الحسن على ما نقل الكشي عن أبي جعفر(ع)قال الوضوء واحد و وصف الكعب في ظهر القدم و رواه في موضع آخر بالإسناد عن ميسرة و ثلاثة الوضوء واحدة واحدة و وصف الكعب في ظهر القدم

و عن ميسر في القوي عن أبي جعفر(ع)قال أ لا أحكي لكم وضوء رسول اللّٰه(ص)إلى أن قال ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال هذا هو الكعب قال و أومأ بيده إلى أسفل العرقوب ثم قال إن هذا هو الظنوب و وجه التأييد أن الكعب بالمعنى الذي ذكره المصنف ليس على ظهر القدم فإن المفصل بين شيئين خارج عنهما و يمكن المنازعة في الدلالة لكنهما يصلحان للتأييد

و جعل الفاضل الشارح مضمون الخبر من المتواترات عن أهل البيت (عليهم السلام) و فيه تأمّل و يؤيد ما ذكرناه ما روى الشيخ عن زرارة في الحسن بثعلبة بن ميمون عن أبي جعفر(ع)أن عليّا(ع)مسح على النّعلين و لم يستبطن الشراكين قال الشيخ يعني إذا كانا عربيين لأنهما لا يمنعان من وصول الماء إلى الرجل بقدر ما يجب فيه عليه المسح

و ما رواه زرارة و بكير ابني أعين في الصحيح عن أبي جعفر(ع)أنه قال في المسح تمسح على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك و روى الكليني عن زرارة بإسناد فيه ضعف عن أبي جعفر(ع)قال توضأ علي(ع)فغسل وجهه و ذراعيه ثم مسح على رأسه و على نعليه و لم يدخل يده تحت الشراك و عن زرارة و بكير في الحسن عن أبي جعفر(ع)لا تدخل أصابعك تحت الشراك و لقائل أن يقول لم يثبت الاستيعاب الطولي فلا حجة فيها

و يمكن أن يقال إن ثبت استحباب الاستيعاب الطولي كفى في دلالة الصّحيحة المذكورة و الحسنة المنقولة في الكافي لأن الخبر فيها في قوة النهي و على كل تقدير فتلك الروايات حجة على المصنف إذ هو قائل بوجوب الاستيعاب الطّولي لكن يستثني المسح على النعل من هذا الحكم و بالجملة فتلك الرّوايات فيها تأييد ما و الذي يؤيد ما قلناه كونه أقرب بحسب اللغة و أنسب باشتقاقه كما سنذكر

و العجب أن المصنف في المنتهى فسره بما يوافق المشهور و نقل اتفاق الأصحاب عليه فإن قلت قد روى الشيخ في الصحيح عن زرارة و بكير ابني أعين عن أبي جعفر(ع)أنهما قالا له أصلحك اللّٰه فأين الكعبان قال هاهنا يعني المفصل دون عظم السّاق فقالا هذا ما هو قال عظم السّاق

و روى الكليني عن زرارة و بكير ابني أعين في الحسن بإبراهيم بن هاشم في آخر حديث طويل أنهما سألا أبا جعفر(ع)قال فقلنا أين الكعبان قال هاهنا يعني المفصل دون عظم السّاق فقلنا هذا ما هو فقال هذا من عظم السّاق و الكعب أسفل من ذلك الحديث

و هذان الخبران يدلان على مطلوب المصنف قلت إذا تعارض الخبران و كان أحدهما موافقا لعمل الأصحاب و الآخر مخالفا فالترجيح لما عليه عمل الأصحاب فالترجيح لرواية ابن أبي نصر مع علو إسنادها و تأيدها بباقي الأخبار و الشواهد اللغوية و غيرها كما ستسمع مع أنّ خبر الأخوين غير صريح في كون الكعب هو المفصل بل يدل على أنه قريب منه حيث قال هاهنا إذ فرق بينه و بين هذا و بالجملة يتعين التأويل في خبر الأخوين

إما بأن يقال إنه(ع)أشار بقوله هاهنا نحو ظهر القدم فاشتبه الأمر على الراوي فتوهم كونه إشارة إلى المفصل إذ ظاهر أن إشارة القائم أو الجالس نحو قبة القدم لا يتميز عن الإشارة إلى المفصل حسّا فظن الراوي المفصل كعبا

أو يقال إنّ غرض الراوي بكونه يعني المفصل ليس أنه الكعب بل المراد أن الإشارة بهاهنا كان نحو المفصل دون عظم السّاق و لا ينافي كون الكعب شيئا آخر قريب منه لما في لفظة هاهنا من السّعة أو أنه(ع)أشار نحو المفصل فقال هاهنا من غير تعيين و كان الغرض مجرد نفي مذهب المخالفين إذ أطلق المفصل على العظم النّاتي للمجاورة مجازا

و يحتمل على بعد أن يكون إشارة إلى مفصل آخر كالمفصل بين الأصابع و المشط أو المفصل من المشط و الرسغ و بالجملة إطلاق المفصل على العظم الناتي محتمل و لهذا بعض العامة الموافق لنا في القول بأن الكعب هو العظم النّاتي في ظهر القدم يطلق عليه المفصل حكي عن صدر الشّريعة من أفاضل العامة في رواية هشام عن محمد هو المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك لكن الأصح أنّها العظم الناتي التي ينتهي إليه عظم السّاق انتهى

فإن قلت كيف استدل الشيخ في التهذيب و الخلاف و المحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى بخبر الأخوين على أن الكعب هو العظم الناتي قلت لعلّ غرضهم الاستدلال به على نفي مذهب المخالف على تعيين الكعب بخصوصه

إذا عرفت هذا فاعلم أن المصنف قال في المختلف يراد بالكعبين هنا المفصل بين الساق و القدم و في عبارة علمائنا اشتباه على غير المحصّل فإن الشيخ و أكثر الجماعة قالوا إن الكعبين هما الناتيان في وسط القدم قاله الشيخ في كتبه قال السيّد الكعبان هما العظمان الناتيان في وسط القدم عند معقد الشراك و قال أبو الصّلاح هما معقد الشراك

و قال المفيد ره هما قبة القدمين أمام السّاقين ما بين المفصل و المشط و قال ابن أبي عقيل الكعبين ظهر القدم و قال ابن الجنيد الكعب في ظهر القدم دون عظم السّاق و هو المفصل الذي قدام العرقوب لنا ما رواه الشيخ و ذكر رواية الأخوين

ثم قال و ما رواه ابن بابويه عن الباقر(ع)و قد حكى وضوء رسول اللّٰه(ص)إلى أن قال و مسح على مقدم رأسه و ظهر قدميه و هو يعطي استيعاب المسح لجميع ظهر القدم و لأنه أقرب إلى ما حده به أهل اللغة انتهى كلامه و فيه نظر من وجوه الأول أن الظاهر من كلامه أنه حمل عبارات الأصحاب على مدعاه مع أنه يأبى عنه غاية الإباء كما لا يخفى على المتدبر

نعم عبارة ابن الجنيد تدل على مدّعاه إن كان قوله و هو المفصل الذي قدام العرقوب من كلامه لا من كلام المصنف إلا أنّ ذلك غير معلوم بل الأمر بالعكس و ممّا يؤيد ذلك أنّ الشهيد ره حيث نقل العبارات لم ينقل هذه التتمة بعد نقل كلام ابن الجنيد و مخالفته لباقي الأصحاب في مثل هذه المسألة الاتفاقية بعيد الثاني ما ذكره خلاف ما ذهب إليه الأصحاب و نقلوا الإجماع عليه كما عرفت

الثالث أنه تنفيه الروايات السّالفة و أمّا خبر الأخوين فقد عرفت الجواب عنه الرابع احتجاجه بخبر زرارة حيث قال و مسح على مقدم رأسه و ظهر قدميه بأنه يعطي الاستيعاب مدفوع لأنا لا نسلّم أن المسح على الشيء معناه الاستيعاب سلّمنا لكن قوله مسح على مقدم رأسه ليس بمعنى الاستيعاب فكذا المعطوف عليه إذ لو سلم أنه ظاهر في الاستيعاب في نفسه

لكن مع وجود ما ذكرنا ممنوع بقرينة المناسبة و توافق أجزاء الكلام سلّمنا لكن وجوب مسح ظهر القدم مستوعبا خلاف ما ينقلون عليه الإجماع و تدل عليه الأخبار فيلزم أن لا يحمل عليه سلمنا لكن مسحه(ع)لا يدل على الوجوب فلعلّه كان مبنيّا على الاستحباب الخامس كون ذلك أقرب إلى ما حده به أهل اللغة ممنوع كيف و قد ذكر بعض علمائنا أن أهل اللغة هنا متفقون على أن الكعب هو النّاتي في ظهر القدم حيث يعقد موضع الشراك بل هذا أنسب باشتقاقه لأنه مأخوذ من كعب إذا ارتفع و منه كعب ثدي الجارية إذا علا يقال كاعب إذا نتا ثديها و منه يقال الكعب لكل ما له ارتفاع و به سميت الكعبة كعبة قال الهروي في الغريبين و بهذا احتجّت العامة على أن الكعب هو الناتي عن الطّرفين

و الظّاهر أن إطلاقه على العقبتين الأنبوبين بهذا الاعتبار قال الجوهري كعوب الرمح النواشز في أطراف الأنابيب و هذا المعنى ذكره صاحب القاموس حيث ذكر من جملة معانيه الكعب العظم الناشز فوق القدم و هو أحد احتمالي كلام الجوهري حيث قال الكعب العظم النّاشز عند ملتقى السّاق و القدم و قوله عند ملتقى الساق و القدم باعتبار قربه من الملتقى

و الاحتمال الآخر أن يكون المراد به المعنى المعروف عند العامة موافقا لكلام ابن الأثير

33

الآتي و لما ذكره ابن إدريس [فارس] في المجمل حيث قال هو عظم طرف السّاق عند ملتقى القدم و الساق و قال أبو عبيدة الهروي في الغريبين و كل شيء علا و ارتفع فهو كعب و نحوه قال ابن الأثير أيضا الكعبان العظمان النّاتيان عند مفصل السّاق و القدم عن الجنبين

و ذهب قوم إلى أنّها العظمان اللذان في ظهر القدم و هو مذهب الشّيعة و منه قول يحيى بن الحرث رأيت القتلى يوم زيد بن علي فرأيت الكعاب في وسط القدم

بل يظهر من الصّحاح و المغرب أن القول بأنّ الكعب في ظهر القدم قول شائع بين الناس حيث قالا و أنكر الأصمعي قول النّاس أنه في ظهر القدم و نقل الشهيد في الذكرى عن العلّامة اللغوي عميد الرؤساء أنه صنف كتابا في تحقيق الكعب و أكثر في الشواهد على أن الكعب هو النّاشز في ظهر القدم أمام السّاق حيث يقع معقد الشراك من النعل

و قال الشهيد أيضا لغوية الخاصّة متفقون على أن الكعب ما ذكرنا و لغوية العامة مختلفون ثم ذكروا من أحسن ما ورد في ذلك ما ذكره أبو عمر الزاهد في كتاب فائت الجمهرة قال اختلف النّاس في الكعب فأخبرني أبو نصر عن الأصمعيّ أنه النّاتي في أسفل السّاق عن يمين و شمال و أخبرني سلمة عن الفراء قال هو في مشط الرجل و قال هكذا برجله قال أبو العبّاس فهذا الذي يسميه الأصمعي الكعب هو عند العرب المنجم قال و أخبرني سلمة عن الفراء عن الكسائي قال قعد محمّد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) في مسجد كان له و قال هاهنا الكعبان قال فقالوا هكذا و لكنه هكذا و أشار إلى مشط رجله فقالوا له إن النّاس يقولون

هكذا قال في القاموس المشط سلاميّات ظهر القدم و قال في الصّحاح السّلاميات عظام الأصابع و في القاموس السّلامي عظام صغار طول إصبع و أقل في اليد و الرّجل في سلاميات شيء و عظام المشط على ما يستفاد من كتب التشريح عظام يتّصل بها عظام الأصابع فإنهم ذكروا أن القدم مركبة من ستة و عشرين عظما راجعة إلى أقسام ستة عظم الكعب و عظم العقب و هو عمدة السّاق و كالأساس له و العظم الرواني و عظام أربعة للرسغ إنّها تتصل عظام المشط و عظام خمسة للمشط بها تتّصل الأصابع و أربعة عشر عظما للأصابع

فقد ظهر ممّا تلونا عليك أن المعنى الذي ذكره المصنف أبعد بحسب اللغة و لم أطّلع عليه إلا في القاموس حيث ذكره من جملة معانيه فقال و كل مفصل للعظام يسمى كعبا و في التفسير الكبير لفخر الدين الرازي حيث نقل من حجة الإمامية أن المفصل قد يسمى كعبا مع إشعار هذه العبارة بقلة الإطلاق و المعنى المذكور في الكتابين أعمّ من المفصل المقصود هاهنا

ثم اعلم أن الشيخ بهاء الملة و الدين ره قد تصدى لانتصار مذهب المصنف و أكثر من التشنيع على منكريه و بالغ في ذلك حتى ظن أنه الحق الذي لا ريب فيه و الصدق الذي لا شبهة يعتريه و النص الصّحيح بذلك شاهد و كلام الأصحاب عليه مساعد و ما ذكره المشرحون يدل عليه و ما أورده المحقّقون من أهل اللغة يرشد إليه و كلام العامة صريح في نسبة هذا القول إلينا

ثم فصّل هذا الإجمال و تلخيص كلامه أن الكعب يطلق على معان أربعة الأول ما ذكر الثاني المفصل الثالث عظم مستدير عند ملتقى السّاق و القدم تحت عظم السّاق له زائدتان ناتيتان داخلتان في حفرتي قصبتي الساق الرابع الناتيتان عن طرفي الساق و هو الكعب عند العامة و مراد العلامة المعنى الثالث

و لهذا قد يعبر عنه بالمفصل و قد يعبّر عنه بمجمع السّاق و القدم و قد يعبّر عنه بالعظم الناتي و حديث الأخوين صريح في هذا المعنى غير قابل للتأويل و الرّوايتان المنقولتان عن ميسر غير آب عن الحمل عليه فإن العظم المذكور في القدم و عبارات الأصحاب أيضا لا تأبى عن الحمل عليه فإنه في وسط القدم و له نتو في الواقع و إن كان خفيّا عن الحسّ

بل عبارة ابن الجنيد صريح في المدعى و أهل اللغة صرّحوا بأنّ المفاصل الّتي بين أطراف الأنابيب و يسمى كعابا قال في الصّحيح كعوب الرمح النواشز في أطراف الأنابيب و قال في المغرب الكعب العقدة بين الأنبوبين في القصب

و قال أبو عبيدة الكعب هو الذي في أصل القدم ينتهي إليه السّاق بمنزلة كعاب القناة و ذكره صاحب القاموس و ذكر الرازي في تفسيره أن المفصل يسمى كعبا و أسنده جماعة من العامة كالرازي و النّيشابوري و صاحب الكشف إلى الإمامية و هو المعنى الذي بحث عنه علماء التشريح هذا ملخص كلامه و عندي أنه إفراط في القول فإن العظم المستدير المذكور أمر خفي لا يعرفه إلا أرباب التشريح فيستبعد أن يكون هو المراد بالكعب المعرف باللام في الآية

و أما قوله رواية الأخوين صريح في هذا المعنى غير قابل للتأويل فقد عرفت ما فيه بل يمكن أن يقال الرّواية تنفيه لأن الظاهر من سياق الخبر أن إشارته(ع)كان إلى جانب آخر غير جانب عظم الساق أي الناتيتين من الجانبين مع أن العظم المستدير المذكور في وسطهما بحيث احتويا عليه من أكثر الجوانب فتكون الإشارة إليه عين الإشارة إليهما في أكثر الأحيان

و قوله لعدم إباء الروايتين عن الحمل عليه لكونه في ظهر القدم مدفوع لأن العظم المذكور تحت قصبة الساق بحيث دخل زائدتاه في حفرتي قصبتي السّاق و هو موضوع بين الطرفين الناتيين من قصبتي السّاق اللذين يسمّيهما الناس الكعبين

و هذا الطرفان يحتويان عليه من جوانبه أي من أعلاه و قفاه و جانبيه الأنسي و الوحشي صونا له من الانخلاع صرح به الآملي في شرح القانون فالقول بكون مثله في ظهر القدم بعيد و لهذا قال في الصّحاح و المغرب و أنكر الأصمعيّ قول الناس أنه في ظهر القدم مع أن القول بأن الكعب هو العظم المستدير المذكور منسوب إلى الأصمعي كما ذكره الرازي و غيره و نسبه ره إليه و كذا قوله عبارات الأصحاب غير آبية عن الحمل عليه مدفوع لأن الظاهر أن الكعب بالمعنى الذي ذكره ليس في ظهر القدم كما ذكرنا

و الظاهر من الناتي بحسب الحس و يؤيده أنهم قالوا العظمان الناتيان معرفا باللام المشير إلى العهد و الحضور في الأذهان و ما ذكره معنى خفي غير معروف فيستبعد فيه التعريف و أيضا الظاهر من وسط القدم وسطه الطولي لا العرضي مع أن العظم المذكور ليس معقدا للشراك فإنه تحت السّاق و قول المفيد ره في خلاف ما ادعاه بحيث لا يحتمل غيره و الشيخ في التهذيب حيث شرح كلام المفيد نقل الإجماع على أن الكعب هو المعنى الذي ذكره المفيد ره و المحقق صرح بأنه النّاتي في مشط القدم مع ادعائه إجماع أهل البيت و أما عبارة ابن الجنيد

فقد عرفت الكلام فيها و أما الاستشهادات اللغوية التي تمسّك بها فعندي أنها غير دالة على مدّعاه فإن ما نقل من الصّحاح و المغرب لا يدل على أن كل مفصل يسمى كعبا لجواز أن يكون إطلاق الكعب على النواشز بين أطراف الأنابيب باعتبار نشوزها لا كونها مفاصل بل ذلك أقرب باشتقاقه

و أما عبارة أبي عبيدة فغير دالة على مدّعاه فإنه يجوز أن يكون محمولة على الناتي عن طرفي السّاق و لذا احتج بها العامة على إثبات مرامهم و المصنف و غيره حيث نقلوا هذا الاحتجاج عنهم لم تعرضوا بعدم الدلالة بل ذكروا أن ذلك دالّ على تسميته كعبا لا على حصر معنى الكعب في ذلك مع أنه يحتمل الحمل على المعنى الذي ذكرنا كما ادعاه بعض الفضلاء

و أمّا صاحب القاموس فموضع الاستشهاد من كلامه في جملة معاني الكعب و الذي يلعب به و هو غير دال على ما ذكروه بل الظّاهر أن المراد به ما يلعب به أصحاب النرد و يؤيده قول ابن الأثير في النهاية حيث قال الكعاب فصوص النرد واحدها كعب و كعبة و اللعب بها حرام

و أما الرازي فحيث أسند إلى الإمامية القول بأن الكعب هو المستدير ذكر في جملة ما نقل من احتجاجهم أنّ المفصل يسمّى كعبا و إذ قد عرفت أنّ هذه النّسبة خطاء عرفت ضعف الاستشهاد بكلامه و نسبة جمع من العامة هذا المذهب إلى الأصحاب مع مخالفته لصريح عباراتهم و معارضته نسبة فرقة منهم إلى الأصحاب خلافه غير معتبرة و كذا تسمية علماء التشريح ذلك كعبا لا عبرة به إذا خالف ما ذكرنا من الأدلة و الشواهد فقد ظهر بما ذكرنا أن الأقرب في هذه المسألة هو القول المشهور لكن ينبغي الاحتياط أن لا يترك

و يمكن الجمع بين الرّوايات بأن يقال الكعب يبتدئ من مبدإ العظم الناتي على ظهر القدم و ينتهي إلى المفصل و الإشارة إلى المفصل في رواية الأخوين باعتبار أنه ينتهي إليه الكعب و إطلاق الكعب على الناتي على ظهر القدم في غيرها من الرّوايات باعتبار كونه مبدأ الكعب

و حينئذ يرتفع ثمرة الخلاف إن قلنا بوجوب إدخال الكعب و بهذا الوجه يمكن تأويل كلام المصنف بوجه يطابق المشهور و يجوز المسح على الرجلين منكوسا بأن يبتدأ

34

بالكعب و يختم بالأصابع كالرأس و المنقول عن ظاهر المرتضى و ابني بابويه المنع عنه و به قطع ابن إدريس

و استدل على الأوّل بصحيحة حماد بن عثمان المتقدمة في مسح الرأس و بصحيحة أخرى له عنه(ع)لا بأس بمسح الرّجلين مقبلا و مدبرا و ما رواه الكليني و الشيخ عن يونس قال أخبرني من رأى أبا الحسن(ع)بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب و من الكعب إلى أعلى القدم و يرد على الكل أن الرّوايات غير دالة على جواز النكس منفردا بل يجوز أن يكون المراد منها الجمع بين المقبل و المدبر فلعلّ ذلك مستحبّ إلا أني لم أطلع على قول باستحباب ذلك بل إنهم أفتوا بأنه لا تكرار في المسح

و في رواية يونس زيادة في الكافي يأبى عن هذا الحمل و هو قوله و يقول الأمر في مسح الرّجلين موسع من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا فإنه من الأمر الموسّع و في سند هذه الرواية ضعف لأن في طريقه محمد بن عيسى عن يونس و ذكر الصّدوق و شيخه ابن الوليد أن ما تفرد به محمّد بن عيسى عن يونس لا يعمل به و الراوي مجهول مع أن تلك الزيادة يحتمل أن يكون من كلام الراوي مع جهالته فلا يصلح للاحتجاج

و يمكن الاستدلال بالإطلاقات كصحيحة زرارة و بكير السّالفة و كثير من الإطلاقات الدالة على الأمر بمسح القدم أو إجرائه مطلقا و الاستدلال على المذهب الآخر بقوله تعالى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ضعيف لجواز أن يكون التحديد للممسوح أو إلى بمعنى مع رعاية التناسب بينه و بين السّابق كما مر و كذا الاستدلال بالوضوء المحكي لجواز الاستحباب خصوصا مع المعارض

و كذا رواية البزنطي و قد مر و لا يجوز المسح على حائل كخف و غيره اختيارا باتفاق الأصحاب و دلالة الأخبار و عدم صدق الامتثال و يجوز للتقية باتفاق الأصحاب و هل يشترط في جواز التقية عدم المندوحة فيه قولان و الضّرورة كالبرد ذكر ذلك ابن بابويه و الشيخ و جماعة من الأصحاب

و المستند فيه ما رواه الشيخ في الصحيح عن حمّاد بن عثمان و هو من الثقات الأجلاء الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم عن محمد بن النعمان المشترك بين الثقة و من لم يوثق عن أبي الورد و هو غير موثق قال قلت لأبي جعفر(ع)إن أبا ظبيان حدثني أنه رأى عليّا(ع)أراق الماء ثم مسح على الحقين فقال كذب أبو ظبيان أ ما بلغك قول علي(ع)فيكم سبق الكتاب الخفين فقلت فهل فيها رخصة فقال لا إلا من عدوّ يتقيه أو من ثلج تخاف رجليك

و لا يبعد أن يقال عدم حسن الرّواية منجبر بعمل الأصحاب فإنه من القرائن القوية الموجبة لغلبة الظنّ مع أن في صحتها إلى حماد إشعارا ما بحسنها و لو زالت الضرورة فقال الشيخ في المبسوط و المحقق في المعتبر بوجوب الإعادة و استقربه المصنف في التذكرة و ذهب جماعة إلى العدم لأنها طهارة شرعية و لم يثبت كون ذلك ناقضا و يمكن الاستدلال على الأول بعموم الآية فإنها تدل على وجوب الوضوء عند إرادة الصّلاة مطلقا إلا ما أخرجه الدليل و يضعف بما قيل من أن الآية مفيدة بالمحدثين بالإجماع و بنقل المصنف إجماع المفسّرين على أن المراد إذا قمتم من النوم

و نسب ذلك الشيخ إلى المفسرين و ورد بذلك رواية ابن بكير و هي لا يقصر عن الصحاح مضافا إلى العموم في الآية ليس بحسب الوضع اللغوي بل بحسب العرف و القرائن فانصرافها إلى الغالب الكثير العهد غير بعيد

و أما ما قيل من أن الأمر في الآية محمول على الندب فضعيف و يمكن ترجيح الثاني لرواية عبد اللّٰه بن بكير عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال إذا استيقنت أنك أحدثت فتوضأ و إيّاك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت

و هذه الرواية من الحسان أو الموثقات و قد سبقت بوجه أخرى في شرح ما يستحب له الوضوء و في الاستدلال بالأخبار الدالة على حصر ناقض الوضوء في الأحداث تأمّل مرّ الكلام في مثله في شرح ما يستحب له الوضوء و كذا في الاستدلال بها استصحاب البقاء على الطهارة لقول أبي جعفر(ع)في صحيحة زرارة ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا

تأمّل سيجيء تحقيقه في مبحث الماء المضاف و من كان مخالفا و مسح على الخفين مقلدا أو مجتهدا ثم استبصر و وقف على خطيئة فالمشهور بين الأصحاب أنه لا يعيد صلاته قال في المعتبر اتفقوا على أنه لا يعيد شيئا من عبادته التي فعلها سوى الزكاة و ذهب المرتضى ره إلى أنه يعيد الصّلاة

و يدل على الأول ما رواه زرارة و بكير و الفضيل و محمد بن مسلم و بريد العجلي عن الباقر و الصّادق (عليهما السلام) قالا في الرجل يكون في بعض هذه الحرورية و المرجئة و العثمانية و القدرية و يعرف هذا الأمر و يحسن رأيه يعيد كل صلاة صلّاها أو صوم أو صدقة أو حج أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك قال ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة لا بد أن يؤدّيها لأنه وضع الزكاة في غير موضعها إنّما موضعها أهل الولاية

مسألة يجوز المسح على النعل العربي و إن لم يدخل يده تحت الشراك

قال ابن الجنيد فيما حكي عنه في النعال و ما كان منها غير مانع لوصول الراحة و الأصابع أو بعضها إلى مماسة القدمين فلا بأس بالمسح عليهما قال و قد روي المسح عليهما عن أمير المؤمنين(ع)و الباقر و الصادق (عليهما السلام) و أن رسول اللّٰه(ص)توضّأ و مسح على نعليه فقال له المغيرة أ نسيت يا رسول اللّٰه قال بل أنت نسيت هكذا أمرني ربّي قال و روى الطبري و السّاجي و غيرهما أن رسول اللّٰه(ص)مسح عليهما

و عن أمير المؤمنين(ع)و عبد اللّٰه بن عباس و عبد اللّٰه بن عمر و أوس بن أوس و روي عن أبي ظبيان و زيد الجهني أن أمير المؤمنين(ع)توضأ و مسح عليهما و ظاهر كلامه عدم اختصاص ذلك بالنعل العربي فينسحب الحكم في الغير المركب على الخشب إذا كان في عرض الشراك تقريبا و توقف فيه في التذكرة و كذا لو ربط رجله بسير للحاجة بل عبثا

قال في الذكرى أما السّير للحاجة فهو ملحق بالجبائر و أما العبث فإن منع فالأقرب الفساد إن أوجبنا المسح إلى الكعبين و هو حسن

و لو غسل رجليه مختارا بطل وضوؤه لعدم الامتثال و قد مر الكلام في تحقيق هذا المقام و احترز بالاختيار عن التقية فيجوز الغسل حينئذ و لو دارت التقية بين الغسل و المسح على الخف فذكر الأصحاب وجوب الغسل لكونه أقرب إلى المفروض و للنظر في هذا التعليل مجال فتأمل و لو انعكس بأن مسح في موضع التقية فالظاهر البطلان لتحريم الفعل المقتضي للفساد في العبادات

و يجب مسح الرأس و الرجلين ببقية نداوة الوضوء قال الشهيد ره استقر عليه إجماع أصحابنا بعد ابن الجنيد و ذهب ابن الجنيد إلى جواز الاستيناف عند عدم بلة الوضوء قال و كذلك استحب إذا كان وضأ وجهه مرتين و يظهر من كلام الشيخ في العدة أن هذا من الخلافات المعروفة بين الشيعة و نسب القول بعدم جواز الاستيناف في الخلاف إلى أكثر أصحابنا و نقل المرتضى و ابن زهرة إجماع الفرقة حجة المشهور الأخبار الواردة في وصف وضوء رسول اللّٰه(ص)الدالة على أنه(ص)لم يجدد ماء بل مسح ببقية الندى كصحيحة زرارة و صحيحة الأخوين المذكورتين في التهذيب و حسنة الأخوين و رواية زرارة و رواية بكير و رواية محمد بن مسلم المذكورات في الكافي و صحيحة أبي عبيدة الحذاء الدالة على أن الباقر(ع)لم يجدد ماء في الوضوء و يرد على الكل ما أشرنا سابقا من أنه يجوز أن يكون ذلك لكونه أفضل الفردين أو بيانا للجواز حتى لا يتوهم وجوب الاستيناف كما توهمه العامة

و استدل في المعتبر بأن الأمر للفور و الاستيناف ينافيه و هو ضعيف جدا قال صاحب المدارك و الأجود الاستدلال عليه بصحيحة زرارة قال قال أبو جعفر(ع)إن اللّٰه وتر يحبّ الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه و اثنتان للذراعين و تمسح ببلة يمناك ناصيتك و ما بقي من بلة يمناك ظهر قدمك اليمنى و تمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى فإن الجملة الخبرية هنا بمعنى الأمر و هو يقتضي الوجوب

و هذه الرواية أوردها الكليني بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم و في الآخر محمد بن إسماعيل الذي يروي عنه الكليني و هو مشترك بين الثقة و غيره لكن طريقة صاحب المدارك أن يعده من الصحاح و أورد الشيخ هذه الرّواية بطريق حسن و في الاستدلال بها ضعف إذ يجوز أن يكون قوله(ع)ثم تمسح معطوفا على ثلاث غرفات بتقدير أن و عطف الفعل على المفرد بتقدير أن سائغ في كلام البلغاء مع ما فيه من الخلوص عن عطف

35

الإنشاء على معنى الخبر و عن لزوم تعيّن المسح على النّاصية و الرجل اليمنى باليمنى و اليسرى باليسرى فإنّه لم يعلم فتوى الأصحاب عليه

و حينئذ يكون ارتباطه بقوله(ع)إنّ اللّٰه وتر يحبّ الوتر على أن المسحات ثلاثة على أنّ إثبات أنّ حمل الخبر على معنى الاستحباب أبعد من حمله على الوجوب خصوصا في الأخبار الخاصة لا يخلو عن إشكال بل سياق الرواية مناسب لحمله على الجواز أو الإرشاد كما لا يخفى على المتدبر

فظهر أنّ ما ذكره بعض أفاضل الشارحين من أن الخبر يفهم منه وجوب المسح بالبلة و أيضا يدلّ على كون مسح الرأس و الرجل اليمنى باليد اليمنى و مسح اليسرى باليسرى و لعلّ بالوجوب لم يقل أحد و ليس الخبر بصحيح بل هو حسن فلا يبعد الاستحباب محل النظر قال في الذكرى و ضرورة ابن الجنيد يدفعها مشهور خلف بن حماد المرسل عن أبي عبد اللّٰه قلت له الرجل ينسى مسح رأسه و هو في الصلاة قال إن كان في لحيته بدل فليمسح به قلت فإن لم يكن له لحية قال يمسح من حاجبيه و من أشفار عينيه

و في انتقاضه بإثبات المدّعى تأمّل لعدم صراحة الأمر في الوجوب و احتمال الحمل على الغالب من عدم التمكن من الماء في حال الصّلاة و اعلم أنّ الرّوايات السّابقة و إن لم يدلّ على وجوب المسح ببقية البلل لكن دلّ على جواز ذلك فما دلّ على خلافه نحو ما رواه الشيخ عن معمّر بن خلّاد في الصحيح قال سألت أبا الحسن(ع)يجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه فقال برأسه لا فقلت أ بماء جديد فقال برأسه نعم و عن أبي بصير في الصّحيح على الأقرب قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عن مسح الرأس قلت أمسح ممّا في يدي من الندى رأسي قال لا بل تضع يدك في الماء محمول على التقية لمعارضته بما هو أقوى منه مع مخالفته لإجماع الفرقة و ابن الجنيد غير قائل بوجوب الاستيناف فليس له التمسّك بالروايتين و له أن يستدلّ بإطلاق الآية و بما نقل المحقق في المعتبر حيث قال و ذكر البزنطي في جامعه عن جميل عن زرارة عن أبي جعفر(ع)قال حكى لنا وضوء رسول اللّٰه(ص)و قال ثم مسح بما بقي في يده رأسه و رجليه ثم قال أحمد البزنطي و حدثني المثنى عن زرارة و أبي حمزة عن أبي جعفر(ع)مثل حديث جميل في الوضوء إلّا أنّه في حديث المثنى ثم وضع يده في الإناء فمسح رأسه و رجليه

و فيه أنه لا يصلح معارضا للأخبار السّالفة إذ الظاهر كون الوضوء المحكي في الجميع واحدا مع احتمال التعدد مع إمكان المناقشة في دلالة الخبر على الاستيناف و يؤيّد مذهب ابن الجنيد ما رواه الشيخ عن أبي بصير في الضعيف عن أبي عبد اللّٰه(ع)في رجل يسعى أن يمسح على رأسه فذكره هو في الصّلاة فقال إن كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه و رجليه و استقبل الصّلاة و إن شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته إن كانت مبتلة و ليمسح على رأسه و إن كان أمامه ماء فليتناول منه فيمسح به رأسه و الرواية لا تصلح للدلالة لاختصاصها بصورة الشك التي لم يجب عليه المسح فيجوز أن يكون محمولا على استحبابه على الوجه المذكور في الصّورة المذكورة قال في المعتبر دليلنا على وجوب المسح ببقية البلل أنّه(ع)مسح ببقية البلل و فعله(ع)بيان للجمل فيجب و هو معارض بالأحاديث المبيحة للاستيناف

لكن القول بوجوب المسح ببقية البلل أولى في الاستظهار للعبادة و هذا الكلام يدلّ على وجود أحاديث دالّة على إباحة الاستيناف و لعلّ مراده بالإباحة الجواز بالمعنى الأعم فيكون إشارة إلى صحيحتي معمّر و أبي بصير

فإن استأنف ماء جديدا بطل وضوؤه لعدم الامتثال بناء على ما ذكر فإن جفّ البلل عن يديه أخذ من لحيته و أشفار عينيه و مسح به و يجوز الأخذ من هذه المواضع من غير جفاف اليد لكونه من بلل الوضوء و لا يصدق عليه الاستيناف و يشكل بما رواه الشيخ بإسناد لا يبعد أن يعد موثقا عن عبيد اللّٰه بن مسكان و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه عن مالك بن أعين و هو غير موثق عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال من نسي مسح رأسه ثم ذكر أنه لم يمسح رأسه فإن كان في لحيته بلل فليأخذ منه و ليمسح رأسه و إن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف و ليعد الوضوء لتخصيص الحكم فيها باللحية

لكن لا يبعد أن يقال إنّه محمول على الغالب حيث يكون جفاف اللحية عند جفاف جميع الأعضاء قيل و لا يختص الأخذ بهذه المواضع بل يجوز من جميع محال الوضوء و تخصيص الشعر لكونه محل البلل و يجري فيه المناقشة السّابقة

فإن جفّ جميع ذلك بطل الوضوء إلّا مع الضرورة كإفراط الحرّ و قلّة الماء فيجوز حينئذ الاستيناف و لو أمكن إلقاء جزء من اليد اليسرى ثم الصبّ عليه أو غمسه و تعجيل المسح به وجب مقدما على الاستيناف بناء على عدم جوازه

و يجب

في الوضوء

الترتيب

يبدأ بغسل الوجه ثم اليد اليمنى ثم اليسرى ثم يمسح الرأس ثم الرجلين و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب و تدل عليه الأخبار المستفيضة و لا ترتيب بينهما على المشهور حتى قال ابن إدريس لا أظنّ أحدا منّا مخالفا في ذلك و يدلّ عليه إطلاق الآية و الأخبار و المحكي عن ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و سلّار و ظاهر ابن بابويه وجوب تقديم اليمنى

و عن بعض الأصحاب جواز المعية خاصة و اختار الشارح الفاضل القول الثاني و علّل بأنه لم يكن في الوضوء البياني إلّا كذلك و إلّا لزم تعين خلافه و هو باطل إجماعا فيلزم وجوب تقديم اليمنى

و فيه ضعف كما مرّ لكن تدلّ عليه رواية محمد بن مسلم في الحسن عن أبي عبد اللّٰه(ع)و ذكر المسح فقال امسح على مقدّم رأسك فامسح على القدمين و ابدأ بالشق الأيمن إلا أنك قد عرفت أن دلالة الأمر في أخبارنا على الوجوب ليس بذلك الواضح فلا ينتهض لتخصيص إطلاق الآية و الأخبار و تجب

الموالاة

لا خلاف بين الأصحاب في وجوب الموالاة و إنّما الخلاف في تفسيرها فقيل معناها أن يغسل كلّ عضو قبل أن يجف ما تقدمه و هو المشهور بين الأصحاب حتى قال الشهيد في الذكرى و كلام الشيخين ظاهر في المتابعة و ظاهر المبسوط عدم الإجزاء بالمخالفة ففيه وفاء لحق الواجب إلّا أنه في الجمل وافق الأصحاب في اعتبار الجفاف فانحصرت المتابعة في المفيد ره و لو حمل قوله لا يجوز على الكراهة انعقد الإجماع و قيل إنها وجوب المتابعة اختيارا و الجفاف اضطرارا إلّا أنه لا يبطل إلّا بالجفاف و اختاره المحقق و المصنف فقال

و هي المتابعة اختيارا فإن أخّر بعض الأعضاء عن بعض فجف المقدم بطل الوضوء و هذا مذهب الشيخ في الخلاف و نسبه في المعتبر إلى المرتضى في المصباح و قيل إنّها المتابعة اختيارا و مراعاة الجفاف اضطرارا و يبطل بترك المتابعة اختيارا و هو ظاهر المبسوط و الأقرب الأوّل و يدلّ على بطلان الوضوء في صورة الجفاف ما رواه الكليني و الشيخ عن أبي بصير في الموثق عن أبي عبد اللّٰه قال إذا توضّأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوؤك فأعد وضوءك فإن الوضوء لا يتبعض و في الكليني حتى ينشف بدل حتى يبس وجه الدلالة أن الظّاهر أن المراد من التعليل أن الوضوء الشرعي ليس أمر يتبعض و يتفرق

و يؤيده ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمّار و قال قلت لأبي عبد اللّٰه ربّما توضّأت فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ بالماء فيجف وضوئي قال أعد و رواها الشيخ و الكليني بإسناد قوي

و يمكن النزاع في كون الأمر بالإعادة دالّا على البطلان و لهذا جعلناها من المؤيدات و يؤيده اتفاق الأصحاب و توقف البراءة اليقينية عليه و الوضوء البياني و أمّا ما رواه الشيخ عن حريز في الصحيح في الوضوء يجف قال قلت فإن جف الأوّل قبل أن أغسل الذي يليه قال جف أو لم يجف اغسل ما بقي قلت و كذلك غسل الجنابة قال هو بتلك المنزلة و ابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك قلت و إن كان بعض يوم قال نعم فحملها الشيخ على صورة الاضطرار ليخسف الريح العظيمة أو الحر الشديد

و نقل في الذكرى أن هذا الحديث مما أسنده الصدوق إلى الصّادق(ع)في كتاب مدينة العلم و ذكر أن حملها على التقية أنسب للتسوية بينه و بين غسل الجنابة في ظاهر الخبر و يدلّ على عدم البطلان بترك المتابعة اختيارا و كذا عدم الإثم إطلاق الآية و الأخبار

و يؤيد عدم البطلان ما رواه الشيخ و الكليني عن زرارة بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم قال قال أبو جعفر(ع)تابع بين الوضوء كما قال اللّٰه عز و جل ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس و الرجلين و لا تقدمن شيئا بين يدي شيء تخالف ما أمرت به فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه و أعد على الذراع و إن مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم أعد على الرجل الحديث و ما رواه

36

الشيخ عن منصور بن حازم في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه(ع)في الرّجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين قال يغسل اليمين و يعيد اليسار إذ الظاهر من الخبرين في مقام البيان أنه ليس شيء آخر إلا ما ذكره(ع)احتج المصنف على وجوب المتابعة بوجوه

الأول أن الأمر في قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ يقتضي الفور لأنه الأحوط و لقوله تعالى سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ- فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ

الثاني أوجب غسل الوجه و اليدين و المسح عقيب إرادة القيام إلى الصّلاة بلا فصل و فعل الجميع دفعة متعذّر فيحمل على الممكن و هو المتابعة

الثالث رواية أبي بصير السّالفة حكم(ع)بأن الوضوء لا يتبعض و هو صادق مع الجفاف و عدمه

الرابع رواية الحلبي في الحسن عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال أتبع وضوءك بعضه بعضا و المفهوم من المتابعة فعل كل واحد عقيب الآخر و هذه الرّواية أوردها الشيخ و الكليني في الحسن بإبراهيم بن هاشم و تمامه هكذا عن الحلبيّ عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال إذا نسي الرّجل أن يغسل يمينه قبل شماله و مسح رأسه و رجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه و إن كان إنّما نسي شماله فليغسل الشمال و لا يعيد على ما كان توضأ و قال أتبع وضوءك بعضه بعضا

الخامس أنّ ذلك أحوط فإن اليقين إنما يحصل معه

السّادس الاستدلال بالوضوء البياني على الوجه الذي عرف

السّابع ما رواه الشيخ في الصّحيح عن زرارة قال سئل أحدهما عن رجل بدأ بيده قبل وجهه و برجليه قبل يديه قال يبدأ بما بدأ اللّٰه به و ليعد ما كان و لو لم يجب الموالاة لم نجب إعادة الجميع بل ما عدا الوجه

الثامن ما رواه أبو بصير في الموثق عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه و الإعادة يستلزم سبق الفعل أولا

التاسع روى محمّد بن يعقوب في كتابه عن حكم بن حكيم قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عن رجل نسي من الوضوء الذراع و الرأس قال يعيد الوضوء إن الوضوء يتبع بعضه بعضا و الجواب عن الأول أنا لا نسلّم أن الأمر فيها للفور بل هو للطلب مطلقا كما هو التحقيق عند المصنف و الاحتياط لا يستلزم الوجوب و الجواب عن الآيتين أن استعمال الأمر فيهما للاستحباب أو الرجحان المطلق و إن كان مجازا إذ لو حمل على الوجوب يلزم تخصيصات كثيرة و لم يثبت رجحان مثله على المجاز و كان في لفظ المسارعة و الاستباق إيماء إلى ذلك مع إمكان النزاع في عموم المغفرة على أنه لو حمل الأمر في الآية على الفور يلزم عدم جواز تأخير الوضوء عن وقت إرادة الصّلاة

و الظاهر أنه لم يقل به أحد و عن الثاني بأن الفاء في الآية لو كانت بمعنى التعقيب يلزم أن لا يكون بين الإرادة و الغسل فصل و كذا بين الإرادة و المسح لأنّ المعطوف في حكم المعطوف عليه فيلزم المقارنة بين الغسل و المسح و لم يقل به أحد فاحتج إلى أن يقال الفورية في المسح غير مرادة بالاتفاق فيبقى الغسل على ظاهره من الفورية و ليس هذا التأويل المستلزم لاختلاف حال المعطوف و المعطوف عليه أبعد من أن يقال الفاء هاهنا منسلخ عن معنى عدم التراخي بل هي مستعملة في الترتيب فقط أو في الجزائية من غير ترتيب أصلا لا بد للترجيح من دليل على أنه لو حملت على هذا المعنى يلزم عدم جواز تأخير الوضوء عن وقت الإرادة و لم يقل به أحد

و أيضا لو حمل على هذا المعنى يلزم أن يكون غسل الوجه و اليدين معا بعد الإرادة و هو خلاف ما ثبت من الترتيب و لا يصح حملها على التعقيب بلا مهلة بالنّسبة إلى غسل الوجه و اليد فلا يلزم المتابعة و نقل الفاضل الشارح جوابا عن هذا الاستدلال بأن الفاء الدالة على التعقيب بلا مهلة هي العاطفة و أمّا الداخلة على جزاء الشرط لقد نصّوا على عدم إفادتها التعقيب

و عن الثالث بأنه لو حمل التبعيض في التعليل المذكور على التفريق المطلق يلزم وجوب الإعادة بترك المتابعة اختيارا و اضطرارا لكونه خبرا على الظاهر و تعليلا للإعادة و التالي باطل اتفاقا

و المصنف لم يقل بوجوب الإعادة في صورة الاختيار أيضا على أنّ حمله على التفريق المطلق لا يناسب مفهوم الغاية الذي اشتمل عليه المعلل فحمل التبعيض على الأمر الخاص أعني كون بعضه جافا و بعضه رطبا غير بعيد

مع أن مثل هذه الدلالة الخفية مع مخالفة المدلول للمشهور لا يكفي لتقييد الآية و الأخبار و عن الرابع أنا لا نسلم أن المراد بالإتباع الموالاة لم لا يجوز أن يكون المراد به الترتيب كما يظهر ذلك من سياق الخبر

و عن الخامس أن الكلام في الوجوب الذي يحصل به الإثم لا في الاحتياط و عن السّادس بما مر غير مرّة و أجاب عنه الشارح بأنه لو وجب مراعاته بهذا المعنى توجب علينا المطابقة بين زمان فعلنا و القدر الذي تابع فيه من الزمان و لم يقل به أحد فسقطت دلالته

و فيه أن عدم وجوب المطابقة بهذا المعنى بناء على الإجماع لاستلزم عدم وجوب المتابعة مطلقا فإن القائل بوجوب موافقة الوضوء المحكي يلزم عليه القول بوجوب موافقته إلا فيما أخرجه الدليل

و عن السّابع بأنه ليس في الرّواية غسل الوجه و قوله بدأ بيده قبل وجهه لا يستلزم ذلك و بالجملة حاصل جوابه(ع)أن حكم من بدأ باليد قبل الوجه أن يبدأ بالوجه و يعيد على ما كان سابقا على غسل الوجه و هذا لا يتضمن غسل الوجه ثانيا على أن وجوب الموالاة إنّما يستلزم وجوب غسل الوجه ثانيا إذا حصل فصل بعد غسل الوجه أولا و ليس في السّؤال ما يدل على ذلك فحمل الخبر على ما ذكر بعيد و أيضا طريقة الجمع بين هذا الخبر و بين حسنة زرارة و صحيحة منصور السّابقتين يقتضي الحمل على ما ذكرنا و إن سلم كونه خلاف الظاهر

فإن قلت الجمع بين البدأة باليد قبل الوجه و البدأة بالرجلين قبل الرأس يقتضي ظاهره الإتيان بغسل الوجه سلّمنا لكن لا خفاء في عموم السّؤال بالنّسبة إليه فإطلاق الجواب بإعادة ما كان يقتضي إعادة الوجه أيضا فاندفع الجواب الأول قلت ليس في العبارة دلالة على اجتماع الأمرين في وضوء واحد بل الغرض السّؤال عن حكم كل واحد منهما و ما في قوله ما كان يجوز أن تكون موصولة عهدية إشارة إلى اليدين و الرجلين

و عن الثامن بأنه لو حمل على ظاهره يلزم التخصيص لأنه أمر بإعادة غسل الوجه سواء حصل فصل بعد الأوّل أم لا فيجوز حمل الإعادة على المعنى المجازي إن لم نقل برجحان التخصيص على المجاز و على تقدير القول بذلك نقول إن ذلك محمول على صورة الجفاف أو نحمل على استحباب الإعادة على المعنى المجازي جمعا بينه و بين ما يدل على خلافه مثل ما رواه الشيخ عن علي بن جعفر في الصّحيح عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال سألته عن رجل توضأ و نسي غسل يساره فقال يغسل يساره وحدها و لا يعيد وضوء شيء غيرها و حسنة الحلبي و صحيحة منصور ابن حازم السّابقتين عن قريب و ما رواه الشيخ عن منصور في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عمّن نسي أن يمسح رأسه حتى قام الصّلاة قال ينصرف و يمسح رأسه و رجليه

و ما رواه الشيخ عن أبي بصير في الصحيح عندي عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال سألته عن رجل توضأ و نسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصّلاة قال ينصرف فيمسح رأسه ثم يعيد الصّلاة إلى غير ذلك من الروايات بل جمعا بينه و بين تتمة هذا الخبر و هي قوله(ع)فإن بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد على الأيمن ثم اغسل اليسار و إن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثمّ اغسل رجليك إذ الظاهر من ذلك في مقام البيان عدم وجوب غسل الوجه مع أن الموالاة بالمعنى المتنازع فيه يستلزم ذلك فمع المعارضة يلزم التأويل بتة

و عن التاسع بحمله على الاستحباب أو تخصيصه بصورة الجفاف لما ذكرنا مع ما في سنده من الضّعف فروع

الأول المنقول عن ابن الجنيد اشتراط بقاء البلل على جميع الأعضاء السّابقة و عن ظاهر المرتضى و ابن إدريس اعتبار العضو السّابق و نقل في الذكرى عن ظاهر الباقين أنّ المبطل جفاف الجميع لا البعض لكن لا يخفى أن ظاهر عبارة ابن البراج و أبي الصّلاح أيضا يوافق المرتضى و كلام ابن زهرة و ابن حمزة و الكيدري أيضا يحتمله و اعتبر سلّار بقاء الرطوبة على الوجه عند غسل اليدين و على اليدين عند المسح و القول بأن المبطل جفاف الجميع لا البعض أقرب لإطلاق الآية و الأخبار و كون الظاهر من قوله(ع)في

37

خبر أبي بصير حتى يبس وضوؤك جفاف جميع الوضوء و احتج عليه في المعتبر باتفاق الأصحاب على أن الناسي للمسح يأخذ من شعر لحيته و أجفانه إن لم يبق في يده نداوة و يضعف باحتمال اختصاص ذلك بالناسي أو أن الجفاف للضرورة غير مبطل

الثاني لو والى وضوءه فاتفق الجفاف لم يقدح ذلك في صحة الوضوء لإطلاق الآية و الأخبار و اختصاص الأخبار المتضمنة للبطلان بصورة الجفاف الحاصل بترك المتابعة و التفريق و ذكر الشهيد في الذكرى أن الأخبار الكثيرة تدلّ على خلاف ذلك و لم نطلع عليها

الثالث مقتضى الأدلة الاعتبار بالبلل و الجفاف الحسّي لا التقديري فلو كان في الهواء رطوبة زائدة أو أكثر في ماء الوضوء بحيث لو اعتدل شيء منهما لم يجف لم يضر و في عبارات كثير من الأصحاب التقييد باعتدال الهواء و لعلّ الغرض منه إخراج الهواء الحارّ جدّا كما ذكر الشهيد ره لاغتفار الجفاف حينئذ

الرابع لو تعذّر المسح بالبلل للضرورة جاز الاستيناف لصدق الامتثال و نفي الحرج و اختصاص وجوب المسح بالبلل بحالة الإمكان قال الشهيد ره و لو أمكن غمس العضو أو إسباغ الوضوء المتأخر وجب و لم يستأنف و هو حسن على القول بتحريم الاستيناف

و ذو الجبيرة

على عضو كسير من أعضاء الوضوء و الجبيرة العيدان التي يجبر بها العظام قال بعض العلماء و الفقهاء يطلقونها على ما يشد به القروح و الجروح أيضا و يساوون بينهما في الأحكام ينزعها إن أمكن و كانت على محل المسح بشرط طهارة العضو أو إمكان التطهير لوجوب إلصاق الماسح بالممسوح و إن كانت على محل الغسل و أمكن النزع و الغسل من غير نجاسة تخير بين أن ينزعها أو تكرر الماء عليها حتى يصل إلى البشرة و يجري عليها على الوجه المعتبر شرعا و يشترط في ذلك طهارة المحل و إمكان الإجراء عليه على وجه التطهير و يجب إيصال الماء إلى البشرة إن لم يمكن النزع و أمكن وضع العضو في الماء بحيث يصل الماء إلى البشرة على الوجه المعتبر شرعا على المشهور بين المتأخرين و يمكن أن يعلّل بأن إجراء الماء على العضو عند المكنة واجب بمقتضى عموم الأدلة و يمكن المنازعة فيه باحتمال أن يقال الغسل المستفاد من الأدلة عرفا ما كان خاليا عن الحائل و إلا لزم جواز الاكتفاء به و إن أمكن النزع و الظاهر أنهم لا يقولون به إلا أن يقال هذا مستثنى بالإجماع

و يمكن الاستدلال عليه بما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمّار في الموثق عن أبي عبد اللّٰه(ع)في الرّجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر أن يحلّه لحال الجبر إذا جبر كيف يصنع قال إذا أراد أن يتوضأ فليضع إناء فيه ماء و يضع الجبيرة في الماء حتى يصل الماء إلى جلده و قد أجزأه ذلك من غير أن يحلّه و هذا الاستدلال إنّما يتم بمعونة توقف اليقين بالبراءة من التكليف الثابت عليه

نعم إن صح أن الغسل مختصّ بعدم الحائل يحصل التعارض بين هذا الخبر و بين صحيحتي عبد الرحمن الآتية و الجمع بحمل هذا على الاستحباب متجه و يظهر من كلام الشيخ في التهذيب و الإستبصار أنه قائل بوجوب ذلك حيث حمل هذه الرواية فيهما على الاستحباب عند المكنة و عدم الضرر

و إلا مسح عليها إن كان ظاهرها طاهرا أو أمكن تطهيرها قال الشيخ في الخلاف الجبائر و الجراح و الدماميل و غير ذلك إذا أمكن نزع ما عليها و غسل الموضع وجب ذلك فإن لم يتمكن من ذلك بأن يخاف التلف أو الزيادة في العلة مسح عليها و تمم وضوءه و ادعى عليه إجماع الفرقة و قال في المعتبر و الجبائر ينزع إن أمكن و إلا مسح عليها و لو في موضع الغسل و هو مذهب الأصحاب و قريب منه عبارة المصنف في التذكرة

و قال في المنتهى الجبائر تنزع مع المكنة و إلا مسح عليها و أجزأ عن الغسل و كذا العصابة التي تعصب بها الجرح و الكسر و هو مذهب علمائنا أجمع و يدل على الحكم المذكور و في الجبائر ما رواه الشيخ في الصحيح إلى كليب الأسدي قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عن الرّجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصّلاة قال إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصل و يمكن عدّ هذه الرواية من الحسان لأنّ الكشّي قد روى حديثا يدل على المدح في شأن كليب و له كتاب يرويه جماعة من أجلاء الأصحاب مثل صفوان و ابن أبي عمير و هما من أعاظم الثقات ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم

و صرح الشيخ في العدّة بأنهما لا يرويان إلا عن الثقات ففي روايتهما عن كليب دلالة على حسن حاله و سيجيء لهذا زيادة توضيح في بعض المباحث الآتية و في صحة الرّواية المذكورة إلى فضالة الواقع في الطريق و هو ممن قيل إنه أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه إشعار ما بحسن هذه الرواية و مع هذا كله فعمل الأصحاب بمدلول هذه الرواية ممّا ينجبر سندها

و أمّا القروح فيدل على الحكم المذكور فيها ما رواه الكليني و الشيخ عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه(ع)أنه سئل عن الرّجل يكون به القرحة في زراعة و نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة و يتوضأ و يمسح عليها إذا توضّأ فقال إن كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة و إن كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها قال و سألته عن الجرح كيف يصنع به في غسله قال اغسل ما حوله و يعارضه ما رواه الكليني بإسنادين أحدهما من الصّحاح عن عبد الرحمن بن الحجاج الثقة قال سألت أبا الحسن الرّضا(ع)عن الكسر تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء و عند غسل الجنابة و غسل الجمعة قال يغسل ما وصل إليه الغسل ممّا ظهر ممّا ليس عليه الجبائر و يدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله و لا ينزع الجبائر و يعبث بجراحته

و رواه الشيخ عن محمد بن يعقوب بأحد الإسنادين و هو الصّحيح منهما و اقتصر على أبي الحسن و روى الشيخ عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال سألت أبا إبراهيم عن الكسير تكون عليه الجبائر كيف يصنع بالوضوء و غسل الجنابة و غسل الجمعة قال يغسل ما وصل إليه ممّا ظهر مما ليس عليه الجبائر و يدع ما سوى ذلك مما لا يستطاع غسله و لا ينزع الجبائر و لا يعبث بجراحته

و لا يخفى أن إعادة النفي في قوله و لا يعبث بجراحته يناسب زيادة الجرح في السّؤال كما في الخبر السّابق و عدم إعادة صرف النفي كما في الخبر السابق يناسب السّؤال في هذا الخبر قال بعض الأصحاب و لو لا التصريح باسم الرّضا(ع)في الخبر السّابق لاحتمل قويا أن يكون خبرا واحدا و حمل الشهيد ره قوله و يدع ما سوى ذلك على أنه يدع غسله و هذا لا ينافي وجوب المسح و هو خلاف الظاهر كما لا يخفى على المستأنس بسياق الأحاديث لكن لا محيض في مقام الجمع إلا بارتكابه أو حمل معارضه على الاستحباب

و يقوي الأول عمل الأصحاب و الإجماع المنقول و الثاني قرب التأويل و أولوية إبقاء الأقوى من الأخبار على ظاهره و ضعف الإجماعات المنقولة كما سنشير إليه إشارة إجمالية في مبحث سبب الجنابة بل الظاهر من طريقه التخيير بين المسح و الاكتفاء بغسل ما حولها حيث قال و من كان به في المواضع التي يجب عليها الوضوء قرحة أو جراحة أو دماميل و لم يؤذه حلها فليحلها و يغسلها و إن أضر به حلها فليمسح يده على الجبائر و القروح و لا يحلّها و لا يعبث بجراحته

و قد روي في الجبائر عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال يغسل ما حولها بل لا يبعد أن يقال ظاهر الكليني أيضا جواز الاكتفاء بغسل ما حولها حيث أورد ما يدلّ عليه من الأخبار إذ قاعدة القدماء العمل بما يوردونه في كتبهم من الأخبار و من ذلك يعلم مذاهبهم و فتاويهم و قل أن يذكروا شيئا بطريق الفتوى و ذلك غير خفي على المتتبع

و بالجملة لو لا الإجماع المنقول سابقا كان القول باستحباب المسح متجها لكن الاجتزاء على خلافه لا يخلو عن إشكال ثم لا يخفى أن الجرح لا مستند له إلا الإجماع المنقول فيبنى على حجيته و ترجيحه على ما يدل بظاهره على خلافه كحسنة الحلبي السّالفة [السابقة] ما رواه الشيخ و الكليني عن عبد اللّٰه بن سنان بإسناد فيه توقف عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال سألته عن الجرح كيف يصنع به صاحبه قال يغسل ما حوله فإن ثبت ذلك أوّلنا الخبرين إما بالتأويل السّابق أو التخصيص بغير صورة الإجماع كما إذا كان الجرح عليه مجردا أو كانت عليه خرقة لا يمكن تطهيرها

و فيهما بعد ظاهر و في إثبات حجية الإجماع المنقول عسر واضح لكنّه يوجب نوع تأمّل في العمل بمقتضى الخبرين فيحصل التعارض بين الأصل و وجوب تحصيل اليقين بالبراءة من التكليف الثابت و الاحتياط فيما عليه الأصحاب

ثم اعلم أنهم صرّحوا بإلحاق الجروح و القروح بالجبيرة و بعضهم ادعى الإجماع عليه و نص جماعة منهم على عدم الفرق بين أن تكون الجبيرة مختصة بعضو أو شاملة للجميع و في مبحث التيمّم

38

جعلوا من استثناء الخوف من استعمال الماء بسبب القرح و الجرح من غير تقييد بتعذر وضع شيء عليهما و المسح عليه في كلام الأكثر

نعم صرّح المصنف في المنتهى بهذا التقييد حيث قال في مبحث التيمم لو كان الجرح ممّا يمكن شدّه و غسل الباقي و مسح الخرقة التي عليه بالماء وجب و لا يتيمم و إن لم يمكن ذلك يتيمم و صرّح بذلك في النّهاية أيضا

و قال في المنتهى في مبحث الوضوء و لو كان على الجميع يعني جميع الأعضاء جبار أو دواه يتضرر بإزالته جاز المسح على الجميع و لو استمر بالمسح تيمم و قال في المنتهى في مبحث التيمّم سابقا على الكلام الذي نقلته عنه لو أمكن الجريح غسل بعض جسده أو بعض أعضائه في الوضوء جاز له التيمم

و نقل عن الشّيخ أنه لا يغسل الأعضاء الصّحيحة أصلا و إن غسلها ثم تيمم كان أحوط ثم نقل عن بعض أقوال المخالفين ممّن أوجب الغسل و نقل احتجاجهم بما رواه جابر قال خرجنا في سفر و أصاب رجلا شجة في وجهه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم قالوا ما نجد لك رخصة و أنت قادر على الماء فاغتسل فمات فلمّا قدمنا على النبي(ص)فأخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم اللّٰه أ لا تسألوا إذ لم يعلموا فإنّما شفاء العي السّؤال إنما يكفيه أن يتيمم و يعصب على جرحه ثم يمسح عليه ثم يغسل سائر جسده فأجاب عنه بأنه يحتمل أن يكون قوله و يعصب عطفا على أن يتيمم

و نحن نقول بموجبه فإنه يجوز أن يعصب على الجراح خرقة و يغسل جسده و يمسح على تلك الجرحة و حاصله حصول الاكتفاء بالتيمم و التعصيب و المسح و غسل سائر الجسد على معنى أن كل واحد منهما كاف و يحتمل أن يكون عطفا على لفظة يتيمم و يكون الواو بمعنى أو و لا استبعاد في ذلك و المستفاد من ظاهر كلامه هذا القول بالتخيير

و يحتمل أن يكون غرضه حصول الكفاية بكل واحد و إن كان على سبيل الترتيب كما صرح به صاحب الذكرى و يؤيده كلام المصنف لاحقا و لعلّ ما صرّح به المصنف مراد الباقين جمعا بين كلامهم في الموضعين

و اعلم أيضا أن أكثرهم أوردوا الأحكام السّابقة في الوضوء و لم ينصّوا على تعميمه بالنسبة إلى الطهارتين و المحقق في الشرائع قال من كان على أعضاء طهارته جبائر و المصنف في المنتهى صرح بعدم الفرق بين الطهارتين مدّعيا أنه قول عامة العلماء

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ هذا التعميم يشكل في القروح و الجروح لدلالة أخبار معترفا على انتقال المجنب إلى التيمّم من غير تقييد مثل ما رواه الشيخ عن محمّد بن مسلم في الصحيح قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجنب تكون به القروح قال لا بأس بأن لا يغتسل و يتيمم و روى الكليني عن محمد بن مسلم في الصحيح قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون به القروح و الجراحة يجنب قال لا بأس بأن لا يغتسل و يتيمم و ما رواه الشيخ عن داود بن سرحان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل تصيبه الجنابة و به جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد فقال لا يغتسل و يتيمم و رواه الشيخ عن ابن أبي نصر في الصحيح عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في الرجل تصيبه الجنابة و به قروح أو جروح أو يكون يخاف على نفسه البرد فقال لا يغتسل يتيمم و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الموثق عن أحدهما (عليهما السلام) في الرّجل تكون به القروح في جسده فتصيبه الجنابة قال يتيمم و ما رواه الصدوق عن محمد بن مسلم بإسناد صحيح عندي أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون به القروح و الجراحات فيجنب فقال لا بأس بأن يتيمم و لا يغتسل بل يشكل هذا الحكم في الكسير أيضا لدلالة ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير في الصحيح عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال ييمّم المجدور و الكسير إذا أصابتهما الجنابة على الانتقال إلى التيمّم

و يؤيّده ما رواه محمّد بن يعقوب و ابن بابويه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) أن المبطون و الكسير ييمّمان و لا يغتسلان و تحقيق المقام أنه إن ثبت صحة الاحتجاج بالإجماع في وجوب مسح الكسير مطلقا و عدم الانتقال إلى التيمم يلزم حمل ما دل على التيمم بصورة تعذر المسح أو صور أخرى لم يثبت فيه إجماع كما سنشير إليه

لكن الظّاهر عدم صحة الاحتجاج المذكور و ظني مخالفة الصدوق و الكليني فيه و التأويلان المذكوران في نهاية البعد و العدول عن ظواهر الأخبار المذكورة في غاية الإشكال و على هذا يلزم تخصيص رواية كليب بما عدا الجنابة و ما في حكمها جمعا بين الأخبار

و حينئذ يقع التعارض بين ما دل على التيمم و خبري عبد الرحمن بن الحجاج و يمكن الجمع بينهما بالتخيير أو حمل أخبار التيمّم على صورة التضرر بالغسل و كذا الحال في القروح و هذا الجمع هنا أقرب لاختصاص الرّواية الدالة على المسح فيها بالوضوء مع السّلامة عن معارضة خبر عبد الرحمن و الحال في الجريح كالكسير

و توضيح الاحتجاج فيه على وجوب المسح في الوضوء يؤول الخبران الدالان على جواز الاكتفاء بغسل ما حولها بالتأويل الذي أشرنا إليه سابقا و فيه بعد و الأحوط الجمع بين التيمّم و الغسل فروع:

الأول حكم الطلاء الحائل حكم الجبيرة أيضا لما رواه الشيخ عن الوشاء في الحسن عن أبي الحسن (عليه السلام) في الدّواء إذا كان على يدي الرّجل أ يجزيه أن يمسح على طلي الدّواء فقال نعم يجزيه أن يمسح عليه و هي محمولة على دواء لا يمكن إزالته و يؤيده رواية عبد الأعلى مولى آل سام و قد مرت في مبحث المسح

الثاني يظهر من التذكرة وجوب مسح الجرح المجرّد إن أمكن و نسب في الذكرى الميل بذلك إلى المعتبر أيضا تحصيلا لشبه الغسل عند تعذر حقيقته و فيه ضعف فإن قلنا به و تعذر ففي وجوب وضع لصوق المسح عليه احتمال أيضا و احتمل الشهيد في الذكرى القول بوجوب هذا الوضع و المسح و إن قلنا بعدم المسح على الجرح مع إمكانه ليحاذي الجبيرة و ما عليه لصوق ابتداء قال و الرّواية مسلّطة على فهم عدم الوجوب و قال فيه أيضا لو لم يكن على الجرح خرقة غسل ما حوله محتجا بحسنة الحلبي و عبد اللّٰه بن سنان السّابقتين

و يظهر منه صحة الاكتفاء بذلك فعلى هذا لا يجب عليه المسح عند المكنة و عدم الضرر و يمكن المناقشة بأن الروايتين مصروفتان عن ظاهرهما عندهم للإجماع المنقول سابقا و ليس التزام التخصيص فيهما بإخراج ما عدا الصورة المذكورة أقرب من التأويل الذي أشير إليه سابقا لكن الظاهر أن التخصيص المذكور أقرب

و تؤيد ما ذكره رواية عبد الرحمن أيضا فتدبر فيهما و الاحتياط في المسح فلا حجة فيهما و كذا الحال إذا لم يمكن المسح و أمكن وضع شيء و المسح عليه هذا في الوضوء و أما في الغسل فمقتضى الروايات الكثيرة التيمم و الأحوط الجمع و هل الحكم في الكسير كذلك فيه إشكال لاختصاص النص الدال على المسح بصورة الجبيرة فيحتمل عند عدمها وجوب التيمم خصوصا للجنب بناء على ما عرفت من الأخبار و الأحوط الجمع بين الجميع و الرواية الواردة في القروح شمل المجرد لكنه دال على المسح على الخرقة الموضوعة فعلى هذا لو أمكن المسح على نفسها ففي تقديمه على المسح على الخرقة إشكال و لو لم يمكن المسح على الخرقة و أمكن المسح على نفسها ففي الوضوء مع ذلك أو العدول إلى التيمم إشكال هذا في الوضوء و أما في الغسل فمقتضى الرّوايات التيمم و إذا لم يمكن المسح على الكسير و القروح المجردين على شيء يوضع عليه ففي الاكتفاء بغسل ما حوله أو العدول إلى التيمم إشكال و مقتضى إطلاقات الأصحاب الثاني و هو قريب في الغسل و في الجرح إشكال و الاحتياط في الكل حسن

الثالث قال في الذكرى لو كانت الخرقة نجسة و لا يمكن تطهيرها فالأقرب وضع طاهر عليها تحصيلا للمسح و يمكن إجراؤها مجرى الجرح في غسل ما حولها و قطع الفاضل بالأول و لا يخفى أنه فرق بين الجرح و الكسر بحسب المستند أما الجرح فلأن الخبرين السّابقين دلا على عدم وجوب المسح فيه خرج عنه ما دخل في الإجماع المدعى إن ثبت صحة الاحتجاج به فيبقى غيره داخلا في عموم الخبر

و فيه المناقشة السّابقة و أمّا الكسير ففيه إشكال للشك في صدق المسح على الجبيرة عند المسح على الظاهر الموضوع عليه و تعارض الأصل وجوب تحصيل اليقين بالبراءة و القول بوجوب المسح في القروح أظهر بحسب المستند و لو ثبت التسوية بينها بالإجماع المركب أمكن انسحاب الحكم الثابت للبعض في الباقي

الرابع لو لم يمكن المسح على الجبيرة و لا على الخرقة الموضوعة على الجرح فمقتضى صحيحة عبد الرحمن وجوب غسل ما حولها و يدل على ذلك خبر الحلبي و عبد اللّٰه بن سنان لكنهما خاصان بالجرح و تعارضهما الأخبار الدالة على تيمم المجنب و يمكن الجمع بالتخيير أو حمل أخبار التيمم على صورة تعذر الغسل و ظاهر الأصحاب التيمم و الجمع أحوط

الخامس لو عمت الجبائر أو الدواء كل عضو مسح على الجميع و لو تضرر بالمسح تيمم و لا ينسحب في خائف البرد فيؤمر بوضع حائل و المسح عليه بل يتيمم لعدم النص هناك

39

السّادس إذا كان الحامل موجودا فلا فرق بين كونه خرقة أو غيرها و كذا لا فرق بين مواضع المسح و الغسل في ذلك لكن إذا كان موضع المسح كفى المسمّى كالمبدل منه و إن كان موضع الغسل ففي الاستيعاب تردّد و قد قطع الفاضلان بوجوب الاستيعاب إجراء لحكم المبدل منه عليه و يشكل بصدق المسح على الشيء بالمسح على جزء منه كالمسح على الرّجلين و جعل الشيخ في المبسوط الاستغراق أحوط و استحسنه الشهيد ره و هو حسن

السّابع إذا أمكن جريان الماء على الجبيرة لم يجب و كفى المسح للأصل و إطلاق الأمر و احتمل المصنف في النّهاية وجوب أقل ما يسمّى غسلا

الثامن إذا كان العضو مريضا لا يجري فيه حكم الجبيرة بل لا بد من التيمم لفقد النص الدال على انسحاب الحكم المذكور فيه و جعل الشيخ في الخلاف و المبسوط الجمع بين التيمم و غسل الباقي أحوط

التاسع إذا زال العذر لم يجب إعادة الصّلاة إجماعا و هل يجب إعادة الوضوء فيه تردّد و مختار المصنف وجوب الإعادة وفاقا للشيخ و المحقق و اختار الشهيدان و الشيخ على عدم الوجوب و قد مر ما يصلح للاحتجاج من الطرفين مع الإشعار بالترجيح هذا ما حضرني في هذه المسألة و في عبارة المصنف إجمال و اختلال لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرنا

و صاحب السّلس

و هو الذي لا يستمسك بوله يتوضأ لكل صلاة على الأشهر الأقرب لأن مقتضى الأدلة أن الحدث مطلقا يوجب الوضوء و يمنع من المشروط به إلا أن اعتبار ذلك لمّا امتنع مطلقا للتعذر كان الوضوء لكل صلاة حيث لا تعذّر فيه باقيا على الوجوب و تدل عليه الآية للأمر بالوضوء فيها عند القيام إلى الصّلاة إلا ما خرج بالدليل و نقل عن الشيخ في المبسوط جواز الجمع بين الصّلوات الكثيرة بوضوء واحد و خصّ المصنف في المنتهى جواز الجمع بالظهرين و العشاءين خاصة استنادا إلى ما رواه الصّدوق عن حريز في الصحيح و رواه الشيخ معلّقا عن حريز و طريقه إلى حريز صحيح في الفهرست و لم يذكر طريقه إليه في التهذيب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال إذا كان الرجل يقطر منه البول و الدم إذا كان في الصّلاة اتخذ كيسا و جعل فيه قطنا ثم علقه عليه و أدخل ذكره فيه ثم صلّى يجمع بين الصّلاتين الظّهر و العصر يؤخر الظهر و يعجل العصر بأذان و إقامتين و يؤخر المغرب و يعجل العشاء بأذان و إقامتين و يفعل ذلك في الصبح إما لكون الجمع ظاهرا في كون الصّلاتين بوضوء واحد أو لعدم ظهور فائدة الجمع إلا بذلك

و فيه نظر لجواز أن يكون الجمع لا على سبيل الوجوب أو الاستحباب باعتبار أخذ الكيس تخفيفا للنجاسة أو فائدة أخرى غير معلومة و عدم العلم بالشيء لا يستلزم عدمه سلمنا دلالة ضعيفة على ما ذكر لكن لا تصلح مخصّصا للآية و الأخبار الكثيرة فإن قلت ما رواه الشيخ عن سماعة بإسناد لا يبعد أن يعد موثقا قال سألته عن رجل أخذه يقطر من فرجه إمّا دم و إما غيره قال فليضع خريطة و ليتوضأ و ليصلّ فإنما ذلك بلاء ابتلي به فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضّأ منه يشعر بفتوى المبسوط كما قاله الشهيد في الذكرى

بل قيل إنه دال على ذلك قلنا لا نسلم ذلك إنّما المستفاد منه العفو من استصحاب النجاسة في حال الصلاة للضرورة و لا يستفاد منه عدم إعادة الوضوء لصلوات أخرى إذا كان الخارج حدثا كالبول بل هي بالدلالة على نقيض ذلك أنسب و كذا المستفاد من حسنة منصور بن حازم قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الرجل يعتريه البول و لا يقدر على حبسه قال إذا لم يقدر على حبسه فاللّه أولى بالعذر يجعل خريطة أوردها الكليني العفو عن استصحاب البول بعد أن يجعل خريطة و لا دلالة فيها على سقوط الوضوء بالبول مطلقا فلا وجه لما قيل من أنه مشعر بقول الشيخ في المبسوط

و اعلم أنهم حكموا بوجوب الاستظهار في منع التعدي بقدر الإمكان لشد الخريطة و يدل عليه الأخبار السّابقة غيرها مثل ما رواه الشيخ عن الحلبي بإسناد فيه توقف لمكان محمّد بن عيسى و الظاهر أنه ابن عبيد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سئل عن تقطير البول قال يجعل خريطة إذا صلّى مضافا إلى ما يدل على تطهير وجوب الثياب

و أمّا وجوب تغيير الخريطة أو تطهيرها لكل صلاة فغير مستفاد من الرواية و هو غير مذكور في كلامهم هذا ثم الظاهر أن الحكم المذكور إنّما يكون إذا لم يكن له في الوقت فترة معتادة تسع الطهارة و الصلاة لتحقق الضرورة التي هي مناط سقوط الطهارة

و كذا المبطون

و هي لغة عليل البطن من البطن بالتحريك و هو داء البطن و المراد هنا من يعتريه الحدث من غائط أو ريح بحيث لا يمكنه التحفظ يتوضأ لكل صلاة و تفصيل المسألة أن المبطون إن أمكنه التحفظ إما بالشد أو انتظار فترة معتادة بقدر الطهارة و الصّلاة فالظاهر وجوبه على ما صرح به جماعة من الأصحاب و إلا فلا يخلو إما أن يكون مستمرّا بحيث لا يمكن الدخول في الصّلاة على طهارة أم لا

و على الأول فالمستفاد من كلامهم أنه يتوضأ لكلّ صلاة و يغتفر الحدث في الأثناء و هو صحيح دفعا للحرج و تحصيلا للطهارة بقدر الإمكان قال في الذكرى الظاهر أن المبطون أيضا يجدد لكل صلاة لمثل ما قلناه و لم أرهم صرّحوا به إلا أن فتواهم بالوضوء للحدث الطاري في أثناء الصّلاة يشعر به

و على الثاني و هو أن يدخل في الصّلاة متطهرا ثم فجأه الحدث مستمرا فالمشهور أنه يتطهر و يبني لما رواه الصدوق عن محمّد بن مسلم بإسناد صحيح عندي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال صاحب البطن الغالب يتوضأ و يبني على صلاته و عدّها المصنف و الشهيدان من الصحاح و قد يتوقف فيه بناء على أن في طريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم عليّ بن أحمد بن عبد اللّٰه البرقي و أبوه أحمد و هما غير مذكورين في كتب الرجال و الصحيح عندي عدّها من الصحاح لأن الصدوق صرّح في أوّل الكتاب بأن جميع ما فيه مستخرج من الكتب المشهورة المعتمدة

و الظاهر أن الرّجلين ليسا بصاحب كتاب معروف معتمد فالظاهر أنّ النقل من كتاب أحمد بن أبي عبد اللّٰه أو كتاب من هو أعلى طبقة منه و تلك الكتب كانت معروفة عندهم و جهالة الواسطة بينه و بين أصحاب تلك الكتب غير ضائر بل الغرض من إيراد الوسائط إسناد الأخبار و اعتبار اتصالها من غير أن يكون التعويل على نقلهم بل هم من مشايخ الإجازة و على هذا نجري في مباحث هذا الشرح و نعد مثل هذه الأخبار صحيحا مع التقييد بقولي على الظاهر أو عندي إشارة إلى مثل هذا الأمر و قد يتوقف في مثل هذا الخبر على أنّ في طريقه محمد بن خالد البرقي و قد قال النجاشي في شأنه إنه ضعيف في الحديث و الظاهر أنه لا توقف من هذه الجهة لأن الشيخ وثق محمّد بن خالد و لعلّ مراد النجاشي أنه يروي عن الضعفاء و يعتمد المراسيل لا أن الضعف فيه نفسه و كلامه لا يخلو من إشعار بذلك و بهذا يحصل

و يؤيده قول ابن الغضائري في ترجمة محمد بن خالد أنّ حديثه يعرف و ينكر و يروي عن الضّعفاء كثيرا و يعتمد المراسيل و روى الشيخ بطريق موثق بابن بكير عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) صاحب البطن الغالب يتوضأ ثم يرجع في صلاته فيتم ما بقي و في موضع آخر بذلك الإسناد بعينه صاحب البطن الغالب يتوضأ ثم يرجع في صلاته فيتم ما بقي و بسند آخر موثق عن محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المبطون فقال يبني على صلاته و هذه الطرق أيضا معتبرة جدا لأن ابن بكير و إن كان فطحيّا لكنه من أجلّاء الثقات ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم فلا وجه للتوقف في هذا الخبر مع اشتهاره و تكرره في الكتب و اعتضاده بعمل الأصحاب و يناسبه ما سيجيء من أن المتيمم المحدث في الأثناء يبني

و يؤيّده رواية الفضيل ابن يسار في الصحيح قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أكون في الصّلاة فأجد غمزا في بطني أو ضربانا فقال انصرف ثم توضأ و ابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصّلاة بالكلام متعمدا فإن تكلمت ناسيا فلا شيء عليك و هو بمنزلة من تكلم في الصّلاة ناسيا قلت و إن قلب وجهه عن القبلة فالعمل به غير بعيد و رواية الفضيل غير دال على المحدث في الأثناء و لهذا أوردته بلفظ التأييد و المصنف مع اعترافه بصحّة الخبرين لم يعمل بهما بل قال في المختلف و الوجه عندي أنّ عذره إن كان دائما لا ينقطع فإنه يبني على صلاته من غير أن يجدّد وضوءا كصاحب السّلس و إن كان يتمكن من تحفظ نفسه بمقدار زمان الصلاة فإنه يتطهر و يستأنف الصّلاة

و يدل على التفصيل أن الحدث المتكرر لو نقض الطهارة لأبطل الصّلاة لأن شرط صحة الصّلاة استمرار الطهارة و أما مع التمكن من التحفظ فإنه يجب عليه الاستيناف لأنه متمكن من فعل الصّلاة و كلامه لا يخلو عن مصادرة لأن من يحكم بوجوب الوضوء و البناء لا يسلّم اشتراط صحّة الصّلاة بالطهارة المستمرة من أوّلها إلى آخرها و الاستناد

40

إلى ما دلّ على أن الحدث يقطع الصلاة مندفع للزوم ارتكاب التخصيص أو التقييد فيه جمعا بينه و بين ما ذكر هنا كما أنه مخصّص بالمستحاضة و السّلسي إجماعا بل بالمبطون أيضا و ما قيل من أن الصلاة مشروطة بالطهارة إجماعا فلو انتقض يطلب الصّلاة أيضا ممنوع إذ لا نسلّم الإجماع على اشتراطها بالطهارة المستمرة و اعلم أن بعض الأصحاب قيد الحكم المذكور بعدم الاستلزام للمنافي كالاستدبار

و الظاهر أن الحكم بالوضوء و البناء المذكور مقيد بعدم الكثرة الموجبة للمشقة و قال الشهيد في الذكرى هل يسحّب مضمون الرّواية في السّلس يمكن ذلك لاستوائهما في الموجب و إشارة الروايات إلى البناء بالحدث مطلقا و الوجه العدم لأن أحاديث التحفظ بالكيس و القطن مشعرة باستمرار الحدث و لأنه لا مبالاة به

و الظاهر أنه لو كان في السّلس قترات و في البطن تواتر أمكن حكم كل منهما إلى الآخر انتهى كلامه و هو غير بعيد لكن إتيانه مشكل

و يستحب

للمتوضئ وضع الإناء على اليمين إن كان ممّا يغترف منه باليد و الاغتراف بها أي باليمين مطلقا قال في المعتبر بعد ذكرهما و هو مذهب الأصحاب احتج بأنه أمكن في الاستعمال و هو نوع تدبير و روي عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)أن اللّٰه يحبّ التيامن في كل شيء و الاغتراف باليمين كذلك و المستفاد من أكثر الروايات المنقولة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حكاية وضوء رسول اللّٰه أنه (عليه السلام) اغترف بيده اليمنى لغسل الوجه و اليد اليسرى و أنه اغترف بيده لغسل يده اليمنى

و المستفاد من بعضها أنه (عليه السلام) اغترف باليمنى لغسل الجميع و في بعضها أنه (عليه السلام) دعا بقعب فيه شيء من ماء فوضعه بين يديه و هذا ينافي الحكم الأوّل و ذكر المفيد ره أنه يأخذ الماء لغسل يده اليمنى فيديرها إلى يده اليسرى ثم يغسل يده اليمنى و احتج عليه الشيخ بوضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرواية الآتية و هو غير دال على ذلك إذ المستفاد منه أنه (عليه السلام) أخذ الماء بيده اليسرى للاستنجاء و لا يدل على أنّ الأخذ كان باليسرى إلى آخر الوضوء و برواية دالة على خلافه

و التسمية نقل جماعة الإجماع عليه و يدل عليه ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إذا وضعت يدك في الماء فقل بسم اللّٰه و باللّٰه اللّٰهمّ اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين فإذا فرغت فقل الحمد للّه ربّ العالمين

قال الصدوق و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا توضأ قال بسم اللّٰه و باللّٰه و خير الأسماء و أكبر الأسماء و قاهر لمن في السماوات و قاهر لمن في الأرض الحمد للّه الذي جعل من الماء كل شيء حي و أحيا قلبي بالإيمان اللّٰهمّ تب علي و طهرني و اقض لي بالحسنى و أرني كل الذي أحبّ و افتح لي بالخيرات من عندك يا سميع الدعاء و إن اقتصر على بسم اللّٰه آخرا لما رواه الشيخ عن عيص بن القاسم في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال من ذكر اسم اللّٰه تعالى على وضوئه فكأنّما اغتسل و في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا سمّيت في الوضوء طهر جسدك كله و إذا لم تسمّ لم يطهر من جسدك إلا ما مرّ عليه الماء و في رواية أبي بصير عن الصّادق (عليه السلام) يا أبا محمّد من توضأ فذكر اسم اللّٰه ظهر جميع جسده و من لم يسمّ لم يطهر من جسده إلا ما مرّ عليه الماء

و في تلك الأخبار دلالة على استحباب التسمية و عدم وجوبها مضافا إلى أنه لم ينقل ذلك في الوضوء المحكي فما يدل عليه بعض روايات ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) من أنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)أمر من توضأ ثلاثا بإعادة الوضوء حتى سما محمول على الاستحباب و حمل الشيخ التسمية فيه على النية و هو بعيد و كذا حمله على نية الاستباحة كما احتمله المحقق و طعن المحقق في سنده لمكان الإرسال

ثم قال و لو قيل مراسيل ابن أبي عمير يعمل بها الأصحاب منعنا ذلك لأنّ في رجاله من طعن الأصحاب فيه فإذا أرسل احتمل أن يكون الراوي أحدهم و على ما قررنا من أنّ الغرض من هذه الأخبار تحصيل الظن لا يقدح الاحتمال الذي ذكره المحقق لأنه نادرا قليل جدا فلا ينافي الظن و لهذا اشتهر بين الأصحاب العمل بمراسيل ابن أبي عمير و ذكر الشيخ في العدّة أنه لا يروي إلا عن الثقات و ذكر الكشي أنه ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم و سيجيء لهذا زيادة توضيح في بعض المباحث الآتية و لو نسيها في الابتداء تدارك في الأثناء كما في الأكل لإطلاق الأخبار السّابقة و هو يقتضي أن يكون حكم العمد أيضا ذلك و استقربه الشهيد في الذكرى و احتمل الشارح الفاضل في الأخير العدم

و تثنية الغسلات لا خلاف في جواز الاكتفاء بغسله واحدة و تدلّ عليه الأخبار المستفيضة الواردة في بيان وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)فإنها مع كثرتها تدلّ على أنه (عليه السلام) غسل كل عضو من الأعضاء المغسولة مرة واحدة بكف واحد و يدل عليه أيضا ما رواه الكليني عن زرارة بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم و رواه الشيخ بالحسن منهما قال قال الباقر (عليه السلام) إن اللّٰه وتر يحبّ الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه و اثنتان للذراعين الحديث و ما رواه الشيخ عن أبي عبيدة الحذاء في الصحيح قال وضأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع و قد بال فناولته ماء فاستنجى ثم أخذ كفا فغسل به وجهه و كفا غسل به ذراعه الأيمن الحديث

و ما رواه الكليني عن حماد بن عثمان في الصحيح قال كنت قاعدا عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فدعا بماء فملأ به كفه فعم به وجهه ثم ملأ كفه فعم به يده اليمنى ثم ملأ كفه فعم به يده اليسرى ثم مسح على رأسه و رجليه و قال هذا وضوء من لم يحدث حدثا يعني به التعدي في الوضوء الحديث

و ما رواه الكليني عن زرارة و بكير ابني أعين في الحسن بإبراهيم بن هاشم قالا سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)ثم ساق صفة الوضوء إلى أن قالا فقلنا أصلحك اللّٰه فالغرفة الواحدة يجزي للوجه و غرفة للذراع فقال نعم إذا بالغت فيها و الثنتان تأتيان على ذلك كله

و ما رواه الشيخ عن ميسر في الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الوضوء واحدة واحدة و ما رواه الكليني بأسانيد ثلاثة واحدة منها من الصحاح و واحدة منها من الحسان عن عبد الكريم و الظاهر أنه الثقة الواقفي و رواه الشيخ في الضعيف منها و رواه بعين الإسناد في الإستبصار لكن فيه ما كان وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)إلا مرة مرة ثم قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء فقال ما كان وضوء علي (عليه السلام) إلا مرة مرة

و ما رواه الشيخ و الكليني عن يونس بن عمّار في الضعيف قال سألت أبا عبد اللّٰه عن الوضوء للصّلاة فقال مرة مرة إنما الكلام في استحباب الغسلة الثانية و إليه ذهب معظم الأصحاب حتى قال ابن إدريس المرتان فضيلة بإجماع المسلمين

ثم قال و لا تلتفت إلى خلاف من خالفه من أصحابنا بأنه لا تجوز المرة الثانية لأنه إذا تعين المخالف و عرف اسمه و نسبه فلا يعتد بخلافه و يظهر دعوى إجماع الفرقة عليه من كلام المرتضى في الانتصار و ابن زهرة في الغنية أيضا و من الكلام المستفاد من ابن بابويه في الفقيه أنه لم يؤجر على الثانية و هو المنقول عنه في المقنع

و نسب إليه ابن إدريس القول بالتحريم و قال الشيخ في الخلاف و في أصحابنا من قال إن الثانية بدعة و ليس بمعول عليه و نقل بعضهم عن الثقة الجليل أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي أنه قال في نوادره

و اعلم أن الفضل في واحدة واحدة و من زاد على اثنتين لم يؤجر و قال محمد بن يعقوب الكليني بعد نقله لرواية عبد الكريم السّابقة هذا دليل على أن الوضوء إنّما هو مرّة مرة لأنه (صلى اللّٰه عليه و آله)كان إذا ورد عليه أمران كلاهما طاعة للّه أخذ بأحوطهما و أشدهما على بدنه و أن الذي جاء عنهم أنه قال الوضوء مرتان أنه لمن لم يقنعه مرة و استزاده فقال مرتان ثم قال و من زاد على مرتين لم يؤجر و هذا غاية الحدّ في الوضوء الذي من تجاوزه أثم و لم يكن له وضوء

و يدل على المشهور ما رواه الشيخ عن معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء فقال مثنى مثنى و عن صفوان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال الوضوء مثنى مثنى و عدّ جماعة من الأصحاب منهم المصنف في المنتهى و المختلف هذا الخبر من الصحاح

و ذكر المحقق الشيخ حسن في المنتقى أنه ليس بصحيح و محصّل كلامه أن الشيخ نقله معلقا عن أحمد بن محمد عن صفوان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و صفوان إن كان ابن مهران كما تقتضيه الرواية عن الصّادق (عليه السلام) بغير واسطة فأحمد هو ابن أبي نصر لأنه الذي يروي عن ابن مهران بغير واسطة و طريق الشيخ إلى أحد كتابي ابن أبي نصر غير صحيح و لم يعلم أن أخذ الشيخ من أي الكتابين و إرادة غير أحمد بن أبي نصر يقتضي تحقق الواسطة مع جهالته

و إن كان صفوان هو ابن يحيى فروايته عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) إنما يكون بالواسطة فعدم ذكرها ينافي الصحة و لا يخفى أن الظاهر أن كتب ابن أبي نصر و أمثاله من الكتب المعروفة المعول عليها كان مشهورا بينهم مستغنيا عن الوسائط في النقل و إنما يكون ذكر الوسائط في أكثر الأمر مبنيا على رعاية اتصال الإسناد لئلا يتوهم انقطاع الخبر أو رعاية لدأب المحدثين و الأخباريين أو لذهاب القطع حتى لا يفضي إلى الاختلال في كثير من المواضع و على هذا فجهالة الوسائط غير

41

ضائر في صحة الرّواية

و إن كان صفوان هو ابن يحيى فما ذكره من تحقق الواسطة صحيح و هو قادح في الصحة المصطلح عليها لكن صفوان ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم و الظاهر من حاله و جلالة شأنه أنه لا يروي إلا عن الثقات و قد نصّ على ذلك الشيخ في العدة و هذا يعملون الأصحاب بمراسيله

و قد صرح بذلك الشهيد في الذكرى فعلى هذا تحقق الواسطة غير قادح في الاعتماد على الخبر و بالجملة هذا الخبر من الأخبار المعتمدة و رواية زرارة في القوي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر عليه وجه الدلالة أن الظاهر أن المراد بالوضوء الموضوع في تلك الأخبار حقيقة الوضوء الواجبة أو الوضوء الكامل إذ حملها على منتهى مرتبة جوازه بعيد عن أسلوب مثل هذا الكلام جدا

و حيث تعذّر حمله على حقيقة الوضوء الواجبة فمقتضى الإجماع و الأخبار تعيّن الثاني فاندفع ما قيل من أنه يمكن حمله على أنّ المراد بيان نهاية الجواز جمعا بينه و بين ما دل على مذهب ابن بابويه مستشهدا بحسنة الأخوين السّابقة و ضعف الاستشهاد ظاهر على أن خبر زرارة يدل على حصول الإجزاء بالغسلة الثانية بناء على أظهر الاحتمالين من إرجاع الضمير إلى المصدر المفهوم من زاد و هو دليل الاستصحاب و كذا ما يقال من أنه محمول على الغرفتين على طريقة نفي البأس

نعم يمكن أن يقال يجوز حمل ما دل على المرة على غسلة واحدة و أخبار التثنية على أن المراد بها غرفتان على طريقة الاستحباب فلا يتعين الجمع المشهور لكن لا أعلم أحدا من الأصحاب ذهب إلى هذا فالاجتزاء على القول به مشكل و حمل تلك الأخبار على التحديد جمعا بينه و بين ما سيجيء غير بعيد و كذا حملها على التقية لما قيل من أنّ العامة ينكرون الوحدة و يوردون أخبار التثنية

و ممّا يوافق المشهور أيضا ما رواه بإسناد منقطع أبو جعفر الأحول عمن رواه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال فرض اللّٰه الوضوء واحدة واحدة و وضع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)الوضوء للناس اثنتين اثنتين ذكرها ابن بابويه و حملها على الإنكار لا الإخبار و ما رواه بإسناد منقطع عمرو بن أبي المقدام قال حدّثني من سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول إني لأعجب ممّن يرغب أن يتوضأ اثنتين اثنتين و قد توضأ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)اثنتين اثنتين ذكرها ابن بابويه و حملها على التحديد و كذلك ما روي أنّ مرتين أفضل معناه التجديد و كذلك ما روي في مرّتين أنه إسباغ

و لعلّه إشارة إلى ما رواه في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) حيث نقل ما كتب الرضا (عليه السلام) للمأمون عن الفضل بن شاذان بإسنادين لا يخلو عن اعتبار و ذكر فيه ثم الوضوء كما أمر اللّٰه تعالى في كتابه غسل الوجه و البدن إلى المرفقين و مسح الرأس و الرجلين مرّة واحدة و ظاهره أن يكون المرة إشارة إلى الجميع ثم ذكر بعد تمام الرواية سندا أخرى للرواية قويا و زاد فيه أشياء على السّابق و ذكر في جملة الوضوء مرة مرة فريضة و اثنتان إسباغ و ذكر أنّ الرّواية الأولى عندي أصحّ

و رواها بإسناد آخر احتج ابن بابويه على ما نقله مرسلا عن الصّادق (عليه السلام) أنه قال و اللّٰه ما كان وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)إلا مرّة مرّة و بأنه توضأ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)مرة مرة فقال هذا لا يقبل اللّٰه الصّلاة إلا به و نقل بعض الأخبار الدالة على مرتين حمل بعضها على الإنكار و بعضها على التحديد كما مر و أجيب عنه بأن المراد في الخبرين الوضوء الذي فعله رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)بيانا

و يؤيده قوله (عليه السلام) هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصّلاة الآية فإنه يدلّ على أنه (عليه السلام) كان في بيان أقل الواجب و أيّده بعضهم بما نقل من طريق العامة تتمة لهذا الخبر و هو قوله ثم توضأ مرتين و قال هذا وضوء من ضاعف اللّٰه له الأجر

و يؤيّد مذهب ابن بابويه الأخبار الدالة على حكاية وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)و صحيحة أبي عبيدة الحذاء و صحيحة حماد بن عثمان و موثقة عبد الكريم إذ يستبعد تركهم (عليهم السلام) لهذه السّنة و حمل الكل على أنه كان في مقام بيان أقل الواجب مع أنه لا إشعار فيها عليه بعيد خصوصا موثقة عبد الكريم و بعض الأخبار الواردة في صفة وضوئهم (عليهم السلام) مع اشتماله على ذكر المندوبات كخبر عبد الرحمن بن كثير الهاشمي لخلوه عن ذكر التثنية

و تؤيده حسنة ميسر و بعض الأخبار الموافقة لها في المعنى و ما رواه الكليني عن داود بن فرقد في الصّحيح قال سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول إن أبي كان يقول إنّ للوضوء حدا من تعداه لم يؤجر و كان أبي يقول إنّما يتلدد فقال له رجل و ما حده قال تغسل وجهك و يديك و تمسح رأسك و رجليك قال تلدد التفت يمينا و شمالا و تحير و ما رواه ابن بابويه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) من توضأ مرتين لم يؤجر و يومئ إلى أفضلية الوحدة قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة أن اللّٰه وتر يحب الوتر ثم تفريع ما بعده عليه

و يؤيده ما رواه الشيخ بإسناد مجهول عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال الوضوء واحدة فرض و اثنتان لا يؤجر و الثالثة بدعة و أجاب عنه في المختلف بأن المراد منه أن من يعتقد أن الثانية فرض كالأولى لم يؤجر عليه بدلالة ما رواه عبد اللّٰه بن بكير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال من لم يستيقن أن الواحدة من الوضوء لم يؤجر على الثنتين و هذه الرواية أوردها الشيخ بإسناد فيه توقف

و بالجملة الجمع بين الأخبار إما ترجيح المشهور و حمل تلك الأخبار على الوضوء البياني لأقل الواجب ترجيحا للشّهرة و الإجماع المنقول سابقا و إن كان دون إثباته مع مخالفة المشايخ الثلاثة خرط القتاد و التأويل المذكور لا يجري في بعض الأخبار السّابقة فيحتاج فيه إلى تأويل و إمّا بترجيح المذهب الآخر و حمل أخبار التثنية على التقية أو التجديد

و لعلّه أظهر و قد تحمل على معنى آخر و هو أن المراد بقوله (عليه السلام) الوضوء مثنى مثنى أن الوضوء الذي فرضه اللّٰه على العباد إنما هو غسلتان و مسحتان لا كما يزعمه المخالفون من أنه ثلاث غسلات و مسحة واحدة و قد اشتهر عن ابن عباس أنه كان يقول الوضوء غسلتان و مسحتان و ممّا يؤيّد هذا الاحتمال ما رواه يونس بن يعقوب في الصّحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الوضوء الذي افترضه اللّٰه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال قال يغسل ذكره و يذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرتين فإن المراد الغسلتان و المسحتان لا تثنية الغسلات فإنّها ليست مما افترضه اللّٰه على العباد

و لا يخفى أن حمل لفظة مرتين على هذا المعنى بعيد جدّا قوله (عليه السلام) في خبر زرارة من زاد لم يؤجر عليه لا يناسبه و حمل خبر يونس على أنه (عليه السلام) وصف الفرد الكامل من الطبيعة الواجبة أقرب من هذا الحمل فكأن السّائل سأل عن فرد من أفراد الطبيعة الواجبة فأجاب (عليه السلام) بالفرد الكامل لا أنه سأل عن فرد يكون ذلك الفرد واجبا فلا تأييد فيه

ثم في عدّ هذا الخبر من الصّحاح نظر بل الصحيح أنه من الموثقات و هذه المسألة محل إشكال و الأحوط الأولى الاجتزاء بالغسلة الواحدة تغضيا عن الخلاف بل بالغرفة الواحدة تأسيا بأصحاب العصمة فإن ما نقل من وضوئهم (عليهم السلام) لم يكن إلا بغرفة واحدة و إن كان جواز الغرفتين مقتضى الإطلاقات مع عدم ظهور قائل بنفيه فرعان

الأول من زاد على الواحدة معتقدا وجوبها فمقتضى خبر عبد اللّٰه بن بكير السّالف عدم الأجر و لا يبطل لصدق الامتثال

الثاني المشهور تحريم الثالثة لكونها إحداثا في الدين ما ليس منه و استدل عليه المشهور بكونها منافية للموالاة الواجبة و هو مبني على مذهبه من وجوب المتابعة و تدلّ عليه مرسلة ابن أبي عمير السّابقة و قال ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و المفيد بعدم الأجر و المفيد حكم بتحريم ما زاد على الثالثة استنادا إلى قوله (عليه السلام) في خبر زرارة الوضوء مثنى مثنى من زاد عليه لم يؤجر و هو لا ينطبق على دعواه و أبو الصّلاح حكم ببطلان الوضوء بالثالثة و ارتضاه جماعة من المتأخرين إن مسح بمائها و هو حسن بعد ثبوت وجوب المسح ببقية ماء الوضوء و استوجه المحقق في المعتبر الجواز لأن اليد لا ينفك عن ماء الوضوء الأصلي و هو ضعيف كما لا يخفى

و الدعاء عند كل فعل في الفقيه قال الصادق (عليه السلام) بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم جالس مع ابنه محمد بن الحنفية إذ قال يا محمد ائتني بإناء من ماء أتوضأ للصّلاة فأتاه محمّد بالماء فأكفأ بيده اليمنى على يده اليسرى ثم قال بسم اللّٰه و باللّٰه و الحمد للّه الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا قال ثم استنجى فقال اللّٰهمّ حصّن فرجي و أعفه و استر عورتي و حرمني على النار قال ثم مضمض فقال اللّٰهمّ لقني حجتي يوم ألقاك و أطلق لساني بذكرك و شكرك ثم استنشق فقال اللّٰهمّ لا تحرم عليّ ريح الجنة و اجعلني ممن يشم ريحها و روحها و طيبها ثم غسل وجهه فقال اللّٰهمّ بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه و لا تسوّد وجهي يوم تبيض فيه الوجوه ثم غسل يده اليمنى فقال اللّٰهمّ أعطني كتابي بيميني و الخلد في الجنان بيساري و حاسبني حسابا يسيرا ثم غسل يده اليسرى فقال اللّٰهمّ لا تعطني كتابي بيساري و لا تجعلها مغلولة إلى عنقي و أعوذ بك رب من مقطعات النيران ثم مسح رأسه فقال اللّٰهمّ غشني برحمتك و بركاتك و عفوك ثم مسح رجليه فقال اللّٰهمّ ثبتني على الصّراط يوم تزل فيه الأقدام و اجعل سعيي فيما يرضيك عني ثم رفع رأسه فنظر إلى محمّد فقال

42

يا محمّد من توضّأ مثل وضوئي و قال مثل قولي خلق اللّٰه تبارك و تعالى من كل قطرة ملكا يقدسه و يسبّحه و يكبره فيكتب اللّٰه عز و جل ثواب ذلك له إلى يوم القيامة

و رواه الشيخ مسندا عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي عن الصادق(ع)و إذا فرغ المتوضي يستحب أن يقول الحمد للّه ربّ العالمين كما مر في خبر زرارة و زاد المفيد ره اللّٰهمّ اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين و قال الصادق(ع)زكاة الوضوء أن يقول اللّٰهمّ إني أسألك تمام الوضوء و تمام الصّلاة و تمام رضوانك و الجنة

و غسل اليدين من الزندين إذا كان في الوضوء على ما حده جماعة من الأصحاب عملا بالمتيقن و الأكثر لم يحدّوه قبل إدخالهما الإناء إذا كان الإناء واسع الرأس بمقتضى الروايتين الآتيتين لكن ما رواه الشيخ عن حريز في القوي عن أبي جعفر(ع)قال يغسل الرّجل يده من النوم مرّة و من الغائط و البول مرتين و من الجنابة ثلاثا يقتضي التعميم و خصّه بعضهم بالقليل حملا للرواية على الغالب و عمم الشارح الفاضل بالنّسبة إلى القليل و الكثير عملا بعموم اللفظ

مرة من حدث النوم لرواية عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عن الرّجل يبول و لم يمسّ يده اليمنى شيء أ يدخلها في وضوئه قبل أن يغسلها قال لا حتى يغسلها قلت فإنه استيقظ من نومه و لم يبل أ يدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها قال لا لأنه لا يدري حيث باتت يده فليغسلها و الأمر محمول على الاستحباب جمعا بينه و بين ما دل على جواز الترك

و البول و مرّتين من الغائط و ثلاثا من الجنابة لما رواه الشيخ عن الحلبي في الحسن بمحمّد بن عيسى الأشعري قال سألته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يدخلها في الإناء قال واحدة من حدث البول و اثنتان من الغائط و ثلاث من الجنابة و رواه الكليني عن الحلبي بتفاوت ما في المتن بإسناد حسن بإبراهيم بن هاشم و لو تداخلت الأسباب دخل موجب الأقل تحت الأكثر

و المضمضة و الاستنشاق على المعروف من المذهب نقل المصنف في النهاية الإجماع عليه و يدل عليه الأخبار و يحمل ما دل على نفيه على عدم الوجوب جمعا و المنقول عن ابن أبي عقيل أنه ليس بفرض و لا سنّة فلعلّه أراد بها السّنة الحتمية و الظاهر أن المراد ثلاثا ثلاثا و ادعى ابن زهرة الإجماع على استحباب ذلك قال في المنتهى المضمضة إدارة الماء في الفم و الاستنشاق اجتذابه في الأنف

و يستحب إدارة الماء في جميع الفم للمبالغة و كذا في الأنف و قال الشارح الفاضل و كيفيتهما أن يبدأ بالمضمضة ثلاثا بثلاث أكف من ماء على الأفضل و لو فعلها بكف واحد أجزأ و يدير الماء في فيه إلى أقصى الحنك و وجهي الأسنان و اللثات ممرا مسبحه و إبهامه عليها لإزالة ما هناك من الأذى ثم يستنشق ثلاثا كذلك و يجذب الماء إلى خياشيمه إن لم يكن صائما و الأفضل مج الماء و لو ابتلعه جاز و ليكونا باليمين و لو فعلها على غير هذا الوجه تأدت السنة و إن كان أدون فضلا

و يشترط تقديم المضمضة عليه فلو عكس صحت المضمضة خاصة فيعيده بعدها و جوز المصنف في النهاية الجمع بينهما بأن يتمضمض مرة و هو يستنشق مرة و كذا ثلاثا سواء كان الجميع بغرفة أم بغرفتين أم بأزيد و إن كان الأول أفضل انتهى

و لا يخفى أن هذه التفاصيل غير مستفادة من الرواية و أكثرها مأخوذ من كلام المصنف في المنتهى و الشهيد في الذكرى استنادا إلى ما روي من طريق العامة من قوله(ع)بالغ في الاستنشاق إلا أن يكون صائما و ما ذكر الشهيدان من كون الأصل أن يكونا بثلاث أكف فلم أطلع على دليله

و قد قال الشيخ في المبسوط و لا فرق بين أن يكونا بغرفة واحدة أم بغرفتين و لا يلزم أن يدير الماء في لهواته و لا أن يجذبه بأنفه و قال فيه أيضا و لا يجوز تقديم الاستنشاق على المضمضة و ذكر المصنف أن كيفيات الأفعال المندوبة إذا عدّها و فعلها على وجه المشروعية كان مأثوما في اعتقاده و إلا كان لاغيا

و بدءة الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الأولى الواجبة و بباطنهما في الغسلة الثانية المستحبة عكس المرأة لما رواه الكليني و الشيخ عنه عن محمد بن إسماعيل بإسناد فيه جهالة عن الرضا(ع)قال فرض اللّٰه على النّساء في الوضوء أن يبدأن بباطن أذرعهنّ و في الرجال بظاهر الذراع و رواه ابن بابويه مرسلا عن الرّضا(ع)و ضعف الرّواية منجبر بعمل الأصحاب مع المسامحة في أدلة السّنن و لفظ الفرض فيها محمول على المبالغة و ما ذكر المصنف من الفرق بين الغسلة الأولى و الثانية وفاقا للشيخ في المبسوط و المحقق غير واضح الدليل

و الأقرب عدم الفرق كما هو ظاهر المنتهى و هو منسوب إلى جماعة منهم

و الوضوء بمدّ

للأخبار المستفيضة الدالة على أن فعل كذلك رسول اللّٰه(ص)و الظاهر أنه إجماعيّ بين الأصحاب كما يفهم من التذكرة و غيرها قال في الذكرى المد لا يكاد يبلغه الوضوء فيمكن أن يدخل فيه ماء الاستنجاء كما تضمنته رواية ابن كثير عن أمير المؤمنين(ع)و قد يقال في صحيحة ابن أبي عبيدة الحذاء السّالفة إشعار بذلك و يؤيده ما سيجيء من دخول ماء إنقاء الفرج في صاع الغسل

و قد يقال هذا إنّما يتمشى على القول بعدم استحباب الغسلة الثانية و عدم كون المضمضة و الاستنشاق من الوضوء الكامل و أما على القول بذلك فلا فإن ماء الوضوء بانضمام ما ذكرنا و انضمام كف أو كفين لغسل اليد يصير ثلاث عشرة أو أربع عشرة و المدعى ما اعتبرناه لا يزيد على ربع المن التبريزي بشيء يعتد به و هذا المقدار لا يزيد على ما ذكرنا

و يستحب السّواك و الظاهر أنه قبل غسل اليدين لرواية المعلى ابن خنيس و لنورد في هذا المقام نبذة من الأخبار المتعلقة به فروى الكليني عن عبد اللّٰه بن ميمون القداح عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال ركعتان بالسّواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك قال و قال رسول اللّٰه(ص)لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسّواك مع كلّ صلاة و عن أبي أسامة عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال من سنن المرسلين السّواك و عن محمد بن مسلم في الصّحيح عن أبي جعفر(ع)قال قال النبي(ص)ما زال جبرئيل يوصيني بالسّواك حتى خفت أن أحفي أو أدرد و هما دقة الأسنان و تساقطهما

و في الحسن عن ابن أبي عمير عن ابن بكير عمّن ذكره عن أبي جعفر(ع)في السّواك فقال لا تدعه في كل ثلاث و لو أن تمره مرة و علي بإسناده قال أدنى السّواك أن تدلك بإصبعك و عن صفوان في الصحيح عن المعلى بن عثمان عن المعلى بن خنيس قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عن السّواك بعد الوضوء فقال الاستياك قبل أن تتوضأ قلت أ رأيت إن نسي حتّى يتوضأ قال يستاك ثم يتمضمض ثلاث مرات قال الكليني و روي أن السّنة في السّواك في السّحر

و روي عن أبي بكر بن أبي سمال قال قال أبو عبد اللّٰه(ع)إذا قمت بالليل فاستك فإن الملك يأتيك فيضع فاه على فيك و ليس من حرف تتلوه و تنطق به إلا صعد به إلى السّماء فليكن فوك طيب الريح

قال الصدوق قال الصادق(ع)أربع من سنن المرسلين التعطر و السّواك و النساء و الحناء و قال أمير المؤمنين إن أفواهكم طرق القرآن فطهروها بالسّواك و قال النبي(ص)في وصيته لعلي(ع)يا علي عليك بالسّواك عند وضوء كل صلاة و قال(ص)السّواك شطر الوضوء و قال(ع)لكل شيء طهور و طهور الفم السّواك و السّواك من الحنفية و هي عشر سنين خمس في الرأس و خمس في الجسد فأمّا التي في الرأس فالمضمضة و الاستنشاق و السّواك و قص الشارب و الفرق لمن طوّل شعر رأسه و من لم يفرق شعره فرقه اللّٰه يوم القيمة بمنشار من نار

و أما التي في الجسد فالاستنجاء و الختان و حلق العانة و قص الأظفار و نتف الإبطين و قال أبو جعفر الباقر(ع)في السّواك لا تدعه في كل ثلاثة أيام و لو أن تمره مرة واحدة و قال النبي(ص)اكتحلوا وترا و استاكوا عرضا و ترك الصّادق(ع)السّواك قبل أن يقبض بسنتين و ذلك أن أسنانه ضعفت و سأل علي بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يستاك مرة بيده إذا قام إلى صلاة الليل و هو يقدر على السّواك قال إذا خاف الصّبح فلا بأس به

و روي لو علم الناس ما في السّواك لأباتوه معهم في اللحاف و قال الصادق(ع)في السّواك اثنا عشر خصلة هو من السنة و مطهرة للفم و مجلاة للبصر و يرضي الرحمن و يبيض الأسنان و يذهب بالحفر و يشد اللثة و يشهي الطعام و يذهب بالبلغم و تزيد في الحفظ و يضاعف الحسنات و يفرح به الملائكة و الأخبار في هذا الباب كثيرة و روى ابن بابويه عن الصادق(ع)إذا توضّأ الرّجل صفق وجهه بالماء فإنه إن كان ناعسا استيقظ و إن كان يجد البرد فزع فلم يجد البرد

و أفتى به والده و أورده في التهذيب و عارضه بخبر السّكوني عنه(ع)قال رسول اللّٰه(ص)لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضّأتم و جمع بينهما بحمل هذا على الأولى و الأول على الإباحة و فيه بعد

و يستحبّ فتح العينين عند الوضوء لما روى ابن بابويه مرسلا أن النّبي(ص)قال افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم

و يكره

الاستعانة في الوضوء و هي طلب الإعانة على فعلها و تتحقّق بصبّ الماء في اليد لا يصبّه على العضو و هل تتحقّق بإحضار الماء و تسخينه حيث يحتاج إليه فيه وجهان و كثير من الرّوايات تدل على أنهم (عليهم السلام) يدعون الماء للوضوء و لا يباشرون إحضاره و الأصل في هذا الحكم ما رواه

43

الكليني و الشيخ عنه عن الوشاء قال دخلت على الرّضا(ع)و بين يديه إبريق يريد أن يتهيّأ منه للصّلاة فدنوت لأصب عليه فأبى ذلك و قال(ص)يا حسن فقلت لم تنهاني أن أصبه على يدك تكره أن أوجر فقال تؤجر أنت و أوزر أنا فقلت له و كيف ذلك فقال أ ما سمعت اللّٰه يقول فمن كان يرجوا لقاء ربّه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا فها أنا ذا أتوضأ للصلاة و هي العبادة فأكره أن يشركني فيه أحد

و ما رواه الشيخ عن شهاب ابن عبد ربه في القوي عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال كان أمير المؤمنين(ع)إذا توضّأ لم يدع أحدا يصبّ عليه الماء فقيل له يا أمير المؤمنين لم تدعهم يصبون عليك الماء قال لا أحب أن أشرك في صلاتي أحدا رواه ابن بابويه مرسلا و عدم صحّتهما غير قادح في العمل بها للانجبار بعمل الأصحاب مع المسامحة في أدلة السّنن

و صحيحة أبي عبيدة الحذاء الدالة على أنه صبّ الماء على يد أبي جعفر(ع)محمولة على حال الضرورة أو بيان الجواز و ليس هذا تأويلا في هذا الخبر بحملها على خلاف الحقيقة

و ظاهر ما يستفاد من اللفظ فاندفع ما يقال من أن ذلك محمول على صحة المعارض على أنه لا يبعد أن يقال الخبر الموافق لعمل الأصحاب و إن كان ضعيفا يصلح لمعارضة الصّحيح و التعبير بالاستعانة كما وقع في عبارة الأكثر يقتضي عدم الكراهة لو أعان من لم يطلب منه ذلك لكن الخبرين المذكورين الدالين على الكراهة يدفع ذلك بل يدل على الكراهة و إن لم يطلب منه ذلك

و يمكن أن يقال باب الاستفعال قد يأتي لغير طلب الفعل بل للفعل نفسه كاستقر و استعلى و استبان بمعنى قر و علا و بان و كاستيقن و استبان بمعنى أيقن و أبان فيحمل كلامهم على ذلك و نقل عن ابن مالك أنها يأتي للاتخاذ أيضا كاستأجر

و يمكن الحمل عليه و على هذا يكون الحكم مختصا بالمعين ظاهرا لكن التكليف متعلّق بالمتوضي و أما المعين فيمكن دخوله أيضا لأنه موجد الإعانة حقيقة و لأنه معين على المكروه

و التمندل هذا مذهب الشيخ في أكثر كتبه و جماعة من الأصحاب لما روى ابن بابويه مرسلا عن الصادق(ع)من توضأ و تمندل كتبت له حسنة و من توضأ و لم يتمندل حتى يجف وضوؤه كتب له ثلاثون حسنة و المنقول عن ظاهر المرتضى في شرح الرّسالة عدم الكراهة و هو أحد قولي الشيخ استضعافا لدليل الكراهة

و تؤيده صحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عن المسح بالمنديل قبل أن يجف قال لا بأس به و ما رواه الشيخ في باب آداب الإحداث من الزيادات عن إسماعيل بن الفضل في الموثق قال رأيت أبا عبد اللّٰه(ع)توضأ للصلاة ثم مسح وجهه بأسفل قميصه ثم قال يا إسماعيل افعل هكذا فإني هكذا أفعل و رواية أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال لا بأس بمسح الرّجل وجهه بالثوب إذا كان الثوب نظيفا و رواية منصور بن حازم قال رأيت أبا عبد اللّٰه(ع)و قد توضأ و هو محرم ثم أخذ منديلا فمسح به وجهه

و الظاهر أن التمندل المسح بالمنديل فلا يلحق به غيره اقتصارا على مورد النص و بعضهم عبر عن التمندل بمسح الأعضاء و جعله بعضهم شاملا للمسح بالمنديل و الذيل دون الكم و بعضهم ألحق به التجفيف بالنار و الشّمس معلّلا بأنه إزالة أثر العبادة و لإشعار قوله(ع)حتى يجف وضوؤه به و هو ضعيف

و يحرم

التولية اختيارا فيبطل الوضوء بها و إنما يتحقق بغسل العضو لا بصب الماء على يده و صرّح به المصنف في المنتهى بكون الحكم المذكور إجماعيا بين الأصحاب و يلوح ذلك من المعتبر و جعله في الانتصار من متفردات الإمامية إلا أن كلام ابن الجنيد يدلّ على استحباب المباشرة بنفسه و الصّحيح الأول و الدليل عليه قوله تعالى فَاغْسِلُوا الآية لأن إسناد الفعل إلى الفاعل المباشر حقيقي و إلى غيره مجازي و الكلام محمول على الحقيقة و يجوز عند الضرورة بل يجب قال في المعتبر و عليه اتفاق الفقهاء و احتج عليه بأنه توصّل إلى الطهارة بالقدر الممكن

و فيه نظر لأنّ المكلف مأمور بمباشرة الفعل فإذا امتنع سقط لعدم إمكان التكليف بما لا يطاق و إيجاب فعل الغير بدله يحتاج إلى دليل سمعي و احتجّ عليه الشهيدان بأن المجاز يصار إليه مع تعذر الحقيقة و ضعفه غير خفي

و في صورة العجز يتولى النية بنفسها إذ لا عجز عنها و لو نويا معا كان حسنا مع مطابقة نية كل منهما لفعله و لو أمكن التبعض ببعض و لو احتاج إلى أجرة وجبت لوجوب مقدمة الواجب المطلق و لو زادت عن أجرة المثل مع القدرة إلا مع الإجحاف

و يجب الوضوء و جميع الطّهارات الشرعية بماء مطلق و سيجيء تعريفه و تحقيق ماهيته و هذا الحكم معروف بين الأصحاب بل نقل بعضهم الإجماع و خالف فيه ابن بابويه فجوز رفع الحدث بماء الورد و سيجيء وجه الاستدلال في هذه المسألة في أحكام المياه طاهر مملوك أو مباح و يدخل في المباح المأذون فيه مع كونه ملكا للغير و مراد المصنف بوجوب الوضوء بذلك أن الوضوء الواجب الشرعي الطبيعة المقيدة بهذه الخصوصية فلا يكون غيره فردا للمأمور به أو المراد بالوجوب بالاشتراط بناء على أن من تطهّر بالمضاف لم يكن مأثوما بل كانت طهارته فاسدة إلا عند من يعتقد شرعيتها

و لو تيقن

الحدث و شك في الطهارة المراد اليقين بوجوب الحدث في زمان معيّن و الشك في الطهارة بعده فلا ينافي اليقين بالحدث الشك في الطهارة كما قد يتوهم و لا حاجة إلى تكلّف حمل اليقين على الظن فإنه مع كونه تكلّفا لا يجدي نفعا فاسد و المراد بالحدث السّبب أو الأثر المترتب عليه و تخصيصه بالثاني بدون ما ذكرنا غير نافع أو تيقنهما و شك في المتأخر

بأن يعلم وجودهما في زمان معين لكن لم يعرف المتقدم و المتأخر بعينه سواء علم الحالة السّابقة عليهما أم لا أو شك في شيء منه أي من الوضوء بأن شك في الإتيان ببعض أفعاله و هو على حاله أي على حال الوضوء لم يفرغ منه بعد أعاد الوضوء في الصورتين الأوليين و العضو المشكوك فيه مع ما بعده رعاية للترتيب في الصّورة الأخيرة و في العبارة إجمال و إطلاق لفظ الإعادة لا يخلو عن اختلال أما وجوب الوضوء في الصورة الأولى فالظاهر أنه إجماعي

و يدلّ عليه عموم الآية و الأخبار و قوله(ع)في صحيحة زرارة لا تنقض اليقين أبدا بالشك و لكن ينقضه يقين آخر و أمّا الثانية فأطلق الأكثر خصوصا المتقدمون الحكم بذلك من غير تقييد تحصيلا لليقين بالطهارة عند الدخول في الصلاة و هو قوي إلا أن يعلم حاله قبلهما و يعلم من عادته شيئا فيبني عليه

و حينئذ يخرج عمّا نحن فيه فإن المراد الشك المستمر لا مجرد الشكّ في الابتداء و الدليل عليه أن الأمر بالوضوء للقائم إلى الصّلاة عام بالنسبة إلى جميع الحالات عرفا فلا يتخصّص إلا بالقدر الذي يقتضيه الإجماع و لا إجماع فيما نحن فيه فيكون داخلا في عموم الآية و أيضا يستفاد من الأخبار المستفيضة وجوب الوضوء على من أحدث و هذا قد أحدث فيكون الوضوء واجبا عليه و الامتثال مشكوك فيه فلا يخرج عن العهدة إلا بالوضوء ليحصل اليقين بالامتثال

و أيضا الواجب عليه الصّلاة مع الطهارة فيجب الإتيان بها يقينا لأن اليقين بالتكليف يستدعي اليقين بالامتثال و في المسألة قولان آخران أحدهما أنه ينظر إلى الحال السّابق عليهما فإن جهلها تطهر و إن علمها أخذ بضد ما علمه اختاره المحقق الشيخ علي

و يظهر من المحقق في المعتبر الميل إليه لأنه نقل مذهب الثلاثة و تردد فيه ثم ذكر توجيهه ثم قال يمكن أن يقال ينظر إلى حاله قبل تصادم الاحتمالين فإن كان حدثا بنى على الطهارة لأنه تيقن انتقاله عن تلك الحال إلى الطهارة و لم يعلم تجدد الانتقاض و صار متيقنا للطهارة شاكا في الحدث فيبني على الطّهارة و إن كان قبل تصادم الاحتمالين متطهرا بنى على الحدث لعين ما ذكرناه من التنزيل

و فيه نظر لأنه و إن علم الانتقال إلى طهارة لا يعلم رفعها لكنه يعلم أيضا وجود حدث لا يعلم رفعه و صدق الانتقال غير مؤثر في الفرق و وجود طهارة لا يعلم رفعها لو كان كافيا للحكم بالطهارة يلزم أن يكون متطهرا في الصّورة الثانية أيضا و ثانيهما الأخذ بالحال السّابق إن علمه و اختاره المصنف في المختلف حيث قال إن كان الزمان السّابق على زمان تصادم الاحتمالين محدثا وجب عليه الطهارة و إن كان متطهرا لم يجب مثاله أنه إذا تيقن عند الزوال أنه نقض طهارة و توضأ عن حدث و شك في السّابق فإنه يستصحب حال السّابق على الزوال فإن كان في تلك الحال متطهرا فهو على طهارته لأنه تيقن أنه نقض تلك الطهارة و توضأ و لا يمكن أن يتوضأ عن حدث مع بقاء تلك الطهارة و نقض الطهارة الثانية مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك و إن كان قبل الزوال محدثا فهو الآن محدث لأنه تيقن أن انتقل عنه إلى طهارة ثم نقضها و الطهارة بعد نقضها مشكوك فيها انتهى

و لعل مراده في موضوع الحكم المذكور من يعلم من حاله عدم التوالي بين الحدثين و الطّهارتين مع فرض التساوي في العدد بشهادة المثال الذي ذكره فإنه ناطقة بكون الحدث ناقضا و الطهارة رافعة فلا يرد عليه أنه يجوز توالي الحدثين و الطّهارتين فلا يتم ما ذكره نعم على الفرض المذكور يخرج ما ذكره عن مسألة الشك إلى اليقين و له أن يقول مرادي بالشك المفروض في أصل المسألة أعمّ من الشكّ المبتدإ أو

44

المستمر و ذلك غير عزيز في كلامهم كما في مسألة الشاك في مبدإ السّعي و هو يعلم الزوجية و الفردية و غير ذلك

و صرّح به في القواعد فقيدهما بكونهما متحدين متعاقبين ثم حكم باستصحاب الحالة السّابقة و مراده من الاستصحاب لازمه مسامحة و من هنا يعلم الجمع بين ما ذكره المصنف و الأصحاب و قال الشارح الفاضل ما ملخّصه أنه إن علم التعاقب فلا ريب و إلّا فإن كان لا يعتاد التجديد بل إنّما يتطهر دائما طهارة رافعة للحدث فإن كان السّابق حدثا فالأوجه الحكم بضد السّابق لضعف الحكم بوجوب الطهارة عند العلم بوقوعها على الوجه المعتبر و الشك في تعقب الحدث لها في الصّورة المفروضة و ليس يقين الحدث مكافئا لليقين بالطهارة لأن الطّهارة قد علم تأثيرها في رفع الحدث أمّا الحدث فغيره معلوم نقضه للطهارة لاحتمال التوالي فيرجع إلى يقين الطهارة مع الشك في الحدوث و إن كان السّابق طهارة فالأوجه الحكم بالطهارة

لكن هذا القسم يرجع إلى التعاقب و إذا انتفى تلك القيود وجب عليه الطهارة و في حكمه بالطهارة في صورة يعلم من حاله عدم التجدد و يعلم كون السّابق حدثا لما ذكرنا من الأدلة الدالة على وجوب الطهارة الشاملة للصّورة المفروضة و اليقين بحدث لا يجوز معها الدخول في الصّلاة مكافىء لليقين بالطهارة و الفرق الذي ذكره غير مؤثر في اختلاف الحكم فإن الحدث المستصحب لعدم البقاء على حكم الطّهارة متيقن و عدم استناد النقض إليه يقينا غير قادح و لو كان اليقين بالطهارة الصّحيحة مع الشك في زوالها موجبا للحكم بالطهارة يلزم ذلك في صورة انتفاء القيود أيضا و التخصيص بأن الطهارة الرافعة موجب لذلك عند الشك بالانتقاض و عدم المكافأة لليقين بالحدث الرافع لا مطلقا مما لا يحصله دليل

و اعلم أن هذه المسألة ينشعب إلى صور اثني عشر لأن الطهارة و الحدث إما تيقنهما متحدين أي متساويين في العدد متعاقبين أي لا يتوالى مثلان منهما و إما تيقنهما من دون شيء من القيدين أو مع تحقق الأول دون الثاني أو بالعكس فالصّواب أربع

و على كل تقدير إما أن يعلم حاله قبل زمانهما متطهرا أو محدثا أو لا يعلم شيئا فيصير اثني عشر و يظهر حكم الكل؟؟؟ و أما الثالثة فلا خلاف فيها بين الأصحاب و يدلّ عليه وجوب تحصيل اليقين بالبراءة و ما رواه الشيخ عن زرارة بأسانيد ثلاثة فيها الصّحيح و الحسن و رواه الكليني بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم عن أبي جعفر(ع)قال إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليها و على جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّٰه ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال أخرى في الصّلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى اللّٰه عليك وضوءه فلا شيء عليك

قال في الذكرى موافقا لابن إدريس لو كثر شكه فالأقرب إلحاقه بحكم الشك الكثير في الصّلاة دفعا للحرج و وافقه الشيخ علي و هو غير بعيد و يؤيّده قوله(ع)في حسنة زرارة و أبي بصير الواردة فيمن كثر شكه في الصلاة بعد أن قال يمضي في شكه لا تعود و الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود فليمض أحدكم في التوهم و لا يكثرن نقض الصّلاة فإنه إذا فعل ذلك ثلاث مرات لم يعد الشك ثم قال إنّما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم فإن ذلك في قوة التعليل فيتعدى إلى غير المسئول عنه

و الظاهر إلحاق النية بباقي الأفعال في الحكم المذكور

و لو تيقن الطهارة و شك في الحدث أو شك في شيء منه بعد الانصراف لم يلتفت أما الحكم الأول فادعى جماعة منهم المحقق و المصنف الإجماع عليه و يدل عليه قوله(ع)في صحيحة زرارة لا تنقض اليقين أبدا بالشك و قوله(ع)في موثقة عبد اللّٰه بن بكير عن أبيه إذا استيقنت أنك توضأت فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت و لا فرق بين أن يكون الحدث مشكوكا أو مظنونا كما صرّح به المحقق في المعتبر و المصنف في المنتهى و النهاية و التحرير

و ربما يتوهم أن الحكم المذكور مبنيّ على الظنّ لبقاء أثر الطهارة بمقتضى الاستصحاب و أن الحكم دائر معه فلو ارتفع الظن المذكور وجب الوضوء و هو توهم فاسد مندفع بالأخبار و كلام الأصحاب فما يدل عليه الخبران السّابقان و ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه في الضعيف عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال قلت له أجد الريح في بطني حتى أظن أنها قد خرجت فقال ليس عليك وضوء حتّى تسمع الصوت أو تجد الريح قال إن إبليس يجيء فيجلس بين أليتي الرّجل فيفسق ليشككه

و أمّا الحكم الثاني فالظاهر أنه إجماعي و تدل عليه رواية زرارة السّابقة و ما رواه الشيخ عن بكير بن أعين في الحسن قال قلت الرّجل يشك بعد ما يتوضّأ قال هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك و عن عبد اللّٰه بن أبي يعفور في الموثق عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال إذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشيء إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه

و اعلم أنّ جماعة من أصحابنا المتأخرين منهم المدقق الشيخ علي و الشهيد الثاني فسّروا الانصراف بالفراغ من الوضوء و إن لم ينتقل من مكانه حتى قال في شرح اللمعة و لو شك في بعضه بعد انتقاله عنه و فراغه منه لا يلتفت و الحكم منصوص متفق عليه و قال صاحب المدارك عدم الالتفات إلى الشك في شيء من أفعال الوضوء بعد الانصراف عن أفعاله و إن لم ينتقل عن محلّه فإجماعي و مراده من الانصراف الفراغ كما يستفاد من لواحق كلامه و هو المفهوم من كلام الشهيد في البيان

و قال المصنف في النهاية الظاهر تعليق الإعادة و عدمها مع الشك في بعض الأعضاء على الفراغ من الوضوء و عدمه لا على الانتقال من ذلك المحل

و لا يخفى أن ظاهر كثير من عبارات أصحابنا المتقدّمين و صريح بعضها يخالف ذلك بل يشعر كتبه منها بأن المراد في صورة عدم الالتفات القيام عن الوضوء عموم بعضها باعتبار الانتقال عن محله و بعضها دال على عدم كفاية الفراغ قال ابن بابويه من شك في شيء من وضوئه و هو قاعد على حال الوضوء فليعد و من قام عن مكانه ثم شك في شيء من وضوئه فلا يلتفت إلى الشكّ إلا أن يستيقن

و قال المفيد في المقنعة و من كان جالسا على حال الوضوء لم يفرغ منه إلى أن قال وجب عليه إعادة الوضوء من أوّله ليقوم من مجلسه و قد فرغ من وضوئه على يقين فإن عرض له شك فيه بعد فراغه منه و قيامه من مكانه لم يلتفت إلى ذلك و قضى باليقين عليه و قال الشيخ في النّهاية فإن شك في الوضوء و هو جالس على حال الوضوء لم يفرغ منه وجب عليه استيناف الوضوء فإن شك في شيء بعد انصرافه من حال الوضوء لم يلتفت إلى الشك و بنى على الوضوء ثم قال و من شك في غسل الوجه و ساق الكلام إلى أن قال فإن شك في مسح رأسه و قد مسح رجليه رجع يمسح برأسه ثم رجليه بما بقي في يديه إلى أن قال فإن لم يبق من ذلك نداوة وجب عليه إعادة الوضوء فإن انصرف من حال الوضوء و قد شك في شيء من ذلك لم يلتفت إليه و مضى على يقينه

و لعلّ مراده بحال الوضوء الحال التي كان في وقت الوضوء عليها و يحتدي على ذلك كلامه (رحمه اللّٰه) في المبسوط و عد ابن زهرة ممّا يوجب إعادة الوضوء الشك في الوضوء و هو جالس عليه و مما لا يوجب الإعادة الشك فيه بعد ما قام عنه و الشك في غسل عضو كذلك و قال ابن زهرة و لا تجوز الصّلاة إلا بطهارة متيقنة فإن شك و هو جالس في شيء من واجبات الوضوء و استأنف ما شك فيه فإن نهض متيقنا لتكامله لم يلتفت إلى شك يحدث له و قال ابن إدريس و من عرض له و هو في حال الوضوء لم يخرج عنه شك إلى أن قال فإن كان الشك العارض بعد فراغه و انصرافه من مغتسله و موضعه لم يحمل الشك و ألقاه لأنه لا يخرج عن حد الطهارة إلا على يقين من كمالها و ليس ينقض الشك اليقين

و قال الشهيد في الذكرى بعد نقل خبر زرارة السابقة و ذكر القيام و القعود تبين الحال نعم لو طال القعود فالظاهر التحاقه بالقيام و قال في الدروس و لو انتقل عن محله و لو تقديرا لم يلتفت و كأنه أراد بالانتقال التقديري الجلوس الطويل

فظهر بما ذكرنا أن الإجماع الذي يفهم من كلام الشهيد الثاني و صاحب المدارك محل النظر و كأن الشهيد الثاني استشعر بذلك فقال في شرح هذا الكتاب بعد نقله لخبر زرارة السّالفة و هذه الرواية كما يحتمل أن يريد بحاله حال الوضوء كما قلناه أولا يحتمل أن يراد به حال المتوضي فيعود الضمير إلى الفاعل المضمر في قوله و لو شك فعلى هذا يرجع ما دام على حاله التي توضأ عليها و إن فرغ من أفعال الوضوء

لكن يرجح الأول ما رواه عبد اللّٰه بن أبي يعفور و نقل الرواية السّالفة و التحقيق أنه إن فرغ من الوضوء متيقنا للإكمال ثم عرض له الشك فالظاهر عدم وجوب إعادة شيء لقوله(ع)في صحيحة زرارة لا تنقض اليقين أبدا بالشك و خبر ابن بكير السالف و لبعض الأخبار السّالفة في هذه المسألة

لكن الاستدلال بصحيحة زرارة و موثقة ابن بكير إنّما يتم إذا كان المراد باليقين الجزم أما لو اعتبر فيه الثبات و المطابقة فلا و إن شك

45

بعد ما كان فارغا و لم يعلم هل حصل اليقين بالإكمال أولا أم لا فإن قام من مكانه و اشتغل بشيء آخر فكذلك للأخبار السّالفة و إن كان جالسا على حالته الأول فمقتضى كلام من أشرنا إليهم من المتأخرين أنه كذلك

و بعض الأخبار السّابقة لا يخلو عن دلالة عليه و يلوح من كلام المفيد و الشيخ في النهاية و ابن زهرة بل ابن إدريس أيضا أنه يعتبر اليقين أولا و طريق الاحتياط واضح و لو جدد الوضوء ندبا احترز بذلك عما جدّده وجوبا بالنذر و شبهه فإنه يرفع الحدث عند المصنف في هذا الكتاب لأنه لم يشترط نية الرفع أو الاستباحة

ثم ذكر بعد الصّلاة الواقعة بعدهما إخلال عضو من أحدث الطهارتين مع جهل التعيين أعاد الطهارة و الصّلاة لإمكان أن يكون الخلل في الأولى فتكون الثانية واقعة على غير وجهها الواقعي فيكون باطلا إلا مع ندبية الطهارتين بأن توضّأ قبل حصول السّبب ثم جدد الوضوء ندبا ثم دخل الوقت فصلى به ثم ذكر الإخلال المجهول فإن الصّلاة صحيحة حينئذ لحصول الجرم بسلامة إحداهما

و تحقيق المسألة أن يقال إذا توضأ المكلّف وضوءا رافعا للحدث فرضا أو نقلا ثم جدد وضوءا آخر بنية الندب أو الوجوب ثم ذكر الإخلال بعضو من أحدهما فلا يخلو إما أن يكتفى بالقربة في نية الوضوء أم لا فعلى الأوّل صح وضوؤه و صلاته مطلقا و كذا إن قلنا برفع المجدد الحدث كما سنبين

و على الثاني إن اعتبرنا الوجه مع ذلك من دون أحد الأمرين فإن كان الوجه الملحوظ معتبرا على تقدير فساد الأولى كما إذا توضأ ندبا قبل دخول الوقت للتهيؤ مثلا ثم جدد ندبا كذلك فهو كالسّابق في الصحّة و إن لم يكن معتبرا على التقدير المذكور كما إذا توضّأ واجبا ثم جدد ندبا فوجهان ناشئان من عدم اشتمال الثّاني على الوجه المعتبر لو كان الخلل في الأوّل و من كون المكلف مأمورا بإيقاع الفعل عليها دون الأمر الواقعي إذ ليس مناط التكليف الواقع و إن اعتبرنا نية الرفع أو الاستباحة فإن قلنا باشتراط أحدهما عند المكنة بأن يكون ذاكرا لوجود الحدث لا مطلقا فالظاهر الصحّة أيضا لاشتمال إحدى الطهارتين على جميع ما يعتبر فيها شرعا

و لعلّ الشيخ نظر إلى ذلك حيث اختار في المبسوط الصحّة مع قوله فيه باشتراط أحد الأمرين في النية أو نظر إلى أن الغرض من شرعية التجديد تدارك خلل السّابق لو اشتمل عليه فاندفع عنه ما يعزى إليه من المناقضة و إن قلنا بتوقف صحة الصّلاة على الوضوء المشتمل على نية أحدهما مطلقا كما اختاره ابن إدريس و ادّعى إجماع الأصحاب عليه

و هو الذي يقتضيه الدليل المشهور على وجوب نية الاستباحة إن تم فيحتمل البطلان لجواز أن يكون الخلل في الطهارة الأولى و لا تكفي الثانية لعدم اشتمالها على أحد الأمرين المذكورين

و يحتمل الصحّة كما اختاره المصنف في المنتهى بناء على كونه داخلا في الشك بعد الفراغ فصحّ الأولى و نقله الشهيد ره في البيان عن السيّد جمال الدين بن طاوس و استوجهه العلامة و قد يقال فرق بين الصورتين بأن اليقين هنا حاصل في الترك و إنما حصل الشك في موضعه بخلاف الشك بعد الفراغ فإنه لا يقين فيه أصلا و المتبادر من الأخبار المتضمنة لعدم الالتفات إلى الشك بعد الفراغ الوضوء المتجدد الذي حصل الشك فيه بعد الفراغ منه و هو متجه

لا يقال انسياق بعض الأفراد إلى الأذهان و تبادر الأفهام إليه لا يوجب تخصيص العمومات بإخراج الباقي عنها لأنا نقول قد أشرنا سابقا إلى أن النظر في الأخبار المنقولة عنهم (عليهم السلام) إنما يكون مقصورا على الأفراد الغالبة الشائعة لا مطلقا كما يفصح عنه التتبع

و يؤيد الصحّة مطلقا قوله(ع)في رواية ابن بكير السّالفة إذا استيقنت أنك توضأت فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت و يؤيده ما يقال من أن الظاهر من فحاوي الأخبار أنّ شرعية المجدد إنّما هو لاستدراك ما وقع في الأوّل من الخلل لكن ذلك لم يثبت عندي

و يؤيده أيضا ما رواه ابن بابويه في الفقيه من إجزاء غسل الجمعة من غسل الجنابة مع نسيانه و يناسبه ما اتفق عليه الأصحاب من إجزاء صوم يوم الشك بنية النّدب عن الواجب و ما ورد من استحباب الغسل في أول ليلة من شهر رمضان تلافيا لما عساه فات من الأغسال الواجبة و نحو ذلك

و اعلم أنه لا خلاف بينهم في شرعية التجديد و نقل دعوى الإجماع على ذلك من جماعة منهم و اختلفوا في حصول الإباحة به لو ظهر فساد السّابق فقال بذلك الشيخ في المبسوط و قواه في المبسوط و وجهه في المعتبر لكن قيده بما إذا قصد إيقاع الصّلاة على الوجه الأكمل لكونه فضيلة لا تحصل إلا به و منهم من أنكر ذلك و الأقرب مختار المبسوط لما ذكرنا و التفصيل أن الوضوءين إما واجبان أو مندوبان أو بالتفريق و على كلّ تقدير فالثاني إما أن يكون مجدّدا أم لا فالصور ثمان

الأولى أن يكونا واجبين و الثاني غير مجدد كما لو توضأ للفريضة بعد دخول وقتها ثم ذهل عنه و توضأ وضوءا واجبا أو تيقن الحدث و شك في الطهارة أو تيقنهما و شك في المتأخر فتوضأ ثم ذكر الوضوء متأخرا عن الحدث و الظاهر عدم وجوب الإعادة في الصّورة المذكورة بالاتفاق

الثانية أن يكونا واجبين و الثاني مجدد واجب كما لو نذر التجديد فإن اكتفينا بالقربة أو بالقربة مع الوجه فالوجه الصحة و إلا فالتفصيل الذي ذكرنا سابقا

الثالثة أن يكونا مندوبين و الثاني غير مجدد كما لو توضأ قبل دخول الفريضة للتأهب أو الصلاة نافلة ثم ذهل عنه قبل دخول الفريضة فتوضّأ كذلك و حكمه كالأول و لو توضأ قبل دخول الفريضة ندبا ثم دخل الفريضة فصلّى ثم ذهل عن الوضوء فتوضأ ندبا للتأهب لفريضة أخرى ففيه إشكال ينشأ من أنه لو كان الخلل في الوضوء الأول لم يبرأ ذمته عن الصّلاة الواجبة التي صلّى به فلم يكن الوضوء الثاني مشتملا على الوجه الواقعي و من اشتماله على الوجه الذي يعتقده

الرّابعة أن يكونا مندوبين و الثاني مجدد فلا يخلو إما أن يكون وقوع الثاني قبل اشتغال الذمة بالغاية الواجبة أم لا و على الأول فالوجه الصحّة بناء على الاكتفاء بالقربة أو هي مع الوجه و على الثاني ففيه وجهان من حيث النظر إلى الظاهر أو الواقع

الخامسة أن يكون الأول مندوبا و الثاني مجدّدا واجبا كما لو نذر التجديد و الحكم فيه كالثانية و لو وقع الثاني في وقت براءة الذمة عن الواجب أمكن في الحكم المذكور مناقشة بعيدة

السّادسة الصّورة بحالها و الثاني غير مجدد كما لو توضّأ للنّافلة أو للتأهب ثم ذهل عنه و توضّأ للفريضة بعد دخول الوقت و حكمها كالأولى

السّابعة أن يكون الأول واجبا و الثاني مندوبا مجددا و حكمه يستفاد من التفاصيل السّابقة

الثامنة الصّورة بحالها و الثاني مندوب و غير مجدّد كما لو توضأ للصّلاة الواجبة في وقتها ثم ذهل عنه و توضأ للتأهب لفريضة أخرى قبل دخول وقتها فإن قلنا بالقربة و الوجه بحسب الظاهر و اكتفينا بذلك فالوجه الصحّة و إلا فحكمه ما يعرف من المباحث السّالفة و اعلم أنهم حكموا بإعادة الصّلاة الواقعة بالوضوء الأول مطلقا عند التردّد المذكور و فيه إثبات إعادته بعد خروج الوقت إشكال

و لو تعددت الصّلاة الواقعة بعد الطهارة الثانية أيضا كما لو تعددت الطّهارة أعاد الصّلاتين و الطّهارة إذ لا فرق بين الصّلاة الواحدة و المتعدّدة و قد مر الكلام في ذلك و لو تطهر و صلّى و أحدث و المراد مرتّبا و إن لم يكن الواو للترتيب عند المصنف و جمهور المحققين ثم تطهر و صلّى كذلك ثم ذكر إخلال عضو مجهول بالنسبة إلى الطهارتين و إن علم عينه كالوجه مثلا أعاد الصّلاتين بعد الطّهارة إن اختلفتا عددا كالمغرب و العشاء الفساد إحداهما بفساد لا يمكن الترديد للاختلاف و إلا أي و إن لم يكونا مختلفين عددا كالظهر و العصر فالعدد أي وجب فريضة بعدد إحداهما مرددا بينهما في النية على قول معظم الأصحاب لصدق الامتثال بالترديد و للأصل السّالم عن معارضة كونه مقدمة للواجب

و لقائل أن يمنع الأول بناء على أن الفائت الفعل مع نية التعيين فمجرد الفعل غير كاف في القضاء لا يقال نية التعيين متعذر لأنا نقول لا نسلّم ذلك إذ يمكن تعيين وجوب الجميع عليه و إن كانت [كان] الفائت واحدا تحصيلا لليقين إذ لا بعث في إيجاب الظهر مثلا ثانيا عند الشك بحصولها أولا كما إذا شك في الإتيان بالظهر في وقت فإن الظاهر أنه يفعلها حينئذ بنية الظهر جزما و إن وقعت أولا في الواقع

ثم إن كفى في الإتيان بالظهر مثلا أداء نية ما في الذمة أو وظيفة الوقت يصح الاستدلال و إن ينازع في الثاني بناء على أن المسألة من باب اليقين في أصل التكليف و الشك في عنوان ما يحصل الامتثال و الظاهر أن القضاء لا يثبت له كونه ظهرا مثلا فإن اللّٰه تعالى أوجب على المكلفين صلاة معينة في وقت معين و هو المراد بالظهر ثم أوجب على المكلفين الإتيان بمثله عند فواتها و لا يصدق على هذه الصّلاة كونها ظهرا بل إنما هي بدل عنها فلا يمكن في القضائية كونها ظهرا فما دل على الإتيان بمثل الفائت كان المراد منه الإتيان بمثله في جميع الخصوصيات سوى نية كونه

46

ظهرا أو مغربا مثلا و نية كونه أداء فإذا أتى بالواحدة حصل الامتثال و بهذا التحرير يظهر صحّة التعليلين فتدبّر

و أوجب الشيخ في المبسوط قضاء الصّلاتين تحصيلا لليقين حتى أوجب قضاء الخمس لو صلاها بخمس طهارات ثم ذكر الإخلال المذكور في واحدة منها مع تخلل الحدث و وافقه أبو الصلاح و ابن زهرة على ما نقل عنهما و على ما ذكره المصنف و من وافقه يجزيه في هذا الفرض ثلاث فرائض رباعيّة مردّدة ثلاثيا و صبح و مغرب و يشكل من حيث اختلاف هيئة العشاء و الظهرين جهرا و إخفاتا فلا يكون الواحدة مجزئة عنها و لكنهم ذكروا أنه مخير بين الجهر و الإخفات في صورة التردّد بين الجهري و الإخفاتي و الشيخ وافق الجماعة في الاجتزاء بثلاث ممّن فاته فريضة مجهولة من الخمس معولا على النصّ الوارد فيمن نسي فريضة مجهولة

و قد يستدل على المشهور بالرواية المذكورة إما لكون العلّة في الجميع واحدا أو لكون المتنازع فيه داخلا في موضوع الخبر إذ نسيان ما هو شرط لصحّة الصّلاة في قوة نسيان الصّلاة الشرعية و لا يخفى ضعف الأول

و أما الثاني فموقوف على أن تكون الصّلاة اسما للأركان المستجمعة لجميع الشرائط لا لنفس الأركان و إليه يتطرق المنع و في قول أبي جعفر(ع)في حسنة زرارة و إن نسيت الظهر حتى صلّيت العصر فذكرتها و أنت في الصّلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثمّ صل العصر فإنما هي أربع مكان أربع تأييد ما للقول المشهور و من لا يكتفي بالواحدة المردّدة ينظر إلى فوات الجرم المعتبر في النية

و فيه أن اعتبار الجزم مطلقا ممنوع مع كون ذلك مشترك الإلزام لأن من أعاد الصّلاتين يجزم قطعا بأن إحداهما في ذمته فكيف يجزم بكل واحدة و لقائل أن يقول إذا اعتبر الجزم بالتعيين في الأداء كان معتبرا في القضاء لوجوب القضاء كما فاتت و ليس ذلك متعذرا في القضاء لإمكان وجوب الجميع تعيينا تحصيلا لليقين و إن كان الفائت واحدا و لا فساد في وجوبها ثانيا و إن وقعت أولا في الواقع

و يمكن دفعه بما ذكرنا سابقا و اعلم أنّ الوضوءين يمكن فرضهما واجبين و هو ظاهر و مندوبين بأن توضأ قبل دخول وقت الفريضة للتأهب ثمّ صلّى بعد دخول الوقت ثم أحدث و توضّأ الأخرى قبل دخول وقتها ثم صلّى ثم ذكر الإخلال المذكور و متفرقين و يعلم المثال بالمقايسة و استشكل بعضهم صورة الندبين و الندب بعد الواجب لجواز أن يكون الخلل من الأولى فتفسد الصّلاة فتبقى في الذمة فيقع النّدب في غير موقعه

و فيه أن المكلّف كان مأمورا بإيقاع الفعل على الوجه الذي يعتقد اتصاف الفعل به و إن كان بحيث لو اطلع على الواقع زال تلك الاعتقاد و الأمر الواقعي غير مؤثر إذا لم يعلمه و لو كان الفوات في صلاة السّفر فالمشهور الإجزاء في إبهام الواحدة من الخمس الثنائية المردّدة رباعيّا و المغرب و في إبهام الاثنين بالثنائية المردّدة ثلاثيا قبل المغرب و بعدها و منع من ذلك ابن إدريس بل أوجب الخمس لعدم النّص و أصالة وجوب التعيين و لو كان الترك من طهارتين في يوم مردّدا بين خمس فعند الشيخ و من وافقه يجب الخمس و على المشهور يكفي أربع للمقيم صبح ثم رباعية مردّدة بين الظهر و العصر ثم مغرب ثم رباعيّة مردّدة بين العصر و العشاء لانطباقه على الاحتمالات الممكنة و هي عشرة و لو ردد بين الرّباعيّات الثلاث في الرّباعية الأولى لم يضر

و لكن يجوز إسقاطه اكتفاء بالترديد الثنائي في الرباعيتين و لو قصد الظهر أيضا في الرّباعية الثنائية فلغو لأن الظهر إن كانت في الذمة فقد صلاها فلا فائدة في قصدها و هل ذلك ضار فيه وجهان ناشئان من أنه أتى بالواجب فيكون الزائد لغوا غير قادح للأصل و من أنه كالترديد بين النافلة و الفريضة بل هنا أبلغ لأن الظهر في حكم صلاة غير مشروعة للنهي المشهور عن النبي(ص)لا تصلّي صلاة واحدة في اليوم مرتين كما قيل

و على القول المشهور هل يجوز التعيين يمكن العدم لأنّه تعيين ما لا يعلمه و لا يظنه بخلاف الترديد و بخلاف الصّبح و المغرب لعدم إمكان الإتيان بالواجب بدونه و لإمكان الأداء بفعل واحد فالإتيان بالزائد عليه على وجه العبادة من غير دليل شرعي بدعة

قال في الذكرى الأصل فيه أن العدول عن التعيين إلى الترديد هل هو رخصة و تخفيف على المكلف أو هو لمصادفة النية أقوى الظنين فعلى الأول يجزي التعيين بطريق أولى و على الثاني لا يجزي و هل يجوز الجمع بين الترديد و التعيين بأن يصلي واحدة على التعيين و يردد الثاني استقرب المصنف في القواعد ذلك

و حينئذ يجب الإتيان بفريضة ثالثة لعدم العلم بالبراءة بدونها و لا يتعيّن عليه في الفريضة الثالثة إطلاق و لا تعيّن و يحتمل تعين التعيين لما ذكرنا سابقا و المقيم إذا عيّن الظهر بعد الصبح ردّد ثنائيا بين العصر و العشاء مرّتين قبل المغرب و بعده إن صح ذلك لا يكون انضمام اللغو قادحا إذ مرة مردّدة و مرّة معينة كذلك رعاية للترتيب إذ هو ممكن من غير افتقار إلى فعل زائد فلا ينافي ذلك سقوط الترتيب المنسي و إن عين العصر أطلق ثنائيا بين الظهر و العشاء مرتين إحداهما بعد الصّبح و قبل العصر و الأخرى بعد المغرب إن صح أو مرة مرددة و مرة معينة

و في الذكرى أنه تردّد ثنائيا مرتين في الصّورتين و لم يذكر احتمال نية التعيين في الرباعية الثنائية فإن قصد تعين ذلك فهو خطاء بل يحتمل تعيّن عدمه كما احتمله في صورة قصد الظهر في الرّباعية الثنائية في صورة عدم الجمع بين الترديد و التعيين و على هذا القياس إن عين العشاء قال في الذكرى و الحق أنه تكلّف محض لا فائدة فيه بل لا ينبغي فعله على القول المشهور و لو كان الترك من طهارتين و الشك في طهارات صلوات يومين فهي تنقسم إلى أقسام ثلاثة لأنه إما أن يعلم تفريق الطهارتين في اليومين أو يذكر جمعهما في يوم واحد لكنه مشكوك فيه أو يجهل كلا من الجمع و التفريق فالصور ثلاث

الأولى أن يعلم التفريق و لا يخلو إما أن يكون متما فيهما حتما أو مقصرا فيهما حتما مقصّرا في الآخر حتما أو متما في أحدهما حتما مخيرا في الآخر و اختار التمام أو اختار القصر أو مقصرا في أحدهما حتما مخيرا في الآخر و اختار القصر أو التمام أو مخيرا فيهما و اختار التمام أو القصر أو التفريق فالصور عشرة

فعلى الأول يجب عليه عن كلّ يوم ثلاث صلوات صبحا و مغربا و رباعية مرددة ثلاثيا مراعيا للترتيب بين وظيفتي اليومين بتقديم إحدى الوظيفتين على الأخرى لا في كلّ منهما و على الثاني يجب عليه عن كلّ يوم صلاتين مغربا و ثنائيا مردّدة رباعيّا مراعيا للترتيب كما ذكرنا و على الثالث يصلّي ثلاثا و اثنتين مرتبا بين الأمرين إن علم السّابق و إلا فيصلي ثنائية مرددة رباعيّا ثم رباعية مرددة ثلاثيا ثم مغربا ثنائيا مردّدة رباعيّا و مغربا آخر أين اتفق و الرّباعية كالأولى و الخامسة كالثالثة و السادسة كالثانية و السابعة كالثالثة و الثامنة كالأولى و التاسعة كالثانية و العاشرة كالثالثة

كل ذلك إن قلنا ببقاء التخيير في القضاء و إن قلنا بتحتم القصر اختلف أكثر تلك الأحكام و سيجيء تحقيق ذلك في محله

الثانية أن يعلم الجمع و اشتبه و الصور أيضا عشر على قياس السّابق فعلى الأولى يجب أن يصلي أربعا صبحا و رباعيتين بينهما المغرب و على الثانية يصلي ثنائيتين و المغرب بينهما و على الثالثة يصلّي خمسا ثنائية يطلق فيها ثلاثيّا بين الصبح و الظهر و العصر ثم رباعيّة يطلق فيها بين الظهرين ثم مغربا ثم رباعية يطلق فيها بين العصر و العشاء و ثنائية يطلق فيها بينهما و بين الظهر و الرابعة كالأولى و الخامسة كالثالثة و السّادسة كالثانية و السّابعة كالثالثة و الثامنة كالأولى و التاسعة كالثانية و العاشرة كالثالثة

الثالثة أن يجهل اجتماع الطهارتين في يوم واحد و تفريقهما في يومين مجوّزا كلا منهما فإن كان مقيما فيهما لزمه ست صلوات لأن التفريق محتمل و مقتضاه السّت في الصّورة المذكورة كما عرفت و ضابط الترتيب توسيط مغرب بين الرّباعيتين و تقديم الصّبح على الرّباعية الأولى و إن كان مقصّرا فيهما لزمه أربع و ضابط الترتيب توسيط مغرب بين الثنائيتين و إن كان متما في أحدهما مقصّرا في الآخر فإن كان السّابق التمام لزمه الست ثنائية مرددة ثلاثيا ثم رباعية مرددة بين العصر و العشاء و ثنائية مرددة رباعيّا و لا ترتيب بينهما و مغرب أين اتفق

و لو اتفق إحدى المغربين بعد الرباعية الثانية و الأخرى في ترتيبهما المذكورة صح الاكتفاء بالترديد الثنائي في الرّباعية الأولى و إن كان السّابق القصر لزمه الستّ أيضا ثنائية مرددة رباعيّا ثم رباعية مرددة ثنائيا بين الظّهرين ثم مغرب ثم رباعية مرددة ثلاثيا و ثنائية مرددة رباعيا و مغرب أين اتفق و لو اتفق إحدى المغربين قبل الرّباعية الأولى و الأخرى في ترتيبهما المذكورة صح الاكتفاء في الرباعية الثنائية بالترديد الثنائي بين العصر و العشاء و إن اشتبه فلا يعلم كون السّابق قصرا أو تماما لزمه السّت أيضا كالسّابق إلا أنه يثلث الترديد في الرّباعيّتين إلا أن يتفق إحدى المغربين بعد الرّباعية الثانية مع كون الأخرى في مرتبتها فيصح الاكتفاء بالترديد الثنائي في الرباعية الأولى أو يتفق قبل الرباعيّة الأولى فيصح الاكتفاء بالترديد الثنائي في الرّباعية الثانية و على ما ذكرنا فقس الاحتمالات السّبعة الباقية

47

فقول الشهيد في الذكرى حيث قال و لو اشتبه عليه الجمع و التفريق فكالعلم بالتفريق لا يصحّ على الإطلاق و جميع ما ذكرناه كان مبنيا على كون تمام اليوم على حال واحد من القصر و التمام و لو ببعض فتختلف الأحكام و أنت بعد الإحاطة بما ذكر ما لا يخفى عليك شيء من ذلك على المشهور و لو ذكر الخلل المذكور في وقت العشاءين صلّى المغرب بنية الأداء و العشاء مرددا بين الأداء و القضاء كما صرّح به الشّارح

و يحتمل قويا تعيين العشاء أداء و رباعية مردّدة بين الظهرين و لو ذكر بعد الترديد ما نسيه فإن كان في الأثناء يعدل إلى الجزم على ما صرّح به الشهيد ره و إن كان بعد الفراغ فيحتمل الإجزاء لإتيانه بالمأمور به و يحتمل العدم لوجوب قصد التعيين عند ذكره و استقرب الشهيد ره الأوّل

النظر الثالث في أسباب الغسل

إنما يجب

بالجنابة بفتح الجيم و الحيض و الاستحاضة على تفصيل يأتي و النفاس بكسر النون و مسّ الأموات من الناس بعد بردهم بالموت و قبل الغسل وجوب الغسل بهذه الأشياء إجماعي إلا الأخير فقد منع منه السيّد المرتضى ره و سيجيء تحقيقه في محله إن شاء اللّٰه سبحانه و غسل الأموات معطوف على الضمير المستتر في يجب أو مبتدأ محذوف الخبر و إنما غير الأسلوب لأنه ليس على نهج الأغسال السّابقة

و كلّ الأغسال لا بدّ معها من الوضوء إلا الجنابة

هذا حكمان

الأوّل عدم وجوب الوضوء مع غسل الجنابة و الظاهر أنه إجماعي بين الأصحاب و نقل الإجماع جماعة كثيرة منهم و يدل عليه الأخبار المستفيضة

منها ما رواه الشيخ عن حكم بن حكيم في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عن غسل الجنابة فقال امض على كفك و وصف الغسل إلى أن قال قلت إنّ الناس يقولون يتوضّأ وضوء الصلاة قبل الغسل فضحك و قال أي وضوءا أنقى من الغسل و أبلغ و منها ما رواه عن أحمد بن محمد في الصحيح قال سألت أبا الحسن(ع)عن غسل الجنابة فقال يغسل ثم وصف الغسل إلى أن قال لا وضوء فيه

و منها ما رواه عن زرارة في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عن غسل الجنابة فقال يبدأ و وصف الغسل إلى أن قال ليس قبله و لا بعده وضوء

و منها ما رواه عن يعقوب بن يقطين في الصحيح عن أبي الحسن(ع)قال سألته عن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا فيما نزل به جبرئيل(ع)قال الجنب يغتسل و وصف إلى أن قال ثم قد قضى الغسل و لا وضوء فيه عليه إلى غير ذلك من الأخبار و عسى أن يجيء طرف منها عن قريب

و قد يستدل عليه بقوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا فإن المراد بالاطهار الاغتسال و ادّعى المحقق إجماع المفسرين عليه و قال الشيخ من اغتسل فقد اطّهر بلا خلاف و فيه أنّ دلالة الآية على خلافه أظهر فإن الظاهر كون هذه الشرطية معطوفة على الشرطية السّابقة

و حينئذ كان وجوب الوضوء عند القيام إلى الصّلاة باقيا على عموم و يمكن أن يقال الأقرب أن تكون هذه الجملة معطوفة على جملة فاغسلوا بتقدير الشرط لمرجحات خمسة الأول القرب الثاني أنّ الظاهر أن ما بعدها متعلق بحال القيام إلى الصّلاة كما قبلها فيكون المتوسّط أيضا كذلك الثالث أن الشرطية السّابقة يحتاج إلى تأويل إجماعا فإن الوضوء عند القيام إلى الصلاة غير واجب للمتطهرين فيجب تأويله إمّا بارتكاب التخصيص أو تقدير الشرط بقرينة عطف قوله إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً و الشرطية الأخيرة عليه فيكون التقدير إن كنتم محدثين واجدين للماء فتوضئوا و إن كنتم جنبا كذلك فاطهروا و إن كنتم جنبا أو محدثين معذورين فتيمّموا و الثاني أقرب فإن ارتكاب تأويل يدل الكلام عليه أولى من غيره حذرا من الإجمال المنافي تعرض الإفادة و البيان الرابع استشهاد أبي جعفر(ع)بهذه الآية على عدم وجوب الوضوء مع غسل الجنابة

كما يظهر من رواية محمد بن مسلم قال قلت لأبي جعفر(ع)إن أهل الكوفة يروون عن علي(ع)أنه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة فقال كذبوا على عليّ(ع)ما وجدوا في كتاب عليّ(ع)قال اللّٰه و إن كنتم جنبا فاطهروا و رواه الشيخ في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن يعقوب بن شعيب الثقة عن حريز أو عمّن رواه عن محمّد بن مسلم و في تردّد يعقوب بين حريز و غيره إشعار بأن من روى عنه ممن يحسن حاله فالخبر لا يخلو عن اعتبار

الخامس ما ذكره بعضهم من أنّها لو كانت معطوفة على قوله إِذٰا قُمْتُمْ لكان المناسب إذا و فيه تأمّل لأن القيام إلى الصّلاة لما كان أمرا متحقّق الوقوع باعتبار كونه واجبا على المؤمنين ليس لهم أن يتركوه كان المناسب فيه إذا إشعارا بأن هذا ليس أمرا يصح أن يرتاب فيه لقوة المقتضي له و تأكد الداعي إليه بخلاف الجنابة فإذا كان الأقرب أن لا تكون معطوفة على قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ على أنه على تقدير أن تكون هذه الجملة معطوفة على الشرطية السّابقة يمكن أن يقال إن الآية دالة على عدم وجوب الوضوء مع الجنابة لأن التفصيل قاطع للشركة

و قد يستدلّ على المطلوب بقوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ (حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ) وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا غير المنع بالغسل فلا يتوقف على غيره لوجوب مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها و لئلا يلزم جعل ما ليس بغاية غاية فإن قلت في الآية احتمال آخر و هو أن يكون المراد النهي عن دخول مواضع الصّلاة إما بتقدير المضاف أو حمل القرب من الصّلاة على حضور مواضعها و هو المنقول عن جماعة من المفسرين بل قد يرجّح ذلك بأن المعنى الأول يحتاج إلى ارتكاب التخصيص أو إلى حمل قوله تعالى إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ على المعذورين مطلقا لا خصوص المسافرين ليستقيم الحصر و ذلك خلاف الظاهر و أيضا ما بعد الآية غنية عن هذا الاستثناء فالآية على ذلك الحمل مشتملة على تكرار و أيضا يحتاج إلى تخصيص العابرين بالمتيمّمين

و هذا الوجه ممّا رجّحه الشيخ الطبرسي و قال إنه منقول عن أبي جعفر(ع)قلنا لو سلّمنا صحّة ما ذكرتم من المرجحات لكن لنا مرجحات أقوى من ذلك لكون تقدير المضاف أو حمل القرب من الصّلاة على حضور مواضعها من غير قرينة بعيدا جدا مع أن القول بمنع السّكران عن مواضع الصّلاة غير معلوم هو لازم على الحمل الأخير

و أيضا آخر الآية متعلق بحال الصّلاة إذ الحدث الأصغر لا يمنع الدخول عن المساجد و هذا قرينة على أن المراد النهي عن الصّلاة جنبا و أيضا على المعنى الأخير يلزم الاحتياج إلى التخصيص في المستثنى منه لاختصاصه بغير المعذور و لا يكفي تتمة الآية في الدلالة على الاستثناء لاختصاصها بالصّلاة كما ذكرنا

و أيضا يلزم الاحتياج إلى التخصيص في المستثنى أيضا لأن المجنب لا يجوز له الدخول في المسجدين اجتيازا على أن ما ذكرتم من لزوم التكرار في الحمل الأول غير صحيح فإن الاستثناء أخرج المعذورين عن الحكم لصحّة الحصر و تتمة الآية بيان لحال المعذورين و حكمهم فهي تفصيل لما علم إجمالا

و أيضا لا احتياج إلى تخصيص العابرين بالمتيمّمين لأن المستفاد منه عدم تحريم القرب بدون الغسل على العابر لا جوازه له من غير توقف على شرط آخر و الحق أن الاحتمال الثاني راجح على الأول لأن إرادة المسافر من قوله تعالى عٰابِرِي سَبِيلٍ يحتاج إلى تجوز لأنه إن جعل حالا كما هو الظاهر كان الظاهر منه من كان في حال العبور

و إن قلنا بأن المستثنى حقيقة في الماضي لأن هيئة الحال مقتضية لذلك غالبا و إن حمل على الصفة إما بأن يكون استثناء مفرغا في موضع الصّفة أو بأن يكون إلا بمعنى غير كما يفهم من الكشاف و غيره و إن لم يستقم لتوقفه على عدم جواز الحمل على الاستثناء كان مختصّا بمن كان في حال العبور إن قلنا بأن المستثنى حقيقة في الحال فقط و كان شاملا للمقيم الذي كان عابرا في الماضي على القول الآخر فلا يختص بالمسافر فيحتاج إلى أن يقال المراد بعابري سبيل من كان متعرّضا لذلك و هذا شأنه و غرضه و إن كان نازلا و هذا لا يستقيم إلا على ضرب من التجوز و لأن حمل العابر على المعذور مطلقا بعيد جدّا و على المسافر ينافي الحصر فيحتاج إلى التخصيص مع الاحتياج إلى التخصيص بغير الواجد أيضا و لحصول الاستغناء بما بعد الآية من هذا الاستثناء و إن لم يكن تكرارا

لا يقال في هذا الاستثناء فائدة و هي أنه يستفاد منه أن التيمم لا يرفع الحدث لأنا نقول هذا غير مسلم عند التحقيق فإنّ الاستثناء باعتبار الغاية فكأنه قال لا تقربوا الصّلاة جنبا إلا أن يرتفع جنابتكم بالغسل إلا أن تكونوا مسافرين فلا يجدد المنع هناك بزوال الجنابة بسبب الغسل بل بالتيمم

و أما ما ذكر من وجوه الخلل في الوجه الثاني فأكثرها مندفع بوجود القرينة على حذف المضاف أو على حمل القرب على حضور مواضع الصّلاة و هو قوله تعالى إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ و مع وجود القرينة لا إشكال فيه و اتفق الأئمّة على أنّ ما بعد الآية متعلق بحال الصّلاة بل لما يهم الأمر بالغسل لدخول المساجد كان لسائل أن يقول على المعذور الذي لم يجد الماء فذكر حكم المعذورين مطلقا إذا أوجب عليهم الطهارة و لم يجدوا الماء من غير اختصاص لذلك بإرادة الصّلاة أو دخول المساجد فكأنه قال غير الواجد للماء حكمه التيمم في موضع تجب عليه الطهارة و كان التفصيل مستفادا من السنة

نعم لو كان الكلام في الصّلاة كانت المناسبة و السّلامة عن التخصيص أكثر لكن ليس ذلك بحيث يصلح للترجيح و من هنا يعلم الجواب عما ذكر من لزوم التخصيص في المستثنى منه و كذا التخصيص في المستثنى غير لازم لأن مقتضى الاستثناء عدم تحريم الجواز في كل مسجد لا جوازه في أي مسجد كان كما قيل مع جواز أن يكون نزول الآية قبل حرمة الاجتياز

48

فيهما فلم يبق إلا أن القول بمنع السّكران عن دخول المساجد غير معلوم فإن ثبت الإجماع يمكن أن يقال يجوز أن يكون الأمر كذلك أولا ثم نسخ لكن لم يثبت

و ممّا يؤيد ترجيح الوجه الثاني بعض الأخبار الصحيحة المنقولة عن أبي جعفر(ع)حيث استدلّ فيها بهذه الآية على تحريم دخول الجنب للمساجد و إنّما قلنا بلفظ التأييد لأنه يمكن أن يقال ليس في الخبر دلالة على انحصار معنى الآية فيه فلعلّه يكون بعض بطون الآية و إن كان غيره أيضا مرادا و في الآية وجه ثالث منقول عن بعض فضلاء فن العربية من أصحابنا في كتاب ألفه في الصّناعات البديعية و هو أن المراد بالصّلاة في قوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ معناها الحقيقي و في قوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ مواضعها قال في الكتاب المذكور عند ذكر الاستخدام بعد ما عرفه بأنه عبارة عن أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين متوسّطة بين قرينتين يستخدم كل قرينة منهما معنى من معنيي تلك اللفظة

و قد جاء في الكتاب العزيز من ذلك قوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ الآية فاستخدم سبحانه لفظة الصّلاة لمعنيين أحدهما إقامة الصّلاة بقرينة قوله سبحانه حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ و الآخر موضع الصّلاة بقرينة قوله جلّ شأنه وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ انتهى و استحسن هذا الوجه بعض الفضلاء قال و لا يضره عدم اشتهار الاستخدام بهذا المعنى بين المتأخرين من علماء المعاني

و يمكن حمل الرّواية على هذا الوجه و لو جعل الاستخدام في القرب كان أظهر و عندي أن في هذا الوجه تكلّف و عدول عن الظاهر و هاهنا وجه رابع و هو أن يكون المراد بالقرب المنهي المعنى الأعم في التلبّس بفعلها و التوجّه إليها و حضور مواضعها بقرينة قوله تعالى إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ و لا إشكال فيه إلا لزوم التخصيص إن ثبت جواز دخول المساجد للسّكران و الأمر فيه هيّن و لا يبعد أن يكون هذا الوجه أحسن الوجوه فتدبر و اللّٰه أعلم بحقائق كلامه

و هل يستحبّ الوضوء مع غسل الجنابة المشهور العدم خلافا للشيخ في التهذيب فإنه قال فيه بالاستحباب استنادا إلى ما رواه عن أبي بكر الحضرمي في القوي عن أبي جعفر(ع)قال سألته كيف أصنع إذا أجنبت قال اغسل كفك و فرجك و توضأ وضوء الصّلاة ثم اغتسل و يدلّ عليه أيضا ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن عبد اللّٰه بن مسكان و هو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم عن محمد بن ميسر و هو غير موثق في كتب الرجال قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل إلى آخر السؤال قال يضع يده و يتوضأ و يغتسل

و بإزائهما روايات دالة على كون الوضوء مع الغسل بدعة كما في مرسلة محمد بن أحمد بن يحيى الوضوء قبل الغسل و بعده بدعة و استضعفه الشيخ بالإرسال و روى الشيخ عن عبد اللّٰه بن سليمان بإسناد مجهول قال سمعت أبا عبد اللّٰه(ع)يقول الوضوء بعد الغسل بدعة و حمل الشيخ هذه الأخبار على ما إذا اعتقد كون الوضوء مع الغسل واجبا و احتمل في الخبرين الأخيرين التخصيص بما عدا غسل الجنابة لأن المسئول في هذه الأغسال أن يكون الوضوء فيها قبلها

و لا يخفى أنه لا تنافي بين الخبرين الأخيرين و الخبرين الدالين على استحباب الوضوء قبل الغسل فانحصرت المعارضة في المرسلة المذكورة و الظاهر أنه يضعف عن المقاومة فإن رجحناها نظرا إلى اشتهار مدلولها حملنا الخبرين على التقيّة لموافقتهما لمذهب العامة فإنهم متفقون على استحباب الوضوء مع غسل الجنابة و بعضهم ذهب إلى الوجوب

الثاني وجوبه مع باقي الأغسال سوى غسل الميّت كما سيجيء و هو المشهور بين الأصحاب خلافا للسيد المرتضى و ابن الجنيد و يدل على الأول وجوه منها قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ الآية خرج عنها الجنب للإجماع و النصّ فيبقى غيره داخلا في عموم الآية و منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة

و منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير عن حمّاد بن عثمان الثقة أو غيره عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال في كلّ غسل وضوء إلا الجنابة و عدها المصنف من الحسان و ليس بشيء و منها ما رواه عن علي بن يقطين في القوي عن أبي الحسن(ع)قال إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ و اغتسل و منها الاستصحاب

و يدل عليه أيضا عموم الأخبار الدالة على أن الحدث يوجب الوضوء و في الكل نظر أما الأول فلأن الآية و إن كانت عامة لكنها تتخصّص بالأدلة و ممّا يضعف الاستناد إليه ما نقل المصنف في المنتهى إجماع المفسرين على أن المراد إذا قمتم من النوم و نسبه في الخلاف إلى المفسّرين و يدل عليه بعض الرّوايات المعتبرة و قد مرّ في بحث نواقض الوضوء و قد يناقش في عمومها لعدم اشتمالها على شيء من أدوات العموم و الإجماع لا يقتضي العموم بالنسبة إلى محلّ النزاع

و فيه نظر و أمّا في الثاني فلعدم دلالة الخبر على الوجوب بل مدلوله أعمّ من الوجوب و الاستحباب و اعترف به المحقق في بحث وضوء الميّت حيث قال لا يلزم من كون الوضوء في الغسل أن يكون واجبا بل من الجائز أن يكون غسل الجنابة لا يجوز فعل الوضوء فيه و غيره يجوز و لا يلزم من الجواز الوجوب و كذا المصنف في المختلف و العجب أنهما مع اعترافهما بذلك استدلا بهذا الخبر هاهنا على وجوب الغسل في غير الجنابة و تبعهما في الأمرين الشارح الفاضل

و أيضا لو سلّم كونه ظاهرا في الوجوب لكن يلزم حملها على المعنى الأعم جمعا بينه و بين ما يدل على عدم وجوب الوضوء مع غسل الميّت إذ هذا الحمل ليس أبعد من التخصيص و أيضا لو تم الاستدلال يلزم أن يكون الوضوء متعيّنا قبل الغسل على سبيل الوجوب و لم يقل بذلك كثير منهم و أيضا مع قطع النظر عن ذلك كله نقول ارتكاب التأويل لازم في هذا الخبر جمعا بينه و بين ما هو أقوى منه كما ستعرف

و من هنا يظهر الجواب عن الثالث و قد يقال إن هذه الرواية عين السّابق لأن الموجود في التهذيب رواية ابن أبي عمير بطريقين أحدهما عن رجل و الآخر عن حمّاد بن عثمان أو غيره فهي بالحقيقة رواية واحدة مرسلة فلا يصح عدّها روايتين و قد يجاب بالقدح في سند الرّواية لمكان الإرسال و قد طعن المحقق في المعتبر

و الشهيد الثاني في شرح الدراية في مراسيل ابن أبي عمير مع احتمال أن لا يكون الإرسال منه بل من غيره و هذا عندي ضعيف لتصريح الشيخ بأن ابن أبي عمير لا يروي إلا عن الثقات و كونه ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و اشتهار المراسلة بين الأصحاب و على هذا يندفع الاحتمال الذي ذكره مع كونه خلاف الظاهر و سيجيء لهذا زيادة تحقيق إن شاء اللّٰه تعالى

و أمّا عن الرابع فلعدم دلالة الرواية على الوجوب بل عدم صحة حملها عليه

و أما الخامس فلأن الاستصحاب يرتفع بالأدلة كما ستعرف مع ما فيه من الضعف و أما عن السادس فلأن تلك الأخبار مخصصة بمقتضى الأدلة الآتية و يدل على القول الأخير ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر(ع)قال الغسل يجزئ عن الوضوء و أي وضوء أطهر من الغسل

و الظاهر من المفرد المعرف باللام في أمثال هذه المواضع العموم إذ الحمل على العهد الذهني ينافي غرض البيان و الإفادة و يؤيده التعليل المستفاد من قوله(ع)و أي وضوء أطهر من الغسل فإنه ظاهر في العموم إذ لا خصوصية لغسل الجنابة في هذا الحكم

و قد يقال إذا أمكن حمل المعرف باللام على معنى معهود و لم يجب الحمل على العموم و غسل الجنابة من بين الأغسال لحصول سببه في أكثر الأحيان و كثرة الاحتياج إليها حتى صار غيره بالنسبة إليه بمنزلة النادر المعدوم كان بمنزلة الحاضر المعهود في الذهن فالحمل عليه غير بعيد

و عندي أن هذا الكلام متّجه إذا كان غير غسل الجنابة نادرا قليل الوقوع و ليس الأمر كذلك بل الظاهر العموم بمعونة التعليل و يدل عليه أيضا قوله(ع)في صحيحة حكم بن حكيم السّابقة و أي وضوء أنقى من الغسل و أبلغ فإنه ظاهر في العموم و السؤال عن الجنابة لا يخصّصه لأنّ خصوص السؤال لا يوجب تخصيص العام لكن المناقشة في العموم

و يدل عليه أيضا ما رواه الشيخ عن عمّار السّاباطي في الموثق قال سئل أبو عبد اللّٰه(ع)عن الرّجل إذا اغتسل من جنابته أو يوم جمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده فقال لا ليس عليه قبل و لا بعد قد أجزأها الغسل و ما رواه الشيخ بإسناد فيه اشتراك بين الضعيف و غيره عن حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه(ع)في الرّجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك أ يجزيه من الوضوء فقال أبو عبد اللّٰه(ع)و أي وضوء أطهر من الغسل و بإسناد فيه جهالة و اشتراك أن محمد بن عبد الرحمن الهمداني كتب إلى أبي الحسن الثالث(ع)يسأله عن الوضوء للصّلاة في غسل الجمعة فكتب لا وضوء للصّلاة في غسل الجمعة و لا غيره

و حمل الشيخ ره تلك الروايات الثلاث على ما إذا اجتمعت هذه الأغسال مع غسل الجنابة و هو بعيد و ممّا يؤيّد هذا القول كثير من الأخبار الواردة في أحكام الحائض و المستحاضة و النفساء فإنهم (عليهم السلام) ذكروا أنها تغتسل و تصلي من غير ذكر للوضوء في مقام البيان المقتضي لذلك إن وجب و للمقابلة في التقسيم مع الوضوء في بعضها

ففي صحيحة زرارة فإن جاز الدم الكرسف تعصّبت و اغتسلت ثم صلت الغداة بغسل و الظهر و العصر بغسل و في صحيحة ابن سنان المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر و تصلي الظهر و العصر ثم تغتسل عند المغرب و تصلي المغرب و العشاء ثم تغتسل عند الصبح و تصلي الفجر و في صحيحة عبد الرّحمن ابن الحجّاج إن كانت صفرة فلتغتسل و لتصلّ إلى

49

قوله(ع)و إن كان دما ليست بصفرة فلتمسك عن الصّلاة أيام قرئها ثم لتغتسل و لتصلّ

و في صحيحة حسين بن نعيم الصحاف فإن انقطع الدمّ عنها قبل ذلك فلتغتسل و لتصلّ و في صحيحة معاوية بن عمّار فإذا جازت أيامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر إلى قوله و إن كان الدّم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد و صلت كلّ صلاة بوضوء و قوله(ع)في صحيحة علي بن يقطين فإذا رق و كانت صفرة اغتسلت و صلّت و في صحيحة صفوان تغتسل و تستدخل قطنة و تجمع بين صلاتين بغسل إلى غير ذلك من الأخبار

و مما يؤيد ذلك كثير من الأخبار الواردة في بيان صلوات الحوائج و غيرها من الصّلوات المرغبان التي استحب لها الغسل فقد ذكر فيها أنّها تغتسل و تصلي من غير ذكر للوضوء مع أنه يستفاد من سياقها لزوم البيان لو كان الوضوء لازما

و ممّا يؤيّد ذلك الأخبار الواردة في أنّ غسل الحيض مثل الجنابة و أنهما واحد و لعلّه يجيء شيء منها في محله و بمثله استدل المصنف على عدم وجوب الوضوء مع غسل الميّت و بمثله استدل الشيخ على ذلك أيضا و أجاب بأن الوضوء معلوم بدليل آخر

و يؤيّده الخبر الدال على كون الوضوء مع الغسل بدعة و الخبران الدالان على أنّ الوضوء بعد الغسل بدعة لكنهما لا ينافيان قول من قال بوجوب الوضوء مقدما و هذه المسألة محل إشكال و إن كان الأظهر مذهب السيّد و الاحتياط في المشهور و القائلون بوجوب الوضوء مع الغسل في غير الجنابة اختلفوا فمختار الشيخ في المبسوط أنه يجوز إما قبل الغسل و إما بعده و التقديم أفضل

و إليه ذهب جماعة من المتأخرين و قال الشيخ في بعض كتبه على ما نقل عنه بوجوب تقديم الوضوء على الغسل و هو المنقول عن أبي الصّلاح و المفيد و ظاهر كلام ابني بابويه و الآية و الأصل يعضد الأول و احتج الآخرون بمرسلة ابن أبي عمير السّابقة و أجاب عنه المصنف بالحمل على الاستحباب و يؤيّد هذا القول الخبران الدالان على كون الوضوء بعد الغسل بدعة فهاهنا مقاصد

المقصد الأول في الجنابة

و هي في اللغة البعد و شرعا ما يوجب البعد عن أحكام الطاهرين من الإنزال أو الجماع الموجب للغسل

و هي تحصل

للرّجل و المرأة بإنزال المني مطلقا يقظة و نوما بشهوة أو بغير شهوة بلا خلاف بين الأصحاب بل بين جميع ما ذكره جماعة من الأصحاب إلا أن أبا حنيفة يخص الحكم بالخارج بشهوة و الأخبار الدالة على ذلك كثيرة و لا فرق في ذلك بين الرّجل و المرأة بالإجماع المذكور و الأخبار الدالة عليه متظافرة و ما ورد على خلافه مأول أو مطروح و لو تيقن أنّ الخارج مني و لم يكن على الصّفات الآتية وجب الغسل لعموم الأخبار و لو خرج المني من غير الموضع الخلقي فهل يكون ناقضا مطلقا أو يلحق بالحدث الأصغر الخارج عن غير المعتاد فيعتبر فيه الاعتياد أو الانسداد

اختار المصنف الأول لعموم قوله(ع)الماء من الماء و الشهيد الثاني و لو اعتبرنا هناك تحتية المعدة احتمل اعتبار الصّلب هنا و قربه المصنف في النهاية و القولان مبنيان على النظر إلى العموم اللفظي أو الحمل على الغالب

و إن قلنا بالثاني كان المعتبر في الخنثى خروج المني من الفرجين معا لا من أحدهما إلا مع الاعتياد و لو أحسّ بانتقال المني عند الشهوة فأمسك ذكره فلم يخرج فلا غسل للأصل و لو خرج المني بعد الانتقال و الإمساك لزمه الغسل لوجود السّبب سواء اغتسل قبله أم لا و سواء كان الخروج بشهوة أم لا و كذا لو خرج منه المني فاغتسل ثم خرج منه شيء آخر منه

قال المصنف و إليه ذهب علماؤنا و لو رأى أنه قد احتلم ثم استيقظ و لم يجد شيئا لم يجب عليه الغسل و لو مشى بعد ذلك أو تحرك فخرج المني وجب و لو رأى بللا لا يتحقق أنه مني لا يجب الغسل و لو خرج مني الرّجل عن فرج المرأة لم يجب عليها الغسل و كذا لو كان مشكوكا لما رواه الشيخ عن سليمان بن خالد بإسناد لا يبعد أن يعد موثقا عن أبي عبد اللّٰه(ع)قلت و المرأة يخرج منها شيء بعد الغسل قال لا يعيد قلت فما الفرق بينهما قال لأنّ ما يخرج من المرأة إنّما هو من ماء الرّجل

و عن منصور في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه(ع)مثل ذلك و قال لأن ما يخرج من المرأة ماء الرّجل نعم لو علمت الاختلاط وجب قال في الذكرى لو شك فالأحوط الوجوب للاحتياط المظنون و في خبر سليمان بن خالد عنه(ع)ما يخرج منها من ماء الرّجل و لو خرج المني بلون الدم فالاحتمالان و قرب الشهيد الوجوب تغليبا للخواص و وجه العدم أن المني كان في الأصل دما فلمّا لم يستحل ألحق بالدّماء

و بالجماع في قبل المرأة حتى تغيب الحشفة مع سلامتها بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب و ادعى جماعة منهم الإجماع على ذلك و تدل عليه الأخبار المستفيضة مثل ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة قال إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم

و عن محمد بن إسماعيل في الصحيح قال سألت الرّضا(ع)عن الرّجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان مني يجب الغسل فقال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل قلت التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة قال نعم إلى غير ذلك من الأخبار و المراد بالتقاء الختانين تحاذيهما لعدم إمكان الالتقاء حقيقة فإن موضع الختان في المرأة أعلى الفرج و مدخل الذكر في أسفله و بينهما ثقبة البول و ذكر الختانين ليس للتخصيص فلو فرض انتفاؤهما أو أحدهما ثبت الحكم لعموم خبر محمد بن مسلم و لو قطعت الحشفة فالمعتبر إدخال قدرها على ما ذكره جماعة من الأصحاب و لو بقي شيء منها فقال الشهيدان المعتبر إدخال الباقي إن لم يذهب المعظم

و مقتضى خبر محمد بن مسلم وجوب الغسل بمجرّد الإدخال و التقييد بغيبوبة الحشفة يقتضي عدم الوجوب قبل ذلك و هو كذلك للأصل و ظاهر الخبر و في دبر الآدمي كذلك و إن لم ينزل الماء

أما وجوب الغسل بالجماع في دبر المرأة فعليه معظم الأصحاب و مختار الشيخ في النهاية و الإستبصار عدم الوجوب و هو المحكي عن ظاهر سلّار قال المصنف و روى ابن بابويه في كتابه عدم إيجاب الغسل و كأنه يشير إلى رواية الحلبي الآتية و هي غير دالة على ذلك

و كلام الشيخ في المبسوط مختلف و ادعى السيّد المرتضى الإجماع على وجوب الغسل بذلك فقال لا أعلم خلافا بين المسلمين في أنّ وطي الرجل في الموضع المكروه من ذكر أو أنثى يجري مجرى الوطي في القبل مع الإيقاب و غيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل و المفعول به و إن لم يكن إنزال و لا وجدت في الكتب المصنفة لأصحابنا الإمامية إلا ذلك و لا سمعت من عاصرني منهم من شيوخهم نحوا من ستين سنة إلا بذلك فهذه مسألة إجماع من الكل و لو شئت أن أقول إنه معلوم بالضرورة من دين الرسول(ص)أنه لا خلاف بين الفريقين في هذا الحكم فإن داود و إن خالف في أن الإيلاج في القبل إذا لم يكن معه إنزال لا يوجب الغسل فإنه لا يفرق بين الفرجين كما لا يفرق باقي الأمة بينهما في وجوب الغسل بالإيلاج في كل واحد منهما و اتّصل لي في هذه الأيام عن بعض الشيعة الإمامية أن الوطي في الدبر لا يوجب الغسل تعويلا على أن الأصل عدم الوجوب أو على خبر يذكر أنه موجود في منتخبات سعد أو غيرها فهذا ممّا لا يلتفت إليه

أما الأوّل فباطل لأن الإجماع و القرآن و هو قوله أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ يزيل حكمه و أما الخبر فلا يعتمد عليه في معارضة الإجماع و القرآن مع أنه لم يفت به فقيه و لا اعتمده عالم مع أن الأخبار تدل على ما أردناه لأن كلّ خبر يتضمّن تعليق الغسل بالجماع و الإيلاج في الفرج فإنه يدل على ما ادعيناه لأن الفرج يتناول القبل و الدّبر إذ لا خلاف بين أهل اللغة و الشرع انتهى كلامه على ما نقله المصنف عنه

و يلوح من كلام ابن إدريس أيضا دعوى الإجماع على ذلك و يدل عليه ظاهر الآية لأن المراد بالملامسة فيها الجماع و هو أعمّ من الإتيان لكل من الفرجين و وجوب التيمم بشيء مع عدم وجوب المبدل عنه به مستبعد جدا مع كون الظاهر أن ذكرها في الآية إشارة إلى الجنابة المذكورة سابقا

و يؤيده قول أحدهما (عليهما السلام) في رواية محمد بن مسلم السّابقة إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم إذ الإدخال صادق في الدبر و تخصيص محل الإدخال ببعض ما يتعارف فيه ذلك خلاف الظّاهر

و يؤيده ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح عن الباقر(ع)قال جمع عمر ابن الخطاب أصحاب النبي(ص)فقال ما تقولون في الرّجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل فقالت الأنصار الماء من الماء و قال المهاجرون إذ التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر لعلي(ع)ما تقول يا أبا الحسن فقال علي(ع)أ توجبون عليه الحد و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من ماء إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر القول ما قال المهاجرون و دعوا ما قال الأنصار

قال ابن بابويه و كان علي(ع)يقول كيف لا يوجب الغسل و الحد يجب فيه و يؤيّده مرسلة حفص بن سوقة عمن أخبره قال سألت أبا عبد اللّٰه(ع)عن الرجل يأتي أهله من خلفها قال هو أحد المأتيين فيه الغسل و إنّما أوردنا تلك الثلاثة بلفظ التأييد لتطرق التأمّل إلى كل واحد منها

و قد يستدل عليه بالإجماع المنقول سابقا قال المصنف بعد نقل ما ذكرنا من كلام السّيّد المرتضى هذا يدل على أنّ الفتوى بذلك متظاهرة مشهورة في زمان السيّد المرتضى بل ادّعاه الإجماع يقتضي وجوب العمل به لأنّه صادق نقل دليلا و خبر الواحد كما يخرج في نقل المظنون فكذا أي المقطوع و تبعه على ذلك غير واحد من المتأخرين و فيه

50

نظر و تحقيق ذلك في الأصول و سيجيء إشارة إجمالية إلى ذلك نعم أمثال هذا يصلح للتأييد و أن يكون قرينة على صحة المدّعى و ربما يتأمّل في ذلك أيضا

و مما يؤيّد ذلك أيضا ما يفهم من كلام السيّد من وجود ما يدلّ على تعليق الغسل بالجماع و الإيلاج في الفرج و يفهم ذلك الأخير من كلام المحقق في المعتبر أيضا حيث قال و لأن الدّبر فرج إذ الفرج موضع الحدث قبلا كان أو دبرا أو الجماع في الفرج موجب للغسل بالأحاديث المشهور

و استدلّ الشيخ بما رواه الحلبي في الصحيح قال سئل أبو عبد اللّٰه(ع)عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج أ عليها غسل إن هو أنزل و لم تنزل هي قال ليس عليها غسل و إن لم ينزل هو فليس عليه غسل و مرفوعة البرقي عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما و إن أنزل فعليه الغسل و لا غسل عليها

و نقل في الإستبصار حديث حفص بن سوقة و قال إنه مرسل مقطوع الإسناد مع أنه خبر واحد و ما هذا حكمه لا يعارض به الأخبار المسندة على أنه ممكن أن يكون ورد مورد التقية لأنه موافق لمذهب العامة و تمسّك ببراءة الذمة عن وجوب الغسل و يؤيّد إلى قوله أيضا ما رواه عن أحمد بن محمّد في الصحيح عن بعض الكوفيّين و رفعه إلى أبي عبد اللّٰه قال في الرجل يأتي المرأة في دبرها و هي صائمة قال لا ينقض صومها و ليس عليها غسل

و عن علي بن الحكم في الصحيح أيضا عن رجل عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال إذا أتى الرجل المرأة في الدبر و هي صائمة لم ينقض صومها و ليس عليها غسل أوردهما الشيخ في كتاب الصّوم

و الجواب عن الأوّل أنا نقول بمقتضاها فإنا لا نسلّم اختصاص الفرج بالقبل بل هو أعمّ منه قيل إنه مأخوذ من الانفراج فيكون شاملا للدبر أيضا و مما ينفي اختصاصه بالقبل قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ

و عن الثاني بضعف السند لإرساله و الجواب بأن الإتيان في الدبر أعمّ من غيبوبة الحشفة و لا دلالة للعام على الخاص فيحمل على عدم الغيبوبة جمعا ضعيف

و أمّا براءة الذمة فرفعها أدلّة الوجوب و عن الروايتين الأخيرتين بضعف السّند للإرسال و المسألة عندي محلّ النظر و إن كان المشهور لا يخلو من رجحان ما و أمّا وجوب الغسل بوطي الغلام فعليه الأكثر حتى أن السيّد المرتضى ادّعى الإجماع عليه

و قال الشيخ ره إذا أولج ذكره في دبر المرأة أو الغلام فلأصحابنا فيه روايتان أحدهما يجب الغسل عليهما و الثانية لا يجب عليهما و عوّل المرتضى في وجوب الغسل بالإجماع المركب فادّعى أنّ كلّ من أوجب الغسل بالغيبوبة في دبر المرأة أوجبه في دبر الذكر و كلّ من نفى نفى و لما كان الوجوب في الأوّل ثابتا بالأدلّة المتقدمة كان الحق مع القائلين به فيكون الإمام داخلا فيهم و يلزم من ذلك الوجوب في الثاني هذا تحرير ما نقل عن المرتضى ره

و بالجملة خرق الإجماع المركب و إحداث قول ثالث على أصول الإمامية غير جائز و إن كان للعامة فيه أقوال مختلفة و هذه الحجة صحيحة إن ثبت دعوى الإجماع المذكور و قد منعه المحقق فقال و لم أتحقق إلى الآن ما ادعاه فالأولى التمسّك فيه بالأصل و رده جماعة من المتأخرين بأن الإجماع المستدل بخبر الواحد حجة لا يقصر عن أخبار الآحاد في الظنيات و كفى بالسيّد ناقلا

و لا يخفى أنّ حجية الإجماع عندنا جاء على العلم بدخول المصنف في جملة المجمعين و ثبوت الإجماع بهذا المعنى بعد عصر الأئمّة(ع)في غاية الإشكال لتفرق العلماء و انتشارهم في البلدان و أطراف أقاليم الأرض مع استتار البعض و اختفائه و العادة يقضي بأن العلم بمثل هذا الاتفاق متعذر أو متعسر

و لقد أجاد المحقق حيث قال في المعتبر و أمّا الإجماع فعندنا حجة باعتبار دخول المعصوم(ع)فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة و لو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتّفاقهما بل باعتبار قوله فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعي الإجماع باعتبار الخمسة و العشرة من الأصحاب مع جهالة قول الباقين إلّا مع العلم القطعي بدخول المعصوم في الجملة

و التزم الشهيد في الذكرى وفاقا للشيخ في العدة أنه لو جاز في مجهول مظهر لمذهب الخلاف أن يكون هو الإمام و أن إظهار ذلك المذهب على طريق التقية اعتبر قوله في تحقق الإجماع فظهر بذلك أن معرفة اتفاق الناس على قول من الأقوال بحيث يعلم دخول المعصوم في جملتهم في غاية الإشكال فإن قلت يحصل العلم بموافقة المعصوم(ع)في بعض الأحكام بحسب القرائن الكثيرة كما إذا ظهر في حكم من الأحكام المهمّة التي يقع الاحتياج إليها غالبا و يعم البلوى بها اتفاق المشهورين من الإمامية و لم يعلم بالتتبع التام المخالف له أو قادح فيه طاعن عليه

فحينئذ يحصل العلم بأن هذا مذهب الأئمّة(ع)لأنّا نعلم حينئذ أنّ عمل أصحابنا الإمامية ممّن عاصر الأئمّة(ع)كان على ذلك و إلّا لنقل بمقتضى العادة و إذا كان عملهم جميعا أو أكثر مشاهيره على شيء ما من الأحكام الشائعة التي يقع الاحتياج إليها في غالب الأوقات يعلم موافقة الإمام إذ من المعلوم أنّ جماعة كثيرة من العلماء و الأتقياء و لقلّة الحديث و حفاظ الرواية كانوا في عصر ظهور المعصومين(ع)قرنا بعد قرن و خلفا بين سلف في مدة متطاولة متمادية تنيف على ثلاثمائة سنين و كان جماعة منهم مشهورين بالعلم و التقوى متصدين للرواية و الفتوى منصوبين لذلك من قبلهم(ع)و كانوا مختلفين في مجالس المعصومين فائزين بإدراك لقائهم آخذين حقائق المسائل عنهم(ع)بالسّماع و العيان على جهة القطع و اليقين دون الظن و التخمين لما عهد من أطوارهم من إنكار الظنون و الأهواء و التجنب عن الأقيسة و الآراء و كانوا متمكنين في كثير من الأحيان من استعلام الحق في الوقائع التي حصل احتياجهم إليها و دفع البلوى بها

و من المعلوم أن جماعة من أمثالهم إذا اتفق عملهم أو فتاواهم على شيء كان ذلك موافقا لعمل المعصوم و قوله تنبه إذ من خلاف العادة أن يتفقوا كذلك بدون أن يحصل لهم العلم مع تمكنهم منه و قد تدبّر جماعة عن هذا المقام حتى قال في الذكرى إن الأصحاب يتمسّكون بما يجدونه في شرائع أبي الحسن بن بابويه عن إعواز النصوص لحسن ظنهم به و أن فتواه كروايته

و لهذه العلّة تراهم يرجحون الأخبار الضعيفة المعمولة عند المتقدمين الموافقة لفتاوى أكثرهم على أخبار صحيحة الأسانيد على أنّه لا يصحّ في العادات أن لا يعلم المعصومون(ع)بعملهم و فتواهم إذا كان مستمرا كذلك أو علموا و لم ينكروا عليهم مع كثرة إشفاقهم عليهم أو اجتهادهم في هدايتهم و تعليمهم و لو كان شيء من ذلك ثابتا لنقل البتة لأنّ رواة الحديث و نقلة الأخبار و حفظة الآثار على كثرتهم و انتشارهم في أقطار الأرض و طول مساعيهم و توفر دواعيهم أخذوا العلم و الرواية عن أصحاب الأئمّة(ع)و لحقهم آخرون و أخذوا عنهم و كذلك يعقب السلف الخلف و الآتي الماضي و هلم جرّا إلى زمان المشايخ المتأخّرين عنهم الّذين دونوا العلم و ضبطوا الأقوال و ميّزوا بين الخلاف و الوفاق (رضوان اللّٰه عليهم أجمعين) فلا يكون قول من أقوال المتقدمين خارجا من أقوال هؤلاء خصوصا إذا حكموا بالاتفاق إلّا أن يكون قولا نادرا مطروحا عند المشهورين من أصحابنا المتقدمين بل عمل اثنين أو ثلاثة منهم يوجب ما ذكرنا لو لا احتمال أن يكون اعتمادهم على رواية غير متواترة أو خبر صدر عن المعصوم تقية أو لمصلحة من المصالح متأوّلا بتأويل خفيّ مع وجود المعارض

لكن هذه الاحتمالات يرتفع في الصورة التي ذكرنا قلت الأمر كما ذكرت إذا حصل العلم باتّفاق جماعة من أصحاب الأئمّة و لكن طريق هذا العلم منسد في زماننا هذا إلّا في قليل من المسائل التي صارت عن ضروريات دين الإمامية كوجوب المسح في الوضوء و عدم جواز المسح على الخف و بطلان القياس و أمثالها

و أمّا في غيرها من المسائل فلا فإن غاية ما يمكن لنا الاطّلاع على مذاهب أكثر المتأخرين من قدماء أرباب الحديث و هم أصحاب كتب الفقه و لا يحصل العلم بمذاهب جميعهم لكثرة الكتب و انتشار المصنفات و لهذا لا يحصل العلم بمذاهب القدماء و أصحاب الأئمّة فإنّهم لم يكن من عادتهم أن يصنفوا كتبا يذكرون فيه أقوالهم و فتاواهم بل كان من عادتهم جمع الأخبار المعتمدة التي وصل إليهم و كانوا يعملون بها كما يظهر بالتتبع

و على هذا كان يمضي السّلف فإن تحرير الفتاوى و تصنيف كتب الفقه بعد أزمان الأئمّة(ع)عدّة طويلة فمذاهب أصحاب كتب الفتاوى لا يكشف عن مذاهب أصحاب الأخبار و اتفاق أكثر الفقهاء لا يدلّ على موافقة المعصوم(ع)و بالجملة لا يخلو إمّا أن يوجد في المسألة خبر أم لا فإن وجد خبر في المسألة كان النظر على الخبر و المتجه التعويل على الظن الحاصل به بعد النظر في معارضه و اعتبار القواعد الصحيحة المقررة في الترجيح فكنا مستغنين هناك عن تجشم هذا البحث فإن لم يوجد في المسألة خبر بعد التتبع فالعلم بمذاهب قدماء أرباب الحديث مشكل جدّا

إذ لا سبيل إلى هذا إلّا أمران أحدهما فتاوى الفقهاء المتأخّرين عنهم و قد عرفت أنه غير ناهض بالدلالة عليه و ثانيهما نقل بعض الفقهاء إجماع الفرقة على المسألة و هو أيضا ضعيف لما عرفت من تعارض الاطلاع على الإجماع بالمعنى المعروف عند الأصحاب فمرادهم بالإجماعات المنقولة في كتبهم في كثير من المسائل بل أكثرها لا يكون محمولا على معناه الظاهر بل إمّا يرجع إلى اجتهاد من الناقل بسبب القرائن و الأمارات الّتي اعتبرها إلى أن المعصوم(ع)موافق في هذا الحكم أو مرادهم الشهرة أو اتفاق أصحاب الكتب المشهورة إلى غير ذلك من المعاني المحتملة

و قد نبّه على هذا الشهيد في الذكرى و ما يرشد إلى هذا أن منهم من يدعي الإجماع على حكم من الأحكام ثم يدعي آخر الإجماع على خلافه و قد يفتي المدّعي بخلافه