روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه - ج6

- العلامة المجلسي الأول المزيد...
549 /
5

كِتَابُ الْقَضَايَا وَ الْأَحْكَامِ

بَابُ مَنْ يَجُوزُ التَّحَاكُمُ إِلَيْهِ وَ مَنْ لَا يَجُوزُ

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ الْقُمِّيُّ الْفَقِيهُ مُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

3216

رَوَى أَحْمَدُ بْنُ عَائِذٍ عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ سَالِمِ بْنِ مُكْرَمٍ الْجَمَّالِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم به نستعين

أبواب القضايا و الأحكام باب من يجوز التحاكم إليه و من لا يجوز «قال» الشيخ السعيد «أبو جعفر (إلى قوله) روى أحمد بن عائذ»

6

جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ(ع)

إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ- يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَايَانَا فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ

____________

في الصحيح و رواه الكليني و الشيخ في القوي «عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال» و فيه شيء «قال: قال (إلى قوله) بعضكم» من الشيعة «بعضا» منهم أو الأعم «إلى أهل الجور» و هو غير العالم فإن قضاءه جور لعدم العلم و إن كان صالحا في غيره «و لكن انظروا إلى رجل منكم» من الاثني عشرية «يعلم» بالعلم المتعارف الشامل للظن القوي، لأن الغالب أن أصحابهم (صلوات الله عليهم) أيضا ما كان يحصل لهم العلم بالمشافهة سيما إذا كان في عباراتهم العام و الخاص و المجمل و المطلق و غيرهما مما لا يوجب العلم غالبا فكيف بغيرهم من بعيدي العهد عنهم مع أنه لا يمكن رفع الأحكام بالكلية و لو كان المطلوب اليقين لما أمكن لغير المعصوم (عليه السلام) مع أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كانا يبعثان القضاة إلى البلاد و يستبعد أن يكونوا عالمين بجميع الأحكام و لا يجتهدوا في المسائل «شيئا من قضائنا» أو قضايانا «فاجعلوه (إلى قوله) إليه» يدل ظاهرا على جواز التجزي و جواز كون المتجزي قاضيا فالمفتي بطريق أولى، و على أن المتجزي أيضا منصوب من قبل الإمام حال الغيبة أيضا، و على وجوب التحاكم إليه، و يمكن أن يكون المراد به أن العالم غيرهم (عليهم السلام)

7

3217 وَ

رَوَى مُعَلَّى بْنُ خُنَيْسٍ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ

قُلْتُ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

____________

لا يمكنه العلم بجميع القضايا، فإن الظاهر من الأخبار أن لكل واقعة قضاء خاصا بها فعلى تقدير كونه مجتهدا في الجميع لا يكون عالما بجميع قضاياهم ((عليه السلام))، لكن ظاهر الخبر شموله للجميع، بل الظاهر شموله للمحدث أيضا و إن لم يبلغ درجة الاجتهاد لو لم نقل بظهوره فيه كما كان دأب أصحابهم في العمل بالخبر دون الرأي و الاجتهاد، نعم يجب أن يكون بحيث يعرف الأخبار و يمكنه الجمع بينها سيما بالنظر إلى غير العربي بل الغالب في هذا الزمان أنه مع صرف أوقاتهم في الأزمنة الطويلة في طلب العلوم لا يحصل لهم الارتباط بأخبارهم فكيف بمن لم يكن له رتبة في العلم.

و روى الشيخ في القوي، عن أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارأ (أي تدافع) بينكم (أو ترادى بينكم كما في بعض النسخ) في شيء من الأخذ و العطاء أن تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق اجعلوا بينكم رجلا ممن قد عرف حلالنا و حرامنا فإني قد جعلته قاضيا و إياكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر و الظاهر أن هذا الخبر كان قبل الزلة أو بعد التوبة و لهذا تلقاه الأصحاب بالقبول مع تأيده بأخبار أخر و هذا كخبر ابن حنظلة الآتي في عدم دلالته على المتجزي و لا تنافي بين خبرية لأنه يمكن أن يكون سماعه مرتين كما في كثير من الأخبار من شخص واحد «و روى معلى بن خنيس» كالصحيح كالشيخ «عن الصادق (صلوات الله عليه)» الظاهر من نقل هذا الخبر (إما) لبيان أن الحكومة مخصوصة بالأئمة

8

إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ

قَالَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَ مَا عِنْدَهُ إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي بَعْدَهُ وَ أُمِرَتِ الْأَئِمَّةُ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وَ أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ

____________

(عليهم السلام) فيأول بأن الحكومة حقهم مع وجودهم أو لا يجوز بدون إذنهم مع أنه لا يدل الآية على الاختصاص بل الظاهر منها و من الخبر أن الأمانة هنا الإمامة و يجب على الإمام أن ينص على الإمام الذي بعده و هو عبارة عن أداء الأمانة و الإمامة «و أمرت الأئمة» إذا حكموا بين الناس «أن يحكموا بالعدل و أمر الناس أن يتبعوهم» أي أمروا أن يتحاكموا إليهم و يقبلوا حكمهم و دلالتها على الأخير باعتبار أنهم جعلوا حاكمين عليهم فلو لم يجب التحاكم إليهم لكان نصبهم عبثا و لا يجوز للحكيم العبث، فعلى هذا التوجيه يجب المحاكمة إليهم حال حضورهم و تسلطهم و لا يدل على عدم جواز المحاكمة إلى غيرهم مع غيبتهم أو إذنهم. و يمكن أن يكون المراد باتباع الناس إياهم اتباعهم في القضاء أو الأعم بحيث يشمله فحينئذ له مدخل في هذا الباب و في بعض النسخ (عدل الإمام) و في بعضها (على الإمام) و هو أظهر كما يظهر من أخبار المعلى في الكافي.

و روى الكليني في القوي كالصحيح، بل الصحيح، عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل (إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) قال: إيانا عنى أن يؤدى الأول إلى الإمام الذي بعده الكتب و العلم و السلاح و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم، ثمَّ قال للناس (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) إيانا عنى

9

3218 وَ

رَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ

إِذَا كُنْتُمْ فِي أَئِمَّةِ جَوْرٍ فَاقْضُوا فِي أَحْكَامِهِمْ وَ لَا تَشْهَرُوا أَنْفُسَكُمْ فَتُقْتَلُوا وَ إِنْ تَعَامَلْتُمْ بِأَحْكَامِنَا كَانَ خَيْراً لَكُمْ

____________

خاصة، أمر جميع المؤمنين بطاعتنا فإن خفتم تنازعا في أمر فردوه إلى الله و إلى الرسول و إلى أولي الأمر منكم كذا نزلت و كيف يأمرهم الله عز و جل بطاعة ولاة الأمر و يرخص في منازعتهم، إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم و ظاهره الاختصاص عند حضورهم و التمكن من التحاكم إليهم و لا ريب فيه.

«و روى عطاء بن السائب» في القوي كالشيخ بسندين «عن علي بن الحسين عليهما صلوات الله قال: إذا كنتم في أئمة جور» أي في أزمنتهم أو نيابتهم كرها و المراد بهم العامة و إن احتمل العموم «فاقضوا في أحكامهم» تقية ما لم يستلزم القتل ظلما فإنه لا تقية فيه إذا كان المقتول مؤمنا أما إذا كان منهم و شهد عليه اثنان منهم فظاهر الأخبار الكثيرة و هذا الخبر جواز الحكم عليه و في الجراح تردد و الاجتناب أحوط ما لم ينته إلى قتل نفسه فيجوز «و لا تشهروا أنفسكم» بالتشيع و إجراء أحكامكم «فتقتلوا و إن تعاملتم بأحكامنا» في بلاد الشيعة أو بلادهم مع الإمكان بدون التشهير «كان خيرا لكم» و يؤيده ما رواه الشيخ عن علي بن محمد قويا قال: سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منا في أحكامهم؟ فكتب (عليه السلام) يجوز لكم إن شاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقية و المداراة لهم و إن احتمل أن يكون المراد به نقل الأخبار عنهم

10

3219 وَ

رَوَى الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

أَيُّمَا مُؤْمِنٍ قَدَّمَ مُؤْمِناً فِي خُصُومَةٍ إِلَى قَاضٍ أَوْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ فَقَضَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَدْ شَرِكَهُ فِي الْإِثْمِ

3220 وَ

رَوَى حَرِيزٌ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ

أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَخٍ لَهُ- مُمَارَاةٌ فِي حَقٍّ فَدَعَاهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِكُمْ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ فَأَبَى إِلَّا

____________

تقية و مداراة لينقلوا أخبارنا.

«و روى الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان» في الصحيح كالكليني و الشيخ عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال أيما مؤمن قدم» بالتخفيف و التشديد بمعنى تقدم «مؤمنا» أي تقدمه ليجيء خصمه خلفه أو جاء به و هو أظهر «في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر» أي كل منهما جائر أو يعم القاضي «فقضى عليه بغير حكم الله» عمدا أو الأعم منه و من الخطإ «فقد شركه» المستتر راجع إلى المقدم و البارز إلى القاضي «في الإثم» ففي صورة العمد ظاهر و في صورة الخطإ بناء على الاختصاص بالمعصوم (عليه السلام) كما كان الواقع في زمانهم لكن كان الغالب أيضا فيه قضاة الجور من العامة و يدل ظاهرا على عدم جواز الترفيع إلى حكام الجور كغيره من الأخبار و سيجيء «و روى حريز عن أبي بصير» في الصحيح كالكليني و الشيخ «عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إلى قوله) له» و كانا من الشيعة بقرينة الأخوة «مماراة» أي مجادلة و منازعة «في حق» مال أو غيره من الحقوق كالشفعة و الولاية

11

أَنْ يُرَافِعَهُ إِلَى هَؤُلَاءِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ

الْآيَةَ

____________

«فدعاه» الأخ أو الرجل «إلى رجل من إخوانكم» أي من الشيعة «ليحكم بينه و بينه» أي له رتبة الحكم و إلا لقال ليصلح و أمثاله «فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء» من قضاة العامة «كان (إلى قوله) من قبلك» أي في الواقع ليسوا بمؤمنين و لو كانوا مؤمنين بما أنزل إليك لما خطر ببالهم ما خطر و كذبوا لو كانوا مؤمنين بالتوراة و الإنجيل لأنك مذكور فيهما بالرسالة و الحقية «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ».

و هو كعب بن الأشرف كما نقل أنه كان بين مسلمين منازعة فقال أحدهما أنا نتحاكم إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال الآخر: إنا نتحاكم إلى كعب فنزلت، و يطلق على الشيطان و الجبت و اللات و العزى و غيرها من الأصنام، و على رؤوس الضلال و كلما عبد من دون الله و الغالب في أخبارنا الإطلاق على الثاني و الجبت على الأول «وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» في قوله تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّٰاغُوتِ) و غيره.

فظاهر الخبر جواز التحاكم إلى علماء الشيعة و صريحه حرمة التحاكم إلى الباطل من علماء العامة و الخاصة كما تقدم، بل اليهود و النصارى في تقريرهم في الذهاب إلى حكامهم و إن كان بعيدا من الخبر.

12

..........

____________

و يؤيده ما رواه الشيخ في الصحيح، عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت رجلان من أهل الكتاب نصرانيان أو يهوديان كان بينهما خصومة فقضى بينهما حاكم من حكامهما بجور فأبى الذي قضى عليه أن يقبل و سأل أن يرد إلى حكم المسلمين؟ قال: يرد إلى حكم المسلمين.

(فأما) ما رواه الشيخ في القوي، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الحاكم إذا أتاه أهل التوراة و أهل الإنجيل يتحاكمون إليه كان ذلك إليه إن شاء حكم بينهم و إن شاء تركهم (فيمكن) حمله على حال التقية أو على التفويض إذا كان الحاكم الإمام أو على الشرط في حال الهدنة إذا لم يرد خصمه.

و روى الكليني و الشيخ في القوي، عن عبد الله بن مسكان (و الظاهر أنه المأخوذ من كتابه سيما بالنظر إلى الكليني رضي الله عنه) عن أبي بصير (و الظاهر أنه ليث) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قول الله عز و جل في كتابه وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ إلخ فقال: يا با بصير إن الله عز و جل قد علم أن في الأمة حكاما يجورون أما أنه لم يعن حكام أهل العدل و لكنه عنى حكام أهل الجور يا با محمد أنه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم إلى الطاغوت و هو قول الله عز و جل أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ.

و روى الشيخ في الموثق كالصحيح، عن الحسن بن علي بن فضال قال: قرأت

13

بَابُ أَصْنَافِ الْقُضَاةِ وَ وُجُوهِ الْحُكْمِ

3221

قَالَ الصَّادِقُ(ع)

الْقُضَاةُ أَرْبَعَةٌ ثَلَاثَةٌ فِي النَّارِ وَ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ قَضَى بِجَوْرٍ وَ هُوَ يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ وَ رَجُلٌ قَضَى بِجَوْرٍ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ وَ رَجُلٌ قَضَى بِحَقٍّ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ وَ رَجُلٌ قَضَى بِالْحَقِّ وَ هُوَ يَعْلَمُ فَهُوَ

____________

في كتاب أبي الأسد إلى أبي الحسن الثاني (عليه السلام) و قرأته بخطه سأله ما تفسير قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ إلخ قال: فكتب (عليه السلام) بخطه: الحكام القضاة، قال: ثمَّ كتب تحته هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في أخذه ذلك الذي حكم له إذا كان قد علم أنه ظالم أي المدعي و إن كان القاضي محقا و هذا تفسير آخر للآية و بعمومها شامل لهما و يمكن أن يراد بالضمير الحاكم فيرجع إلى الأول، و يدل على عدم جواز الترافع إليهم و أن ما يأخذه حرام كما سيأتي التصريح به في أخبار أخر.

باب أصناف القضاة و وجوه الحكم من الحق و الباطل و الجائز و الحرام «قال الصادق (عليه السلام)» رواه الكليني و الشيخ، عن البرقي مرسلا عنه (عليه السلام) و لا شك فيه للإجماع و الأخبار المتواترة عنهم (صلوات الله عليهم) أنه يجب أن يكون القاضي مجتهدا أو عالما و لا أقل فيما يقضي، فلو لم يكن كذلك كان عاصيا و لو قضى بالحق، و الظاهر من العلم، العلم الشرعي الشامل للظن المتاخم للعلم أو مطلق الظن على ما هو المشهور بين الأصحاب و يحتمل أن يكون المراد به العلم اليقيني فحينئذ يخرج غير المعصوم (عليه السلام) أو

14

فِي الْجَنَّةِ وَ قَالَ(ع)الْحُكْمُ حُكْمَانِ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ حُكْمُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَمَنْ أَخْطَأَ حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَكَمَ بِحُكْمِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ

____________

المنصوب من قبله بالخصوص فحينئذ يكون المراد منه زمان الحضور أو في زمان الغيبة إذا كان مستند الحكم قطعيا كالخبر المتواتر أو الإجماع المعلوم دخول المعصوم فيه كما سيأتي.

«و قال (صلوات الله عليه)» أي الصادق (عليه السلام) في تتمة هذا الخبر كما ذكره الكليني و الشيخ «الحكم حكمان» بالضم «حكم الله» و هو ما يكون من العالم و يكون موافقا للحق «و حكم أهل الجاهلية» أي الكفر و هو حكم غير ما ذكر و إن كان مطابقا للحق لكون الحاكم باطلا و في في و يب بإسقاط لفظة (أهل) في الموضعين و هو أحسن.

و يؤيده ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الحكم حكمان حكم الله و حكم الجاهلية و قد قال الله عز و جل وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ و أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض (أي المواريث) بحكم الجاهلية.

و يدل على أن المخطئ غير معذور، و يمكن أن يكون مع التقصير في الاجتهاد.

15

وَ مَنْ حَكَمَ بِدِرْهَمَيْنِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى

____________

و روى الشيخ عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مسندا أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: لسان القاضي بين جمرتين من نار حتى يقضي بين الناس فإما إلى الجنة أو إلى النار.

«و من حكم بدرهمين إلخ» و الظاهر أنه من كلام المصنف لعدم ذكره في هذا الخبر في في و يب و روى الكليني و الشيخ في الحسن كالصحيح، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عز و جل فهو كافر بالله العظيم.

و في القوي عن عبد الله بن مسكان رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من حكم في درهمين بحكم جور ثمَّ جبر عليه كان من أهل هذه الآية (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ): فقلت و كيف يجبر عليه؟ فقال يكون له سوط و سجن فيحكم عليه فإن رضي بحكومته و إلا ضربه بسوطه و حبسه في سجنه و روى الكليني في القوي، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، و عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قالا: من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عز و جل ممن له سوط أو عصا فهو كافر بما أنزل الله عز و جل على محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) التقييد بالجبر في هذه الأخبار يمكن أن يكون لبيان الحكم لأنه إذا لم يكن جبرا فهو صلح و لا بأس به و إن لم يكن من أهل الحكم أو لإخراج أهل العدل في ذلك الزمان كما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

ربما كان بين رجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منا فقال:

ليس هو ذاك (أي المنهي عنه) إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف

16

..........

____________

و السوط.

و يحتمل أن يكون لإخراج المفتي فإنه لا يحكم بالجبر، بل يقول: هذا حكم الله و يجب عليكم العمل به و إن كان خطر الفتوى أيضا عظيما لما رواه الكليني و الشيخ و البرقي، في الصحيح، عن أبي عبيدة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه يمكن أن يكون المراد بالعلم ما يكون حكمه معلوما من القرآن و بالهدي ما يكون من السنة أو ما يكون حكمه من الأخبار المروية عن الأئمة (صلوات الله عليهم) سواء كان الخبر متواترا أو غيره كما كان في أزمنتهم (صلوات الله عليهم) من عمل الشيعة عليها.

و روى الكليني و الشيخ في الحسن كالصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) قاعدا في حلقة ربيعة الرأي فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه فلما سكت قال له الأعرابي أ هو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة و لم يرد عليه شيئا فأعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك فقال له الأعرابي أ هو في عنقك؟ فسكت ربيعة فقال أبو عبد الله (عليه السلام) هو في عنقه؟ قال: أو لم يقل، كل مفت ضامن.

و روى البرقي في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من

17

..........

____________

أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء و الأرض.

و بسندين قويين عن أبي عبد الله و عن أبي الحسن صلوات عليهما مثله و الأخبار بذلك متواترة معنى و يؤيد الفرق ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن فضالة (بفتح الفاء) ابن أيوب (و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه) عن داود بن فرقد قال: حدثني رجل، عن سعيد بن أبي الخضيب البجلي قال كنت مع ابن أبي ليلى مزامله حتى جئنا إلى المدينة فبينا نحن في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) إذ دخل جعفر بن محمد (عليهما السلام) فقلت: لابن أبي ليلى تقوم بنا إليه فقال: و ما نصنع عنده؟ فقلت نسائله و نحدثه فقال: قم فقمنا إليه فسائلني عن نفسي و أهلي ثمَّ قال: من هذا معك؟ فقلت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين، فقال له: أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين؟ فقال: نعم فقال: تأخذ مال هذا فتعطيه هذا؟ و تقتل هذا و تفرق بين المرء و زوجه لا تخاف في ذلك أحدا؟ قال: نعم قال فبأي شيء تقضي؟

قال: بما بلغني عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و عن علي (عليه السلام) و أبي بكر و عمر، قال: فبلغك عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال إن عليا أقضاكم؟ قال: نعم، قال: فكيف تقضي بغير قضاء علي (عليه السلام) و قد بلغك هذا؟ فما تقول: إذا جيء بأرض من فضة ثمَّ أخذ رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بيدك و أوقفك بين يدي ربك و قال يا رب إن هذا قضى بغير ما قضيت، قال: فاصفر وجه ابن أبي ليلى حتى عاد مثل الزعفران ثمَّ قال لي: التمس لنفسك زميلا و الله لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا.

18

بَابُ اتِّقَاءِ الْحُكُومَةِ

3222

رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

اتَّقُوا الْحُكُومَةَ فَإِنَّ الْحُكُومَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْإِمَامِ الْعَالِمِ بِالْقَضَاءِ الْعَادِلِ فِي الْمُسْلِمِينَ كَنَبِيٍّ أَوْ وَصِيِّ نَبِيٍّ

3223 وَ

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِشُرَيْحٍ

يَا شُرَيْحُ قَدْ جَلَسْتَ مَجْلِساً مَا جَلَسَهُ إِلَّا نَبِيٌّ

____________

باب اتقاء الحكومة لعظم خطرها و كثرة شروطها و هذا بالنظر إلى من لم يتعين عليه بتعيين الإمام أو لانحصار شرائطها فيه أو بالنظر إليهما أيضا بأن لا يحكم مهما أمكن و يصالح «روى سليمان بن خالد» في الحسن كالصحيح و رواه الشيخ و الكليني أيضا عنه «عن أبي عبد الله (صلوات الله عليه) قال: اتقوا الحكومة» مطلقا (أو) مع عدم اجتماع شرائطها أو نيابة عن الجائر كما كان الغالب في أزمنتهم «فإن الحكومة» حقها «إنما هي للإمام» الأصل أو مطلقا و يقيد بما ذكر «العالم بالقضاء» باليقين «العادل في المسلمين» كالمعصوم (عليه السلام) أو هو المعصوم «لنبي» بدل من الإمام «أو وصي نبي» فنوابهم (صلوات الله عليهم) يجرون الأحكام بدلا منهم لا بالأصالة أو يعم الوصي بحيث يشمل النواب و فيه بعد، و الظاهر حمله على المبالغة لأن يتقي منه مهما أمكن كما في الخبر الآتي.

«و قال أمير المؤمنين (عليه السلام)» رواه الكليني و الشيخ في القوي عن إسحاق

19

أَوْ وَصِيٌّ نَبِيٍّ أَوْ شَقِيٌّ

بَابُ كَرَاهَةِ مُجَالَسَةِ الْقُضَاةِ فِي مَجَالِسِهِمْ

3224

رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ

مَرَّ بِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)وَ أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْمَدِينَةِ

____________

بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) «لشريح» قاضي الكوفة من قبل عمر و عثمان «يا شريح قد جلست مجلسا ما جلسه» و في في (ما يجلسه) و في يب (لا يجلسه) «إلا نبي أو وصي نبي أو شقي» فعلى نسخة الأصل يمكن أن يؤول بأن كل من جلسه غيرهما يشقي أخيرا أو غالبا، و على ما فيهما (إما) أن يحمل على الغالب (أو) في زمانهما بدون إذنهما كما هو المشهور أنه (صلوات الله عليه) أراد عزله عن القضاء فقال أهل الكوفة نحن بايعناك على سنة الشيخين و هو منصوب عمر لا تعز له فلما رأى الفتنة تركه و اشترط عليه أن لا يمضي شيئا و لا يحكم حتى يعرضه عليه (صلوات الله عليه).

كما رواه الكليني و الشيخ في الحسن كالصحيح، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لما ولى أمير المؤمنين (عليه السلام) شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه و سيجيء أيضا.

باب كراهة أو كراهية مخففة بالمعنى الأعم الشامل للحرمة «مجالسة القضاة في مجالسهم» للقضاء و هو الظاهر أو الأعم.

20

فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ لِي مَا مَجْلِسٌ رَأَيْتُكَ فِيهِ أَمْسِ قَالَ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ هَذَا الْقَاضِيَ بِيَ مُكْرِمٌ فَرُبَّمَا جَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي وَ مَا يُؤْمِنُكَ أَنْ تَنْزِلَ اللَّعْنَةُ فَتَعُمَّكَ مَعَهُ

وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ فَتَعُمَّ مَنْ فِي الْمَجْلِسِ

3225 وَ

رُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ

إِنَّ شَرَّ الْبِقَاعِ دُورُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ لَا يَقْضُونَ بِالْحَقِّ

3226

____________

«روى محمد بن مسلم» في القوي كالصحيح كالكليني و الشيخ «فتعمك» أي اللعنة «معه» أي القاضي.

«و في خبر آخر» أي من محمد بن مسلم في تتمة هذا الخبر بدل هذه الجملة و ترجع إلى معنى الأولى لكن اللفظ مختلف، و يظهر من أمثاله أنهم ينقلون لفظ الخبر غالبا، و الظاهر من محمد بن مسلم أنه كان ينقل بالمعنى كما تقدم من رخصته (عليه السلام) له أن ينقل بالمعنى و لهذا اختلفت الرواية عنه هنا و إن أمكن أن يكون في واقعتين و هو بعيد من مثله أن لا ينزجر في المرة الأولى.

و الظاهر أن هذا ليس قادحا في عدالته لأنه كان مخطئا في الاجتهاد و الظاهر أنه كان يجلس معه لا للإكرام فقط، بل لئلا ينجر عدم الجلوس إلى العداوة أو لتنبيهه على الحق كما سيجيء، مع أنه يحتمل المبالغة في الكراهة أو استلزام هذا الفعل للعنة لو لم يكن له وجه من التقية و غيرها لئلا يحبوهم- و قال الله تعالى لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إلخ و الظاهر حرمته كما تقدم.

«و روي في خبر آخر أن شر البقاع» كجبال جمع بقعة بالضم و يفتح، القطعة

21

وَ

قَالَ الصَّادِقُ(ع)

إِنَّ النَّوَاوِيسَ شَكَتْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ شِدَّةَ حَرِّهَا فَقَالَ لَهَا عَزَّ وَ جَلَّ اسْكُتِي فَإِنَّ مَوَاضِعَ الْقُضَاةِ أَشَدُّ حَرّاً مِنْكِ

بَابُ كَرَاهَةِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَى الْقَضَاءِ

3227

رَوَى الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ

سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ

____________

من الأرض على غير هيئة التي إلى جانبها، و المراد هنا الأعم «دور» كصور جمع الدار «الأمراء الذين لا يقضون بالحق» فلا يحسن دخولها مطلقا أو في وقت الحكم كالسابق أو عبارة عن شناعة أفعالهم و هو أظهر كاللاحق.

«و قال الصادق (عليه السلام) إن النواويس» موضع من مواضع جهنم و ذكره هنا لبيان أن محلهم في الآخرة أيضا شر المحال أو استطرادا كالسابق و هو أظهر.

باب كراهة إلخ الظاهر أن مراده الحرمة كما يظهر من الخبر «روى الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان» في الصحيح و رواه الكليني و الشيخ في الحسن كالصحيح (السحت) الحرام، و علل بأن القضاء عبادة و الأجر عليها حرام، و يمكن أن يكون المراد بالسلطان، الجائر و يكون الحرمة باعتبار الأخذ منه، و المشهور جواز أخذ الرزق من بيت المال لأنه معد للمصالح و هذا أعظمها، و الاحتياط في الترك مطلقا.

و أما الأخذ من المتحاكمين فحرام، لما رواه الكليني و الشيخ في الموثق عن

22

قَاضٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ يَأْخُذُ مِنَ السُّلْطَانِ عَلَى الْقَضَاءِ الرِّزْقَ فَقَالَ ذَاكَ سُحْتٌ

بَابُ الْحَيْفِ فِي الْحُكْمِ

3228

رَوَى السَّكُونِيُّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)

يَدُ اللَّهِ فَوْقَ رَأْسِ الْحَاكِمِ تُرَفْرِفُ

____________

سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الرشى في الحكم هو الكفر بالله.

و عن يزيد بن فرقد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السحت فقال: هو الرشى في الحكم و الرشى مثلثة جمع الرشوة مثلثة، الجعل و سيجيء أيضا في موثقة أبي بصير أن الرشى في الحكم هو الكفر بالله العظيم، و ظاهره الحرمة مطلقا بالنسبة إلى المعطي و الآخذ سواء كان لحق أو باطل كما ذكره أكثر الأصحاب (و قيل) بالجواز لاستنقاذ الحق و فيه إشكال.

و روى الشيخ في القوي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من نظر إلى فرج امرأة لا تحل له و رجلا خان أخاه في امرأته و رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة و هو شامل للفتوى و تعليم العلوم الدينية أيضا و سيجيء الأخبار في التجارة.

باب الحيف في الحكم أي الجور و الظلم «روى السكوني» في القوي كالكليني و الشيخ «بإسناده» أي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال قال» أمير المؤمنين (عليه السلام) كما في في

23

بِالرَّحْمَةِ- فَإِذَا حَافَ فِي الْحُكْمِ وَكَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَفْسِهِ

____________

و يب «يد الله» أي قدرة الله «فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة» أي رحمته تعالى قريب منه بالشمول و يؤيده بالحق فعلا و قوة و يعصمه من الخطإ «فإذا حاف وكله الله إلى نفسه» و في بعض النسخ (فإذا حاف في الحكم) كما في يب أي إذا جار في حكم منع لطفه منه، نعوذ بالله منه.

و روى الشيخ قويا عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) أنه اشتكى عينه فعاده رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، فإذا علي (عليه السلام) يصيح فقال له النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أ جزعا أم وجعا يا علي؟ قال: يا رسول الله ما وجعت وجعا قط أشد منه، فقال يا علي، إن ملك الموت (عليه السلام) إذا نزل ليقبض روح الفاجر أنزل معه بسفود من نار فينزع روحه منه فتصيح جهنم فاستوى علي (عليه السلام) جالسا فقال: يا رسول الله أعد على حديثك فقد أنساني وجعي ما قلت، فهل يصيب ذلك أحدا من أمتك؟ قال: نعم حكام جائرين (أو حكماء جائرون) و آكل مال اليتيم و شاهد الزور الظاهر أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) عرف مداواته (عليه السلام) بهذه المداواة.

و روى الكليني و الشيخ في الصحيح (على الظاهر) عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان في بني إسرائيل قاض كان يقضي بالحق فيهم فلما حضرت الموت قال: لامرأته: إذا أنا مت فاغسليني و كفنيني و ضعيني على سريري و غطي وجهي فإنك لا ترين سوءا فلما مات فعلت ذلك ثمَّ مكث بذلك حينا ثمَّ إنها كشفت عن وجهه لتنظر إليه، فإذا هي بدودة تقرض منخره ففزعت من ذلك، فلما كان الليل أتاها في منامها فقال لها: أفزعك ما رأيت؟ قالت أجل فزعت فقال لها أما لئن كنت فزعت ما كان الذي رأيت إلا في أخيك فلان، أتاني و معه خصم له فلما جلسا إلى قلت: اللهم اجعل الحق له، و وجه القضاء له علي صاحبه، فلما اختصما

24

بَابُ الْخَطَإِ فِي الْحُكْمِ

3229

رُوِيَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)

مَنْ حَكَمَ فِي دِرْهَمَيْنِ فَأَخْطَأَ كَفَرَ

3230 وَ

رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ

أَيُّ قَاضٍ قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَخْطَأَ سَقَطَ أَبْعَدَ مِنَ السَّمَاءِ

____________

إلى كان الحق له، و رأيت ذلك بينا في القضاء فوجهت القضاء له على صاحبه فأصابني ما رأيت لموضع هواي كان مع موافقة الحق.

باب الخطإ في الحكم «روي عن أبي بصير» في الموثق و قد تقدم قريبا منه.

«و روى معاوية بن وهب» في الحسن كالصحيح، و رواه الكليني و الشيخ أيضا مسندا عنه «عن أبي عبد الله (عليه السلام)» يدلان كالأخبار السابقة على أن المخطئ غير معذور، و لعله مع التقصير في الاجتهاد و السقوط كناية عن العدول عن الحق إلى الباطل و هو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس أو عبارة عن انحطاط درجته في الجنة لو كان محقا بالشرائط مع تقصير ما.

25

بَابُ أَرْشِ خَطَإِ الْقُضَاةِ

3231

رُوِيَ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ أَنَّهُ قَالَ

قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّ مَا أَخْطَأَتِ الْقُضَاةُ فِي دَمٍ أَوْ قَطْعٍ فَهُوَ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ

بَابُ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدْلَيْنِ فِي الْحُكُومَةِ

____________

باب أرش خطاء القضاء «روي عن الأصبغ» في الموثق و الشيخ عنه في القوي «أنه قال قضى» أي حكم «أمير المؤمنين عليه أن إن ما أخطأت القضاة» اجتهادا أو غلطا أو نسيانا «في دم» أي قتل «أو قطع» عضو «فهو على بيت مال المسلمين» و هو أجرة الأرض المفتوحة عنوة أو قهرا و هو مال المسلمين قاطبة يصرف في مصالحهم، و لما كان القضاء من مصالحهم و لا يطل دم امرئ مسلم، فلو كان على القاضي لما قضى أحد سيما في الغالب من أحوالهم من الفقر ممن لا يأخذ الرشوة فاقتضى الحكمة كونه من بيت المال.

باب الاتفاق على عدلين في الحكومة في التحكيم أو التعميم و هو أظهر، بل الظاهر أن قاضي التحكيم من طرق العامة كما يظهر من الأخبار و لم ينقل كونه في زمان النبي و أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) و لو علم وجوده لا يعلم أنه من باب التحكيم، بل يمكن أن يكون من باب العموم إلا أن يصطلح بأن من كان في دولة المعصوم (عليه السلام) ممن لم يكن منصوبا على

26

3232

رُوِيَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

فِي رَجُلَيْنِ اتَّفَقَا عَلَى عَدْلَيْنِ جَعَلَاهُمَا بَيْنَهُمَا فِي حُكْمٍ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فِيهِ خِلَافٌ فَرَضِيَا بِالْعَدْلَيْنِ فَاخْتَلَفَ الْعَدْلَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِ أَيِّهِمَا يَمْضِي الْحُكْمُ قَالَ يُنْظَرُ إِلَى أَفْقَهِهِمَا وَ أَعْلَمِهِمَا بِأَحَادِيثِنَا

____________

الخصوص فهو تحكيمي، و من كان في زمن الغيبة أو عدم الدولة كما في أزمنة باقي الأئمة (عليهم السلام) فهو تعميمي، و لا مشاحة في الاصطلاح و على أي حال يجب أن يكون القاضي عالما و لو بالاجتهاد إن جوزنا قضاء المجتهد.

«روي عن داود بن الحصين» في طريق المصنف (الحكم بن مسكين) و هو مجهول الحال و إن حكم بعض الأصحاب بعدالته بناء على ما ذهب إليه الشيخ و سيجيء، لكن رواه الشيخ في الحسن كالصحيح، عنه و (داود) ثقة واقفي فالحديث موثق لكن تلقوه بالقبول و عمل الأصحاب عليه.

«عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما» أي جميعا (أو) جعل كل واحد واحد غير الآخر بينهما «في حكم وقع بينهما فيه خلاف» أي بين الخصمين «فرضيا بالعدلين» و ظاهره اشتراط العدالة «و اختلف العدلان بينهما» لاختلاف رأييهما باعتبار اختلاف الرواية أو غيره «عن قول أيهما يمضي الحكم» أي يجري و بقول أيهما يعمل؟ «قال ينظر إلى أفقههما» في فقه القضاء و المسائل المعتبرة فيه أو مطلقا فإن الأفقه أعلم بهذه المسائل أيضا أو باعتبار شرف العلم «و أعلمهما بأحاديثنا» فإن أعظم مبادي الفقه العلم بالحديث و يحتمل أن يكون تفسيرا للأفقه فإن العلم بالكتاب و إن كان أشرف و أهم لكن أكثره يعلم من الأحاديث و بهذا الاعتبار خص الحديث بالذكر «و أورعهما» فإن للورع و التقوى مدخلا عظيما في إفاضة العلوم و فهم الآيات و الأخبار مع الأمن من الكذب و الغلط فإن الورع لا ينقل و لا يفسر ما لم يعلم «فينفذ حكمه» أي الأعلم

27

وَ أَوْرَعِهِمَا فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ وَ لَا يُلْتَفَتُ إِلَى الْآخَرِ

3233 وَ

رَوَى دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

قُلْتُ

____________

الأورع لكن إذا تعارض الأعلم و الأورع فالمشهور تقديم الأعلم و التخيير أظهر.

«و روى داود بن الحصين» في القوي «عن عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام)» هذه الرواية هي المشهورة بمقبولة عمر بن حنظلة و تلقاها الأصحاب بالقبول و هي العمدة في التفقه و الاجتهاد و لها طرق كثيرة مشتركة في (داود) و هو ثقة واقفي و (ابن حنظلة) و إن لم ينص الأصحاب عليه بجرح و لا تعديل، لكن وثقه الشهيد الثاني في الدراية و لهذا سموها بالمقبولة على ما ذكره الشهيد الثاني.

و الظاهر من وجه التسمية صحة مضمونها من أخبار أخر فصار عندهم بمنزلة المتواتر معنى مع أنها صحيحة بثلاث طرق عن صفوان، و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، و لا بأس بأن نذكر أولا متنها مسندا بالطرق المختلفة ثمَّ نذكر ما يستنبط منها من الأحكام.

فمن ذلك ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح، عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحا كما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحل ذلك؟ قال (و في يب فقال (عليه السلام)) من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت و ما يحكم له فإنما يأخذ سحتا و إن كان حقا ثابتا له لأنه أخذه بحكم الطاغوت و قد أمر الله أن يكفر به- قال الله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ.

قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى

28

فِي رَجُلَيْنِ اخْتَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلًا فَرَضِيَا أَنْ يَكُونَا النَّاظِرَيْنِ فِي حَقِّهِمَا

____________

حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله و علينا رد، و الراد علينا الراد على الله و هو على حد الشرك بالله.

قلت: فإن كان كل واحد (و في يب- منهما) اختار رجلا من أصحابنا (و في يب- رجلا و كلاهما إلخ) فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلف (أو اختلفا- خ) في حديثكم (و في يب في حديثنا)؟ قال:

الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.

قال: فقلت: إنهما (و في في- قلت فإنهما) عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل (و في يب- ليس يتفاضل) واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه أصحابك (و في في من أصحابك) فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه، و إنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع (و في يب- فمتبع) و أمر بين غيه فيجتنب و أمر مشكل يرد علمه إلى الله (و في في- و إلى رسوله) قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات (و في في- المحرمات) و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم.

قلت: فإن كان الخبران عنكما (و في يب- عنكم) مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق العامة، قلت:

جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة

29

فَاخْتَلَفَا فِيمَا حَكَمَا وَ كِلَاهُمَا اخْتَلَفَ فِي حَدِيثِنَا قَالَ الْحُكْمُ مَا حَكَمَ بِهِ أَعْدَلُهُمَا وَ أَفْقَهُهُمَا

____________

(و في يب- أ رأيت أن المفتيين (أو المتفقين) (أو الخصمين) غبي عليهما معرفة حكمه من كتاب و سنة) و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ (أو نأخذ)؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد.

فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر.

قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان كذلك فأرجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.

و روى الكليني في الصحيح و الشيخ، عن صفوان، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحل ذلك؟ فقال: من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنما يأخذ سحتا و إن كان حقه ثابتا لأنه أخذ بحكم الطاغوت و قد أمر الله أن يكفر به قلت: كيف يصنعان؟ قال:

انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما بحكم الله قد استخف، و علينا رد، و الراد علينا الراد على الله و هو على حد الشرك بالله.

و روى الشيخ في القوي، عن موسى بن أكيل النميري (الثقة) عن أبي

30

وَ أَصْدَقُهُمَا فِي الْحَدِيثِ وَ أَوْرَعُهُمَا وَ لَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ الْآخَرُ-

____________

عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل يكون بينه و بين أخ (أو آخر) منازعة في حق فيتفقان على رجلين يكون بينهما فحكما فاختلفا فيما حكما قال: و كيف يختلفان قلت حكم كل واحد منهما للذي اختاره الخصمان فقال: ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين الله فيمضي حكمه.

و الظاهر أن المصنف ذكر بعض الخبر الذي رواه الكليني لما ذكره مضمون أول الخبر في أخبار أخر (أو) كان السقط من عمر (أو) داود كما في أخباره الأخر و كان ينقل بحسب الاحتياج كما كان دأب المحدثين من توزيع الخبر (أو) كان السماع منه (عليه السلام) مكررا.

قوله (عليه السلام) «فرضيا أن يكونا الناظرين» أي على سبيل البدلية أو مع الاتفاق «و كلاهما اختلفا في حديثنا» أي كان اختلاف الحديث سببا لاختلاف الحكم و يفهم منه تجويز العمل بالخبر الواحد لما في ترجيح الأعدل و الأصدق بل الأعلم أيضا لأنه أعرف بالمقصود و الأورع أيضا لاحتياطه في النقل و لا يلزم الدور لأن الأخبار الدالة على جواز العمل بخبر الواحد متواترة و إن أمكن أن يكون المراد به الحاكم على الخصوص و لا ريب فيه، إنما الخلاف في الخبر لكن الظاهر منه العموم.

«المجمع عليه أصحابك» أي يعمل بالخبر الذي أجمع الأصحاب على العمل به فإن الظن بصحته أقوى (أو) يعلم من عملهم به أن المعصوم (عليهم السلام) راض به و إلا لنبههم على كذبه، و احتج به على حجية الإجماع لكن الظاهر إجماعهم على نقله

31

قَالَ قُلْتُ فَإِنَّهُمَا عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَيْسَ يَتَفَاضَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ قَالَ فَقَالَ يُنْظَرُ إِلَى مَا كَانَ مِنْ رِوَايَتِهِمَا عَنَّا فِي ذَلِكَ الَّذِي حَكَمَا بِهِ الْمُجْمِعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُكَ فَيُؤْخَذُ بِهِ مِنْ حُكْمِنَا وَ يُتْرَكُ الشَّاذُّ الَّذِي لَيْسَ بِمَشْهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ حُكْمُنَا لَا رَيْبَ فِيهِ وَ إِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَمُتَّبَعٌ وَ أَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَمُجْتَنَبٌ وَ أَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ حُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)حَلَالٌ بَيِّنٌ وَ حَرَامٌ بَيِّنٌ

____________

في كتبهم بأن كان متواترا أو مستفيضا كما يفهم من قوله (عليه السلام) «و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك» بل الظاهر منهم أن مرادهم بالإجماع أيضا الشهرة كما نبه عليه الشهيد في الذكرى و إن كان ظاهر الخبر شهرة النقل لا العمل و إن أمكن التعميم كما هو شأن القدماء من عملهم بالنصوص لا بالآراء فإذا اشتهر عملهم على الخبر يظهر منه أنه كان معلوم الصدور أو مظنونه بالظن المتاخم للعلم عن المعصوم (عليه السلام) لكن لم يظهر لنا إلى الآن أن يعلم عملهم من مصنف غير تصنيف الأخبار إلا نادرا من المتأخرين كالفضل بن شاذان و ابني بابويه، بل الظاهر منهم أيضا أنهم كانوا ينقلون متون الأخبار في كتبهم الفقهية.

لكن قوله (عليه السلام) «فإن المجمع عليه لا ريب فيه» ظاهره أن يكون متواترا أو محفوفا بالقرينة الموجبة للعلم و إن أمكن أن يكون عدم الريب بالإضافة إلى الشاذ فإنه مشكوك فيه و المستفيض مظنون الصدق.

«و إنما الأمور ثلاثة أمر بين رشده» و صوابه كالكتاب و السنة المتواترة (أو) المعلومة (أو) يعم بحيث يتناول المظنون بالظن القريب من العلم «فمتبع» يجب اتباعه و العمل به «و أمر بين» ظاهر «غيه» و بطلانه كأخبار المجبرة و الغلاة و أمثالهما من الفرق المبتدعة إذا كان معلوما كذبها أو مظنونا «فمجتنب» يجب اجتنابه و ترك العمل به «و أمر مشكل يرد حكمه إلى الله» كالشواذ التي

32

وَ شُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَ مَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وَ هَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ- قُلْتُ فَإِنْ كَانَ الْخَبَرَانِ عَنْكُمْ مَشْهُورَيْنِ قَدْ رَوَاهُمَا الثِّقَاتُ عَنْكُمْ

____________

ليست لها قرينة على صدقها فلا يعلم حينئذ و لا يظن أنه من المعصوم (عليهم السلام) فيشكل العمل به و يشكل رده أيضا لأنه يمكن أن يكون من المعصوم فيقال، الله أعلم (أو) الله و رسوله أعلم (أو) يعلم و هو أحوط لئلا يظن أن للقائل علما كما ورد في الأخبار الكثيرة المذكورة في الكافي و غيره «و شبهات بين ذلك» سواء لم يكن معلوم الصدور أو معلوم المراد كالأوامر الواردة في الأخبار إذا لم تكن معلوم الوجوب و الاستحباب.

«فمن ترك الشبهات» أي لا يجزم بها علما و عملا بل يدعه في حيز الإمكان «نجا من المحرمات» أي الواقعية و يكون الترك مندوبا لأن بناء التكليف على الظاهر لا على الواقع كما في الحكم على المدعى عليه بالعدلين مع إمكان كذبهما. بل مع ظنه أيضا (أو) الظاهرية أيضا كما فيما نحن فيه لأن الشاذ المخالف للأخبار المعلومة مظنون الكذب فيجب طرحه و إن رواه الثقة و عمل بخبره في غير صورة التعارض و يؤيده قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «و هلك من حيث لا يعلم» لأنه لا يجوز العمل به مع تعارضه للمعلوم (أو) لأنه عمل بغير المعلوم، و يمكن أن يكون المراد بالهلاك المبالغة في الكراهة كما تقع كثيرة في الأخبار.

«قلت فإن كان الخبران عنكم مشهورين» بأن كانا متواترين و يجوز التعارض في المتواترين عندنا للتقية و إن حكم بنفيه عامة الأصوليين منا تبعا للعامة غافلين عن التقية (أو مستفيضين) أو خبري واحدين محفوفين بالقرينة و منها عمل أصحابنا المتقدمين العاملين بالنصوص لا بالآراء عليهما.

33

قَالَ يُنْظَرُ فَمَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ خَالَفَ الْعَامَّةَ أُخِذَ بِهِ

____________

«قد رواهما الثقات عنكم» أي العدول المعتمدين الضابطين كما في عرف المتأخرين أو الأعم منهم و من الموثقين كما هو مقتضى اللغة و اصطلاح القدماء منا و لهذا كانوا ينقلون أخبارهم و يعملون عليها مع عدم المعارض أو مع التأيد بالشهرة و هو أظهر، فيفهم منه جواز العمل بالموثق و إن كان من كلام الراوي لتقريره (عليه السلام) عليه و إن أمكن أن يكون المراد بهم المعهودين السابقين الموصوفين بالعدالة إن لم نقل بإطلاق العدل عليهم أيضا فإن الظاهر حدوث الاصطلاح و الله تعالى يعلم.

«قال (إلى قوله) أخذ به» المراد بموافقة الكتاب أن يكون الخبر موافقا لنصه كما في وجوب غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس (أو) لظاهره كما في مسح الرجلين و إن أمكن أن يقال: إنه أيضا من النصوص و حكم الشيخ رضي الله عنه بشموله لمفهوم الموافقة و المخالفة و أمثالهما و تبعه الأصحاب.

و المراد من السنة (إما) السنة المتواترة و بها يستغني عن الخبر كالكتاب سيما نصه (أو) الأخبار العامة كقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) المؤمنون (أو) المسلمون عند شروطهم و الناس مسلطون على أموالهم- و إذا أمرتكم بشيء فأتوا به ما استطعتم- و أمثالها و إن أمكن الكلام عليها فيما عدا الأول فإن أكثرها لم ينقل من طرق المعصومين (عليه السلام) أصلا فكيف يكون أصلا فالظاهر أن المراد بها موافقته للأخبار التي نقل منا إليكم كالأخبار التي وردت في نفي القياس، و العول و التعصيب، و غسل الرجلين و أمثالها مما تفردت بها الإمامية و كان عملهم عليها و يخالفهم العامة جميعا أو جلهم كالمتعة و يفهم منه وجوب معرفة الكتاب و السنة ليعرض الخبر عليه.

و يؤيده ما رواه الكليني و غيره بأسانيد كثيرة منها في الصحيح، عن أيوب

34

..........

____________

بن الحر قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل شيء مردود إلى الكتاب و السنة و كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف.

و في الصحيح، عن هشام بن الحكم و غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خطب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بمنى فقال: أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته و ما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله.

و في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من خالف كتاب الله و سنة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) فقد كفر.

و في القوي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إن على كل حق حقيقة (أي دليلا) و على كل صواب نورا فما وافق كتاب الله فخذوه و ما خالف كتاب الله فدعوه.

و في القوي كالصحيح، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: و حدثني حسين بن أبي العلاء أنه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و منهم من لا نثق به؟ قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و إلا فالذي جاءكم به أولى به إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في الأخذ بكتاب الله و العمل به و هي أكثر من أن تحصى، بل الظاهر من هذه الأخبار و غيرها أن الخبر بنفسه ليس بحجة ما لم يكن له مؤيد من الكتاب و السنة.

و يمكن الجمع بينها و بين الأخبار المتواترة الدالة على جواز العمل بالأخبار بأن يحمل أخبار النهي على حالة التعارض أو في صورة المخالفة للكتاب و السنة

35

قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَجَدْنَا أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ مُوَافِقاً لِلْعَامَّةِ وَ الْآخَرَ مُخَالِفاً لَهَا بِأَيِّ الْخَبَرَيْنِ يُؤْخَذُ قَالَ بِمَا يُخَالِفُ الْعَامَّةَ فَإِنَّ فِيهِ الرَّشَادَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَإِنْ وَافَقَهُمَا الْخَبَرَانِ جَمِيعاً- قَالَ يُنْظَرُ إِلَى مَا هُمْ إِلَيْهِ أَمْيَلُ حُكَّامُهُمْ وَ قُضَاتُهُمْ فَيُتْرَكُ وَ يُؤْخَذُ بِالْآخَرِ قُلْتُ فَإِنْ وَافَقَ حُكَّامَهُمْ وَ قُضَاتَهُمُ الْخَبَرَانِ جَمِيعاً قَالَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ

____________

كأخبار الغسل و العول و التعصيب و أمثالها مما هو معلوم ضرورة أنها من مفتريات العامة و بدعهم، و أخبار العمل على ما لم يعلم مخالفتها لهما (أو) ظن موافقتها لهما (أو) لو أحد منهما (أو) بالنسبة إلى علماء أصحاب الأئمة (صلوات الله عليهم) فإنهم كانوا قريبي العهد إلى زمان الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و كان يمكنهم العلم بذلك (أو) بأن يكون المراد بأخبار النهي أنه متى لم يعلم الموافقة و المخالفة لا يمكن العمل فيجب عليكم أن تنتهوا فيها إلينا لأن علم القرآن كما هو عندنا و أمرتم بالأخذ منا فإذا أخذتم منا فقد عملتم بالكتاب و السنة، و يؤيد ذلك أخبار كثيرة مذكورة في الكافي و غيره كما في خبر سليم بن قيس الهلالي، لكن هذا في غير قطعيات القرآن و محكماته.

«قلت جعلت فداك وجدنا» الظاهر أن مراد الراوي أنه لو لم تعرض على الكتاب و السنة هل يسعنا أن نعمل بمخالف العامة فإنه أسهل؟ فجوز العمل على المخالفة، فإن الظاهر ورود خلافه عنهم تقية.

«قلت جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا» بأن يكون عندهم أيضا خبران أو قولان مشهوران كما في أكثر أخبارنا و أخبارهم «قال ينظر إلخ» فإن الظاهر أن التقية من هؤلاء «فأرجه» من الرجة أي أخره (أو) من الإرجاء بحذف الهمزة بمعناه كما في القرآن.

36

فَأَرْجِهْ حَتَّى تَلْقَى إِمَامَكَ فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَاتِ

____________

«حتى تلقى إمامك» أي لا تعمل بأحدهما حتى تسأل عن المعصوم (عليهم السلام) إذا أمكن كما كان حال السائل لئلا ينافي ما ورد بطرق متكثرة عنهم (صلوات الله عليهم) بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك (أو) لا تحكم بأحدهما أنه حكم الله الواقعي بل لك أن تعمل بأيهما شئت من جهة التسليم لهم و إن كانوا قالوا (عليهم السلام) على التقية.

بل لو عملت بالتقية كان أحسن لو لم تلزم كما رواه الكليني في الموثق كالصحيح عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه، و الآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟

قال، يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه.

و في القوي كالصحيح، عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي، يا زياد ما تقول لو أفتينا رجلا ممن يتولانا بشيء من التقية؟ قال قلت له: أنت أعلم جعلت فداك قال: إن أخذ به فهو خير له و أعظم أجرا.

و في كثير من الأخبار خذوا بالأحدث، و في كثير منها، خذوا بقول الحي، فإنه أعلم بما يصلحكم و هذا هو المراد من الأخبار التي وردت أن الأخبار تنسخ كما ينسخ القرآن و إن احتملت التفويض أيضا أو إخبار النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و جمع بعض الأصحاب بأن الإرجاء في حقوق الناس كما هو ظاهر خبر ابن حنظلة و التخيير في حقوق الله، لكن الظاهر من الأخبار الكثيرة اتحاد الحكم، و إذا تأملت تعرف صحة ما اخترناه و الله تعالى يعلم.

«فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام» و هو رمي النفس بلا رؤية «في الهلكات» و الهلكة الهلاك أي مواضعها أي التثبت في الجزم بأحد الخبرين

37

..........

____________

بأنه حكم الله الواقعي خير من الجزم الذي هو القول بما لا يعلم و الافتراء على الله تعالى، وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ كَذِباً*.

و يمكن أن يكون المراد به النهي عن الجزم و الأمر بالاحتياط في أكثر المسائل مثلا في الأوامر الواردة عنهم و كذا النواهي مع عدم القرينة لا يمكن القول بالوجوب و لا الندب و لا يترك كما في السورة و القنوت و السلام و بالعكس في النهي.

(و لا يقال) إنه إذا لم يدل دليل على الوجوب و الطلب معلوم فكان مندوبا لأن الواسطة موجودة و هو عدم العلم بأحدهما (لأنه) يمكن أن يكون دليل الوجوب موجودا و لم يصل إلينا أو لم نفهمه فإذا لم نتركه و أوقعناه بنية القربة لم نخالف قول الله تعالى، بخلاف الجزم بأحدهما. و نية الوجه لم تثبت و إن كان الاحتياط في فعلها أيضا إن أمكن، و هنا لا يمكن، و كذلك الحكم في النهي، بل فيه أسهل لأنه ترك محض لا يحتاج إلى نية و إن توقف الثواب عليها.

و يؤيده أول الخبر مع أخبار كثيرة متواترة دالة على لزوم الاحتياط، بل يمكن أن يقال قوله (عليه السلام): (حلال بين) من المتواترات لتكثر طرقه عند الخاصة و العامة.

و روى المصنف في العيون في القوي كالصحيح و صححه أيضا قال: حدثنا أبي و محمد بن الحسن (رحمهما الله)، قالا: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثني محمد بن عبد الله المسمعي، قال: حدثني أحمد بن الحسن الميثمي، أنه سئل الرضا (عليه السلام) يوما، و قد اجتمع عنده قوم من أصحابه و قد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في الشيء الواحد؟ فقال (عليه السلام): إن الله عز و جل حرم حراما و أحل حلالا و فرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرم الله أو تحريم

38

..........

____________

ما أحل الله أو دفع فريضة في كتاب الله رسمها بين قائم بلا ناسخ نسخ ذلك فذلك ما لا يسع الأخذ به لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يكن ليحرم ما أحل الله و لا ليحلل ما- حرم الله و لا يغير فرائض الله و أحكامه كان ذلك كله متبعا مسلما مؤديا عن الله و ذلك قول الله عز و جل إن أتبع إلا ما يوحى إلى فكان (عليه السلام) متبعا لله مؤديا عن الله ما أمره به من تبليغ الرسالة.

قلت فإنه يرد عنكم الحديث في الشيء عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) مما ليس في الكتاب و هو في السنة ثمَّ يرد خلافه؟ فقال: و كذلك قد نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن أشياء نهي حرام فوافق في ذلك نهيه نهي الله و أمر بأشياء فصار ذلك الأمر واجبا لازما كعدل فرائض الله و وافق في ذلك أمره أمر الله، فما جاء في النهي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نهي حرام ثمَّ جاء خلافه لم يسع استعمال ذلك، و كذلك فيما أمر به لأنا لا نرخص فيما لم يرخص فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و لا نأمر بخلاف ما أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلا لعلة خوف ضرورة.

فإما أن نستحل ما حرم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أو نحرم ما استحله رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فلا يكون ذلك أبدا لأنا تابعون لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) مسلمون له كما كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) تابعا لأمر ربه عز و جل مسلما له و قال الله عز و جل مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.

و أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن أشياء ليس نهي حرام، بل إعافة و كراهة و أمر بأشياء ليس أمر فرض و لا واجب، بل أمر فضل و رجحان ثمَّ رخص في ذلك للمعلول و غير المعلول فما كان عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نهي إعافة و أمر فضل فذلك الذي

39

..........

____________

يسع استعمال الرخص فيه.

إذا ورد عليكم عنا فيه الخبر باتفاق يرويه من يرويه في النهي و لا ينكره و كان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيها يجب الأخذ بأحدهما أو بهما جميعا و بأيهما شئت و أحببت موسع عليك ذلك (ذلك لك- خ) من باب التسليم لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و الرد إليه و إلينا و كان تارك ذلك من باب العناد و الإنكار و ترك التسليم لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) مشركا بالله العظيم.

فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنة رسول الله (سنن النبي- خ) (صلى الله عليه و آله و سلم) فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهي حرام أو مأمورا به عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و أمره، و ما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة ثمَّ كان الخبر الآخر خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و كرهه و لم يحرمه فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا أو بأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم و الاتباع و الرد إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و ما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فرد و إلينا علمه فنحن أولى بذلك و لا تقولوا فيه بآرائكم و عليكم بالكف و التثبت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا.

قال الصدوق: قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه سيئ الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث. و إنما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لأنه كان في كتاب الرحمة و قد قرأته عليه فلم ينكره و رواه لي انتهى.

40

..........

____________

فتدبر فيه أنهم ما كانوا يروون ما لم يعتقدوا صحته و عدم إنكار شيخه لرؤيته هذا الخبر في أصل أحمد و هو ثقة و لم يبال بجهالة راوية (أو) لوجوده في أصول أخر (أو) لموافقته للأخبار المتواترة، و إذا تدبرت هذا الخبر وجدته أصلا من الأصول في هذا الباب جامعا للأخبار و لقواعد الجمع بين الأحاديث المختلفة غالبا.

و يؤيده ما رواه ابن أبي جمهور في عوالي اللئالي بإسناده إلى العلامة مرفوعا إلى زرارة بن أعين قال: سألته (عليه السلام) و قلت له: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال (عليه السلام) يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر، فقلت: يا سيدي إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم؟ فقال (عليه السلام) خذ بما يقوله أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك، فقلت: إنهما معا عدلان مرضيان موثقان؟ فقال: انظر إلى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه و خذ بما خالفهم فإن الحق فيما خالفهم، فقلت ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ فقال (عليه السلام) إذا فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط فقلت: إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟

فقال (عليه السلام) أذن فتخير أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر- و في رواية أنه (عليه السلام) قال:

إذن فأرجه حتى تلقى إمامك.

و روى الشيخ في الصحيح، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله عز و جل يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ فالعدل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و الإمام من بعده يحكم به و هو ذو عدل فإذا

41

..........

____________

علمت ما حكم به رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و الإمام فحسبك و لا تسأل عنه.

و هو يدل على التخيير و قوله (ذَوٰا عَدْلٍ)* يمكن أن يقرأ بالتثنية كما عن القراءة المشهورة و يكونان، النبي و الإمام (أو) بالمفرد و يكون على سبيل البدل كما هو قراءة أهل البيت (عليه السلام) و ورد في الخبر الصحيح و غيره عنهم (عليهم السلام) أنه لما أخطأت به الكتاب.

و ذكر الطبرسي في كتاب الاحتجاج خبر عمر بن حنظلة ثمَّ ذكر: جاء هذا الخبر على سبيل التقدير لأنه قل ما يتفق في الآثار أن يرد خبران مختلفان في حكم من الأحكام موافقين للكتاب و السنة و ذلك مثل الحكم في غسل الوجه و اليدين في الوضوء لأن الأخبار جاءت بغسلها مرة مرة و بغسلها مرتين مرتين، و ظاهر القرآن لا يقتضي خلاف ذلك بل يحتمل كلتا الروايتين و مثل ذلك يوجد في أحكام الشرع.

و أما قوله (عليه السلام) للسائل (أرجه وقف عنده حتى تلقى إمامك) أمره بذلك عند تمكنه من الوصول إلى الإمام أما إذا كان غائبا و لم يتمكن من الوصول إليه و الأصحاب كلهم مجتمعون على الخبرين و لا يكون هناك رجحان رواه أحدهما على رواه الآخر بالكثرة و العدالة (كان) الحكم بهما من باب التخيير.

يدل على ما قلناه ما روي عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت للرضا (عليه السلام) تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ قال: ما جاءك عنا اعرضه على كتاب الله و أحاديثنا فإن كان ذلك يشبههما فهو منا و إن لم يشبههما فليس منا قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين و لا نعلم أيهما الحق؟ فقال: إذا لم تعلم فموسع

42

..........

____________

عليك بأيهما أخذت.

و ما رواه الحرث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترده عليه.

و روي عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) إلخ و ذكر قريبا مما أوردناه آنفا انتهى.

و يؤيده ما رواه عن محمد بن جعفر بن عبد الله الحميري فيما كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) من اختلاف الأصحاب في الرواية في مسألة، فأجابه (عليه السلام) بأيهما أخذ من باب التسليم كان صوابا.

و ذكر الشيخ قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي رضي الله عنه في الرسالة التي صنفها في بيان أحوال أحاديث أصحابنا و صحتها: أخبرنا الشيخان محمد و علي ابنا عبد الصمد، عن أبيهما، عن أبي البركات علي بن الحسين، عن أبي جعفر بن بابويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن أبي عمير عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الصحيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه و ما خالف كتاب الله فذروه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة فما وافق أخبارهم فذروه و ما خالف أخبارهم فخذوه.

و في القوي عن الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح (عليه السلام): هل يسعنا

43

..........

____________

فيما يرد علينا منكم إلا التسليم لكم؟ فقال: لا و الله لا يسعكم إلا التسليم لنا قلت:

فيروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) شيء و يروي منه خلافه فبأيهما نأخذ؟ قال خذ بما خالف القوم و ما وافق القوم فاجتنبه.

و روى الشيخ في القوي، عن علي بن أسباط قال: قلت له (أي الرضا (عليه السلام)) يحدث الأمر من أمري لا أجد بدا من معرفته و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه قال: فقال ائت فقيه البلد إذا كان ذلك فاستفته في أمرك فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه- إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة في هذا المعنى.

و الظاهر أن المراد بالتسليم لهم قبول أحاديثهم و إن كان مخالفا لظاهر عقولهم الضعيفة خصوصا إذا كان مختلفة بحسب الظاهر فإنه يمكن أن يكون الاختلاف بالعموم و الخصوص (أو) بحسب النهي و الجواز و يحمل النهي على الكراهة (أو) للتقية أو بغيرها من الوجوه التي ذكرت في خلال هذا الكتاب و ستذكر إن شاء الله تعالى و أما التي لا تصل إليها عقولنا فنسلم لهم و نعمل بالأمرين تخييرا مع عدم إمكان الجمع بأحد الوجوه المذكورة.

و ذهب جماعة من المحدثين إلى العمل بالتخيير أولا و يقولون إن الجمع متعذرا و متعسر لأنا لا نعلم أن ما نقول هو مراد المعصوم (عليه السلام) أو غيره و إن كنا نعلم مجملا أنه مؤول كما ذكره شيخنا ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني رضي الله عنه، و له وجه.

44

بَابُ آدَابِ الْقَضَاءِ

3234

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَقْضِيَنَّ وَ هُوَ غَضْبَانُ

____________

لكن يلزم منه طرح الأخبار المتواترة الواردة في الجمع إلا أن يقال: إن ذلك مختص بالفضلاء من أصحاب الصادقين (صلوات الله عليهم) حيث كانوا عارفين بالكتاب و السنة عن الأئمة ((عليه السلام))، و لا يكون لنا إلا التخيير أو يعمل بالتخيير في الجمع بين هذه الأخبار أيضا بأن يكون المكلف مخيرا بين الجمع و التخيير لكن أكثر أخبار التخيير دالة على أن التخيير بعد الجمع.

و روي في وجوب التسليم بعد الآيات أخبار كثيرة- (منها) ما رواه الكليني رضي الله عنه في الصحيح، عن الكاهلي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و حجوا البيت و صاموا شهر رمضان ثمَّ قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلا صنع خلاف الذي صنع أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثمَّ تلا هذه الآية: فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً- إلى غير ذلك من الأخبار المروية في الكافي و المحاسن و غيرهما.

باب آداب القضاء «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)» رواه الكليني رضي الله عنه، عن علي بن إبراهيم

45

..........

____________

عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)- و كذلك جميع ما يرويه المصنف عن السكوني فهو بهذا الإسناد (و على) ثقة (و أبوه) ممدوح كالثقة باعتماد القميين، بل غيرهم على حديثه، بل لم نجد أحدا يرد حديثه، و كذلك (النوفلي) و ذكر بعض القميين أنه غلا في آخر عمره و لم يثبت (و السكوني) و إن كان المشهور أنه عامي، لكنه لثقته أجمع الطائفة على قبول حديثه، بل الظاهر أنه شيعي يتقي من العامة لكثرة روايته عن الصادق (عليه السلام) في جميع الأبواب.

و يمكن أن يكون ذلك وجه الاتفاق، و الظاهر أن الخبر كان في كتاب السكوني فلا يضر ضعف الطريق لو كان، و يمكن أن يكون الكتاب معروضا على بعض الأئمة (صلوات الله عليهم)، و باعتبار قبوله أجمع الأصحاب على نقله و على العمل به سيما ثقة الإسلام الكليني و رئيس المحدثين المصنف و كذلك أكثر الأخبار- المنقولة عن أمثاله.

«من ابتلي بالقضاء» بأن عينه الإمام (عليه السلام) (أو) لم يكن أحد في البلد غيره ممن يستحق للقضاء أو لغيره من الأسباب الملزمة و يدل على أن الأولى تركه مهما أمكن باعتبار تعذر شرائطه أو تعسرها «فلا يقضين و هو غضبان» لأن الغضب باستيلاء الشيطان و متى كان مستوليا على الإنسان لا يمكنه فهم الحق فكيف العمل عليه خصوصا إذا كان الغضب على أحد المتخاصمين بصدور خلاف أدب أو سب و شتم منه فالواجب أو الأولى تركه إلى أن يسكن الغضب أو يراجع إلى غيره ممن له أهلية الحكم.

46

3235 وَ

قَالَ الصَّادِقُ(ع)

إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ يَقُولُ لِمَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَ لِمَنْ عَنْ يَسَارِهِ مَا تَقُولُ مَا تَرَى فَعَلَى ذَلِكَ

لَعْنَةُ اللّٰهِ وَ الْمَلٰائِكَةِ وَ النّٰاسِ أَجْمَعِينَ

أَلَّا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَ يُجْلِسُهُمَا مَكَانَهُ

____________

«و قال الصادق (عليه السلام)» رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن داود بن أبي يزيد (و هو ثقة ثقة و كتابه معتمد الأصحاب، فلهذا اعتمدوا على مراسيله) عمن سمعه عن أبي عبد الله (عليه السلام).

«إذا كان (إلى قوله) ما تقول؟» يعني إذا كان جاهلا بالحكم و يحكم بقول غيره أو برأي غيره كما كان في أزمنة الخلفاء و لو كان السؤال لتحقيق الحق إذا كان مشتبها عليه أو لزيادة الوثوق، فالظاهر جوازه، بل استحبابه كما ذكره الأصحاب (أو) إذا كان غيره أعلم منه و يؤيده قوله (عليه السلام) «ألا يقوم من مجلسه و يجلسهما مكانه» لقبح تقدم المفضول عقلا و شرعا كما تقدم من تقديم الأعلم و الأفضل وجوبا.

«و إن رجلا» رواه الكليني و الشيخ بإسنادهما السابق إلى السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) و يدل على كراهة ضيافة أحد المتخاصمين بدون صاحبه لئلا ينكسر قلبه، و لئلا يميل قلب الحاكم إلى جانب الضيف لأجل المؤانسة كما يحصل غالبا في غير المعصوم فهو و إن كان بريئا منه لكنه (عليه السلام) أخرجه ليتأسى به غيره و الظاهر أن إخراجه (عليه السلام) عن داره كان للتأديب لأن غرضه كان إمالته (عليه السلام) إلى نفسه، فلما كان غرضه باطلا أدبه (عليه السلام) و إلا فيمكن ضيافة خصمه لئلا ينكسر قلب واحد منهما إلا أن يقال، إنه لما ذكر الخصومة كان يجب

47

3236 وَ إِنَّ رَجُلًا نَزَلَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَمَكَثَ عِنْدَهُ أَيَّاماً ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ فِي حُكُومَةٍ لَمْ يَذْكُرْهَا لِعَلِيٍّ(ع)فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)أَ خَصْمٌ أَنْتَ قَالَ نَعَمْ قَالَ تَحَوَّلْ عَنَّا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)نَهَى أَنْ يُضَافَ الْخَصْمُ إِلَّا وَ مَعَهُ خَصْمُهُ

3237 وَ

قَالَ الصَّادِقُ(ع)

مَنْ أَنْصَفَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ رُضِيَ بِهِ حَكَماً لِغَيْرِهِ

3238 وَ

رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ

____________

عليه (عليه السلام) أن يحكم بينهم وجوبا فوريا فلا يمكنه تركها إلى أن يضيف خصمه معه، مع أنه لا يمكن تدارك الأيام الماضية إلا بالإخراج.

«و قال الصادق (عليه السلام)» رواه الكليني في الحسن كالصحيح عنه (عليه السلام) «من أنصف الناس من نفسه رضي به حكما لغيره» يعني إذا كان الرجل منصفا بأن يحكم على نفسه لو كان مبطلا و يعترف بالحق أو يكون بحيث يحب للناس ما يحب لنفسه و يكره لهم ما يكره لنفسه فهو مرضي بأن يكون حاكما على غيره و هذه هي العدالة المطلوبة في الحاكم فهي بالمعنى الأول من الشروط الواجبة و بالمعنى الثاني من المستحبة.

«و روي عن علي (عليه السلام)» رواه الشيخ في القوي كالصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام).

و روى الصدوق بأسانيده المتكثرة عن الرضا، عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لي لما وجهني إلى اليمن: إذا تقوضي إليك فلا تحكم لأحد الخصمين دون أن تسأل من الآخر قال: فما شككت في قضاء بعد ذلك و الظاهر أن النهي

48

قَالَ عَلِيٌّ(ع)فَمَا زِلْتُ بَعْدَهَا قَاضِياً وَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ(ص)اللَّهُمَّ فَهِّمْهُ الْقَضَاءَ

3239 وَ

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِشُرَيْحٍ

يَا شُرَيْحُ لَا تُسَارَّ أَحَداً فِي مَجْلِسِكَ وَ إِذَا

____________

للحرمة و يظهر منه عدم جواز الحكم على الغائب إلا أن يحمل على الإمكان (أو) يكون النهي للكراهة و هذا المعنى مجرب في كل حكومة و ينبغي أن يكون العمل عليه.

«و قال علي (عليه السلام) فما زلت بعدها قاضيا» يعني لما عملت بهذا المعنى تبين لي في كل واقعة حقها، و الظاهر أن هذا القول منه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان معجزا و كان من الأبواب التي يفتح منه ألف باب أو كان سببا لإلهام الله على علي (عليه السلام) في كل واقعة حكمها بإعجازه (صلى الله عليه و آله و سلم) «و قال له النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) اللهم فهمه القضاء» و استجاب الله دعاءه و تواتر عند الخاصة و العامة علمه بالقضاء بحيث يشذ أن يحكم (عليه السلام) في واقعة بمثل ما حكم في مثلها و يظهر من أحكامه (عليه السلام) أن لله تعالى في كل واقعة حكما مخصوصا بها، كما تواتر عنه و عن أولاده المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين).

«و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح» رواه الكليني و الشيخ عن البرقي مرفوعا قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) و الظاهر أن الضمير المستكن راجع إلى أبي عبد الله (عليه السلام) «يا شريح لا تسار أحدا في مجلسك» فإن قول السر يوهم المتخاصمين بأوهام كثيرة «و إذا غضبت فقم» حتى يسكن الغضب كما روي في الأخبار الكثيرة و هو مجرب (أو) اترك القضاء حتى يسكن الغضب إلا إذا كان الغضب لله عند رؤية منكر و علم من نفسه أنه لا يزيد على الحق في الحد و التعزير و الأولى ترك الحكم هنا أيضا كما اشتهر من فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أراد قتل الكافر و مج بصاقه على وجهه (عليه السلام) فأمسك عن قتله فسأله الكافر ما أبطأك من قتلي؟ فقال (صلوات الله عليه) إن قتلك كان لله فلما فعلت هذا الفعل حصل لي الغضب فامتزج

49

غَضِبْتَ فَقُمْ وَ لَا تَقْضِيَنَّ وَ أَنْتَ غَضْبَانُ

3240 وَ

رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

قَضَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ يُقَدَّمَ

____________

القربة بغيرها، فلما رأى ذلك منه الكافر أسلم، و الظاهر أن هذا تعليم منه (عليه السلام) لغيره أو كان لإسلامه كما وقع، و يؤيده عموم قوله (عليه السلام) «و لا تقضين و أنت غضبان» على سبيل التأكيد.

«و روى محمد بن مسلم» في القوي كالصحيح «عن أبي جعفر (عليه السلام) (إلى قوله) بالكلام» أي حكم و أمر أن يقدم في سماع دعوى من على يمين خصمه إذا شرعا معا في الدعوى فلو شرع واحد منهما فهو المقدم كما فهمه الأصحاب، و فهمه ابن سنان أو ابن محبوب من كلام الصادق (عليه السلام) على ما سيجيء في صحيحتهما و يمكن أن يكون الفهم من القرائن الحالية أو المقالية، و الظاهر أن فهم الأصحاب من الاعتماد على فهم الراوي الثقة الفاضل و جعلوا فهمه حجة مثل روايته، و يمكن أن يكون المراد تقديم من على يمين الحاكم كما هو الظاهر من صحيحة ابن سنان و يؤيده ما روي مستفيضا أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) يقدم من على يمينه في الشرب و الإعطاء و الغسل و غير ذلك، و احتمل ابن الجنيد أن يكون المراد به تقديم المدعي لأنه صاحب اليمين على المدعى عليه، لكن ينافيه خبر ابن سنان، مع أن ذلك مشترك بينهما كما في رد اليمين فإنه للمنكر، مع أن قوله (عليه السلام) في المجلس يأباه إلا أن لا يكون

50

صَاحِبُ الْيَمِينِ فِي الْمَجْلِسِ بِالْكَلَامِ

3241 وَ

رَوَى الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِذَا تَقَدَّمْتَ مَعَ خَصْمٍ إِلَى وَالٍ أَوْ إِلَى قَاضٍ فَكُنْ عَنْ يَمِينِهِ

يَعْنِي عَنْ يَمِينِ الْخَصْمِ

3242 وَ

قَالَ النَّبِيُّ(ص)

مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ فَلْيُسَاوِ بَيْنَهُمْ فِي الْإِشَارَةِ وَ النَّظَرِ فِي

____________

التتمة في خبره.

«و روى الحسن بن محبوب» في الصحيح كالشيخ «عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا تقدمت مع خصم إلى وال» من ولاة الحق أو الجور «أو قاض» كذلك «فكن على يمينه» أي يمين الوالي أو القاضي لقرب المرجع «يعني عن يمين الخصم» حتى إذا شرعتما معا في الدعوى سمع منك لا من خصمك لأن يكون ذلك سببا لميل الحاكم إليك إذا كنت على الحق، و يكون هذا التعليم لعلمه بأن مثل عبد الله لا يدعي الباطل أو لكونهم مائلين إلى اليمين و يكون ذلك بالنظر إلى قضاة الحق و الجور كما كان الواقع في تلك الأزمنة، و لو فسر الخبر بمن على يمين الوالي حينئذ كان أظهر، لأنه ورد متكثرا في صحاحهم أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يقدم من على يمينه في الشرب و غير ذلك، و لعل هذا المعنى أظهر من الخبر لو لا مخالفة الأصحاب في فهمهم.

«و قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)» رواه الكليني و الشيخ بإسنادهما عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من ابتلي بالقضاء فليساو بينهم في الإشارة و في النظر و في المجلس و الظاهر أن إسقاط (الواو) و (في) من النساخ أو يكون خبرا

51

الْمَجْلِسِ

____________

آخر، و روى الأصحاب عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه و إشارته و مقعده و لا يرفعن صوته على أحدهما ما لا يرفع على الآخر.

و الأكثر على وجوب التسوية في السلام عليهما و جوابه لهما و إجلالهما و القيام لهما و النظر إليهما و الاستماع و الكلام و طلاقة الوجه و سائر أنواع الإكرام و عدم تخصيص أحدهما بشيء من ذلك لأنه ينكسر به قلب الآخر و يمنعه من إقامة حجته و المراد بالتسوية في الإشارة (أما) الإشارة بالجلوس (أو) بذكر الدعوى (أو) التواضع (أو) بتعليم ما عليه (أو) الأعم من بعض (أو) من الجميع (أو) منها و من غيرها- (و في النظر) بأن ينظر إليهما على السواء (أو) لا ينظر إليهما إلا عند سماع الدعوى و الجواب و يمكن التعميم أيضا و عدم النظر عندهما إلى واحد منهما أولى بأن يطرق رأسه- (و في المجلس) بأن يجلسهما بين يديه معا ليسهل النظر إليهما معا و الاستماع لهما هذا إذا كانا مسلمين أو كافرين، أما لو كان أحدهما مسلما و الآخر كافرا جاز أن يرفع المسلم في المجلس، لما روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) جلس بجنب شريح في حكومة له مع يهودي في درع و قال لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك و لكني سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول، لا تساووهم في المجلس.

أما العدل بين المتخاصمين فلا ريب في وجوبه، و في البواقي مشكل لضعف المستند و اشتراك الأمر بينه و بين الاستحباب، فالتوقف أولى، لكن الاحتياط في العمل و عدم الترك، (أما) في الميل القلبي فلا ريب في عدم الوجوب لتعذره في

52

3243 وَ

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِشُرَيْحٍ

يَا شُرَيْحُ انْظُرْ إِلَى أَهْلِ الْمَعْكِ وَ الْمَطْلِ وَ الِاضْطِهَادِ وَ مَنْ يَدْفَعُ حُقُوقَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمَقْدُرَةِ وَ الْيَسَارِ وَ مَنْ يُدْلِي بِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْحُكَّامِ

____________

غير المعصوم (عليه السلام)، بل روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه لما قسم بين نسائه قال: هذا قسمي فيما أملك و أنت أعلم بما لا أملك يعني الميل القلبي.

«و قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) لشريح» سيجيء سنده «يا شريح انظر إلى أهل المعك و المطل» مفسرة و في بعض النسخ بدون (المعك) و كأنه من النساخ لوجوده في (في و يب) و في نسخة من يب (المعل) باللام بمعنى الاختلاس و المطل التسويف و التأخير «و الاضطهاد» بمعنى الظلم، و ليس فيهما «و من يدفع» و في في (و دفع) «حقوق الناس» مبين لما تقدم «من أهل المقدرة» أي القدرة و في بعض النسخ (المذرة) بالذال بمعنى الفساد، و الأصح الأول كما فيهما و يؤيده «و اليسار و من يدلي بأموال المسلمين إلى الحكام».

مقتبس من قوله تعالى (وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ) أي لا يأكل بعضكم مال بعض على الوجه الذي لم يبحه الله (وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ) أي و لا تلقوا حكومتها إلى الحكام (أو) لا تدفعوا بأموالهم ملقيا إلى الحكام أي الجائرين أو الأعم- (لِتَأْكُلُوا) بالتحاكم (فَرِيقاً) أي طائفة مِنْ أَمْوٰالِ النّٰاسِ (بِالْإِثْمِ) أي بما يوجب إثما كشهادة الزور و اليمين الكاذبة (أو) ملتبسين بالإثم (وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنكم مبطلون فإن ارتكاب المعاصي مع العلم أقبح إذا تحقق عندك أنه من أهل التسويف و المكر و الحيلة فتدبر في بينته بالتفريق، و في يمينه بالتعويق لئلا يبطل حق مسلم بمكركما كان من شأن أمير المؤمنين (عليه السلام) كما سيجيء

53

فَخُذْ لِلنَّاسِ بِحُقُوقِهِمْ مِنْهُمْ وَ بِعِ الْعَقَارَ وَ الدِّيَارَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ مَطْلُ الْمُسْلِمِ الْمُوسِرِ ظُلْمٌ لِلْمُسْلِمِ وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَ لَا عَقَارٌ وَ لَا دَارٌ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى الْحَقِّ إِلَّا مَنْ وَزَعَهُمْ عَنِ الْبَاطِلِ ثُمَّ وَاسِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِوَجْهِكَ وَ مَنْطِقِكَ وَ مَجْلِسِكَ حَتَّى لَا يَطْمَعَ قَرِيبُكَ فِي حَيْفِكَ وَ لَا يَيْأَسَ عَدُوُّكَ مِنْ عَدْلِكَ

____________

من قضاياه (عليه السلام) (أو) إذا تحقق الحق فخذ الحق منه عاجلا و لا تؤخره لكيلا يذهب إلى حاكم أجور منك و يذهب بحقه.

و يؤيده قوله «فخذ للناس بحقوقهم منهم» أي عاجلا «و بع العقار» إذا كانت له و وفت بحقوقهم «و الديار» جمع الدار أي إذا كانت زائدة عما يحتاج إليه كما و كيفا (أو) كانت مرهونة (أو) بالنظر إلى المماطل تعزيرا و يؤيده قوله (عليه السلام) «فإني سمعت (إلى قوله) للمسلم» و إذا كان ظالما يحل عقوبته و عرضه كما سيجيء أو إذا كان التأخير ظلما فيجوز بيع هذه الأشياء ليخلص منه «و من لم يكن (إلى قوله) عليه» كما قال تعالى فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ و سيجيء أحكامه.

«و اعلم أنه لا يحمل الناس على الحق إلا من ورعهم» بالراء المهملة المشددة من الورع أو بالمعجمة أي منعهم «عن الباطل» أي لا ينبغي و لا يجوز للولاة، المداهنة و المساهلة في أحكامه تعالى، فإذا شدد الوالي عليهم يصير عظة لغيرهم أو لا يمكن الحق بدون دفع الباطل «ثمَّ واس» أي ساو «بين المسلمين» المتخاصمين أو الأعم كما كان شأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مع أصحابه و القاضي نائبه «حتى لا يطمع قريبك في حيفك» بأن تميل إلى جانبه ظلما «و لا ييأس عدوك من عدلك» غاية واحدة للتسوية في المذكورات.

54

وَ رُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي مَعَ بَيِّنَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْلَى لِلْعَمَى وَ أَثْبَتُ فِي الْقَضَاءِ وَ اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُوداً فِي حَدٍّ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ

____________

«و رد اليمين على المدعي مع بينته» إذا كان الدعوى على الميت (أو) الطفل و المجنون و الغائب كما قيل (أو) الأعم مع التهمة (أو) للتقية كما ذهب إليه جماعة من العامة و إلا فلا يمين على المدعي، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم و الكليني في القوي كالصحيح عنه قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل يقيم البينة على حقه هل عليه أن يستحلف؟ قال: لا و في الموثق كالصحيح عن أبان عن أبي العباس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.

و روى الكليني و الشيخ في الموثق كالصحيح، عن أبان عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) و في الصحيح، عن علي بن الحكم أو غيره، عن أبان، عن أبي العباس عنه (عليه السلام) قال: إذا أقام الرجل البينة على حقه فليس عليه يمين فإن لم يقم البينة فرد عليه الذي ادعى عليه، اليمين فأبى أن يحلف فلا حق له و ظاهر الأخبار المتواترة أن البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه، و سيأتي صحيحة جميل و غيره.

«فإن ذلك أجلي للعمى و أثبت في القضاء» أي إذا حلف المدعي مع بينته يحصل الظن بصدق دعواه غالبا (أو) في المواضع المتقدمة و غيرها مما سيجيء، و ذهب بعض أصحابنا أيضا على العموم و سيجيء و تقدم الأخبار المستفيضة بل المتواترة على خلافه فالتخصيص أولى.

«و اعلم أن المسلمين عدول بعضهم على بعض» أي الأصل في المسلم بمعنى المؤمن أو الأعم، العدالة كما ذهب إليه القدماء إلا إذا علم فسقه بارتكاب كبيرة