مشارق الشموس في شرح الدروس - ج1

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
449 /
1

الطهارة/ بسمه تعالى (1) مشارق الشموس في شرح الدروس للمولى المحقق المدقق، العلامة حسين بن جمال الدين محمد الخوانساري، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث

[المقدمة]

ترجمة المصنف (قدس سره) ملخصاً عن كتاب روضات الجنات

التي ألفها العالم الفاضل الكامل البارع سناد الفقهاء و المحققين، سيد العلماء و المجتهدين، السيد محمد باقر الخوانساري دام ظله العالي.

و هو الشيخ الشهيد و السمح السعيد و الركن العميد و القطب الحميد شمس الملة و الدين أبو عبد اللّٰه محمد بن الشيخ جمال الدين مكي بن الشيخ شمس الدين محمد بن حامد بن أحمد النبطى العاملي الجزيني و هذا الرجل الأجل الأبجل هو المراد بالشهيد الأول و بالشهيد المطلق أيضاً في كلمات جميع أهل الحق و كان (ره) بعد مولانا المحقق على الإطلاق أفقه جميع فقهاء الآفاق و أفضل من انعقد على كمال خبرته و استاديته، اتفاق محل الوفاق و توحده في حدود الفقه و قواعد الأحكام مثل تفرد شيخنا الصدوق (ره) في نقل أحاديث أهل البيت الكرام (عليهم السلام) و المحقق الخوانساري في 52500 توقد القريحة و التصرف الجيد في كل مقام و قد

2

كان معظم اشتغاله في العلوم عند فخر الدين بن العلامة المرحوم و له الرواية أيضا عنه بالإجازة التي كتبها له بخطه الشريف على ظهر كتاب القواعد، عند قرائته عليه و من جملة ما كتبه هناك فيما نقل عنه (قدس سره) ما صورته هكذا، قرأ علي مولينا الإمام العلامة الأعظم أفضل علماء العالم، سيد فضلاء بنى آدم، مولانا شمس الحق و الدين، محمد بن مكي بن محمد بن حامد أدام اللّٰه أيامه من هذا الكتاب مشكلاته، إلى أن كتب و أجزت له رواية جميع كتب والدي (قدس سره) و جميع ما صنفه أصحابنا المتقدمون (رضى اللّٰه عنهم) عنى عن والدي عنهم، بالطرق المذكورة لها، إلى آخر ما ذكره.

و من جملة أساتيده الكابرين أيضاً المجيزين له في الاجتهادات و الرواية، هما الأخوان المعظمان، المسلمان المقدمان، السيد عميد الدين عبد المطلب و السيد ضياء الدين عبد اللّٰه الحليان الحسينيان و له الرواية أيضاً بالإجازة و غيرها عن جماعة أخرى كابرين و معتمدين من المحدثين و المجتهدين.

و يروى أيضاً مصنفات العامة عن نحو أربعين شيخاً من علمائهم، كما ذكره في بعض إجازاته و أمّا الأخذ منه و الرواية عنه و التلمذ لديه، فهي أيضاً لجملة من علمائنا الأعيان و جمة من عظماء ذلك الزمان، منهم أبنائه الأمجاد الثلاثة و منهم الشيخ مقداد السيوري، صاحب كتاب التنقيح و غيره و الشيخ حسن بن سليمان الحلي، صاحب مختصر بصائر الدرجات و السيد بدر الدين حسن بن أيوب، الشهير بابن نجم الدين الأعرج الحسيني و منهم الشيخ شمس الدين محمد بن فجده، الشهير بابن عبد العالي و منهم الشيخ شمس الدين محمد بن عبد العالى

3

الكركي و منهم الشيخ زين الدين على بن الخازن الحائري، شيخ رواية أحمد بن فهد الحلي فمما صنفه (ره) كتاب القواعد و الفوائد في الفقه، مختصر يشتمل على ضوابط كلية أصولية و فرعية، يستنبط منها أحكام شرعية لم يعمل الأصحاب مثله و من ذلك كتاب الدروس الشرعية، في فقه الإمامية و من ذلك كتاب غاية المراد في شرح الإرشاد، في الفقه و من ذلك شرح التهذيب الجمالى، في أصول الفقه و من ذلك كتاب اللمعة الدمشقية مختصر لطيف، في الفقه و من ذلك رسالتان في الصلاة، تشتملان على حصر فرضها و نفلها، في أربعة آلاف مسألة مجازاة، لقولهم (عليهم السلام) للصلاة، أربعة آلاف باب و غير ذلك.

هذا، و قد ذكره صاحب الأمل، بعنوان الشيخ شمس الدين، أبو عبد اللّٰه الشهيد، محمد بن مكي العاملي الجزيني و قال: في صفته كان عالماً ماهراً فقيهاً محدثاً ثقة متبحراً كاملًا جامعاً لفنون العقليات و النقليات زاهداً عابداً ورعاً شاعراً أديباً منشئاً فريد دهره و عديم النظير في زمانه.

روى عن الشيخ فخر الدين، محمد بن العلامة و عن جماعة كثيرة من علماء الخاصة و العامة و كانت وفاته (ره) سنة ست و ثمانين و سبعمائة 786، التاسع من جمادى الأولى، قتل بالسيف ثمّ صلب ثمّ رجم بدمشق، في دولت بيدمرد و سلطنة برقوق بفتوى القاضي برهان الدين المالكي و عباد بن جماعة الشافعي، بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام و في مدة الحبس ألف اللمعة الدمشقية في سبعة أيام و ما كان تحضره من كتب الفقه غير المختصر النافع و كان سبب حبسه و قتله أنّه وشى به رجل من أعدائه و كتب محضرا يشتمل على مقالات شنيعة عند

4

العامة من مقالات الشيعة و غيرهم و شهد بذلك جماعة كثيرة و كتبوا عليه شهاداتهم و ثبت ذلك عند قاضى صيدا، ثمّ أتوا به إلى قاضي الشام فحبس سنة، ثمّ أفتى الشافعي بتوبته و المالكي بقتله فتوقف في التوبة خوفاً من أن يثبت عليه الذنب و أنكر ما نسبوه إليه للتقية فقالوا قد ثبت ذلك عليك و حكم القاضي لا ينقض و الإنكار لا يفيد فغلب رأى المالكي، لكثرة المتعصبين عليه فقتل ثم صلب و رجم ثمّ أحرق (قدس اللّٰه روحه) سمعنا ذلك من بعض المشايخ و ذكر أنّه وجده بخط المقداد، تلميذ الشهيد (ره)، انتهى كلام الأمل. (3)

ترجمة الشارح (قدس سره) ملخصاً عن كتاب روضات الجنات أيضاً

و هو أستاد الكل في الكل عند الكل و جنة العلم و الفضل الدائمة الأكل بحر البهية و نهرها الجاري و كنز الحكمة و رشحها الساري، الآقا حسين بن الفاضل الكامل، جمال الدين محمد الخوانساري، أفيضت على تربته الزاكية سبحان رحمة ربه البارئ.

أصله و مولده

القصبة المدعوة بخوانسار و كان (رحمه اللّٰه) قد انتقل من قبل بلوغه الأشد إلى أصفهان، لاستفادة العلوم و اكتساب الحكم و المعارف من علمائها الأعيان و نزل في مدرسته خواجه ملك، التي هي بجنب مسجد الشيخ لطف اللّٰه، الواقع في ميدان الشاه فبقي (رحمه اللّٰه) هنالك مشغولًا بالإفاضة و الإرشاد، غب استفاضته على حسب المراد من ميامن أنفاس كل أستاد، إلى أن جاء بمرور قليل من الدهر، فائقاً على سائر أساتيد علوم السر و الجهر و قد ذكره صاحب مناقب الفضلاء بهذه العبارة.

و منهم العلامة الفهامة المحقق المدقق النحرير، أفضل العلماء في القرون

5

و الأدوار و مفخر الفضلاء في الأمصار و الأقطار، أستاد الحكماء و المتكلمين و مربى الفقهاء و المحدثين، محط رحال أفاضل الزمان و مرجع الفضلاء في جميع الأحيان، أكمل المتبحرين و أفضل المتقدمين و المتأخرين، المعروف بطنطنة الفضل بين لابتي المشرقين، المولى الثقة العدل آقا حسين أحله اللّٰه أعلى غرف الجنان و أفاض على تربته شآبيب الغفران.

و قال صاحب السلافة، مورداً إياه في زمرة علماء عصره: و منهم الآقا حسين الخوانساري، علامة هذا العصر الذي عليه المدار و إمامه، الذي يخضع لمقداره الأقدار.

و في أمل الأمل: أنّه فاضل عالم حكيم متكلم، محقق مدقق، ثقة جليل القدر، عظيم الشأن، علامة العلماء، فريد العصر، له مؤلفات: منها: شرح الدروس حسن، لم يتم و عدة كتب في الكلام و الحكمة و ترجمة القرآن الكريم و ترجمة الصحيفة و غير ذلك من المعاصرين، أطال اللّٰه بقائه، أقول و شرحه المشار إليه على الدروس، كبير موسوم بمشارق الشموس، لم يصنف مثله في كثرة التحقيق و جودة الاستدلال و حسن البيان و تفصيل المطلب و الاشتمال على أغلب القواعد الأصولية و الضوابط الاجتهادية.

قال صاحب رياض العلماء، عقيب نبذ وافٍ من محامد أوصافه الباهرة

قد قرأ عليه فضلاء الزمان و العلماء الأعيان، في المعقول و المنقول و الفروع و الأصول، لم ير عين الزمان بمن يدانيه فكيف بمن يساويه؟ و لعمر اللّٰه إنّه كان عين الكمال فأصابه عين الكمال و كان ظهراً و ظهيراً، لكافة أهل العلم و حصناً

6

حصيناً، لأرباب الفضل و السلم و هو (قدس سره) كما قد أخبر عن درجة نفسه، من باب لطيفة خاطره، كان تلميذاً للبشر، لكثرة مشايخه

انتهى.

[تلاميذه]

ثم إن من جملة تلاميذه النبلاء، ولديه المحققين، الآقا جمال الدين محمد و الآقا رضى الدين أخاه و منهم: الأمير محمد صالح، الخاتونآبادي، ختن العلامة المجلسي ره و قد قرأ عنده الحاشية القديمة و شرح الإشارات و الشفا و شرح مختصر الأصول و شرح اللمعة، مدة عشرين سنة كما ذكره في حدائق المقربين و منهم المدقق الشروانى محشي أصول المعالم و الشيخ جعفر القاضي و السيد نعمة اللّٰه الجزائري.

و منهم: المولى محمد بن عبد الفتاح التنكابنى، المعروف بسراب و منهم: السيد الآميرزا فخر الدين المشهدي الخراساني، الفاضل المتكلم الحكيم

[مصنفاته]

و من جملة مصنفاته أيضاً غير ما سبق لك ذكره حاشية على شرح الإشارات و أخرى يرد فيها على صاحب الذخيرة فيما كتبه عليه و حاشيتان على كتاب الشفا يرد في واحدة منهما أيضا على ما كتبه هو أولًا في الرد عليه و حاشيتان على الحاشية القديمة الجلالية لم يتم، إحديهما: رسالة في نفى وجوب مقدمة الواجب، تعرض فيها للرد على السبزواري و الفاضل القزويني و النائينى و أخرى في مسائل متفرقة، يرد فيها على المدقق الشروانى و رسائل متفرقة في دفع بعض الشكوك و الشبهات، منها: شبهة الإيمان و الكفر و شبهة الاستلزام و شبهة الطفرة و غير ذلك.

و اعتذر صاحب الحدائق عن كثرة اشتغاله في أغلب عمره بالمراتب الحكمية، بان من بركات انتقاله ذلك، انكسرت صولة أصول الفلاسفة و انهدام أساس قواعد المقررة عندهم، التي كانت مسلمة عند الحكماء من زمن المعلم الأول و الثاني و الثالث، الذي هو أبو علي سينا و كانت تنافر ظواهر الكتاب و السنة

7

و تورث اعتقادها الضلالة و لم ينكرها أحد قبل هذا الفحل المعظم له فحفه في الحقيقة أعظم حقوق علماء العالم على الإسلام فإن ذلك لم يكن من قوة أحد غيره.

ثم إن في بعض المواضع أنّه كان في حدة الذهن و شدة الإدراك و حذاقة الخاطر و سرعة الانتقال، بحيث لم يحتج إلى إعمال زيادة فكرة في فهم المطالب و لا يتكلم في المجامع، إلّا قليلًا بحسب الضرورة و لا يتفوه أبداً، إلا بما لم يتيسر لأحد رده

[وفاته و مدفنه]

و توفي (ره) أيضاً بأصفهان في آخر سنة تسع و تسعين، بعد الألف من الهجرة، كما في حدائق المقربين و دفن في مزاره الكبير الواقع من وراء نهر زندهرود المعروف بتخت فولاد فأمر السلطان الشاه سليمان الصفوي ببناء قبة عالية على مرقده الشريف و عمارة بقعته الزكية بأحسن ما يكون من شريف و دفن بجنبه أيضاً من غير فاصلة، ولده الآقا جمال الدين، بل من خلفهما، الآقا رضى الدين، كما نقله الثقات و من كرامة ذلك الموضع المطهر، أنّه لا يوجد في ذلك المزار فضلًا عن سائر مقابر الأقطار، بقعة يكون أكثر زواراً منه و أدوم هجوماً لديه و قد وافق تاريخها قوله تعالى ادْخُلِي جَنَّتِي و قد تم ما أردنا إيراده في هذه الورقة فالحمد الله أولًا و آخراً (4)

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

كتاب مشارق الشموس في شرح الدروس للمولى المحقق المدقق أستاذ الكل في الكل عند الكل غريق رحمة البارئ آقا حسين الخوانساري

10

[خطبة الشارح]

بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد لله مفيض النعم الروائع و ملهم الحكم و الشرائع، الواهب من أصول النعم و فروعها، ما يعجز العقول عن نيل غايته و يقف جمل العقود دون إدراك نهايته، منّ على عباده بالهداية إلى معالم الدين و أخرجهم من ظلمات الجهالة إلى نور اليقين، أنعم عليهم بإرشاد أذهانهم إلى قواعد الأحكام، و أضاء بلمعة من لطفه مسالك أفهامهم، كي يهتدوا إلى شرائع الإسلام.

11

نوّر بمصابيح الدراية قلوبهم، لينقذهم من حيرة الجهالة و شرح بأنوار الهداية صدورهم، خلاصاً لهم من حومة الضلالة، أنزل الكتاب فيه تبيان كل شيء و تميز الرشد من الغيّ، تفضل بإرسال الرسل و إيضاح السبل، كي لا يضل بهم الطرق عن مدارك معرفته، و بيّن الآيات و نصب البينات، حتّى لا يعذر أحد في ترك طاعته لم يعتور أمره التباس و لم يغير حكمه قياس.

نحمده حمداً يليق بكبريائه و نشكره شكرا يستوجب المزيد بعد المزيد من آلائه و نقر بتوحيده (1) إقراراً ينفعنا يوم لقائه و نشهد أن لا إله إلّا اللّٰه و نشهد أن محمداً رسول الأمي، الذي أتى بكتاب عجز عن نيل مبانيه مصاقع الفصحاء و حار دون إدراك معانيه أقلام العلماء التهامي، الذي شرف كل غور و نجد المكي، الذي منه فاض على الآفاق، كل فضل و مجد الآخر الذي مدّ الأولون عين الرجاء إلى شفاعته الخاتم، الذي لم يخرج من حلقة الذل من لم يتحل بفص طاعته.

أرسله رحمة للعالمين و هداية للخلق أجمعين و مؤسساً للملة السمحاء و مورداً إلى الشريعة البيضاء فقام بأعباء الرسالة، حتّى تجدد ذكر المعارف الوحيدية، غب طموسها و انكشف بيان السرائر الإلهية، بعد دروسها و كان إتمام الدين و إكمال النعمة أن نصب للخلق باب مدينة العلم هادياً إلى ثواب الأعمال و عقابها و كاشفاً عن الأمة غياهب ارتيابها و آله الهداة المرضيين، أئمة للعباد و حفظة للأحكام إلى يوم التناد.

اللهمّ فصلّ عليه و آله البررة الأخيار، الذين من أجمع على متابعتهم

____________

(1) في خ «ب»: توحيد

12

و استصحب هدى طريقتهم فاز بالبراءة من النار، كما بلغوا جملة آياتك و حلوا (1) عن سنن بيناتك صلاة باقية ما استخرج التفاصيل من الجمل و اتضح بالمبين المجمل.

أمّا بعد، فيقول الراجي إلى رحمة ربه البارئ حسين بن جمال الدين محمد الخوانساري أوتيا كتابهما يميناً و حوسبا حساباً يسيراً: إنّ العلوم على شرف جلّتها و رفعة مكانها و حلتها، متفاضلة في مدى الفخار، متفاوتة في المزايا و الآثار و أشرفها دراية و رواية و أفضلها معلولًا (2) و غاية و أسدها دليلًا و حجة و أوضحها مناراً و محجة و أعظمها للراغب منفعة و أورثها للطالب رفعة، بعد علم المعرفة علم الفقه، الذي به يعرف ما كلف به العباد و يفرق بين الغي و الرشاد و يميز بين ما ينجي و يوبق يوم التناد.

و منه يشرح آيات كلام ربّ العالمين و يوضح سنن خير المرسلين و آثار عترته الطاهرين و به تنال السعادة الأبدية و يدرك الفوز بالحيوة السرمدية، فمن تمسك بالفقه الأحمدي فله البشرى و هو الفاخر بنيل منتهى المطلب في الآخرة و الأولى و الفقيه الذي فاز باستبصار كاف في تهذيب عمله و المهذب الجامع لخصال أدرك بها غاية مراده و أمله.

و لما كان كتاب الدروس الشرعية في فقه الإمامية من تصانيف شيخنا الأجل المحقق و الحبر المسدد المدقق، أفضل المتأخرين و أكمل المتبحرين، عمدة علماء الفرقة الناجية، بل الذي لم يظفر بمثله في القرون الماضية، الحائز

____________

(1) في نسخة «ب»: جلوا

(2) في نسخة «ب»: معلوماً

13

لمرتبة السعادة، الفائز بمنقبة الشهادة، محمد بن مكي، أعلى اللّٰه تعالى درجته، كما شرف خاتمته أحسن الكتب المصنفة تحقيقاً و تهذيباً و أتقن الرسائل المؤلفة تدقيقاً و تقريباً و أكثرها اشتمالًا على الفروع التي تعم بها البلوى و أسدها تنقيحاً للمسائل التي تشتد الحاجة إليها، أجبنا أن نشرحه شرحاً يوضح مقاصده الدقيقة و يجلي مطالبه الأنيقة و يبين حقائق إنظاره و يظهر دقائق أفكاره، غير مقتصرين على حل الكتاب و بيان مبانيه و لا مكشفين بكشف الحجاب عن عرائس معانيه، بل أوضحنا في كل مسألة مقاصد من تكلم فيها و أشبعنا القول فيما يصح أن يقال لها أو عليها.

و أوردنا من الأدلة، ما أمكن بلوغ الفهم إليها و أطلقنا النظر في متن كل دليل و سنده و أجلنا الفكر في رد كل مذهب و نقده و أنعمنا سر الأقوال في الإبرام و النقص و أمعنا الغور في ترجيح بعضها على بعض و سميناه مشارق الشموس في شرح الدروس و جعلناها تحفة للخزانة العامرة التي هي بذخائر العز غامرة، أعني خزانة السلطان الأعظم، و الخاقان الأفخم، مالك رقاب الأمم، ناشر لواء المعدلة في البسيطة الغبراء، رافع أعلام المجد إلى القبة الخضراء، مالك ملاك السلطنة العظمى و الدولة الكبرى، دافع مهالك البغي و الفساد، عارف مسالك الهدي و الرشاد، أسنى الملوك نسباً و حسباً و أعلاهم موروثاً و مكتسباً و أعظمهم شأناً و سلطاناً و أشدهم إيماناً و إيقاناً و أسدهم قولًا و بياناً، خضع للرب فتعاظم في الورى سلطانه و استخف ميزان الدينار، كي يثقل في الحشر ميزانه، النسر الطائر واقع دون قبته و السماك الرامح، أعزل لدى شوكته عتبة العلية، شماء بارع قدرها

14

و حضرته السنية، سماء بازغ بدرها، من وضع جبهته العبودية على بابه لم يرض بالإكليل تاجاً و من استضاء بصبح عزته، أنف من القمر سراجاً، قبة مجده بادية لكل حاضر و باد و عين عدله صافية يردها كل ري و صاد، يطلع صبح العزة من غرّته و يطلع على سرّ العظمة من أسرته.

جوده العميم دليل يدرك به أصناف الخلق مطلبهم و كفه الكريم بحر يغرف منه كل أنا س مشربهم، لو كان قيصر الروم، يروم العز لم يقصّر في متابعته و لو أن ملك الهند صاحب (1) الرأي، لرأي السعادة في إطاعته، زهر الشجرة المصطفوية، غصن الدوحة (2) المرتضوية، سراج الدولة (3) الصفوية، ماحي آثار الجور و العناد، حامي إرجاء البلاد و العباد، مروج أحكام الشريعة الحقة في الخافقين، ناشر آثار الفرقة المحقة في المشرقين و المغربين، مولى ملوك الورى من لا يقاس به عزاً و مجداً و إحساناً و تمكيناً

ذو العرش أعطاه سلطاناً و مكنه * * * كي يظهر العدل في الآفاق و الدنيا

جنوده لا يهابون العدو و هل * * * يخاف حزب السليمان الشياطينا؟!

أنّي يؤثر جحد الناس قدركم * * * حاء ميم حام لكم يا آل ياسينا!

____________

(1) في نسخة ب: أصاب.

(2) في نسخة ب: الدولة.

(3) في نسخة ب: الذرية.

15

دعوت يبقي بقاء الدهر دولته * * * و قول كل الورى قد كان آمينا

الداعي إلى طريقة الأئمة المعصومين، ظل اللّٰه في الأرضين قهرمان الماء و الطين، السلطان بن السلطان بن السلطان و الخاقان بن الخاقان بن الخاقان، أبو المظفر السلطان شاه سليمان الصفوي الموسوي الحسيني بهادرخان، لا زالت عقبان راياته المنصورة، كاسرة لأجنحة جنود المخالفين، صائرة للفتح و الظفر في إرجاء الأرضين و لا برحت حومة مملكته المحروسة، محمية الثغور و الأطراف مخضرة آل و الأكناف و من اللّٰه تعالى استمد المعونة في أن يفتح (1) باب الهداية من (2) كل باب و يملأ صحيفة الحسنات، في شرح الكتاب و أن يجعله خالصاً لوجهه العلى و ينفع به المبتدي و المتوسط و المنتهى.

و ها نحن نشرح، فنقول متضرعاً إلى اللّٰه تعالى في إجابة المسئول: قال المصنف خلد إفادات درسه و روح زكى رمسه.

كتاب الطهارة

كتاب الطهارة خبر مبتدء محذوف، أي هذا كتاب الطهارة، و الكتاب فعال من الكتب بفتح الكاف، لما يكتب به، أو المكتوب و الكتب بمعنى الجمع، و منه الكتيبة للجيش، و الكتاب في العرف كلام جامع لمسائل متحدة جنساً، مختلفة نوعاً كما قيل.

[المدخل]

[القول في معنى الطهارة]

[المعنى اللغوي للطهارة]

و هي أي الطهارة لغة: النزاهة من الأدناس أي الأوساخ، و منه قوله تعالى

____________

(1) في نسخة ب: أن ينفتح.

(2) في نسخة ب: في.

16

يٰا مَرْيَمُ إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاكِ وَ طَهَّرَكِ، و قوله تعالى إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

[المعنى الشرعي للطهارة]

و في اصطلاح أهل الشرع يطلق على معنيين:

أحدهما: إزالة الخبث، و عليه يحمل قوله عزّ و جلّ وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ و ثانيهما: ما ذكره (1) المصنف (ره) بقوله: و شرعاً: استعمال الطهور مشروط بالنية لاستباحة (2). الصلاة و الأبحاث الموردة على تعاريف الطهارة، و أجوبتها، و وجوه التفصي عنها تارة: بمنع كونها حقيقة، بل لفظية، لئلا يضرّها عدم الجمع و المنع. و تارة: بتسليم صناعيتها و ارتكاب تكلفات، و تصنعات لتتميمها، و ترسيمها مشهورة (3) في كتب القوم (رضوان اللّٰه عليهم)، فلا حاجة إلى التعرض لها، مع أنّها لا فائدة مهمّة تحتها.

[القول في عداد الطهارات الثلاث]

و هي أي الطهارة وضوء و غسل و تيمم منقسمة إلى هذه الأقسام الثلاثة، منحصرة فيها، و ماهيّة كل من هذه الأقسام ستعلم في طيّ المباحث الآتية مشروحة.

و كل منها واجب و ندب و الواجب: ما يكون فعله مصلحة، و تركه مفسدة. و الندب: ما يكون فعله مصلحة، و لم يكن تركه مفسدة.

____________

(1) في نسخة «ب»: ذكر.

(2) في أصل الدروس: لإباحة

(3) في نسخة «ألف»: مشهورة مستفيضة.

17

و بعبارة أخرى: الواجب: ما يذمّ تاركه بوجه، و الندب: ما يمدح فاعله و لم يذمّ تاركه.

[القول في الواجب من الطهارات الثلاث]

[موارد وجوب الطهارات الثلاث كلها]

فالواجب منها بحسب وجوب غايته، التي هي الصلاة، و الطواف و مس، خط المصحف قوله: «بحسب» خبر لقوله: «فالواجب». أي وجوب هذه الثلاثة، إنّما يتحقق بوجوب غاية من غاياتها الثلاثة، التي هي الصلاة، و الطواف، و مس، خط المصحف. و غاية الشيء: الغرض و المقصود منه، فغاية الوضوء، ما يكون الوضوء لأجله، إمّا بأن يكون له مدخل في صحته، أو جوازه، أو كماله، أو ارتفاع كراهته و نحو ذلك من الأمور التي تعلم في ضمن تفاصيل غاياته، كما سيأتي.

و المفهوم من الكلام بمعونة اقتضاء المقام، و كونه بصدد ضبط الأقسام: أنّ وجوب الطهارة إنّما يكون حال وجوب إحدى هذه الغايات المذكورة فقط دون غيره من الأحوال، إلّا ما ذكره لخصوص الغسل و التيمم، و ما استدركه آخراً لثلاثتها بقوله: و تحت الثلاثة أيضاً بالنذر و شبهه.

و حينئذٍ يرد عليه النقض بوجوب (1) الطهارة لأجزاء الصلاة المنسيّة، و سجدة السهو، و سجدة التلاوة.

و الجواب عن الأولين: بأنّهما داخلان تحت الصلاة، لكونهما من أجزائها و متعلقاتها.

و عن الأخير: بأنّ المصنف (ره) لم يقل بوجوب الوضوء لسجدة التلاوة، كما

____________

(1) في نسخة «ب»: لوجوب.

18

سيجيء.

و أمّا النقض بصلاة الجنازة من حيث أنّها غاية واجبة، من جملة الغايات الثلاث، مع عدم وجوب الطهارات لها فمندفع أيضاً من وجوه:

أحدها: بمنع (1) كونها صلاة حقيقة، حتّى يدخل تحت الغايات المذكورة، لقوله (عليه السلام)

تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم

و

لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب

، بل إنّما تعدّ من الصلاة مجازاً شرعياً.

و ثانيها: عدم تسليم كون المفهوم من العبادة، تحقق (2) وجوب الطهارات متى ما تحقق وجوب إحدى هذه الغايات، بل القدر المسلم أنّه يفهم منها عدّة الوجوب في غير هذا الحال.

و ثالثها: تخصيص الغاية بما يكون للطهارة مدخل (3) في صحته أو جوازه، أو وجوده فقط، لا بجعله أعمّ منه بحيث يشمل ما يكون لها مدخل في كماله و رفع كراهته و غير ذلك أيضاً.

لأنّ هذا المعنى أقرب من معناها المشهور، أي ما يكون لوجوده وجود شيء آخر، لأنّ الصحة، و الجواز بمنزلة ذاتيات الشيء، فإذا وجد بدونهما فكأنّه لم يوجد، بخلاف الكمال و الفضيلة و غير ذلك، فعلى (4) هذا لا يكون صلاة الجنازة

____________

(1) في نسخة «ألف»: منع.

(2) في نسخة «ب»: يتحقق.

(3) في نسخة «ب»: يدخل.

(4) في نسخة ألف و ب: و على.

19

غاية للطهارة، لصحتها و جوازها بدونها.

فإن قلت: فعلى هذا، يظهر الخلل في الكلام من وجه آخر، لأنّه إذا نذر أحد أن يصلّى صلاة الجنازة كاملة بالكمال الذي يحصل لها من الطهارة، فلا شكّ في صحة نذره و وجوب الوضوء حينئذٍ، مع أنّه ليس داخلًا تحت الضابطة المذكورة، لعدم كون تلك الصلاة غاية على ما قرّرت.

قلت: لا نسلم عدم كونها غاية حينئذٍ، إذ يصدق عليه التعريف المذكور، لأنّ للطهارة (1) حينئذٍ مدخلًا في وجودها، إذ الصلاة الكاملة بالكمال الذي يستفاد من الطهارة، لا يمكن أن توجد بدونها. نعم، قبل النذر، لم يكن غاية بهذا المعنى.

و لهذا الإيراد جواب آخر يظهر مما سنذكره في جواب النقض الآتي، و هو أنّ ما ذكره المصنف (ره)، منقوض بوجوب (2) الوضوء على من نذر أن يقرأ القرآن مثلًا، قراءة كاملة بالكمال المستفاد من الطهارة، لأنّه ليس داخلًا فيما ذكره المصنف، و لا ينفع الجواب المذكور آنفاً، إذ لا يكفي كونه غاية، بل لا بدّ أن يكون من الغايات الثلاث. و أمّا منع فهم الحصر من عبارة المصنف فبعيد كما لا يخفى.

إلّا أن يجاب: بأنّه داخل تحت قوله: «و يجب الثلاثة أيضاً بالنذر و شبهه». و سيجيء لهذا الكلام تتمّة عند شرح هذا القول، إن شاء اللّٰه تعالى.

ثم اعلم أنّ للواجب معنيين: أحدهما: ما مرّ، و ثانيهما: ما يكون شرطاً لصحة شيء، كما يقولون: إنّ الوضوء واجب للصلاة المندوبة، أي شرط لها، و المراد هيهنا هو الأوّل بقرينة جعله قسيماً للندب الذي جعل من أقسامه ما يكون للصلاة

____________

(1) في نسخة «ب»: الطهارة.

(2) في نسخة «ب»: لوجوب.

20

المندوبة، مع كونه شرطاً لها، و إن كان الوجوب بكلا معنييه حاصلًا للطهارات بالنسبة إلى الأوّلين، أي الصلاة و الطواف، و كذا بالنسبة إلى الثالث أيضاً، إن جعل الواجب بالمعنى الثاني أعمّ من أن يكون شرطاً لصحة شيء، أو جوازه. أمّا إذا خصّص بالصحة فلا، إلّا على رأى من يقول: بأنّ النهي في العبادة مستلزم للفساد، فتأمل.

و لمّا كان أحوال الطهارات الثلاث و وجوبها لتلك الغايات المذكورة، و يتفاوت في بعض الأمور، رأينا الأولى أن نفصل كلا منها عن الآخرين و نذكر ما يتعلق به على حدة، فنبدأ بما بدأ اللّٰه تعالى به أي الوضوء، و نقول:

أمّا بوجوبه (1) بالمعنى الأول للصلاة في الجملة، فمما انعقد الإجماع عليه، بل كاد أن يكون من ضروريات الدّين، و لا حاجة إلى الاستدلال عليه، و لكن سنذكر كثيراً مما يرتبط به من الكتاب و السنة أيضاً، تبرّكاً بهما (2)، و ليكون الكلام في الابتداء جارياً على وتيرة ما بعده مناسباً له، فيتخيل نوع براعة، إذ نريد أن نورد إنشاء اللّٰه تعالى بحسن توفيقه و عظيم منّه، في أكثر مسائل الكتاب، معظم ما يتعلق به من الآيات، و الأخبار، بقدر جهدنا و طاقتنا، مستعينين بلطفه و توفيقه، إنّه خير موفّق و معين.

و حيث كان غرضنا في هذا الباب هذا، لا إثبات الدعوى و ثبوت المدعى، لم نزد على مجرد إيراد الآية و الأخبار و بيان وجه الدلالة إن كان محتاجاً إليه و لم نشتغل بذكر ما فيها من القيل و القال، و لم نتعرض لأحوال الأسناد و الرجال.

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: وجوبه.

(2) في نسخة ألف: بها.

21

أمّا الكتاب: فقوله تعالى، في سورة المائدة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية، صيغة الأمر ظاهرها الوجوب، و سياق الكلام دالّ على أنّه للصلاة، لأنّه إذا قيل: إذا لقيت العدوّ فخذ سلاحك، و إذا أردت الأمير فالبس ثيابك، يفهم منه عرفاً أنّ أخذ السلاح و لبس الثياب لأجل لقاء العدوّ و الأمير، فقد دلّ على المدعى بتمامه.

و أمّا الأخبار: فمنها: ما رواه الشيخ، في التهذيب، في أواخر باب آداب (1) الأحداث الموجبة للطهارات، عن عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في الرجل ينسي أن يغسل دبره بالماء حتّى صلّى، إلّا أنّه قد تمسح بثلاثة أحجار؟ قال

إن كان في وقت تلك الصلاة، فليعد الوضوء و ليعد الصلاة، و إن كان قد [مضى وقت تلك الصلاة] التي قد صلّى، فقد جازت صلاته و ليتوضأ لما يستقبل من الصلاة.

و وجه الدلالة ظاهر.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) أيضاً، في باب الأغسال المفروضات و المسنونات، عن سماعة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في أثناء حديث

و غسل الاستحاضة واجب، إذا احتشت بالكرسف فجاز الدم// (7) الكرسف، فعليها الغسل لكلّ صلاتين، و للفجر [غسل]، فإن لم يجز الدّم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرّة و الوضوء لكل صلاة.

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

22

و روى في الكافي أيضاً، في باب أنواع الغسل، و في الفقيه أيضاً، في باب علّة الأغسال.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) أيضاً في التهذيب، في أواسط باب حكم الحيض و الاستحاضة، عن سماعة، قال: قال

المستحاضة إذا ثقب الدّم الكرسف، اغتسلت لكل صلاتين، و للفجر غسلًا، فإن لم يجز الدّم الكرسف، فعليها الغسل كل يوم مرّة، و الوضوء لكل صلاة.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) أيضاً، في التهذيب، في أواسط باب التيمم و أحكامه، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال

إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت، فليتيمم، و ليصل في آخر الوقت، فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه، و ليتوضأ لما يستقبل.

و قد أورد الشيخ (ره) مكرراً هذه الرواية، في أواخر الباب المذكورة، و ذكر هذه الرواية بعينها في الكافي أيضاً، في باب الوقت الذي يوجب التيمم، بلا تفاوت في السند و المتن، إلّا أنّه بدل فليتوضأ، فليتوض.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) أيضاً بعد الرواية السابقة بأسطر، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال

إذا لم يجد المسافر الماء، فليمسك ما دام في الوقت، فإذا تخوّف أن يفوته فليتيمم، و ليصل في آخر الوقت، فإذا وجد الماء فلا

23

قضاء عليه، و ليتوضأ لما يستقبل.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب أيضاً، في زيادات كتاب الطهارة، في باب الحيض، و الاستحاضة، عن يونس، عن غير واحد، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في أثناء حديث طويل قال

و سئل عن المستحاضة؟ فقال: إنّما ذلك عزف

(1)

(ر خ أصل ص 7)، أو ركضة من الشيطان، فلتدع الصلاة أيّام أقرائها، ثمّ تغتسل، و تتوضأ لكل صلاة

(2)

.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب جامع في الحائض و المستحاضة، إلّا أنّه فيه: «عرق غابر»، و المسؤول عنه في قوله (عليه السلام): و سئل، رسول اللّٰه (صلى عليه و آله).

فهذا ما قصدنا إيراده من جملة الروايات الدالّة على وجوب الوضوء للصلاة في الجملة.

و الروايات الدالّة على وجوبه، بدون دلالتها على أنّه للصلاة، فهي أكثر من أن تحصى و لم نوردها هيهنا، لأنّ الغرض هيهنا ليّن متعلقاً بوجوب الوضوء فقط، بل وجوبه للصلاة، لكن سنوردها إنشاء اللّٰه تعالى في تضاعيف الأبواب الآتية.

____________

(1) في هامش النسخة الحجرية: «و في حديث: الاستحاضة إنّما هو عرق عابر بالعين و الراء المهملتين و القاف و هو في أكثر النسخ و هو الصحيح و يراد به دم عرق و الإضافة للأدنى ملابسة. عرق فجره عابر على هذا العرق فلعب به ففجره.

و في بعض النسخ إنّما هو عزف عابر بالعين المهملة و الزاء المعجمة و الفاء، أي لعب و عن السيوطي في مختصر النهاية .... لعب غزف و معناه أنّه غزف عابر من الشيطان. و في بعض النسخ إنّما هو عرق عائد» (2)

(2) و في المصدر: عرق عابر بدل عزف.

24

و أمّا وجوب الوضوء للصلاة بالمعنى الثاني، أي شرطيته لها في الجملة، و عدم صحتها بدونه، فهو أيضاً مما انعقد عليه الإجماع و لا خلاف فيه، بل يمكن أن يكون أيضاً من ضروريات الدّين، و سنذكر طرفاً من الأخبار الدالة عليه أيضاً، لما ذكرنا سابقاً.

فمنها: ما رواه الشيخ (ره)، في التهذيب، في أواخر باب آداب الأحداث الموجبة للطهارة (1)، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

لا صلاة إلّا بطهور.

و كرّرها في أوائل باب صفة التيمم، و في كتاب الصلاة، في باب تفصيل ما تقدم ذكره.

و روى الصدوق (ره) في الفقيه، في باب فيمن ترك الوضوء، أو بعضه مرسلًا، عن أبي جعفر (عليه السلام) هذه الرواية بعينها.

و رواها أيضاً، في باب وقت وجوب الطهور، عنه (عليه السلام) أيضاً مرسلًا، مع زيادة في أوّلها، قال

قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): إذا دخل الوقت وجب الطهور، و الصلاة، و لا صلاة إلّا بطهور.

____________

(1) في نسخة «ألف»: للطهارات.

25

و منها: ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب، في أوائل باب صفة الوضوء و الفرض منه، عن محمد بن مروان قال

قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّه يأتي على الرجل ستّون و سبعون سنة، ما قبل اللّٰه منه صلاة، قلت: و كيف ذلك؟ قال: لأنّه يغسل ما أمر اللّٰه بمسحه.

و قد أوردها الشيخ (ره) مكرراً، في أواخر هذا الباب، و وجه الدلالة ظاهر. و هذه الرواية في الكافي أيضاً بعينها، في باب مسح الرأس و القدمين.

و منها: ما رواه الشيخ، في أواخر هذا الباب، عن منصور [ابن حازم] قال

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمّن نسي أن يمسح رأسه حتّى قام في الصلاة؟ قال: ينصرف، و يمسح رأسه و رجليه.

و قد كرّر (1) هذه الرواية، في هذا الباب بأدنى تغيير في السند.

و ما روى أيضاً بعد هذا بأسطر، عن أحمد بن عمر قال

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل توضأ، و نسي أن يمسح رأسه حتّى قام في الصلاة؟ قال: من نسي مسح رأسه، أو شيئاً من الوضوء الذي ذكره اللّٰه تعالى في القرآن، أعاد الصلاة.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) في أواخر هذا الباب أيضاً، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

إن ذكرت و أنت في صلاتك أنّك قد تركت شيئاً من

____________

(1) في نسخة «ألف»: ذكر.

26

وضوئك المفروض عليك، فانصرف فأتم الذي نسيته من وضوئك، و أعد صلاتك.

و هذه الرواية بعينها في الكافي أيضاً، في باب الشك في الوضوء (1).

و منها: ما رواه الشيخ (ره) بعيد هذه الرواية، عن سماعة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

من نسي مسح رأسه، أو قدميه، أو شيئاً من الوضوء الذي ذكره اللّٰه تعالى في القرآن، كان عليه إعادة الوضوء و الصلاة.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب، في أواسط باب التيمم، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في رجل تيمم فصلّى، ثمّ أصاب الماء فقال

أمّا أنا فكنت فاعلًا، إني [كنت] أتوضأ و أعيد.

و ما روي أيضاً متصلًا بهذه الرواية، عن يعقوب بن يقطين قال

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تيمم فصلّى، فأصاب بعد صلاته ماء، يتوضأ و يعيد الصلاة، أم تجوز صلاته

(2)

؟ قال: إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت، توضأ و أعاد، فإن مضي الوقت فلا إعادة عليه

(3)

.

و منها: ما رواه أيضاً في أواخر هذا الباب، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في أثناء حديث قال

قلت: فإن أصاب الماء و قد دخل في الصلاة؟

____________

(1) و في المصدر: و أتم بدل فأتم.

(2) في نسخة «ألف»: صلاته.

(3) و في المصدر: توضأ و أعاد الصلاة،.

27

قال: فلينصرف، و ليتوضأ ما لم يركع، فإن كان قد ركع، فليمض في صلاته فإنّ التيمم أحد الطهورين.

و المراد من المصيب في الرواية: المتيمم و رواه أيضاً ثقة الإسلام (ره) في الكافي، في باب الوقت الذي يوجب التيمم.

و منها: ما رواه الشيخ (ره)، في أواخر هذا الباب أيضاً، عن عبد اللّٰه بن عاصم قال

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء، فتيمم و يقوم في الصلاة، فجاء الغلام؟ فقال: هو ذا الماء فقال: إن كان لم يركع، فلينصرف و ليتوضأ.

و هذه الرواية بعينها في الكافي أيضاً، في الباب المذكور آنفاً.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) بعد هذه الرواية، في آخر الباب المذكور، عن الحسن بن الجهم قال

سألته يعني أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل صلّى الظهر أو العصر، فأحدث حين جلس في الرابعة؟ فقال: إن كان قال أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه، و أشهد أنّ محمداً رسول اللّٰه، فلا يعيد،// (8) و إن كان لم يتشهد قبل أن يحدث فليعد

(1)

.

و منها: ما رواه أيضاً، في باب صفة التيمم، عن أبي بصير قال

سألته عن رجل كان في سفر، و كان معه ماء، فنسيه فتيمم و صلّى، ثمّ ذكر أنّ معه ماء قبل أن

____________

(1) و في المصدر: إن كان لم يشهد.

28

يخرج الوقت؟ قال: عليه أن يتوضأ، و يعيد الصلاة.

و في الكافي أيضاً بعينها، في الباب المذكور (1).

و منها: ما رواه الشيخ (ره) في الزيادات، في أوّل باب التيمم، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

سألته عن رجل صلّى ركعة على تيمم، ثمّ جاء رجل و معه قربتان من ماء؟ قال: يقطع الصلاة و يتوضأ.

و منها: ما رواه أيضاً في الزيادات، في آخر باب تطهير الثياب، و البدن من النجاسات، عن علي بن مهزيار، و هو كتاب ورد جواباً عن سؤال، في أثنائه هذه العبارة

و إذا كان جنباً أو صلّى على غير وضوء، فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي

(2)

فاتته.

و منها: ما رواه الشيخ (ره)، في كتاب الصلاة، في باب تفصيل ما تقدّم ذكره في الصلاة، عن عبد اللّٰه، عن زرارة قال

قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما فرض اللّٰه في الصلاة؟ فقال: الوقت، و الطهور، و الركوع، و السجود، و القبلة، و الدعاء، و التوجه.

و هذه الرواية في الكافي، بأدنى تغيير في المتن و السند، في باب فرض

____________

(1) في المصدر: و يتيمم بدل فيتيمم.

(2) في التهذيب التي.

29

الصلاة.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) متصلًا بهذه الرواية، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

الصلاة ثلاثة أثلاث، ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود.

و هذه الرواية في الكافي بعينها، بلا تفاوت في المتن و السند، في الباب المذكور و في الفقيه رواه مرسلًا، قال

قال الصادق (عليه السلام): الصلاة ثلاثة أثلاث، ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود.

و منها: ما رواه ثقة الإسلام (ره) في الكافي، في باب النوادر قبل أبواب الحيض، عن القداح، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): افتتاح الصلاة الوضوء، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم.

و رواه الصدوق (ره) أيضاً في الفقيه، في باب افتتاح الصلاة و تحريمها، قال

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): افتتاح الصلاة الوضوء، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم.

و منها: ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه، في باب فيمن ترك الوضوء، أو بعضه

30

قال

قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): ثمانية لا يقبل لهم صلاة، الآبق يرجع إلى مولاه، و الناشز عن زوجها و هو عليها ساخط، و مانع الزكاة، و إمام قوم يصلّي بهم و هم له كارهون، و تارك الوضوء، و المرأة المدركة تصلّي بغير خمار، و الزبين و هو الذي يدافع البول و الغائط، و السكران.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن زيد الشحام، و المفضل بن صالح، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في رجل توضأ، فنسي أن يمسح على رأسه حتّى قام في الصلاة؟ قال

فلينصرف، فليمسح برأسه، و ليعد الصلاة.

هذا ما قصدنا إيراده في هذا المقام.

فإن قلت: هلّا استدللت على شرطية الوضوء للصلاة بالآية الكريمة المتقدمة، و الأخبار المذكورة في المسألة السابقة؟

قلت: الاستدلال بالآية الكريمة السابقة على هذا المطلب، لا يخلو عن إشكال، إذ غاية ما يفهم منها عرفاً كما ذكرنا سابقاً أنّ الوضوء لأجل الصلاة و الصلاة غاية له، و قد عرفت فيما تقدم أنّ كون الوضوء مغيّاً بشيء، لا يستلزم أن يكون له مدخل في صحته، بل يجوز أن يكون لأجل كماله و فضيلته، أو غير ذلك.

فإن قلت: هذا أيضاً يكفينا، لأنّه إذا كان الوضوء واجباً، و كان الغرض من وجوبه كمال الصلاة و فضيلتها، فلا بدّ أن يكون الصلاة الكاملة أيضاً مطلوبة حتميّة، و إلّا لم يكن الوضوء الذي لأجلها، و هي الغرض من وجوبه، مطلوباً

31

حتميّا ضرورة.

فإذا كان المكلّف به، الصلاة الكاملة بالكمال المستفاد من الوضوء و لا شكّ أنّها موقوفة على الوضوء لا يحصل بدونه، فإذا أتى المكلف بالصلاة بدون الوضوء فلم يأت بالمأمور به، فيبقى في عهدة التكليف. و لم نعن بالشرط سوى هذا، و إن لم يكن شرطاً شرعياً بالمعنى المشهور، أي الذي يمكن أن يوجد المأمور به بدونه، لكن جعله الشارع شرطاً، بل نقول:

إنّ جميع الشروط الشرعية عند التحقيق كذلك، أي ممّا لا يمكن أن يتحقق المأمور به بدونه، على ما هو معنى الشرط العقلي في الاصطلاح، و إنّ الفرق الذي ذكره القوم بينهما، بناءً على عدم التدبّر و غفلة عمّا هو الحق، لكن ليس هيهنا موضع تحقيقه، و تنقيحه.

قلت: أمّا أولًا: فلا نسلّم أنّ المفهوم من الآية عرفاً، أنّ الغرض من (1) الوضوء و إيجابه هو الصلاة فقط، حتّى يكون مطلوبيته حتماً مستلزمة لمطلوبيتها أيضاً كما ذكرت، بل المفهوم منها، أنّ لها غرضية في الجملة.

لا يقال: أنّها إمّا تمام الغرض و إمّا جزءه، و لا معنى لوجوب شيء بدون وجوب تمام غرض إيجابه أو جزءه بالضرورة، لأنّه لا يلزم أن يكون الصلاة تمام الغرض أو جزءه، بل يجوز أن يكون إيجاب الوضوء لأجل نفسه أو لغرض آخر تام في الاقتضاء، و يكون الصلاة أيضاً غرضاً و مقتضية ناقصة و لا استحالة في ذلك، لأنّ علل الشرع معرفات، و يجوز اجتماع غرضين تامين من الأغراض الشرعية،

____________

(1) لم ترد في نسخة «ب».

32

فكيف بالتام و الناقص؟ و الآية الكريمة لا تدلّ على أزيد من ذلك، و فيه بعد.

و لا يذهب عليك أنّه على هذا، لو كان المراد في المدعى الأول أيضاً أي وجوب الوضوء للصلاة بالمعنى الأول هذا المعنى، لكانت الاستدلالات السابقة متجهة، و أمّا إذا كان المراد أنّ الصلاة غرض تام للوضوء فلا، فتأمل (1).

و أمّا ثانياً: فلأنّ بعد تسليم انفهام حصر الغرض في الصلاة من الآية، و كون فضيلة الصلاة و كمالها مطلوباً حتمياً، لا نسلّم أنّه يلزم أن يكون المطلوب في الأوامر الواردة بالصلاة، الصلاة الكاملة حتّى لا يكون المكلف الآتي بها بدون الوضوء آتياً بالمأمور به.

بل يجوز أن يكون المطلوب، طبيعة الصلاة مطلقة، كما هو مقتضى الصيغة، و يكون تحصيل كمالها و فضيلتها مطلوباً حتمياً آخر، يستفاد مطلوبيته من إيجاب الوضوء له، و لا يكون شرطاً لامتثال التكليف الأوّل، و لا جزءاً منه، فحينئذٍ إذا// (9) أتى المكلف بالصلاة بدون الوضوء، فقد خرج عن عهدة الأمر بالصلاة المطلقة، لكن يبقى (2) في عهدة التكليف بالوضوء، و تحصيل كمال (3) الصلاة، فتدبر، و قس عليه الكلام في الأخبار المتقدمة، سؤالًا و جواباً.

و قد يستدل بالآية على هذا المطلب بوجه آخر، و هو أن يقال: إنّه قد استفيد منها، وجوب الوضوء قبل الصلاة، و الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده، فتكون

____________

(1) في هامش نسخة ب: «إشارة إلى توجه السؤال و عدم اندفاعه، بناء على أن مرادهم، أنّ الصلاة غرض تام للوضوء، كما يشعر به كلمة إذا فيتوجه. لا يقال: لو تم ما ذكرتم على هذا المطلب، لتم على ذاك أيضاً و البحث مشترك.»

(2) في نسخة «ألف و ب»: بقي.

(3) في نسخة ألف: كماله.

33

الصلاة التي هي ضدّ الوضوء منهياً عنها، فتكون فاسدة، فثبت الاشتراط.

و فيه: أنّه موقوف على ثبوت أنّ الأمر بالشيء، مستلزم للنهي عن ضدّه، و النهي مستلزم للفساد، و كلاهما ممنوعان.

و هاهنا شكّ آخر، و هو أنّ معنى كون الأمر بالشيء مستلزماً للنهي عن ضدّه، أنّه إذا كان شيء مأمور به في وقت، و لم يأت المكلف في ذلك الوقت بذلك الشيء، بل أتى بضدّه يكون ذلك الضدّ حراماً منهياً عنه، و حينئذٍ نقول:

تحقق هذا المعنى، مما لا يمكن فيما نحن فيه، لأنّه إذا كان الوضوء واجباً قبل الصلاة، فالإتيان بالصلاة في وقته إنّما يتحقق بإتيان الصلاة قبل الصلاة، هذا خلف.

و الجواب: أنّ المراد، أنّ وقت الوضوء إنّما هو بعد إرادة الصلاة، كما هو مدلول الآية الكريمة، و لا شكّ في إمكان الإتيان بالصلاة في ذلك الوقت، فارتفع الخلف.

فإن قلت: المأمور به في الآية، إمّا الوضوء بعد الإرادة المتصلة بالصلاة، أو بعد الإرادة المنفصلة عنها بقدر الوضوء.

و الأول: باطل، لأنّه تكليف بما لا يطاق، و على الثاني: يلزم ما ذكرنا أولًا، من عدم إمكان الإتيان بالصلاة في وقت الوضوء، لأنّ المفروض أنّ وقته وقت انفصال الصلاة عن الإرادة، فكيف يمكن أن يصير وقتاً للصلاة؟ إذ يلزم حينئذٍ أن تكون الصلاة متصلة بالإرادة، و منفصلة عنها، هذا خلف.

قلت: وقت الوضوء، بعد الإرادة التي يمكن انفصالها عن الصلاة، و اتصالها بها باختيار المكلف، و حينئذٍ نقول: إنّ كل جزء من أجزاء أوقات ما بعد تحقق

34

الإرادة، وقت الوضوء، و يمكن الإتيان بالصلاة فيه أيضاً، لما ذكرنا من أنّ الاتصال، و الانفصال باختيار المكلف، فلو لم يأت المكلف بالوضوء، و أتى بالصلاة فقد أتى بضدّ المأمور به، فيكون منهياً عنه، فاندفع المحذوران.

فإن قلت: إنّ تلك الإرادة، إن كانت تامّة يجب الاتصال، و إن كانت ناقصة يجب الانفصال.

قلت: إنّها ناقصة، و إنّما يجب الانفصال لو لم تصر تامة (1).

هذا، ثمّ إنّ في المقام كلاماً آخر، و هو أنّه قد ثبت بما ذكر، إمكان الإتيان بالصلاة في وقت الوضوء، لكن هذا مما لا يكفي في إثبات المرام، لأنّ الإتيان بضدّ المأمور به في وقته، إنّما يكون منهياً عنه، إذا كان وجوب المأمور به مضيقاً، و أمّا إذا كان موسّعاً فلا، كما تقرر في الأصول، و على هذا نقول:

لا شكّ أنّ وقت الوضوء الذي هو أوقات حصول الإرادة متسع، فلو أتى المكلف بالصلاة في جزء منها، لم يأت بضدّ المأمور به في وقته المضيق. نعم؛ إذا بقي من الوقت مقدار الوضوء و الصلاة، فعسى أن يكون جريان الدليل فيه ممكناً، أمّا قبله فلا، فتأمل.

فالأولى، أن يستدل بالآية على المرام بطريق آخر، بأن يقال: يستفاد من الآية عرفاً، أنّ الوضوء قبل الصلاة واجب، و إذا أتى المكلف بالصلاة بدون الوضوء، فيلزم (2) أن لا يمكن الإتيان بالوضوء المأمور به، إذ لا شكّ أنّ بعد الإتيان بالصلاة،

____________

(1) في هامش نسخة ألف: «و أمّا حديث أن تلك الإرادة، إن كانت تامة يجب الاتصال و إن كانت ناقصة، الانفصال فمما لا مدخل له في هذا الموضع، بل هو شبهة على حيالها في نفى اختيار العبد، بل نفى الاختيار مطلقا.» (منه (رحمه اللّٰه)

(2) في نسخة «ألف و ب»: يلزم.

35

لا يمكن الوضوء الكائن قبل الصلاة، فيلزم ترك الواجب، و ترك الواجب حرام، و ملزوم الحرام حرام، فيكون الإتيان بالصلاة الملزوم لترك الوضوء حراماً. و هذا مثل ما إذا كان، أحد مأموراً بالصعود على السطح المتوقف على السلم، فكسره باختياره، أو كان مكلفاً بالوضوء، فأراق الماء و نحو ذلك.

لا يقال: إنّا لا نسلّم عدم إمكان الإتيان بالوضوء المتقدم على الصلاة بعد الصلاة، إذ يمكن أن يتوضأ و يصلي صلاة أخرى، لأنّ المأمور به، الوضوء المتقدم على الصلاة التي يتحقق بها امتثال الأمر، و لا شكّ أنّ بالصلاة السابقة، على تقدير صحتها، يتحقق الامتثال، و الخروج عن العهدة، و لا يمكن تحقق هذا الوصف في الصلاة اللاحقة، فلا يكون الإتيان بالوضوء المذكور إتياناً بالمأمور به، كما لا يخفى.

و اعلم؛ أنّ إتمام هذا الوجه أيضاً موقوف على ثبوت، أنّ ملزوم الحرام حرام، و هو أيضاً مما يقبل المنع، كالمقدمتين السابقتين، فتدبر.

بقي في المقام شيء، و هو أنّه قد ظهر بما ذكرنا، و تلونا عليك، وجوب الوضوء بالمعنيين للصلاة في الجملة، كما ذكرنا في صدر المقامين، و أمّا وجوبه لجميع الصلوات الواجبة، سوى صلاة الجنازة بكل من المعنيين، كما هو مدعى القوم، ففيه خفاء.

و تفصيل المقام: أنّ وجوب الوضوء بمعنى الشرطية، و توقف الصحة عليه لجميع الصلوات الواجبة، بل المندوبة أيضاً سوى صلاة الجنازة مما لا ينبغي أن يشك فيه، للإجماع الصريح، و دلالة بعض الأخبار المتقدمة عليه أيضاً، مثل: لا

36

صلاة إلّا بطهور، إذ نفي الصحة أقرب المجازات إلى الحقيقة التي هي نفي الوجود، كما لا يخفى و الصلاة ثلاثة أثلاث، و نحو ذلك.

و أمّا وجوبه بالمعنى الأوّل لجميع الصلوات الواجبة، ففيه نوع خفاء، إذ لا يمكن أن يستدل عليه بالآية، لأنّه لو حمل الآية على العموم بالنسبة إلى الواجب و المندوب، فيلزم أن لا يمكن حمل الأمر في فاغسلوا، على الوجوب، بل الرجحان المطلق، أو غيره، و حينئذٍ لا يثبت المدعى، مع أنّه لو حمل على العموم، لكان قابلًا للمنع، إذ احتمال العهدية و كون المراد الفرد المتعارف، أعني الصلاة اليومية، احتمال ظاهر، بل هو أولى من العموم، على ما قيل: إنّ اللّام حقيقية في العهد.

و لو خصّص بالصلاة الواجبة، و عمّم بالنسبة إلى أفرادها، ففيه: أنّه لا دليل على التخصيص، و لو جعل دليل التخصيص إبقاء الأمر على ظاهره من الوجوب، فيرد عليه: أنّ إبقاء الأمر على ظاهره، ليس أولى من إبقاء العام (1) على ظاهره، فهلّا أبقيته على العموم، و أخرجت الأمر عن ظاهره؟ مع ما فيه من ظهور احتمال العهدية كما عرفت.

____________

(1) في نسخة «ب»: العموم.

37

و كذا، لا يتمّ الاستدلال بالأخبار المتقدمة، إذ ليس فيها ما يدلّ على عموم الوجوب، كما لا يخفى. و كذا الاستدلال عليه بشرطيته للصلاة، بأن يقال: قد ثبت بالإجماع، و الأخبار شرطيته لجميع الصلوات الواجبة، و شرط الواجب واجب، فيكون واجباً لجميع الصلوات، لأنّ الكبرى ممنوعة، و موضعه في الأصول.

// (10) و بهذا ظهر الجواب عن الاستدلال بالخبر المتقدم، من قوله (عليه السلام)

الصلاة ثلاثة أثلاث

، لأنّه يمكن أن يكون حكمه (عليه السلام) بأنّ الطهور ثلث الصلاة من باب المبالغة المتعارفة، و تنزيل كونه شرطاً ضرورياً ثابتاً شرطيته في جميع الأحوال، بخلاف سائر الشروط الآخر (1) مثل طهارة الثوب، و غير ذلك بمنزلة الجزئية، و ليس هذا حملًا على خلاف الظاهر، خصوصاً مع وجود الأدلة الدالة ظاهراً على خروجه من الصلاة، مثل الآية الكريمة المذكورة و نحوها.

و حينئذٍ نقول: إنّه بمحض الشرطية للواجب، لا يلزم الوجوب، كما عرفت على أنّا لو سلّمنا جزئيته للصلاة، و دلالة الخبر عليها، لكان الاستدلال أيضاً غير تام، إذ وجوب جزء الواجب أيضاً غير ثابت، بل التحقيق: أنّه بمنزلة الشرط، فمن لم يسلّم وجوب الشرط، فله أن لا يسلم وجوبه أيضاً، و تحقيقه في الأصول.

و الاستدلال بالخبر الآخر، من قوله (عليه السلام)

افتتاح الصلاة

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: الأخرى.

38

الوضوء.

فهو أضعف من سابقه، إذ ليس فيه دلالة على الجزئي أصلًا كما لا يخفى، بل على الشرطية أيضاً، و إيرادنا له في طيّ أدلة الاشتراط، بناء على التسامح، و كذا في بعض آخر كما أشرنا (1) إليه في صدر الباب أيضاً. و قس عليهما حال الاستدلال برواية عبد اللّٰه بن زرارة المتقدمة، من قوله (عليه السلام): «الوقت و الطهور»، انتهى.

و أمّا الاستدلال عليه بالإجماع، ففيه أيضاً شكّ، لأنّ الوجوب بمعنى اللابديّة، و الوجوب بمعنى استحقاق الذم على الترك، كثيراً ما يشتبه أحدهما بالآخر، فيمكن أن يكون إطلاق بعض القوم لفظ الوجوب، على الوضوء بالنسبة إلى جميع الصلوات الواجبة، بمعنى الشرطية، فاشتبه بالمعنى الآخر، و ظنّ الإجماع عليه، و نقل، و هذا مما لا يبعد جدّاً، كما لا يخفى على من تتبع كلمات القوم و أقاويلهم (رهم) المتشابهة.

مع أنّ هيهنا شيئاً آخر، و هو أنّ كثيراً من الأصحاب، قائلون: بوجوب مقدمة الواجب، شرطاً كان، أو غيره، فلما رأوا إطلاق الوجوب بمعنى الشرطية لجميع الصلوات على الوضوء إجماعاً، حكموا بناء على اعتقادهم-: بأنّ الوجوب بالمعنى الآخر أيضاً إجماعي.

و بالجملة: الحكم بالوجوب، بمعنى استحقاق الذمّ على الترك، لأجل جميع

____________

(1) في نسخة «ألف»: أومأنا.

39

الصلوات الواجبة بأصل الشرع و غيره، لا يخلو من خدشة، و اللّٰه تعالى و رسوله و أهل الذكر (عليهم السلام) أعلم [بحقيقة الحال (1)].

تذنيب:

اعلم، أنّ الظاهر من الآية الكريمة المتقدمة، وجوب الوضوء على كل مقيم إلى الصلاة، حتى المتطهرين أيضاً، لدلالة كلمة «إذا» على العموم عرفاً، مع أنّ حمله هيهنا على الإهمال، يجعل الكلام خالياً عن الفائدة المعتدّ بها، و هو لا يناسب بكلام الحكيم كما قيل.

لكن الإجماع، واقع على وجوب الوضوء على المحدثين فقط.

قال الشيخ (ره) في التهذيب، في بحث التيمم، في أثناء كلام

ثم لو صحّ الخبر لكان محمولًا على الاستحباب، كما يحمل تجديد الوضوء على الاستحباب، و إن كان لا خلاف في استباحة صلوات كثيرة به.

و قال العلامة (ره) في المنتهي

مسألة: إذا توضأ للنافلة، جاز أن يصلي بها فريضة، و كذا يصلي بوضوء واحد ما شاء من الصلوات. و هو مذهب أهل العلم، خلافاً للظاهرية

(2)

انتهى.

فقال بعضهم

إنّ الحكم كان في الابتداء كذلك، و كان الوضوء واجباً عند كل

____________

(1) أثبتنا الزيادة من نسخة ألف.

(2) الظاهرية: هم، أصحاب داود بن عليّ بن خلف الأصفهاني الشافعي الظاهري، ولد بالكوفة سنة 200 ه، و نشأ ببغداد و توفي بها سنة 270 ه، لُقب بالظاهري، لقوله بأخذ معنى القرآن و الحديث الظاهر دون الباطن، و كان ابن حزم الأندلسي الظاهري من أكبر أنصار هذا المذهب، بل من أكبر دعاة المدرسة الظاهرية.

40

صلاة على المتطهر و المحدث، لكنه قد نسخ.

و هذا الوجه ضعيف، من وجوه:

اتفاق الجمهور على أنّ المائدة ثابتة لا نسخ فيها. و ما روي عنه (صلى اللّٰه عليه و آله)

المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأحلوا حلالها، و حرموا حرامها.

و عدم ظهور ناسخ. و اعتبار الحديث، في التيمم الذي هو بدل منه في الآية.

و اعترض على القول بالنسخ بوجه آخر، هو أنّه: إذا كان الحكم العام بوجوب الوضوء، باقياً في المحدثين، مرتفعاً عن المتطهرين، فكيف يكون نسخاً؟ بل يكون تخصيصاً، إذ لا معنى للتخصيص سوى ذلك.

و أجيب: بأنّ التخصيص، هو أن يورد لفظ عام و يراد منه ابتداء بعض أفراده، لا جميعه، و أمّا إذا أريد منه في الابتداء جميع أفراده، ثمّ خصّص ببعض، فيكون نسخاً البتة، و الأمر هيهنا كذلك.

و قال بعض: إنّ الأمر للندب، لأنّ تجديد الوضوء عند كل صلاة مستحب، كما يشهد به الأخبار.

و هذا أيضاً ضعيف، من حيث إنّه يلزم حينئذٍ، عدم موافقة القرينة الذي هو فاطّهروا، لأنّه للوجوب قطعاً، و من أنّ الندب بالنسبة إلى الجميع غير معقول، لثبوت الوجوب على بعض البتة.

إلّا أن يقال: الاستحباب ينسحب إلى الشمول، و العموم، و فيه: بعد. و قد ضعّف هذا الوجه أيضاً، بما ضعّف الوجه الأوّل به، من حديث اعتبار الحدث، و فيه تأمل، لأنّ الأمر في فتيمموا، محمول على الوجوب، فلا مفسدة في اعتبار

41

الحدث فيه، بدون اعتباره في المبدل منه، لندبية الأمر به.

نعم، يلزم حينئذٍ عدم موافقة آخر بين القرينتين، و قيل: بحمله على الرجحان المطلق، و يكون الندب بالنسبة إلى المتوضئين، و الوجوب بالنسبة إلى المحدثين.

و فيه أيضاً: لزوم عدم الموافقة، و لزوم عموم المجاز، أو الاشتراك الذي هو، إمّا غير جائز، أو بعيد جدّاً، أيضاً لو كان مراد القائل، أنّ الندب بالنسبة إلى البعض، و الوجوب بالنسبة إلى آخر، مدلول الصيغة، و أمّا إذا كان مراده أنّه مفهوم من الخارج، و أنّ مدلول الصيغة هو الرجحان مطلقا، فلا.

و الأولى أن يقال: إنّ الآية مخصّصة بالمحدثين، لا بأن يكون المراد من الذين آمنوا، المحدثين، بل بإبقائه على العموم، و تقدير إن كنتم محدثين، في نظم الكلام، فيصير المعنى حينئذٍ، يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، فإن كنتم محدثين بالحدث الأصغر، فتوضؤوا، و إن كنتم جنباً فاغتسلوا، و إن لم تقدروا على الماء و كنتم محدثين، إمّا بالحدث الأصغر، أو الأكبر فتيمموا، فيوافق القرائن و يطابق النظائر.

ثمّ إنّ الشيخ (ره) روى في التهذيب، في أوائل باب الأحداث الموجبة للطهارة، رواية موثقة، عن ابن بكير قال

قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قوله

«إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ»

ما يعني بذلك، إذا قمتم إلى الصلاة؟ قال: إذا قمتم من النوم.

و على هذا، فلا إشكال.

هذا، و اعلم، أنّ الحكم المذكور، أي عدم وجوب الوضوء عند كل صلاة، بل

42

وجوبه على المحدثين فقط مع كونه إجماعياً كما نقل يدلّ عليه أيضاً روايات:

منها: الروايات الكثيرة المتظافرة التي كادت أن تبلغ حدّ التواتر بالمعنى الدالة جميعاً، على حصر ناقض الوضوء في الأحداث، من جملتها:

ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب، في أوائل باب الأحداث، بطريق صحيح على الظاهر، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال

لا ينقض الوضوء، إلّا ما خرج من طرفيك أو النوم.

// (11) و ما رواه أيضاً في هذا الباب، بطريق صحيح على الظاهر، عن إسحاق بن عبد اللّٰه الأشعري، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

لا ينقض الوضوء، إلّا حدث، و النوم حدث.

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن سالم أبي الفضل، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

ليس ينقض الوضوء، إلّا ما خرج من طرفيك الأسفلين اللذين أنعم اللّٰه بهما عليك

(1)

.

إلى غير ذلك.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب، في أواسط باب التيمم و أحكامه، بطريق صحيح، عن حماد بن عثمان قال

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل، لا يجد الماء، أ يتيمم لكل صلاة؟ فقال: لا، هو بمنزلة الماء.

____________

(1) و في المصدر: أنعم الله عليك بهما.

43

و منها: ما رواه ثقة الإسلام (ره) في الكافي، في باب صفة التيمم، بطريق صحيح، أو حسن، عن زرارة قال

قلت لأبي جعفر (عليه السلام): يصلى الرجل بوضوء واحد صلاة الليل و النهار كلّها؟ فقال: نعم ما لم يحدث.

و منها: ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب، قبيل باب الأغسال المفترضات، و المسنونات، في الموثق، عن عبد اللّٰه بن بكير، عن أبيه، قال

قال لي أبو عبد (عليه السلام): إذا استيقنت أنّك قد توضأت

(1)

فإيّاك أن تحدث وضوء أبداً، تستيقن أنّك قد أحدثت.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، باشتراك الطريق، في باب الشك في الوضوء. و هذا الخبر الأخير من جملة ما استدل به، العلامة في المنتهي على هذا المطلب.

و قد يناقش فيه: بأنّه يجوز أن يكون مراده (عليه السلام)، التحذير عن إحداث الوضوء بالشك في الحدث، و حسبان أنّ الحدث المشكوك أيضاً ناقض، لئلا ينجر إلى الوسواس، و تطرق الشيطان، و الحرج المنفي (2) في الدين. و على هذا، لا دلالة له على المدعى، كما لا يخفى.

و مما يؤيّد هذا الاحتمال، أنّ الرواية في بعض نسخ الكافي بهذه العبارة

إذا استيقنت أنّك أحدثت فتوضأ، و إيّاك أن تحدث وضوءاً أبداً تستيقن أنّك

____________

(1) في الوسائل و الكافي هكذا: انك قد أحدثت فتوضأ و إياك ان تحدث.

(2) في نسخة «ألف و ب»: المنتفي.

44

أحدثت.

و تأييده لما ذكرنا، مما يشهد به الوجدان السليم و يؤيّده أيضاً استحباب التجديد.

هذا، ثمّ إنّ العلامة (ره) استدل في المنتهي بروايتين أخريين.

إحديهما: ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب، قبيل الباب المذكور، في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال

قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة؟ قال: يمضي على صلاته، و لا يعيد.

و قال العلامة بعد نقل الحديث

و النهي عن الإعادة عام في الصلاة، و الوضوء

انتهى.

و لا يخفى ما في هذا الاستدلال، لأنّ قصارى ما يدلّ عليه الخبر، أنّ الشك بعد الفراغ لا حكم له، و أنّ الوضوء و الصلاة السابقين عليه صحيحان، لا حاجة إلى إعادتهما، و أمّا أنّه لا يلزم وضوء آخر عند حضور وقت صلاة أخرى، فهو عنه بمراحل، كما يشهد به الفطرة السليمة.

و العجب: أنّ العلامة (ره) أورد هيهنا على نفسه، أنّ حمل الإعادة على العموم يستلزم التخصيص، لأنّ من تجدد حدثه يعيد وضوءه، بخلاف تخصيصه بالصلاة إذ الصلاة السابقة لا تعاد بوجه. و أجاب عنه بوجهين: ثمّ قال

على أنّا نمنع أن يكون ذلك إعادة، بل هو تجديد واجب آخر

و لم يتنبه أنّه، بهذا يبطل استدلاله أيضاً، لأنّ الوضوء الواجب للصلاة الأخرى، ليس إعادة للوضوء الأوّل، كما لا

45

يخفى.

و ثانيهما: ما رواه الشيخ قبل هذا الخبر بأسطر في الصحيح. و رواه الكافي أيضاً، في باب الشك في الوضوء، في الصحيح، أو الحسن، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في أثناء حديث

فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه، و قد صرت في حال أخرى في الصلاة، أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمي اللّٰه، مما أوجب اللّٰه عليك فيه وضوءه، لا شيء عليك فيه.

و حال هذا الاستدلال أيضاً كحال سابقه في الضعف، و عدم الاستقامة و وجههما.

ثم، إنّه (ره) قال بعد ذكر هذه الرواية

و ذلك يدلّ على جواز استعمال الوضوء في الصلوات المتعددة، فإن قوله (عليه السلام): «و قد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها»، أي في غير الصلاة التي وقع فيها الشك، عامّ في كل ما غاير تلك الصلاة.

لا يقال: يحتمل أن يعود الضمير إلى الحال، و هي تؤنث تارة، و تذكّر أخرى و حينئذٍ لا يدلّ على الاجتزاء بذلك الوضوء، إلّا في تلك الصلاة، و لأنّ الحكم معلق على الشك، و هو خلاف قولكم.

لأنّا نجيب عن الأول: بأنّ الصلاة أقرب، فالعود إليه أولى. فإنّ النحويين اتفقوا على أنّ قولنا: ضرب زيد عمرواً و أكرمته، يعود الضمير فيه إلى عمرو لقربه. و بأنّ غير تلك الحال أيضاً، أعمّ من كونها في تلك الصلاة، أو غيرها.

لا يقال: تقييد المعطوف عليه، يستلزم تقييد العطف، لوجوب الاشتراك، لأنّا

46

نقول: نمنع ذلك، و الاشتراك إنّما يجب في الحكم الثابت لهما، و هو الاجتزاء بذلك الوضوء، أمّا في التقييد فلا. و عن الثاني: أنّ الإجزاء، إذا وجد مع الشك، فمع اليقين أولى

انتهى كلامه رفع اللّٰه مقامه و هو كما ترى.

و ليت شعري، لِم لم يستدل بالروايتين اللتين استدللنا بهما؟ مع صراحة دلالتهما و تمسك بهاتين الروايتين غير ظاهرتي الدلالة، و كأنّه غفل عنهما، لورودهما في غير باب الوضوء، أو لأنّه لما ضمّ إلى هذا المطلب في صدر المسألة مطلباً آخر، كما نقلناه عنه سابقاً، و ظنّ أنّ هاتين الروايتين لم يثبتا ذلك المطلب، فلذا أعرض عنهما.

لكن لا يخفى أنّ دلالة ما ذكره على هذا المطلب أيضاً، ليس بأزيد كثيراً مما ذكرنا، كما يظهر عند التأمل، فتأمل، و اللّٰه أعلم.

و إذ قد فرغنا من بيان وجوب الوضوء للصلاة، و ما يتعلق به، فلنشرع في بيان وجوبه للطواف و مسّ خط المصحف.

أمّا وجوبه للطواف: فقد نقل الإجماع عليه، و به روايات أيضاً، و سنذكرها مفصلة، مع ما يتعلق بها من الأبحاث، و مبحث الحج إن شاء تعالى.

و أمّا وجوبه لمسّ خط المصحف الواجب بنذر، أو شبهه، أو لإصلاح غلط لا يمكن بدونه، بناء على وجوب الإصلاح، فهو مبني على تحريم اللّمس على المحدث بالحدث الأصغر، و فيه خلاف.

قال الشيخ (ره) في المبسوط، بكراهته و نسب العلامة في المختلف، القول

47

بالكراهة، إلى ابن إدريس (1) و ابن البراج أيضاً (2)، و حرّمه الشيخ، في التهذيب، و الخلاف، و به قال أبو الصلاح، و المحقق، و العلامة (ره)، و هو الظاهر من كلام الصدوق أيضاً في الفقيه.

احتج القائلون بالتحريم بوجوه:

الأول: قوله تعالى في سورة الواقعة إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ.

وجه الاستدلال: أنّ قوله تعالى «لٰا يَمَسُّهُ» لا يمكن أن يكون محمولًا على الخبرية، و النفى، و إلّا يلزم الكذب، لوقوع المسّ من غير المطهّرين كثيراً، فلا بدّ من حمله على الإنشاء، و النهى، و ظاهر النهى التحريم، فيكون المسّ بدون الطهارة حراماً.

و فيه: أنّ// (12) الاستدلال بهذه الآية، موقوف على أن يكون ضمير «لٰا يَمَسُّهُ» راجعاً إلى القرآن، و هو ممنوع، لجواز رجوعه إلى كتاب مكنون، كما جوّزه بعض المفسرين، بل هو أقرب، لقربه. و يكون المعنى أنّه لا يطلع على

____________

(1) الظاهر أنّه قائل بحرمة مسّ المكتوب من القرآن للمحدث بالجنابة.

(2) الظاهر أنّه أيضاً قائل بحرمة مسّ المكتوب من القرآن للمحدث بالجنابة.

48

الكتاب المكنون، أي المستور المصون، إمّا عن الناس، أو عن التغيير و التبديل، أو الغلط و الباطل، أو التضييع، و المراد به، اللوح المحفوظ، كما قال المفسرون

إلّا الملائكة المطهّرون من الكدورات الجسمانية، أو أدناس المعاصي.

و قد يضعّف هذا الاحتمال بوجوه:

أحدها: أنّ قوله تعالى «لٰا يَمَسُّهُ» حينئذٍ يكون تأكيداً لقوله تعالى «مَكْنُونٍ» و الحمل على التأسيس أولى، و بما ذكرنا من الاحتمالات في معنى المكنون، يظهر لك الجواب عنه.

و ثانيها: أنّ اطلاع الملائكة على اللوح المحفوظ، غير ثابت، بل في بعض الأخبار و كلام بعض الأخيار، ما يدلّ على خلافه.

و فيه: أنّ عدم ثبوت اطلاعهم على اللوح المحفوظ، لا يكفي في هذا المقام، بل لا بدّ من ثبوت العدم، و إلّا لكان منعاً على المنع، و ما وقع في بعض الأخبار على تقدير وقوعه يمكن أن يكون المراد منه، عدم اطلاعهم بدون الإذن منه سبحانه.

و ثالثها: أنّ سياق الكلام، لإظهار شرف القرآن و فضيلته، لا اللوح و ما فيه.

و فيه: أنّ ثبوته في اللوح الذي لا يمسّه إلّا المطهّرون، شرف و فضيلة أيضاً.

أ لا ترى إلى قوله عز و جلّ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ فإن كان كونه فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ، شرفاً و فضيلة، لكان هذا أيضاً شرفاً و فضلًا بالطريق الأولى، و إن لم يكن ذلك شرفاً، فقد بطل مبنى الاعتراض، من أنّ سياق الكلام لإظهار شرف القرآن

49

و فضله كما لا يخفى.

و رابعها: أنّ قوله تعالى بعد هذه الآية، متصلًا بها تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ صفة للقرآن بمعنى المفعول، أو من قبيل الوصف بالمصدر من باب المبالغة، إذ لمّا لم ينزل نجوماً (1) من بين الكتب السماوية سواه، فكأنّه هو التنزيل لا الكتاب، لأنّه المنزل دونه. و قوله سبحانه كريم فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ أيضاً صفة له، فينبغي أن يكون «لٰا يَمَسُّهُ» أيضاً صفة له، و إلّا لم يحسن التوسيط.

و فيه: أنّه إذا كان «لٰا يَمَسُّهُ» صفة لمكنون، يكون من جملة متعلقات الصفة الثانية و متمّماتها، فكان مجموع هذا الكلام صفة واحدة، فلم يكن توسيطاً غير مستحسن مخلًّا بحسن الكلام و بلاغته، أ لا ترى إلى توسيط مكنون، مع أنّه صفة الكتاب.

و دفع هذا الاعتراض بمنع كون «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» صفة، لجواز كونه جملة برأسها معطوفاً على جملة إِنَّهُ لَقُرْآنٌ بحذف المبتدأ، أو يكون خبراً لأنّه و كذا القول في لا يمسّه و في كتاب، ليس بشيء، إذ على هذا التقدير أيضاً يكون في كتاب و تنزيل، من جملة أحكام القرآن و أحواله، فلا يكون توسيط حال غيره مناسباً، كما لا يخفى.

و خامسها: أنّه يلزم حينئذٍ، ارتكاب المجاز في المسّ و هو ظاهر، و كذا في المطهّرون، لأنّ الطهارة حقيقة شرعية في الوضوء، و هو خلاف الأصل.

و فيه: أنّا لا نسلّم أنّ الحمل على الحقيقة مطلقا أولى من الحمل على المجاز،

____________

(1) في نسخة «ب»: نحوه.

50

أ لا ترى أنّ علماء البلاغة أطبقوا على أنّ المجاز أبلغ من الحقيقة.

و أيضاً ثبوت الحقائق الشرعية ممنوع، و مع تسليمه لا نسلّم أنّ حقيقة الطهارة الوضوء، بل يجوز أن يكون انتفاء الحدث أو الخبث، و لا شكّ في تحقق هذا المعنى في الملائكة أيضاً.

و أيضاً ارتكاب المجاز في حمل الخبر على الإنشاء كما ارتكبتم في الاستدلال، ليس بأولى من ارتكاب هذين المجازين، إلّا أن يقال: إنّه مجاز واحد، و هذا مجازان.

ثمّ، على تقدير تسليم رجوع الضمير إلى القرآن نقول: إنّ دلالتها على المطلوب أيضاً غير تمام، إذ يجوز أن يكون اتصافه بأنّه لا يمسّه إلّا المطهّرون، باعتبار أصله الذي في اللوح، كما أنّ اتصافه ب فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ أيضاً كذلك.

و أيضاً يجوز أن يكون المراد، أنّه لا يعلم حقائقه، و دقائقه و أسراره، إلّا المطهّرون من الذنوب، و هم أصحاب العصمة (عليهم السلام).

و عن جنيد

المطهّرون أسرارهم عمّا سوى اللّٰه تعالى.

و في بعض التفاسير، عن محمد بن الفضل: المراد، لا يقرأ القرآن، إلّا موحد و عن حسين بن الفضل

لا يعلم تفسيره و تأويله، إلّا المطهّرون من الكفر و النفاق.

(عبارت باب و فصل مشخص شود) و أمّا حديث لزوم مجازية المسّ و الطهارة حينئذٍ، فقد عرفت جوابه، على أنّه على تقدير تسليم حمل المسّ على حقيقته، و ثبوت الحقائق الشرعية، و حمل