روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه - ج1

- العلامة المجلسي الأول المزيد...
494 /
3

-

4

[شرح خطبة الفقيه]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ وَ أَشْكُرُكَ وَ أُومِنُ بِكَ وَ أَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ وَ أُقِرُّ بِذَنْبِي إِلَيْكَ

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

قال الصدوق «اللهم إني أحمدك و أشكرك و أومن بك، و أتوكل عليك و أقر بذنبي إليك إلخ» أفتتح بعد التسمية بحمد الله، مفتتحا حمده بالدعاء و الاستعانة منه في التوفيق لحمده، اعترافا بالعجز عن التأدية بدون تأييده، مع الابتداء باسمه الأعظم على ما هو المشهور عند المحققين أنه (الله) أو (اللهم) تأسيا و امتثالا للأخبار، و هو اسم للذات الواجب الموصوف بجميع الكمالات، أو للمعبود بالحق، و الحمد هو الثناء بالجميل مطلقا أعم من أن يكون للاستحقاق الذاتي بالكمال التام، أو في مقابلة الإحسان و الأنعام، أو مقيدا باللسان. و الشكر إظهار الجميل، أعم من أن يكون باللسان أو الجنان أو الأركان بإزاء النعمة أو الكمال كالحمد، أو يقيد بمقابلة النعمة كما هو المشهور، و أهل التحقيق على الترادف كأهل اللغة (على الظاهر- خ) و المقربون لا يشكرون الله تعالى للنعم، كما ورد عن أمير المؤمنين و وارث علوم الأنبياء و المرسلين أنه قال: إلهي ما عبدتك إلا لأنك أهل للعبادة- و تحقيق معنى التسمية و الجلالة و الحمد و الشكر موكول إلى كتب العلماء، و نحن إن اشتغلنا بما ذكروه، فات المطلوب الذي هو الاختصار، و أكثر ما ذكره العلماء و اشتهر بينهم لا نذكره غالبا لئلا يطول.

5

وَ أُشْهِدُكَ أَنِّي مُقِرٌّ بِوَحْدَانِيَّتِكَ وَ مُنَزِّهُكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِذَاتِكَ مِمَّا نَسَبَكَ إِلَيْهِ مَنْ شَبَّهَكَ وَ أَلْحَدَ فِيكَ وَ أَقُولُ إِنَّكَ عَدْلٌ فِيمَا قَضَيْتَ حَكِيمٌ فِيمَا أَمْضَيْتَ لَطِيفٌ لِمَا شِئْتَ

____________

و الإيمان هو التصديق بالمعارف الخمسة مع الجزم (1) و لو كان من الأمارات و كثيرا ما يطلق في الآيات و الأخبار عليها مع الأعمال تجوزا.

و التوكل تفويض الأمور إلى الله تعالى. و الإقرار بالذنوب من أفضل الأعمال سيما في الخطب تأسيا و إقرارا بالتقصير عن تأدية الشكر.

و لما كان الإقرار بالشهادتين مطلوبا في الخطب أشهد الله تعالى بإقراره بالوحدانية و التوحيد في العرف هو الإقرار بوجود الواجب المتصف بجميع الكمالات مع كون الصفات عين ذاته لئلا يلزم التعدد في الواجب، و لهذا لم يذكر الصفات الذاتية الثبوتية و ذكر التنزيهية بقوله «و منزهك إلخ» عطف على مقر، أي أشهدك أني منزهك عما لا يليق بذاتك من الأشياء التي نسبك المشبهة إليها من الصفات الزائدة و الأحوال و الملحدة من اليد و الرجل و الوجه و غير ذلك.

و لما ذكر صفات الجلال و الإكرام، ذكر العدل و الحكمة بقوله «و أقول» أي مع الاعتقاد أو اعتقد تجوزا «أنك عدل» أي عادل لا تفعل القبيح و لا ترضى به و لا تكلف مع عدم الاختيار في كل ما قضيت و قدرت، يعني نحن قائلون (بالإيمان) بالقضاء و القدر مع العدالة، ردا على المعتزلة المفوضة و الأشاعرة المجبرة، لأنا معشر الإمامية قائلون بأنه: لا جبر و لا تفويض و لكن أمر بين أمرين، و تفصيله في الكلام و قوله «حكيم فيما أمضيت» أي قدرت أو أجريت بعد القضاء و القدر كما يظهر من الأخبار، أن الإمضاء بعدهما، أي أقول إنك حكيم لا تفعل شيئا إلا للحكمة بل للحكم الكثيرة

6

لَمْ تَخْلُقْ عِبَادَكَ لِفَاقَةٍ وَ لَا كَلَّفْتَهُمْ إِلَّا دُونَ الطَّاقَةِ وَ إِنَّكَ ابْتَدَأْتَهُمْ بِالنِّعَمِ رَحِيماً وَ عَرَّضْتَهُمْ لِلِاسْتِحْقَاقِ حَكِيماً فَأَكْمَلْتَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ عَقْلَهُ وَ أَوْضَحْتَ لَهُ سَبِيلَهُ وَ لَمْ تُكَلِّفْ مَعَ عَدَمِ الْجَوَارِحِ مَا لَا يُبْلَغُ إِلَّا بِهَا وَ لَا مَعَ عَدَمِ

____________

ردا على المجبرة القائلة بعدم العلة و قوله «لطيف لما شئت» أي أقول إنك تفعل الأفعال المقربة لعبادك إلى طاعتك المبعدة إياهم عن معصيتك، وجوبا في البعض و تفضلا في الآخر، من إرسال الرسل و إنزال الكتب و التكاليف و غيرها من الألطاف الخاصة. «لم تخلق عبادك لفاقة» رد لشبهتهم أنه (1)، لو كان معللا بالغرض لزم النقص، و الاستكمال، بأنه (2) لا يرجع الكمال إليه تعالى بل إلينا، و قوله «و لا كلفتهم إلا دون الطاقة» رد على الأشعرية القائلة بجواز تكليف ما لا يطاق بل بوقوعه، بناء على عدم قدرة العبد مع تكليفه تعالى بالأوامر و النواهي، بل قال إنه تعالى لم يكلف إلا أقل من الطاقة بكثير، فإنه مع قدرته على صلاة ألف ركعة بل أكثر في كل يوم و ليلة كلفه بسبع عشرة ركعة و كذا في باقي العبادات و النواهي و قوله «و إنك ابتدأتهم إلخ» أي أقول: إن خلق العالم سيما الإنسان نشأ من محض رحمة وجوده تعالى كما قال تعالى (الرَّحْمٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسٰانَ عَلَّمَهُ الْبَيٰانَ) (3) و قوله «و عرضتهم إلخ» يعني أن الحكمة اقتضت تعريضهم لاستحقاق الرحمة و الثواب، فإنه النفع المقارن للتعظيم و الإجلال و يقبح بدون الاستحقاق بسبب الأعمال.

و لما لم يمكن التكليف إلا بإكمال الآلات و أعظمها العقل بل هو المخاطب و المعاتب و المثاب و المعاقب قال «فأكملت لكل مكلف عقله» و هذا الإكمال هو التكليفي الذي يحصل غالبا قبل البلوغ بالتدريج «و أوضحت له سبيله» الخير و الشر كما قال تعالى وَ هَدَيْنٰاهُ النَّجْدَيْنِ (4) و لما كان العقل غير مستقل في جميع الأمور و إن عرف بعض

7

الْمُخْبِرِ الصَّادِقِ مَا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِهِ فَبَعَثْتَ رُسُلَكَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ* وَ أَمَرْتَهُمْ بِنَصْبِ حُجَجٍ مَعْصُومِينَ يَدْعُونَ إِلَى سَبِيلِكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكَ حُجَّةٌ بَعْدَهُمْ

____________

الأمور فلا يعرف بعضها و احتاج في الجميع أو في الأكثر إلى مخبر صادق عن الله كما احتاج إلى الآلات و كما أنه يقبح التكليف بدون إعطاء آلة التكليف كذلك يقبح بدون الحجة أشار إلى ذلك بقوله» و لم تكلف إلخ «و قوله» فبعثت رسلك إلخ» كالنتيجة للمقدمات المذكورة لوجوب إرسال الرسل حال كونهم «مبشرين» بالثواب و القرب و «مخوفين» من العقاب و البعد.

و لما كانت الحكمة مقتضية لعدم تأبيد الرسل و لا يمكن خلو الدنيا من الحجة من حيث اللطف و وجب نصب الإمام على الله تعالى بنص الرسول الوجوب العصمة التي لا يمكن معرفتها للعباد- قال «و أمرتهم» أي أمرت الرسل «بأن ينصبوا و ينصوا على الحجج المعصومين» أو كل حجة على أخرى حتى ينقضي الدنيا «حتى يدعو» الناس «إلى سبيل الله بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» و الحكمة هو القرآن و الموعظة هو السنة، و الباء للملابسة على الظاهر كما ورد في المتواتر عن سيد المرسلين (صلى الله عليه و آله): إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (1) فإن الحجة لا يفترق عن الكتاب و لا يعرف معنى الكتاب إلا الحجة، فالكتاب معهم و نزل في بيوتهم و كذا السنة القائمة معهم لعصمتهم، بل يجب عصمتهم لحفظهما عن التغيير و التبديل من المحرفين و قوله «لئلا يكون إلخ» إشارة إلى قوله تعالى لِئَلّٰا يَكُونَ لِلنّٰاسِ عَلَى اللّٰهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (2) يعني لو لم ينصب الله تعالى الحجة و ضل العباد لعدم العلم فيكون لهم حجة عليه تعالى بأنك ما هديتنا حتى ضللنا و أضللنا و قوله

8

وَ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ فَعَظَّمْتَ بِذَلِكَ مِنَّتَكَ عَلَى بَرِيَّتِكَ وَ أَوْجَبْتَ عَلَيْهِمْ حَمْدَكَ فَلَكَ الْحَمْدُ عَدَدَ مَا أَحْصَى كِتَابُكَ وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ وَ تَعَالَيْتَ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً

____________

«و لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ إلخ» (1) يعني إذا نصب الله الحجة، و هلك هالك بعد البيان و الوضوح فيكون بذنبه، لا من الله- و كذا إن اهتدى مهتد بعد الوضوح فبحسن اختياره استحق الثواب، و هذا رد لما يقوله الجهلة (2) من أن الإمامة باختيار الأمة بإجماعهم أو ببيعتهم و لو كان من واحد من الأمة فإنه بها يصير إماما و يجب على الناس مبايعته و متابعته- و لو كان يزيد، أو معاوية- بل كل واحد من سلاطين الجور، و يجب قتل مخالفيه و لو كان الحسن، و الحسين (عليهما السلام) كما قال إمامهم الرازي، و سيدهم الشيرازي و فاضلهم التفتازاني (3): في الأربعين، و شرح المواقف، و شرح المقاصد، و غيرهم من فضلائهم، فانظر بعين الإنصاف و لا تتبع الآباء و الأسلاف كما قال الكفار إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَ (4).

و قوله «فعظمت بذلك إلخ» يعني بسبب هذه الألطاف الكثيرة جلت و عظمت نعمتك على جميع الخلائق، و لم تهملهم سدى و لم تتركهم مهملين «فلك الحمد بعدد الأشياء التي أحصاها كتابك» و قلت وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ (5) و المشهور أنه اللوح المحفوظ و كل شيء فيه مما كان و ما سيكون أبد الدهر، و بعد ذلك ترقى بقوله «و أحاط به علمك» فإنه محيط بما لا يتناهى و قوله «و تعاليت إلخ» إشارة إلى أنه متعال عن هذه الأفعال الشنيعة التي ينسبها إليه تعالى كل العامة مما ذكر و غيره «علوا كبيرا» و بعيد هو تعالى عنه بعدا عظيما.

9

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ السَّعِيدُ الْفَقِيهُ نَزِيلُ الرَّيِّ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ الْقُمِّيُّ مُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ (قدس الله روحه)

____________

«قال الشيخ الإمام السعيد أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين إلخ». الظاهر أن هذا المدح منه و كان مقررا عند القدماء بالمقدار المعلوم عندهم، فإن شيخيته و إمامته كانتا ظاهرتين، و حصل سعادته بدعاء المعصوم له، فإنه روى الشيخ الجليل النجاشي في ترجمة أبيه علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، (1) أبو الحسن شيخ القميين في عصره و متقدمهم و فقيههم و ثقتهم، كان قدم العراق و اجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) (2) و سائله مسائل ثمَّ كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر بن الأسود (3) يسأله أن يوصل له رقعة إلى الصاحب (عليه السلام)، و يسأله فيها الولد فكتب إليه:

قد دعونا الله لك بذلك و سترزق ولدين ذكرين خيرين (4)، فولد له أبو جعفر و أبو عبد الله من أم ولد، و كان أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله (5) يقول سمعت أبا جعفر يقول (6) أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر (عليه السلام) و يفتخر بذلك انتهى.

و بالجملة- فجلالة المصنف أشهر من أن يوصف و أكثر من أن ينقل- لكن مدح نفسه لإظهار كرامة صاحب الأمر (عليه السلام)، و وصف نفسه بالفقه لوجوبه على قول بعض الأصحاب، أنه يجب على الفقيه إظهار كونه فقيها ليتبعه الناس، و الظاهر من الفقيه في عرف القدماء، المحدث العالم و هو قريب من عرف المتأخرين و هو المجتهد، و لما لم يعرف هذا اللقب من الإمام لا يلقبون به إلا الساعي في عبادة الله تعالى، لا العالم بالأحكام الشرعية الفرعية المستدل على أعيانها و غير ذلك من التعريفات، و إن كان هذا داخلا في

10

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمَّا سَاقَنِي الْقَضَاءُ إِلَى بِلَادِ الْغُرْبَةِ وَ حَصَلَنِي الْقَدَرُ مِنْهَا بِأَرْضِ بَلْخَ مِنْ قَصَبَةِ إِيلَاقَ وَرَدَهَا الشَّرِيفُ الدَّيِّنُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِنِعْمَةَ وَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَدَامَ بِمُجَالَسَتِهِ سُرُورِي وَ انْشَرَحَ بِمُذَاكَرَتِهِ صَدْرِي وَ عَظُمَ بِمَوَدَّتِهِ تَشَرُّفِي لِأَخْلَاقٍ قَدْ جَمَعَهَا إِلَى شَرَفِهِ مِنْ سَتْرٍ وَ صَلَاحٍ وَ سَكِينَةٍ وَ وَقَارٍ وَ دِيَانَةٍ وَ عَفَافٍ وَ تَقْوَى وَ إِخْبَاتٍ

____________

مفهوم المجتهد أيضا لغة و عرفا، و يطلق الفقيه على العالم التارك للدنيا الراغب في الآخرة أيضا كما يظهر من الخبر- و يمكن أن يكون التلقيبات من التلامذة.

«أما بعد فإنه لما ساقني إلخ» أشار بهذه العبارة إلى تقدم القضاء على القدر كما هو الظاهر من الأخبار و قوله «بها» الباء بمعنى في أو للسببية و الضمير للغربة، يعني لما وقعت بسبب القضاء و القدر في الغربة أو بسببها أو في بلادها «بأرض بلخ» الذي هو «من قصبة إيلاق» أو بالعكس على أن يكون من للتبيين، و الظاهر أن لفظة إيلاق تركية علم لتلك الحدود أو لقصبة منها، و بلخ بالعكس قوله «و ردها» جواب لما، يعني بعد دخولي إلى القصبة و ردها «الشريف» أو كان واردا قبلي، و الشريف يطلق على الهاشمي مطلقا و على العلوي و على الحسني و الحسيني «الدين» بمعنى المتعبد «و أبو عبد الله» كنيته، و كذا كل مصدر باب أو أم أو ابن أو بنت «و النعمة» لقبه، و كذا كل ما يدل على مدح أو ذم «و محمد» اسمه و يصل بخمس وسائط إلى المعصوم (عليه السلام) «فدام بمجالسته سروري» يعني بسبب مجالسته كنت مسرورا دائما، و تنور صدري بسبب مذاكرتي معه في العلوم «و عظم بسبب مودته» لي أو مودتي له «تشرفي» و كما لي بسبب صفات كمال «جمعها» مع السيادة و هي «الستر» يعني لا يظهر منه عيب و نحن مكلفون بالظاهر أو لم يكن له عيب و كان «صلاحه» و ورعه ظاهرا «و السكينة» حضور القلب مع الله تعالى «و الوقار» كون البدن موافقا لرضاه تعالى، أو أن لا يكون عجولا مستخفا أو بالعكس «و الديانة» هي التدين بالأعمال الصالحة «و العفاف»

11

فَذَاكَرَنِي بِكِتَابٍ صَنَّفَهُ- مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُتَطَبِّبُ الرَّازِيُّ وَ تَرْجَمَهُ بِكِتَابِ مَنْ لَا يَحْضُرُهُ الطَّبِيبُ- وَ ذَكَرَ أَنَّهُ شَافٍ فِي مَعْنَاهُ وَ سَأَلَنِي أَنْ أُصَنِّفَ لَهُ كِتَاباً فِي الْفِقْهِ وَ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ وَ الشَّرَائِعِ وَ الْأَحْكَامِ مُوفِياً عَلَى جَمِيعِ مَا صَنَّفْتُ فِي مَعْنَاهُ وَ أُتَرْجِمُهُ

____________

هو الورع عن محارم الله «و التقوى» يجمعها «و الإخبات» الخضوع و الخشوع لله تعالى.

«فذاكرني» أي ذكرني أو ذكر عندي كتابا صنفه (محمد بن زكريا المتطبب) و إنما وصفه بهذه الصيغة التي يذكر غالبا لمن لم يكن على صفة وصف نفسه بها، مع أن هذا الرجل من أجلاء الأطباء، لمن ورد في الخبر من النهي عن تسمية غير الله تعالى به، فإن الطبيب بمعنى الشافي و هو الشافي كما قال تعالى وَ إِذٰا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (1) بلفظ الحصر و قد يطلق على العالم بالطب المعالج «الرازي» يعني أنه من أهل الري و الزاي من إلحاقات النسب كالمروزى لأهل مرو «و ترجمة» أي سماه بكتاب من لا يحضره الطبيب» يعني هذا الكتاب طبيب بالنسبة إلى من لا يحضر عنده طبيب، و يمكنه الرجوع إليه باعتبار كثرة الفروع و نهاية الإيضاح «و ذكر» السيد» أن هذا الاسم مطابق للمسمى «و هو بهذه المثابة «و سألني أن أصنف لأجله كتابا في الفقه» و هو مجمل و البواقي تفسيره أو يخص الفقه بالعبادات «و الحلال و الحرام» بالعقود و بعض الإيقاعات كالأطعمة و الأشربة و الطلاق و توابعه «و الشرائع» ينافيها «و الأحكام» بالباقي أو الشرائع و الأحكام بالباقي (2) مع إدخال جميع الإيقاعات في الحلال و الحرام، أو يكون البواقي عطفا على الفقه تفسيرات له، و المشهور بين المتأخرين في تقسيم الفقه أن المقصود منه إما الآخرة و هو العبادات أولا فإن احتاج إلى الصيغة، فإن كان من الطرفين فهو العقود أو من طرف واحد فهو الإيقاعات كالطلاق، أو لا يحتاج إلى الصيغة فهو الأحكام كالحدود، و قسم بتقسيمات أخر ليس هذا موضع ذكرها (موفيا) يعني مشتملا «على جميع ما

12

بِكِتَابِ مَنْ لَا يَحْضُرُهُ الْفَقِيهُ- لِيَكُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُهُ وَ عَلَيْهِ مُعْتَمَدُهُ وَ بِهِ أَخْذُهُ وَ يَشْتَرِكَ فِي أَجْرِهِ مَنْ يَنْظُرُ فِيهِ وَ يَنْسَخَهُ وَ يَعْمَلَ بِمُودَعِهِ هَذَا مَعَ نَسْخِهِ لِأَكْثَرِ مَا صَحِبَنِي مِنْ مُصَنَّفَاتِي وَ سَمَاعِهِ لَهَا وَ رِوَايَتِهَا عَنِّي وَ وُقُوفِهِ

____________

صنفت في أبواب الفقه أو الأعم منه و من غيره على نسخة المجهول، فإن دأب المحدثين سابقا إفراد كل فن من الفقه بكتاب كما يظهر من النجاشي و الفهرست و أول من جمع أبوابه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني رضي الله عنه، ثمَّ الصدوق (رحمه الله) في هذا الكتاب، و كتاب مدينة العلم و هو كما ذكر أكبر من هذا الكتاب بكثير، و كان عند الشهيد الثاني (رحمه الله) و كان شيخنا البهائي (قدس الله سره) يذكر في المجلس أنه كان عند أبي، و إلى الآن لم يصل إلينا «و أترجمه» يعني أن الرازي صنف كتابا و سماه بهذا الاسم، التمس منك أن تصنف كتابا جامعا و تسميه بكتاب «من لا يحضره الفقيه» بمعنى أن كل من لم يكن عنده فقيه- يجوز له العمل به و إن كان الظاهر أن من كان عنده فقيه أيضا يجوز له العمل به في عرف المحدثين لأنه خبر و ليس بفتوى حتى يموت بموت قائله، لكن المعروف عندهم عدم العمل بالوجادة إذا أمكنهم النقل من المحدث «ليكون إلخ» أي ليكون رجوع الشريف إلى هذا الكتاب، و يعتمد عليه و يأخذ به و ليشترك في أجر السيد كل من ينظر فيه و يكتبه و يعمل بما فيه، على سبيل القلب رعاية لجلالته، و يحتمل أن يكون المستتر في يشترك راجعا إلى السيد و البارز في أجره راجعا إلى الكتاب، و قوله «من ينظر فيه» بدله أو يكون مفعولا ليشترك على الحذف و الإيصال أو يكون مبهما يفسره ما بعده كما هو ظاهر المقام، فإن المراد شركة السيد لغيره باعتبار كونه سببا، و من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيمة. و قوله «هذا مع نسخه إلخ» يعني وقع منه هذا السؤال مع أنه نسخ أكثر ما كان معي من مصنفاتي مع سماع أكثرها في روايتها أي رواية مجموعها أو أكثرها عني يعني بطريق الإجازة و الإخبار، و مع صيرورته واقفا و مطلعا على

13

عَلَى جُمْلَتِهَا وَ هِيَ مِائَتَا كِتَابٍ وَ خَمْسَةٌ وَ أَرْبَعُونَ كِتَاباً فَأَجَبْتُهُ أَدَامَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ إِلَى ذَلِكَ لِأَنِّي وَجَدْتُهُ أَهْلًا لَهُ وَ صَنَّفْتُ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ بِحَذْفِ الْأَسَانِيدِ لِئَلَّا تَكْثُرَ طُرُقُهُ وَ إِنْ كَثُرَتْ فَوَائِدُهُ وَ لَمْ أَقْصِدْ فِيهِ قَصْدَ الْمُصَنِّفِينَ فِي إِيرَادِ جَمِيعِ مَا رَوَوْهُ بَلْ قَصَدْتُ إِلَى إِيرَادِ

____________

جملتها، و يمكن أن يكون الوقوف على جملتها بأن يكون بعضها بالسماع و بعضها بالإجازة التي رويت من طريق عبد الله بن سنان كما سيجيء إن شاء الله تعالى، بأن قرأ من كل كتاب حديثا من أوله و حديثا من وسطه و حديثا من آخره أو ذكر الكتاب مجملا حين الإجازة أنه كتاب الصلاة مثلا أو يكون الوقوف بعنوان المطالعة. «و هي» أي الكتب «ماتا كتاب و خمسة و أربعون كتابا» يعني حين الإجازة كان مصنفاته هذا المقدار، أو يكون الضمير راجعا إلى المصنفات المصحوبة معه، و لا ينافي كونها أكثر فإنه نقل كتبه بأسمائها شيخ الطائفة و النجاشي و تقرب من ثلاثمائة مصنف «فأجبته أدام الله توفيقه» سائلا من الله دوام توفيقه فإنه كان موقفا «إلى ذلك» يعني أجبت ملتمسه «لأنه أهل لأن يجاب» في كل ما التمس لورعه و تقواه، و إجابة التماس المؤمن أحد حقوقه اللازمة كما سيجيء إن شاء الله «و صنفت له هذا الكتاب بحذف الأسانيد» أي كلها كما هو ظاهر العبارة أو بعضها كما هو الواقع، و على الأول يحمل كلامه على أنه كان في باله أن يحذف الأسانيد «لئلا يحجم الكتاب» و يتعسر على الطالبين كتابته و يهجر و بعد ذلك تنبه بأن يذكر صاحب الكتاب و يروي عنه و يذكر طريقه إليه في الفهرست، و لنعم ما فعل، فإن الظاهر أنه لم يسبقه إليه و لم يلحقه أحد من العامة و الخاصة و فوائده كثيرة مع قطع النظر عن الاختصار و قوله «و إن كثرت فوائده» يشير إلى أن ما فعل للاختصار ظاهره الفتوى و إن كان متون الأخبار، لكن يوهم كونه فتوى و لا يعمل به بعده و لا الفقيه أيضا في حياته، و لو علم الفقيه أيضا أنه رواية فهو عنده مرسل مع ورود الخبر بالنهي عن الإرسال و اعتذر عن إرساله بأنه «لم يقصد في هذا الكتاب ما يقصده المصنفون من إيراد جميع ما نقل إليه» كما كان أكثرهم يفعلون «و رووه» بصيغة المجهول مخففا كما هو دأب المحدثين في نقل

14

مَا أُفْتِي بِهِ وَ أَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ وَ أَعْتَقِدُ فِيهِ أَنَّهُ حُجَّةٌ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَ رَبِّي تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ وَ تَعَالَتْ قُدْرَتُهُ وَ جَمِيعُ مَا فِيهِ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ كُتُبٍ مَشْهُورَةٍ عَلَيْهَا الْمُعَوَّلُ وَ إِلَيْهَا الْمَرْجِعُ مِثْلُ كِتَابِ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السِّجِسْتَانِيِّ وَ كِتَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ وَ كُتُبِ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ الْأَهْوَازِيِّ وَ كُتُبِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ وَ نَوَادِرِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى-

____________

الحديث- بعنوان رويناه و رويت- و بالمعلوم من أغلاط العوام، و بالمشدد من التصحيف، و إن أمكن إصلاحه لكن ليس دأبهم كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى «بل قصدت (إلى قوله) تقدس ذكره» أي تنزه ذكره عن أن يطلق على غيره و إن كان اللفظ مشتركا لفظا كما في العالم و القادر، فإنهما في الواجب عين الذات و لا يمكن فهم كنههما، و في الممكن معنى عرضي يمكن إدراكه و فهمه أو يكون الذكر مقحما بمعنى تنزه ذاته «و تعالت قدرته» عن الإدراك أو عن المناسبة «و جميع ما في هذا الكتاب استخرجته من كتب مشهورة» بين المحدثين بالانتساب إلى مصنفها و رواتها و الظاهر أن المراد بالشهرة التواتر «عليها المعول» يعني كلها محل اعتماد الأصحاب «و إليها رجوعهم» مثل كتاب (حريز بن عبد الله السجستاني) الذي ذكر حماد عند الصادق (عليه السلام): إني أعمل به و قرره عليه و كان معمولا عليه عند الأصحاب مع ثقته و جلالة قدره و عظم منزلته عندهم و غيره من كتبه و كتاب «عبيد الله بن علي الحلبي» الذي عرضه على الصادق و صححه و مدحه و جميع المحدثين كانوا على العمل به مع ثقته و جلالته «و كتب علي بن مهزيار الأهوازي» المخصوص بالرضا و الجواد و الهادي (صلوات الله عليهم)، و خرجت إلى الشيعة فيه توقيعات بكل خير، و كان وكيلا لهم و كان عظيم المحل عند الجواد (عليه السلام) و الهادي (عليه السلام). و بالجملة فثقته و جلالته أشهر و أعظم من أن يذكر و كان له ثلاثة و ثلاثون كتابا، و لاختصاصه بالأئمة (عليهم السلام) اعتبر كتبه جل أرباب الحديث و كان عملهم عليها «و كتب الحسين بن سعيد الأهوازي» فإنه أيضا ثقة جليل القدر عظيم الشأن و كان راوي الأئمة الثلاثة (صلوات الله عليهم) و كان له ثلاثون كتابا كلها معتمد أرباب الحديث «و نوادر أحمد بن محمد بن عيسى» شيخ القميين و فقيههم

15

وَ كِتَابِ نَوَادِرِ الْحِكْمَةِ تَصْنِيفِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ الْأَشْعَرِيِّ وَ كِتَابِ الرَّحْمَةِ لِسَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ جَامِعِ شَيْخِنَا مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ نَوَادِرِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ وَ كُتُبِ الْمَحَاسِنِ لِأَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ- وَ رِسَالَةِ أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَيَّ

____________

و ثقتهم، و هو أيضا روى عن الأئمة الثلاثة (صلوات الله عليهم) و كتبه نفيسة، و الظاهر أنها باعتبار النفاسة سميت بالنوادر، و يفهم من بعض أنه كتاب واحد مسمى بالنوادر لنفاسة أحاديثه و ثقة رواته و له كتب أخر و الصدوق يروي من نوادره أو من الجميع و تخصيصه بالذكر لنفاسته «و كتاب نوادر الحكمة كتاب كبير صنفه محمد بن أحمد ابن يحيى بن عمران الأشعري» و الأشعريون طائفة من العرب كانوا في قم، و هذا الشيخ أيضا ثقة جليل القدر كثير الرواية و الأصحاب يعتمدون على كتابه إلا ابن الوليد فإنه استثنى من كتابه ما رواه عن جماعة و الصدوق لا يروي مما يروي عن هؤلاء.

«و كتاب الرحمة لسعد بن عبد الله» بن أبي خلف شيخ هذه الطائفة و فقيهها و ثقتها و وجهها، لقي الإمام الحسن العسكري و صاحب الزمان (عليهما السلام) و له حكاية نفيسة في كتاب كمال الدين و تمام النعمة- و كان كتابه معتمد الطائفة المحقة الاثني عشرية بل كتبه «و جامع شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد رضي الله عنه» شيخ القميين و فقيههم و متقدمهم و ثقتهم و وجههم جليل القدر عظيم الشأن، و بالجملة كان جامعه مرجوعا إليه معتمدا عليه «و نوادر محمد بن أبي عمير» الذي كان من أوثق الناس عند الخاصة و العامة و أنسكهم نسكا و أورعهم و أعبدهم، و أدرك من الأئمة موسى بن جعفر و علي بن موسى الرضا و محمد بن علي الجواد (صلوات الله عليهم)، و روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى كتب مائة رجل من أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، و صنف أربعا و تسعين كتابا و أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و الإقرار له بالفقه «و كتب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقي» و هو ثقة و صنف كتبا كثيرة و كتابه المحاسن موجود عندنا و هو كتاب حسن و قد أكثر الرواية عنه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني بواسطة محمد بن يحيى العطار و أحمد بن إدريس و غيرها «و رسالة أبي رضي الله عنه إلي» قد ذكرنا حاله فيما سبق (1)

16

وَ غَيْرِهَا مِنَ الْأُصُولِ وَ الْمُصَنَّفَاتِ الَّتِي طُرُقِي إِلَيْهَا مَعْرُوفَةٌ فِي فِهْرِسِ الْكُتُبِ الَّتِي رُوِّيتُهَا عَنْ مَشَايِخِي وَ أَسْلَافِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ بَالَغْتُ فِي ذَلِكَ جُهْدِي مُسْتَعِيناً بِاللَّهِ وَ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ وَ مُسْتَغْفِراً مِنَ التَّقْصِيرِ وَ مٰا تَوْفِيقِي إِلّٰا بِاللّٰهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ وَ هُوَ حَسْبِي وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ

____________

«و غيرها من الأصول و المصنفات» (1) «التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رؤيتها عن مشايخي و أسلافي» أي وصل عنهم الرواية إلى «رضي الله عنهم و بالغت في ذلك جهدي» و ذكر الفهرست في آخر الكتاب، و سنذكر حال كل واحد منهم بما تيسر إن شاء الله تعالى حال كوني «مستعينا بالله، و متوكلا عليه و مستغفرا من التقصير وَ مٰا تَوْفِيقِي إِلّٰا بِاللّٰهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ» أي في كل الأمور سيما في تصنيف هذا الكتاب «وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ» أي أرجع إليه «و هو حسبي» أي محسبي و كافي «و نعم الوكيل» أي هو نعم الموكول إليه (2).

17

..........

____________

اعلم- أنه ذكر الصدوق فيما قبل: بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به و أحكم بصحته و اعتقد أنه حجة فيما بيني و بين ربي، فما معنى الإفتاء بما فيه و الحكم بالصحة؟ مع أنه في كثير من الأخبار ينقل الأخبار المتضادة و سنذكرها في محالها إن شاء الله و ما معنى الحكم بالصحة؟ مع أنه يروي عن الضعفاء كثيرا.

فاعلم أن معنى الإفتاء (إما) إنه يفتي أنها وردت عن المعصومين (عليهم السلام) و هو يفتي كما أفتوا، و العمل بها إما على سبيل التخيير (و إما) على سبيل التقية كما أنهم (عليهم السلام) اتقوا فهو أيضا يتقي فيما اتقوا في مكان التقية (و إما) بالجمع بين المتضادات إن أمكن الجمع كما يجمع في بعضها، و فيما لا يجمع يمكنه الجمع و إن لم يجمع (أو) أحال على الفقيه في الجمع، و دأب القدماء في الجمع ليس كدأبنا فيما لا يمكن الجمع في نظرنا و أما الحكم بالصحة فقد ذكر شيخنا و أستاذنا، بل أستاد الكل الإمام العلامة بهاء الدين

18

..........

____________

محمد رضي الله عنه في كتاب مشرق الشمسين: استقر اصطلاح المتأخرين من علمائنا رضي الله عنهم على تنويع الحديث المعتبر و لو في الجملة إلى الأنواع الثلاثة المشهورة أعني الصحيح و الحسن و الموثق، بأنه إن كان جميع سلسلة سنده إماميين ممدوحين بالتوثيق فصحيح- أو إماميين بدونه كلا أو بعضا مع توثيق الباقي فحسن- أو كانوا كلا أو بعضا غير إما إماميين مع توثيق الكل فموثق، و هذا الاصطلاح لم يكن معروفا بين قدمائنا (قدس الله أرواحهم) كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم، بل كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه أو اقترن بما يوجب الوثوق به و الركون إليه و ذلك بأمور:

(منها) وجوده في كثير من الأصول الأربعمائة التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة (سلام الله عليهم) و كانت متداولة لديهم في تلك الأعصار مشتهرة بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار (و منها) تكرره في أصل أو أصلين منها بطرق مختلفة و أسانيد عديدة معتبرة (و منها) وجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم، كزرارة- و محمد بن مسلم- و الفضيل بن يسار- أو على تصحيح ما يصح عنهم كصفوان بن يحيى- و يونس بن عبد الرحمن- و أحمد ابن محمد بن أبي نصر البزنطي- أو على العمل بروايتهم كعمار الساباطي- و نظرائه ممن عدهم شيخ الطائفة في كتاب العدة كما نقله عنه المحقق في بحث التراوح من المعتبر (و منها) اندراجه في أحد الكتب التي عرضت على أحد الأئمة (صلوات الله عليهم) فأثنوا على مؤلفيها، ككتاب عبيد الله بن علي الحلبي الذي عرض على الصادق (عليه السلام)، و كتاب يونس بن عبد الرحمن، و الفضل بن شاذان المعروضين على العسكري (عليه السلام) (و منها) أخذه من الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها و الاعتماد عليها، سواء كان مؤلفوها من الفرقة الناجية الإمامية ككتاب الصلاة لحريز بن عبد الله السجستاني و كتب ابني سعيد- و علي بن مهزيار- أو من غير الإمامية- ككتاب حفص بن غياث القاضي- و الحسين بن عبيد الله السعدي، و كتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري.

و قد جرى رئيس المحدثين ثقة الإسلام محمد بن بابويه (قدس الله روحه) على

19

..........

____________

متعارف المتقدمين من إطلاق الصحيح على ما يركن إليه و يعتمد عليه، فحكم بصحة جميع ما أورده من الأحاديث في كتاب من لا يحضره الفقيه، و ذكر أنه استخرجها من كتب مشهورة عليها المعول و إليها المرجع، و كثير من تلك الأحاديث بمعزل عن الاندراج في الصحيح على مصطلح المتأخرين، و من خرط في الحسان و الموثقات بل الضعاف، و قد سلك على ذلك المنوال، جماعة من أعلام علماء الرجال، فحكموا بصحة حديث بعض الروات الغير الإمامية. كعلي بن محمد بن رباح و غيره، لما لاح لهم من القرائن المقتضية للوثوق بهم و الاعتماد عليهم و إن لم يكونوا في عداد الجماعة الذين انعقد الإجماع على تصحيح ما يصح عنهم.

و الذين بعث المتأخرين (نور الله مرقدهم) على العدول عن متعارف القدماء و وضع ذلك الاصطلاح الجديد هو أنه (لما) طالت الأزمنة بينهم و بين الصدر السالف و آل الحال إلى اندراس بعض كتب الأصول المعتمدة لتسلط حكام الجور و الضلال و الخوف من إظهارها و انتساخها و انضم إلى ذلك اجتماع ما وصل إليهم من كتب الأصول في الأصول المشهورة في هذا الزمان و التبست الأحاديث المأخوذة من الأصول المعتمدة بالمأخوذة من غير المعتمدة و اشتبهت المتكررة في كتب الأصول بغير المتكررة، و خفي عنهم (قدس الله أرواحهم) كثير من تلك الأمور التي كانت سبب وثوق القدماء بكثير من الأحاديث، و لم يمكنهم الجري على أثرهم في تمييز ما يعتمد عليه مما لا يركن إليه، فاحتاجوا إلى قانون يتميز به الأحاديث المعتبرة من غيرها و الموثوق بها عما سواها، فقرروا لنا (شكر الله سعيهم) ذلك الاصطلاح الجديد. و قربوا لنا البعيد و وصفوا الأحاديث المنقولة في كتبهم الاستدلالية بما اقتضاه ذلك الاصطلاح من الحسن و الصحة و التوثيق.

و أول من سلك هذا الطريق من علمائنا المتأخرين شيخنا العلامة جمال الحق و الدين حسن بن مطهر الحلي (قدس الله روحه) ثمَّ إنهم (أعلى الله مقامهم) ربما يسلكون طريقة القدماء في بعض الأحيان فيصفون مراسيل بعض المشاهير، كابن أبي عمير، و صفوان بن يحيى، بالصحة. لما شاع من أنهم لا يرسلون إلا عن عدل يثقون بصدقه بل يصفون بعض الأحاديث التي في سندها فطحي أو ناووسي بالصحة نظرا إلى اندراجهم فيمن أجمعوا

20

..........

____________

على تصحيح ما يصح عنهم انتهى كلامه أعلى الله مقامه. و بالجملة لا ريب في تغاير مصطلح المتقدمين و المتأخرين. مشاحة في الاصطلاح.

لكن هل يجوز لنا العمل باصطلاح القدماء مع خفاء القرائن التي كانت لهم (فإن) قلنا إن الخبر الواحد الصحيح في نفسه حجة كما هو مذهب أكثر المتأخرين، فالظاهر أنه يجوز أن يحكم بصحته كما حكم ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني و رئيس المحدثين محمد بن بابويه القمي (رضي الله عنهما)، فإن تصحيحهما لا يقصر عن توثيق الروات من واحد من علماء الرجال كالشيخ، و النجاشي، و الكشي، فإن الظاهر من تصحيحهم الحديث القول بأنه قال المعصوم يقينا، كما هو الظاهر من تتبع كلامهم، أو ظنا على احتمال، مع أنه لا يحصل من توثيق واحد منهم سوى الظن إذا قلنا إن الجرح و التعديل من باب الخبر (و إن) قلنا إنه من باب الشهادة فيمكن أن يعمل على تصحيح كل واحد منهما، لأن تصحيحهما بمنزلة قال الإمام، و يمكن أن يعمل على تصحيح كل واحد منهما، لأن تصحيحهما بمنزلة قال الإمام، و يمكن أن يقال إنه بمنزلة توثيق الروات فيحتاج في العمل إلى التعدد فإن كان الخبر موجودا في الكافي و الفقيه يعمل به و إلا فلا إلا مع ثقة الروات أو عدالتهم كما يفهم من مقبولة عمر بن حنظلة التي عليها مدار العلماء في الفتوى و الحكم.

و إن قلنا إن خبر الواحد بنفسه ليس بحجة ما لم ينضم إليه قرينة أخرجته من باب الظن إلى باب العلم كما هو طريقة القدماء، و مال إليها صاحب المعتبر، و شيخنا التستري (1) ((رحمهم الله)) فهذا الخبر أيضا كسائر الأخبار الصحيحة يحتاج إلى ضم القرينة، و الظاهر أن مرادهم من العلم الظن المتاخم للعلم كما يفهم من عبارات الشيخ و صاحب المعتبر لا اليقين. فإن الشيخ (رحمه الله) ذكر في ديباجة الاستبصار في ذكر القرائن أن الخبر إذا كان مطابقا لأدلة العقل و مقتضاه أو يكون مطابقا

21

..........

____________

لظاهر القرآن أو عمومه أو دليل خطابه أو فحواه، أو يكون موافقا للسنة المقطوع بها إما صريحا أو دليلا أو فحوى أو عموما- أو يكون مطابقا لما أجمع المسلمون عليه أو لما أجمعت الفرقة المحقة و غير ذلك من الأشياء التي لا تفيد في نظرنا سوى الظن فيصير ظن الخبر بانضمامه قويا معلوما إلا أن يكون موافقا لصريح القرآن أو صريح السنة المتواترة أو الإجماع المعلوم دخول المعصوم فيه، فح لا يظهر للخبر فائدة و كذا من ملاحظة حال المحقق و مقالة في المعتبر و لو لا خوف الإطالة لذكرناها فلاحظ فيظهر حينئذ أن إفراط بعض المعاصرين في حصول العلم بهذه الأخبار حتى في حصوله بكل خبر منسوب إلى الإمام و إن كان من العامة و كذا تفريط بعضهم برد كل الأخبار بناء على أنها آحاد و لا تفيد إلا الظن مع ورود النهي عن اتباعه- خارجان عن الاعتدال، بل الظاهر جواز العمل بالخبر الصحيح الخالي عن القرينة أيضا إلا مع مخالفته لظاهر القرآن و السنة المتواترة بل العمل لغير الصحيح مع انضمام القرائن أيضا كما حققناه في بعض الكتب و سنحققه إن شاء الله في كتاب كبير لأنه اشتبه على كثير من أهل عصرنا باعتبار قول الفاضل الأسترآبادي (رحمه الله) و مال إليه أكثرهم لعدم الغور في كلامه المشتمل على مناقضات شتى و الله الموفق لكل خير. و اعلم أن المشهور بين العلماء أنه يشترط الإجازة بأحد الطرق الستة أو السبعة في نقل الخبر، و الظاهر الاحتياج إليها في الكتب الغير المتواترة لا المتواترة كالكتب الأربعة للمحمدين الثلاثة (رضي الله عنهم) و كالكتب المشهورة عند الأئمة الثلاثة و إنما كان ذكر الطرق لمجرد التيمن و التبرك و لا بأس بأن ننقل بعض طرقنا إليهم و إن كانت تزيد على ألف و نقل أعلى الطرق إليهم، و يظهر منه طرقنا إلى كتب العلماء الذين في هذا السند.

فأخبرني الشيخ الجليل و الإمام النبيل ذو النفس الطاهرة الزكية و الأخلاق الزاهرة الملكية المجتهد في العلم و العمل شيخ فضلاء الزمان، و مربي العلماء الأعيان الزاهد الورع التقي عبد الله بن حسين التستري (رضي الله عنه و أرضاه)، عن الشيخ الأجل الصالح البدل نعمة الله بن أحمد بن محمد بن خاتون العاملي، عن الشيخ

22

..........

____________

الأعظم و الإمام الأعلم رئيس المحققين علي بن عبد العالي، و الفقيه الصالح أبي العباس أحمد بن خاتون (قدس الله أرواحهم)، عن الشيخ الأكمل الأفضل شمس الدين محمد ابن خاتون (رضي الله عنه)، عن الشيخ الأجل جمال الدين أحمد بن حاجي علي العينائي عن الشيخ زين الدين جعفر بن الحسام، عن السيد الأجل الحسن بن أيوب الشهير بابن نجم الدين، عن الإمام العلامة السعيد الشهيد محمد بن مكي رضي الله تعالى عنه ح (1) و أخبرني الشيخ الأعظم و الوالد المعظم الإمام العلامة و ملك الفضلاء و الأدباء و المحدثين بهاء الملة و الحق و الدين محمد العاملي الحارثي الهمداني، عن أبيه الشيخ العلامة و الفاضل الفهامة شيخ الإسلام و المسلمين حسين بن عبد الصمد عن شيخ علماء الإسلام و وحيد فضلاء الزمان أفضل العلماء و أكمل الأدباء زين الدين بن علي بن أحمد (جزاه الله عن الإيمان و المؤمنين أحسن الجزاء)، عن الشيخ الأعلم الأفضل الأكمل العلامة الفهامة مجدد مذهب الشيعة في المائة العاشرة علي ابن عبد العالي الميسي العاملي، عن الإمام السعيد ابن عم الشهيد شمس الدين محمد الشهير بابن المؤذن الجزيني، عن الشيخ ضياء الدين على و الشيخ أبي طالب محمد عن أبيهما الشيخ الإمام الأعظم محيي ما درس من سنن المرسلين محقق حقائق الأولين و الآخرين، محمد بن مكي العاملي (قدس الله روحه).

ح- و عن الشيخ زين الدين، عن الشيخ جمال الدين أحمد و جماعة من الأصحاب عن الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي، عن الشيخ الإمام الأعظم نور الدين علي بن هلال الجزائري، عن الشيخ جمال الدين و قدوة العلماء الماضين أحمد بن فهد رضي الله عنهما، عن الشيخ علي بن الخازن الحائري، عن الشيخ السعيد الشهيد محمد بن مكي رضي الله عنه.

ح- و عن الشيخ زين الدين، عن الشيخ الإمام الحافظ المتقن خلاصة الفضلاء

23

..........

____________

و الأتقياء الشيخ أحمد بن محمد بن خاتون بالإسناد الأول إلى الشهيد (رحمه الله)، عن الشيخ الإمام العالم فخر المحققين و المدققين أبي طالب محمد- و السيد الفاضل الأكمل عميد الدين عبد المطلب الحسيني (1)- و السيد الإمام العلامة محمد بن القاسم بن معية الحسني الديباجي- و السيد الجليل أحمد بن محمد بن زهرة الحلبي- و الشيخ الإمام العلامة سلطان المحققين قطب الدين محمد الرازي- و الشيخ الإمام العلامة أحمد بن يحيى المزيدي- و غيرهم من الفضلاء، عن الشيخ الإمام العلامة سلطان العلماء و ترجمان الحكماء جمال الملة و الحق و الدين الحسن بن الشيخ الإمام سديد الدين يوسف بن علي بن محمد بن مطهر ((قدس الله أرواحهم)، عن الشيخ المحقق شيخ الطائفة في وقته إلى زماننا هذا نجم الدين أبي القاسم جعفر بن سعيد، عن السيد الإمام الجليل الطاهر الأوحد النسابة فخار بن معد الموسوي.

ح- و عن الشهيد (رحمه الله)، عن محمد بن الكوفي عن نجم الدين بن سعيد عن السيد فخار.

ح- و عن الشيخ الشهيد (رحمه الله) عن رضي الدين المزيدي، عن محمد بن صالح عن السيد فخار- و الشيخ العلامة قدوة المذهب السيد السعيد محيي الدين أبي حامد محمد بن أبي القاسم عبد الله بن علي بن زهرة الحسيني الصادقي الحلبي- و الشيخ الإمام العلامة نجيب الدين محمد بن جعفر بن هبة الله بن نما الحلي- عن الشيخ الإمام العلامة المحقق المدقق فخر الدين محمد بن إدريس الحلي- و الشيخ السعيد رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني- و الشيخ الإمام العالم سديد الدين شاذان بن

24

..........

____________

جبرئيل القمي بغير بواسطة (إلا في الشيخ ابن نما فإنه يروي عن شاذان بن جبرئيل بواسطة الشيخ السعيد أبي عبد الله محمد بن جعفر المشهدي)، عن الشيخ الجليل أبي عبد الله جعفر بن محمد الدوريستي (1) عن الشيخ الإمام العلامة سند الطائفة معتمد المذهب أبي عبد الله المفيد محمد بن محمد بن النعمان، عن رئيس المحدثين محمد بن بابويه، و عن المفيد عن الشيخ الإمام الفقيه أبي القاسم جعفر بن قولويه، عن الشيخ الإمام ثقة الإسلام المعظم بين الخاص و العام محمد بن يعقوب الكليني رضي الله عنهم أجمعين ح- و عن الشيخ شاذان، عن الشيخ الفقيه عبد الله بن عمر الطرابلسي، عن القاضي عبد العزيز بن براج، عن الشيخ أبي الفتح محمد بن عثمان الكراجكي جميع تصانيفهما و عن القاضي جميع مصنفات الشيخ الفقيه السعيد خليفة المرتضى في البلاد الچلپية أبي الصلاح تقي بن نجم الحلي.

ح- و عن الشيخ شاذان، عن أبي القاسم العماد محمد بن أبي القسم الطبري، عن الشيخ الجليل الفقيه النبيه أبي علي الحسن، عن أبيه الشيخ الإمام علامة الطائفة و شيخها و فقيهها و ثقتها و وجهها أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي بكتبه و رواياته، عن المفيد بكتبه و رواياته، عن ابن بابويه بكتبه و رواياته، عن ابن قولويه بكتبه و رواياته، عن محمد بن يعقوب بكتبه و رواياته، سيما كتابه الكافي و هو خمسون كتابا بالأسانيد التي فيه لكل حديث متصلة بالأئمة (عليهم السلام).

ح- و بالإسناد إلى الشيخ أبي طالب محمد بن شيخنا الشهيد جميع مصنفات و مرويات والده، و الشيخ فخر الدين بن المطهر بغير واسطة بإجازة سبقت منه إليه ح- و بالإسناد إلى الشيخ أبي طالب محمد بن شيخنا الشهيد جميع مصنفات و مرويات والده، و الشيخ فخر الدين بن المطهر بغير واسطة بإجازة سبقت منه إليه ح- و بالإسناد المتقدم إلى المزيدي جميع مصنفات و مرويات الشيخ الفقيه الأديب النحوي العروضي تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي، و عنه (قدس الله روحه) مصنفات و مرويات الشيخ أبي القاسم نجم الدين جعفر بن سعيد الحلي- و جميع مصنفات

25

..........

____________

و مرويات السيد الإمام العلامة جمال الدين أبي الفضائل أحمد بن موسى بن جعفر بن الطاوس الحسني (قدس الله روحه الزكية)- و جميع مصنفات و مرويات ولده السعيد غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن طاوس صاحب المقامات و الكرامات و غيرهم.

ح و عن السيد غياث الدين جميع مصنفات و مرويات الإمام السعيد المحقق سلطان العلماء و الحكماء و الفقهاء و الوزراء نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (قدس الله روحه).

ح- و عن العلامة عن والده سديد الدين يوسف، و عن المحقق نجم الدين و ابن عمه الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد، و السيد بن الزاهدين الإمامين البدلين رضي الدين أبي القاسم علي، و جمال الدين أبي الفضائل أحمد ابني طاوس الحسني ((رحمهم الله)) جميع مصنفاتهم و مؤلفاتهم و مروياتهم عنهم بغير واسطة- و عن الجماعة كلهم جميع مصنفات و مرويات نجيب الدين بن نما، و السيد فخار بن معد الموسوي، و السيد عبد الله بن زهرة- و عن الثلاثة جميع مصنفات و مرويات الشيخ الجليل محمد بن إدريس و الشيخ السعيد محمد بن شهرآشوب و شاذان بن جبرئيل القمي.

ح- و بالإسناد عن السيد فخار جميع مصنفات الشيخ أبي زكريا يحيى بن البطريق و رواياته و جميع مصنفات الشيخ الإمام المحقق عميد الرؤساء هبة الله بن حامد بن أحمد ابن أيوب عنهما بغير واسطة.

ح- و عن الشيخ محمد بن إدريس جميع مصنفات السيد حمزة بن زهرة الحلبي و جميع مصنفات و مرويات الشيخ عربي بن مسافر العبادي و الشيخ نجم الدين عبد الله بن جعفر الدوريستي، و عن الشيخ شاذان بن جبرئيل جميع مصنفات و مرويات الدوريستي تلميذ الشيخ المفيد و صاحب كتاب الكفاية و غيره- و عن الشيخ أبي جعفر الطوسي رضي الله عنه بالإسناد المتقدم مصنفات و مرويات السيد المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي، و أخيه السيد الرضي رضي الله تعالى عنهما- و مصنفات الشيخ سلار بن عبد العزيز و مصنفات و مرويات الشيخ أبي عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري، و مصنفات و مرويات الشيخ الجليل أبي عمرو الكشي بواسطة الشيخ الجليل هارون بن موسى التلعكبري،

26

..........

____________

و جميع مصنفات و مرويات الشيخ المفيد عن الصدوق بكتبه عن الكليني بكتبه بواسطة ابن قولويه.

ح- و عن محمد بن شهرآشوب عن السيد أبي الصمصام ذي الفقار بن معبد الحسني عن الشيخ الجليل أبي العباس أحمد بن علي النجاشي كتبه التي من جملتها كتاب الرجال و إنما أطلنا الكلام هنا لعموم البلوى و لتجديد أمر الإجازة لكافة من عاصرني لئلا ينساني من ينظر إلى كتابي و يروي الأخبار بإجازتي و ينتفع من العلوم بأخباري نفعنا الله و إياهم بها بجاه محمد و آله الطاهرين.

و اعلم أن طرق الإجازة التي اعتبرها العلماء أعلاها قراءة الشيخ على السامع و بعدها العكس، و بعدها السماع حين القراءة على الشيخ، و بعدها أو بعد الأولى على احتمال قراءة الشيخ على الراوي حديثا من أول الكتاب، و حديثا من وسطه، و حديثا من آخره كما روي في الصحيح عن عبد الله بن سنان: قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يجيئني القوم فيسمعون مني حديثكم فأضجر و لا أقوى: قال فاقرأ عليهم من أوله حديثا، من وسطه حديثا و من آخره حديثا (1) و بعدها المناولة، بأن يناول الشيخ كتابا إلى الراوي و يقول له هذا الكتاب من مروياتي عن الإمام، أو عن الشيخ إلى الإمام، فاروه عني مثلا، أو لم يقل لكن علم الراوي أنه من مروياته فإن الظاهر الجواز أيضا كما روي في الكافي بإسناده، عن أحمد بن عمر الحلال: قال قلت لأبي الحسن الرضا (صلوات الله عليه): الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب و لا يقول اروه عني يجوز لي أن أرويه عنه، قال: فقال إذا علمت أن الكتاب له فاروه عنه (2).

ثمَّ الإجازة بأن يقول الشيخ أجزت لك أن تروي عني هذا الكتاب أو جميع كتبي أو جميع ما صح عندك أنه من روايتي، ثمَّ الوجادة بأن يجد كتابا يعلم أنه من خط شيخه أو من روايته كما إنا نعلم أن الكتب الأربعة من مصنفات و مرويات الأئمة الثلاثة رضي الله عنهم كما يظهر من عموم جواب الخبر السابق و يفهم من الخبر الذي رواه

27

..........

____________

ثقة الإسلام في الصحيح، عن محمد بن الحسن بن أبي خالد قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) جعلت فداك إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) و كانت التقية شديدة، فكتموا كتبهم فلم ترو (1) عنهم فلما ماتوا صارت الكتب إلينا فقال حدثوا بها فإنها حق (2) و في الموثق كالصحيح عن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها (3) و بإسناده إلى المفضل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) اكتب و بث علمك في إخوانك فإن مت فأورث كتبك بنيك فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتهم (4).

و هذا الخبر كما يظهر من عمومه العمل بالوجادة يدل على رجحان الكتابة و النقل، إما على الوجوب كما هو ظاهر الأمر أو على الاستحباب على احتمال، و يدل عليه أيضا ما رواه في الصحيح عندي، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا- (5) و رواه في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال القلب يتكل على الكتابة. (6)

و الذي يدل على مرجوحية الإرسال ما رواه مرفوعا قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إياكم و الكذب المفترع: قيل له و ما الكذب المفترع قال إن يحدثك الرجل بالحديث فتتركه و ترويه عن الذي حدثك عنه (7) و بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا حدثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدثكم به، فإن كان حقا فلكم و إن كان كذبا فعليه (8).

و يدل على رجحان الأعراب أو النقل بالعربي أو الأعم ما رواه في الصحيح عن جميل بن دراج قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء (9) و يدل على رجحان النقل باللفظ ما رواه في الموثق أو الصحيح عن أبي بصير قال: قلت

28

..........

____________

لأبي عبد الله (عليه السلام) قول الله جل ثناؤه: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

قال: هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه لا يزيد فيه و لا ينقص منه (1) و ما رواه بإسناده عن عمرو بن أبي المقدام قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام) في أول دخلة دخلت عليه تعلموا الصدق قبل الحديث (2) انتهى.

و ربما كذب في النقل بالمعنى و لا يعلم و يؤيده الخبر المتواتر معنى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها كما حفظها فرب حامل فقه غير فقيه و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه (3) و يدل على الجواز مع المعرفة بأساليب الكلام ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أسمع الحديث منك فأزيد و أنقص قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس (4) و غيرها من الأخبار.

فائدة اعلم أنه ذكر سابقا أن الظاهر صحة الأخبار التي ذكرها ثقة الإسلام في الكافي و التي ذكرها الصدوق في هذا الكتاب بشهادة الشيخين الأكملين بصحتها، لكن مع القول بالصحة إن عملنا باصطلاح المتأخرين في هذا الكتاب يكون مرادنا الأصحية كما يظهر من مقبولة عمر بن حنظلة، فإن الظاهر أن الشيخين نقلا جميع ما في الكتابين من الأصول الأربعمائة التي كان اعتماد الطائفة المحقة عليها كما ذكره الصدوق صريحا و يفهم من كلام ثقة الإسلام أيضا، بل الظاهر أن مرادهما بالصحة غير الصحة المتعارفة بين المتأخرين من صحة الطرق التي كان رواتها ثقات أعم من أن يحصل بالخبر العلم أو الظن أو لا يحصل شيء منهما بل مرادهما بالصحة غير الصحة المتعارفة بين المتأخرين من صحة الطرق التي كان رواتها ثقات أعم من أن يحصل بالخبر العلم أو الظن أو لا يحصل شيء منهما بل مرادهما القطع بالورود من المعصوم فيكون بمنزلة- قال الإمام و سمعت منه كذا، و حصول القطع لهم إما بتواتر الخبر أو بضم القرائن التي كانت حاصلة لهم، و لو سلمنا أن مرادهما بالعلم الظن الغالب فلا يحصل

29

..........

____________

من السماع أيضا أكثر من الظن الغالب غالبا. و على أي حال فالظاهر منهم النقل من الكتب المعتبرة المشهورة فإذا كان صاحب الكتاب ثقة يكون الخبر صحيحا، لأن الظاهر من نقل السند إلى الكتاب المشهور المتواتر مجرد التيمن و التبرك، سيما إذا كان من الجماعة المشهورين كالفضيل بن يسار، و محمد بن مسلم رضي الله عنهما، فإن الظاهر أنه لا يضر جهالة سنديهما، و مع هذا فالاطمينان الذي يحصل للنفس من خبر زرارة و علي بن جعفر باعتبار صحة الطريق إليهما أكثر، و إن أمكن أن يكون هذا باعتبار الإلف باصطلاح المتأخرين، و إذا كان الكتاب معروفا معتمدا و صاحبه غير موثق و كان الطريق إليه صحيحا فهو مثل العكس في الاطمئنان، و إذا كان في الطريق جهالة و لم يوثق صاحب الكتاب فالاطمينان أقل و إذا كان أحدهما ضعيفا باعتبار ذم الأصحاب لصاحب الكتاب أو لواحد من الروات فيصير أضعف و إذا كانا ضعيفين فأضعف منه.

و اعلم أن مراتب الرواة تختلف اختلافا كثيرا، مثل أن يكون علي بن جعفر، أو زرارة أو الفضيل، أو يكون مثل علي بن إبراهيم، أو محمد بن يحيى العطار- و كذا مراتب الحسن أو التوثيق مثل إبراهيم بن هاشم، و أبان بن عثمان، أو أبو بكر الحضرمي، أو سماعه، و كذا مراتب الجهالة و الضعف- و لهذا صنف الأصحاب كتب الرجال و بينوا حال كل منهم بما وصل إليهم حالهم من الرواية عن الأئمة (عليهم السلام) أو الأصحاب، و نحن ميزنا في هذا الكتاب المجهول الحال من الضعيف، و إن كان المعروف بين الأكثر عدم الفرق و بعضهم يسمي المجهول بالقوي و يعمل به، بناء على أن الأصل العدالة، أو على أن العلم بالفسق مانع من القبول لقوله تعالى إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1) و الأكثر على أن الفسق مانع، بناء على أن الألفاظ وضعت للمعاني الواقعية و إن كان التكليف بحسب ظن الراوي فلا يحصل ظن عدم المانع إلا بظن العدالة، و إن كان يمكن أن يقال: إن الإيمان و الإسلام يكفي في ظن عدم الفسق.

30

[كتاب الطهارة]

بَابُ الْمِيَاهِ وَ طُهْرِهَا وَ نَجَاسَتِهَا

قَالَ الشَّيْخُ السَّعِيدُ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ

____________

و على أي حال فلا شك أن الاطمئنان إن حصل بالضعيف فبالمجهول الحال يكون أكثر، و مع كثرة التتبع يظهر أن مدار ثقة الإسلام أيضا كان على الكتب المشهورة و كان اتصال السند عنده أيضا لمجرد التيمن و التبرك، و لئلا يلحق الخبر بحسب الظاهر بالمرسل، فإن روي خبرا عن حماد بن عيسى، أو صفوان بن يحيى، أو محمد بن أبي عمير فالظاهر أنه أخذ من كتبهم فلا يضر الجهالة التي تكون في السند إلى الكتب بمثل محمد بن إسماعيل عن الفضل أو الضعف بمثل سهل بن زياد بل الظاهر من طريقة القدماء فيمن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، أن ما صح أنهم قالوا و لو بتواتر كتبهم أو شهرتها فهو صحيح و إن كان من بعدهم ضعيف أو مجهول الحال، فإن الظاهر أن العصابة لاحظوا الكتب و إن إخبارها متواترة من الإمام، أو سمعوا من الإمام أن يعملوا بكتبهم أو يعملوا بقولهم فأجمعوا، لا أن المراد بالإجماع الإجماع على صحة قوله فيلزم ملاحظة ما بعده، و كل ما ذكرته يظهر من التتبع بحيث لا يلحقه شك، و الغرض من ذكر هذه إراءة الطريق و نذكر إن شاء الله تعالى بعض الفوائد في الأثناء و تمامها في الفهرست إن وفق الله تعالى للإتمام و نرجو منه التوفيق و العصمة، فليس التوفيق إلا منه و لا التوكل إلا عليه و هو حسبي و نعم الوكيل.

<قال الصدوق> باب المياه و طهرها و نجاستها ذكر الأصحاب في تقسيم الفقه إلى العبادات، و العقود، و الإيقاعات، و الأحكام، أنه (لما كان) الأهم العبادات و أهمها الصلاة لأفضليتها من غيرها و كانت مشروطة بالطهارة و لا يحصل الطهارة إلا بالماء غالبا، كان الأهم ذكر أحكام المياه (فلهذا صدرها) بذكرها.

«قال الشيخ إلخ» استشهد (رحمه الله) أولا بالآيات تبعا للأصحاب و إن لم يكن من

31

الْقُمِّيُّ- مُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً وَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ وَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ فَأَصْلُ الْمَاءِ كُلِّهِ مِنَ السَّمَاءِ وَ هُوَ طَهُورٌ كُلُّهُ وَ مَاءُ الْبَحْرِ طَهُورٌ وَ مَاءُ الْبِئْرِ طَهُورٌ

____________

دأب الأخباريين فإن الظاهر من كلامهم أنهم يقولون ما نفهم كلام الله تعالى حتى نستدل به إلا بتوقيف الإمام، و يمكن أن يكون وصل إليه الخبر باستدلال المعصوم بها أو يكون مرادهم من عدم فهم الكتاب معضلاته و متشابهاته، و هذه الآيات من المحكمات فيرتفع الخلاف، فإن الاستدلاليين أيضا لا يحكمون في المتشابهات بالجزم، و إن ذكروا تأويلا فبالاحتمال، فالاستدلال بالآية الأولى بأنه لما ذكر الله تعالى في معرض الامتنان إنزال الماء من السماء فلو كان المراد أن ماء من المياه المنزلة من السماء مطهر لما حصل الامتنان.

و الطهور في اللغة يطلق بمعنى ما يتطهر به كالوقود و الوضوء، و بالقرائن المقامية و الإخبارية يفهم أنه مراد الله تعالى، فإن استعمال الطهور بمعنى المطهر أو ما يتطهر به و هما يرجعان إلى معنى واحد شائع في الأخبار، بل لم نر استعماله في اللغة و الشرع بمعنى الطاهر، و ما يقال إن فعولا مبالغة في الفاعل فقط فإنه محض دعوى، و يؤيده الآية الثالثة فإنه لا خلاف فيها و هو صريح فيها، فلو اكتفي في الاستدلال بذكرها لما احتيج إلى هذا القيل و القال (و إما الآية الثانية)- فلبيان أن الماء الذي في الأرض كله من السماء للامتنان، يعني أنزلنا من السماء بالقدر الذي تحتاجون إليه أو بسبب التقدير الذي قدرنا و التقدير أيضا بقدر الاحتياج، و أسكناه في الأرض ظاهره أن مياه الأرض بسبب الأمطار و لهذا تنقص بنقصانها، و إنا على إذهاب الماء قادرون، يعني يجب عليكم أن تعرفوا نعمي و تشكروني و لا تكفرون.

فظهر من المجموع «أن أصل المياه من السماء» و هو كله مطهر إلى أن يعلم

32

1

وَ قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ع

- كُلُّ مَاءٍ طَاهِرٌ إِلَّا مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ قَذِرٌ

____________

النجاسة «و ماء البحر طهور و ماء البئر طهور» (1) بعموم الآية أو بها و بالخبر الصحيح على الظاهر و بالحسن أو الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال عبد الله بن سنان و أبو بكر الحضرمي سألته عن ماء البحر أ طهور هو قال: نعم (2) و عبارة ماء البئر طهور لم نرها إلى الآن فيمكن أن يكون الصدوق رآها كما هو الظاهر من دأبه أنه لا يستنبط، و يمكن أن يكون استنبطها من الآية و الخبر الصحيح عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلا أن يتغير (3) و إذا لم يفسده فيجب أن يطهره (4) لأنه لا قائل بالفصل.

«و قال الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) كل ماء طاهر إلا ما علمت أنه قذر» هذا الخبر بهذه العبارة غير مذكور في الأصول و الذي ظهر لنا من التتبع أن مرسلات الصدوق أكثرها من الكافي و هذا الخبر موجود في كتاب محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري (5) برواية الشيخ- على النحو الذي ذكره في الكافي (6) و المذكور فيه طريقان (أحدهما) مرسل، و الآخر فيه جهالة عن حماد بن عثمان، و في كتاب محمد بن يحيى عن حماد بن عيسى قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر و روى الشيخ في الموثق عن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر (7) فيمكن أن يكون النقل بالمعنى أو كانت نسخة الصدوق على الوجه الذي نقله.

33

..........

____________

و على أي حال فالظاهر صحة الخبر لكونه في أصل حماد بن عثمان و حماد بن عيسى و عمار و إذا وجده في الأصول من الثقات فالظاهر أنه يمكنه الجزم بأنه من قول الصادق (عليه السلام) و على ذلك يجب أن تحمل مرسلاته و إن كان بحسب الظاهر من الكافي، و يمكن أن يكون الصدوق قابل الكافي أولا- مع الأصول و وجده صحيحا و عند التصنيف لم يلاحظها باعتبار الجزم الذي حصل له قبله كما فعلنا بكتاب الرجال مع أصولها في زمان يسير بتيسيره تعالى، و الظاهر أن عمل الطائفة على تصانيف الطاطريين و البني فضاليين و أضرابهم من الواقفية و الفطحية و العامة كان لموافقة الأصول الأربعمائة و جودة تصانيفهم فإن أخبار الأصول كانت منتشرة غاية الانتشار فإنهم كلما يسمعونه من المعصوم كانوا يكتبون في الكتب و لهذا تريهم ينقلون من هذه الكتب مع وجود الأصول عندهم كما في زماننا بل زمان متقدمينا أيضا بالنسبة إلى كتب الرجال، كما ترى الشهيد الثاني (رحمه الله) و المحقق الثاني رضي الله عنه يمدحان رجال الحسن بن داود بجودته مع أن أغلاطه أكثر من أن تحصى على ما هو الظاهر عند الملاحظة و المقابلة مع الأصول و لكن الظن بالقدماء المقابلة مع الأصول كما يظهر في تتبع أحوالهم.

و يظهر من هذا الخبر أن الأصل في كل ماء الطهارة حتى يعلم النجاسة بالتغير في الكثير و الجاري و في القليل إما بالتغير كما ذهب إليه ابن أبي عقيل أو بالملاقاة كما هو المشهور، و في البئر إما بالتغير أو بالملاقاة مطلقا أو مع عدم الكرية، و يمكن أن يستدل لابن أبي عقيل بهذا الخبر فإنه لا يحصل من أخبار نجاسة القليل سوى الظن إن حصل إلا أن يعمم العلم بما يشمل الظن الغالب فيلزم نجاسة مياه لاقاها المتهمون بالنجاسة، أو يقال إن الظنون التي تحصل من الأخبار بمنزلة العلم كما ذكروا في تعريف الفقه، أنه العلم بالأحكام مع أنه لا يحصل سوى الظن بالاتفاق (و ما قيل) من أنه يحصل العلم بمقدمة خارجية هي: أن هذا ما أدى إليه اجتهادي و هو معلوم و كل ما هو أدى اجتهادي يجب على العمل به و هذه أيضا معلومة بالإجماع فينتج وجوب العمل يقينا (محل نظر) لأن الإجماع المذكور لم يثبت مع مخالفة جميع الأخباريين بل الأخبار أيضا و على تقدير الوقوع فلا يلزم منه إلا وجوب العمل، و أين هو عن الأحكام

34

2

وَ قَالَ ع

الْمَاءُ يُطَهِّرُ وَ لَا يُطَهَّرُ

____________

الواقعية التي هي المقصودة من التعريف (إلا أن يقال) خصص هذا العموم بالأخبار لأن الخبر أيضا مظنون الوقوع بل مظنون المتن أيضا كما في كل عام.

«و قال (عليه السلام) الماء يطهر و لا يطهر» هذا الخبر رواه الكليني بإسناده عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رسول الله (ص) (1) و النوفلي هو الحسين ابن يزيد ذكره النجاشي مهملا- و قال: قال قوم من القميين إنه غلا في آخر عمره و ما رأينا له خبرا يدل على ذلك- و السكوني هو إسماعيل بن مسلم عامي-، لكن ذكر الشيخ (رحمه الله) في العدة أنه أجمعت الطائفة على العمل بروايته و وثقه المحقق في المعتبر و كأنه لقول الشيخ، و حكم الكليني، و الصدوق بصحة الخبر و الظاهر أنهما وجداه في أصله مع الاجتماع، و لموافقته الأخبار الأخر مع الاقتران بمطابقة الآيات الدالة على طهارة الماء، و يمكن أن يكون للصدوق طريق آخر لهذا الخبر، و الظاهر العدم لأنه لو كان للخبر طريق آخر مع ظهور كونه عاميا لما ذكره الكليني بهذا الطريق و الظاهر أن الأصول كانت عندهما.

و أما متن الخبر فالظاهر أن المراد أن كل ماء طاهر يطهر كل شيء على أن يكون الجنس المحلى باللام للاستغراق عرفا و إن لم يكن له لغة لأن الظاهر أن المقنن للقوانين لا يحكم على ماء مجهول بالمطهرية، و كذا في جميع الأخبار بل الآيات كما في قوله تعالى «الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا» (2) و للاستثناء الدال على الاستغراق في كثير من الآيات مثل قوله تعالى «وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ» (3) و نظائره في الآيات أكثر من أن تحصى، و ما يقال إن الحكم على حقيقة الماء بالمطهرية يستلزم الوجود في جميع الأفراد، فإن أريد به الدلالة عرفا فيرجع إلى الأول، و إن أريد لغة فالمنع ظاهر لأنه يكفي في الحكم على الحقيقة في الإثبات وجودها

35

فَمَتَى وَجَدْتَ مَاءً وَ لَمْ تَعْلَمْ فِيهِ نَجَاسَةً فَتَوَضَّأْ مِنْهُ وَ اشْرَبْ

____________

في فرد من الأفراد، و يفهم من حذف المفعول العموم لعين ما ذكرنا، فإنه لو كان مطهريته مخصوصة بشيء دون شيء لكان الواجب ذكره لئلا يلزم الإلغاز و التعمية في كلام المقنن (صلى الله عليه و آله و سلم).

و قوله (عليه السلام) (و لا يطهر) يخصص بغير الماء لشمول العموم الأول له فيظهر أن الماء مطهر لكل شيء حتى الماء و لا يطهره شيء غير الماء، فعلى هذا يمكن الاستدلال به للمرتضى و ابن إدريس، بأن الماء القليل النجس إذا تمم كرا بالماء فإنه يطهره بالعموم، و يفهم منه أن القليل النجس إذا وصل إلى الكر أو الجاري يصير طاهرا بالملاقاة و لا يحتاج إلى الامتزاج كما قيل لظاهر العموم و عدم دلالة عليه، إلا أن يقال بعد العلم بالنجاسة يجب العلم بزوالها و لا شك مع الامتزاج، و بدونه لا يحصل اليقين، لكن الظاهر أن العلم الشرعي كاف لزوال النجاسة.

و كذا قيل في المضاف الملاقي للمطلق و إن لم يصر مطلقا بل بالملاقاة أنه يطهر بنحو ما مر من الاستدلال، لكن الفرق ظاهر فإن المائين حقيقتهما واحدة بخلاف المضاف و المطلق و إن كان في تأثير المخالفة نظر إذ مدار استدلاله على عموم المطهرية و الله تعالى يعلم.

و الاحتياط في المطلق الامتزاج عرفا، و في المضاف صيرورته مطلقا و نحن نشير في كل خبر باستدلال أو استدلالين، و إلا فكلما يمكن قوله في الخبر لا يسع المقام ذكره لبناء الكتاب على الاختصار، و خرجنا عنه في الأوائل ليأنس المبتدئ بفهم الخبر و بما يستنبط منه.

«فمتى وجدت ماء» تفريع على ما ظهر من الآيات و الأخبار «و لم تعلم فيه نجاسة فتوضأ منه و اشرب». لكن إذا ظن نجاسته هل يجب الاجتناب بناء على إطلاق العلم على الظن الغالب أيضا (فإن) كان مدرك الظن قول العدلين فالمشهور وجوب الاجتناب لجواز رد الماء

36

وَ إِنْ وَجَدْتَ فِيهِ مَا يُنَجِّسُهُ فَلَا تَتَوَضَّأْ مِنْهُ وَ لَا تَشْرَبْ إِلَّا فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ فَتَشْرَبُ مِنْهُ وَ لَا تَتَوَضَّأْ مِنْهُ وَ تَيَمَّمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كُرّاً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَ تَشْرَبَ وَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَقَعْ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ رِيحُ الْمَاءِ فَإِنْ تَغَيَّرَ فَلَا تَشْرَبْهُ وَ لَا تَتَوَضَّأْ مِنْهُ

____________

المذكور بشهادة عدلين بنجاسته عند المشتري. و لو لم يحصل العلم الشرعي بقول العدلين لما أجبر البائع على رد الثمن (و فيه) أنه أول البحث إذ لا نسلم الإجبار و لو سلم لأمكن القول بالطهارة مع الإجبار بالرد بناء على العمل بالأصلين من قول العدلين في الماليات و عدمه هنا لاشتراط العلم في وجوب الاجتناب.

(و قيل) بوجوب الاجتناب بقول العدل الواحد أيضا لأنه من باب الخبر و عموم أدلة حجية الخبر الواحد يشمله، و الجزم (1) بأنه من باب الخبر مشكل مع دلالة الأخبار باشتراط العلم ظاهرا.

(و لو كان) المدرك القرائن الظاهرة مثل خروج الكلب عن البيت رطبا و حركة الماء فظاهرهم أنه لا يجب العمل به كما يدل عليه خبر الفأرة و سيجيء، بل لا يجوز إذا كان الماء منحصرا فيه نعم لو وجد ماء آخر فالاجتناب من مثله أولى و إلا فلا.

«و إن وجدت فيه ما ينجسه» بأن كان قليلا أو متغيرا، فلا يجوز الوضوء بل الطهارة به مطلقا و لا الشرب في حال الاختيار و يجوز شربه في حال الاضطرار بقدر سد الرمق اتفاقا، و الزائد منه على قول، سيما مع الخوف من أنه لا يوجد بعده و مع وجود الماء النجس يتعين التيمم «إلا أن يكون الماء كرا» و وجد فيه نجاسة لم تغير الماء «فلا بأس بالوضوء و الشرب وقع فيه شيء أو لم يقع» يعني سواء كانت النجاسة باقية أو لم تكن، أو سواء كان الوقوع متحققا أو لا «ما لم يتغير ريح الماء» و الظاهر أن التغير بالريح وقع مثالا، فإن تغير الطعم و اللون أيضا كتغير الريح بالاتفاق و إن لم يرد في أخبارنا بهذا التفصيل، نعم ورد بالتفصيل المذكور من طرق

37

وَ الْكُرُّ مَا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَشْبَارٍ طُولًا فِي عَرْضِ ثَلَاثَةِ أَشْبَارٍ فِي عُمْقِ ثَلَاثَةِ أَشْبَارٍ

____________

العامة، و الموجود في أخبارنا تغير الريح و الطعم أو التغير مطلقا و في خبر، التغير مطلقا وقع و كذلك الدم فإن الظاهر من تغير، تغيره اللون مع شمول المطلق له أيضا نعم ورد تغير اللون في خبر محمد بن سنان و هو ضعيف لكن يصلح أن يكون مؤيدا للعموم.

«فإن تغير فلا تشرب منه» أي في حال الاختيار لذكره سابقا «و لا تتوضأ- منه» أي مطلقا «و الكر ما يكون إلخ» اعلم أنه اختلف أقوال العلماء في كمية الكر باختلاف الروايات ظاهرا فالذي يدل على ما ذهب إليه الصدوق هو خبر إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجسه شيء: قال: كر، قلت و ما الكر قال ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار (1) و فيه اضطراب سندا و متنا أما السند فروى الشيخ عن كتاب سعد بن عبد الله بإسناده عن محمد بن سنان عن إسماعيل بن جابر (و عن) كتاب محمد بن أحمد بن يحيى بإسناده عن عبد الله بن سنان عن إسماعيل بن جابر، و الظاهر أنه محمد لكثرة رواية البرقي عنه و يحتمل كونه عبد الله أيضا و روى عنهما لكنه بعيد جدا، و الظاهر أن هذا السهو وقع من الشيخ أو من محمد بن أحمد بأن كان في النسخة ابن سنان فتوهم أنه عبد الله فذكره بعنوان عبد الله بقرينة رواية الكليني بعنوان ابن سنان عن إسماعيل- و على أي حال فالأمر بالنسبة إلى الصدوق سهل لوجود أصل إسماعيل بن جابر عنده و هو يروي عن إسماعيل و ذكر السند لمجرد التيمن كما ذكرناه مرارا مع أن طريقه إليه صحيح أيضا.

و أما متنا فإن الموجود في الأصول ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار، فإما أن يحمل على أنه وجده في أصل آخر أو يكون أصل إسماعيل بن جابر بهذه العبارة و سيجيء في بحث المياه خبر الحسن بن صالح و هو كعبارة المتن إلا أنه لم يعمل به لأنه مشتمل

38

..........

____________

على النصف مع وروده في البئر، أو فهم من الخبر ذلك لأن الظاهر من الترك أنه تركه (عليه السلام) اعتمادا على فهم السائل، أو يكون المراد ثلاثة أشبار في السعة في ثلاثة أشبار في العمق أو بالعكس لشمول السعة للعرض و الطول، و وجه التعبير عنهما بالسعة أن الطول يطلق غالبا على ما إذا كان زائدا على العرض فإذا كانا- متساويين لا يكون طول و لا عرض عرفا و إن أطلق لغة.

و يؤيده رواية إسماعيل بن جابر في الصحيح، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الماء الذي لا ينجسه شيء، قال: ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته (1) فعبر (عليه السلام) عن الطول و العرض بالسعة و هذا الخبر أصح الأخبار التي رويت في كمية الكر لكن لم يعمل به الأصحاب، لأن القائلين بالاعتبار بعضهم يقولون بالثلاثة في الثلاثة في الثلاثة و هو مذهب القميين، و بعضهم يقولون بزيادة النصف و هو المشهور، و ابن الجنيد يقول بمائة شبر تقريبا، و القطب الراوندي يقول بالثلاثة و نصف بدون الضرب فظهر أنه شاذ و الشاذ لا يعمل به و إن كان صحيحا أو يحمل على الاستحباب على مذهب القميين، و على المشهور يترك كما ترك حديث الثلاثة عندهم أيضا، فرب صحيح يترك و رب ضعيف يعمل عليه بمعاضدة عمل الأصحاب خصوصا (2) إذا كان الراوي واحدا.

و أما الخبر المشهور فرواه الشيخ بإسناده عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير- و الظاهر أنه ليث المرادي. قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصفا في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه من الأرض فذلك الكر من الماء (3) فإنه و إن كان في طريقه عثمان بن عيسى و هو واقفي لكن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه.

و الظاهر أن هذا الإجماع وقع منهم قبل القول بالوقف، و روي عنه الأخبار

39

..........

____________

في حال صحته و كتبت عنه- و المدار في نقل الخبر على حالته- فلا يضر الكفر بعده على أن الخبر موجود في أصل أبي بصير و كان عندهم، و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم و ورد الأخبار في شأنه سيما الخبر الصحيح بأنه لو لا هؤلاء الأربعة لاندرست آثار النبوة و غير ذلك و هو من الأربعة و الثلاثة الأخر زرارة، و محمد ابن مسلم، و بريد بن معاوية العجلي (1).

فظهر أن الخبر المشهور أصح سندا من بقية أخبار الشبر و أشمل متنا بحسب الظاهر بأن يكون المراد من قوله (عليه السلام) إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصفا مضروبا في مثله و هو ثلاثة أشبار و نصف ثلاثة أشبار إلخ بأن يكون خبرا ثانيا- لكان- و يحصل الثلاثة و إن احتمل أن يكون ثلاثة أشبار إلخ بدلا من مثله و يكون الأول عبارة عن السعة و تشمل الطول و العرض. لكن ما ذكرناه أولا أظهر مع أن التأسيس أولى و لهذا عمل الأكثر عليه.

و لا دليل على ما ذهب إليه ابن الجنيد ظاهرا و كذا القطب الراوندي لأن لفظة (في) مذكورة في الأخبار و هو بظاهره دال على الضرب.

و الأظهر في الجمع بين الأخبار أن تقول بقول القميين و يحمل الزيادة على الاستحباب لو لم نقل في الجميع بالاستحباب، و يمكن حمل خبر الذراعين على خبر القميين- بأن يقال: المراد بالسعة القطر و لهذا اكتفي بها عن العرض و الطول فإنه بالنسبة إلى الجميع على السواء، و إذا كان القطر ذراعا و نصفا فيضرب نصف الثلاثة أشبار في نصف الدائرة و إذا كان القطر ثلاثة أشبار تقريبا يكون الدائرة تسعة أشبار، فإذا ضرب نصف القطر شبرا و نصفا في نصف الدائرة أربعة و نصف، كان الحاصل ستة أشبار

40

وَ بِالْوَزْنِ أَلْفٌ وَ مِائَتَا رِطْلٍ بِالْمَدَنِيِّ

____________

و ثلاثة أرباع شبر، فإذا ضرب الحاصل في أربعة أشبار، يصير سبعة و عشرين شبرا (1) و هو حاصل مضروب الثلاثة في الثلاثة، في الثلاثة، فيحمل الخبر المشتمل على النصف الذي يحصل منه اثنان و أربعون شبرا و سبعة أثمان شبر على الاستحباب، و هو أحسن من رد الخبرين. مع أن خبر الأرطال إذا حمل على العراقي كان أقرب من قول القميين و إن كان أكثر أو يحمل على المدني و يكون محمولا على الاستحباب، و لا يمكن الحمل على الوجوب التخييري إذ لا يتصور القول بالطهارة على مقدار على احتمال و بالنجاسة على آخر- نعم يمكن فيما اشتملت على النية كالتخيير بين القصر و الإتمام في مواضعه و يؤيد الثلاثة الأشبار خبر القلتين فإن القلة الجرة الكبيرة التي تسع خمس قرب تقريبا و هو قريب من السبعة و العشرين، إلا أن يحمل على التقية على ما هو مذهب الشافعي و جماعة من فقهائهم الذين قبله.

«و بالوزن ألف و مائتا رطل» بكسر الراء و قرأ بالفتح على قلة «بالمدني» هذا هو التحديد الآخر للكر، و هو مروي في الصحيح عن محمد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الكر من الماء الذي لا ينجسه شيء ألف و مائتا رطل (1) و عمل به أكثر الأصحاب لكن اختلفوا في الرطل، فبعضهم اعتبر حال بلد السائل فإنه و إن لم يذكر في الخبر لكن الغالب في أصحاب الصادق (عليه السلام) أهل العراق- و بعضهم اعتبر حال بلد المسؤول بأنه كان (عليه السلام) غالبا في المدينة، و إذا وقع البيع أو الشراء بالرطل أو المن مثلا يحمل على من البلد و رطله.

لكن يؤيد القول بالرطل العراقي، صحيحة محمد بن مسلم الطائفي، عن أبي

41

3

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ وَ الْقُلَّتَانِ جَرَّتَانِ

وَ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ وَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَ الِاسْتِيَاكِ بِمَاءِ الْوَرْدِ

____________

عبد الله (عليه السلام) أنه قال إن الكر ستمائة رطل (1)- و لما كان ابن مسلم طائفيا و كان رطل مكة و طائف مقدار رطلين بالعراقي فإذا قيل بالعراقي توافق الخبران، و هو أيضا يؤيد أنهم (عليهم السلام) يعتبرون بلد السائل لا بلدهم كما في أرطال الفطر كما سيجيء إن شاء الله، مع أنه يبعد التفاوت كثيرا بين خبر الأشبار بالثلاثة و بين اعتبار الأرطال بالمدينة إلا أن يحمل على الاستحباب فلا يضر بل يؤيده، فإنه كلما كان الماء أكثر كان أبعد من قبول النجاسة: «و قال الصادق (عليه السلام): إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء و القلتان جرتان» هذا الخبر رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة عن بعض أصحابه عن أبي- عبد الله (عليه السلام) (2) و الشيخ طرحه بالإرسال أولا، و الظاهر أنه لا يضر، لإجماع العصابة على تصحيح ما يصح عن عبد الله بن المغيرة، و ثانيا بالحمل على التقية و هو جيد إن لم يمكن الحمل على ما يكون كرا كما ذكره في غيره من الأخبار و سيجيء.

«و لا بأس بالوضوء منه و الغسل من الجنابة و الاستياك بماء الورد» فعلى النسخة التي فيها لفظة منه- فالظاهر أن المراد بالمرجع الكر، يعني لا بأس بالوضوء من الكر و الاغتسال من الجنابة من الكر ردا على الحنفية، فإنهم لا يجوزونه، و ورد في بعض أخبارنا المنع من ذلك، و حمل على التقية أو الكراهة، و حينئذ يكون قوله «و الاستياك بماء الورد» جملة برأسها بمعنى أنه يجوز السواك مصحوبا بماء الورد لتطييب الفم و ليس فيه إسراف- و أما على نسخة الأصل فالظاهر أن المراد بها جواز الوضوء و الغسل

42

..........

____________

من الجنابة و السواك بماء الورد كما نقل عنه الأصحاب و صرح به في غير هذا الكتاب أيضا، و يدل عليه الخبر الذي رواه الكليني عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد عن يونس، عن أبي الحسن قال: قلت له الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضأ به للصلاة قال: لا بأس بذلك (1).

قال الشيخ (رحمه الله) هذا الخبر شاذ شديد الشذوذ و إن تكرر في الكتب و الأصول فإنما أصله عن يونس عن أبي الحسن (عليه السلام)، و قد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره، و لو سلم لاحتمل أن يكون المراد به التحسين من حيث أنه متى استعمل الرائحة الطيبة لدخوله في الصلاة و لمناجاة ربه كان أفضل من أن يقصد التلذذ به حسب دون وجه الله تعالى.

و يحتمل أيضا أن يكون أراد (عليه السلام) بقوله ماء الورد، الماء الذي وقع فيه الورد لأن ذلك قد يسمى ماء ورد و إن لم يكن معتصرا منه بسبب المجاورة، كما يقال ماء الحب و ماء المصنع.

و رده بعض الأصحاب بأن في طريقه سهل بن زياد و محمد بن عيسى عن يونس و لا يعمل ابن الوليد و لا الصدوق بمتفرداته، و زاد بعضهم ضعف محمد بن عيسى في نفسه- أما قول الشيخ (شاذ مع التكرر في الأصول)، فالمراد به الشذوذ من حيث العمل إذا التكرر في الأصول إنما ينفع إذا كان الراوي متعددا و الظاهر (2) أنه لا يجب فإن التكرر في الأصول كاف في الصحة، و بشهادة الشيخ عليه يسقط اعتراض أكثر الأصحاب بأن في طريقه سهل و محمد بن عيسى (3) مع أن الظاهر أن أصل يونس

43

وَ الْمَاءُ الَّذِي تُسَخِّنُهُ الشَّمْسُ لَا تَتَوَضَّأْ بِهِ وَ لَا تَغْتَسِلْ بِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَ لَا تَعْجِنْ بِهِ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ

____________

كان موجودا عند الصدوقين و لهذا عملا به و حكما بصحته.

فلم يبق إلا الإجماع، و كيف يحصل الإجماع مع مخالفة هذين الجليلين، و القول بأنهما معروفا النسب فلا يضر خروجهما إنما ينفع إذا علم دخول المعصوم (عليه السلام) في القول المشهور و لو بورود الخبر الصحيح عنه (عليه السلام) و هو في محل المنع، مع أن الشيخ في الخلاف نقل الخلاف عن بعض أصحاب الحديث، و الحمل على التحسين في غاية البعد لأنه إن سلم في الوضوء كيف يمكن حمل الاغتسال عليه فلم يبق إلا حمل المجاورة و هو و إن كان بعيدا إلا أنه أحسن من مخالفة الأصحاب و الإجماع المنقول، و لو حمل على التقية لقول بعض العامة بالجواز من المضاف و نقل الخبر عن الرضا (عليه السلام) و كان أكثر النقل في خراسان بمجمع كثير من العامة و لهذا ترى أكثر الأخبار المنقولة منه (صلوات الله عليه) يوافق العامة تقية- لكان أحسن، و بالجملة إذا وجد الماء فالاحتياط و العمل على الترك، و مع عدمه فالأحوط الوضوء من المضاف و التيمم كما كان يقول الأستاد رضي الله عنه، فإنه مع عدم القول بخبر الواحد كان يتورع في العمل بكل خبر مهما أمكن و هكذا ينبغي أن يكون سبيل المتقين.

«و الماء الذي تسخنه الشمس إلخ» أشبه الأخبار بهذه العبارة، ما رواه في الكافي عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) الماء الذي تسخنه الشمس لا توضأوا به و لا تغتسلوا به و لا تعجنوا به فإنه يورث البرص (1)- و روى الشيخ، عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن عيسى العبيدي، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد. عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) على عائشة و قد وضعت قمقمتها في الشمس: فقال يا حميراء ما هذا؟ قالت أغسل رأسي و جسدي: قال لا تعودي فإنه يورث

44

وَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ الْحَارِّ

____________

البرص (1) و قد وصف المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى هذا الخبر بالصحة و هو خلاف مصطلحهما، و كأنه باصطلاح القدماء فإن في طريقه درست و هو واقفي غير موثق و إبراهيم و إن وثق فهو واقفي، و رواهما الصدوق في العلل بالإسنادين أيضا (2).

و روى الشيخ عن محمد بن سنان مرسلا عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال لا بأس بأن يتوضأ بالماء الذي يوضع في الشمس و حمل الأصحاب أخبار النهي على الكراهة لهذا الخبر و لا بأس به و الظاهر أن مراد الصدوق أيضا الكراهة أو الأعم كما هو طريقة الأخباريين، لأنه إذا ورد نهي و لا يفهم أنه للحرمة أو الكراهة و كذا الأمر فإنهم يحملون على ما وقع من المعصوم من الرجحان المطلق و أنه عندهم من المتشابهات: لكن لما ورد الخبر الأخير يلزمهم العمل بالكراهة إلا أن لا يعملوا به لضعفه: لكن الظاهر منهم أنهم يعملون به إذا نقله مثل سعد بن عبد الله و هو موجود في كتابه.

و ما ورد أنه يورث البرص لا يدل على الحرمة لأنه يمكن أن يكون باعتبار مداومة استعماله أو في البلاد الحارة، أو في الأواني المنطبعة مع أنه يمكن أن يكون النهي إرشاديا لتعلقه بالمنافع الدنيوية بقرينة ضم العجن به- لكن المشهور الكراهة و الاحتياط في الترك مع الإمكان و لو بعد البرودة و ظاهر خبر الكافي عموم الغسل و يمكن القول بعموم الاستعمال أيضا للعلة المذكورة في الخبر.

«و لا بأس بأن يتوضأ الرجل بالماء الحميم الحار» الظاهر أن المراد بالحميم المسخن بالنار، و يمكن إرادة الأعم منه و من المسخن بنفسه كما يكون في الجبال الذي يشم منه رائحة الكبريت، لكن الأغلب استعماله في المسخن بالنار و في الحار من قبل نفسه الحمية كما سيجيء، و عدم البأس إما بورود خبر وصل إليه و لم يصل إلينا، و إما

45

وَ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ إِلَّا مَا كَانَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَ كُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ دَمٌ فَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَ الْوُضُوءِ مِنْهُ مَاتَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَمُتْ فَإِنْ كَانَ مَعَكَ إِنَاءَانِ فَوَقَعَ فِي أَحَدِهِمَا مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَ لَمْ تَعْلَمْ فِي أَيِّهِمَا وَقَعَ فَأَهْرِقْهُمَا جَمِيعاً وَ تَيَمَّمْ

____________

بالعمومات أو بالخبر الذي ورد أن كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي (1) و لم يرد فيه نهي، نعم ورد جواز الغسل بالمسخن بالنار و منه استنبط جواز الوضوء بمفهوم الموافقة و فيه شيء.

«و لا يفسد الماء إلا ما كان له نفس سائلة» (2) الظاهر أن المراد به القليل كما يظهر من بعض الأخبار أو الأعم منه و من البئر كما يظهر من بعضها أيضا و المراد بالإفساد النجاسة أو الأعم من النجاسة و من عدم جواز الاستعمال «و كلما وقع في الماء مما ليس له دم (إلى قوله) أو لم يمت» و المراد بالدم، السائل من العروق كما قاله الأصحاب و ظهر من الخبر الأول أيضا فإن الدم لا يسيل إلا من العروق غالبا و إلا فلا يوجد حيوان لا يكون له دم أصلا إلا نادرا و إذا لم يفسده ميتا فحيا أولى «فإن كان معك إناءان إلخ» هذا الخبر نقله في الكافي عن سماعة بطريق موثق، (3) و ذكره الشيخ بسندين موثقين، (4).

و الذي يظهر من الأصحاب عدم الاختلاف في العمل به إلا في وجوب الإهراق نظرا إلى ظاهر الأخبار، (و ربما أيدت) بأنه مع وجودهما واجد للماء (و ضعف)

46

وَ لَوْ أَنَّ مِيزَابَيْنِ سَالا مِيزَابَ بَوْلٍ وَ مِيزَابَ مَاءٍ فَاخْتَلَطَا ثُمَّ أَصَابَ ثَوْبَكَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ

4

وَ سَأَلَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع-

عَنِ السَّطْحِ يُبَالُ عَلَيْهِ فَتُصِيبُهُ السَّمَاءُ فَيَكِفُ فَيُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِنْهُ

____________

بأنه مع القول بأنهما في حكم النجس لا يعقل القول بأنه واجد للماء، فإن المراد بالوجدان تمكن الاستعمال، و المنع الشرعي كالعقلي بل أولى، و حمل الإهراق على وجوب الاجتناب تجوز، و الأولى مع عدم خوف العطش و الاحتياج إلى الماء و لو لسقي الدواب الإهراق عملا بظاهر الأخبار، و مع الخوف فلا يجوز قطعا، و ذهب بعض الأصحاب إلى الوضوء بأحدهما و الصلاة ثمَّ تطهير مواضع الوضوء بالماء الآخر و الوضوء و الصلاة كما في الوضوء بالمشتبه بماء الورد و الصلاة في الثوبين المشتبهين، و العمل على الأول.

«و لو أن ميزابين سالا (إلى قوله) لم يكن به بأس» رواه في الكافي في الحسن كالصحيح عن هشام بن الحكم و عن محمد بن مروان عنه (عليه السلام) (1) و حمله الأصحاب على ما لم يتغير لكن في خبر هشام و الآخر ماء مطر فعلى هذا فالظاهر منه مطهرية ماء المطر و أن حكمه حكم الجاري مع أخبار أخر، و على تقدير عدم ذكر المطر فالظاهر منه أيضا ماء المطر لأنه مستبعد أن يكون الميزاب جاريا من كر أو جار و إذا بقي على الإطلاق فيظهر منه طهارة القليل.

«و سأل هشام بن سالم (إلى قوله) أكثر منه» هذا الخبر من الصحاح على اصطلاح المتأخرين، لأن طريق الصدوق إلى الهشامين صحيح و هما ثقتان، و لا يضر ما ورد فيهما من الأخبار الدالة على القول بالجسم و الصورة لأن الأخبار ضعيفة و محمولة على المذهب السابق على تشيعهما و اختصاصهما بالأئمة (صلوات الله عليهم)، أو على افتراء العامة عليهما كما افتروا على كثير من أصحابنا رضي الله عنهم، و قوله (عليه السلام) (فتصيبه السماء)

47

5

وَ سُئِلَ ع

عَنْ طِينِ الْمَطَرِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فِيهِ الْبَوْلُ وَ الْعَذِرَةُ وَ الدَّمُ فَقَالَ طِينُ الْمَطَرِ لَا يُنَجِّس

6

وَ سَأَلَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ أَخَاهُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ ع-

عَنِ الْبَيْتِ يُبَالُ عَلَى ظَهْرِهِ وَ يُغْتَسَلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يُصِيبُهُ الْمَطَرُ أَ يُؤْخَذُ مِنْ مَائِهِ فَيُتَوَضَّأَ بِهِ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ إِذَا جَرَى فَلَا بَأْسَ بِهِ

____________

أي المطر، و قوله (عليه السلام) (فيكف) أي يتقاطر من السطح في داخل البيت.

و قوله (عليه السلام) (ما أصابه من الماء أكثر منه) دفع لتوهم السائل، فإنه سأل عن السطح يبال عليه يعني دائما فتوهم أن السطح إذا كان يبال عليه دائما و ينفذ فيه البول فكيف يصل إليه ماء المطر؟ و كيف يطهره فأجاب (عليه السلام): بأن الماء أكثر منه و يستولي عليه فح يطهره فيفهم منه لزوم غلبة المطر فلا يكفي التقاطر بل لا بد من الجريان على الظاهر.

«و سئل (عليه السلام) عن طين المطر إلخ» يدل عليه خبر مرسل في الكافي بغير هذه العبارة (1) و ينبغي أن يحمل على حال نزول المطر، أو على استهلاك البول و العذرة به و يمكن أن يقرأ (ينجس) بالتشديد و التخفيف.

و اعلم أن الأخبار الواردة بالطهارة مشتملة على الكثرة و الجريان فما لم يحصل الكثرة و الجريان لا يمكن الجزم بالطهارة مع أن اليقين لا يزيله إلا يقين مثله.

«و سأل علي بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن البيت يبال على ظهره» ظاهره دوام البول، و كذا الاغتسال من الجنابة مع أنه لا يخلو المغتسل من المني غالبا و الظاهر أنه كلما يذكر فيه الاغتسال من الجنابة يكون السؤال باعتبار نجاسة المني غالبا «ثمَّ يصيبه المطر» ظاهر الإصابة أعم من الجريان و عدمه «فقال (عليه السلام) إذا جرى فلا بأس به» ظاهر الاشتراط أنه إذا لم يجر لا يكون مطهرا، و الظاهر أنه يشترط الجريان هنا باعتبار نفوذ النجاسات في السطح بحيث يستولي الماء عليه حتى يزيل النجاسة، و الظاهر أن المراد بالجريان أعم من الجريان من الميازيب و الأرض فإذا

48

7

وَ سَأَلَهُ

عَنِ الرَّجُلِ يَمُرُّ فِي مَاءِ الْمَطَرِ وَ قَدْ صُبَّ فِيهِ خَمْرٌ فَأَصَابَ ثَوْبَهُ هَلْ يُصَلِّي فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ فَقَالَ لَا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ وَ لَا رِجْلَهُ وَ يُصَلِّي فِيهِ وَ لَا بَأْسَ بِهِ

8

وَ سَأَلَ عَمَّارٌ السَّابَاطِيُّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع-

عَنِ الْقَيْءِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَلَا يُغْسَلُ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ

9

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

كُلُّ شَيْءٍ يَجْتَرُّ فَسُؤْرُهُ حَلَالٌ وَ لُعَابُهُ حَلَالٌ

____________

صدق عليه الجريان يكفي و إن أمكن أن يقال المطلق منصرف إلى الغالب المتعارف و الغالب إطلاق الجريان على الجريان من الميازيب و تأويل الجريان بالنزول من السماء في غاية البعد، مع أنه يلغو الاشتراط لأنه لازم المطر.

و سؤاله الثاني في ماء المطر الذي قد صب فيه خمر ظاهره أنه لم يبق من عينها شيء و تخصيص الخمر من بينها يمكن أن يكون لأن الخمر أشد من جميع النجاسات، و جوابه (عليه السلام) هو أن ماء المطر يطهر كل نجاسة مع الاستهلاك، و يمكن أن يكون الجواب باعتبار عدم نجاسة الخمر بقرينة عدم الاستفصال كما ذهب إليه الصدوق و يظهر من بعض الأخبار كما سيجيء إن شاء الله تعالى.

«و سأل عمار الساباطي إلخ» طريق الصدوق إليه موثق و ظاهره طهارة القيء و جواز الصلاة و إن لم يكن قيء نفسه بقرينة عدم الاستفصال و يمكن الحمل على قيء نفسه أيضا جمعا بين الأخبار و سيجيء تحقيقه إن شاء الله تعالى في اللباس «و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) كل شيء يجتر فسؤره حلال و لعابه حلال» هذا الخبر رواه الشيخ الشيخ بسند ضعيف عنه (عليه السلام) (1) و الاجترار الإخراج من المعدة إلى الفم و أكله ثانيا كما تفعله الإبل و البقر و الغنم و يدل بمفهومه على عدم حلية سؤر ما لا يؤكل لحمه بل ما لا يجتر (ورد) أولا بضعفة، و ثانيا بالحمل على الكراهة فإن المكروه أيضا ليس بحلال لأن الحلال مرادف المباح و المباح ضد للمكروه كما هو ضد لسائر الأحكام الخمسة.

49

10 وَ أَتَى أَهْلُ الْبَادِيَةِ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ حِيَاضَنَا هَذِهِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَ الْكِلَابُ وَ الْبَهَائِمُ فَقَالَ لَهُمْ(ص)لَهَا مَا أَخَذَتْ أَفْوَاهُهَا وَ لَكُمْ سَائِرُ ذَلِكَ

وَ إِنْ شَرِبَ مِنَ الْمَاءِ دَابَّةٌ أَوْ حِمَارٌ أَوْ بَغْلٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ بَعِيرٌ فَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَ الْوُضُوءِ مِنْهُ

____________

«و أتى أهل البادية رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)» يمكن القراءة بالنصب و الرفع في الرسول و على أي حال فالظاهر أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان عندهم فأتوه أو أتاهم و قالوا إن حياضنا هذه- و هذه قرينة كونه (صلى الله عليه و آله و سلم) عند الحياض «فقالوا يا رسول الله (إلى قوله) و لكم سائر ذلك» و هذا الخبر رواه الشيخ بإسناده عن السكوني عن جعفر عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أتى الماء فأتاه أهل الماء إلخ (1) و لما كانت الحياض مشاهدة و كانت أكثر من الكر غالبا أجاب بالطهارة فلا يمكن الاستدلال بعمومه على طهارة القليل و لا يمكن الاستدلال به على نجاسة السباع بتقرير النبي (صلى الله عليه و آله) و إياهم على نجاستها، لأن الظاهر أنهم سألوا إن حياضنا تردها الطاهر و النجس، و لو لم يكن ظاهرا فاحتماله ظاهر لا ينكر بقرينة ضم البهائم، على أنه يكفي في ضم السباع كون فرد منها نجسا كالخنزير و الكلب و يكون ذكر الكلب تخصيصا بعد التعميم.

«و إن شرب من الماء دابة إلخ» يدل عليه الأخبار الصحيحة، فمنها صحيحة الفضل قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغل و الوحش و السباع: فلم أترك شيئا إلا سألته عنه فقال: لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله، و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أول مرة ثمَّ بالماء (2).

50

فَإِنْ وَقَعَ وَزَغٌ فِي إِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ أُهَرِيقَ ذَلِكَ الْمَاءُ وَ إِنْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ أَوْ شَرِبَ مِنْهُ أُهَرِيقَ الْمَاءُ وَ غُسِلَ الْإِنَاءُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مَرَّةً بِالتُّرَابِ وَ مَرَّتَيْنِ بِالْمَاءِ ثُمَّ يُجَفَّفُ

____________

«فإن وقع وزغ في إناء فيه ماء أهريق ذلك الماء» (1) الوزغ حيوان شبيه بالضب و السام أبرص، و العظاية (2) و اللحكة أنواعه، فالأول ما يكون في الصحاري غالبا، و الثاني أصغر منه و يكون في الدور غالبا و الثالث أصغر منهما، و يدل عليه حسنة هارون ابن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إلى أن قال) غير الوزغ فإنه لا ينتفع بما يقع فيه (3) و حمله أكثر الأصحاب على الندب للسم الذي يكون له و يدفعه في الماء في بعض الأوقات، و بعضهم حكم بنجاسته و سيجيء خبر السم في بحث الفأرة، و يحتمل أن يكون العبارة متن ذلك الخبر. و يحتمل أن يكون مراد الصدوق الكراهة و الحمل على الأعم أولى كما هو دأب الأخباريين فإنهم يذكرون متون الأخبار و لا يدرون أنها للوجوب أو للاستحباب و هذا أقرب للتقوى. «و إن وقع فيه كلب (إلى قوله) ثمَّ يجفف» يدل عليه خبر الفضل (4) و خبر الفضل و إن كان ظاهره مطلق الملاقاة لكن حمله الأكثر على الولوغ جمعا بين الأخبار و الصدوق جمع بينهما بالعمل عليهما و لا ريب أنه أحوط، و يدل هذا الخبر و غيره من الأخبار الصحيحة على نجاسة القليل ظاهرا و أما ما ذكر مرتين فلم نجده في النسخ التي عندنا من التهذيب، و نقله المحقق في المعتبر، و العلامة في المنتهى في حديث الفضل و لعله كانت نسختها هكذا، و يؤيده عمل الأصحاب و أما التجفيف الذي ذكره الصدوق و المفيد

51

وَ أَمَّا الْمَاءُ الْآجِنُ فَيَجِبُ التَّنَزُّهُ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ وَ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِمَاءٍ يَشْرَبُ مِنْهُ السِّنَّوْرُ وَ لَا بَأْسَ بِشُرْبِهِ

11

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

إِنِّي لَا أَمْتَنِعُ مِنْ طَعَامٍ طَعِمَ مِنْهُ السِّنَّوْرُ وَ لَا مِنْ شَرَابٍ شَرِبَ مِنْهُ

وَ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِسُؤْرِ الْيَهُودِيِّ وَ النَّصْرَانِيِّ وَ وَلَدِ الزِّنَا وَ الْمُشْرِكِ وَ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الْإِسْلَامَ- وَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ سُؤْرُ النَّاصِبِ

____________

فلم نطلع لهما على شاهد.

«و أما الآجن فيجب التنزه عنه إلا أن يكون لا يوجد غيره» رواه في الكافي في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الماء الآجن تتوضأ به إلا أن تجد ماء غيره فتنزه عنه (1) و المراد بالماء الآجن المتغير من قبل نفسه كما فهمه الأصحاب و يدل عليه أخبار أخر و الظاهر من الخبر استحباب الاجتناب، و الصدوق حمل الأمر بالتنزه على الوجوب، و يمكن حمل كلامه على الاستحباب أيضا كما هو دأب القدماء من إطلاق الوجوب على الاستحباب المؤكد كثيرا «و لا بأس بالوضوء إلخ» الأخبار بما ذكره كثيرة و لا ريب في طهارة السنور مع خلوه عن النجاسة بل الظاهر من الأخبار كراهة الاجتناب منه.

«و لا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي إلخ» هذا الخبر ذكره في الكافي هكذا:

أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن أيوب بن نوح، عن الوشاء، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه كره سؤر ولد الزنا و سؤر اليهودي و النصراني و المشرك و كلما خالف الإسلام و كان أشد عنده سؤر الناصب (2).

و حمل الصدوق الكراهة على عدم الجواز كما ترد كثيرا في الأخبار بمعناه للآية و أخبار أخر فإنه لا ريب في نجاسة المشرك و الناصب و كل كافر. نعم ورد الخلاف في

52

وَ مَاءُ الْحَمَّامِ سَبِيلُهُ سَبِيلُ الْمَاءِ الْجَارِي إِذَا كَانَتْ لَهُ مَادَّةٌ

____________

نجاسة أهل الكتاب و الأخبار متعارضة. و الأكثر على النجاسة. و حمل أخبار الطهارة على التقية و المشهور طهارة ولد الزنا و هذا الخبر على تقدير الصحة لا يدل على النجاسة و حكم الصدوق بعدم جواز الوضوء أيضا أعم من النجاسة، و روى الكليني خبرا في طريقه الضعفاء عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و لكن الظاهر أنه من كتاب ابن أبي يعفور فلا يضر الضعف- قال لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام فإن فيها غسالة ولد الزنا و هو لا يطهر إلى سبعة آباء و فيها غسالة الناصب و هو شرهما إن الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب و إن الناصب أهون على الله من الكلب قلت أخبرني عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب و الصبي و اليهودي و النصراني و المجوسي فقال: إن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا.

و يمكن حمله على الكراهة بقرينة «و هو لا يطهر إلى سبعة آباء» لأن ابن إدريس و لا غيره لا يقول بنجاسة أولاده مع أن ظاهر الخبر يدل عليه و سيجيء أيضا في غسالة الحمام خبران لا يخلوان من جهالة في السند و لا شك أن الاجتناب من غسالته أحوط.

و استدل ابن إدريس على نجاسته بالإجماع مع أنه يمكن دعوى الإجماع على خلافه لأنه معروف النسب فلا يضر خروجه.

و ربما يستدل عليها بأنه كافر لأنه يموت على الكفر و المسلم لا يكفر أو باشتراط الثواب على الموافاة و فيهما ما لا يخفى، و على أي حال فالمراد به من ثبت بالبينة أنه ولد الزنا لا من تناله الألسن و لو مع القرائن أو كونه من أولاد الفواحش أو لوعن عليه أو التقط و قوله «و أشد من ذلك سؤر الناصب» المراد به المعلن لعداوة أهل البيت أو عداوة واحد من الأئمة الذين أذهب الله الرجس عنهم و جعل مودتهم أجر رسالة رسوله (صلى الله عليه و آله)، و أشدية كفرهم ظاهرة، و النجاسة تابعة للكفر.

«و ماء الحمام سبيله سبيل الماء الجاري إذا كانت له مادة» هذا الخبر روي في