مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج3

- الفاضل الكاظمي المزيد...
339 /
1

-

2

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب المكاسب

و البحث فيه على قسمين:

(الأول) في البحث عن الاكتساب بقول مطلق،

و فيه آيات:

الاولى (الملك 15)

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنٰاكِبِهٰا وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ.

«هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا» ليّنة سهلة يسهل عليكم السلوك فيها «فَامْشُوا فِي مَنٰاكِبِهٰا» طرقها و فجاجها، و هو مثل لفرط التذلّل، فإنّ منكب البعير أنبأ شيء عن أن يطأه الراكب بقدمه و يعتمد عليه، فإذا جعلها في الذلّ بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شيء لم يتذلل. و قيل أراد بمناكبها جبالها، و هو بالغ في التذلل أيضا، فإن الجبال أصعب ما في الأرض.

«وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» و التمسوا من نعم اللّه التي خلقها لكم، و صورته صورة الأمر، و المراد به الإباحة و الاذن في أن يأكلوا مما خلقه اللّه لهم و جعله رزقا لهم على الوجه الذي أباحهم إياه. و في الآية دلالة على اباحة طلب الرزق بجميع ما يمكن من أنواع التكسب بعد أن يكون حلالا.

«وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ» أي نشوركم، فيسائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم و يجازي

3

كل أحد بحسب عمله، و في ذلك ترهيب و ترغيب.

الثانية: (الحجر 21)

وَ الْأَرْضَ مَدَدْنٰاهٰا وَ أَلْقَيْنٰا فِيهٰا رَوٰاسِيَ وَ أَنْبَتْنٰا فِيهٰا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ. وَ جَعَلْنٰا لَكُمْ فِيهٰا مَعٰايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرٰازِقِينَ.

وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلّٰا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ.

«وَ الْأَرْضَ مَدَدْنٰاهٰا» أي بسطناها (1) و جعلنا لها طولا و عرضا «وَ أَلْقَيْنٰا فِيهٰا رَوٰاسِيَ» جبالا ثابتة ترسيها أي تسكنها لئلا تميد و تتحرك و تستقروا عليها، من أرسيت السفينة إذا حبستها بالمرساة. [و عن ابن عباس لمّا بسط اللّه تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة فأرساها بالجبال الثقال كيلا تميل بأهلها].

«وَ أَنْبَتْنٰا فِيهٰا» في الأرض أو في الجبال «مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ» مقدّر بمقدار معين معلوم (2) تقتضيه الحكمة، أو كل شيء موزون في العادة كالذهب و الفضة و النحاس و نحوها، أو المراد كل شيء مستحسن متناسب، من قولهم «كلام موزون» و «أفعال موزونة».

«وَ جَعَلْنٰا لَكُمْ فِيهٰا مَعٰايِشَ» جمع معيشة، و هي طلب أسباب الرزق مدة الحياة أو المراد أنه جعل لكم فيها ما تعيشون به من الزرع و النبات و الثمار و المطاعم و المشارب و الملابس، بل سائر ما يوجد في العالم مما يقوم به معيشتكم. فعلى الأول بمعنى المصدر، و على الثاني بمعنى الحاصل به.

«وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرٰازِقِينَ» عطف على محل لكم، و هو النصب على أنه مفعول به لجعلنا، أو عطف على معايش. و يحتمل عطفه على الضمير المجرور، أي جعلنا لكم و لمن لستم له برازقه معايش في الأرض، و حكاية العطف على الضمير المجرور بدون اعادة الجار قد تقدمت (3).

____________

(1) انظر تعاليقنا على كنز العرفان عند تفسير الآية من ص 2 الى ص 6 فان فيها مباحث مفيدة.

(2) انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج 2 ص 3.

(3) قد تقدمت في ج 2 ص 312 من هذا الكتاب و في تعاليقنا على كنز العرفان ج 2 ص 4 الى ص 6.

4

و كيف كان فالمراد به العيال و الخدم و المماليك، بل الدواب و سائر ما تظنون أنكم ترزقونهم ظنا كاذبا، فان اللّه يرزقهم و إياكم، فظنكم انكم ترزقونهم باطل فاسد. و قد جرى ذلك بناء على ظاهر حال بعض الجهلة الذين يظنون ذلك، بل يظهرونه و يمنون على هؤلاء و يقولون لو لم نكن لما قدرتم على المعيشة. ففيه تقريع لهم و دليل على تخطئتهم في ذلك القول و اشارة إلى أنه لا وجه للمنة و لا لتوقع المكافاة و الإحسان في مقابلة ذلك الرزق، فإنه من اللّه تعالى و له المنة في الجميع.

و قد أشير إلى ذلك في بعض الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) (1) حيث قال لبعض أصحابه لما ذكر أنه يدخل عليه الضيفان و الاخوان و يطعمهم «إن المنّة لهم عليك».

قال: كيف ذلك و إنما أطعمهم من مالي و لهم المنة علي؟ قال (عليه السلام): نعم لأنهم يأكلون رزق اللّه الذي رزقهم و يحصّلون لك الثواب و الأجر.

و لا يرد أن مثل العبيد و الإماء و العيال داخلون في «لكم»، لظهور أن المراد به جميع أفراد نوع الإنسان، لأنه لما كان المراد دخول الدواب معهم و كان إطلاق «من» على غير ذوي العقول لا يحسن الا مع ارادة التغليب أطلق كذلك. و لا يبعد أن تكون الفائدة في ذكرهم مرة في ضمن المجموع و مرة على الخصوص لزيادة الاعتناء في رد ذلك الزعم الباطل- فتأمل.

و في الآية دلالة على أن اباحة السكون في جميع أجزاء الأرض و الانتفاع فيها بجميع ما يمكن من أقسام الانتفاع و التصرف بكل ما يمكن من أنواع التصرف و على اباحة جميع ما في الأرض من النبات و غيرها و أنها مخلوقة لانتفاع الإنسان، فيباح له التصرف فيها بأي وجه أراد الّا أن يدل الدليل على المنع من التصرف في بعض قطع الأرض أو في بعض النبات أو يمنع من استعماله، كتحريم تناول السموم المخلوقة لغرض آخر، لما فيه من الضرر بالنفس، و هو حرام قطعا.

____________

(1) انظر الوسائل الباب 30 و الباب 39 من أبواب المائدة ج 3 ص 269 و ص 271 ط الأميري و مستدرك الوسائل ج 3 ص 88 و ص 89 و البحار كتاب العشرة من ج 15 ص 240 و ص 242.

5

و بالجملة مقتضى الآية الإباحة في جميع ما ذكر و ان خلافها يتوقف على الدليل و قد ورد بتفاصيل المنع أدلة يعلم تفاصيلها من محلها.

«وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ» أي و ما من شيء ينتفع به العباد الا و نحن قادرون على إيجاده و تكوين أضعاف ما وجد منه [لأن مقدوراته تعالى غير متناهية لكن الذي يخرج منها إلى الوجود يجب أن يكون متناهيا] فالكلام على التجوز إما على تشبيه اقتداره على كل شيء و إيجاده بالخزائن المودعة فيها الأشياء، و إما على تشبيه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إلى كلفة و اجتهاد.

«وَ مٰا نُنَزِّلُهُ» من بقاع القدرة «إِلّٰا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» نعلم أنه مصلحة، فإنّ تخصيص بعض الاقدار بالإيجاد لا بد له من مخصص حكيم عارف بالمصالح.

و في الحديث القدسي (1) «ان من عبادي من لا يصلحه إلا الغني و لو أفقرته لأفسده، و ان من عبادي من لا يصلحه الا الفقر و لو أغنيته لأفسده ذلك».

و فيها أيضا دلالة على أن المخلوقات في الأرض مباحة للإنسان، و هو في الأصل أيضا كذلك، فقد تطابق العقل و النقل عليه.

الثالثة: (البقرة 168)

يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ كُلُوا مِمّٰا فِي الْأَرْضِ حَلٰالًا طَيِّباً وَ لٰا تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.

«يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ كُلُوا مِمّٰا فِي الْأَرْضِ» يمكن أن يراد الأكل بخصوصه، و ان يراد جميع التصرفات، و تخصيص الأكل لكونه الغرض الأصلي من التصرف.

«حَلٰالًا طَيِّباً» حالان عن المجرور، أو أن يكون الأول مفعولا مطلقا أو مفعولا به و الثاني صفته.

[و الحلال المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه، و أصله من الحل الذي هو نقيض العقد. و الطيب بمعنى الطاهر، و بمعنى ما يستلذ به و يستطاب. و الحلال يوصف بالطيب، كما أن الحرام يوصف بالخبيث].

____________

(1) انظر الجواهر السنية ص 116 مع تفاوت و هو في أصول الكافي باب الرضا بالقضاء الحديث 4 و في المرات ج 2 ص 85 و في شرح ملا صالح المازندراني ج 8 ص 191.

6

و في الآية دلالة على إباحة أكل كل ما في الأرض لكل أحد حتى الكفار، فان الخطاب لجميع أفراد الإنسان، و الأمر للإباحة بالمعنى الأعم الشامل للواجب و الندب و المكروه و المباح أي لا يحرم عليكم الأكل من جميع ما تخرجه الأرض من الأرزاق التي يمكن أكلها إذا كانت مباحة طاهرة أو لذيذة يستطيبها الشرع أو الشهوة المستقيمة و على هذا فيندرج وجوب الأكل في بعض المواد منها.

و قد قيل ان سبب نزولها قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة و الملابس.

و في مجمع البيان (1) نقلا عن ابن عباس أنها نزلت في ثقيف و بنى عامر بن صعصعة و بنى مدلج، فإنهم حرموا على أنفسهم من الحرث و الأنعام البحيرة و السائبة و الوصيلة، فنهاهم اللّه عن ذلك.

«وَ لٰا تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ» و ساوسه و خواطره، أو ما ينقلهم به من معصية إلى معصية، من خطو القدم و هو نقلها من مكان الى مكان. أو لا تتبعوا الهوى في تحريم الحلال و تحليل الحرام [فان اتباع الهوى كذلك من تسويلات الشيطان] و عن الصادقين (عليهم السلام) «ان من خطوات الشيطان الحلف بالطلاق و النذر في المعاصي و كل يمين بغير اللّه».

«إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» ظاهر العداوة عند ذي البصيرة، و إن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، و من ثمّ سماه وليا في قوله «أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ».

و قد يستفاد من الآية تحريم متابعة كل عدو في الدين، حيث علل تحريم متابعة الشيطان بكونه عدوا، فيتحقق التحريم حيث ما ثبتت العلة. و حينئذ فيمكن القول بعدم جواز متابعة أعداء الدين فيما لم يعلم جوازه بالدليل، فلا يجوز الاقتداء بهم في الصلاة و لا سماع حكمهم و لا نقل الرواية عنهم، الى غير ذلك من الأمور التي لم يعلم جوازها إلا في حال التقية.

الرابعة: (طه: 81)

كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ لٰا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوىٰ.

____________

(1) المجمع ج 1 ص 252.

7

«كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ» أي من حلاله أو من مستلذاته، و الأمر للإباحة لأن اللّه تعالى لا يريد المباحات من الأكل و الشرب في دار التكليف.

«وَ لٰا تَطْغَوْا فِيهِ» و لا تتعدوا فيه فتأكلوه على غير وجه حدّه اللّه لكم كالسرف و البطر و المنع عن المستحق «فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي» فيلزمكم عذابي و يجب لكم، من حلّ الدين إذا وجب أداؤه، و من قرأ بضم الحاء أراد النزول.

ثم انّه تعالى بيّن حال من يحلل عليه غضبه بقوله «وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوىٰ» فقد تردى و هلك، أو وقع في الهاوية، و أصله أن يسقط من علو إلى أسفل قال (1).

«هوى من رأس مرقبة * * * ففتت تحتها كبده»

و في الآية دلالة على إباحة الأكل من مستلذات الأشياء التي رزقها اللّه لبني- آدم أو من حلالها، و على تحريم التعدي فيه، بمعنى الأكل من الوجوه المحرمة أو الخبيثة أو الأكل على غير الوجه الذي حده كالاسراف و البطر و المنع عن المستحق.

و يمكن ارادة الجميع، فيكون التحريم متعلقا بكل واحد من الأمرين، فإن من كان في ماله حق الفقراء كان لهم فيه حصة، فيحرم عليه الأكل منه قبل دفع حصتهم إذ هو بمثابة أكل مال الغير الذي هو التعدي و الطغى. و يمكن ترك الأكل على وجه حرّمه اللّه الى وجه اباحه اللّه و اذن فيه، و على وجه الطاعة أيضا، كالاستعانة به على غيره من الطاعات.

الخامسة: (ق: 11)

____________

(1) البيت لأعرابي سقط ابنه من جبل فمات فرثاه أبوه و قيل القائل أم القتيل أنشده في الكشاف عند تفسير الآية ج 3 ص 80 و المرقبة ثنية مرتفعة يرقب عليها يقول الشاعر سقط من رأس جبل فصارت كبده تحت المرقبة متفرقة و يروى ففزت بتشديد الزاي بمعنى فزعت و روى ففرت بتشديد الراء و أصله فريت و هذه لغة طي يقولون المرأة دعت في دعيت و الدار بنت في بنيت و روى هوى عن صخرة صلد مكان من رأس مرقبة.

8

وَ نَزَّلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً مُبٰارَكاً فَأَنْبَتْنٰا بِهِ جَنّٰاتٍ وَ حَبَّ الْحَصِيدِ. وَ النَّخْلَ بٰاسِقٰاتٍ لَهٰا طَلْعٌ نَضِيدٌ. رِزْقاً لِلْعِبٰادِ وَ أَحْيَيْنٰا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذٰلِكَ الْخُرُوجُ.

«وَ نَزَّلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً مُبٰارَكاً» مطرا و غيثا كثير المنافع «فَأَنْبَتْنٰا بِهِ جَنّٰاتٍ» بساتين فيها أشجار و تحتها أنهار و لها أثمار «وَ حَبَّ الْحَصِيدِ» من اضافة الموصوف إلى الصفة، أي الحب الذي من شأنه أن يحصد، و هو حب الشعير و البر و نحوه مما يكون كذلك.

«وَ النَّخْلَ بٰاسِقٰاتٍ» أي طوالا عاليا في جهة السماء، يقال جبل باسق أي عال أو حوامل، من أبسقت الشاة إذا حملت، فيكون من أفعل فهو فاعل كأينع فهو يانع و لعل افرادها بالذكر لفرط ارتفاعها و كثرة منافها.

«لَهٰا طَلْعٌ نَضِيدٌ» منضود بعضه فوق بعض، و المراد تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من الثمر.

«رِزْقاً لِلْعِبٰادِ» مفعول له، أي أنبتنا ذلك لرزقهم. و يجوز أن يكون مصدرا لأن الإنبات رزق أيضا، أي رزقناهم رزقا. و الرزق هو ما للحي الانتفاع به على وجه ليس لغيره منعه منه، و الحرام ليس برزق عندنا.

و فيها دلالة على اباحة جميع ما ينبت بالأرض من النبات و اباحة التصرف فيه بما أراد، فإنها مخلوقة للإنسان لأجل انتفاعه الا ما أخرجه الدليل. و هذه و أمثالها مما دل على الإباحة يستلزم اباحة التكسب بها بالبيع و نحوه.

«وَ أَحْيَيْنٰا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً» أرضا جدبة مقحطة لإنبات فيها «كَذٰلِكَ الْخُرُوجُ» أي مثل ما أحيينا هذه الأرض الميتة بالماء نحيى الموتى و نخرجهم من قبورهم، لأن من قدر على أحدهما قدر على الآخر، فالكاف في محل الرفع على الابتداء، و الخروج خبره و الايات الدالّة على الإباحة على الوجه المتقدم كثيرة.

9

القسم الثاني في أشياء يحرم التكسب بها

، و فيه آيات:

الأولى: (المائدة: 45)

سَمّٰاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ.

«سَمّٰاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ» اي الحرام، من سحته إذا استأصله، لأنه مسحوت البركة. أو يعقب الاستيصال بالعذاب [قال تعالى «فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذٰابٍ»] و في الآية دلالة على تحريم أكل السحت و الاكتساب به، لأن الكلام في ذمهم و أن هذه الصفات القبيحة صفاتهم. و لكن اختلف في المراد منه: فقيل هو الحرام مطلقا، و روى في مجمع البيان (1) أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه الرشوة في الحكم، و عن علي (عليه السلام) (2) انه الرشوة في الحكم و مهر البغي و كسب الحجام و عسيب الفحل و ثمن الخمر و ثمن الميتة و حلوان الكاهن و الاستجعال في المعصية.

____________

(1) المجمع ج 2 ص 196 و مثله في كنز العرفان ج 2 ص 12 و مثله في الكافي ج 1 ص 363 باب السحت الحديث 4 و هو في المرآة ج 3 ص 394 و رواه عن الكافي في البرهان ج 1 ص 474 الحديث 9 و نور الثقلين ج 1 ص 525 الرقم 202 و مثله في كتب أهل السنة انظر الدر المنثور ج 2 ص 283 و ص 284 و الطبري ص 239 الى 241.

و فيه أصل السحت كلب الجوع يقال منه فلان مسحوت المعدة إذا كان اكولا لا يلفى ابدا الا جائعا و انما قيل للرشوة السحت تشبيها بذلك كان بالمسترشى من الشره إلى أخذ ما يعطاه من ذلك مثل المسحوت المعدة من الشره الى الطعام.

(2) المجمع ج 2 ص 196 و مثله في كنز العرفان ج 2 ص 12 و اللفظ في المجمع الاستجعال في المعصية و معناه طلب الجعالة و في نسخ كنز العرفان بعضها الاستعمال و بعضها الاستكتاب و بعضها الاستكساب.

10

و روى الكلينيّ في الحسن (1) عن عبد اللّه بن سنان قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن قاض بين الفريقين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق؟ قال: ذلك السحت.

و في الصحيح (2) عن عمار بن مروان قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الغلول؟

فقال كل شيء غل من الامام فهو سحت، و أكل مال اليتيم و شبهه سحت، و السحت أنواع كثيرة، منها أجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ و المسكر و الربا بعد البينة، فأما الرشا في الحكم فان ذلك الكفر باللّه العظيم و رسوله.

و عن السكوني عنه (عليه السلام) (3) قال: السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب، و ثمن الخمر و مهر البغي، و الرشوة في الحكم و أجر الكاهن.

____________

(1) الكافي ج 2 ص 358 باب أخذ الأجرة و الرشا في الحكم الحديث 1 و هو في المرات ج 2 ص 232 و رواه في التهذيب ج 6 ص 222 بالرقم 527 و الفقيه ج 3 ص 4 بالرقم 12 و حكاه في البرهان ج 1 ص 474 الحديث 13 و نور الثقلين ج 1 ص 526 الرقم 210 و الوسائل الباب 8 من أبواب آداب القاضي ج 3 ص 394 ط الأميري.

و تعبير المصنف بالحسن لأجل وجود إبراهيم بن هاشم في السند و قد عرفت غير مرة صحته ثم ظاهر الحديث كون القاضي منسوبا من قبل سلطان الجور فليس قابلا للقضاء فما يأخذه سحت من هذا الوجه و الا فالمشهور جواز ارتزاق القاضي من بيت المال و يمكن ان يكون المراد من الرزق من السلطان الأجرة.

و على اى فلا يرد على مصنف هذا الكتاب ما أورده العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب المكاسب على من استدل بهذا الحديث على حرمة الرشوة إذ ليس في كلام المصنف الاستدلال لحرمة الرشوة و انما هو في بيان معنى السحت.

(2) الكافي ج 1 ص 363 باب السحت الحديث 1 و هو في المرات ج 3 ص 394 و رواه في التهذيب ج 6 ص 368 بالرقم 1062 و حكاه في نور الثقلين ج 1 ص 525 بالرقم 199 و البرهان ج 1 ص 474 الحديث 6 و قريب منه الحديث 23 عن العياشي.

(3) الكافي ج 1 ص 363 باب السحت الحديث 2 و هو في المرات ج 3 ص 394 و رواه في التهذيب ج 6 ص 368 بالرقم 1061 و حكاه في البرهان ج 1 ص 474 و نور الثقلين ج 1 ص 525 بالرقم 200.

11

و عن سماعة (1) قال: قال السحت أنواع، منها كسب الحجام إذا شارط و أجر الزانية و ثمن الخمر، فأما الرشا في الحكم فهو الكفر باللّه العظيم.

و لا خلاف في تحريم ما اشتملت عليه هذه الاخبار، سوى كسب الحجام مع الاشتراط، فان الظاهر من أصحابنا أنه مكروه لا محرم، و لم يذكر العلامة (2) في المنتهى خلافا في كراهته عن أصحابنا و انما ذكر الخلاف فيه عن احمد من العامة (3) و نقل عن أكثرهم الوفاق في الكراهة، و ردّ خبر سماعة (4) بأنه خبر مقطوع السند،

____________

(1) الحديث رواه الكليني كما في المتن في الكافي ج 1 ص 363 باب السحت الحديث 3 عن زرعة عن سماعة عن أبي عبد اللّه و هو في المرات ج 3 ص 394 و حكاه في البرهان ج 1 ص 474 الرقم 8 و نور الثقلين ج 1 ص 525 الرقم 201 و رواه الى قوله فاما الرشا في الحكم في التهذيب ج 6 ص 355 بالرقم 1013 و الاستبصار ج 3 ص 59 بالرقم 195 عن عثمان بن عيسى عن سماعة و فيهما قال مضمرا غير مسند الى الامام.

و الذي رواه في المنتهى مسئلة كسب الحجام هو هذا الحديث المروي في التهذيبين و ترى الأحاديث الثلاثة في الوسائل الباب 32 من أبواب ما يكسب به ج 2 ص 537 و ص 538 ط الأميري.

(2) المنتهى ج 2 ص 1019.

(3) بل لم يثبت الخلاف منه أيضا بنحو مطلق ففي فتح الباري ج 5 ص 365 و ذهب احمد و جماعة إلى الفرق بين الحر و العبد فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة و يحرم عليه الإنفاق على نفسه منها و يجوز له الإنفاق على الرقيق و الدواب منها و أباحوها للعبد مطلقا انتهى.

(4) اعتراض العلامة انما يرد على حديث التهذيبين و هو الذي رواه في المنتهى و قد عرفت قبيل ذلك ان في المسئلة حديثا آخر في الكافي ليس في سنده عثمان بن عيسى و فيه التصريح بالإسناد الى ابى عبد اللّه و هو الذي حكاه المصنف هنا.

و مع ذلك فالحكم بالقطع في حديث التهذيبين لا يخلو عن اشكال فلعل الإضمار في الحديث وقع من الشيخ (قدّس سرّه) حيث روى الحديث الذي قبله بالرقم 1012 عن ابى عبد اللّه فاكتفى فيما بعده بالضمير عن اعادة الاسم الظاهر روما للاختصار و رعاية للبلاغة.

بل قد يقال لا يضر الإضمار و لو كان عن سماعه كما افاده صاحب المعالم في الفائدة الثامنة من مقدمة منتقى الجمان ج 1 ص 35 و المحدث الكاشاني في المقدمة الثانية من مقدمات الوافي ص 12 و المامقاني في مقباس الهداية المطبوع مع تنقيح المقال ص 47 من ان الراوي قد يصرح باسم الإمام الذي يروى عنه في أول الروايات ثم يكتفى في الباقي بالضمير فيقول و سألته أو و قال أو نحو هذا الى ان يستوفى الروايات التي رواها عن هذا الامام فلما نقلت تلك الاخبار الى كتاب آخر و عرض القطع توهم الإضمار بل ادعى في مقباس الهداية انه كاد يحصل القطع بذلك في مضمرات سماعة و على بن جعفر للمتتبع.

12

لأن سماعة لم يسنده الى امام، و مع ذلك ففي طريقه عثمان بن عيسى و هو واقفي و سماعة و هو فطحي (1).

و قد يستدلّ على كراهته بالأخبار الصحيحة المطلقة في الجواز، كصحيحة معاوية بن عمار (2) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن كسب الحجام. فقال: لا بأس به.

____________

(1) الاختلاف في شأن سماعة و انه منحرف أولا انما هو في وقفه و عدمه و الأكثرون على أنه اثنى عشري لمكان توثيق النجاشي (انظر ص 146 ط المصطفوى) مع عدم ذكر انحراف له و كان دأب النجاشي التصريح بانحراف من يوثقه من المنحرفين و قد سرده الشيخ في أصحاب الإمام الصادق ص 214 بالرقم 196 و في أصحاب الإمام الكاظم ص 351 بالرقم 4 و حكم بوقفه هنا و قد حكموا باشتباه الشيخ من جهة وقف ابنه فحكم بوقفه.

و كذا وصفه بالوقف الصدوق في الفقيه ج 2 ص 75 باب ما يجب على من أفطر ذيل الحديث بالرقم 328 و باب الصلاة في شهر رمضان ج 2 ص 88 الرقم 397 و قالوا انه من اشتباه الصدوق اما من جهة وقف ابنه أو كثرة روايات زرعة عنه.

و أما فطحيته فحكم المامقاني باشتباه المولى صالح حيث قال انه فطحي نقل في قاموس الرجال ج 5 ص 4 نسبة هذا الاشتباه الى ابن إدريس أيضا و قد وقع هنا للعلامة أيضا.

(2) الكافي ج 1 ص 360 و السند هكذا على بن إبراهيم عن أبيه و محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن ابى عمير عن معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه و هو في المرات ج 3 ص 392 و قال حسن كالصحيح و رواه في التهذيب عن الفضل بن شاذان الى آخر السند ج 6 ص 355 الرقم 1012 و الاستبصار ج 3 ص 59 بالرقم 194.

و ذيل الحديث فقلت أجر التيوس قال ان كانت العرب لتعاير به و لا بأس و روى صدر الحديث في الفقيه ج 3 ص 105 بالرقم 432 عن معاوية بن عمار و روى الحديث في الوافي الجزء 10 ص 31. و السر في تعبير العلامة المجلسي عن الحديث بالحسن كالصحيح وجود إبراهيم بن هاشم في أحد طريقيه و محمد بن إسماعيل في طريقه الأخر أما إبراهيم بن هاشم فقد عرفت في ص 128 من المجلد الأول من هذا الكتاب صحة الحديث من أجله و أما محمد بن إسماعيل فقد أكثر الكليني الرواية عنه عن الفضل بن شاذان حتى قيل فيه أكثر من خمسمائة حديث كذلك و أكثر الرواية عنه في الكشي أيضا و المحمدون بنو إسماعيل يزيدون على اثنى عشر رجلا.

و اختلف في المروي عنه في الكافي و الكشي الراوي عن الفضل بن شاذان على ثلاثة أقوال الأول محمد بن إسماعيل بن بزيع نقل هذا القول عن المحقق الأردبيلي و الثاني انه هو البرمكي و اختاره شيخنا البهائي (قدّس سرّه) انظر مشرق الشمسين من ص 8 الى ص 10 و الثالث انه أبو الحسن أو أبو الحسين محمد بن إسماعيل النيسابوري تلميذ الفضل بن شاذان و هذا مختار السيد الداماد في الرواشح انظر الرشحة التاسعة عشر من 70 الى ص 74 و المحدث الكاشاني انظر المقدمة الثانية من مقدمات الوافي ص 10 و قواه العلامة الشفتي في فوائده الرجالية و كذا المامقاني في خاتمة تنقيح المقال ص 94 و البار فروشى انظر نخبة المقال من ص 263 الى ص 269 و عدة من الاعلام.

ثم النيسابوري هذا يقال له بندفر بفتح الباء و سكون النون و فتح الفاء و تشديد الراء و البند العلم الكبير جمعه بنود كفلس و فلوس وفر القوم بفتح الفاء و تشديد الراء و فرتهم بفتح الفاء أو كلاهما بالضم خيارهم و قد يقال بندويه مثال نفطويه.

و اما البندقي كما عن بعض فقال المحقق الداماد (قدّس سرّه) انى لست أراه مأخوذا عن دليل معول عليه و لا ارى له وجها على سبيل مركون إليه فإن بندقة بالنون الساكنة بين الباء الموحدة و الدال المهملة المضمومتين قبل القاف أبو قبيلة من اليمن و لم يقع الى في كلام أحد من الصدر السالف من أصحاب الفن ان محمد بن إسماعيل النيسابوري كان من تلك القبيلة انتهى.

ثم احتمل كونه تصحيف بندفر من قلم الناسخين و على اى فانا في شأن هذا الرجل من المتوقفين و لا اجترى على تخطئة واحد من مثل الشيخ البهائي و المحقق الأردبيلي و المحقق

الداماد المدققين المحققين المتتبعين و لنعم ما قيل بالفارسية:

جائي كه عقاب پر بريزد * * * از پشه لاغرى چه خيزد

. و مع ذلك فالذي أراه ان الحديث الذي هو في طريقه يؤخذ به و يعتبر كاعتبار ما اصطلحوا عليه بالصحيح سواء سميناه بهذا الاسم أولا و ذلك لمكان تنصيص أجلاء أصحابنا مثل صاحب المدارك و العلامة المجلسي و العلامة الحلي و غيرهم بصحة كثير من الأحاديث الذي هو في سنده فان كنت في ريب في ذلك فانظر الكتب الفقهية مسئلة جواز الاجتزاء بالتسبيحات الأربع مرة واحدة و مسئلة ما يقوله المأموم بعد انتصاب الامام من الركوع و مسئلة المواسعة و المضايقة توقن بصحة ما ادعيناه.

بل لم نقف على تصريح بالترديد في صحة مثل تلك الأحاديث إلا عن السبزواري فقد توقف في غير موضع من الذخيرة و قال ان محمد بن إسماعيل مشترك بين الثقة و غيره و حكم هؤلاء الاعلام الأجلة بصحة تلك الأحاديث المشار إليها اما أن يكون لأجل معرفتهم بشأن هذا الرجل و حكمهم بوثاقته أيا كان من المحمدين بنى إسماعيل أو لأجل علمهم بان كتاب الفضل بن شاذان كان بعينه عند صاحب الكافي و كان ذكره للواسطة لمجرد اتصال السند فهو أيضا شهادة من هؤلاء الاعلام بكون نقل الكليني عن أصل كتاب الفضل بن شاذان المتيقن كونه كتابا له و كون ذكر الواسطة لمجرد اتصال السند فكفى بذلك لمثل هذه الأحاديث جلالة و قدرا و اعتمادا.

و لمزيد اتضاح ما شرحنا لك راجع ص 169 من المدارك ط 1322 المطبوع معه حاشية العلامة البهبهاني (قدّس سرّه) مسئلة الاجتزاء بالتسبيحات في الأخيرتين مرة واحدة و البحار ج 18 ط كمپانى ص 353 و دقق النظر في عبارة هذين العلمين في شأن مثل هذه الأحاديث تجد فيها نكات دقيقة عميقة.

ثم التيوس جمع التيس على زنة فلس و هو المعز- و قوله ان كانت العرب لتعاير به- ان مخفة من المثقلة.

13

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

14

و صحيحة الحلبي (1) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) أن رجلا سأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن كسب الحجام. فقال: لك ناضح؟ فقال: نعم. فقال: اعلفه إياه و لا تأكله. و لو كان حراما لما جاز إعلافه الناضح أيضا.

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 356 الرقم 1014 و الاستبصار ج 3 ص 60 الرقم 196 و الناضح البعير الذي يستقى عليه.

15

و روى زرارة في الموثق عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: سألته عن كسب الحجام.

فقال: مكروه له ان شارط و لا بأس عليك ان تشارطه و تماكسه و انما يكره له. و نحوها من الاخبار (2).

[و المراد بالاشتراط اشتراط الأجرة على فعله، سواء عينها أم أطلق، و مقتضى الخبر الأخير أن المحجوم على الضد من الحاجم، بمعنى أنه يكره له أن يستعمله من غير شرط و لا يكره معه].

الثانية: (النور 33)

وَ لٰا تُكْرِهُوا فَتَيٰاتِكُمْ عَلَى الْبِغٰاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللّٰهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرٰاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

«وَ لٰا تُكْرِهُوا فَتَيٰاتِكُمْ» اماءكم «عَلَى الْبِغٰاءِ» على الزنا، و المشهور أنها نزلت في عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول رأس النفاق (3)، و كان له ست إماء يكرههن على الزنا،

____________

(1) الكافي ج 1 ص 360 باب كسب الحجام الحديث 4 و هو في المرات ج 3 ص 392 و فيه و قال في المسالك يكره الحجامة مع اشتراط الأجرة على فعله سواء عينها أم أطلق فلا يكره لو عمل بغير شرط و ان بذلت له بعد ذلك كما دلت عليه الاخبار هذا في طرف الحاجم و اما المحجوم فعلى الضد يكره له ان يستعمل من غير شرط و لا يكره معه.

(2) انظر الوسائل الباب 36 و 40 من أبواب ما يكتسب به ج 2 ص 539 و ص 540 ط الأميري و الوافي الجزء العاشر ص 31 و مستدرك الوسائل من ص 427 الى ص 430 ج 2.

(3) انظر المجمع ج 4 ص 141 و الطبري ج 18 ص 133 و ابن كثير ج 3 ص 288 و فتح القدير ج 4 ص 30 و الدر المنثور ج 5 ص 46 و قلائد الدرر ج 2 ص 218 و أحكام القرآن لابن العربي ص 1375 و تفسير الإمام الرازي ج 23 ص 220 و الكشاف ج 3 ص 239 و فيه تخريج ابن حجر في الشاف الكاف.

ثم سلول على ما ذكره النووي في تهذيب الأسماء و اللغات ج 1 ص 260 بالرقم 285 أم عبد اللّه فلهذا قال العلماء الصواب في ذلك ان يقال عبد اللّه بن ابى ابن سلول بالرفع بتنوين ابى و كتابة ابن سلول بالألف و يعرب اعراب عبد اللّه لأنه صفة له لا لأبي.

16

فشكت ثنتان منهن معادة و مسيكة الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فنزلت. و النص و ان كان واردا في الإماء الا أن الإجماع منعقد على أن حال الحرائر كذلك في التحريم.

«إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً» تعففا، و لعل التقييد بالشرط لكون الآية نزلت على سبب خاص (1) فوقع النهي على تلك الصفة، لا أن الشرط مراد حتى يلزم منه جواز الإكراه عند عدم ارادة التحصن، لأن مفهوم الشرط انما يعتبر لو لم يكن في الكلام فائدة سواه، أو نقول إذا لم يردن التحصن لا يتأتى الإكراه، فإنه الإلزام على خلاف مقتضى الطبع، و أمر الطبيعة المؤاتية على البغاء لا يسمى مكرها و لا أمره إكراها.

و بالجملة مقتضى الآية تحريم الإكراه مع ارادة التحصن، و لا يلزم من ذلك جوازه مع عدم ارادة التحصن، فان عدم الحرمة جاز أن يكون لكون الإكراه غير مقدور، أو نقول: غالب الحال أن الإكراه لا يحصل الا عند ارادة التحصن، و الكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما يرى في قوله «أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ».

ثم انا لو سلمنا أن مفهوم الشرط اقتضى الجواز فلنا أن نقول: هو مفهوم عارضه ما هو أقوى منه، و هو الإجماع على عدم جوازه مطلقا فيضمحل الضعيف بمعارضته.

و قيل انّ «ان» بمعنى «إذ»، لأن سبب النزول ورد على ذلك. و في إيثار كلمة «ان» على «إذ» تنبيه على أن الباغيات كن يفعلن ذلك برغبة و طواعية منهن، و ان ما وجد من معادة و مسيكة من قبيل الشاذ النادر.

«لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا» أي من كسبهن و بيع أولادهن

____________

(1) و في الانتصاف المطبوع ذيل الكشاف ج 3 ص 239 بيان يعجبنا نقله قال و عند العبد الفقير الى اللّه تعالى ان فائدة ذلك و اللّه اعلم ان يبشع عند المخاطب الوقوع فيه لكي يتيقظ انه كان ينبغي له ان يأنف من هذه الرذيلة و ان لم يكن زاجر شرعي.

و وجه التبشيع عليها ان مضمون الآية النداء عليه بان أمته خير منه لأنها آثرت التحصن عن الفاحشة و هو يأبى الا إكراهها عليها و لو ابرز مكنون هذا المعنى لم يقع الزاجر من النفس موقعه و عسى هذه الآية تأخذ بالنفوس الدنية فكيف بالنفوس العربية انتهى.

17

«وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللّٰهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرٰاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» أي للمكرهات لا للمكره، فان الوزر عليه (1).

و لو قيل: انه مع الإكراه لا وزر عليهن و لا اثم، فلا حاجة الى المغفرة. أجيب بأن الإكراه في تلك الصورة جاز أن يكون دون ما اعتبرته الشريعة من الإكراه بالقتل أو بما يخاف معه التلف أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره حتى يسلم من الإثم، و ربما قصرت عن الحد الذي يعذر فيه فتكون آئمة- كذا أجاب في الكشاف و هو جيد، غير أن الظاهر المتبادر تحريم الإكراه مطلقا و الغفران معه مطلقا.

و أجاب القاضي بأن الإكراه (2) لا ينافي المؤاخذة بالذات، و لذلك حرم على المكره القتل و أوجب عليه القصاص.

و فيه نظر، لورود النص في الصورة المخصوصة التي ذكرها، و ان الإثم فيها يتعلق بالمباشر، و المخرج بالنص عن عموم الحكم لا يجعل نظيرا لما عداه من الصور التي لم تثبت خروجها بنص، على أن الإجماع منعقد على عدم الإثم في صورة الإكراه على البغي، و قد سئله هو أيضا في أول كلامه.

و يمكن توجيه كلامه بأن الذنب من حيث هو يقتضي ترتب الإثم على فعله، و من ثم ترتب الإثم على القاتل مع كونه مكرها لمكان الذنب الصادر عنه، و لكن في

____________

(1) و يؤيد هذا المعنى ما رووه من قراءة لهن غفور رحيم رواه في الكشاف و البيضاوي و ابن كثير و نثر المرجان ج 4 ص 630 عن ابن مسعود و رواه الطبري عن سعيد بن جبير و في قلائد الدرر عن ابن عامر و سعيد بن جبير و في فتح القدير عن جابر بن عبد اللّه و سعيد بن جبير و في المجمع عن ابن عباس و سعيد بن جبير و قال و روى ذلك عن ابى عبد اللّه (ع).

(2) انظر ص 468 ط المطبعة العثمانية و أجاب في فتح القدير بأنها و ان كانت مكرهة فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة أما بحكم الجبلة البشرية أو بكون الإلجاء قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار انتهى و الحق ان الغفران يستعمل في لسان القرآن في عدم المؤاخذة و ان لم يكن ثمة اثم كما يحقق ذلك الآية 173 من سورة البقرة فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ و مثله الآية 145 من سورة الانعام و الآية 115 من سورة النحل و في كلام المصنف أيضا إشارة الى ذلك.

18

هذا [الموضع] تجاوز اللّه تعالى عن عقاب المكره لمكان الإكراه كما جوّز تناول الميتة لمكان الضرورة مع تصريحه بالمغفرة و الرحمة بعد ذلك.

و يمكن أن يكون المراد أنه غفور رحيم للمكرهات و المكره معا، بأن تكون المغفرة لهن على الإطلاق و لهم مع التوبة أو تفضلا. و في الآية دلالة على تحريم الإكراه على الزنا و التكسب به و أخذ الأجرة عليه و نحو ذلك.

الثالثة: (لقمان 6)

وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ.

«وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ» بأن يلهى عما يعنى، كالأحاديث التي لا أصل لها و الاساطير التي لا اعتبار فيها و المضاحك و فضول الكلام. و في مجمع البيان أكثر المفسرين (1) على أن المراد بلهو الحديث الغناء، و هو قول ابن عباس و ابن مسعود و غيرهما، و هو المروي عن أبي جعفر و ابى عبد اللّه (عليهما السلام)، و عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: منه الغناء، و عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: هو الطعن في الحق و الاستهزاء به.

و اضافة اللهو الى الحديث بمعنى «من»، و هي تبيينية ان أريد بالحديث المنكر، و المعنى من يشتري اللهو من الحديث، فان اللهو قد يكون من الحديث و من غيره فبيّن بالحديث، و ان أريد ما هو أعم من المنكر كانت بمعنى من التبعيضية، كأنه قيل من الناس من يشترى بعض الحديث و هو اللهو منه.

«لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» دينه أو قراءة كتابة، و قرأ أبو عمرو بفتح الياء، بمعنى ليثبت على ضلالته، أو يزيد فيه «بِغَيْرِ عِلْمٍ» أى بحال ما يشتريه أو بالتجارة الصادرة منه حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن.

«وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً» و يتخذ السبيل سخرية و استهزاء. قيل إن سبب نزولها ما روى عن النضر بن الحرث (2) حيث اشترى كتب الأعاجم و كان يحدث بها قريشا و يقول ان كان محمّد يحدثكم بحديث عاد و ثمود فأنا أحدثكم بحديث رستم و إسفنديار و

____________

(1) انظر المجمع ج 4 ص 313.

(2) المجمع ج 4 ص 313 و قلائد الدرر ج 2 ص 222.

19

الأكاسرة. و قيل كان يشترى القيان و يحملهن على معاشرة من أراد الإسلام و منعه عنه.

و قيل نزلت (1) في رجل اشترى جارية تغنيه ليلا و نهارا، و نقله في المجمع عن ابن عباس، قال: و يؤيده ما رواه أبو أمامة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (2) «لا يحل تعليم المغنيات و لا بيعهنّ و أثمانهن حرام».

«أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ» بسبب إهانتهم الحق و استيثار الباطل عليه. و في الآية دلالة على تحريم الغناء كما هو المنقول عنهم (عليهم السلام) في تفسير اللهو.

و عنهم (عليهم السلام) (3) «ما من رجل يرفع صوته بالغناء الا بعث اللّه عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب و الأخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت».

و لا خلاف بين علمائنا في تحريمه، و ربما فسر لهو الحديث بكسب المغنيات، و رواه أبو بصير (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن كسب المغنيات. فقال: التي تدخل

____________

(1) المجمع ج 4 ص 313.

(2) المجمع ج 4 ص 313 و عنه نور الثقلين ج 4 ص 194 بالرقم 10 و للحديث في المجمع تتمة و أخرجه أيضا في الكشاف ج 3 ص 490 مع تفاوت يسير و أخرجه في الدر المنثور ج 5 ص 159 عن سعيد بن منصور و احمد و الترمذي و ابن ماجه و ابن ابى الدنيا في ذم الملاهي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابى حاتم و الطبراني و ابن مردويه و البيهقي عن أبي أمامة عن النبي (ص).

(3) الحديث جعله في المجمع ذيل الحديث الأول مع تفاوت في اللفظ و فيه عقيرته مكان صوته و العقيرة أيضا بمعنى الصوت و أخرجه كما في المتن في الكشاف ج 3 ص 491 و قال ابن حجر أخرجه أبو يعلى و إسحاق و الحارث من طريق أبي امامه و هو عند الطبراني من رواية يحيى بن الحارث عن القاسم في الحديث الذي قبله و أخرجه في الدر المنثور أيضا ج 5 ص 159 و رواه مع تفاوت أيضا في جامع الاخبار عن أبي أمامة عن النبي ص 180 و حكاه عنه في مستدرك الوسائل ج 2 ص 457.

(4) الكافي ج 1 ص 361 باب كسب المغنية الحديث 1 و هو في المرات ج 3 ص 392 و رواه في التهذيب ج 6 ص 358 الرقم 1024، و الاستبصار ج 3 ص 62 الرقم 207 و قريب منه في المضمون ما في الفقيه ج 3 ص 98 بالرقم 376.

20

على الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس، و هو قوله تعالى «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ» الآية.

و ظاهر أن قوله «و هو» راجع الى الأول، و قد تظافرت الاخبار (1) بتحريمه، فقد روى نصر بن قابوس (2) قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: المغنية ملعونة، ملعون من أكل كسبها، و نحوها من الاخبار.

و ظاهر رواية أبي بصير أن المغنية التي تدعى إلى الأعراس لا بأس بكسبها، و نحوها روايته (3) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها.

قال الشيخ (رحمه اللّه): الرخصة التي دلت هذه الاخبار عليها محمولة على من لا يتكلم بالأباطيل و لا يلعب بالملاهي من العيدان و أشباهها و لا بالقصب و غيره، بل يكون ممن تزف العروس و تتكلم عندها بإنشاد الشعر و القول البعيد من الفحش و

____________

(1) انظر الوسائل الباب 43 و 44 من أبواب ما يكتسب به ج 2 ص 541 و الباب 127 و 129 ص 565 و ص 566 ط الأميري و الوافي الجزء العاشر من ص 32 الى ص 35 و مستدرك الوسائل الباب 13 و 14 من أبواب ما يكتسب به ج 2 ص 430 و ص 431 و الباب 78 و 80 ص 457 و ص 459.

و تفسير آيات الغناء في الدر المنثور ج 5 ص 80 و ص 159 و الطبري ج 19 ص 49 و ج 21 ص 60 الى ص 63 و البرهان ج 3 ص 90 و ص 91 و ص 176 و ص 177 و ص 269 و ص 270 و نور الثقلين ج 3 ص 495 و ص 496 و ج 4 ص 41 و ص 42 و ص 193 و ص 194.

(2) الكافي ج 1 ص 361 باب المغنية و شرائها الحديث 6 و هو في المرات ج 3 ص 392 و رواه في التهذيب ج 6 ص 357 بالرقم 1020 و الاستبصار ج 3 ص 61 بالرقم 203.

(3) الكافي ج 1 ص 361 الباب المتقدم الحديث 2 و هو في المرات ج 3 ص 392 و رواه في التهذيب ج 6 ص 357 بالرقم 1023 و الاستبصار ج 3 ص 62 بالرقم 206 و لأبي بصير روايتان أخريان دالتان على جواز كسب المغنية التي تدعى إلى الأعراس و هما بالرقم 1022 و 1024 من التهذيب و رواهما في الكافي و الاستبصار أيضا و قول المصنف قبيل ذلك و ظاهر رواية أبي بصير إشارة إلى إحدى الروايتين.

21

الأباطيل، فأما من عدا هؤلاء ممن يلعبن بسائر أنواع الملاهي فلا يجوز على حال، سواء كان في العرائس أو غيرها- انتهى كلامه، و هو جيد.

و يمكن حمل «لهو الحديث» على ما كان لهوا من الحديث مطلقا و ان كان سببها خاصا، فإن العبرة بعموم اللفظ، و يلزم من ذلك تحريم جميع ما يستلزم ذلك، كالاحاديث الباطلة التي لا أصل لها و تحريم الكسب بها و أخذ الأجرة عليها.

و في مجمع البيان (1) انه يدخل فيه كل شيء يلهى عن سبيل اللّه و عن طاعته من الأباطيل و المزامير و الملاهي و المعازف، و يدخل فيه السخرية بالقرآن و اللغو و كل لهو و لعب و الأحاديث الكاذبة و الاساطير الملهية عن القرآن، و لا يبعد إدخال القصص و الحكايات السابقة التي لا فائدة تحتها.

و المراد بالغناء المحرم ما يسمى في العرف غناء [سواء اشتمل على طرب أم لا] نحو «الحداء» [بالمد، و هو سوق الإبل بالغناء لها] و ربما عرّفه بعضهم بأنه «ترجيع الصوت المطرب» [أى ما اشتمل على الوصفين الترجيع مع الاطراب، فلو خلا عن أحدهما لم يكن غناءا] و ليس في الأدلة ما يدل على اعتباره، و من ثم لم يعتبره بعض، و الاحتياط في ترك جميع أقسامه.

الرابعة: (المائدة 94)

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

«إِنَّمَا الْخَمْرُ» من التخمير، و هو تغطية العقل و إطلاقه على ما يتخذ من الكرم هو الأكثر، و الظاهر أن المراد به ما يشمل جميع المسكرات، و به وردت الاخبار، و في الصحيح (2) عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الخمر من

____________

(1) المجمع ج 4 ص 313.

(2) الكافي ج 2 ص 188 باب ما يتخذ منه الخمر الحديث 1 و هو في المرات ج 4 ص 90 و فيه انه حسن كالصحيح على الظاهر إذ الظاهر الحجاج مكان الحجال كما في بعض النسخ و رواه في التهذيب ج 9 ص 101 بالرقم 442 و السر في تعبير المجلسي عن الحديث بالحسن وجود إبراهيم بن هاشم و محمد بن إسماعيل في طريق الحديث و قد مر الكلام فيهما.

22

خمسة: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البتع من العسل، و المزر من الشعير، و النبيذ من التمر. و نحوها من الاخبار (1).

«وَ الْمَيْسِرُ» مصدر كالمرجع و الموعد، سمى به القمار لاشتماله على أخذ مال الناس بيسر. و المراد به ما يصدق عليه أنه قمار بجميع أقسامه. و روى (2) جابر عن ابى جعفر قال: لما أنزل اللّه عز و جل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ» الآية، قيل:

يا رسول اللّه ما الميسر؟ فقال: كلما تقومر به حتى الكعاب و الجوز- الحديث.

و في الصحيح (3) عن معمر بن خلاد عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: النرد و الشطرنج و الأربعة عشر بمنزلة واحدة، و ما قومر عليه فهو المسير.

«وَ الْأَنْصٰابُ» الأصنام كانوا ينصبونها للعبادة.

«وَ الْأَزْلٰامُ» جمع زلم بضم أوله كصرد أو فتحه كفرس، و هي القداح التي كانوا يجيلونها للقمار، و هي عشرة سبعة منها ذوات أنصباء، و هي: الفذ له سهم، و التوأم سهمان، و الرقيب ثلاثة، و الجليس أربعة، و النافس خمسة، و المسبل ستة، و المعلى سبعة. و ثلاثة لا نصيب لها، و هي: المنيح، و السفيح، و الوغد. و لقد أحسن من قال:

لي في الدنيا سهام ليس فيهن ربيح * * * و أساميهن وغد و سفيح و منيح

____________

(1) انظر الوسائل الباب 1 من أبواب الأشربة ج 3 ص 312 ط الأميري و الوافي الجزء 11 ص 78 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 135 و متفرقات أبواب الأشربة المحرمة من الكتب السالف ذكرها.

(2) الكافي ج 1 ص 362 باب القمار و النهبة الحديث 2 و هو في المرات ج 3 ص 393 و رواه في التهذيب ج 6 ص 371 بالرقم 1075 و الفقيه ج 3 ص 97 بالرقم 373.

(3) الكافي ج 2 ص 201 باب النرد و الشطرنج الحديث 1 و هو في المرات ج 4 ص 100 و فيه انه صحيح و الوافي الجزء العاشر ص 35 و قريب منه في تفسير العياشي ج 1 ص 339 الرقم 182 و حكاه عنه في البحار ج 16 (م) 34 و البرهان ج 1 ص 398 و الوسائل الباب 63 من أبواب ما يكتسب به ج 2 ص 547 ط الأميري و حكى حديث الكافي في الوسائل في الباب 132 ص 567.

23

و كانوا يجعلون هذه القداح في خريطة و يضعونها على يد من يعتمدون عليه فيحركها، ثم يدخل يده الى الخريطة و يخرج باسم كل رجل قدحا، فمن خرج له قدح من القداح ذوات النصيب المفروض أخذه، و من خرج له من القداح غير ذوات النصيب لم يأخذ شيئا و يغرم ثلث قيمة البعير، فلا يزال يخرج قدحا قدحا حتى يأخذ أصحاب القداح السبعة أنصباءهم و يغرم الثلاثة الذين لا نصيب لهم قيمة البعير.

«رِجْسٌ» قذر مستقذر تكرهه النفوس، و هو خبر عن مقدر اى تعاطى الأشياء المذكورة «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ» الذي هو الخيبة و المحق «فَاجْتَنِبُوهُ» أي كونوا في جانب عنه «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» تفوزون بالفلاح.

و استدل أصحابنا بالآية على تحريم الخمر و تحريم بيعه و شرائه و أكل ثمنه و جميع استعمالاته، و على ذلك انعقد إجماعهم، و عنه (1) (صلّى اللّه عليه و آله): لعن اللّه الخمرة و غارسها

____________

(1) انظر الحديث بالفاظها المختلفة في الوسائل ج 3 ص 324 الباب 34 من أبواب الأشربة المحرمة و الوافي الجزء 11 ص 81 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 143 و البحار ج 14 ص 913 و كذا الوسائل أيضا ج 2 ص 555 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 452 باب تحريم بيع الخمر و في كتب أهل السنة سنن البيهقي ج 8 ص 287 و الدر المنثور ج 2 ص 322 و الترغيب و الترهيب ج 3 ص 249 و ص 250 و فيض القدير ج 5 ص 267.

ثم في بعض نسخ المصادر حارثها بالثاء المثلثة و في بعضها بالسين المهملة و أظن ان الثاني أصح إذ على الأول لا فرق بين الغارس و الحارث فيكون تكرارا و في بعض ألفاظ الروايات عاصرها و معتصرها فان صح فالذي يستفاد من أكثر كتب أهل اللغة و كلمات أهل الأدب ان المعتصر بمعنى طالب عصرها ففي مقاييس اللغة ج 4 ص 342 عصرت العنب إذا وليته بنفسك و اعتصرته إذا عصر لك خاصة و في المحكم لابن سيده ج 1 ص 256 و قيل عصره ولى ذلك بنفسه و اعتصره عصر له خاصة الا أن في فيض القدير ان المعتصر من يعتصر لنفسه نحو كال و اكتال.

و في تذييل الترغيب و الترهيب لمصطفى محمد عمارة معتصرها يريد حابسها في الأواني و الزجاجات قلت كل ذلك على ما ظنوه من كسر الصاد في المعتصر فان جعلناه بفتح الصاد يكون اسم مكان لان اسم المكان من المزيد على زنة اسم المفعول و يكون ملعونا على حد لعن الخمر بنفسها كما في أكثر ألفاظ الحديث.

24

و خازنها و حاملها و المحمولة اليه و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها و عاصرها و ساقيها و شاربها.

و كذا استدلوا بها على تحريم القمار بجميع أقسامه، و تحريم التكسب به من بيع آلاته و صناعتها و جميع ما يترتب عليه حدوثه.

و على هذا علماؤنا أجمع، و أجاز الشافعي اللعب بالشطرنج محتجا عليه بأن فيه تشحيذ الخواطر فكان محمودا. و هو ضعيف، لعموم الآية و عدم صلاحية ما ذكره للتخصيص و ما تقدم من الحديث، و يؤيده (1) ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال: من لعب بالشطرنج و النرد فكأنما غمس يده في دم خنزير. و نحوها.

و لنردف الكتاب بتفسير آية لها تعلق تام به، و هي: (النور: 61):

____________

(1) ظاهر كلام المصنف انه حديث نبوي (ص) في كتب أهل السنه و لم أظفر على الحديث بهذا اللفظ في كتبهم و انما اللفظ في كتبهم كما في الأدب المفرد ج 2 فضل اللّه الصمد ص 665 بالرقم 1271 من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير و دمه و في تخريجه أنه أخرجه أبو داود و ابن ماجه و مالك و مسلم.

و مثله ما رواه في مستدرك الوسائل ج 2 ص 459 عن عوالي اللآلي و كنز العرفان ج 2 ص 18 ليس في الحديث ذكر الشطرنج مع النرد نعم روى مثله في الشطرنج أيضا ففي الجامع الصغير ج 6 ص 5 الرقم 8209 فيض القدير ملعون من لعب بالشطرنج و الناظر إليها كالأكل لحم الخنزير عن عبدان و ابى موسى و ابن حزم عن حبة بن مسلم مرسلا و مثله في نيل الأوطار ج 8 ص 99 و فيه أحاديث أخر أيضا.

و لأجل تلك الاخبار قال بتحريمه مالك و أبو حنيفة و احمد و انما كرهه الشافعي و نقل مثل حديث حبة في مستدرك الوسائل ج 2 ص 459 عن تفسير ابى الفتوح ملعون من لعب بالاستريق يعنى الشطرنج و الناظر اليه كأكل لحم الخنزير و على اى فاخبارنا بحرمته متظافرة انظر الوسائل الباب 63 ص 128 الى ص 132 من أبواب ما يكتسب به و مستدرك الوسائل ج 2 ص 459.

25

(لَيْسَ عَلَى الْأَعْمىٰ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبٰائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمٰامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوٰالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خٰالٰاتِكُمْ أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً فَإِذٰا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ مُبٰارَكَةً طَيِّبَةً كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمُ الْآيٰاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.

«لَيْسَ عَلَى الْأَعْمىٰ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ» نفى تعالى عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات الحرج لما يقتضيه حالهم من الآفات النازلة بهم.

و اختلف في المراد به، فقيل المراد به نفي الحرج في التخلف عن الجهاد. و رده القاضي بأنه لا يلائم ما قبله و ما بعده، فان ما بعده- أعني قوله «وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ»- صريح في نفي الحرج عن الأكل من البيوت المذكورة.

و قد يقال: وجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنه الحرج. قال في الكشاف: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في شهر رمضان و حاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر، فتقول ليس على المسافر حرج ان يفطر و لا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.

و قيل: المراد نفي الحرج عن مؤاكلتهم، لما كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء فإن الأعمى كان يتحرج عن الأكل مع الناس مخافة أن يأكل أكثر منهم و هو لا يشعر، و الأعرج أيضا يقول اني احتاج لزمانتي أن يوسع لي في المجالس فيكون عليهم مضرة و المريض يقول الناس يتأذون منى لمرضي و يتقذرونني فيفسد عليهم الطعام.

و قيل: المراد نفي الحرج في أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح و يبيح لهم التبسط فيه إذا خرج الى الغزو و خلفهم على المنازل، مخافة ان لا يكون ذلك من طيب قلب، كما حكي عن الحرث بن عمر (1) أنه خرج غازيا و خلف مالك بن زيد في بيته و ماله، فلما رجع رآه مجهودا فقال: ما أصابك؟ قال: لم يكن عندي شيء و لم يحل لي أن آكل من مالك.

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 256.

26

و قيل: المراد نفي الحرج من اجابة من يدعوهم الى بيوت آبائهم و أولادهم و أقاربهم فيطعمونهم كراهة أن يكونوا كلا عليهم.

و قيل: كان ذلك في أول الإسلام، فنسخ بقوله «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلّٰا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلىٰ طَعٰامٍ غَيْرَ نٰاظِرِينَ إِنٰاهُ» و [قد كان في أزواج النبي من لهنّ الآباء و الأخوات، و عمّ بالنهي عن دخول بيوتهن إلا بإذن في الدخول و في الأكل] بقول النبي (1) (صلّى اللّه عليه و آله) «لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفسه». و هذا القول مرغوب عنه فيما بيننا.

____________

(1) الحديث رواه في كتب الشيعة في المجمع ج 4 ص 156 بلفظ المصنف و في مستدرك الوسائل ج 3 ص 145 عن دعائم الإسلام عن على (ع) بلفظ لا يجوز أخذ مال المسلم بغير طيب نفس منه و هو في دعائم الإسلام ط مصر ج 2 ص 57 و عن عوالي اللائي عن النبي (ص) بلفظ المسلم أخو المسلم لا يحل ماله الا عن طيب نفس منه و مثله في ج 1 ص 222 و مثله في قلائد الدرر ج 2 ص 225.

و في الفقيه ج 4 ص 66 بالرقم 195 عن زرعه عن سماعه عن ابى عبد اللّه عن رسول اللّه (ص) في خطبته في حجة الوداع حديث مبسوط و فيه فإنه لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلا بطيبة نفسه و هو في الكافي ج 2 ص 316 الباب 2 من كتاب الديات الحديث 5 و هو في المرات ج 4 ص 189 و جعله المجلسي من الموثق و مثله الحديث 12 من الباب الأول من كتاب الديات عن أبي أسامة زيد الشحام عن ابى عبد اللّه.

و في تحف العقول ص 34 ط مكتبة الصدوق 1379 ايها الناس إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ و لا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه قاله النبي (ص) في خطبته في حجة الوداع و ترى أحاديث الفقيه و الكافي و تحف العقول في الوسائل الباب 3 من أبواب مكان المصلى ج 1 ص 293 ط الأميري و كذا حديث الكافي و حديث الفقيه في الوافي الجزء التاسع ص 82 و أرسل الحديث في كنز العرفان ج 2 ص 30 و قلائد الدرر ج 2 ص 229.

و في كتب أهل السنة رواه الدار قطني بعدة طرق مع تفاوت في الألفاظ انظر ج 3 ص 25 و 26 و في مجمع الزوائد ج 4 ص 171 و ص 172 و رواه في نيل الأوطار ج 5 ص 334 عن احمد و ابن حبان و الحاكم و البيهقي و رواه أبو إسحاق الشيرازي أيضا في المهذب ج 1 ص 374 مرسلا عن ابى حميد الساعدي عن النبي (ص).

27

«وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ» من البيوت التي تملكونها، فان ذلك هو الظاهر من الإطلاق. و لعل النكتة فيه مع ظهور اباحته، الإشارة إلى مساواة ما ذكر له فيها و التنبيه على أن الأقارب المذكورين و الصديق ينبغي جعلهم بمثابة النفس في أن يحبّ لهم ما يحب لها و يكره لهم ما يكره لها كما جعل بيوتهم كبيته.

و قيل: هي بيوت الأزواج و العيال، لأن بيت المرأة كبيت الرجل.

و قيل: هي بيوت الأولاد، لأنهم لم يذكروا في الأقارب مع أنهم اولى منهم بالموافقة، و لأن بيت الولد كبيته لقوله (1) (صلّى اللّه عليه و آله) «أنت و مالك لأبيك» و قوله (2) (صلّى اللّه عليه و آله) «ان أطيب ما يأكل الرجل من كسبه و ولده من كسبه».

«أَوْ بُيُوتِ آبٰائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمٰامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوٰالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خٰالٰاتِكُمْ أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ» و هو ما يكون تحت أيديكم و تصرفكم من ضيعة أو ماشية وكالة أو حفظا، و أطلق على

____________

(1) المجمع ج 4 ص 156 و التبيان ج 2 ص 344 و كنز العرفان ج 2 ص 31 و قلائد الدرر ج 2 ص 226 و كذا الكافي باب الرجل يأخذ من مال ولده الحديث 5 و 6 ج 1 ص 366 و هما في المرآة ج 1 ص 396 و في التهذيب ج 6 ص 343 الرقم 961 و 962 و ص 344 الرقم 966 و الاستبصار ج 3 ص 48 و ص 49 الرقم 157 و 158 و 162 و الفقيه ج 3 ص 109 الرقم 456 و نور الثقلين ج 3 ص 625 و 627.

و انظر أيضا الوسائل الباب 107 من أبواب ما يكتسب به ج 2 ص 560 ط الأميري و مستدرك الوسائل ج 2 ص 454 و أخرجه من أهل السنة أيضا السيوطي في الجامع الصغير الرقم 2712 ج 3 ص 49 فيض القدير عن ابن ماجه و البزار و الطبراني في الكبير.

(2) رواه في المجمع ج 4 ص 156 و كنز العرفان ج 2 ص 31 و قلائد الدرر ج 2 ص 226 و روى عن المجمع في نور الثقلين ج 3 ص 627 بالرقم 256 و أخرجه في الكشاف ج 3 ص 257 و لابن حجر في تخريجه تفصيل فراجع. و أخرجه السيوطي أيضا في الجامع الصغير بالرقم 2206 ج 2 ص 425 فيض القدير بلفظ ان أطيب ما أكلتم من كسبكم و ان أولادكم من كسبكم عن البخاري في التاريخ و الترمذي و ابن ماجه و النسائي عن عائشة.

28

ذلك ملك المفاتح لكونها في يده و حفظه، و يؤيده (1) ما رواه الكليني عن ابن ابى عمير مرسلا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل «أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ» قال: الرجل يكون له وكيل يقوم في ماله فيأكل بغير اذنه. و قيل هو بيوت المماليك، لأن مال العبد لمولاه فهو مالك له. و المفاتح جمع مفتح، و هو ما يفتح به، و قرئ «مفتاحه» (2).

«أَوْ صَدِيقِكُمْ» أو بيوت صديقكم على حذف المضاف، و الصديق يكون واحدا و جمعا كالخليط، و المرجع في الصديق الى العرف لعدم تحديده شرعا. و في صحيحة الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته ما يعني بقوله «أَوْ صَدِيقِكُمْ»؟ قال: هو و اللّه الرجل يدخل بيت صديقه بغير اذنه.

و مقتضى الآية جواز الأكل من بيوت المذكورين مع حضورهم و غيبتهم، و سواء دل ظاهر الحال على الرضا أولا، لكن العلماء خصصوه بما إذا لم يعلم الكراهة و لو بالقرائن الحالية، أو يحصل له الظن الغالب بها، فان ذلك كاف في الامتناع و عدم الجواز.

و لعل الوجه في الإطلاق كون الأغلب عدم الكراهة في المذكورين لمكان الاتحاد التام بينهم.

و اعتبر القاضي (4) في جواز الأكل العلم برضا صاحب البيت بإذن أو قرينة، و لذلك خصص هؤلاء فإنه يعتاد التبسط بينهم. و مقتضاه ان مع عدم العلم بالرضا لا يباح الأكل و ان لم يعلم الكراهة أيضا. و فيه نظر، لإطلاق الجواز ما لم يعلم المنع، و لأنه مع

____________

(1) الكافي ج 2 ص 159 باب أكل الرجل في منزل أخيه الحديث 5 و هو في المرات ج 4 ص 65 و نقله في نور الثقلين ج 3 ص 627 بالرقم 255 و رواه أيضا في قلائد الدرر ج 2 ص 227.

(2) نقله في الكشاف ج 3 ص 257 و نقله في فتح القدير ج 4 ص 51 عن قتاده و نقل فيه أيضا قراءة مفاتيحه بياء بين التاء و الحاء.

(3) الكافي ج 2 ص 159 باب أكل الرجل في منزل أخيه الحديث 1 و هو في المرات ج 4 ص 64 و نقله في نور الثقلين ج 3 ص 626 بالرقم 250.

(4) البيضاوي ج 3 ص 240 ط مصطفى محمد.

29

العلم بالرضا بالاذن لم يبق فرق بين من تضمنته الآية و غيره.

و لا يعارضه قبح التصرف في مال الغير بغير إذن، لأن ذلك مع معلومية عدم الاذن و لعل هذا هو الفرق بين بيوت المذكورين و بيوت غيرهم، من حيث ان بيوت غيرهم يشترط العلم بالرضا فيها، و أما بيوت المذكورين فيكفي فيها عدم العلم بالكراهة.

قال في المجمع (1): «و هذه الرخصة في أكل مال القرابات و هم لا يعلمون ذلك كالرخصة لمن دخل حائطا و هو جائع أن يصيب من ثمرة، أو مر في سفره بغنم و هو عطشان أن يشرب من لبنه، توسعة منه على عباده و تلطفا لهم و رغبة لهم عن دناءة الأخلاق و ضيق العطن».

قلت: لا يخفي أن هذه الرخصة ليست بمثابة تلك، فان الدليل قائم هنا و غير واضح هناك، و من ثم منعه (2) بعض الأصحاب، و من جوّزه لم يقيده بالجائع و لا بالحائط بل الحكم في المار على الغلة و غيرها أن يأكل منها، و ليس في كلام الأصحاب ما يدل على جواز شرب اللبن لمن مر بغنم في الطريق- فتأمل.

هذا، و مقتضى الآية الأكل من بيوت هؤلاء، فيجب الاقتصار عليه و لا يجوز الحمل و لا إطعام الغير، و لا يتعدى الحكم الى تناول غير المأكول، الا أن يدل عليه الأكل بمفهوم الموافقة كالشرب من مائه و الوضوء به، أو يدل عليه بالالتزام كالكون فيها حالته.

و احتج أبو يوسف بظاهر الآية على أن لا قطع على من سرق من ذوي رحم محرم.

و ذلك أنه تعالى أباح الأكل من بيوتهم و دخولها بغير اذن، فلا يكون ماله محرزا

____________

(1) انظر المجمع ج 4 ص 156.

(2) انظر الاخبار في هذه المسئلة في الوسائل ج 2 ص 36 الباب 17 من أبواب الزكاة و ص 555 الباب 82 من أبواب ما يكتسب به و ص 620 الباب 8 من أبواب بيع الثمار و ج 3 ص 299 الباب 80 من أبواب الأطعمة المباحة و ص 452 الباب 23 من أبواب السرقة و مستدرك الوسائل ج 1 ص 520 و ج 2 ص 483.

و قد تظافرت الاخبار بالجواز ان لم نقل انها متواترة و عمل بها الأصحاب حتى ابن إدريس القائل بعدم جواز العمل بخبر الواحد.

30

منهم. و أورد عليه لزوم أن لا يقطع إذا سرق من صديقه. و أجيب بأن السارق لا يكون صديقا، و ضعفه ظاهر.

و هل يجوز دخول بيوتهم لغير الأكل أو الكون بها بعده و قبله؟ نظر من تحريم التصرف في مال الغير الا ما استثنى، و من دلالة القرائن على تجويز مثل ذلك من المنافع التي لا يذهب من المال بسببها شيء حيث جاز إتلافه فيما ذكر. و الجواز أظهر عملا بمفهوم الموافقة في الآية.

و المتبادر من المذكورين كونهم كذلك بالنسب، و في إلحاق من كان منهم كذلك بالرضاع وجه غير بعيد، من حيث أن الرضاع لحمة كلحمة النسب، و لمساواته له في كثير من الاحكام. و وجه العدم تبادر النسبي من الإطلاق، و الاحتياط التمسك بأصالة الحرمة في موضع الشك.

«لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ» جرم و اثم «أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً» مجتمعين أو متفرقين قيل نزلت في بني ليث بن عمرو بن كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده، فربما قعد الرجل منتظرا نهاره الى الليل، فان لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة. و قيل في قوم من الأنصار، إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون معه. و قيل في قوم تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل و زيادة بعضهم على بعض (1).

و في «المجمع» (2) معناه لا بأس أن يأكل الغني مع الفقير في بيته، فإن الغني كان يدخل على الفقير من ذوي قرابته أو صداقته فيدعوه الى طعامه فيتحرج.

قال الشيخ في «ن»: و الاولى حمل ذلك على عمومه و انه يجوز الأكل وحدانا و جماعة، و مقتضى الآية جواز ذلك، فلا ينافيه كراهة الأكل وحده لثبوته بدليل من خارج، فقد وقع في الاخبار «ان من يأكل زاده وحده ملعون» و نحوه، و هو محمول على المبالغة في الكراهة، جمعا بين الأدلة فلا ينافي الجواز الثابت بالاية.

____________

(1) انظر البيضاوي ج 3 ص 240.

(2) المجمع ج 4 ص 157 و مثله في كنز العرفان ج 2 ص 32.

31

«فَإِذٰا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً» في الكشاف من هذه البيوت للأكل، و الاولى حمله على العموم كما صرح به الشيخ في «ن»، و المراد أيّ بيت كان من أي شخص كان «فَسَلِّمُوا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ» اي ليسلم بعضكم على بعض، كقوله تعالى «اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ». و قيل معناه فسلموا على أهليكم. و في «المجمع» قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هو أن يسلم الرجل على أهل البيت حين يدخل ثم يردون عليه، فهو سلام على أنفسكم. و قال إبراهيم: إذا دخلت بيتا ليس فيه احد فقل: السّلام علينا و على عباد اللّه الصالحين.

«تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ» ثابتة بأمره مشروعة من لدنه، أو علمها اللّه و شرعها لكم، فإنهم كانوا يقولون «عم صباحا». و انتصابها بسلّموا، لأنها في معنى تسليما، نحو قعدت جلوسا.

«مُبٰارَكَةً» لأنها يرجى بها زيادة الخير و الثواب «طَيِّبَةً» تطيب بها نفس المستمع و قيل لما فيها من الأجر الجزيل و الثواب العظيم. و عن أنس انه (صلّى اللّه عليه و آله) قال «متى لقيت أحدا من أمتي فسلم عليهم يطل عمرك، و إذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خيرك».

«كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّٰهُ» أي كما بين لكم هذه الاحكام و الآداب يبين «لَكُمُ الْآيٰاتِ» الدالة على جميع ما يتعبدكم به «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» أي لكي تعقلوا معالم دينكم فتعرفون ما فيه الصلاح و الفساد.

32

كتاب البيع

و فيه آيات:

الاولى: (النساء 29)

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِكُمْ رَحِيماً.

وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰاناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نٰاراً وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اللّٰهِ يَسِيراً. (النساء 30) «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ» أى بما لم يبحه الشرع كالغصب و الربا و القمار و نحوها. و المراد النهي عن التصرف في مثل ذلك، و ذكر الأكل لأنه معظم المنافع، أو لأن الأكل قد يطلق على وجوه التصرفات، كما يقال «أكل ماله» و ان أنفقه في غير الأكل.

«إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ» استثناء منقطع لعدم دخوله فيما تقدم، أى و لكن كون تجارة عن تراض غير منهي عنه، أو اقصدوا كون تجارة كذلك.

و عن تراض صفة لتجارة، اى صادرة عن تراض من المتعاقدين بما تعاقدا عليه.

و في المجمع: ثم وصف التجارة و قال «عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ» أى يرضى كل واحد منكما بذلك. و ظاهر الآية يقتضي اعتبار التراضي حال صدور العقد منهما و ان كونه عن تراض كاف في حصول الملك من غير توقف على أمر آخر.

و لا ينافي ذلك كون اللزوم يتوقف على تفرق المجلس، كما يذهب إليه أصحابنا المثبتون لخيار المجلس للأخبار الدالة عليه و اكتفى الحنفية بمجرد التراضي حال الإيجاب و القبول في اللزوم من غير اشتراط التفرق من المجلس، فلا خيار عندهم بعد العقد و ان لم يتفرقا نظرا الى حصول التراضي. و هو قول المالكية أيضا.

و يرده أنه بعد قيام الدليل على توقف اللزوم على ذلك لا ينبغي التوقف فيه، و قد

33

قام الدليل عندهم على ذلك، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله) (1) المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا».

و الى هذا القول يذهب الشافعية أيضا، فإنهم أثبتوا خيار المجلس في المعاوضات كما أثبتناه.

و قد يستفاد منها عدم صحة البيع (2) فضولا و ان أجازه المالك فيما بعد، نظرا الى أن

____________

(1) انظر الوسائل الباب 1 و 2 من أبواب الخيار ج 2 ص 584 ط الأميري و الوافي الجزء العاشر ص 68 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 472 و 473 و قد روى الحديث أهل السنة أيضا بطرق مختلفه و ألفاظ متفاوتة انظر نيل الأوطار ج 5 ص 195- 200 و سنن البيهقي ج 5 من ص 268- 272 و فتح الباري ج 5 ص 230- 238 و كنز العمال ج 4 من ص 50- 53 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 10 ص 173- 176 و شرح الزرقاني على موطإ مالك ج 3 ص 320- 321 و الام للشافعي من ص 4- 10 و مختصر المزني ص 75 و ص 76 و البحر الزخار ج 3 من ص 345- 347.

(2) و أجاب المحقق الأنصاري (قدّس سرّه) في المكاسب بان استفادة ذلك اما بمفهوم الحصر أو بمفهوم الوصف و لا حصر لان الاستثناء منقطع غير مفرغ و مفهوم الوصف على القول به مقيد بعدم ورود الوصف مورد الغالب كما في ربائبكم اللاتي في حجوركم.

و الحق في الواجب ما افاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) في منية الطالب ج 1 ص 220 من ان دلالة الآية على الحصر لا تفيد بطلان الفضولي لأن الحصر انما هو في التجارة التي هي المسبب و اعتبار مقارنة الرضا معه لا اشكال فيه و اما العقد فلا يطلق عليه التجارة حتى يعتبر صدوره عن رضى المالك انتهى.

و منع آية اللّه الخوانساري مد ظله في ج 3 ص 87 جامع المدارك عدم صدق التجارة على العقد و جعل الاولى ان يقال: إذا باشر المالك و صار طرفا للعقد مع مثله يصدق التجارة من جهة اعتبار العقلاء و إذا باشر الأجنبي فقبل تعلق الرضا به من المالك لا يصدق التجارة لعدم اعتبار العقلاء و مع لحوق الإجازة يصدق التجارة و يكون عن تراض فالعقد قبل تعلق الرضا حاله حال الإيجاب الذي لم يلحقه القبول بعد لكنه بحيث يلحقه القبول و يصير منشأ لاعتبار العقلاء انتهى.

قلت و هذا البيان يستفاد من مطاوي كلمات العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) أيضا فراجع و دقق النظر تعرف صحة ما ادعيناه.

34

ظاهر الآية كون التجارة صادرة عن تراض حال العقد، و هو منتف في صورة الفضولي و الى هذا يذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف، و تابعه عليه جماعة من الأصحاب، و نقله في «الكشاف» عن الشافعي.

و ذهب بعض أصحابنا إلى الصحة، و يقف اللزوم على الإجازة، مستدلين عليه بأن الإجازة في ثان الحال كاشفة عن حصول الرضا حال العقد و انه بيع صدر من أهله في محله، فيقع صحيحا. و في الدليلين بحث لا يخفى على الناظر.

و ربما استدلوا عليه برواية عروة البارقي (1) لما أعطاه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) دينارا

____________

(1) حديث عروة البارقي لم يروه أصحابنا الإمامية في كتبهم الحديثية و انما أرسله الفقهاء في كتبهم الفقهية نعم رواه في مستدرك الوسائل ج 2 ص 462 الباب 18 من أبواب عقد البيع عن محمد بن على الطوسي مرسلا.

و اما أهل السنة فقد رواه البخاري في آخر كتاب المناقب الكتاب 61 قبل كتاب فضائل أصحاب النبي (ص) ج 7 ص 446 فتح الباري و أبو داود في كتاب البيوع باب في المضارب يخالف ج 3 ص 348 ط 1369 مصر بالرقم 3384 و 3385 و هو في عون المعبود ج 3 ص 265 و أخرجه الترمذي في كتاب البيوع بعد باب ما جاء في اشتراط الولاء و الزجر ج 2 ص 249 تحفة الاحوذى، و أخرجه ابن ماجه في كتاب الصدقات باب الأمين يتجر فيه فيربح ص 803 بالرقم 2402 و 2403 و أخرجه الدار قطني في السنن في كتاب البيوع ج 3 ص 10 بالرقم 29 و 30 و أخرجه البيهقي في السنن ج 6 ص 112 و أخرجه الشافعي في الإمام ج 3 ص 16 و أخرجه ابن تيمية في المنتقى كتاب الوكالة ج 5 ص 285 نيل الأوطار و أخرجه في البحر الزخار كتاب الوكالة ج 5 ص 54.

و لهم حديث آخر عن حكيم بن حزام تراه في بعض المصادر التي قدمناها و في مجمع الزوائد ج 4 ص 161 و كل احاديث الباب غير نقى السند اما بقطع أو إبهام أو ضعف يتضح لك بعد مراجعة المصادر التي قدمناها فالحديث ضعيف على مباني أهل السنة أيضا و لم يثبت في كتب قدماء أصحابنا عملهم بالحديث و حكمهم في المسئلة حتى ينجبر ضعفه.

بل ادعاه الشيخ في الخلاف ج 2 ص 74 المسئلة 275 و كذا ابن زهره و ابن إدريس إجماع الفرقة على عدم صحة الفضولي يوضح لنا عدم اعتنائهم بالحديث فكيف يدعى انجبار ضعف الحديث بالعمل فالاستناد بحديث عروة لصحة الفضولي لا يخلو عن ضعف و سيشير المصنف اليه بعيد ذلك و ان كنا في غنى عن ذلك بعد عمومات وجوب الوفاء بالعقد و حل البيع.

ثم ان صاحب القصة في المصادر التي قدمناها غير حكيم بن حزام هو عروة البارقي و هو ابن ابى الجعد و قيل الجعد و قيل: عياض بن الجعد نسب الى جده و البارقي منسوب الى بارق و هو اسم رجل من الأزد أو اسم جبل نزله بعض الأزد و جماع بارق سعد بن عدا بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد فكل من انتسب الى سعد هذا يقال له بارقي و كل بارقي أزدي.

و ذكر الشيخ في رجاله ص 47 الرقم 9 عرفة الأزدي و الرقم 10 عرفة المدني في أصحاب على (عليه السلام) و ذكر في المدني دعاء الرسول (ص) في حقه اللهم بارك له في صفقته و نقله عنه في مجمع الرجال ج 4 ص 137 و ذكر البرقي ص 3 دعاء رسول اللّه (ص) في عروة الأزدي بعد سرده من أصفياء أصحاب أمير المؤمنين (ع) و مثله في رجال ابن داود ص 234 الرقم 974 نقلا عن رجال الشيخ مع انك قد عرفت ان في رجال الشيخ نقل الدعاء في عرفة المدني.

و في رسالة الشيخ حر العاملي في تحقيق الصحابة نقل الدعاء في عرفة الأزدي عن الخلاصة و البرقي و في الخلاصة ص 131 سرده في حرف العين من الآحاد في القسم الأول و لم أظفر على عرفة في معاجم أهل السنة و انما المذكور في ج 4 ص 169 من اسد الغابة غرفة الأزدي بالغين المعجمة و انه الذي دعا له النبي أن يبارك له في صفقته.

و اذن فالأقوال في صاحب القصة غير حكيم بن حزام أربعة- عروة البارقي، عرفة الأزدي، و عرفة المدني و غرفة الأزدي، و الظاهر ان القصة واحدة و الحقيقة غير معلومة و الجمع بين الأزدي و المدني بعدم التنافي كالازدى مع البارقي لان البارقي من الأزد لا يرفع اختلاف الاسم بما عرفت مع ان الظاهر ان كلا مشتهر بلقب و الذي يسهل الخطب ان أصل القصة غير معلومة و لا طائل في معرفة صاحب قصة هي غير متحققه.

35

فاشترى شاتين و باع إحداهما بدينار في الطريق و أقره النبي. و فيه انه بعد تسليم الرواية جاز أن يكون ذلك لكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كله وكالة مطلقة.

و خص التجارة بالذكر- و ان كان غيرها من الأموال المستفادة بنحو الهبة و الوصية و الإرث و أخذ الصدقات و المهور و أروش الجنايات حلالا- لأن أكثر أسباب

36

الرزق يتعلق بالتجارة.

و قد دخل تحت النهي أكل مال الغير بالباطل و أكل مال نفسه بالباطل، كما أن قوله «وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» كذلك، أو ان المراد لا تهلكوها بارتكاب الآثام و المعاصي، فإن ذلك هو القتل للنفس حقيقة، أو لا تقتلوا أنفسكم بإلقائها إلى التهلكة ليتفق قتلها، أو لا تقتلوها حقيقة كما يفعله بعض الجهلة حينما يعرضه غم أو خوف أو مرض شديد يرى قتل نفسه أسهل عليه. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا أبدا، و من تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، و من قتل نفسه بحديدة في يده يتوجا بها في بطنه فهو في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا (1)».

____________

(1) أخرجه البخاري في كتاب الطب باب شرب السم ج 12 ص 360 فتح الباري و مسلم في كتاب الايمان ج 2 ص 118 شرح النووي و الترمذي كتاب الطب ج 3 ص 160 تحفة الاحوذى و الدارمي ج 2 ص 192 كتاب الديات و أخرجه أيضا في المنتقى ج 7 ص 49 نيل الأوطار و البيهقي ج 8 ص 23 و ص 24 و النيسابوري عند تفسير الآية ج 1 ص 423 ط إيران و في ألفاظ الحديث قليل اختلاف في المصادر التي سردناها يعرف بالمراجعة.

ثم السم بضم السين و فتحها و كسرها أفصحها الفتح و جمعه سمام و تحسى بمهملتين بوزن تغذى بمعنى تجرع و يجأ بفتح الياء و تخفيف الجيم اى يطعن بها و روى بضم اوله و لا وجه له و انما يبنى للمجهول بإثبات الواو فيقال يوجأ على وزن يوجد و في رواية مسلم يتوجأ على وزن يتكبر و هو بمعنى الطعن أيضا.

و الروايات على حرمة قتل الإنسان نفسه من طرق الفريقين متظافرة و روى الصدوق في الفقيه ج 3 ص 374 بالرقم 1767 و قال الصادق (ع) من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها قال اللّه تبارك و تعالى وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِكُمْ رَحِيماً وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰاناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نٰاراً وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اللّٰهِ يَسِيراً و نقله في البرهان ج 1 ص 364 بالرقم 12.

و انظر أيضا الوسائل الباب 52 من أبواب الوصايا ج 2 ص 675 و الباب 5 من أبواب القصاص في النفس ج 3 ص 464 ط الأميري و الوافي الجزء التاسع ص 83 و الجزء الثالث عشر ص 25 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 251.

37

أو لا يقتل بعضكم بعضا، فإنكم بمثابة نفس واحدة. أو لأنكم إذا قتلتم غيركم قتلتم به قصاصا فيكون قد قتلتم أنفسكم و قيل ان الكلام على ظاهره، فان اللّه تعالى كلف بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ليكون القتل توبة لهم عن ذنوبهم، و رفع ذلك عن أمة محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) رحمة لهم كما أشار إليه بقوله «إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِكُمْ رَحِيماً» حيث أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم و نهاكم عنه. و على هذا ففي الآية دلالة على تحريم قتل الإنسان نفسه، بل ما يؤدى اليه و لو نادرا و هو كالجرح و الضرب و نحوهما. و لو حملنا القتل على ما يعم ذلك فلا اشكال.

ثم بالغ في التحريم بقوله «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ» أى القتل، أو جميع ما تقدم من المحرمات «عُدْوٰاناً وَ ظُلْماً» افراطا في التجاوز عن الحق و إتيانا بما لا يستحق و قيل أراد بالعدوان التعدي على الغير و بالظلم التعدي على نفسه بتعريضها للعقاب «فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نٰاراً» ندخله إياها، و قرئ بالتشديد من صلّى، و بفتح النون من صلى «وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اللّٰهِ يَسِيراً» لا عسر فيه و لا صارف عنه.

و به استدل على أن القتل كبيرة، لمكان التوعد عليه، و لو رجع إلى أكل المال بالباطل كان هو أيضا كبيرة.

الثانية:

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللّٰهِ وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ. يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ كُلَّ كَفّٰارٍ أَثِيمٍ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ وَ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ. (البقرة 275- 279) يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَ اتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ. (آل عمران 131- 130)

38

«الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا» أى الذين يأخذونه و يتصرفون فيه و انما خص الأكل بالذكر لأنه أعظم منافع المال، و قد وقع نظير ذلك في القرآن كثيرا، نحو قوله «وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ» و قوله «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ» و نحو ذلك مما أريد به مطلق الأخذ و التصرف.

و «الربا» في الأصل الزيادة (1)، و في عرف الشارع بيع أحد المثلين بالآخر مع الزيادة. و هو قسمان: ربا الفضل و هو أن يبيع منا من الحنطة بمنين، و ربا النسيئة و هو الذي كان يتعارفونه في الجاهلية، كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ثم إذا حل الدين طلب المديون برأس المال فان تعذر عليه الأداء زادوا في الحق و الأجل.

و روى العامة عن ابن عباس (2) انه كان لا يحرم الا ربا النسيئة، و كان يقول «لا ربا إلا في النسيئة و يجوز ربي النقد». و لعل حجته فيما ذهب اليه عموم صحة البيع المتناول لبيع الدرهم بالدرهمين نقدا، و عدم تناول تحريم الربا في الآية لمثله، فإنه إنما ينصرف الى العقد المخصوص الذي كان معروفا بينهم. و ربما (3) أكد ذلك ما في الاخبار الدالة على أن الربا في النسيئة، و ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «لا ربا فيما كان يدا بيد» (4). و يرده تظافر

____________

(1) في فقه اللسان ج 1 ص 326 ان الربا مصدر فرعى من رف بواسطة رب قلبوا احدى البائين ياء فصار المضاعف ناقصا أصله الزيادة في جسم الربيب بالتربية ثم أطلق على الزيادة و ان كانت من غير تربيب و تربيه.

(2) بل و كذا الخاصة فقد نقله في الخلاف ج 2 ص 19 مسائل الربا المسألة 6 عن ابن عباس و عبد اللّه بن الزبير و أسامة بن زيد و زيد بن أرقم و ادعى إجماع المسلمين عدا الأربعة المذكورة و مثله في التذكرة ج 1 ص 375.

(3) أخرجه في كنز العمال ج 4 ص 64 بالرقم 621 انما الربوا في النسيئة عن حم م ن هعن أسامة بن زيد و انظر فتح الباري ج 5 ص 285 و 286 و الدر المنثور ج 1 ص 367 و 368 و البيهقي ج 5 ص 281 و 282 و نيل الأوطار ج 5 ص 203 و 204

(4) انظر المصادر التي مرت قبيل ذلك و أخرجه في كنز العمال ج 4 ص 63 بالرقم 612 عن حم ق ن هعن أسامة بن زيد.

39

الاخبار بتحريم ربا الفضل عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

و يروى عن ابن عباس (1) انه رجع عن قوله و حكم بتحريم الربا مطلقا، و هو قول كل العلماء أيضا، فكان الحكم بتحريم الربا مطلقا إجماعي.

و يثبت الربا عندنا في المكيل و الموزون سواء كان مطعوما أولا، و قد تظافرت أخبارنا عن الأئمة (عليهم السلام) بذلك. و في المعدود عند بعض أصحابنا.

أما العامة فجعلوا علّة التحريم الطعم، و قاسوا المطعومات على البر و أمثاله مما ثبت فيه الربا إجماعا لعلة المطعومية أو الاقتيات أو نحوهما على خلاف بينهم. و نحن قد أبطلنا القياس في الأصول.

و كتب «الربا» (2) بالواو كالصلاة و الزكاة للتفخيم على لغة، و زيدت الألف

____________

(1) انظر تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي (قدّس سرّه) ج 1 ص 475 و نقل رجوعه أيضا في تفسير المنار ج 3 ص 117.

(2) قال الشوكانى في نيل الأوطار ج 5 ص 200 قال الزمخشري في الكشاف كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة و الزكاة و زيدت الالف تشبيها بواو الجمع و قال في الفتح الربا مقصور و حكى مده و هو شاذ و هو من ربا يربو فيكتب بالألف و لكن وقع في خط المصاحف بالواو انتهى.

قال الفراء انما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة و لغتهم الربو فعلموهم الخط على صورة لغتهم قال و كذا قرأه أبو سماك العدوي بالواو و قرأه حمزة و الكسائي بالألف بسبب كسرة الراء و قرأه الباقون بالتفخيم لفتحة الباء قال و يجوز كتبه بالألف و الواو و الياء انتهى و أجاز الكوفيون كتابة تثنيته بالياء بسبب الكسر في اوله و غلطهم البصريون انتهى ما في نيل الأوطار.

فعليه لكتابة الربا بالواو وجهان التفخيم و موافقة القراءة الشاذة فإنه قرئ بضم الباء و سكون الواو و في نثر المرجان ج 1 ص 369 و في الاحتجاج انما كتب بالواو للفرق بينه و بين الزنا.

أقول و هو ينتقض بما في سورة الروم من ربا بالألف كما في بعض المصاحف انتهى ثم قال في ج 5 ص 299 عند شرح الآية 29 من سورة الروم ربا بكسر الراء و اختلف في رسمه قال الداني و في الروم في بعضها اى بعض المصاحف و ما أتيتم من ربا بالألف بغير واو و في بعضها ربوا بالواو.

و قال صاحب الخزانة و تبعه صاحب الخلاصة ان رسمه بالألف بعد الباء من غير واو أكثر انتهى أقول و ليس كذلك بل هما سواء في الكثرة فإن الشاطبي قد قال «و ليس خلف ربا في الروم محتقرا» قال السخاوي في الوسيلة، معناه انه غير محتقر انما كتب بالوجهين كثيرا انتهى و توجيه الرسمين ان الرسم بالواو على لفظ التفخيم كما نص عليه الداني فالألف التي بعد الواو مزيدة تشبيها لها بواو الجمع في التطرف كما نص عليه في الكشاف و اما الرسم بالألف فقط فلانه ثلاثي واوي.

و رسم الجزري في مصحفه بالوجهين حيث الحق واو صفراء بين الباء و الألف إشارة إلى الخلاف ثم هو منون بالاتفاق انتهى ما في نثر المرجان قلت و قد بينا في ص 268 ج 2 من هذا الكتاب علة الزيادة في كتب المصاحف بما لا مزيد عليه فراجع.

40

بعدها تشبيها بواو الجمع.

«لٰا يَقُومُونَ» يوم القيامة (1) إذا بعثوا من قبورهم «إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ» الا قياما كقيام المصروع الذي يتخبطه الشيطان فيصرعه. و الخبط ضرب على غير الساق كخبط العشواء «مِنَ الْمَسِّ» أي الجنون.

و الكلام على التجوز، لأن الشيطان لا يصرع الإنسان على الحقيقة، و لكن من غلب عليه المرة أو السوداء و ضعف ربما يخيل اليه الشيطان أمورا هائلة و يوسوس اليه فيقع الصرع عند ذلك من فعل اللّه تعالى. و نسبته الى الشيطان مجازا لمكان وسوسته و قيل على الحقيقة، إذ يجوز أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس دون بعض امتحانا لهم و عقوبة على ذنب صدر منهم و لم يتوبوا منه، كما يتسلط بعض الناس على بعض فيظلمه و يأخذ ماله و لا يمنعه اللّه سبحانه عنه، و ليس في العقول ما ينافي ذلك.

____________

(1) و قرأ ابن مسعود لا يقومون يوم القيامة الا كما يقوم نقله في فتح القدير ج 1 ص 266 و أيد في المنار ج 3 ص 94 و الميزان ج 2 ص 438 قول ابن عطية ان المراد تشبيه المرابي في الدنيا بالمتخبط المصروع و للعلامة الطباطبائي مد ظله في تحقيق التشبيه بيان دقيق متين و أتم مما في المنار و انسب باستدلال الآية ذلك بأنهم قالوا انما البيع مثل الربوا فراجع.

41

و الجارّ متعلق ب «لٰا يَقُومُونَ» أي لا يقومون من المس الذي بهم من أكلهم الربا أو ب«يقوم» أو ب«يتخبط»، فيكون نهوضهم و سقوطهم كالمصروعين، لا لاختلال عقلهم و لكن لأن اللّه أربى في بطونهم ما أكلوه من الربا فأثقلهم، تلك سيماهم يعرفون بها يوم القيامة عند أهل الموقف، كما أن على كل عاص من معصيته علامة تليق به يعرف بها صاحبها. و قيل: الذين يخرجون من الأجداث يوفضون، الا آكلة الربا فإنهم ينهضون و يسقطون كالمصروعين لثقلهم فلا يقدرون على الايفاض.

«ذٰلِكَ» العقاب النازل بهم «بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا» أى بسبب انهم نظموا البيع و الربا في سلك واحد نظرا الى افضائهما الى الربح فاستحلوه استحلالا.

و انما لم يقل «انما الربا مثل البيع» لأن الكلام في الربا لا في البيع، و من حق القائس أن يشبّه بمحل الوفاق [لأنه لم يكن المقصود انهم تمسكوا بالقياس، بل كان غرضهم أن الربا و البيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة، فكيف يجوز تخصيص أحدهما بالحل و الآخر بالحرمة، و على هذا فأيهما قدم أو أخر جاز. و وجه آخر، و هو أن قولهم ذلك] نظرا الى مبالغتهم في ذلك، كأنهم جعلوا الربا أصلا و قانونا في الحل حتى شبهوا به البيع.

«وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» إنكار لتسويتهم بينهما و هدم لقياسهم، من حيث ان الحل و التحريم أحكام اللّه، فالحلال ما أحله اللّه و الحرام ما حرمه، و ليس وجود التماثل بين الشيئين كافيا في تساوى الحكم.

و فيه دلالة على أن القياس ليس بحجة، فإنه إذا عرف التساوي و لم يثبت الحكم بل كان مختلفا فيهما علم أن التساوي بمجرده لا يثبت حكما، بل يجوز الاختلاف فيه لحكمة يعلمها اللّه تعالى و لا يطلعون عليها، و حينئذ فكل موضع ثبت فيه التساوي كذلك لم يمكن ثبوت الحكم لجواز الاختلاف. فقول صاحب الكشاف (1) «ان فيه دلالة على ان القياس يهدمه النص» مع زعمه حجيته بعد ذلك باطل.

«فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ» فمن بلغه وعظ من اللّه و زجر بالنهي عن الربا

____________

(1) انظر الكشاف ج 1 ص 321 ط دار الكتاب العربي.

42

«فَانْتَهىٰ» فاتعظ و تبع النهي الوارد من اللّه «فَلَهُ مٰا سَلَفَ» أى ما أخذه من الربا سالفا قبل نزول التحريم و لا يسترد منه «وَ أَمْرُهُ إِلَى اللّٰهِ» يحكم في شأنه يوم القيامة إن شاء عذبه و ان شاء غفر له، و لا اعتراض لكم عليه.

[و على هذا ففيها دلالة ظاهرة على أن العفو من اللّه موجود، و هو يبطل قول الوعيدية] أو انّ امره بعد الأمر و النهي الى اللّه، فيجازيه على عمله الواقع بعد ذلك من الطاعة أو المعصية بامتثال الأمر أو ارتكاب النهي. أو انّ امره بعد الموعظة و التحريم الى اللّه، فان شاء عصمه عن اكله و ان شاء خذله.

و جميع ما ذكر من الوجوه دال على ملكية ما سلف قبل النهي، و ليس كونه له مشروطا بالانتهاء، بل عدم العقاب فيما يأتي مشروط به. فلا يرد أن مفهوم الشرط اقتضى انه إذا لم ينته لم يكن له، فيجب رده على مالكه خصوصا مع بقاء العين. لان هذا المفهوم غير معتبر إجماعا. و يمكن توجيه المفهوم بأن المراد أن له ما سلف من غير عقاب إذا اتعظ و انتهى، فلو لم ينته لم يكن له ما سلف سالما، بل هو مع العقاب فكأنه ليس له، إذ لا خير فيه مع ثبوت العقاب.

«وَ مَنْ عٰادَ» الى الربا فأخذه بعد ورود النهي «فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ» و في الآية وعد عظيم على آكل الربا، و هو يستلزم كونه من الكبائر، و قد انعقد إجماع المسلمين على ذلك و تظافرت الاخبار به.

روى الكليني (1) في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: درهم ربا أشد من سبعين زنية كلها بذات محرم.

و عن جميل (2) عنه (عليه السلام) قال: درهم ربا أعظم عند اللّه من سبعين زنية بذات محرم في بيت اللّه الحرام. و نحوهما من الاخبار.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 369 باب الربا الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 399 و رواه التهذيب ج 7 ص 14 بالرقم 81 و الفقيه ج 3 ص 174 بالرقم 782 و هو في الوسائل الباب 1 من أبواب الربا الحديث 1 ج 2 ص 597 ط الأميري.

(2) المجمع ج 1 ص 391 و رواه عنه و عن على بن إبراهيم في تفسيره في الوسائل الباب 1 من أبواب الربا الحديث 16.

43

و مقتضى التحريم كونه باطلا لا يترتب عليه الملك، فوجب دفعه الى صاحبه لأنه مال لم ينتقل عنه الى الآخذ بوجه من الوجوه المحلّلة كالغصب، و لو لم يعرف مالكه تصدق به عنه لأنه مجهول المالك.

و الظاهر بطلان العقد المشتمل عليه، لأن التراضي انما وقع على وجه غير مشروع، فلا يكون صحيحا من أصله. و على هذا أصحابنا و الشافعية، و قالت الحنفية يصح البيع و تبطل الزيادة و يجب ردها الى صاحبها. و هو ضعيف، فان ما وقع عليه التراضي لم ينعقد بالإجماع، و غيره لم يقع التراضي عليه، فلا وجه لوقوعه، إذ التراضي شرط في التجارة. و لان ما علم انتقال الملك به هو البيع الخالي من الربا و غيره لم يعلم انتقال الملك به، و الأصل عدم حصول الملك الا بدليل يوجب الانتقال.

و ما يقال من عموم وجوب الوفاء بالعقود و الإيفاء يقتضيه، ممنوع فانا لا نسلم تناوله مثل هذا، إذ الظاهر وجوب الوفاء بما اراده الشارع و رضي به منها لا ما نهى عنه.

هذا كله إذا فعله متعمدا، و لو فعله جاهلا بتحريمه فقد اختلف أصحابنا في وجوب رده على مالكه، فقال الشيخ في النهاية لا يجب رده، و هو الظاهر من ابن بابويه في المقنع (1)، و رواه في من لا يحضره الفقيه (2)، و على ذلك جماعة. و الأكثر على وجوب رده، و اليه ذهب ابن إدريس و قواه العلامة في المختلف.

و استدل الشيخ على عدم الرد بظاهر قوله تعالى «فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ» و هو يتناول المال الذي أخذه على وجه الربا جهلا، و بما رواه الكليني (3) في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل يأكل الربا و هو يرى انه له حلال؟ قال: لا يضره حتى يصيبه متعمدا، فإن أصابه متعمدا فهو بالمنزل الذي قال اللّه عز و جل.

____________

(1) انظر المقنع ص 125 باب الربو ليس فيه ما نقله المصنف.

(2) الفقيه ج 3 ص 175 الرقم 788.

(3) الكافي ج 1 ص 369 باب الربا الحديث 3 و هو في المرات ج 3 ص 399 و الوسائل الباب 5 من أبواب الربا الحديث 1 و روى مثله في التهذيب ج 7 ص 15 بالرقم 66 عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام).

44

و في الحسن (1) عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: اتى رجل أبى (عليه السلام) فقال: اني ورثت مالا و قد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه كان يربى و قد أعرف ان فيه ربا و استيقن ذلك و ليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه، و قد سألت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز فقالوا ما يحل اكله من أجل ما فيه.

فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ان كنت تعلم فيه مالا معروفا ربا و تعرف أهله فخذ رأس مالك، و رد ما سوى ذلك، و ان كان مختلطا فكله هنيئا فإن المال مالك، و اجتنب ما كان يفعل صاحبه، فان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد وضع ما مضى من الربا و حرم عليهم ما بقي، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه و وجب عليه فيه العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا.

و الجواب: أما عن الآية فلما عرفت من أن ظاهرها العفو قبل نزول النهي، أي في زمن الجاهلية كما أشرنا اليه، و العجب أن الشيخ في «ن» صرح بذلك و ذهب في النهاية إلى خلافه. و أما الحديث الأول فظاهره سقوط الذنب قبل المعرفة بالتحريم لا انه يملك ما أخذه في ذلك الوقت.

و أما الثاني فلأنه (عليه السلام) انما حكم بإباحته مع امتزاجه بالحلال بناء على أن الميت ارتكبه بجهالة و لم يعرف كونه ربا. و يجوز أن تكون الإباحة من حيث انه لا يعرف أن فيه ربا، و ان الاستيقان الذي ادعاه أولا استيقانه بأكل صاحبه الربا و ينبه على ذلك قوله (عليه السلام) «ان كنت تعلم ان فيه مالا معروفا ربا و تعرف أهله إلخ». على أنه لو كان ظاهرا فيما قالوه لوجب حمله على ما قلناه جمعا بين الأدلة و تحرزا عن أكل المال بالباطل- فتأمل فيه.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 369 باب الربا الحديث 5 و هو في المرات ج 3 ص 399 و رواه في التهذيب ج 7 ص 16 بالرقم 70 و الفقيه ج 3 ص 157 بالرقم 789 و في النسخة المطبوعة بالنجف من التهذيب اتى رجل الى ابى عبد اللّه مكان اتى رجل ابى و قد حكى الحديث في الوسائل الباب 5 من أبواب الربا الحديث 3 ج 2 ص 598 ط الأميري و لم يحك هذا الاختلاف في اللفظ.

45

و استدل صاحب الكشاف (1) بظاهر الخلود على تخليد الفساق. و فيه منع، إذ يجوز أن يكون التخليد لاستحلالهم الربا و إنكارهم ما علم من الدين ضرورة، فإن ذلك يوجب كفرهم. علي أنا لو سلمنا أن المراد عدم الاستحلال فحمل الخلود على المكث الطويل ممكن. و إطلاق الخلود على مثله غير عزيز، فلا ينافي الأدلة العقلية القائمة على عدمه كما ثبت في محله.

ثم انه تعالى أكد التحريم بقوله «يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا» يذهب ببركته و يهلك المال الذي يدخل فيه و يبقى الإثم على صاحبه. و قد قيل (2) للصادق (عليه السلام): قد نرى الرجل يربى فيكثر ماله. قال: يمحق اللّه دينه و ان كثر ماله. و عن ابن عباس في تفسير المحق:

ان اللّه تعالى لا يقبل منه صدقة و لا جهادا و لا منحا و لا صلة.

«وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ» ينميها و يزيدها و يضاعف ثوابها و يبارك فيما أخرجت منه [أما في الدنيا فلأن من كان للّه كان اللّه له، فإذا كان الإنسان مع فقره و حاجته يحسن الى عبيد اللّه فاللّه مع غناه لا يتركه ضائعا، و أما في الآخرة فلما] روي في الحديث عنه (3) (صلّى اللّه عليه و آله) «ان اللّه يقبل الصدقة فيربيها كما يربي أحدكم مهره حتى ان اللقمة لتصير مثل أحد» و عنه (4) «ما نقصت زكاة من مال قط». و تتفاوت حال التربية بحسب دفعها الى محالها الأحوج و حسن النية فيها.

و النكتة في الآية ان المربي إنما يطلب بالربا الزيادة، و مانع الصدقة انما يمنعها

____________

(1) انظر الكشاف ج 1 ص 321.

(2) المجمع ج 1 ص 390 و روى قريبا منه في المضمون في التهذيب ج 7 ص 15 بالرقم 65 فبما بينه لنا أئمتنا مهابط الوحي و التنزيل في تفسير الآية يندفع ما أورده في المنار ج 3 ص 100 على المفسرين من تفسيرهم المحق بذهاب البركة بأن هذا مكابرة للمشاهدة و الاخبار.

(3) المجمع ج 1 ص 390 و انظر أيضا الدر المنثور ج 1 ص 365.

(4) أخرجه في الكشاف ج 1 ص 321 ط دار الكتاب العربي قال ابن حجر من رواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ ما نقصت صدقة من مال الحديث. و رواه البزار من هذا الوجه فزاد قط.

46

لطلب زيادة المال، فبين تعالى ان الربا سبب النقصان لا سبب النماء، و ان الصدقة سبب النماء لا النقصان، فعلى العاقل أن لا يلتفت الى ما يقضى به الحس و الطبع و يعول على ما ندب اليه العقل و الشرع.

«وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ كُلَّ كَفّٰارٍ» مصرّ على تحليل المحرمات، فعال من الكفر «أَثِيمٍ» منهمك في ارتكابه متماد في إثمه بأكله. و في الآية تغليظ عظيم في أمر الربا و إيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين. و في المجمع و انما لم يقل كل كافر لأنه إذا استحل الربا صار كافرا، و إذا كثر اكله له مع الاستحلال فقد ضم كفرا الى كفر.

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا» و اتركوا بقايا ما اشترطتم على الناس من الربا «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» بقلوبكم، فان دليل الايمان امتثال ما أمرتم به.

قيل كان الوليد بن المغيرة في زمن الجاهلية يربي (1)، و قد بقي له بقايا على ثقيف، فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد ان أسلم، فنزلت، و هو المروي عن ابى جعفر (عليه السلام). و قيل كان لثقيف على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال و الربا فنزلت.

فان قيل: كيف قال «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» ثم قال في آخره «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» قيل فيه وجوه: منها أن هذا كما يقال «ان كنت أخي فأكرمني» معناه من كان أخا أكرم أخاه. و منها ان معناه ان كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالايمان. و منها أن معناه يا أيها الذين آمنوا بلسانكم ذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين بقلوبكم.

و قد يستدل بظاهر الآية على أن الإنسان إنما يصير مؤمنا على الإطلاق مع تجنب كل الكبائر. و يجاب بأن المراد ان كنتم عاملين بمقتضى الأيمان، فإن العمل لا يدخل في الايمان كما هو المذهب المنصور.

«فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا» و لم تتركوا البقايا من الربا «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ» أي فاعلموا و تيقنوا ذلك من اذن بالشيء إذا علم به. و قرأ حمزة «فآذنوا» فأعلموا بها غيركم، من الاذن و هو الاستماع فإنه من طريق العلم. و تنكير «حرب» للتعظيم. و المعنى

____________

(1) انظر المجمع ج 1 ص 392 و انظر أيضا الدر المنثور ج 1 ص 364.

47

فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند اللّه و رسوله [و المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب، أو المراد الحرب نفسه، و المراد أن من أصرّ على أكل الربا ان كان شخصا واحدا و قدر الامام عليه قبض عليه و أجرى فيه حكم اللّه من الحبس و التعزير الى أن يظهر منه التوبة، و ان كان ممن له شوكة حاربه].

و استدلّ بها على قتال المربي حتى يرجع كما يقاتل تارك الزكاة الى أن يؤديها قيل لما نزلت قال ثقيف لا يدي لنا بحرب اللّه و رسوله، أي لا طاقة لنا به.

«وَ إِنْ تُبْتُمْ» من الارتباء «فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ» فقط لا الزيادة التي شرطتموها فإنها مال الغير و لم يخرج عن ملكه «لٰا تَظْلِمُونَ» المديونين بطلب الزيادة على رؤوس الأموال «وَ لٰا تُظْلَمُونَ» بالنقصان منها. و مقتضى الشرط انهم إذا لم يتوبوا ليس لهم رؤوس أموالهم. قال القاضي (1) و هو سديد على ما قلناه، إذ المصر على التحليل مرتد و ماله فيء و قال في الكشاف (2) يكون ماله فيئا.

قال بعض أصحابنا: و هذا ليس بشيء، لأنا نمنع انه إذا لم يتب يكون مرتدا لجواز أن يفعله و يعتقد تحريمه.

و لا يخفى عليك ما فيه، فان القاضي قدر في الآية ان تبتم من اعتقاد حل الربا فلكم رؤوس أموالكم، و مقتضى المفهوم انهم إذا لم يتوبوا عن اعتقاد الحل بل بقوا عليه كانوا مقيمين على الكفر، إذ اعتقاد الحل فيه كفر، و حينئذ فلا وجه لأن يقال عليه انه يفعله مع اعتقاد التحريم، لأن ذلك غير مفهوم الشرط، الا ان يقال لا حاجة الى التقييد، و فيه ما فيه.

على ان صاحب الكشاف لم يصرح بكونه مرتدا و ان حكم بأن ماله فيء للمسلمين و يجوز أن يكون له وجه في ذلك غير ما ذكره القاضي، و لو كان هو فقد عرفته.

و يمكن دفع ما قالاه- بعد تسليم الارتداد- بأن مال المرتد لا نسلم أنه فيء للمسلمين، إذ هو اما عن فطرة و ماله ينتقل الى وارثه، فان الارتداد في حقه بمثابة

____________

(1) البيضاوي ج 1 ص 269 ط مصطفى محمد.

(2) الكشاف ج 1 ص 322 ط دار الكتاب العربي.

48

الموت الموجب قسمة أمواله بين ورثته، و ان كان عن ملة فما له باق على ملكه و ان كان محجورا عليه في التصرف فيه [فمتى عاد إلى الإسلام انفك الحجر عنه و ان مات فهو لورثته المسلمين ان كانوا و الا فلبيت المال].

و على هذا أصحابنا أجمع، و في الاخبار دلالة عليه أيضا، فإن كان العامة يوافقونا في ذلك لم يتم ما ذكراه، و الا فيمكن أن يقال الأصل عدم خروج ملك الشخص عنه الا بدليل واضح، و الآية غير واضحة في ذلك، مع أن المفهوم انما يصار إليه إذا لم يكن في الكلام فائدة سواه، و لا نسلم أنه هنا كذلك. سلمنا لكن نقول المنطوق حصول رأس المال فقط، فمفهومه عدم حصوله فقط، و هو كذلك لحصول العقاب معه أيضا. أو نقول منطوق الآية ان التائبين عن فعل الربا أو تحليله لهم تمام رأس مالهم حالكونهم غير ظالمين لأنفسهم بترك التوبة و لا لغيرهم بطلب ما لا يستحقونه و لا مظلومين بحصول عقاب من عند أنفسهم أو بنقص مالهم فجملة «لا يظلمون» حال.

و مفهوم الآية انهم إذا لم يتوبوا لا يكونون كذلك، و هو حق، فإنهم ليس لهم رأس مالهم مع الحال المذكور، أعني عدم ظلمهم أنفسهم و غيرهم، بل مع نقيضها، إذ هم حينئذ ظالمون أنفسهم بل غيرهم أيضا، و مظلومين أيضا لظلمهم أنفسهم. و هذا المقدار يكفي لاعتبار المفهوم، فان ارتفاع المركب يكفي فيه ارتفاع أحد اجزائه.

و بالجملة يستبعد خروج ملك الشخص عنه من غير أن ينتقل الى وارثه بمجرد الردة و يصير ماله فيئا للمسلمين، خصوصا مع احتمال الرجوع و قبول التوبة منه، مع ان الأصل يقتضي بقاء المال على ملكية صاحبه و لا يخرج عنه الا بوجه شرعي ناقل عنه الى غيره، و كون ما ذكروه ناقلا غير معلوم- فتأمل.

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً» أي لا تزيدوا زيادات مكررة و لا تضاعفوا به أموالكم، أو لا تضاعفوا الزيادة أضعاف الأصل، أو أضعاف ما يتعارف في الربح. و لعل التخصيص بذلك نظرا الى ما هو الواقع، إذ كان الرجل منهم يربى إلى أجل فإذا بلغ الدين محله زاد في الأجل بزيادة من المال، و هكذا حتى يستغرق بالشيء الطفيف مال المديون [و الا فأكل الربا محرّم و ان لم يكن بهذه المثابة].

49

«وَ اتَّقُوا اللّٰهَ» فيما نهاكم عنه و احذروا الأفعال الموجبة لدخول النار «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» لكي تفوزوا بإدراك ما تأملونه.

«وَ اتَّقُوا النّٰارَ» أي الأفعال الموجبة لدخولها كأكل الربا و نحوه «الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ» و فيه تنبيه على أن النار بالذات معدة للكفار، فدخول غيرهم من الفساق انما يكون على وجه التبع، و لقد وقع التكرار في الآيات الدالة على تحريم الربا للتأكيد و للمبالغة في التحرز عنه و الاجتناب منه.

و اعلم ان هذه الآيات و ان اقتضت التحريم في جميع ما يمكن فيه الزيادة، الا ان أصحابنا خصوها بالزيادة الحاصلة في المكيل أو الموزون إذا بيع بمثله، و كذا المعدود عند بعضهم. و كذا اقتضت عموم التحريم بالنسبة الى جميع المكلفين، لكن أصحابنا (1) خصصوها ببعض المواضع التي دل الدليل (2) على جواز الربا فيها، كالربا بين الوالد و ولده و الزوج و الزوجة و المسلم و الحربي و السيد و العبد. و أخذ بعض العامة بظاهر العموم فمنع في الجميع، و تفصيل ذلك يعلم من كتب الفروع.

الثالثة:

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَ لٰا يَظُنُّ أُولٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النّٰاسُ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ.

«وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» التطفيف البخس في الكيل أو الوزن، أى التنقيص على وجه الخيانة. و الطفيف النزر القليل. و التركيب يدل على التقليل. قال الزجاج: و انما قيل له مطفف لأنه لا يكاد يسرق الا الشيء الطفيف. قيل كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلا الى ان أنزل اللّه الآية فأحسنوا الكيل.

«الَّذِينَ إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ» أي إذا اكتالوا من الناس حقوقهم

____________

(1) انظر الباب 6 من أبواب الربا من الوسائل ج 2 ص 599 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 480.

(2) انظر الباب 7 من أبواب الربا من الوسائل ج 2 ص 599 و ج 2 ص 480 من مستدرك الوسائل.

50

لأنفسهم يأخذونها وافية. و الاكتيال الأخذ بالكيل، و نظيره الاتزان، و هو الأخذ بالوزن. و لم يذكر الاتزان لأنهما مما يقع البيع و الشراء بأحدهما، فذكر أحدهما يدل على الآخر. و الجار متعلق باكتالوا، و الأصل أن يقال اكتالوا منهم، لكن لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم و يتحامل فيه عليهم أبدل «على» مكان «من» للدلالة علي ذلك.

و يجوز أن يتعلق بيستوفون و تقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أى يستوفون على الناس خاصة فأما أنفسهم فيستوفون لها. و قيل انّ من و على يعتقبان هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال اكتلت عليك أراد أخذت ما عليك، و إذا قال اكتلت منك أراد استوفيت منك.

«وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ» أى كالوا لهم أو وزنوا لهم، و المعنى أنهم إذا كالوا لغيرهم أو وزنوا له «يُخْسِرُونَ» ينقصون في الكيل و الوزن، و الكلام من باب الحذف و الإيصال، لأن كالوا و وزنوا يتعدى باللام. يحتمل أن يكون على حذف المضاف و اقامة المضاف إليه مقامه، و المقدر المضاف هو المكيل و الموزون، و التقدير و إذا كالوا مكيلهم أو وزنوا وزنهم.

قال في الكشاف: و لا يحسن أن يكون ضميرا مرفوعا للمطففين، لأن الكلام يخرج به الى نظم فاسد، و ذلك لأن المعنى إذا أخذوا من الناس استوفوا و إذا أعطوهم أخسروا، و ان جعلت الضمير للمطففين انقلب الى قولك إذا تولوا الكيل و الوزن هم على الخصوص أخسروا، و هو كلام متنافر، لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر- انتهى.

و حاصله ان المقصود بيان حالهم في الأخذ من الناس و الدفع إليهم، و ليس المقصود مجرد مباشرة الكيل و الوزن، فلو حمل عليه فاتت المقابلة بين القسمين و خرج الكلام عن النظم الصحيح، و كما لا يصح كونه تأكيدا لا يصح كونه فصلا لأنه انما يكون بين المبتدأ و الخبر و نحوه، و هو غير حاصل هنا.