مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج2

- الفاضل الكاظمي المزيد...
420 /
1

-

2

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

(كتاب الزكاة)

و فيه أبحاث:

الأوّل: في وجوبها و محلّها.

و فيه آيات:

الاولى:

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلٰائِكَةِ وَ الْكِتٰابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السّٰائِلِينَ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ أَقٰامَ الصَّلٰاةَ وَ آتَى الزَّكٰاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا وَ الصّٰابِرِينَ فِي الْبَأْسٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (1).

«لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ» البرّ اسم للخير، و كلّ فعل مرضيّ، و الخطاب إمّا لأهل الكتاب، فإنّهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّلت، و ادّعى كلّ طائفة أنّ البرّ هو [اسم] التوجّه

____________

(1) البقرة: 177.

3

إلى قبلته، فردّ اللّه عليهم، و قال: ليس البرّ ما أنتم عليه فإنّه منسوخ و لكنّ البرّ ما نبيّنه و اتّبعه المؤمنون، و إمّا عامّ لهم و للمؤمنين، أي ليس البرّ مقصورا على أمر القبلة أو ليس البرّ العظيم الّذي يحسن أن يذهلوا بشأنه عن غيره أمرها «وَ لٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ» أي البرّ الّذي يجب الاهتمام بشأنه برّ من آمن، على حذف المضاف، و يجوز أن يراد من البرّ البارّ أو ذو البرّ، أو يكون الحمل على المبالغة كقولها:

و إنّما هي إقبال و إدبار

(1).

____________

(1) هذا عجز بيت اوله.

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت

و روى غفلت مكان رتعت و رواه محب الدين افندى في شرح شواهد الكشاف ص 86 لا تسأم الدهر منه حين ما ادكرت. و قبل البيت:

فما عجول على بو تطيف به * * * قد ساعدتها على التحنان أظئار

و بعده.

لا تسمن الدهر في أرض و ان ربعت * * * و انما هي تحنان و تسجار

يوما بأوجد منى يوم فارقنى * * * صخر و للدهر أحلاء و إمرار

و ان صخرا لمولانا و سيدنا * * * و ان صخرا إذا نشتو لنحار

و ان صخرا لتأتم الهداة به * * * كأنه علم في رأسه نار

و يروى الأبيات بتفاوت في الألفاظ و التقديم و التأخير يعرف عند مراجعة المصادر و هي تنيف على ثلثين بيتا.

و العجول الثكول، أراد به الناقة فقدت ولدها بموت أو نحر، و وجد هن يزيد على وجد و روى و ما أم سقب و هو الذكر من ولد الناقة.

و البو جلد ولد الناقة يحشى تبنا لتدر الام عليه، و التحنان الحنين و الاظئار جمع ظئر و هي التي تعطف على ولد غيرها و لا تسأم الدهر أى لا تمل من الحنين اليه و رتعت الإبل إذا رعت و تحنان و تسجار يقال حنت إذا طربت في أثر ولدها فإذا مدت الحنين و طربت قيل تسجرت، بالجيم. أحلاء و إمرار اى سرور و حزن و انما قالت إذا نشتو لنحار لان النحر في الشتاء. و البيت أنشده في المطول في الإسناد المجازي و الرضى في شرح الكافية باب المبتدإ و الخبر ج 1 ص 96 ط حاج محرم افندى 1275 و شرحه البغدادي شرح الشاهد 70 ج 1 ص 291 ط 1347 و ابن جنى في المنصف ج 1 ص 197 و شرحه لجنة من الأستاذين في ص 431 و المجمع ج 1 ص 261 و ج 3 ص 280 و شرحه القزويني في ج 2 ص 129 بالرقم 398 و التبيان ج 1 ص 195 ط إيران و روح الجنان ج 2 ص 20 و الكشاف ج 1 ص 251 و كذا ج 2 ص 101 تفسير سورة هود انه عمل غير صالح و كذا ج 1 ص 270 و اللسان لغة (قبل) ص 538 ج 11 و كلمة (سوى) ج 14 ص 410 ط بيروت و السمط 455 و البيان و التبيين ج 3 ص 201 و الكامل للمبرد ص 1212 و الشريف المرتضى في الأمالي المجلس 14 و المجلس 35 و العلامة آية اللّه البلاغي (قدّس سرّه) في الهدى الى دين المصطفى ط مطبعة العرفان 1331 ج 1 ص 332 و له في ذلك بيان لطيف و أنشده في الشعر و الشعراء ص 125 و هو من شواهد سيبويه في الكتاب ج 1 ص 169 و الاشمونى و هو في شرح محمد محي الدين عبد الحميد ج 2 ص 364 الرقم 424 و في حاشية الصبان ج 2 ص 119 و استشهد به أيضا ابن أبي الإصبع في بديع القرآن ص 60.

استشهدوا به على صحة وقوع اسم المعنى خبرا عن اسم الغين إذا لزم ذلك المعنى لتلك العين حتى صار كأنه هي. و فيه ثلاث توجيهات: أحدها كونه مجازا عقليا بحمله على الظاهر و هو جعل المعنى نفس العين مبالغة و الثاني ان المصدر في تأويل اسم الفاعل في نحوه و تأويل اسم المفعول في نحو زيد خلق اى مخلوق و الثالث على تقدير مضاف محذوف اى ذات إقبال و ادبار قال الشيخ عبد القادر: لا تريد بالإقبال و الادبار غير معناهما حتى يكون المجاز في الكلمة و انما المجاز في ان جعلتها لكثرة ما تقبل و تدبر كأنها تجسمت من الإقبال و الادبار و ليس أيضا على حذف مضاف و اقامة المضاف اليه مقامه و ان كانوا يذكرونه منه إذ لو قلنا أريد انما هي ذات إقبال و ادبار أفسدنا الشعر و خرجنا إلى شيء مغسول و كلام عامي مرذول لا سياغ له عند من هو صحيح الذوق و المعرفة نسابة للمعاني انتهى.

قال البغدادي و معنى تقدير المضاف فيه انه لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره و لم تقصد المبالغة لكان حقه ان يجاء بلفظ الذات لا انه مراد.

و لمحمد محي الدين عبد الحميد في تذييلاته على شرح الاشمونى ص 366 ج 2 عند شرح مراد الشيخ عبد القادر بيان يعجبني نقله قال: و بينه قوم بان المجاز العقلي يطلق على كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه في العقل بضرب من التأويل و لا شك ان الحكم المفاد بقول الخنساء فإنما هي إقبال و ادبار و هو الحكم بالاتحاد بين الناقة و الإقبال و الادبار خارج عن موضعه في العقل بتأويل انها صارت بسبب كثرة الإقبال و الادبار كأنها عينهما و تجسمت منهما فيكون مجازا عقليا على هذا المعنى فافهم هذا و لا يذهب و همك الى المعنى المعروف للمجاز العقلي و هو اسناد الفعل و ما في معناه الى غير من هو له فتنطلق متسائلا كيف يكون هذا مجازا عقليا و الإقبال و الادبار من أفعال الناقة انتهى.

ثم لا يخفى عليك ان التوجيهات الثلاث تجري في «و انما هي تحنان و تسجار» أيضا.

و روى الأخفش في شرح ديوان الاخنس انه روى «فإنما هو» أراد فعلها.

و القصيدة للخنساء ترثى بها صخرا و يقال لها خناس كغراب و الخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة و اسمها تماضر بضم المثناة الفوقانية و كسر الضاد المعجمة قال ابن خلف: قالوا للبياض تماضر و أكثر ما يكون للنساء.

و هي بنت عمرو بن الحارث بن الشريد بن الرياح من يقظة عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.

الرياحية السليمة من قيس عيلان من مضر من أهل نجد عاشت أكثر عمرها في الجاهلية و أدركت الإسلام و وفدت على رسول اللّه (ص) مع قومها بنى سليم و ذكروا ان رسول اللّه (ص) كان يستنشدها و يعجبه شعرها فكانت تنشده و هو يقول هيه يا خناس و يومئ بيده.

و أكثر شعرها لاخويها معاوية شقيقها و صخر أخيها لأبيها و كانا قد قتلا في الجاهلية فتابعت عليهما بالبكاء و الرثاء بما لم يقف أخت لأخ حتى ضرب بها المثل و كان حزنها و بكاؤها على صخر أشد من حزنها و بكائها على معاوية لبره بها.

و ممن قدمها على جميع النساء و بعض فحول الرجال النابغة في الجاهلية و جرير و بشار في الإسلام قال لها النابغة ما رأيت ذا مثانة أشعر منك قالت و لا ذا خصيتين و قيل لجرير من أشعر الناس قال انا، لو لا الخنساء.

و كان بشار يقول لم تقل امرءة شعرا الا ظهر الضعف فيه فقيل أو كذلك الخنساء فقال: لها أربع خصي و يقال: ان الخنساء كان لها سبع خصي يراد انها محصورة بالشعراء فلم تلد الا شاعرا و كان عصبتها أيضا شعراء و روى ان النبي (ص) أيضا قال لعدي بن حاتم اما أشعر الناس فالخنساء بنت عمرو و اما أسخى الناس فمحمد يعنى نفسه (ص) و اما افرس الناس فعلى بن ابى طالب.

و أطرءها الشريف المرتضى أيضا في المجلس 7 و شهدت الخنساء حرب القادسية مع أربعة أولاد لها فاوصتهم عند خروجهم الى القتال بوصية بليغة فقتلوا جميعا فقالت الحمد للّه الذي شرفني بقتلهم و توفيت في أول خلافة عثمان سنه 24 هانظر ترجمتها في أسد الغابة ج 5 ص 441 و الإصابة ج 4 ص 279 الرقم 355 و الاستيعاب بذيل الإصابة ج 4 ص 287 و شرح الشريف على المقامات ط 1372 ج 4 من ص 46 الى 49 و المفصل في تاريخ الأدب العربي ج 1 ص 117 و اعلام النساء ج 1 ص 360 الى ص 371 و الاعلام ج 2 ص 69 و الشعر و الشعراء ص 122 و جمهرة أنساب العرب ص 261 و ص 263 و آداب اللغة العربية ج 1 ص 138 و المؤتلف و المختلف ص 157 و ريحانة الأدب ج 1 ص 411 الرقم 934 و بلاغات النساء ص 183.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

و الإيمان باللّه بمعنى التصديق به و بجميع صفاته من العلم و الإرادة و الكراهة و القدرة و السمع و البصر، قال في مجمع البيان: و يدخل فيه جميع مالا يتمّ معرفته إلّا به كمعرفة حدوث العالم و إثبات المحدث له، و صفاته الواجبة و الجائزة، و ما يستحيل عليه، و معرفة عدله و حكمته على ما هو مفصّل في الكلام.

«وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» يعني القيامة، و يدخل فيه التصديق بالبعث و الحساب و الثواب و العقاب، و تطاير الكتب و الجنّة و النار و جميع الأمور الواقعة فيه (1).

«وَ الْمَلٰائِكَةِ» أي صدّق بأنّهم عباد اللّه المكرمون، لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون «وَ الْكِتٰابِ» يراد به الجنس أي صدّق بالكتب المنزلة من عند اللّه على

____________

(1)- زاد في سن: و هذا الايمان مفرع على سابقه لأنا ما لم نعلم كونه تعالى عالما بجميع المعلومات و لم نعلم قدرته على جميع الممكنات لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر و النشر.

7

أنبيائه، و يجوز أن يراد به القرآن «وَ النَّبِيِّينَ» أي الأنبياء كلّهم فإنّهم معصومون [منزّهون] مطهّرون فيما أدّوه إلى الخلق صادقون (1).

«وَ آتَى الْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ» عطف على آمن أي من أعطى المال على حبّه تعالى خالصا لوجهه لا يريد به جزاء و لا شكورا و يجوز أن يرجع الضمير إلى المال و يؤيّده قوله (صلّى اللّه عليه و آله) لما سئل أيّ الصدقة أفضل «أن تؤتيه و أنت صحيح شحيح تأمل العيش و تخشى الفقر» (2) و أن يرجع إلى الإيتاء المدلول عليه بالفعل، و الجارّ و المجرور في موضع الحال.

«ذَوِي الْقُرْبىٰ» قرابة المعطي (3) و يؤيّده ما ورد من الحثّ على دفع الصدقة إليهم وصلتهم بها، قال (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا سئل عن أفضل الصدقة «جهد المقلّ (4) على ذي الرحم

____________

(1) زاد في سن: فان قيل: لا يمكننا العلم بوجود الملائكة و لا العلم بصدق الكتب المنزلة إلا بواسطة صدق الرسل، فقول الرسل كالأصل لذلك، فلم قدم الملائكة و الكتب على الرسل؟. قلنا المراعى في الآية ترتيب الوجود الخارجي، فإن الملك يوجد أولا، ثم يحصل بواسطة تبليغه نزول الكتب، ثم يصل الكتاب الى الرسول.

(2) انظر البخاري بشرح فتح الباري ج 4 ص 27 باب فضل صدقة الشحيح و النسائي ج 5 ص 68 و الكشاف ج 1 ص 251 و البيضاوي ص 36 و الجامع الصغير بشرح فيض القدير ج 2 ص 36 الرقم 1258 عن أبي هريرة أخرجه عن احمد و البخاري و مسلم و ابى داود و النسائي مع زيادة و تفاوت يسير في الألفاظ.

(3) قرابة الرجل خ.

(4) رواه بلفظ المصنف في المجمع ج 1 ص 263 و رواه مع تفاوت في الفقيه ج 2 ص 38 بالرقم 165 و التهذيب ج 4 ص 106 بالرقم 301 و الكافي ج 1 ص 164 و الكشاف ج 1 ص 252 و اللسان و النهاية (ك ش ح) و المستدرك ج 1 ص 536 عن الجعفريات و كتاب الغايات.

ثم الكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف (بكسر الخاء) و هو ما بين السرة إلى المتن.

قال ابن سيدة على ما في اللسان: و الكاشح العدو الباطن العداوة كأنه يطويها في كشحه أو كأنه يوليك كشحه و يعرض عنك بوجهه و في المقاييس ج 5 ص 184: و قال قوم بل الكاشح الذي يتباعد عنك من قولك كشح القوم عن الماء إذا تفرقوا.

و انما فضلت الصدقة على الكاشح لمكان مخالفة الهوى

8

الكاشح» و قولهم (عليهم السلام) «لا صدقة و ذو رحم محتاج» (1) و يجوز أن يراد بها قرابة النبيّ لقوله تعالى «قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ» (2) و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) (3)، و رجّح بعضهم الأوّل بكون المراد بيان مصارف الزكاة في الظاهر و حينئذ فيقيّد إطلاقهم بالمحتاج منهم كما فعله البيضاويّ و صاحب الكشّاف (4) و غيرهما من المفسّرين و كذا يقيّد بغير واجب النفقة منهم.

«و اليتامى» جمع يتيم، و هو من لا أب له، أخذا من اليتم و هو الانفراد (5)، و منه

____________

(1) انظر الفقيه ج 2 ص 38 الرقم 166 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 536 عن المفيد في الاختصاص و هو في الاختصاص ص 219 و البحار ج 20 ص 39.

(2) الشورى: 23.

(3) في بعض النسخ: و هو المروي عن الصادقين، انظر المجمع ج 1 ص 236.

(4) انظر الكشاف ج 1 ص 252 و البيضاوي ص 36.

(5) قال في المقاييس ج 6 ص 154 الياء و التاء و الميم يقال اليتيم في الناس من قبل الأب و في سائر الحيوان من قبل الام و يقال لكل منفرد يتيم حتى قالوا بيت من الشعر يتيم و في اللسان ج 12 ص 645 ط بيروت عن ابن خالويه ينبغي ان يكون اليتم في الطير من قبل الأب و الام لأنهما كليهما يرزقان فراخهما و فيه عن ابن بري ان اليتيم الذي يموت أبوه و العجى الذي تموت امه و اللطيم الذي يموت أبواه قال الشريف الرضى (قدّس سرّه) في حقائق التأويل ص 304: و كان المفضل الضبي يخالف في أصل اليتم فيقول هو الانفراد و كل منفرد يتيم قال و يقال للرملة المنفردة من الرمال يتيمة و يقال للبيت المنفرد من الشعر يتيم و يقال الدرة اليتيمة يراد بذلك المنفردة عن إشكالها و نظائرها لجلالة قدرها انتهى ما في حقائق التأويل أقول و نقله في اللسان عن يعقوب و فيه عن المفضل ان أصل اليتم الغفلة و به سمى اليتيم يتيما لانه يتغافل عن بره ثم اليتم بضم الياء و فتحها على ما في اللسان.

9

الدرة اليتيمة، و أصله يتايم ثمّ قلبت فقيل يتامى، أو أنّه جمع على يتمى كأسرى، لأنّه من باب الآفات ثمّ جمع على يتامى كأسرى و أسارى، فهو معطوف على القربى، و حينئذ فيعطى المال من يكفلهم و يكون وليّهم، إذ لا يصحّ دفع المال إلى من لا يعقل، و يحتمل عطفه على ذوي القربى فيعطى المال لهم أنفسهم كذا في مجمع البيان لكن على الثاني ينبغي تقييده بدفع ما هو من لوازمهم كالأكل و اللّبس و نحوه لا المال نفسه.

هذا في الحقوق الواجبة، و لو حملنا الكلام على ما يعمّ الصدقة المندوبة أمكن القول بجواز دفعه إلى اليتيم سيّما المميّز.

«وَ الْمَسٰاكِينَ» جمع مسكين، و هو من أسكنته الخلّة و الحاجة، و أصله دائم السكون كالمسكير لدائم السكر، و المراد به شرعا من لا يملك قوت السنة له و لعياله فعلا أو قوّة.

«وَ ابْنَ السَّبِيلِ» المسافر المنقطع به لحاجته في السفر سمّي به لملازمته السبيل يعنى الطريق (1). و قيل المراد به الضيف لأنّ السبيل يرعف به أي يقذفه.

«وَ السّٰائِلِينَ» المستطعمين الطالبين للصدقة فهو أخصّ من المسكين إذ ليس كلّ مسكين يسأل و في الحديث. للسائل حقّ و إن جاء على [ظهر] فرسه (2).

____________

(1) زاد في سن: كما سمى اللص القاطع للطريق ابن الطريق.

(2) انظر الكشاف ج 1 ص 252 و البيضاوي ص 36 و أخرجه السيوطي في الجامع الصغير بالرقم 7342 ج 5 ص 290 فيض القدير عن احمد و ابى داود و الطبراني في الكبير و نقل ملا على القاري في الموضوعات الكبير ص 97 عن ابن الربيع عن احمد انه قال حديثان يدوران في الأسواق و لا أصل لهما أحدهما قوله للسائل حق و ان جاء على فرس و الثاني يوم نحركم يوم صومكم قال و هو غريب منه بعد ما ذكر عن شيخه السخاوي حديث للسائل حق رواه احمد و أبو داود عن الحسين بن على موثوقا و سنده جيد كما قاله العراقي و تبعه غيره و سكت عليه أبو داود و لكن قال ابن عبد البر انه ليس بقوي انتهى.

و في فيض القدير للمناوى ج 5 ص 290 أورده ابن الجوزي في الموضوعات و تبعه القزويني لكن رده ابن حجر كالعلائى انتهى. و في أحاديث الشيعة مضمونه بلفظ أعط السائل و لو على ظهر فرس انظر الفقيه ج 2 ص 39 الرقم 171 و التهذيب ج 4 ص 110 الرقم 321 و الكافي ج 1 ص 166 و منتقى الجمان ج 2 ص 153.

10

«وَ فِي الرِّقٰابِ» أي في تخليصها بمعاونة المكاتبين حتّى يكفّوا رقابهم فقيل في ابتياع الرقاب و إعتاقها: بأن يشترى العبيد و الإماء و يعتق مطلقا، و قيل في فكّ الأسارى و الآية محتملة للجميع، و الأولى حملها على ذلك.

«وَ أَقٰامَ الصَّلٰاةَ» المفروضة أدّاها لوقتها و حدودها المعيّنة «وَ آتَى الزَّكٰاةَ» يحتمل أن يكون المراد منه و من سابقه الزكاة المفروضة إلّا أنّ في السابق بيّن مصارفها و هنا أمر بأدائها و الحثّ عليها، و يحتمل أن يراد بالسابق غير الزكاة الواجبة من الحقوق كما قيل إنّها محمولة على حقوق في مال الإنسان غير الزكاة ممّا له سبب وجوب كالإنفاق على من يجب نفقته، و على من عليه سدّ رمقه إذا خاف عليه التلف، و على ما يلزمه من النذور و الكفّارات. أو تطوّع، و يدخل فيها ما يخرجه الإنسان على وجه التطوّع و القربة إلى اللّه تعالى، لأنّ ذلك كلّه من البرّ و نقله في مجمع البيان عن الشعبي (1) و غيره. قالوا لا يجوز حمله على [عين] الزكاة المفروضة لأنّه عطف عليه الزكاة (2) و إنّما خصّ هؤلاء لأنّ الغالب أنّه لا يوجد الاضطرار إلّا فيهم.

«وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا» عطف على «مَنْ آمَنَ» و لا يبعد أن يراد بالعهد ما يعمّ النذر و العهد و اليمين الّتي بينهم و بين اللّه تعالى، و العقود الّتي بينهم و بين الناس، إذ كلاهما يلزم الوفاء به.

«وَ الصّٰابِرِينَ فِي الْبَأْسٰاءِ» الفقر و الشدّة «وَ الضَّرّٰاءِ» الوجع و العلّة، و انتصابه على المدح و إنّما لم يعطفه على سابقه لكون الصبر أفضل من سائر الأعمال (3) فاخرج

____________

(1) انظر المجمع ج 1 ص 262.

(2) زاد في سن: و من حق المعطوف أن يغاير المعطوف عليه.

(3) زاد في سن: لقوله (ص) الايمان شطران شطر صبر و شطر شكر و قد روى الحديث بهذا اللفظ في كنز العرفان ج 1 ص 221 و أخرجه السيوطي بالرقم 3106 ج 3 ص 188 فيض القدير عن البيهقي في شعب الايمان عن النبي بلفظ «الايمان نصفان نصف في الصبر و نصف في الشكر».

11

منصوبا على الاختصاص و المدح و إظهارا لفضله في الشدائد، و لا يرد أنّ وجود الواو في المنصوب على المدح غير مناسب نظرا إلى أنّه في الأصل صفة و توسّط الواو فيها غير معلوم لأنّ العطف بالواو في الصفات كثير في كلامهم، علىّ أنّ النصب على المدح مع وجود الواو قد ورد في كلام العرب، قال الشاعر:

إلى الملك القرم و ابن الهمام * * * و ليث الكتيبة في المزدحم

و ذا الرأي حين تغمّ الأمور * * * بذات الصليل و ذات اللّحم

(1)

____________

(1) البيتان لم يعرف قائلهما و ترى البيتين أو أحدهما فيما نسرده: شرح الرضى على الكافية باب المبتدإ و الخبر و باب النعت و شرحهما البغدادي في ج 1 ص 304 الشاهد الخامس و السبعين من الخزانة و المجمع ج 1 ص 39 و ص 262 و ج 3 ص 32 و شرحهما القزويني في ج 1 ص 83 بالرقم 49 و الكشاف ج 1 ص 102 و شرحهما محب الدين افندى في شرح شواهد الكشاف ص 174 و البيضاوي ص 9 الانصاف لابن الأنباري ص 469 الرقم 269 في المسئلة 65 من مسائل الخلاف بين البصريين و الكوفيين و شرح القطر ص 295 الرقم 137 و أمالي الشريف المرتضى في المجلس 14 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 43 و الطبري ج 2 ص 100 و معاني القرآن للفراء ج 1 ص 105 و التبيان ط إيران ج 1 ص 196 و روح الجنان ج 7 ص 75 و المطول باب أحوال متعلقات الفعل و حيوة الحيوان للدميري ج 2 ص 250 (القرم) و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 152.

و استشهدوا بالبيت الأول لعطف بعض الصفات على بعض و بالبيت الثاني لقطع ذا الرأي بل ليث الكتيبة أيضا عما قبله الى النصب بفعل محذوف تقديره امدح أو اذكر أو أعني.

و القرم الفحل الذي يترك من الركوب و العمل و يودع للفحلة و منه حديث على (عليه السلام) أبو حسن القرم أي أنا فيهم بمنزلة الفحل في الإبل قال ابن الأثير قال الخطابي و أكثر روايات القوم بالواو و لا معنى له و انما هو بالراء اى المقدم في المعرفة و تجارب الأمور و القرم من الرجال السيد العظيم المجرب للأمور. و الهمام بضم إلها: الملك العظيم الهمة سمى به لأنه إذا هم بأمر فعله و الليث الأسد و أصله الشدة و القوة و الكتيبة كسفينة: الجيش من الكتب و هو الجمع.

و المزدحم بفتح الدال و الحاء المهملتين معركة القتال سميت به لأنها موضع المزاحمة و المدافعة تغم بإعجام الغين اى تبهم و تلتبس و الغم في الأصل ستر كل شيء و منه الغمام لانه يستر ضوء الشمس و منه الغم الذي يغم القلب اى يستره و يغشيه و الصليل بفتح الصاد المهملة الصوت و اللجم بضم اللام و الجيم جمع اللجام و ذات الصليل و ذات اللجام معارك الحرب.

قال القزويني:

و قد يقال انما نصب على المدح لان النعت إذا كثر و طال يختلف إعرابه برفع بعض و نصب آخر و ذلك لان هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف فإذا خولف بإعراب الألفاظ كان أشد و أوقع فيما يعن و يعترض لصيرورة الكلام و كونه بذلك ضروبا و جملا و كونه في الاجراء على الأول وجها واحدا و جملة واحدة أ ه.

12

فنصب ذا الرأي على المدح، و أمثاله في كلامهم كثير، و يحتمل أن يكون الصابرين مجرورا بتقدير «و برّ الصابرين» عطفا على من آمن، كما أنّ الموفون عطف عليه أيضا إلّا أنّ المضاف حذف من الموفون، و أعرب المضاف إليه بإعرابه، و في الثاني أقيم على حاله كما قالوه في قوله تعالى «وَ اللّٰهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» فيمن قرأ بجرّ الآخرة على إرادة عرض الآخرة.

«وَ حِينَ الْبَأْسِ»: وقت مجاهدة العدوّ.

«أُولٰئِكَ» إشارة إلى الموصوفين بما تقدّم «الَّذِينَ صَدَقُوا» في الدين و اتّباع الحقّ و طلب البرّ «وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» عن الكفر و سائر الرذائل، و المتّقون بفعل هذه الخصال نار جهنّم.

و ممّا ذكرنا يظهر ما قيل: إنّ الآية لا دلالة فيها صريحة على وجوب الزكاة المفروضة بل و لا وجوب شيء من المذكورات نعم فيها حثّ و تحريص على فعل الأمور المذكورة، و وجوبها يعلم من موضع آخر. و لعلّ ذكرنا لها هنا و إن كان الأحكام الّتي

13

فيها تعلم من موضع آخر متابعة لمن تقدّمنا في الذكر، و اشتمالها على الخصال الحسان حتّى قال البيضاوي إنّها جامعة للأعمال (1) الإنسانيّة بأسرها دالّة عليها صريحا أو ضمنا، فإنّها لكثرتها و تشعّبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحّة الاعتقاد و حسن المعاشرة و تهذيب الأخلاق، و قد أشير إلى الأوّل بقوله «مَنْ آمَنَ» إلى قوله «وَ النَّبِيِّينَ» و إلى الثاني بقوله «وَ آتَى الْمٰالَ» إلى «وَ فِي الرِّقٰابِ» و إلى الثالث بقوله «وَ أَقٰامَ الصَّلٰاةَ» إلى آخرها و لذلك وصف المستجمع لها بالصدق، نظرا إلى إيمانه و اعتقاده، و التقوى باعتبار معاشرته للخلق، و معاملته مع الحقّ جل جلاله، و تهذيب أفعاله و نفسه و إليه أشار بقوله (صلّى اللّه عليه و آله) «من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان» لكن لا يخفى أنّ العمل بها إنّما يتيسّر لأصحاب النفوس القدسيّة، و من يحذو حذوهم.

و في مجمع البيان استدل أصحابنا بهذه الآية على أنّ المعنىّ بها أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنّه لا خلاف بين الأمّة أنّه إذا كان جامعا لهذه الخصال فهو مراد بها قطعا، و لا قطع على كون غيره جامعا لها، و لهذا قال الزجّاج و الفراء: إنّها مخصوصة بالأنبياء و المعصومين لأنّ هذه الأشياء لا يؤدّيها بكلّيّتها على حقّ الواجب فيها إلّا الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام).

و قد يستدلّ بها على عدم اعتبار الأعمال الصالحة في أصل الإيمان، بل في كماله كما هو اختيار الأكثر. اللّهمّ اجعلنا ممّن اتّصل بك، و انقطع عمّا سواك، و جعل أفعاله مقصورة على ابتغاء وجهك و قصد رضاك [و لقّنا حجّتنا يوم نلقاك، و احشرنا مع الأنبياء و الأئمّة المعصومين، الّذين جعلتهم حججا على الخلق أجمعين] (2).

الثانية:

وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ (3).

____________

(1) للاعمالات خ، للكمالات خ.

(2) الزيادة من نسخة القاضي.

(3) حم السجدة: 7.

14

«وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ» أى من جهالتهم و استخفافهم بأحكام اللّه و هي كلمة تستعمل في العذاب و الهلاك كالويح و الويس.

«الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ» الّتي أوجبها اللّه على عباده لبخلهم و عدم إشفاقهم على الخلق و ذلك من أعظم الرذائل الموجبة لعذابهم و قيل معناه لا يطهّرون أنفسهم من الشرك بقول لا إله إلّا اللّه و هي زكاة الأنفس، و هو بعيد، و الظاهر الأوّل.

«وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ» حال عنهم مشعرة بأنّ امتناعهم من الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا و إنكارهم للاخرة، و فيها دلالة واضحة على وجوب الزكاة على الكفّار لأنّه يفهم منه أنّ للوصف بعدم إيتاء الزكاة دخلا في ثبوت الويل لهم، و يلزم من وجوبها عليهم كونهم مخاطبين بالفروع، لعدم القول بالفرق، و لكن انعقد الإجماع على أنّها لا تصحّ منهم إلّا بعد الإسلام، و دلّ عليه أيضا قوله تعالى «وَ مٰا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقٰاتُهُمْ إِلّٰا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ بِرَسُولِهِ» (1) فقول بعض من الأصحاب بصحّة عتق الكافر و وقفه، لا يخلو من بعد. لعدم النيّة المعتبرة المشتملة على القربة، و كذا انعقد الإجماع على سقوطها عنهم بعد الإسلام، و دلّ عليه قوله تعالى «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ» (2) و ما روى عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «الإسلام يجبّ ما قبله (3)» و فائدة إيجابها عليه

____________

(1) براءة: 55.

(2) الأنفال: 38.

(3) الحديث رواه في تفسير على بن إبراهيم عند تفسير الآية 90 من سورة الإسراء «وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» أنه شفعت أم سلمة أخاها عبد اللّه بن أبي أمية حين أسلم و لم يكن رسول اللّه (ص) يقبله فقالت الم تقل ان الإسلام يجب ما كان قبله؟ قال (ص) نعم فقبل رسول اللّه (ص) إسلامه.

و رواه عنه في البرهان ج 2 ص 450 و نور الثقلين ج 3 ص 226 الرقم 447 و رواه عن تفسير على بن إبراهيم أيضا البحار ج 6 باب فتح مكة.

و استشكل على الحديث بوجهين:

الأول ان الإسلام ليس من العقود حتى يحتاج الى القبول فما معنى عدم قبول رسول اللّه (ص) إسلام عبد اللّه ابتداء ثم قبوله بالتماس من أم سلمة و الجواب انه يمكن كون الإسلام في ذلك الزمن محتاجا الى قبوله (ص) فلعله كان في ذلك الزمن من نظير المبايعة نحو ما قاله تعالى «إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» و لا استبعاد فيه.

الوجه الثاني انه كيف لم يقبل إسلامه ابتداء ثم قبله بالتماس أخته مع انه (ص) كان عالما بما صدر عنه في حال كفره و بأن الإسلام يجب ما قبله فكان عليه ان يقبل إسلامه من أول الأمر و الجواب انه يمكن كون ذلك لمصلحة مثل إظهار شأن أم سلمة و جلالتها و احترامها و إكرامها و أمثال ذلك أو كون عبد اللّه غير قابل لقبول إسلامه الا بالتماس أخته لما صدر منه من التكذيب الشديد الذي أسقطه عن درجة قابلية قبول إسلامه بلا واسطة فكان خارجا عن حيز قوله (ص) «الإسلام يجب ما قبله» ابتداء بالتخصص، و لكن بالتماس أخته صار قابلا لقبول إسلامه فدخل تحت هذه القاعدة لانطباق الكبرى على الصغرى حينئذ.

و روى ابن شهرآشوب في المناقب ج ص 364 ط قم عن القاضي نعمان عن ابى عثمان النهدي قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن طلق امرءته في الشرك تطليقة و في الإسلام تطليقتين أنه (عليه السلام) قال هدم الإسلام ما كان قبله هي عندك على واحدة، و حكاه عنه السيد محسن أمين في كتاب عجائب أحكام أمير المؤمنين ص 40 الرقم 35 و رواه أيضا في البحار عن ابن شهرآشوب ج 9 ص 478 ط كمپانى باب قضايا أمير المؤمنين.

و نوقش في دلالة الحديث بأنه كما يمكن ان يكون ان الكافر إذا أسلم جب ما قبله فيكون المراد إسلام الشخص كذلك يمكن أن يكون المراد أنه بعد ان شرع النبي الإسلام انهدم ما كان صدر من الناس قبل تشريعه من طلاق و غيره فيكون المراد تشريع الإسلام لا تشريع الشخص و مع الاحتمال يبطل الاستدلال.

و الجواب ان الاحتمال الثاني خلاف الظاهر إذ الظاهر أن المراد بالإسلام هو إسلام الشخص لا تشريع الإسلام فيتم الاستدلال.

و من أهل السنة أخرج حديث أن الإسلام يجب ما كان قبله ابن سعد في الطبقات عند شرح إسلام المغيرة بن شعبة ج 4 ص 286 ط بيروت و اللفظ فيه: فان الإسلام يجب ما كان قبلة و نقل القصة ابن ابى الحديد عند شرح قول على (عليه السلام) دعه يا عمار ج 20 ص 10 ط دار احياء الكتب العربية 1964 عن الأغاني و اللفظ فيه يجب ما قبله.

و كذا في ج 7 ص 497 من الطبقات عند شرح ارتداد عبد اللّه بن سعد بن ابى سرح أخي عثمان من الرضاعة لما شفعه عثمان عنده (ص) و اللفظ فيه الإسلام يجب ما قبله و مثله في السيرة الحلبية ج 3 ص 105.

و اخرج الحديث أيضا ابن الأثير في أسد الغابة عند ترجمة هبار بن الأسود الذي روع زينب بنت رسول اللّه (ص) فاهدر دمه ج 5 ص 54 و الإصابة ج 3 ص 565 الرقم 7931 و اللفظ انه (ص) قال بعد اعتراف هبار بالذنب و إقراره بسوء فعله: قد عفوت عنك و قد أحسن اللّه إليك حيث هداك إلى الإسلام و الإسلام يجب ما قبله و مثله في السيرة الحلبية ج 3 ص 106 و نقل القصة مع قول النبي له بمثل ما مر أيضا في سفينة البحار ج 1 ص 412 كلمة (خ ل ق).

و اخرج الحديث أيضا في الجامع الصغير ج 3 ص 179، فيض القدير بالرقم 3063 عن ابن سعد بلفظ الإسلام يجب ما كان قبله و قال المناوى في شرحه و أخرجه الطبراني باللفظ المذكور.

و اخرج مسلم في كتاب الايمان ج 2 ص 138 بشرح النووي عن عمرو بن العاص عند ما كان في سياقة الموت انه قال له النبي عند إسلامه: أما علمت ان الإسلام يهدم ما كان قبله؟ و ان الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ و ان الحج يهدم ما كان قبله؟ و أخرجه السيوطي عن مسلم و عن ابن أحمد في الدر المنثور ج 3 ص 184.

و في النهاية لابن الأثير لغة (جب) و منه الحديث ان الإسلام يجب ما قبله، و التوبة تجب ما قبلها أى يقطعان و يمحوان ما كان قبلهما من الكفر و المعاصي و الذنوب، و مثله في اللسان ج 1 ص 249 ط بيروت و قريب منه في مجمع البحرين لغة (ج ب ب).

ثم لا ينبغي الإشكال في الحديث بضعف أسانيده فإنه منجبر بعمل الأصحاب و استنادهم الى الحديث في فتاويهم في مسائل عديدة. إنما الإشكال في جريان قاعدة الجب في الأحكام الوضعية، من حقوق الناس كالقرض و الوديعة و السرقة و الزكاة و الخمس و غيرها و غير حقوق الناس كالطهارة و النجاسة و الصحة و البطلان و كذلك في جريانها في الواجبات الموسعة إذا أسلم الكافر و قد قضى من وقتها بمقدار أدائها جامعة للشرائط و خالية عن الموانع، و البحث مبسوط مذكور في متفرقات المسائل الفقهية في الكتب المفصلة و قد نقحه العالم الجليل المجهول القدر السيد فتاح تغمده اللّه بغفرانه في كتابه عناوين الأصول في العنوان السادس و الستين.

15

حال الكفر أنّه لو مات كذلك كان معاقبا على تركها بخصوصها، كما يعاقب على ترك الايمان.

16

أمّا الاستدلال بالآية على أنّ مستحلّ ترك الزكاة كافر ففيه خفاء و إن كان ذلك معلوما من خارج، و قد يكون في الآية إشعار مّا به فتأمّل.

17

الثالثة:

الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لٰا يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمىٰ عَلَيْهٰا فِي نٰارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هٰذٰا مٰا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مٰا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (1).

«الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ» الكنز هو المال المذخور تحت الأرض، و لعلّ المراد هنا حفظها و عدم إخراج الزكاة الواجبة فيها، كما دلّ عليه قوله «وَ لٰا يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» لأنّهم لو أخرجوا زكاتها و كنزوا ما بقي لم يكونوا ملومين بلا خلاف، و المعنيّ بالآية أمّا كثير من الأحبار و الرهبان المحكىّ عنهم سابقا فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال و الضنّ بهما، و إمّا المسلمون و يكون ذكرهم مع المرتشين من أهل الكتاب للتغليظ، و الأولى: أن يحمل على العموم في الفريقين كما قاله الشيخ في مجمع البيان لعموم اللفظ فيعمل عليه و ضمير «ينفقونها» إمّا أن يعود إلى الكنوز و الأموال المدلول عليها، و إمّا أن يعود إلى الفضّة وحدها، و اكتفي بها عن الآخر للإيجاز، و تساوى حكمهما أو أولويّته في الذهب.

«فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ» أصل البشرى ما يظهر في بشرة الوجه من فرح أو غمّ إلّا أنه كثر استعماله في الفرح، و أريد بها التهكّم بحالهم و ما يلحقهم من العذاب.

«يَوْمَ يُحْمىٰ عَلَيْهٰا فِي نٰارِ جَهَنَّمَ» متعلّق بما تقدّمه كأنّه بيان للعذاب الأليم اللّاحق

____________

(1) براءة: 36.

18

بهم إلى يوم توقد النار ذات حمى شديد عليها، و أصله يحمى بالنار فجعل الأحماء للنار مبالغة ثمّ غير الكلام بحذف النار و إسناد الفعل إلى الجارّ و المجرور تنبيها على المقصود فانتقل الفعل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير، و الضمير إمّا للكنوز أو للفضّة كما عرفت.

«فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ» تخصيص المواضع الثلاثة مع أنّ الكيّ شامل لجميع أبدانهم إمّا لأنّ جمعهم و إمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى و التنعّم بالمطاعم [الشهيّة] و الملابس البهيّة أى لهذه الثلاثة.

و إمّا لأنّ صاحب المال إذا رأى الفقير قبض وجهه، و زوى ما بين عينيه، و طوى كشحه، و ولّاه ظهره، فالإعراض يحصل بها و إمّا لأنّ المراد بالجباه هنا الأعضاء الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرئيسة الّتي هي الدماغ و القلب و الكبد.

«هٰذٰا مٰا كَنَزْتُمْ» أى يقال لهم حال الكيّ أو بعده هذا جزاء ما ادّخر تموه «لِأَنْفُسِكُمْ» لمنفعتها، و لم تؤدّوا حقّ اللّه منها، و كان في الواقع عين مضرّتها و سبب تعذيبها «فَذُوقُوا مٰا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ» أي وباله، و ذوقوا العذاب بسبب كنزكم و منعكم حقّ اللّه و حذف للظهور.

و ظاهر الآية تحريم الكنز، و ترتّب الوعيد عليه و هو محمول على الكنز بدون إنفاق الواجب كما أشرنا إليه، و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بهما» (1) و نحوه محمول على ما إذا لم يؤدّوا الحقّ الواجب، فلا حاجة إلى ما ذكره بعضهم من أنّ الآية دلّت على تحريم الكنز و عدم الإنفاق لكن نسخ ذلك بآية الزكاة، لأنّ النسخ خلاف الأصل فلا يصار إليه إلّا بموجب قوىّ.

____________

(1) انظر الدر المنثور ج 3 ص 233 اخرج عن أحمد و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن حبان و الحاكم و ابن مردويه عن ثوبان قال: كان نصل سيف أبي هريرة من فضة فقال له أبو ذر أما سمعت رسول اللّه (ص) يقول: ما من رجل ترك صفراء و لا بيضاء الا كوى بهما؟ و انظر في تفسير الآية تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي مد ظله من ص 260 الى 277 ج 10 ففيها مباحث مفيدة جدا فراجع.

19

و لا منافاة هنا بين تحريم الكنز و وجوب الزكاة بل الظاهر أنّ التحريم لترك الواجب و من ثمّ لم يتعرّض أكثر المفسّرين لكونها منسوخة، و على هذا فيكون فيها إشارة إلى وجوب الزكاة في النقدين و يكون بيان القدر الواجب المخرج و قدر النصاب و ما يتعلّق بذلك معلوما من دليل خارج عنها، كالأخبار و الإجماع.

الرابعة

وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ (1) «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ» يحتمل أن يراد بها الزكاة المفروضة فإنّها معلومة بتعيين الشارع، و تبيينه من كلّ جنس قدرا معيّنا، و أن يراد به الصدقات المندوبة الّتي وظّفوها (2) على أنفسهم تقرّبا إلى اللّه تعالى و إشفاقا على الناس.

«لِلسّٰائِلِ» و هو المستجدى الّذي يطلب «وَ الْمَحْرُومِ» و هو المتعفّف الّذي يظنّ بذلك غنيّا فيحرم من الإعطاء، و الآية مسوقة لمدحهم على ذلك، فإن أريد الزكاة كانت في ثبوت المدح لهم بذلك خفاء فانّ كلّ مسلم كذلك، بل كلّ كافر، إن قلنا إنّه مخاطب بالفروع، إلّا أنه إذا أسلم سقط، و يمكن أن يكون المدح باعتبار الكسب و الإخراج و على الثاني يكون فيها ترغيب و حثّ لصاحب المال على أن يجعل في ماله شيئا للمذكورين، و لو بالوصيّة و غيرها، خصوصا إذا كان دائما مستمرّا.

و يؤيّده ما رواه الكلينيّ (3) عن القاسم بن عبد الرحمن قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول إنّه جاء رجل إلى علىّ بن الحسين (عليه السلام) فقال له أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» ما هذا الحقّ المعلوم؟ فقال له علىّ بن الحسين (عليه السلام) الّذي تخرجه من مالك ليس من الزكاة و لا من الصدقة المفروضتين، قلت فما هو؟

قال: الشيء الّذي يخرجه الرجل من ماله إن شاء أقلّ و إن شاء أكثر على قدر ما يملك

____________

(1) المعارج: 24، و مثلها في الذاريات: 19.

(2) أوجبوها خ.

(3) انظر الكافي أول باب الزكاة باب فرض الزكاة الحديث 11 و ذيل الحديث، فقال الرجل اللّه اعلم حيث يجعل رسالته.

20

فقال له الرجل فما يصنع به؟ قال يصل به رحمه، و يقوّى ضعيفا، و يحمل به كلّا أو يصل به أخا له في اللّه أو لنائبة تنوبه الحديث.

و نحوها رواية أبي بصير (1) قال كنت عند أبى عبد اللّه (عليه السلام) و معنا بعض أصحاب الأموال فذكروا الزكاة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إنّ الزكاة ليس يحمد بها صاحبها، و إنّما هي شيء ظاهر حقن بها دمه، و إنّ عليكم في أموالكم غير الزكاة، أما تسمع قول اللّه في كتابه «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» قلت فما ذا الحقّ المعلوم؟ قال هو و اللّه الشيء يعمله الرجل في ماله يعطيه في اليوم أو في جمعة أو في الشهر قلّ أو كثر، غير أنّه يدوم عليه، و على هذا فاستدلال بعضهم بها على وجوب زكاة التجارة بعيد لعدم الدلالة.

(البحث الثاني) في قبض الزكاة و إعطائها المستحق

و فيه آيات:

الاولى:

خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (2) «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً» الضمير يرجع إلى الّذين تابوا و أقلعوا على ما دلّت عليه الآية السابقة النازلة في حقّهم و هم المتخلّفون عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في غزاة تبوك قيل هم ثلاثة و قيل عشرة ربط سبعة منهم أنفسهم إلى سواري المسجد لمّا بلغهم ما نزل في المتخلّفين

____________

(1) الكافي باب فرض الزكاة الحديث 9 و للحديث تتمة لم يذكرها المصنف و الحديثان في فروع الكافي ج 1 ص 140 و في المرآة ج 3 ص 184 و البرهان ج 4 ص 385 الرقم 2 و 4 و نور الثقلين ج 5 ص 417 الرقم 24 و 26.

(2) براءة: 104.

21

فأيقنوا بالهلاك، فقدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدخل المسجد فصلّى ركعتين فسأل عنهم، فذكر له أنّهم أقسموا أن لا يحلّوا أنفسهم حتّى يحلّهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): أنا اقسم أن لا احلّهم حتّى أومر فيهم، فنزلت الآية المتقدّمة على هذه، فأطلقهم و عذرهم.

فقالوا يا رسول اللّه هذه أموالنا الّتي خلّفتنا عنك، فتصدّق بها و طهّرنا فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلم):

ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فنزلت الآية فأخذ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بعضا من أموالهم، و ترك الباقي.

و قد اختلف في الصدقة المأمور بأخذها فقيل ليس المراد بها الصدقة المفروضة بل هي على سبيل الكفّارة للذنوب الّتي أصابوها بسبب تخلّفهم عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و قيل أراد بها الزكاة المفروضة و نقله في مجمع البيان عن أكثر المفسّرين (1) ثمّ قال و هو الظاهر، لأنّ حمله على الخصوص بغير دليل لا وجه له، فيكون أمرا بأن يأخذ من المالكين للنصاب من الأموال المختلفة الزكاة من كلّ مال بخصوصه مع اجتماع الشرائط المعتبرة فيه على ما دلّت عليه الأخبار و انعقد عليه الإجماع.

و استدلّ بعض أصحابنا بظاهر الأمر على وجوب دفع الزكاة إلى النبيّ أو الإمام (صلوات اللّه عليهما)، و الآية خالية عن الدلالة على ذلك، فإنّ أقصى ما دلّت عليه وجوب الأخذ و هو حقّ مع الدفع، أمّا بدونه فلا.

و لو قيل إنّ وجوب الأخذ يستلزم وجوب الطلب في الجملة لقلنا نحن لا ننازع في وجوب الدفع مع الطلب، أمّا وجوب الحمل إليه ابتداء فالآية الكريمة خالية عن الدلالة عليه، و الأمر في ذلك سهل لأنّ الإمام (عليه السلام) أبصر بالحكم لكنّ الكلام فيما يذهب إليه بعضهم من قيام الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء مقامه في ذلك حيث أوجب الدفع إليه بظاهر الأمر و هو بعيد، و الاستحباب أقوى لأصالة عدم الوجوب و لأنّه امتثل الأمر في قوله «وَ آتُوا الزَّكٰاةَ» و نحوه (2) و الروايات المستفيضة الدالّة على جواز تولّى المالك لذلك

____________

(1) انظر المجمع ج 3 ص 68.

(2) من الروايات خ.

22

بنفسه، أو وكيله، و وجه الاستحباب أنّه أبصر بمواقعها و أعرف بمواضعها، و لما في ذلك من إزالة التهمة عن المالك بمنع الحقّ أو تفضيل بعض المستحقّين بمجرّد الميل هذا.

و قد يستدلّ بها على وجوب الأخذ من سائر أموال المسلمين إلّا ما أخرجه الدليل على ما يعلم تفصيله في محلّه.

«تُطَهِّرُهُمْ» عن الذنوب اللّاحقة لهم أو من حبّ المال المؤدّى بهم إلى مثله و ارتفاعه على أنّه صفة الصدقة أو على الاستيناف، و من قرأه مجزوما جعله جواب الأمر.

«وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا» و تنمي بها حسناتهم، و ترفعهم إلى منازل المخلصين و هو على الخطاب للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و يجوز في الأوّل الخطاب أيضا.

«وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ» أى ادع لهم «إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» أى دعوتك ممّا تسكن إليه نفوسهم، و تطمئنّ بها قلوبهم، أو رحمة لهم، و الجمع لتعدّد المدعوّ لهم، و من قرأ على الوحدة أراد به الجنس الواقع على القليل و الكثير.

و قد اختلف في الدعاء لهم هل هو على الوجوب أو على الاستحباب؟ الأكثر على الأوّل نظرا إلى ظاهر الأمر، و هل الحكم جار في الفقيه أيضا إذا حملت الزكاة إليه؟ قيل نعم لكونه نائبا عن الامام، و قيل لا نظرا إلى ظاهر الأمر فإنّه مخصوص به (صلّى اللّه عليه و آله) بل قيل إنّه لا يجب عليه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مطلقا نظرا إلى أنّها وردت في جماعة مخصوصين على ما تقدّم و فيه نظر فإنّ أكثر الأحكام متعدّية إلى غيره، مع كون الخطاب خاصّا به. و من ثمّ احتاج الاختصاص به و عدم مشاركة الغير له فيه إلى دليل يقتضيه، و إلّا فالحكم على العموم، و ورودها في جماعة معيّنة لا يوجب قصر الحكم عليهم، فإنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و قد روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى (1) لمّا أتاه بصدقته، و

____________

(1) انظر سنن أبى داود ج 2 ص 142 الرقم 1590 و ابى ماجة ص 572 الرقم 1796 و النسائي ج 5 ص 31 و صحيح مسلم بشرح النووي ج 7 ص 184 و البخاري بشرح فتح الباري ج 4 ص 104 و أخرجه في الدر المنثور ج 3 ص 275 عن ابن أبي شيبة و البخاري و مسلم و أبى داود و النسائي و ابن ماجة و ابن المنذر و ابن مردويه. و لفظ الحديث هكذا: عن عبد اللّه بن أبي أوفى كان النبي (ص) إذا أتاه قوم بصدقتهم قال اللهم صل على آل فلان (و في لفظ على فلان) فأتاه أبى بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى.

و اسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي شهد هو و ابنه عبد اللّه بيعة الرضوان تحت الشجرة و عمر عبد اللّه الى ان كان أخر من مات من الصحابة بالكوفة و ذلك سنة سبع و ثمانين.

23

مقتضى الآية جواز الصلاة على آحاد المسلمين و قد دلّ على ذلك غيرها فمنع البيضاوي و صاحب الكشاف (1) الصلاة على غير النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لكونها شعارا له، لا وجه له مع أنّ اللّه و الرسول كانا عالمين بذلك، و قد ندبا إليه، فهذا المنع في الحقيقة ردّ على اللّه و الرسول في التجويز، على أنّها إنّما صارت شعارا لمنعهم ذلك في غير النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و إلّا فهي ليست شعارا له وحده، و من ثمّ نذكر الآل معه في الصلاة و أيضا كونها شعارا له لا تنافي جوازه لغيره، و قد سلف جانب من الكلام.

و قد يستدلّ (2) بقوله «مِنْ أَمْوٰالِهِمْ» على أنّ الزكاة تجب في العين كما ذهب إليه أصحابنا لا في الذمّة، كما هو قول بعض العامّة، لدلالة من التبعيضيّة على ما قلناه، و يتفرّع على الخلاف ما لو باع النصاب بعد وجوب الزكاة فيه، فإنّه ينفذ في قدر نصيبه قولا واحدا، و هل يبطل في نصيب الفقراء، أم يبقى موقوفا؟ فان قلنا بوجوبها في الذمّة صحّت و لم تبطل و إن قلنا بوجوبها في العين لم يصحّ.

و على تقدير كونها في العين يحتمل كونه بطريق الشركة أو بطريق تعلّق أرش الجناية برقبة الجاني أو تعلّق الدين بالرهن، و الحقّ أنّ الآية غير ظاهرة في وجوبها

____________

(1) انظر الكشاف ج 2 ص 549 تفسير الآية 56 من سورة الأحزاب و كذلك البيضاوي ص 561 و لنا في تعليقاتنا على كنز العرفان ج 1 ص 138 و 139 في هذه المسئلة مطالب مفيدة فراجع.

(2) انظر البحث في ذلك منقحا في مستمسك العروة الوثقى لاية اللّه الحكيم مد ظله ج 9 من ص 158 الى 168.

24

في العين (1) إنّما ذلك لو دلّت على أخذ الصدقة عن كلّ نصاب منه بخصوصه، و ليس فليس و يؤيده الإجماع على جواز أدائها من مال آخر، و إخراج القيمة فيها، سواء كان ما وجب فيه ذهبا أو فضّة أو إحدى الغلّات، نعم اختلفوا في الحيوان فالشيخ و الأكثر على جواز إخراج القيمة فيه، و منع الشيخ المفيد و جماعة من إخراج القيمة في الحيوان و هو بعيد فانّ المقصود من الزكاة نفع الفقراء، و ذلك متساو بالنسبة إلى العين و القيمة، و هذا مرجّح للتعلّق في الذمة، كاقاله بعض علمائنا، و تمام تحقيقه يعلم من الفروع.

«وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» يسمع دعاك لهم و يعلم ما يكون منهم في الصدقات.

قيل: إنّهم لمّا سألوا النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أن يأخذ من مالهم ما يكون كفّارة لذنوبهم فامتنع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من ذلك، حتّى يؤذن له فيه، ثمّ أذن له كما سبق.

بيّن تعالى أنّه ليس إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قبول توبتكم و أنّ ذلك إلى اللّه فقال «أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ» استفهام يراد به التنبيه على ما يجب أن يعلمه المخاطب فإنّه إذا رجع إلى نفسه و فكّر فيما نبّه عليه، علم وجوبه، و إنّما وجب أن يعلم أنّ اللّه يقبل التوبة، لأنّه إذا علم ذلك، كان سببا داعيا له إلى فعل التوبة، و التمسّك بها و المسارعة إليها و ما هذه صفته (2) يجب العلم به، ليحصل به الفوز بالثواب، و الخلاص من العقاب.

«وَ يَأْخُذُ الصَّدَقٰاتِ» أي يتقبّلها و يضمن الجزاء عليها، قال الجبائيّ جعل اللّه أخذ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و المؤمنين الصدقات أخذا من اللّه على وجه التشبيه و المجاز، من حيث كان يأمره، و قد ورد عنه (عليه السلام) أنّ الصدقة تقع في يد اللّه قبل أن تصل إلى يد السائل (3) و المراد بذلك أنّها تنزّل هذا التنزيل ترغيبا للعباد في فعلها، و ذلك يرجع إلى تضمّن الجزاء عليها.

____________

(1) وجه عدم الظهور أنه لو كان عنده نصاب الذهب فقط و أخذ الزكاة من الفضة التي لا تجب عليه فيها الزكاة يصدق عليه أنه أخذ الصدقة من أموالهم فأين الظهور؟. منه- ره.

(2) صورته خ.

(3) انظر الفقيه ج 2 ص 37 الرقم 156 و الكافي ج 1 ص 162 و التهذيب ج 4 ص 112 الرقم 231 و غيره من الاخبار.

25

«وَ أَنَّ اللّٰهَ هُوَ التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ» عطف على مدخول العلم، و لذلك فتح «أنّ» لأنّها مفعول و قد مرّ تفسير مثله.

الثانية:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلّٰا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (1).

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» قد مرّ وجه تخصيصهم بالخطاب «أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ» أي من حلاله أو من جيّده و خياره، فإنّ الصدقة بالمحبوب أفضل الصدقات لقوله تعالى «لَنْ تَنٰالُوا الْبِرَّ حَتّٰى تُنْفِقُوا مِمّٰا تُحِبُّونَ» (2) و من فيه تبعضيّة لأنّ المراد بالإنفاق للبعض (3) و احتمل بعضهم كونها ابتدائيّة و ما مصدريّة بتأويل المفعول أي مكسوبا لكم.

«وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ» معطوف على سابقه بحذف المضاف، أى و من طيّبات ما أخرجنا من الحبوب و الثمار و المعادن و الكنوز و نحوها، ثمّ إنّه تعالى أكّد الأمر بإنفاق الطيّب بقوله «وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ» أي لا تقصدوا الرديّ أو الحرام من المال «تُنْفِقُونَ» حال مقدّرة عن فاعل «تيمّموا» أي لا تقصدوا الخبيث من المال حال كونكم مقدّرين الإنفاق منه و يجوز أن يتعلّق «منه» به و الضمير يرجع إلى الخبيث فيكون حالا عنه.

«وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ» أي و حالكم أنّكم لا تأخذونه في حقوقكم لرداءته «إِلّٰا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ» أي إلّا وقت إغماضكم و تسامحكم في أخذه أو إلّا لإغماضكم، فالاغماض مجاز عن المسامحة، من أغمض بصره إذا غمضه، فكما أنّه إذا كانت العين مغمضة يؤخذ

____________

(1) البقرة: 267.

(2) آل عمران: 192.

(3) في سن: لان المراد الإنفاق من البعض.

26

الردىّ و المعيب، فكذلك إذا تسامح كأنّه لا يرى رداءته.

و في مجمع البيان (1) أنّ هذا يقوّي كون المراد الرديّ لأنّ الاعماض لا يكون إلّا في الشيء الرديّ دون ما هو حرام (2)، و يؤيده أيضا ما قيل إنّها نزلت في قوم كانوا يتصدّقون بحشف التمر و شراره، فنهوا عنه و قريب منه [ما] روى أبو بصير (3) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إذا أمر بالنخل أن يزكّى يجيء قوم بألوان التمر و هو من أردئ التمر يؤدّونه من زكوتهم يقال الجعرور و المعافارة، قليلة اللّحم عظيم النوى إلى أن قال، و في ذلك نزل «وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ» الآية.

و في رواية أخرى عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى «أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ» كان القوم قد كسبوا مكاسب في الجاهليّة، فلمّا أسلموا أرادوا أن يخرجوها من أموالهم ليتصدّقوا بها فأبى اللّه عزّ و جلّ إلّا أن يخرجوا من طيّب ما كسبوا و هو يعطى كون المراد بالخبيث الحرام.

و قد اختلف في المراد بالإنفاق هنا، فقيل: هو أمر بالنفقة في الزكاة الواجبة (4) و قيل هو في الصدقة المتطوّع بها، لأنّ المفروض من الصدقة له مقدار من القيمة إن قصر كان دينا عليه إلى أن يؤدّيه بتمامه، و إذا كان ماله المزكّى كلّه رديئا فجائز له أن يعطى منه فلا يتمّ الأمر بإنفاق الطيّب على الإطلاق.

و قيل: إنّ المراد به الإنفاق في سبيل الخير و أعمال البرّ على العموم، فيدخل

____________

(1) انظر المجمع ج 1 ص 381.

(2) زاد في سن: فإنه لا يجوز أخذه لا بإغماض و لا بغيره، و الآية تدل على أن هذا الخبيث يجوز أخذه بالإغماض.

(3) انظر روايتي أبي بصير في الكافي باب النوادر من كتاب الزكاة الحديث 9 و 10 ج 1 ص 175 و في المرآة ج 3 ص 208 و الأول أيضا في العياشي ج 1 ص 148 الرقم 489 و البحار ج 20 ص 13 و انظر البرهان ج 1 ص 254.

(4) زاد في سن: لأن الأمر للوجوب و الإنفاق الواجب لا يكون إلا في الزكاة.

27

فيه النفقة الواجبة و المتطوّع بها، و رواية أبي بصير تؤيّد الأوّل، و المشهور بين الأصحاب أنّ المراد بها الإشارة إلى وجوب إخراج الخمس من الأمور المذكورة، و يراد بالمخرج من الأرض ما يعمّ المعادن و الكنوز و نحوها ممّا يجب فيه الخمس فكذا في المعطوف عليه كأرباح التجارات و الصناعات و الزراعات و يكون ذلك على الاجمال، و بيانه معلوم مفصّلا من دليل خارجيّ يدلّ عليه.

و الحقّ أنّ هذه الآيات مجملة في المراد، و المستفاد منها وجوب الإنفاق من الجيّد أو الحلال دون الرديء أو الحرام، فينبغي التمسّك بها في ذلك، و جعل بيانه موكولا إلى الدليل الخارجي.

الثالثة:

فَآتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ ذٰلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ زَكٰاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (1).

«فَآتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ» يحتمل أن يراد بذي القربى قرابة الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و هو الظاهر من أخبارنا: روى الكلينيّ (2) عن عليّ بن أسباط قال: لمّا ورد أبو الحسن

____________

(1) الروم: 38.

(2) الحديث رواه الكليني في الأصول آخر كتاب الحجة باب الفيء و الأنفال قبيل كتاب الايمان و الكفر الحديث 5 و طبع أحاديث الفيء و الأنفال الفروع ط 1312 آخر المجلد الأول و الحديث فيه في ص 425 و هو في المرآة ج 1 ص 445 و في شرح ملا صالح المازندراني ج 7 ص 403 و في الشافي شرح ملا خليل القزويني أواخر المجلد الأول ص 358 و في البرهان ج 2 ص 415 و نور الثقلين ج 3 ص 154 الرقم 158 و كنز العرفان ج 1 ص 253.

و رواه أيضا في التهذيب مع تفاوت يسير ج 4 ص 148 الرقم 414 و هو في الوافي الجزء السادس ص 42 و في الوسائل الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام الحديث 5 ص 64 ج 2 ط الأميري.

قال المجلسي في المرآة: و قد يستشكل بأن سورة الحشر مدنية و آية ذا القربى في سورة الإسراء و هي مكية فكيف نزلت بعد الاولى مع أنه معلوم أن هذه القصة كانت في المدينة؟

و الجواب أن السور المكية قد تكون فيها آيات مدنية و بالعكس فان الاسمين مبنيان على الغالب و يؤيده أن الطبرسي قال في مجمع البيان سورة بني إسرائيل مكية كلها و قيل مكية إلا خمس آيات و عد منها وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ رواه عن الحسن و زاد ابن عباس ثلاثا أخر انتهى ما في المرآة.

أقول و ترى ما نقله عن المجمع في ج 3 ص 393.

و حديث انحال رسول اللّه (ص) فدك فاطمة الزهراء (عليها سلام اللّه) رواه الإثبات من الفريقين ففي المجمع ج 4 ص 306 تفسير الآية 38 من سورة الروم: و روى أبو سعيد الخدري و غيره انه لما نزلت هذه الآية على النبي (ص) أعطى فاطمة فدكا و سلمه إليها و هو المروي عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام).

و في الدر المنثور ج 3 ص 177 تفسير الآية 26 من سورة الإسراء: و اخرج البزار و أبو يعلى و ابن ابى حاتم و ابن مردويه عن أبى سعيد الخدري رضى اللّه عنه قال لما نزلت هذه الآية «وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ» دعا رسول اللّه فاطمة و أعطاها فدك و أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال لما نزلت وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ أقطع رسول اللّه (ص) فاطمة فدكا.

و في عيون اخبار الرضا الباب 23 مجلس الرضا مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمة حديث من ص 228 الى ص 240 ج 1 ط قم و في ص 233 منه: و الآية الخامسة قول اللّه عز و جل «وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ» خصوصية خصهم اللّه العزيز الجبار بها و اصطفاهم على الأمة، فلما نزلت هذه الآية على رسول اللّه (ص) قال ادعوا إلىّ فاطمة فدعيت له فقال يا فاطمة قالت لبيك يا رسول اللّه فقال هذه فدك مما هي لم يوجف عليه بالخيل و لا ركاب و هي لي خاصة دون المسلمين و قد جعلتها لك لما أمرني اللّه تعالى به فخذيها لك و لولدك فهذه الخامسة.

و في المجمع أيضا ج 3 ص 411 تفسير الآية 26 من سورة الإسراء عن أبى الحمد مهدي بن نزار عن أبى القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه الحسكانى و ساق الإسناد الى أبى سعيد الخدري انه قال لما نزل قوله «وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ» اعطى رسول اللّه فاطمة فدكا قال عبد الرحمن بن صالح كتب المأمون الى عبد اللّه ابن موسى يسأله عن قصة فدك فكتب اليه عبد اللّه بهذا الحديث رواه الفضيل بن مرزوق عن عطية فرد المأمون فدكا الى ولد فاطمة.

أقول و ترى كتاب المأمون إلى قثم بن جعفر في جمهرة رسائل العرب لأحمد زكى صفوت ج 3 ص 509 و 510 بالرقم 308 نقلا عن ص 4 فتوح البلدان للبلاذرى و ج 6 ص 345 معجم البلدان.

و قد روى المحدثون الإثبات من الفريقين ادعاء فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها) نحلة النبي (ص) إياها و شهادة على (عليه السلام) و أم أيمن لها و قد تضمنها الحديث المذكور في المتن عن على بن أسباط و انظر تمام الحديث في الكافي و التهذيب و رواها في الاختصاص عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) ص 183 و رواها في الاحتجاج ج 1 ص 119 عن حماد بن عثمان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) و على بن إبراهيم عند تفسير الآية 38 من سورة الروم ص 395 عن حماد بن عثمان عن أبى عبد اللّه و انظر أيضا تفسير البرهان ج 3 ص 263 و نور الثقلين ج 4 ص 186 و البحار ج 8 باب نزول الايات في أمر فدك من ص 91 الى 141 و الشافي و كذا تلخيص الشافي ج 3 ص 121 الى 128 ط النجف و غاية المرام ص 234 الباب الثامن عشر.

و انظر من كتب أهل السنة شرح ابن أبى الحديد عند شرحه الكتاب بالرقم 45 من نهج البلاغة مكتوبة إلى عثمان بن حنيف الفصل الثالث من شرحه ص 268 الى 286 الطبعة الأخيرة ط دار احياء الكتب العربية سنة 1962 ج 16 و الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمى ص 35 ط مكتبة القاهرة 1375 في الشبهة السابعة من شبه الرافضة في الطعن على أبى بكر و يظهر منه تصديق ابن حجر لادعاء فاطمة و شهادة على (عليه السلام) و أم أيمن و اللفظ فيه: و دعواها انه نحلها فدك لم تأت عليها إلا بعلى و أم أيمن فلم يكمل نصاب البينة انتهى.

و أستحيي الإمام الرازي عند تفسير الآية 6 من سورة الحشر ج 30 ص 284 الطبعة الأخيرة عن ذكر أمير المؤمنين على (ع) ورد أبى بكر شهادته فعبر بمولى لرسول اللّه (ص) فقال: فشهد لها أم أيمن و مولى للرسول (ع) فطلب أبو بكر الشاهد الذي يجوز شهادته في الشيء فلم يكن:

و كيف يمكن قصور شهادة على (ع) عن شهادة خزيمة بن ثابت الذي قبل شهادته النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مكان شهادتين و القصة مشهورة في كتب التواريخ و معاجم الصحابة و على أخو النبي و الحق معه يدور معه أينما دار و أم أيمن مشهودة عليها بالجنة كما ترى ترجمتها في معاجم الصحابة.

بل دعوى فاطمة (عليها سلام اللّه) كافية في صدقها و كيف يمكن تعقل ادعائها الكذب و هي سيدة نساء العالمين بإقرار الفريقين اختارها اللّه من نساء الأمة للمباهلة و في حقها نزلت آية التطهير و هي برة الأبرار.

أنشدكم باللّه أيها القارؤن الكرام هل عرف كون البينة حجة إلا بقول النبي (ص) الذي لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحي؟ فكيف لا يقبل قول اللّه عز و جل في تطهيره أهل البيت و يطلب البينة ان هذا لشيء عجاب فيا لنا من مصيبة ما أعظمها نحتسبها عند اللّه و نبتغى منه الأجر و المثوبة تكذب سيدتنا فاطمة (سلام اللّه عليها) و ترد شهادة مولانا أمير المؤمنين على (ع) فصبر جميل و اللّه المستعان.

28

موسى (عليه السلام) على المهدىّ و ساق الحديث إلى أن قال: إنّ اللّه تعالى لمّا فتح على نبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فدك و ما والاها أنزل اللّه عليه «وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ» فلم يدر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من هم؟

29

فراجع في ذلك جبرائيل، فراجع جبرائيل ربّه، فأوحى اللّه إليه أن ادفع فدك إلى

30

فاطمة، فدفعها إليها و قبلت ذلك، الحديث و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) (1).

و يحتمل أن يكون خطابا له و لغيره، و المراد بالقرابة قرابة الرجل، فيكون أمرا بصلة الرحم بالمال و النفس، أو أنّ المراد نفقة الأقارب الواجبة على الرّجل، و يكون مقتضى الآية العموم إلّا أنّ الإجماع خصّصها بالأبوين و الأولاد.

و يظهر ممّا ذكرنا أنّ استدلال الحنفيّة بها على وجوب نفقة المحارم غير تامّ.

«وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ» لعلّ المراد بحقّهما ما وصف لهما من الزكاة، أو ما هو

____________

(1) انظر المجمع ج 4 ص 306.

31

أعمّ من الواجب و المستحبّ «ذٰلِكَ خَيْرٌ» أي إعطاء الحقوق مستحقّها خير «لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ» ذاته و جهته، بمعنى أنّهم يقصدون بمعروفهم إيّاه خالصا أو جهة التقرّب إلى اللّه لا لجهة أخرى «أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» الفائزون بثواب اللّه يوم القيامة.

«وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً» زيادة محرّمة في المعاملة «لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ» ليزيد في أموالهم «فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ» بل هو محض الإثم «وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ زَكٰاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ» تبتغون به وجهه خالصا «فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» ذو الاضعاف من الثواب لا من المقدار، إذ ليس المراد أنّ من أعطى رغيفا (1) أنّ اللّه يعطيه عشرة و إنّما المراد أنّ الرغيف (2) الواحد إذا اقتضى أن يكون قصرا في الجنّة، فإنّ اللّه تعالى يعطيه عشرة قصور، و على هذا فيكون المراد الربا المحرّم و نظيره قوله تعالى «يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ» (3).

و يحتمل أن يراد بالربا في الآية الزيادة الغير المحرّمة، و هو أن يعطى الرجل العطيّة أو يهدي الهدية ليعوّض أكثر ممّا وهب، فبيّن اللّه تعالى أنّ ذلك لا يوجب الثواب عند اللّه و إن كان مباحا، فليس له أجر و لا عليه وزر. و رواه الكلينيّ في الحسن عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ (4) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال الربا رباء ان ربا يؤكل و ربا لا يؤكل: فأمّا الّذي يؤكل فهديّتك إلى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الّذي يؤكل، و هو قول اللّه عزّ و جلّ «وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ» و أمّا الّذي لا يؤكل فهو الّذي نهى اللّه عنه و أوعد عليه النار.

____________

(1) درهما، خ.

(2) الدرهم الواحد، خ.

(3) البقرة: 276.

(4) انظر فروع الكافي ج 1 ص 369 باب الربا الحديث 6 و هو في المرآة ج 3 ص 399 و رواه أيضا في التهذيب ج 7 ص 17 الرقم 73 و في التهذيب أيضا ج 7 ص 15 بالرقم 67 عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر عن أبى عبد اللّه (ع) في قوله تعالى «وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ» قال هو هديتك الى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها فذلك يؤكل و هو في الفقيه ج 3 ص 174 الرقم 785.

32

الخامسة:

إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (1).

«إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ» فقد اختلف في الفرق بينهما (2) فقيل الفقير المتعفّف الّذي لا يسأل و المسكين الّذي يسأل، و هو الوارد في رواية أبي بصير (3) عن الصادق (عليه السلام) أنّ

____________

(1) براءة: 61.

(2) في سن هكذا: قد اختلف في أيهما أسوء حالا، اى لا مال له و لا كسب بالكلية فقيل: هو الفقير نظرا الى وقوع الابتداء به في الآية، و ليس ذلك الا للاهتمام بشأنه في الحاجة، من الفقار، كأنه أصيب فقارة، و لتعوذ النبي (ص) منه، و لان المسكين قد يكون له مال لقوله تعالى «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكٰانَتْ لِمَسٰاكِينَ».

و قيل: المسكين لقوله تعالى «أَوْ مِسْكِيناً ذٰا مَتْرَبَةٍ» و هو المطروح على التراب لشدة احتياجه و لان الشاعر قد أثبت للفقير مالا في قوله:

أما الفقير الذي كانت حلوبته * * * وفق العيال فلم يترك له سيد

و يستفاد من رواية أبي بصير. إلخ.

(3) انظر الحديث في فروع الكافي ج 1 ص 141 و التهذيب ج 4 ص 104 الرقم 297 و هو في المرآة ج 3 ص 185 و في المنتقى ج 2 ص 106 قال في المنتقى لا يبعد أن يكون من الحسن، و احتمل حسنة أيضا المجلسي في المرآة و نص الحديث في التهذيب هكذا:

محمد بن يعقوب عن على بن إبراهيم عن أحمد بن محمد عن أحمد بن خالد عن عبد اللّه بن يحيى عن عبد اللّه بن مسكان عن ابى بصير قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) في قول اللّه عز و جل «إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ» قال الفقير الذي لا يسأل الناس و المسكين اجهد منه و البائس أجهدهم، و كلما فرض اللّه عز و جل فإعلانه أفضل من إسراره، و ما كان تطوعا فإسراره أفضل من إعلانه، و لو ان رجلا حمل زكاة ماله على عاتقة فقسمها علانية كان ذلك حسنا جميلا. و روى شطرا منه في العياشي ج 1 ص 90 الرقم 65 مع تفاوت في اللفظ حكاه عنه في البرهان ج 2 ص 163 و البحار ج 20 ص 16 و قريب من الحديث ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما الحديث 18 من فروع الكافي باب فرض الزكاة و هو في المرآة و المنتقى موصوف بالصحة و رواه أيضا في العياشي و في دعائم الإسلام ج 1 ص 260 عن جعفر بن محمد الفقير الذي لا يسأل و المسكين اجهد منه و حكاه في المستدرك ج 1 ص 521.

و لا ثمرة مهمة في تحقيق البحث في الفرق بينهما الا بناء على وجوب البسط في المقام و فيما لو أوصى أو وقف أو نذر للفقير أو للمسكين إذا قصد معنى اللفظ إجمالا و المتبع عندئذ مفاد الأحاديث السالفة.

و دعوى ظهورها في تفسير الفقير و المسكين في آية الزكاة في غير محلها إذ لا قرينة في غير حديث ابى بصير و هو ان كان مورده الآية لكنه بقرينة ذكر البائس ظاهر في إرادة تفسير اللفظين مطلقا.

و حكى عن ابن إدريس و جماعة من الفقهاء و اللغويين ان الفقير أسوء حالا من المسكين و استدل لهم ببعض الوجوه الضعيفة في نفسها فضلا عن صلاحيتها لمعارضة ما سردناه لك من الأحاديث.

33

المسكين أسوء حالا لأنّه قال: الفقير الّذي لا يسأل الناس، و المسكين أجهد منه، و قيل الفقير هو ذو الزّمانة من أهل الحاجة و المسكين من كان ضعيفا محتاجا، و قيل هما بمعنى واحد إلّا أنّه ذكر بالصفتين لتأكيد أمره، و لا فائدة مهمّة في تحقيق البحث هنا بل اللازم أن يعلم أنّ المراد بهما من لا يملك قوت السنة له و لعياله الواجبي النفقة و لو بالصنعة و الكسب «وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا» الساعين في جمعها و تحصيلها.

«وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» قوم من الكفّار أشراف (1) كان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يتألّفهم على

____________

(1) انظر أسماءهم في المعارف لابن قتيبة ط المكتبة الحسينية 1353 ص 149 و المخبر لمحمد بن حبيب البغدادي ص 473 و الدر المنثور ج 3 ص 251 نقلا عن عبد الرزاق و ابن المنذر و ابن أبى حاتم عن يحيى بن كثير، و أحكام القرآن لابن العربي ص 950- 954 و فيه توضيح أحوالهم، و نهاية الارب للنويرى ج 7 ص 339 و 340 و الطبقات لابن سعد ط بيروت ج 2 ص 152 و سيرة ابن هشام بهامش روض الأنف ج 2 ص 308- 310 و سرد أسماءهم أكثر كتب التاريخ عند ذكرهم غزوة حنين.

و راجع أيضا حديث أبى الجارود عن أبى جعفر المدرج في تفسير على بن إبراهيم عند تفسيره الآية ص 163 و حكاه عنه في البرهان ج 2 ص 134 و نور الثقلين ج 2 ص 230 بالرقم 196، الا أن في ضبط أسمائهم في تفسير على بن إبراهيم و كذا الحاكي عنه البرهان و نور الثقلين اغتشاشا يعرف بالمراجعة و لعل ضبط ما في البحار ج 20 ص 17 عند حكايته الحديث أصح.

ثم ان أول من أسقط حق المؤلفة كان عمر في زمن خلافة أبى بكر، ففي الدر المنثور ج 3 ص 252: و أخرج ابن أبى حاتم عن عبيدة السلماني قال: جاء عيينة بن حصن و الأقرع بن حابس الى أبى بكر فقالا: يا خليفة رسول اللّه (ص) ان عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلاء و منفعة، فإن رأيت أن تعطيناها لعلنا نحرثها و نزرعها، و لعل اللّه أن ينفع بها، فأقطعهما إياها و كتب لهما بذلك كتابا و أشهد لهما.

فانطلقا الى عمر ليشهداه على ما فيه، فلما قرء على عمر ما في الكتاب تناوله من أيديهما فتفل فيه فمحاه. فتذمرا و قالا له مقالة سيئة، فقال عمر: ان رسول اللّه كان يتألفكما و الإسلام يومئذ قليل، و ان اللّه قد أعز الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما لا أرعى اللّه عليكما ان أرعيتما.

و أخرجه أيضا في الإصابة ج 3 ص 56 بالرقم 6153 عند ترجمة عيينة بن حصن، و فيه بعد ذلك: فأقبلا الى أبى بكر و هما يتذمران فقالا: ما ندري و اللّه أنت الخليفة أو عمر؟

فقال: لا بل هو لو كان شاء.

فجاء عمر و هو مغضب حتى وقف على أبى بكر فقال: أخبرني عن هذا الذي أقطعتهما أرض هي لك خاصة أو للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة، قال: فما حملك على أن تخص هذين؟ قال: استشرت الذين حولي فأشاروا على بذلك، و قد قلت لك: انك أقوى على هذا منى فغلبتني.

و قريب منه أيضا ما أخرجه في الإصابة ج 1 ص 72 بالرقم 231 عند ترجمة الأقرع بن حابس و أخرجه أيضا الجصاص في أحكام القرآن ج 3 ص 153 و ابن الهمام في فتح القدير ج 2 ص 15 و كذا في شرح الهداية بهامش فتح القدير، و نقله في النص و الاجتهاد ط النجف 1375 ص 20 عن كتاب الجوهرة النيرة على مختصر القدورى و شرح ابن أبى الحديد و غيرهما.

34

الإسلام، و يستعين بهم على قتال غيرهم، و يعطيهم سهما من الزكاة، و هل هو ثابت في جميع الأحوال أو في وقت دون وقت، قيل بالثاني و أنّه كان خاصّا على عهد رسول اللّه

35

(صلّى اللّه عليه و آله)، فروى جابر عن أبى جعفر (عليه السلام) (1) أنّه ثابت في كلّ عصر إلّا أنّ من شرطه أن يكون هناك إمام عدل يتألّفهم على ذلك، و في مؤلّفة الإسلام قولان للأصحاب فأثبتهم جماعة، و نفاهم آخرون، و هم أربع فرق قوم لهم نظراء من المشركين إذا اعطي المسلمون رغب نظراؤهم في الإسلام و قوم نيّاتهم ضعيفة في الدين يرجى بإعطائهم قوّة نيّتهم و قوم بأطراف بلاد الإسلام إذا أعطوا منعوا الكفّار من الدخول أو رغّبوهم في الإسلام، و قوم جاوروا قوما يجب عليهم الزكاة إذا أعطوا منها جبوها منهم و أغنوا عن عامل.

و الحقّ أنّ في دخول هؤلاء في قسم المؤلّفة نظر إذ يمكن ردّ ما عدا الأخير إلى سبيل اللّه و الأخير إلى العمّالة، و كيف كان فلا ثمرة مهمّة في تحقيقه.

«وَ فِي الرِّقٰابِ» و للصرف في الرقاب بأن يعاونوا الكاتب بشيء منها على أداء نجومه و كذا العبيد إذا كانوا تحت الشدّة و الضرّ، فإنّهم يشترون ابتداء و يعتقون.

و قال الشافعي: إنّهم المكاتبون خاصّة و لم يعتبر باقي العامّة كون العبيد تحت

____________

(1) لم أظفر بالحديث كما في المتن عن جابر عن أبى جعفر (عليه السلام)، نعم رواه في دعائم الإسلام ج 1 ص 260 عن أبى جعفر (عليه السلام) مع تفاوت يسير في اللفظ، من غير ذكر الراوي عنه، و حكاه عنه في المستدرك ج 1 ص 521، و أرسله في المجمع ج 3 ص 47.

و في تفسير الخازن: و قال قوم: سهمهم ثابت لم يسقط، يروى ذلك عن الحسن و الزهري و أبى جعفر محمد بن على و أبى ثور.

و في التبيان ج 1 ص 839 ط إيران عند تفسير الآية رواية خلاف ذلك عن أبى جعفر (عليه السلام) ففيه: فقال الحسن و الشعبي: ان هذا كان خاصا على عهد رسول اللّه (ص)، و روى جابر عن أبى جعفر محمد بن على ذلك.

36

الضرّ و الشدّة، بل أطلقوا جواز شرائهم من مال الزكاة و إعتاقهم، و هو قول بعض علمائنا نظرا إلى الظاهر من إطلاق الرقاب، و الأكثر على اشتراط الضرّ و الشدّة لأنّ المملوك مع عدم ذلك غير محتاج إلى العتق حاجة الفقراء و المساكين إلى الزكاة و لا يرد المكاتب إذ يجوز الدفع إليه و إن لم يكن في ضرّ لأنّ الحاجة ماسّة من جهته و جهة مولاه، فلا حاجة إلى اشتراطه.

و يؤيّده ما رواه عمرو بن أبى نصر (1) في الصحيح عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته

____________

(1) الكافي ج 1 ص 158 باب الرجل يحج من الزكاة أو يعتق الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 197 و عن محمد بن يعقوب في التهذيب ج 4 ص 100، الرقم 282.

و الضبط في النسخ المخطوطة من مسالك الافهام «عمرو بن أبى نصر» و هو الموافق لنسخ التهذيب على ما حكاه صاحب المعالم في المنتقى، و أما في الكافي و المرآة فالضبط «عمرو عن أبى بصير» و كذلك في النسخة المطبوعة من التهذيب في النجف. و لعل مصحيحه لم يتفطنوا للفرق بين نسخ التهذيب و الكافي فصححوه من الكافي.

و ترى الحديث في الوسائل الباب 42 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث ج 2 ص 37 ط الأميري، و في الوافي الجزء السادس ص 26.

قال في المنتقى ج 2 ص 112 عند شرح الحديث: و قد اتفقت عدة نسخ عندي للكافي على تصحيف إسناده بما يوجب ضعفه، و ذلك في تسمية راويه، فذكر هذا عن عمرو عن أبى بصير، و انما اعتمدنا في تصحيحه على إيراد الشيخ له في التهذيب موافقا للصواب. انتهى.

و ظن صاحب الحدائق أن الصحيح ضبط الكافي و أن ضبط التهذيب تصحيف، انظر ج 12 ص 182 ط النجف، و نقله في قلائد الدرر ج 1 ص 291 عن الشيخ عن عمر بن أبى نصر.

ثم انه اختلف علماء الرجال في ان عمرو بن أبى نصر و عمر بن أبى نصر هل هما رجل واحد أو رجلان؟ فاختار العلامة البهبهاني في حواشيه الرجالية على منهج المقال ص 249 انهما واحد، و احتمله أيضا التفرشي في نقد الرجال ص 253 و اختاره أيضا أبو على في منتهى المقال ص 232 و التستري في قاموس الرجال ج 7 ص 178 و هو المختار عندي و أن الصحيح عمرو مع الواو و عمر بلا واو تصحيف.

ثم ان هذا الرجل وثقه النجاشي انظر ص 222 من رجاله ط المكتبة المصطفوية و سرده العلامة في الخلاصة في القسم الأول انظر ص 121 ط النجف وعده الشيخ في الرجال من أصحاب الصادق (عليه السلام) ص 248 الرقم 412 و ذكر في الفهرست ان له كتابا ص 137 الرقم 494.

و أما عمر بن أبى نصر، فلم يذكره أحد إلا الشيخ في الرجال عند سرد أصحاب الصادق ص 253 الرقم 488، و قد عرفت أن الأصح كونه مصحف عمرو، مع الواو.

37

عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة و الستّمائة يشتري منها نسمة فيعتقها؟

فقال: إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم، ثمّ مكث مليّا ثمّ قال: إلّا أن يكون عبدا مسلما في ضرر فيشتريه و يعتقه.

هذا كلّه مع وجود المستحقّ، أمّا مع عدمه فلا كلام في جواز ذلك، و قد نقل عليه المحقّق في المعتبر و العلّامة في المنتهى الإجماع و يدلّ عليه ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة (1) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجدلها موضعا يدفع ذلك إليه، فنظر إلى مملوك يباع فاشتراه بتلك الألف درهم الّتي أخرجها من زكوته، فأعتقه هل يجوز ذلك؟ قال: نعم لا بأس بذلك، الحديث.

و لو دفع من سهم الرقاب إلى من وجبت عليه كفّارة يشتري بها رقبة و يعتقها في كفّارته المرتّبة. أو المخيرة مع العجز، جاز عند بعض علمائنا لإطلاق الآية و ما رواه عليّ بن إبراهيم (2) في تفسيره عن العالم (عليه السلام) قال: و «فِي الرِّقٰابِ» قوم لزمتهم كفّارات في قتل الخطا و في الظهار و في الأيمان و في قتل الصيد في الحرم، فليس عندهم ما يكفّرون به، و هم مؤمنون، فجعل اللّه تعالى لهم سهما في الصدقات فيكفّر عنهم.

و لا يخفى أنّ مقتضاها جواز إخراج الكفّارة من الزكاة و إن لم يكن عتقا لإطلاق الكفّارة فيها، إلّا أنّها غير واضحة الصحّة، إذ الظاهر أنّ علىّ بن إبراهيم أرسلها منه (عليه السلام) و من ثمّ قال الشيخ الأحوط عندي أن يعطى ثمن الرقبة لفقره من سهم الفقراء فيشري هو و يعتق عن نفسه و جوّز المحقّق في المعتبر إعطاء هذا من سهم الغارمين أيضا لأنّ القصد بذلك إبراء ذمّة المكفّر ممّا في عهدته.

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 100 الرقم 281 و الكافي ج 1 ص 158.

(2) تفسيره المطبوع ص 163 و حكاه الشيخ في التهذيب ج 4 ص 49 بالرقم 129.

38

«وَ الْغٰارِمِينَ» و هم الّذين ركبتهم الديون في غير معصية و لا إسراف، فتقضي عنهم ديونهم، و لو كان دينه في معصية لم يصرف إليه من سهم الغارمين عند علمائنا أجمع لما في القضاء عنه من الإغراء بالمعصية، و هو قبيح. و يؤيّده من الأخبار ما روي عن الرضا (عليه السلام) قال (1) يقضى ما عليه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة اللّه عز و جل، و إن كان أنفقه في معصية اللّه فلا شيء له على الامام، و لو تاب عن المعصية فظاهر بعض علمائنا جواز الدفع إليه من سهم الغارمين، و استبعده الشهيد في البيان نظرا إلى أنّ الدين إذا كان في معصية لم تتناوله الآية، لعدم صدق الغارم فيها عليه، مع ما فيه من الإغراء المذكور.

و قد يقال إنّ الآية لا تتناوله من حيث إنّه في معصية بل من حيث إنّه مديون لأنّ الحال ثابت و الإغراء ممنوع.

هذا إذا دفع إليه من سهم الغارمين أمّا لو دفع إليه من سهم الفقراء، فلا ريب في جوازه مع التوبة إن شرطنا العدالة، و إلّا لم يتوقّف جواز الدفع على ذلك، لصدق الفقر، و عدم معارضة الفسق للدفع.

و لو جهل حال دينه فيما أنفقه من طاعة أو معصية، فالمرويّ عن الرضا (عليه السلام) مرسلا أنه لا يعطى، و هو ظاهر الشيخ في النهاية و احتجّ له في المختلف بذلك، و بأنّ الشرط الإنفاق في الطاعة و مع الجهل به ينتفي المشروط، و فيه نظر، لضعف الرواية و الأصل في تصرّفات المسلم الصحّة و عدم العصيان، و لأنّ تتبّع مصارف الأموال عسر، فلا يكون دفع الزكاة موقوفا على اعتباره، و لأنّ الطاعة و المعصية من الأمور

____________

(1) الحديث رواه الكافي باب الدين من كتاب المعيشة الحديث 5 ج 1 ص 353، و هو في المرآة ج 3 ص 387 و رواه في التهذيب أيضا ج 6 ص 185 بالرقم 385 و هو في الوسائل الباب 9 من أبواب الدين الحديث 2 ج 2 ص 622 ط الأميري و البرهان ج 1 ص 260 الرقم 2 و نور الثقلين ج 1 ص 246 الرقم 1183 و قريب منه ما رواه العياشي عند تفسير الآية 280 من سورة البقرة ج 1 ص 155 بالرقم 520 و حكاه في البحار ج 23 ص 37 و البرهان ج 1 ص 261 بالرقم 11.

39

الخفيّة فيكفي فيها الظاهر، و من هنا ذهب ابن إدريس و جماعة إلى جواز إعطائه من هذا السهم و هو غير بعيد.

«وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» و للصرف فيه، و لا خلاف في دخول الجهاد فيه و خصّه الشيخ به في النهاية و الجمل و الأكثر على أنّ المراد به القرب كلّها كمعونة الحاجّ، و قضاء الدين عن الحيّ و الميّت، و عمارة المساجد، و بناء القناطر و المصانع، و نحوها، لأنّ سبيل اللّه:

الطريق إليه، و المراد هنا ما يكون طريقا إلى رضوانه و ثوابه، لاستحالة التحيّز عليه فاذن يدخل فيه جميع ما يكون و صلة إلى الثواب من أفعال الخير.

و يؤيّده ما رواه عليّ بن إبراهيم (1) في تفسيره عن العالم (عليه السلام) قال «وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» قوم يخرجون إلى الجهاد، و ليس عندهم ما ينفقون، أو قوم مؤمنون ليس عندهم ما يحجّون به أو في جميع سبيل الخير، فعلى الامام أن يعطيهم من مال الصدقات حتّى يقووا على الحجّ و الجهاد.

و احتجّ الشيخ بأنّ إطلاق السبيل ينصرف إلى الجهاد فيحمل عليه قضية لدلالة الحقيقة، و الجواب أنّ انصرافه إليه من حيث إنّه فرد من السبيل مسلّم، و من حيث إنّه هو المراد ممنوع، كيف و سبيل اللّه الطريق إليه على ما عرفت، و حيث إنّ الجهاد داخل فيه إمّا بالخصوص أو بالعموم (2) فعمومه يقتضي دخول الغزاة و إن كانوا من جند الديوان، و لهم سهم في الفيء.

و منع الشافعي من إعطائهم و الشيخ في المبسوط تردّد بين المنع و الإعطاء و الوجه الإعطاء، عملا بعموم اللفظ، كما هو قول أكثر الأصحاب.

«وَ ابْنِ السَّبِيلِ» و هو المنقطع به في غير بلده، سمّي به لملازمته السبيل بمعنى

____________

(1) قد مر أنه في ص 163 من تفسيره المطبوع، و حكاه في التهذيب ج 4 ص 49 بالرقم 129.

(2) كذا في الأصل- نسخة القاضي- و في سائر النسخ: «اما أنه هو المراد أو في ضمن سبيل اللّه فعمومه يقتضي إلخ.

40

الطريق كما سمّى اللصّ القاطع الطريق بابن الطريق، و يدخل فيه الضيف و هذا التفسير ممّا اختاره الشيخ و أكثر أصحابنا، و تابعهم فيه مالك و أبو حنيفة، و قال الشافعيّ: ابن السبيل المجتاز، و المنشئ للسفر أيضا و هو قول ابن الجنيد من أصحابنا، و الأظهر الأوّل لأنّ المتبادر من ابن السبيل من كان ملازما له و كونه فيه، و ظاهر أنّ ذلك لا يتحقّق في المنشئ للسفر، و يؤيده ما ذكره علىّ بن إبراهيم (1) في تفسيره عن العالم (عليه السلام) قال: ابن السبيل أبناء الطريق الّذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه، فيقطع عليهم، و يذهب ما لهم، فعلى الامام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات.

احتجّ الخصم بأنّه يسمّى ابن السبيل لأنّه يريد الطريق و لأنّه يريد إنشاء السفر في غير معصية، فجاز أن يعطى من سهم ابن السبيل كما لو نوى إقامة مدّة ينقطع بها سفره ثمّ أراد الخروج فإنّه يدفع إليه من الصدقة إجماعا، مع كونه منشئا للسفر.

و الجواب عن الأوّل أنّ التسمية فيه مجاز باعتبار ما يؤل إليه و اللفظ عند الإطلاق و عراء القرائن إنّما ينصرف إلى الحقيقة و عن الثاني بأنّ انقطاع السفر فيما ذكرتموه من الصور حكم شرعيّ لا عرفي و لا لغويّ إذ لا يسمّى الخارج من غير بلده بعد مقام خمسة عشر يوما أو عشرة أيّام على اختلاف المذهبين أنّه منشئ للسفر لغة و لا عرفا، فيكون مثله داخلا في الآية لكونه ملازما للسفر لا لكونه منشئا له، و الغرض من هذا الكلام أنّ المنشئ للسفر لا يعطى من سهم ابن السبيل، نعم يعطى من سهم الفقراء إن كان فقيرا.

«فَرِيضَةً مِنَ اللّٰهِ» نصب على المصدر، أي فرض اللّه ذلك فريضة و هو دالّ على الوجوب و قرئ بالرفع على «تلك فريضة».

«وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» يضع الأشياء في مواضعها، و الظاهر من الآية أنّ المذكورين مصرفها، و أنّها لهم لا تخرج منهم إلى غيرهم، و هو ألصق بما قبلها أعنى قوله تعالى:

«وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقٰاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهٰا رَضُوا» الآية:

أخبر تعالى عن طعن المنافقين و لمزهم بأنّهم إذا لم يعطوا من الصدقات سخطوا و إن أعطوا رضوا، فاقتضى الحال الردّ عليهم ببيان من يجب صرف الصدقات إليه قطعا

____________

(1) قد مر الايعاز الى المصدر قبل ذلك.

41

لأطماعهم، و دفعا لما زعموا أنّ المعطين مختارون في الإعطاء و المنع، فكأنّه تعالى قال: الصدقات لهؤلاء المذكورين لا لغيرهم كما تقول الخلافة لقريش، و على هذا فلا يجب بسطها على الأصناف، بل يجوز تخصيص الصنف الواحد بها و على هذا علماؤنا أجمع، و هو قول أكثر العامّة.

و ذهب الشافعيّ و أتباعه إلى وجوب البسط على الأصناف السبعة، نظرا إلى ظاهر اللّام الدالّة على الملك، بمعنى أنّها ملك لهؤلاء المذكورين. و مقتضى ذلك اشتراكها بينهم، و عدم جواز صرفها في صنف واحد منهم، و وجوب بسطها على جميعهم بل وجوب التسوية بينهم، و عدم إعطاء بعضهم بغير إذن الباقين، و عدم جواز إعطاء العوض بل العين، و نحو ذلك من لوازم الملكيّة، قضيّة للاشتراك.

و فيه نظر، فانّ الظاهر من الكلام الاختصاص في الجملة أي الربط و التعلّق الّذي هو أعمّ من الملكيّة فلا يدلّ على الملكيّة بوجه مع أنّ الأصل عدمها، فلا يصار إليها و قد دلّ على ما ذهبنا إليه الأخبار.

روى عبد الكريم بن عتبة (1) الهاشميّ في الحسن عن الصادق (عليه السلام) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي، و أهل الحضر في أهل الحضر و لا يقسمها بينهم بالسويّة، و إنّما يقسمها بينهم على قدر ما يحضره منهم و ما يرى و ليس في ذلك شيء موقّت. و نحوها من الأخبار.

و روى الجمهور عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال لمعاذ (2) أعلمهم أنّ عليهم صدقة تؤخذ

____________

(1) الكافي ج 1 ص 157 باب الزكاة تبعث من بلد الى بلد، الحديث 8 و هو في المرآة ج 3 ص 197 و رواه في التهذيب ج 4 ص 103 بالرقم 292 و أرسله في الفقيه ج 2 ص 16 بالرقم 48 و يؤيد الحكم أيضا حديث عمرو بن أبى نصر المار قبيل ذلك و غيره من الاخبار الكثيرة.

(2) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة باب أخذ الصدقة من الأغنياء، و ترد في الفقراء، انظر فتح الباري ج 4 ص 99 و الحديث مبسوط أخذ المصنف موضع الحاجة، و انظر أيضا أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 169 و 173 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 669.

42

من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم، فأخبر بردّ الزكاة بأسرها إلى صنف واحد هم الفقراء، و لم يذكر سواهم، و أمر (صلّى اللّه عليه و آله) لسلمة بن صخر (1) بصدقة قومه، و جاءه مال من اليمن فجعله في صنف آخر هم المؤلّفة (2) و نحو ذلك ممّا يدلّ على ما قلناه.

و الآية و إن كانت عامّة في الأصناف المذكورة إلّا أنها مخصوصة بالإسلام فيما عدا المؤلّفة بل الايمان عند أصحابنا أجمع، لورود الأخبار بأنّ محلّها ليس إلّا المؤمن حتّى أنّ المخالف لو دفعها إلى مثله وجب عليه إعادتها بعد الاستبصار و إن لم يجب عليه إعادة غيرها من العبادات الّتي أوقعها على وجهها بحسب معتقده.

و الفرق أنّ الزكاة دين دفعها إلى غير مستحقّه، بخلاف العبادات فإنّها حقّ اللّه و قد أسقطها عنه تفضّلا و رحمة كما أسقطها عن الكافر بعد الإسلام، لكنّ الفرق بينه و بين الكافر أنّه إذا ترك العبادة أو فعلها على غير وجهها بحسب معتقده، قضاها لأنّه أقدم على المعصية و المخالفة بذلك للّه تعالى بعد التزامه لأحكام الإسلام، و لا كذا الكافر لعدم الالتزام فلا مخالفة.

و كذلك يقيّد إطلاق الآية بالهاشميّ، فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة إذا كان الدافع من غيرهم بإجماع علمائنا و في الأخبار دلالة عليه نعم لو كان الدافع هاشميّا أيضا جاز إعطاؤه له، و إن خالفه في النسب، أو كان المدفوع إليه مضطرّا أو تعذّر كفايته من الخمس فيجوز الدفع إليه منها على قدر الكفاية.

و كذا يخصّ العموم بواجب النفقة كالزوجة و الآباء و الأولاد، فلا يجوز إعطاؤهم من سهم الفقراء و المساكين إجماعا، و لو اتّصف بغيرهما من أوصاف الاستحقاق كالعمولة و الغرامة و السبيل و نحوه جاز إعطاؤه من ذلك، فيدفع إليه ما يوفي دينه و الزائد عن نفقة الحضر، و الضابط أنّ واجب النفقة إنّما يمنع من قوت نفسه مستقرّا في وطنه أي من جهة الفقر لا غيره.

____________

(1) انظر تفصيل القصة في أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 173 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 669.

(2) انظر المغني لابن قدامة ج 2 ص 669.

43

أما اعتبار العدالة في المستحقّ فقد ذهب إليه جماعة نظرا إلى أنّ الدفع معونة و الأدلّة قائمة على المنع من معونة الفاسق، و ما رواه داود الصرميّ (1) قال: سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئا؟ قال: لا، و لا قائل بالفرق، و قد ادّعى السيّد المرتضى الإجماع على اعتبار العدالة، و قيل إنّ المعتبر تجنّب الكبائر دون غيرها من الذنوب و إن أوجبت فسقا لأنّ النصّ ورد على منع شارب الخمر و هو من الكبائر، و لم يدلّ على منع الفاسق مطلقا، و الحق به غيره من الكبائر للمساواة.

و هذا دليل من اعتبر في الاستحقاق مجانبة الكبائر فقط كما هو اختيار جماعة من علمائنا و فيه نظر (2) فإنّ معونة الفاسق من حيث الفسق ممنوعة لا من حيث كونه محتاجا و لا نسلّم المنع على ذلك التقدير، على أنّ تقليل التخصيص في الآية أولى إذ هو خلاف الأصل، و رواية داود ضعيفة مع كونها مقطوعة.

و يقال على الدليل الثاني إنّ المساواة ممنوعة و القياس باطل و الصغائر إن أصرّ عليها لحقت بالكبائر، و إلّا لم يوجب الفسق و المروّة غير معتبرة هنا على ما صرّح به جماعة، فلزم من اشتراط اجتناب الكبائر اشتراط العدالة، و لا دليل على اشتراطها و الإجماع الّذي ادّعاه المرتضى ممنوع، على أنّها لو اعتبرت لزم منع الطفل لتعذّرها منه و تعذّر الشرط غير كاف في سقوطه و خروجه بالإجماع موضع تأمّل، و كيف كان، فلا شكّ أنّ اعتبار العدالة أولى إن أمكن تخلّصا من الخلاف، و لأنّ العدل أشرف من الفاسق و أولى بالمعونة، نعم الظاهر اعتبارها في العامل ليحصل الوثوق بخبره، و قد ادّعى الشهيد على ذلك الإجماع.

السادسة:

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 52 الرقم 138 و الكافي ج 1 ص 160.

(2) في سن: و في الدليلين بحث أما الأول فإنا لا نسلم المنع من معونة الفاسق مطلقا و الأدلة إنما دلت على المنع من معونة الفاسق من حيث الفسق لا من حيث كونه محتاجا فيجوز الدفع اليه من هذه الجهة، على أن تقليل التخصيص إلخ.

44

إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (1).

«إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ» أي تعطوها مستحقّها جهارا و إعلانا «فَنِعِمّٰا هِيَ» فنعم شيئا إبداؤها، فما نكرة موضعها النصب على التمييز للفاعل المضمر قبل الذكر، أي نعم الشيء شيئا إبداء الصدقات، و هو المخصوص بالمدح، لكنّه حذف المضاف، و أقيم المضاف إليه مقامه، و المراد أنّ دفع الصّدقة جهارا إلى مستحقّها فيه ثواب للدّافع لأنّ أصل التصدّق حسن، و هذا فرد منه.

«وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ» أي تجمعوا بين الأمرين فتعطونها خفية و سرّا فيما بينكم و بين الفقير بحيث لا يطّلع على ذلك إلّا اللّه «فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» أبلغ في الثواب من الابداء. و إن كان فيه ثواب أيضا «وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئٰاتِكُمْ» بعضها، و اختلف فيه فقيل هي الذّنوب الصغائر، و الّذي يذهب إليه أصحابنا أنّ الساقط أعمّ من ذلك، و الوجه فيه أنّ إسقاط العقاب تفضّل من اللّه تعالى عندنا فله أن يتفضّل بإسقاط بعضه دون بعض حتّى أنّه لو لم يدخل «من» في الكلام لاقتضى الكلام و عده بسقوط جميع العقاب مع فعل الطاعة.

و بالجملة إسقاط العقاب بفعل الطاعات تفضّل منه تعالى، و الحكم منّا بوجوب ذلك عليه نظرا إلى وعده، و حيث إنّه هنا وعد بإسقاط بعض العقاب مع الإنفاق المذكور قلنا يجب ذلك الاسقاط بمقتضى وعده.

فلا يرد أنّ الإحباط و التكفير باطلان عند أصحابنا، فلا يوافق قولهم ظاهر الآية لأنّ الحكم بالإسقاط هنا ليس للطاعة فقط، كما هو قول من قال بالتكفير، بل تفضّل منه تعالى، و على هذا تحمل الآيات المشتملة على الإحباط و التكفير، و هذه جملة نافعة.

«وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ» من الإنفاق سرّا أو جهرا بل مطلق العمل حسنا أو قبيحا «خَبِيرٌ» فيجازيكم عليه بقدر الاستحقاق، و يتفضّل على قدر ما يريد.

____________

(1) البقرة 271.

45

و في الآية دلالة على أفضليّة إخفاء الصدقة، و قد تظافرت بذلك الأخبار، ففي الحديث (1) عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ، و تدفع الخطيئة كما يطفئ الماء النار و تدفع سبعين بابا من البلاء (2) و عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) سبعة (3) يظلّهم اللّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: الإمام العادل، و شابّ نشأ في عبادة اللّه عز و جل، و رجل قلبه معلّق بالمساجد، و رجلان تحابّا في اللّه و اجتمعا عليه و تفرّقا عليه، و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال فقال: إنّى أخاف اللّه عز و جل، و رجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لم تعلم يمينه ما ينفق شماله، و رجل ذكر اللّه خاليا ففاضت عيناه.

و عن الصادق (عليه السلام) (4) الصدقة و اللّه في السرّ أفضل من الصدقة في العلانية، و

____________

(1) المجمع ج 1 ص 385 و روى صدره في التهذيب ج 4 ص 105 الرقم 299 و الفقيه ج 2 ص 38 الرقم 161 و الكافي ج 1 ص 163.

(2) زاد في سن: و عنه (ص) أفضل الصدقة جهد المقل الى الفقير في السر، و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): ان العبد يعمل عملا في السر فيكتبه اللّه له سرا فان أظهره نقل و كتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من العلانية و السر و كتب في الرياء.

أخرج مضمون الأول في الدر المنثور ج 1 ص 353 عن ابن المنذر و ابن أبى حاتم عن أبي أمامة و عن الطيالسي و احمد و البزار و الطبراني في الأوسط و البيهقي في الشعب عن أبى ذر و عن أحمد و الطبراني و الأصبهاني في الترغيب عن أبي امامة و المصنف أخذ موضع الحاجة من الحديث. و روى مضمون الثاني في عدة الداعي انظر ص 108 من أبواب المقدمات جامع أحاديث الشيعة الرقم 798.

(3) المجمع ج 1 ص 385 و عنه الوسائل الباب 14 من أبواب الصدقة و رواه أيضا في الخصال أبواب السبعة عن أبي هريرة و عن ابن عباس ج 2 ص 2 و 3 مع تفاوت يسير في اللفظ و رواه عنه في الوسائل الباب 3 من أبواب المساجد الحديث 4 ج 1 ص 303 ط الأميري و أخرجه السيوطي في الجامع الصغير ج 4 ص 88 فيض القدير الرقم 4645 عن احمد و البخاري و مسلم و الترمذي و أخرجه في الدر المنثور ج 1 ص 354 عن البخاري و مسلم و النسائي.

(4) الفقيه ج 2 ص 38 الرقم 162 و الكافي ج 1 ص 162.

46

كذلك و اللّه العبادة في السرّ أفضل منها في العلانية و نحو ذلك من الأخبار (1).

و مقتضى [ذلك] العموم أنّ إخفاء الصدقة واجبة أو مستحبّة أفضل من إظهارها و الأكثر أنّ ذلك في صدقة التطوّع، أمّا الواجبة فإظهارها أفضل من إخفائها.

و يؤيّده ما روي عن عليّ بن إبراهيم (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: الزكاة المفروضة تخرج علانية، و تدفع علانية، و غير الزكاة إن دفعها سرّا فهو أفضل.

و روى عن ابن عبّاس (3) أنّ صدقة السرّ في التطوّع تفضل على علانيتها سبعين ضعفا و صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرّها بخمسة و عشرين ضعفا.

و في رواية ابن بكير عن رجل (4) عن الباقر (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ» قال يعني الزكاة المفروضة، قال قلت «وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ» قال يعني النافلة إنّهم كانوا يستحبّون إظهار الفرائض و كتمان النوافل و نحوها من الأخبار.

فإن ثبت صحّة ذلك و ما ورد في معناه خصّصت الآية بها، و إلّا فهي على عمومها و كيف كان فلو تعلّق بالإظهار فضيلة خاصّة به كتحريض الغير على فعل الصدقة أو اتّهم بترك الزكاة الواجبة، فإنّ الإظهار أفضل، و يمكن حمل إطلاق الأخبار عليه، فيقلّ التخصيص في الآية.

____________

(1) زاد في سن: و لأن الإخفاء أبعد من الرياء و السمعة، و لأن في الإظهار هتك عرض الفقير، و ربما لا يرضى بذلك.

(2) المجمع ج 1 ص 384 و زبدة البيان ص 192 و رواه في الكافي ج 1 ص 141 و التهذيب ج 4 ص 104 بالرقم 298 و تفاوت ألفاظ الحديث في المصادر التي سردناه يسير.

(3) أخرجه في الدر المنثور ج 1 ص 353 عن ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابى حاتم و بعده و كذلك جميع الفرائض و النوافل في الأشياء كلها.

(4) الكافي ج 1 ص 179 باب النوادر آخر كتاب الزكاة.

47

(البحث الثالث) (في أمور تتبع الإخراج)

و فيه آيات:

الاولى

وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَ مٰا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ اللّٰهِ وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لٰا تُظْلَمُونَ.

لِلْفُقَرٰاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ لٰا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّٰهَ بِهِ عَلِيمٌ.

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ سِرًّا وَ عَلٰانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ (1).

«وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ» أي ما تنفقوا في وجوه البرّ من مال فلأنفسكم ثوابه لا ينتفع به غيركم فلا تمنّوا عليه، و لا تنفقوا الخبيث، و فيه ترغيب على الإنفاق، فإنّه إذا علم أنّ نفعه عائد إليه، كان أرغب فيه ممّن إذا خلّي عن هذا العلم.

«وَ مٰا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ اللّٰهِ» حال عنهم، كأنّه قال: و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم غير منفقين إلّا ابتغاء وجه اللّه و طلب ثوابه، أو عطف على ما قبله أى و ليس إنفاقكم إلّا ابتغاء وجهه، فما لكم تمنّون بها و تنفقون الخبيث، أي

____________

(1) البقرة: 272- 274.

48

لا يناسب ذلك حالكم مع هذا الإخلاص، و قيل إنّه نفى في معنى النهي أي لا تنفقوا إلّا ابتغاء رضوان اللّه و ثوابه، و فيه دلالة على اعتبار الإخلاص في الإنفاق و عدم قصد الرثاء فيه و السمعة.

«وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ» ثوابه في الآخرة على الوجه الأتمّ الأكمل و التوفية إكمال الشيء و حسن التعدية بإلى لتضمّنها معنى التأدية، فهو كالمؤكّد للشرطيّة السابقة، أو المراد بالتوفية ما يخلف المنفق في الدنيا استجابة لدعائه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): اللهمّ اجعل لمنفق خلفا، و لممسك تلفا، و يحتمل أن يراد العموم.

«وَ أَنْتُمْ لٰا تُظْلَمُونَ» بمنع ثوابكم، و لا بنقصان جزائه كقوله تعالى «وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً» (1) أي لم تنقص.

«لِلْفُقَرٰاءِ» متعلّق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء و اجعلوا صدقاتكم أو ما تنفقون للفقراء.

«الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» أحصروا أنفسهم و ألزموها الجهاد في سبيل اللّه، فهو حاصر لهم عن الدخول في غيره «لٰا يَسْتَطِيعُونَ» لاشتغالهم به «ضَرْباً فِي الْأَرْضِ» ذهابا فيها للكسب و الخوض في المعاش «يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ» بحالهم و باطن أمورهم «أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» عن السؤال و التجمّل في اللّباس، و الستر لما هم فيه من الفقر و سوء الحال، طلبا لرضوان اللّه و طمعا في جزيل ثوابه.

«تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ» أي تعرف حالهم بالنظر إلى وجوههم، لما في وجوههم من الضعف، و رثاثة الحال، فتنتقل إلى فقرهم و احتياجهم (2) أو لما فيها من الخشوع و الخضوع الّذي هو شعار الصالحين، فينتقل إلى صلاحهم، و الخطاب للرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أو لكلّ أحد

____________

(1) الكهف: 32.

(2) زاد في سن: كذا قيل: و فيه نظر لان ما ذكر علامة الفقر دالة عليه فتناقض قوله «يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ» و يمكن أن يقال: ان معرفة حالهم بسيماهم لما فيها من التخشع و الخضوع إلخ.

49

«لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً»: إلحاحا، و هو أن يلازم المسؤول حتّى يعطيه من قولهم لحفنى من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده، و المراد أنّهم لا يسألون و إن سألوا عن ضرورة لم يلحّوا في سؤالهم، و يحتمل أن يكون المراد نفي أصل السؤال و نقله في مجمع البيان عن أكثر أرباب المعاني قال: و في الآية ما يدلّ عليه، و هو قوله «يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» في المسئلة، و لو كانوا يسئلون لم يحسبهم الجاهل غنيّا لأنّ السؤال في الظاهر يدلّ على الفقر، و قوله أيضا «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ» و لو سألوا لعرفوا بالسؤال فهو كقولك ما رأيت مثله و أنت تريد أنّه ليس له مثل لا أنّ له مثلا ما رأيته، و هذا هو الصحيح (1) و انتصابه على المصدر فإنّه كنوع من السؤال، أو على الحال، و فيها تحريض للفقراء و حثّ على أن يتّصفوا بهذه الصفات.

و في الحديث (2) أنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عباده، و يكره البؤس و البأس و يحبّ الحليم المتعفّف من عباده، و يبغض الفاحش البذيّ السئّال الملحف. و قد تظافرت الأخبار بكراهة السؤال لغير اللّه روى محمّد بن مسلم (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) اتّبعوا قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من فتح على نفسه باب مسئلة فتح اللّه عليه باب فقر و روى إبراهيم بن عثمان (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

____________

(1) زاد في سن: و يمكن بيانه بوجه آخر، و هو أن كل من سأل فلا بد و أن يلح في بعض الأوقات، لأنه بسؤاله أراق ماء وجهه و حمل الذل في إظهار السؤال فربما يقول لما تحملت هذه المشاق فلا أرجع بغير مقصودي. و هذا يحمله على الإلحاح. و إذا ثبت أن كل من سأل، فلا بد و أن يقدم على الإلحاح في بعض الأوقات، فإذا نفى تعالى عنهم الإلحاح مطلقا فقد نفى السؤال عنهم مطلقا.

(2) انظر المجمع ج 1 ص 387.

(3) الكافي ج 1 ص 168 باب من سئل من غير حاجة الحديث 2 و الفقيه ج 2 ص 40 الرقم 181.

(4) الكافي ج 1 ص 168 باب كراهية المسئلة الحديث 4.

50

إنّ اللّه تبارك و تعالى أحبّ شيئا لنفسه، و أبغضه لخلقه: أبغض لخلقه المسئلة و أحبّ لنفسه أن يسئل، و ليس شيء أحبّ إلى اللّه عز و جل من أن يسئل، فلا يستحيي أحدكم أن يسأل اللّه من فضله، و لو شسع نعل.

و روى الكلينيّ (1) عن الحسين بن حمّاد عمّن سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

إيّاكم و سؤال الناس فإنّه ذلّ في الدنيا، و فقر تعجّلونه، و حساب طويل يوم القيامة و روى الكليني (2) عن الحسين بن أبى العلاء قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): رحم اللّه عبدا عفّ و تعفّف و كفّ عن المسئلة، فإنّه يتعجّل الدنيّة في دنياه، و لا تغني عنه شيئا، و روى أيضا عن مفضّل بن قيس (3) لمّا دخل على الصادق (عليه السلام) و شكاله حاله من الفقر، فدفع إليه أربعمائة دينار، فقال لا و اللّه جعلت فداك ما هذا دهري، و لكن أحببت أن تدعو اللّه لي، فقال (عليه السلام) سأفعل، و لكن إيّاك أن تخبر الناس بكلّ حالك فتهون عليهم و نحوها من الأخبار.

و قيل: إنّ الفقراء في الآية هم أصحاب الصفّة (4) و إنّها نزلت فيهم، و كانوا عدّة أربعمائة رجل من مهاجرى قريش، لم يكن لهم مسكن في المدينة، و لا عشائر و كانوا في صفّة المسجد يتعلّمون القرآن بالليل، و يلتقطون النوى بالنهار، و كانوا يخرجون مع كلّ سريّة بعثها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فحثّ اللّه الناس عليهم، فكان الرجل إذا كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 167 باب كراهية المسئلة و الفقيه ج 2 ص 41 الرقم 182.

(2) الكافي ج 1 ص 167 و ذيل الحديث: قال ثم تمثل أبو عبد اللّه ببيت حاتم:

إذا ما عرفت اليأس ألفيته الغنى * * * إذا عرفته النفس و الطمع الفقر

(3) الكافي باب كراهية المسئلة الحديث 6 ج 1 ص 167.

(4) رواه في المجمع ج 1 ص 387 عن ابى جعفر (عليه السلام) و عن الكلبي عن ابن عباس و كذلك في الدر المنثور ج 1 ص 358 عن ابن المنذر من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس و قد سرد أبو نعيم أسماء عدة من أصحاب الصفة و ما ورد فيهم في حلية الأولياء ج 1 من ص 347 الى آخر ص 397 و في ج 2 من ص 1 الى ص 39.