مشارق الشموس في شرح الدروس - ج2

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
534 /
1

[تتمة كتاب الطهارة]

درس: 3- [في واجبات الوضوء]

[الأول النيّة]

[يجب في الوضوء النيّة المشتملة على القربة]

يجب في الوضوء النيّة المشتملة على القربة، و هي موافقة إرادة اللّٰه تعالى، و الوجوب، و الرفع، أو الاستباحة.

النيّة في اللغة: العزم و القصد، يقال: نواك اللّٰه بخير أي قصدك، و نويت السفر أي قصدته و عزمت عليه.

و في الاصطلاح: القصد الخاصّ الذي يختلف بالنسبة إلى الأفعال و بالنظر إلى المذاهب، كما ستطلع عليه إن شاء اللّٰه تعالى.

ثمّ إنّ المحقّق (ره) في المعتبر قال: «النية شرط في صحّة الطهارة، وضوء كانت أو غسلًا أو تيمّماً، و هو مذهب الثلاثة و أتباعهم و ابن الجنيد، و لم أعرف لقدمائنا فيه نصّاً على التعيين» انتهى.

لكنّ الشيخ (رحمه اللّٰه) في الخلاف، و العلامة (ره) في المختلف، نقلًا الإجماع على وجوب النية، و هو ظاهر المنتهي أيضاً.

و في الذكرى أنّ ابن الجنيد (ره) عطف على المستحب قوله: «و أن يعتقد عند إرادة طهارته أنّه يؤدّي فرض اللّٰه فيها لصلاته».

و أنت خبير بإمكان توجيهه، بحيث لا ينافي كلام الثلاثة بأن يقال: مراده

2

استحباب أن يعتقد أنّها للصلاة أي قصد الاستباحة بل قصد الوجوب أيضاً كما يشعر به قوله: «فرض اللّٰه» لا استحباب أصل النية.

و استدل على الوجوب بما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)

إنّما الأعمال بالنيات، و إنّما لامرء ما نوى.

و عن علي بن الحسين (عليهما السلام)

لا عمل إلّا بنيّة.

و عن الرضا (عليه السلام)

لا قول إلّا بعمل، و لا عمل إلّا بنيّة، و لا نيّة إلّا بإصابة السنة

، و الكلّ لا يخلو عن مناقشة.

أمّا الأوّل و الأخيران: فلأنّها لمّا كان لم يمكن حملها على الحقيقة لمحذور الكذب فلا بدّ من ارتكاب تجوّز، و التجوّز فيها بحملها على نفي الصحة ليس أولى منه بحملها على نفي الثواب، و لو سلّم أنّه أقرب المجازات إليها نقول:

إنّ حملها عليه يستلزم التخصيص، لخروج كثير من الأعمال حينئذٍ من الحكم اتفاقاً، بخلاف حملها على نفي الثواب (1)، فلا أولوية أيضاً على هذا التقدير.

و أمّا الثاني: فلجواز حمله على مثل ما حملناها (2) عليه من أنّ المراد: أنّ للمرء ما نواه من المثوبات الأخرويّة أو الأغراض الدنيويّة، لا أنّه ليس له شيء

____________

(1) في هامش نسخة «ألف»: «فإنّ إزالة الخبث مثلًا صحيح بدون النيّة بالاتفاق، و لا يترتب عليه الثواب بدونها، فالنيّة شرط لترتّب الثواب عليه لا شرط لصحّته، فإذا حمل النفي في الأخبار على نفي الصحّة لزم تخصيصها بحملها على غير أمثال هذا العمل».

(2) في نسخة «ب»: على ما حملناهما.

3

أصلًا ممّا لم ينوه، لكن لا يخفى أنّ جواز هذا الحمل فيه لا ظهور له (1) كما في البواقي، فهو أجود الدلائل.

و استدل أيضاً على وجوبها بالأدلّة التي تدل على تقدير تمامها على وجوب بعض الخصوصيات التي سنفصلها إن شاء اللّٰه تعالى، فلا حاجة في ذكرها هيهنا، بل نوردها عند الاستدلال على وجوب الخصوصيات [التي سنفصلها (2)].

و لنشتغل الآن بذكر الخصوصيات التي يتشخص بها النيّة ممّا اتفق على وجوبه أو اختلف (3) و ما يتعلق به من الدلائل و الأبحاث، و نبدأ أوّلًا بقصد الفعل و أنّه هل يجب قصده حتّى لا يعتد بوضوء الغافل مثلًا أو لا؟ الظاهر الوجوب للإجماع عليه، كما ادعاه العلامة (ره) في المختلف.

و يمكن الاستدلال عليه أيضاً بالروايات السابقة، لأنّ مع عدم القصد إلى الفعل ينتفي جميع القصود، فلا نيّة أصلًا، فلا عمل. و يرد عليه أيضاً ما ذكر.

و أمّا وجوب قصد القربة فقد ادّعى العلامة (ره) في المختلف الاتفاق على وجوبه أيضاً، و الشيخ (ره) و إن لم يذكرها في المبسوط، لكن كأنّه تركها للظهور.

و استدل عليه أيضاً بوجوه:

منها: قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا

____________

(1) في هامش نسخة «ألف»: لأنّ إنّما للحصر.، و إلّا فيكون النفي.، فيلزم أن لا يكون له شيء ممّا لم ينوه.، كما هو الظاهر.

(2) الزيادة «ألف و ب» ما بين المعقوفتين لم يرد في «ج».

(3) في نسخته «ألف و ب» و اختلف.

4

الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ.

و فيه: أنّه إنّما يدل على وجوب الإخلاص بمعنى البراءة من الشرك أو البراءة من الرياء، و ليس مرادهم بالقربة التي ذكروها هذا القدر، بل أزيد منه كما سنذكر.

نعم، لو اكتفوا بمجرّد وجوب عدم القصد إلى كونه عبادة لغير اللّٰه أو عدم الرياء، لأمكن الاستدلال به، مع أنّ فيه وجوهاً آخر أيضاً من البحث، كما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى في بحث بطلان الوضوء بضمّ المنافي.

و منها: قوله تعالى فَادْعُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ.

و فيه: أنّ كون الوضوء عبادة ممنوع، و لو سلّم فلا نسلّم أنّ معنى الآية لا تعبدوا اللّٰه إلّا على حال الإخلاص، حتّى يكون نهياً في الحقيقة عن عدم الإخلاص بل معناها: الأمر بالعبادة المقرونة بالإخلاص، و الأمر لا يدل على الدوام و التكرار، و يكفي (2) في الامتثال به الإتيان بعبادة ما مخلصاً، إلّا أن يتمسّك بعدم القول بالفصل، و لو سلّم، ففيه أيضاً الإيراد المذكور في سابقه.

و منها: قوله تعالى فَاعْبُدِ اللّٰهَ مُخْلِصاً.

و فيه أيضاً: الإيرادات المذكورة، مع اختصاصه بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، و إشكال إثبات وجوب التأسّي.

و منها: قوله تعالى قُلِ اللّٰهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي.

و فيه أيضاً: الإيرادات السابقة، مع أنّه ليس فيه أمر بالعبادة مخلصاً بل بالقول.

____________

(2) في نسخة «ألف»: فيكفي.

5

إلّا أن يقال: إنّ التأسّي في القول أيضاً واجب، و وجوب هذا القول علينا يستلزم وجوب العبادة مخلصاً أيضاً كما لا يخفى.

ثمّ إنّهم فسّروا القربة بوجهين:

أحدهما: ما ذكره المصنف و هو: موافقة إرادة اللّٰه تعالى، أي يكون الإتيان بالوضوء لأجل أنّه مراد اللّٰه تعالى و موافق رضاه، و في حكمه أيضاً كونه أهلًا للعبادة، و كون العبادة شكر النعمة و شبهه.

و ثانيهما: طلب الرفعة عنده و نيل الثواب لديه تشبيهاً بالقرب المكاني، و في حكمه أيضاً الخوف من العقاب و شبهه.

و اختلفوا بعد الاتفاق على صحّة الأوّل و فضيلته، لما أشار إليه مولانا و مقتدانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله

ما عبدتك خوفاً من نارك، و لا طمعاً في جنّتك، و لكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك

في صحّة الثاني و عدمها، فقد نقل المصنف في قواعده عن الأصحاب بطلان العبادة بهاتين الغايتين، أي طلب الثواب و الخوف من العقاب.

و به أيضاً قطع السيد رضي الدين بن طاوس (ره)، محتجاً بأنّ قاصد ذلك إنّما قصد الرشوة و البرطيل (1) و لم يقصد وجه الربّ الجليل، و هو دالّ على أنّ عمله سقيم، و أنّه عبد لئيم، و هو الظاهر من كلام المصنف أيضاً في هذا الكتاب، حيث فسّر القربة بالوجه الأوّل فقط.

و اختار في قواعده و في الذكرى الصحّة، قال في الذكرى: «و الظاهر أنّ كلًّا

____________

(1) البرطيل: حجر مستطيل عظيم، شبّه به رأس الناقة.

6

منهما محصّل للإخلاص، و قد توهّم قوم أنّ قصد الثواب يخرج عنه، لأنّه جعله (2) واسطة بينه و بين اللّٰه و ليس بذاك صحح؛ لدلالة الآي و الأخبار عليه، و ترغيبات القرآن و السنة مشعرة به، و لا نسلم أنّ قصد الثواب مخرج عن ابتغاء// (89) اللّٰه بالعمل، لأنّ الثواب لمّا كان من عند اللّٰه فمبتغيه مبتغ وجه صحح اللّٰه.

نعم، قصد الطاعة التي هي موافقة الإرادة أولى لأنّه وصول بغير واسطة، و لو قصد المكلّف في تقربه الطاعة اللّٰه أو ابتغاء وجه اللّٰه كان كافياً، و يكفي عن الجميع قصد اللّٰه سبحانه، الذي هو غاية كلّ مقصد» انتهى.

و مراده بالآي: مثل قوله تعالى وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً، و قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، أي راجين للفلاح أو لكي تفلحوا. و الفلاح: هو الفوز بالثواب، قاله الطبرسي (ره)، و قال بعض: «هو الفوز بالأمنيّة» و قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ.، و قوله تعالى أَلٰا إِنَّهٰا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّٰهُ فِي رَحْمَتِهِ، بعد قوله تعالى وَ يَتَّخِذُ مٰا يُنْفِقُ قُرُبٰاتٍ عِنْدَ

____________

(2) في هامش نسخة «ألف»: «وجه الاستلزام أن يقال: إنّ هذا القول واجب لوجوب التأسّي فلو لم يكن العبادة مخلصاً لزم الكذب و الكذب حرام، و الصدق يتوقف على كون العبادة.».

7

اللّٰهِ، كما ذكره (1) في الذكرى.

و لا يخفى أنّ دلالة الآيات المذكورة و إن لم يتمّ على المراد سيّما بعضها، لكنّها ممّا يصلح للتأييد، و كذا الحال في الترغيبات و الترهيبات.

و يمكن الاستدلال عليه أيضاً بما روى عنهم (عليهم السلام)، في الصحيح أنّ «من بلغه ثواب من اللّٰه على عمل، فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه و إن (2) لم يكن الحديث كما بلغه».

و كذا ما رواه (3) أصول الكافي، في باب العبادة، في الحسن، بإبراهيم بن هاشم ظاهراً (4)، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

العبادة ثلاثة، قوم عبدوا اللّٰه عزّ و جلّ خوفاً، فتلك عبادة العبيد؛ و قوم عبدوا اللّٰه تبارك و تعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الأجراء؛ و قوم عبدوا اللّٰه عزّ و جلّ حبّا له، فتلك عبادة الأحرار، و هي أفضل العبادة.

و أيضاً: تخليص القصد عن النظر إلى الثواب و العقاب أمر مشكل جدّاً، يحتاج إلى مجاهدات عظيمة و رياضات شاقّة، فتكليف عامّة الناس به لا يناسب الشريعة

____________

(1) في نسخة «ب: ذكر.

(2) في نسخة «ب: أوتيه إن.

(3) في هامش نسخة «ألف»: هذه الرواية وجدتها في الكافي بسند غير صحيح، لكن صاحب المدارك حكم عليها بالصحّة و كأنّه وجدها في غير ذلك الموضع.» (منه دام ظلّه).

(4) في هامش نسخة «ألف»: «إنّما قال ظاهراً لما ذكر من أنّه و إن. و لكنّ الظاهر أنّه من. و عظمائهم. على آخر ما.»

8

السمحة السهلة.

هذا كلّه مع أنّك قد عرفت أنّ الدلائل التي استدلوا بها على وجوب القربة إنّما تدل على تقدير تمامها على وجوب الإخلاص الذي هو إمّا البراءة من الشرك أو الريا، و لا تدل على أزيد من ذلك، و ليس ما يدل على وجوب القربة حتّى ينظر في معناها.

و على تقدير وجوده أيضاً لما حصل الشك في معنى القربة، فإنمّا صحَّ يحكم بوجوب القدر المتيقن كما مرّ غير مرّة، خصوصاً مع وجود المعارضات. و الإجماع الذي نقلوا على وجوبها أيضاً على تقدير تحققه ليس بموجود في المعنى الأوّل.

فعلى هذا، الظاهر صحّة المعنى الثاني أيضاً، و عدم بطلان العبادة به، بل لا يبعد القول بصحّة العبادة لطلب الأغراض الدنيوية المباحة أيضاً عن (1) جنابه سبحانه، كما نبّه عليه ما ورد

أنّ صلاة الليل تزيد في الرزق، و الصدقة تردّ البلاء، و صلة الرحم تنسي الأجل.

فإن قلت: ما تقول في الإتيان بالعبادة لأجل حسنها في الواقع، لا لأنّها أمر بها سبحانه، و لا لطلب ثواب أو خوف عقاب منه، أو القرب إليه، أو لحبّه، أو نحو ذلك ممّا ينظر فيه إلى وجه اللّه تعالى؟

قلت: الظاهر على ما ذكرنا من عدم دليل على الزائد من وجوب نفي الشرك أو الرياء صحّة تلك العبادة، و كذا الظاهر من (2) كلام المتكلمين، لكن لم نقف فيه

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: من.

(2) في نسخة «ب: عن.

9

على نصّ من الأصحاب، و أنّه على طريقتهم من وجوب القربة و ابتغاء وجه اللّٰه تعالى ما يقولون في مثل هذا.

لكن لا يذهب عليك، أنّ ما ذكر من الفرض يحتمل وجهين:

الأوّل: أن يكون الفاعل مستشعراً (1) بأنّها عبادة و طاعة للّٰه تعالى، و يفعلها لأجل حسنها في الواقع، و حينئذٍ فالظاهر أنّها على طريقة القوم أيضاً صحيحة، و داخلة تحت ابتغاء وجه اللّٰه، بل هي في أعلى مراتب العبادة، و أولى ممّا يكون لقصد الثواب و الخوف من العقاب.

و الثاني: أن لا يكون مستشعراً بذلك، بل قد حصل له العلم إمّا من العقل أو الشرع بأنّ الوضوء مثلًا حسن و إنّما يفعله لأجل حسنه، و حينئذٍ فيه إشكال على طريقة القوم.

و لا يخفى عليك أنّه يمكن الاستدلال على وجوب القربة بالمعنى الذي ذكر بقوله (عليه السلام)

إنّما لامرءٍ ما نوى

؛ فتأمّل.

هذا، و بما ذكرنا من أنّ أحد أجزاء النية التي ذكرها الأصحاب إنّما هو القربة بالمعنى الذي ذكر و لا شك أنّها أمر مشكل، سيّما إذا كانت بالمعنى الأوّل فإنّه في نهاية الصعوبة، و ليست هي مجرد القصد إلى الفعل ظهر حال ما قاله بعض الفضلاء في تسهيل أمر النيّة، و استحسنه بعض من أنّه: «لو كلّف اللّٰه الصلاة و غيرها من العبادات بغير نيّة كان تكليفاً [ب] ما لا يطاق»، لأنّ هذا إنّما يكون له

____________

(1) في نسخة «ب»: مستقراً.

10

وجه صحة، لو كان المراد من النيّة مجرّد القصد إلى الفعل.

و أمّا عدم تعرض القدماء لأمرها، فكأنّه لأجل أنّ وجوب ما سوى قصد الفعل و القربة من الزيادات التي ذكرها المتأخرون، و كذا بعض الشرائط كالمقارنة، و الأحكام التي يتفرع على هذه الأمور ليست بثابتة، كما سنذكره إن شاء اللّٰه تعالى.

و الأمر الأوّل من هذين في غاية السهولة، و الأمر الثاني قد أغناهم كثرة الآيات و الروايات الواردة فيه عن التعرض له، و اللّٰه تعالى أعلم بحقائق الأمور.

و أمّا قصد الوجوب فقد اختلف القوم فيه، فالشيخ (ره) في النهاية و ظاهر المبسوط، و المحقق في المعتبر على عدم وجوبه، و العلامة في جملة من كتبه، و المحقق في الشرائع، و ابن إدريس على وجوبه، و الأوّل أظهر.

لنا: أصل البراءة و صدق الامتثال، مع عدم المخرج عن الأصل، كما سيظهر من جواب دليل المخالفين (2).

و يؤيّده أيضاً: أمرهم (عليهم السلام) بالواجبات و المندوبات بطريق واحد، من غير تعرض للوجوب أو الندب، و لو كان قصد الوجوب أو الندب شرطاً، لما كان كذلك.

____________

(2) في نسخة «ألف»: دليل المخالفين فيه.

11

و احتجّ المخالفون بوجهين:

الأوّل: أنّ الامتثال في العبادة إنّما يتحقق بإيقاعها على الوجه المطلوب، و لا يتحقق ذلك الوجه في الفعل المأتي به إلّا بالنية، بدليل

إنّما لكلّ امرئٍ ما نوى.

الثاني: أنّ الفعل لمّا جاز وقوعه تارة على وجه الوجوب و أخرى على الندب فاشترط تخصيصه بأحدهما، حيث يكون ذلك هو المطلوب، و التخصيص لا يحصل إلّا بالنية.

و في الوجهين نظر؛ أمّا الأوّل: فلأنّه إن أريد بإيقاعها على الوجه المطلوب إيقاعها بشرائطها و أركانها المعتبرة فيها شرعاً فمسلّم، لكن لا نسلّم أنّ من جملتها قصد الوجوب أو الندب، و إن أريد به إيقاعها على قصد وجهه الذي هو الوجوب أو الندب، كان مصادرة محضة.

فإن قلت: المراد الأوّل، لكن لا ندّعي أنّ من جملة وجوهها قصد الوجوب أو الندب حتّى يكون في معرض المنع، بل ندّعي أنّ من جملتها الوجوب أو الندب، و هو لا يقبل المنع، إذ لا شك أنّ امتثال الأمر الواجبي إنّما يكون بالإتيان بالفعل الواجب دون الندب، و كذا الحال في الندب، و هذا الوجه لا يحصل في الفعل إلّا بالنية، إذ بدون النيّة يحتمل// (90) الواجب و الندب و لا يصار إلى أحدهما لامتناع الترجيح من غير مرجح. و هذا التوجيه هو ظاهر كلام المستدل حيث قال

12

«و لا يتحقق ذلك الوجه» إلى آخره، فاندفع النظر.

قلت: هذا بعينه هو الوجه الثاني، و يندفع بما ندفعه به.

و بما قرّرنا من إمكان إرجاع الوجه الأوّل إلى الثاني بل إنّ الظاهر منه هو هذا ظهر ما في كلام الشهيد الثاني (ره) في شرحه للإرشاد، حيث ضعّف الوجه الأوّل و حكم بعدم صلاحيته للدلالة و تأسيس حكم شرعيّ، حتّى قال: «إنّه قيل كلام شعري»، و مع هذا اعترف بتمامية الوجه الثاني في غير الوضوء.

إلّا أن يكون إيراد على من ذكر الوجهين معاً، كابن إدريس في السرائر، إذ حينئذٍ لا يمكن إرجاع أحدهما إلى الآخر؛ فتأمّل.

و أمّا الثاني: فلأنّه إن أريد به (1) أنّ الأوامر لمّا كانت إيجابية أو ندبية، فالفعل الذي يفعل المكلّف لو لم يقصد أنّه واجب أو ندب لم يتعين، لكونه امتثالًا لأمر (2)، إذ صرفه إلى أحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجّح.

ففيه: أنّا لا نسلّم أنّه لا بدّ من مخصّص يخصّص الفعل إلى أحد الأوامر، إنّما يكون ذلك فيما لم يجز التداخل، و أمّا مع جوازه فلا، إذ الفعل حينئذٍ (3) امتثال للجميع، فلا حاجة إلى مخصّص.

و أيضاً: لا نسلّم انحصار المخصّص في قصد الوجوب و الندب، إذ يجوز أن يخصّص بشيء آخر كما إذا لاحظ وقت الفعل كونه امتثالًا لبعض الأوامر

____________

(1) لم ترد في نسخة «ب».

(2) في نسخة «ب»: امتثال الأمر.

(3) لم ترد في نسخة «ب».

13

بخصوصه و إن لم يعلم أنّه إيجابي أو ندبي.

و أيضاً: هذا إنّما يتمّ فيما كان فيه أوامر مختلفة، فلا يثبت الكليّة كما هو مذهبهم مع أنّ فيما نحن بصدده أي الوضوء ليس كذلك، إذ لا يجتمع فيه أمر إيجابي مع ندبي، إذ مع خلوّ الذمّة عن مشروط به لا يجب قطعاً، و مع شغلها لا يندب.

و لا يخفى أنّ هذا الحكم الأخير و إن كان قد ذكره القوم، لكنّه ليس له وجه ظاهر و سيجيء تفصيله إن شاء اللّٰه تعالى عن قريب.

و إن أريد به أنّ الوضوء لمّا كان واجباً و ندباً، فلا بدّ في كونه امتثالًا للأمر الإيجابي أن يكون واجباً، إذ الوضوء المندوب لا يكون امتثالًا للأمر الإيجابي.

ففيه: أنّه لو أريد توقّف الامتثال على الوجوب فممنوع، و لو أريد الاستلزام فمسلّم، فحينئذٍ نقول: لمّا كان الأمر بإيجاد الطبيعة مطلقا فعند الإتيان بها يحصل الامتثال، و إذا حصل الامتثال تحقّق الوجوب أيضاً، لأنّ ما يمتثل به الأمر الإيجابي واجب.

هذا، و خلاصة القول على ما قرّرنا أنّ اشتراط نيّة الوجوب و الندب فيما لم يتعدد الأوامر لا ظهور له، فحينئذٍ لو لم ينو الوجه أصلًا أو نوى خلاف الواقع عمداً أو سهواً لكان الفعل صحيحاً، سواء كان ذلك الأمر الواحد معلوم الإيجاب أو الندب أو مشكوكهما، و لو ردّد في صورة الشك بين نيّة الوجوب و الندب لكان الظاهر أيضاً الصحّة.

14

و ما يقال من (1) أنّ الترديد في النيّة ليس بصحيح لا وجه له ظاهراً، و كذا الحال فيما تعدّد الأوامر الإيجابية و الندبية، لكن يكون ممّا (2) يجزي فيه التداخل.

و أمّا إذا لم يجز التداخل مثل الأمر بنافلة الصبح و فريضتها، فحينئذٍ لا يبعد القول باشتراط تخصيص الفعل بأحدهما، سواء كان بقصد الوجوب و الندب أو بغيره من المخصّصات.

و كذا لا يبعد القول باشتراط التخصيص فيما تعدّد الأوامر الإيجابية فقط و الندبية فقط، و لم يجز التداخل في متعلقاتها إذا كان لوازمها و أحكامها مختلفة، و أمّا إذا لم تكن مختلفة فالظاهر أيضاً عدم الاشتراط.

هذا، ثمّ اعلم أنّ المتكلمين ذكروا أنّه لا بدّ في حسن الفعل من أن يفعل لوجوبه أو ندبه، و يمكن أن يكون كلام الأصحاب أيضاً ناظراً إليه، كما يشعر به الوجه الأوّل من الوجهين المذكورين.

لكن هذا القول أيضاً ممّا لم يقيموا عليه دليلًا ظاهراً، بل الظاهر أنّه يندفع بالقربة التي ذكرها الأصحاب لأنّهم لم يقتصروا على الوجوب و الندب، بل عمّموا الحكم بأنّه لا بدّ من أن يكون الفعل لوجوبه أو ندبه أو لوجههما، و فسّروا الوجه بالشكر و نحوه، و لا ريب أنّ هذا داخل تحت القربة كما فصّلناها سابقاً.

و أمّا اشتراط أحد الأمرين من الرفع أو الاستباحة فقد اختلف فيه، فالشيخ في المبسوط، و العلامة في جملة من كتبه، و المحقق في المعتبر، و ابن

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

(2) في نسخة «ألف و ب» فيما.

15

إدريس قالوا باشتراطه، و ادّعى ابن إدريس الإجماع عليه، و نقلوا عن السيد المرتضى (ره) اشتراط خصوص الاستباحة، و عن أبي الصلاح و ابن زهرة و ابن البراج و ابن حمزة اشتراطهما معاً.

و الشيخ (ره) في النهاية، و المحقق في الشرائع ذهبا إلى عدم الاشتراط.

و قال السيد السعيد جمال الدين ابن طاوس في البشرى

لم أعرف نقلًا متواتراً و لا آحاداً يقتضي الفضل إلى رفع الحدث و استباحة الصلاة، لكن علمنا يقيناً أنّه لا بدّ من نيّة القربة، و إلّا كان هذا من باب أسكتوا عما سكت اللّٰه عنه

انتهى.

و الظاهر القول الأخير، لأصالة البراءة و صدق الامتثال بدونه، و عدم دليل مخرج عن الأصل كما سيظهر.

احتجّ المشترطون لأحدهما بقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ الآية.

وجه الاحتجاج: أنّ المفهوم منه عرفاً، أنّ الوضوء لأجل الصلاة، كما أنّ المفهوم من قولهم: إذا لقيت الأمير فخذ أهبتك، و إذا لقيت العدو فخذ سلاحك أنّ

16

أخذ الأهبة و السلاح لأجل لقاء الأمير و العدو، و لا معنى لكون الوضوء للصلاة إلّا أنّه لاستباحتها.

و الجواب: أنّ كون هذا المعنى مفهوماً من الآية بحسب العرف مسلّم، لكن لا يثبت المطلوب، لأنّ كون الوضوء لأجل الصلاة لا يستلزم أن يقصد في الوضوء أنّه لأجل الصلاة و هو ظاهر، أ لا يرى أنّ في المثالين المذكورين لا يلزم في (1) امتثالهما أن يقصد حين أخذ الأهبة و السلاح أنّه لأجل الأمير و العدو.

و أورد عليه أيضاً: أنّ هذا الدليل لو تمّ لدلّ على ما نسب إلى المرتضى (ره) من اشتراط الاستباحة لا أحد الأمرين كما هو مدعي المحتجّين.

و أجاب العلّامة (ره) في المختلف عن الإيراد بوجهين:

أحدهما: أنّ وجوب الاستباحة لا ينافي ما ذكرنا، من كونه (4) أحد الفردين المخيّر فيهما، لأنّ فرد الواجب المخيّر أيضاً واجب.

و ثانيهما: أنّ نيّة رفع الحدث تستلزم الاستباحة، لأنّها نيّة لإزالة المانع من الدخول في الصلاة ليدخل المكلّف في الصلاة، فإنّه الغاية الحقيقية، فإنّ إزالة الحدث ليس غاية ذاتيّة، و إنّما هو مراد بالعرض لأجل استباحة الصلاة.

و في الوجهين نظر؛ أمّا في الأوّل: فلأنّ مراد المورد ليس أنّ (5) وجوب أحد الأمرين يرفع وجوب نيّة الاستباحة، بل مراده أنّ الدليل على تقدير

____________

(1) في نسخة «ج»: من.

(4) في نسخة «ألف»: من كون، و في نسخة «ب»: لكونه.

(5) لم ترد في نسخة «ب».

17

تمامه إنّما يدل على وجوب خصوص هذا الأمر، و أمّا بدليّة الأمر الآخر فلا دليل عليه.

و يمكن أن يجاب بأنّ العلامة (ره) قد استدل قبل هذا على الاكتفاء برفع الحدث بقوله (عليه السلام)

إنّما الأعمال بالنيات، و إنّما لكلّ امرء ما نوى

، و قال: «فإذا نوى رفع الحدث مع باقي الصفات من الوجوب أو الندب و القربة أجزأه، لأنّه قد حصل له ما نواه و هو رفع الحدث عملًا بالحديث، فزال المانع من الدخول في الصلاة» انتهى. و هذا دليل على البدلية.

و لك أن تقول بعد ثبوت وجوب قصد الاستباحة بالآية كما زعموا-: لو اكتفي في بدليّة قصد الرفع له بهذا الدليل لزم أن يقال ببدليته أيضاً لقصد الوجوب و الندب و القربة أيضاً بهذا الدليل بعينه. و الجواب الجواب، إلّا أن يجاب بالإجماع على عدم البدليّة لهما و لا إجماع هيهنا.

و أنت خبير بما في دليليه المذكورين من الضعف، أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني: فلأنّه لا يدل على أنّ كلّ ما ينوي المرء يدركه، و هو ظاهر.

و أمّا في الثاني: فلأنّه قد ثبت وجوب الوضوء بقصد أنّه للصلاة على زعمكم و لا نسلّم أنّ استلزام رفع الحدث لاستباحة الصلاة في الواقع إنّما (3) يستلزم أن يقصد على الوضوء بقصد رفع الحدث أنّه يقصد الاستباحة، إذا لم يكن حين قصد الرفع الاستباحة و لزومها للردع منظورين، بل على تقدير كونهما

____________

(3) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

18

منظورين أيضاً لا نسلّم صدق قصد الاستباحة، إلّا أن يكتفي بالقصد بالعرض.

ثمّ إنّهم اكتفوا في قصد الاستباحة المعتبر في الوضوء الواجب باستباحة أيّ مشروط بالطهارة، كان صلاة أو غيرها، واجباً أو مندوباً، و هو الظاهر من كلام المصنف أيضاً حيث أطلق الاستباحة، بل قد حكى عن فخر المحققين الاكتفاء بقصد استباحة مشروط بالطهارة، و إن كان ممتنعاً كان ينوي استباحة الطواف و هو بالعراق، و كان دليلهم عليه أيضاً ما نقلناه عن العلّامة من الدليل على الاكتفاء برفع الحدث، و قد عرفت ما فيه.

و الحاصل: أنّ كلامهم في هذا المقام غير منقّح جدّاً.

و أمّا حجّة المرتضى فقد ظهرت أيضاً مع جوابها.

و أمّا حجّة من اشترطهما معاً، فلم نقف عليها سوى ما ذكره المصنف في الذكرى، من أنّ الرفع يوجد بدون الاستباحة في غسل الحائض إن قلنا برفعه الحدث (4) الأكبر، و الاستباحة بدون الرفع في المتيمم و الطهارة الضرورية، فإذا لم يتلازما لم يكف أحدهما.

و أيضاً: لا بدّ من رفع الحدث، لأنّه مانع من الدخول و من الاستباحة، لأنّه الوجه الذي لأجله يرفع الحدث، فما لم ينوه لا يكون ممتثلًا للوجه الذي أمر به لأجله، و ضعف الوجهين ظاهر ممّا ذكرنا.

____________

(4) لم توجد هذه الكلمة في نسخة ألف.

19

و حكى المصنف (ره) أيضاً في شرح الإرشاد أنّهم احتجّوا بالجمع بين أدلّة الأقوال و نيّة كلّ من الرفع و الاستباحة بالمطابقة، لأنّ اللزوم غير بيّن و الاتّحاد غير حاصل.

و لا يذهب عليك أنّ الظاهر أنّ وجوب الرفع فقط لا دليل عليه و لا قول به، حتّى يحتج بالجميع بين أدلّة الأقوال؛ فتدبر.

و عليك بالاحتياط في جميع هذه الأمور المختلف فيها و الأخذ بمجامع الأقوال مهما أمكن، و اللّٰه الموفّق.

[المبطون و السلس و المستحاضة ينوون الاستباحة لا الرفع]

و المبطون، و السلس، و المستحاضة، ينوون الاستباحة أو رفع ما مضى.

قال في الذكرى: «ذو الحدث الدائم كالمبطون و السلس و المستحاضة ينوي الاستباحة، فلو ضمّ إليها رفع الحدث لغي، إلّا أن يقصد رفع ما مضى فحسن، و لو اقتصر عليه فإن نوى رفع ما مضى صحّ، لأنّه في معنى الاستباحة، و إن نوى رفعه مع ما هو حاصل أو سيحصل فقد نوى ما بعضه ممتنع، فيمكن الصحّة لتضمنّه النيّة رفع مانع الصلاة، و البطلان لعدم إمكان ما نواه، فكيف يحصل له؟» انتهى.

و فيه: أنّه إمّا أن أريد (3) برفع ما مضى رفع الحدث الكائن في الزمان الماضي نفسه، أو رفع أثره الذي هو المنع من الصلاة.

فإن كان الأوّل: فمع أنّه يلغو حينئذٍ ذلك القصد لأنّ الحدث الكائن في

____________

(3) في نسخة «ألف و ب»: أن يريد.

20

الزمان الماضي مرتفع في هذا الزمان، سواء قصد رفعه أم لا يرد عليه: أنّه كيف يكون هذا القصد في معنى قصد الاستباحة؟ لأنّ المانع من الصلاة موجود الآن، و هو الحدث الحاضر بل أثر الحدث السابق أيضاً، فبمجرد ارتفاع الحدث السابق كيف يستباح الصلاة؟

و إن كان الثاني: فيرد عليه أيضاً الإيراد السابق، إذ بمجرد ارتفاع أثر الحدث السابق لا يستباح الصلاة، بل لا بدّ من ارتفاع أثر الحدث اللاحق أيضاً، و القول بأنّه مغتفر لا دليل عليه، إلّا أن يكون المنع كافياً في المقام.

و أيضاً: كما يصح رفع ما مضى بهذا المعنى، كذلك يصح رفع الحاصل أيضاً بهذا المعنى، فلم يحكم بصحّة الأوّل و امتناع الثاني.

هذا، و بما ذكرنا ظهر أنّ دائم الحدث يجب عليه أن ينوي الاستباحة فقط، بناءً على وجوب قصد الرفع أو الاستباحة، و أمّا على ما اخترناه فالأمر واضح. هذا على تقدير أن يكون رفع الحدث غير الاستباحة، كما ذكرنا سابقاً.

[و لا يشترط قصد الطاعة للّٰه]

و لا يشترط قصد الطاعة للّٰه خلافاً لابن زهرة، ذهب ابن زهرة إلى وجوب خمسة أمور في النية: قصد الوجه، و الاستباحة، و الرفع، و الطاعة، و القربة، و استدل على الثلاثة الأوّل ببعض ما ذكر سابقاً، و قال في الأخيرين: «و تعلقّها بالطاعة للّٰه تعالى، لأنّ بذلك يكون الفعل عبادة و اعتبرنا التوبة اليه سبحانه و المراد بذلك طلب المنزلة الرفيعة عنده بنيل ثوابه، لأنّه الغرض المطلوب بطاعته» انتهى.

21

و أنت خبير بما ذكرنا سابقاً بكفاية أحد الأمرين اللذين أراد هما من الطاعة و القربة، بل غيرهما أيضاً ممّا فصّل في بحث القربة.

[و لا يشترط مقارنة النية لابتداء غسل الوجه]

و المقارنة لابتداء غسل الوجه، إذ هو مبدأ الأفعال، فلو أخّر عنه لوقع بعض الأفعال الواجبة بلا نيّة فيكون باطلًا، و ببطلان الجزء يبطل الكلّ، و كذا لو قدّم و لم يبق إلى الشروع، إذ حينئذٍ يقع جميع الأفعال بلا نيّة.

و اعلم أنّ هيهنا إشكالًا سنذكره إن شاء اللّٰه تعالى في بحث استدامة حكم النيّة.

[و يجوز تقديمها عند غسل اليدين مستحباً و عند المضمضة و الاستنشاق]

و يجوز تقديمها عند غسل اليدين مستحباً، و عند المضمضة و الاستنشاق: المشهور بين الأصحاب جواز تقديم النيّة عند غسل اليدين استحباباً للوضوء، و أولى منه عند المضمضة و الاستنشاق، لقربهما من الواجب؛ و وجهه أنّها من جملة أفعاله، فجاز إيقاع النيّة عندها.

و حكم في المنتهي باستحباب التقديم، ليشمل النيّة أفعال الوضوء الواجبة و المندوبة.

و جوّز ابن إدريس التقديم عند غسل اليدين في الغسل دون الوضوء، و جوّز في الوضوء التقديم عند المضمضة و الاستنشاق معلّلًا بأنّهما من جملة العبادة، و كأنه جعل غسل اليدين مستحباً خارجاً لا من جملة أفعال الوضوء، و ليس ببعيد، لكن جعله في الغسل داخلًا دون الوضوء بعيد.

22

و منع ابن طاوس (ره) في البشرى التقديم مطلقا، سواء كان عند غسل اليدين، أو المضمضة و الاستنشاق، نظراً إلى أنّ مسمّى الوضوء الحقيقي غيرهما (2)، و نقلوا الإجماع على عدم جواز تقديمها عند غيرها من المسنونات كالسواك و التسمية. و الظاهر ما ذهب إليه الأكثر، كما سيظهر عن قريب إن شاء اللّٰه تعالى.

و لمّا لم يذكر المصنف فيما بعد غسل اليدين في مستحبات الوضوء فلا بأس أن نورد هيهنا بيان استحبابه و شرائطه.

أمّا الاستحباب فيستدل عليه: بما رواه التهذيب (3)، في باب آداب الأحداث، في الصحيح ظاهراً (4) عن عبيد اللّٰه الحلبي قال: سألته عن

____________

(2) في نسخة «ب»: غيرها.

(3) في هامش نسخة «ب»: «رواه في الاستبصار أيضاً عن الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمّد بن (الحسن)، عن أبيه. إلى آخر السند. بعينه، و هذا السند أيضاً صحيح ظاهراً.» (ص)

(4) في هامش نسخة «ب»: «ظهوره باعتبار أحمد بن محمّد الذي يروي عنه الشيخ المفيد، فلقد أفاد. أنّ الظاهر أنّ هذا أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد لا أحمد بن محمّد يحيى العطار، و إن كانا في. واحدة. من الطرق المتعددة الدالّة على أنّ أحمد بن الوليد كان من الذين يروي عنهم المفيد و أن أحمد بن العطار يروي عنه الحسين بن عبيد اللّٰه.

و خبر المفيد عن مشيخة الشيخ كيف ما كان، فالأوّل: لم أجده في كتب أصحابنا المتقدمين بجرح و لا تعديل و الثاني: (مهما) و لعلّ جهالتهما غير ضارّة، نظراً إلى أنهما من مشايخ الإجازة انتهى.

فإنّ سندها في التهذيب هكذا: أخبرني الشيخ، عن أحمد، بن محمّد، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى و أحمد بن إدريس، جميعاً عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام). أنّ في. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألت كم يفرغ الرجل على يده قبل أن يدخلها في الإناء؟ قال: «واحدة من حدث البول و ثنتين من الغائط و ثلاثة من الجنابة».

استدل. في المبارك بهما على المطلوب. بالصحّة، كما يفعلون كذلك مراراً فيما. بإبراهيم، و قد قال (قدس سره) في هذا الشرح: «و إبراهيم بن هاشم و إن لم ينصّ الأصحاب على توثيقه،.

الظاهر أنّه من أجلاء الأصحاب و عظمائهم. عظيم منزلتهم و رفيع قدرهم في قول الصادق: «اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر رواياتهم».

و بالجملة: إنّ هذا الحسن إن لم يكن أقوى من. ظاهراً فليس بأدون منه، مع أنّ متنه. يدل على استحباب غسل اليد اليسرى. اليد على. جميعاً. عزيز و ليس. إحديهما، فليس إحديهما أرجح من. و على ان تدبر، لا استكمل في استنباط غسل. اليسرى، كما. (قدس سره).

و مع قطع النظر. دلالة حسنة حريز و موثقة عبد الكريم على.، و يكفي الحديث الضعيف.، كما أفاده (قدس سره) أيضاً، فكيف الحسن و الموثق؟ اللهم إلّا أن يقال: مضمون الأوّل ممّا لا.، و الثاني لا يدل على المرّة و المرّتين، لكنّ الدلالة على الكليّ عين الدلالة على الجزء. بالجزء.،

23

الوضوء، كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل إدخالها في الإناء؟ قال

واحدة من حدث البول، و اثنتان من الغائط، و ثلاثاً من الجنابة.

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الحسن، عن حريز، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

يغسل الرجل يده من النوم مرّة، و من الغائط و البول مرّتين، و من الجنابة ثلاثاً.

و ما رواه أيضاً في الموثق، عن عبد الكريم بن عتبة الكوفي الهاشمي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يبول و لم يمسّ يده اليمنى شيء، أ يدخلها في وضوءه قبل أن يغسلها؟ قال

لا، حتّى يغسلها؛ قلت: فإنّه استيقظ من نومه و لم يبل، أ يدخل يده في وضوءه قبل أن يغسله؟ قال: لا، لأنّه لا يدري حيث باتت يده، فليغسلها.

فإن قلت: ما وجه حمل هذه الرواية على الاستحباب دون الوجوب؟

قلت: للجمع بينها و بين ما رواه التهذيب أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يبول و لم تمسّ يده اليمنى شيئاً، أ يغمسها في الماء؟ قال

نعم، و إن كان جنباً

(4)

.

____________

(4) في الكافي: «و لا يمسّ يده شيء».

24

و هذا و إن كان مختصاً بالبول لكنّ الغائط و النوم أيضاً الظاهر أنّ حكمهما حكم البول، لاقترانهما به في الروايات.

و كذا بينها و بين ما روي أنّه (عليه السلام) عند بيان الوضوء غمس كفّه في الماء من غير غسل و قال (1)

هكذا إذا كانت الكفّ طاهرة

، و سيجيء الرواية إن شاء اللّٰه تعالى.

و يؤيّد الاستحباب أيضاً آية الوضوء، حيث لم يذكر فيها غسل اليد، و كذا الاختلاف الواقع في الروايات في الغسل للبول.

هذا كلّه مع أنّ الأصل براءة الذمة من الوجوب.

و لا يذهب عليك أنّ استنباط غسل اليد اليسرى من الروايات مشكل، لكنّ الشهرة بين الأصحاب كأنّها تكفي في الحكم بالاستحباب.

و أمّا الشرائط: فذكروا للاستحباب شرطين:

الأوّل: أن يكون الوضوء من حدث النوم أو البول أو الغائط لا الريح، و وجهه ظاهر ممّا ذكرنا.

الثاني: أن يكون من ماء قليل في إناء يمكن الاغتراف منه، فلو توضّأ من نهر أو مصنع أو إناء لا يمكن الاغتراف منه لم يستحب الغسل.

و وجهه غير ظاهر، لأنّ الرواية الأولى و إن كانت مختصة بالإناء، لكنّ الأخيرتين مطلقتان؛ و كون علّة الغسل توهّم التنجيس غير ظاهر، بل لو كان علّته

____________

(1) في نسخة «ألف»: قال هكذا.

25

أيضاً ذلك لكان هذا التوهم غير منحصر في تنجيس الماء، بل جار في تنجيس الأعضاء و عدم صحّة الوضوء معه.

و أيضاً: على تقدير التسليم لكان ينبغي أن يخصّ بالقليل فقط، لا بكونه في إناء (1) أيضاً.

ثمّ إنّه لو غسل اليد بعد هذه الأحداث بدون إرادة الوضوء، فهل يستحب الغسل ثانياً عند إرادته أم لا؟ لم أقف فيه على نصّ من الأصحاب، و الرواية الأخيرة نظراً إلى التعليل الواقع فيها تدل على عدم الاستحباب ثانياً بعد النوم، و كذا ظاهرها في البول أيضاً كما لا يخفى؛ و الرواية الثانية الأمر فيها مطلق، فيحصل امتثاله بالغسل قبل إرادة الوضوء أيضاً كما هو الظاهر.

نعم، الرواية الأولى كأنّها ظاهرة في الاستحباب.

[و لو وجب غسل اليدين لنجاسة أو استحب لا للوضوء أو أبيح، فلا نيّة عنده]

و لو وجب غسل اليدين لنجاسة، أو استحب لا للوضوء، أو أبيح، فلا نيّة عنده، و وجهه أنّه ليس حينئذٍ من جملة أفعال الوضوء، فلا يجوز مقارنة النيّة به.

و الاستحباب لا للوضوء مثل الاستحباب للأكل، و الإباحة كالغسل بعد الريح أو عند الوضوء من النهر، على القول بعدم الاستحباب حينئذٍ.

و كذا لو كان مكروهاً، كما لو قصر الماء بسببه عن الغسلات المستحبة؛ أو حراماً، كما لو قصر بسببه عن الغسلات الواجبة بطريق الأولى.

و قال المصنف (ره) في الذكرى: «و في جوازها عند الواجب كإزالة النجاسة

____________

(1) في نسخة «ألف»: في الإناء.

26

المعلومة وجه، لأنّه أولى من الندب بالمراعاة، و الأقرب المنع، لأنّه لا يعدّ من أفعال الوضوء» انتهى.

و أيّد الشهيد الثاني (ره) الوجه بما ورد من التعليل في النائم، بأنّه لا يدري أين باتت يده، فإنّه يقتضي أنّه لرفع نجاسة موهومة فالمحققة أولى.

هذا، و اعلم أنّ استفادة أنّ هذا الغسل من جملة أفعال الوضوء من الروايات مشكل جدّاً، فلو كان بناء جواز تقديم النيّة عليه لكان الظاهر عدم الجواز، لكنّا سنذكر إن شاء اللّٰه تعالى وجهاً آخر للجواز، و لذا اخترنا المذهب المشهور.

[و يجب استدامة حكمها إلى آخره]

و استدامة حكمها إلى آخره، نذكر أوّلًا ما هو الظاهر عندنا في هذا الباب، ثمّ نشتغل بذكر كلام القوم.

اعلم أنّ الحركات الصادرة عنّا بالاختيار إنّما يصدر بعد تصوّر الفعل و الغاية، و الضرورة قاضية بأنّ كثيراً ما نغفل في أثناء الحركة عنهما و مع ذلك تصدر تلك الحركة، و لا حاجة لنا هيهنا إلى بيان كيفية الصدور و أنّه كيف يصدر الأمر الغير القادر عن الأمر الثابت، لأنّ موضعه في الحكمة، و لا مدخل لتحقيقه في هذا المقام.

و ظاهر أيضاً أنّ الحركة التي تصدر بعد حصول الشوق و الإرادة المسمّاة بالإجماع الناشئين من تصوّر النفع و الغرض لتلك الحركة إنّما يطلق عليها في العرف أنّها صادرة بالإرادة لتلك الغرض و النفع و إن ذهل المتحرك في أثنائها عن تصوّر الفعل و النفع، لكن يكون بحيث لو رجع إلى نفسه لاستشعر به، ما لم تحدث

27

له إرادة أخرى لإصدار تلك الحركة ناشئة من تصوّر نفع و غرض آخر؛ و إذا تمهّد هذا فنقول:

غاية ما ثبت// (93) سابقاً أنّه: لا بدّ في الوضوء من تصوّره ممتازاً عمّا عداه، و أن يكون الغرض منه امتثال أمر اللّٰه و طلب مرضاته، فإذا تصورنا الوضوء بالوجه الممتاز، و تصورنا أيضاً النفع الحاصل منه من الامتثال و قربه تعالى، و انبعث من ذلك إرادة محركة للأعضاء، فعلى المقدمة السابقة إنّما يصدق على ذلك الوضوء في العرف أنّه صادر بالإرادة لغرض الامتثال و القربة و إن ذهلنا في أثنائه عن تصوره و الغرض منه ما لم يحدث في الأثناء إرادة محركة للأعضاء للإتيان ببعض أفعاله ناشئة من غرض آخر فيلزم أن يكون ذلك الوضوء صحيحاً مخرجاً عن العهدة، لما علمت من عدم لزوم شيء آخر على المكلّف سواه.

فظهر بما ذكرنا أنّ القدر الواجب إنّما هو عدم إرادة مخالفة للإرادة الأولي، فيجب أن تفسّر الاستدامة الحكمية به.

و اعلم أنّه على هذا يرد إشكال على قولهم بوجوب مقارنة النية لأوّل الوضوء، إذ كما يجوز صدور الفعل بالإرادة لغرض مع الذهول في أثنائه عن تصور الفعل و الغرض مفصّلًا، فكذلك يمكن صدوره أيضاً بالإرادة لغرض مع الذهول عنهما مفصّلًا في ابتداء الفعل أيضاً، إذا تصوّر الفعل و الغرض في زمان سابق عليه و صار ذلك باعثاً على صدور الفعل في هذا الزمان، و الضرورة حاكمة أيضاً بوقوع هذا الغرض عند ملاحظة حال الأفعال.

فحينئذٍ يجوز أن يصدر الوضوء لغرض الامتثال و القربة باعتبار تصوره

28

و تصور ذلك الغرض في الزمان السابق، فيلزم أن يكون ذلك الوضوء أيضاً صحيحاً، لما عرفت من عدم لزوم شيء على المكلّف زائداً على هذا المعنى، فيبطل القول المذكور.

اللهمّ إلّا أن يتمسكوا بالإجماع على وجوب المقارنة، لكنّ الظاهر أنّ إثبات الإجماع مشكل، إذ لم ينقل من القدماء شيء في أمر النية، و ثبوت الإجماع من المتأخرين بحيث يظن دخول المعصوم (عليه السلام) ممّا لا سبيل إليه.

مع أنّ المصنف (ره) في الذكرى نقل عن الجعفي أنّه قال: «لا عمل إلّا بنية، و لا بأس أن تقدّمت النيّة العمل أو كانت معه»، لكنّ الأولى الأخذ بما هو المشهور و الوقوف عليه، احتياطاً للدين.

و بهذا ظهر أيضاً وجه ما اخترناه من جواز تقديم النية عند غسل اليدين، لأنّ ما يمكن أن يتمسك به على عدم جواز التقديم على الوضوء إمّا الإجماع أو الشهرة، و هما مفقودان في هذا التقديم.

هذا، و القوم إنّما ذكروا في تفسير الاستدامة الحكمية معنيين:

أحدهما: ما ذكرنا، و هو المذكور في المبسوط، و المعتبر، و المنتهي.

و استدل عليه في المعتبر و المنتهى بأنّ استدامة النية فعلًا ممّا يعسر أو يتعذر في الأكثر، فاقتصر على استدامة الحكم مراعاة لليسر، و استحب في المنتهي

29

الاستدامة الفعلية، ليقع جميع الأفعال مقترنة بالنية.

و الأولى في الاستدلال على الاكتفاء بالاستدامة الحكمية ما ذكرناه، لأنّ هذا الدليل ربّما يعترض عليه بأنّ عدم إمكان الاستدامة الفعلية لا يستلزم الاكتفاء بالحكمية، بل يجب مراعاة الفعلية مهما أمكن، فلمّا لم يمكن سقط، و أمّا عدم مراعاتها بالكلية فلا، إلّا بدليل.

و أيضاً: لا وجه لقولهم: إنّ الاستدامة الفعلية لمّا لم يمكن اقتصر على الحكمية، لأنّ هذا إنّما يحسن إذا دلّ دليل على وجوب الاستدامة الفعلية و لا دليل عليه.

و ما استدلوا به على وجوب النية من قوله (عليه السلام)

إنّما الأعمال بالنيات

، و نحوه ممّا تقدم لا يدل على وجوب الاستدامة الفعلية أصلًا، كما لا يخفى.

و ثانيهما: البقاء على حكم النية و العزم على مقتضاها، و هذا هو الذي اختاره المصنف في الذكرى، و استدل عليه أيضاً بالدليل المذكور آنفاً، و يرد عليه أيضاً الإيرادان المذكوران.

و أورد أيضاً على المعنى الثاني: أنّه بعينه الاستدامة الفعلية التي نفاها المصنف (ره) بل نفس النية، إذ هي عبارة عن العزم المخصوص.

و يمكن أن يجاب بالفرق بينهما بالإجمال و التفصيل، فإنّ الاستدامة الفعلية هي أن يستحضر النية مفصّلة كما هي في الابتداءِ إلى آخر الفعل، و الحكمية بهذا المعنى

30

أن يستحضر مجملة.

و أورد أيضاً: أنّ ذلك مقتض لبطلان عبادة الذاهل عن العزم المذكور في أثناء العبادة، و هو باطل قطعاً.

و يمكن أن يقال أيضاً: إنّ المراد كما عرفت من العزم على مقتضى النيّة: استحضارها و حصولها في النفس مجملة، و لا نسلم أنّه ممّا ينتفي ما لم يحدث نية، و إرادة أخرى منافية للأولى.

و الحاصل: أنّ المعنيين متلازمان، لكنّ القائل بالمعنى الثاني كالمصنف (ره) كأنّه زعم أنّ بعد ما حصل الغفلة عن تصور الفعل و الغرض منه تفصيلًا فكأنّما يبقى في النفس أمر إجمالي من التفصيل السابق هو المحرك و الباعث للفعل إلى أن ينتهي الحركة و إن لم يكن لنا شعور به، كما في اللعب باللحية و نحوه (2)، فإنّ له سبباً البتة مع عدم علمنا به، و لا يخفى أنّه لا دليل على بطلان ما زعمه، بل لا يبعد ادعاء الظهور في أنّ الأمر كذلك.

ثمّ إنّ المصنف (ره) ذكر أنّ بناء التفسيرين على أنّ الباقي مستغن عن المؤثر أم لا؟ فالتفسير الأوّل بناءً على الأوّل و الثاني على الثاني، و الظاهر أنّ مراده (ره) بالباقي هيهنا الوضوء و بالمؤثر النية.

فيكون حاصل كلامه: أنّ الباقي إن لم يكن محتاجاً إلى المؤثر فالوضوء بعد حدوثه بالنيّة لا يحتاج في بقائه إلى بقاء النية، فيكون باقياً إلى وقت حدوث مؤثر

____________

(2) في نسخة «ج»: أو.

31

آخر و نيّة أخرى بدون بقاء النيّة الأولى.

فعلى هذا تفسّر الاستدامة الحكمية بأن لا ينوى نية مخالفة للأولى، إذ على هذا لا جزم ببقاء النية الأولى حتّى يفسّر الاستدامة به، و إن كان محتاجاً إلى المؤثر فحينئذٍ فالجزم ببقاء النية الأولى حاصل، فلذا يفسّر الاستدامة به.

و اعترض عليه صاحب المدارك، بأنّ هذا البناء غير مستقيم، لأنّ أسباب الشرع علامات و معرفات لا علل حقيقية، فيمكن القول بعدم استغناء الباقي عن المؤثر مع عدم اشتراط الاستدامة، فضلًا عن الاكتفاء بالحكمية.

و أنت خبير بما قدمنا أنّ النية ليست من الأسباب الشرعية للوضوء حتّى يقال: إنّها من قبيل العلامات و المعرفات بل من الأسباب العقلية، فاندفع ما أورده.

نعم، يرد على المصنف أنّه خلط الحدوث التدريجي بالبقاء، و كأنّه لإطلاق البقاء على الحدوث التدريجي أيضاً في العرف، لكنّه (لل) المعنى الذي في معرض النزاع، فزعم أنّ بعد حدوث النية يحدث الوضوء و يبقى إلى الآخر، و ليس كذلك بل إنّما يحدث// (94) شيئاً فشيئاً، و مثل هذا الباقي لا بدّ له من سبب إلى آخر وجوده على القولين، فلا يمكن أن يكون بناء كلام من فسّر التفسير الأوّل على عدم الاحتياج إلى السبب، بل إمّا (2) بناؤه على أنّه لا يرى أنّ السبب المستمر مع المسبب إنّما هو إجمال التفصيل السابق بل شيء آخر، أو يقال: إنّ تفسيره هذا لا ينافي بقاء النيّة.

____________

(2) في نسخة «ب»: إنّما.

32

نعم، لا يستلزمها و فرق بينهما، فحينئذٍ يجوز أن يعتقد بقاء النية مع تفسيره الاستدامة بهذا المعنى، لأنّه أظهر و أقرب إلى الفهم من المعنى الآخر.

و اعترض الشهيد الثاني (ره) أيضاً في شرح الإرشاد على المصنف (ره) «بأنّ ذلك البناء إنّما يتجه إن لو كانت النيّة بعد إحضارها يحصل منها أثر خارجي يستغني عن الموجد أو يحتاج إليه و ليست كذلك، بل عند غروبها عن القلب تلحق بالأعدام المفتقرة إلى المؤثر قطعاً، مع أنّ اللازم من الاحتياج إلى المؤثر وجوب إحضار النيّة بجميع مشخصاتها لا العزم المذكور، فإنّه غير الموجود الأوّل و غير مستلزم له و إن دخل ضمناً، لكنّ الدلالة التضمنية (1) ملغاة في هذه الأحكام و نظائرها» انتهى.

و كأنّه (ره) لم يحمل كلام المصنف على ما حملناه عليه و إلّا فلا وجه لهذا الإيراد أصلًا، و المعنى الذي حمله عليه بعيد جدّاً.

و يرد أيضاً على إيراده الأخير: أنّ استلزام الاحتياج إلى المؤثر و وجوب إحضار النيّة بجميع مشخصاتها ممنوع، و إنّما يستلزم (3) ذلك لو ثبت أنّ العلّة المبقية يجب أن تكون بعينها هي العلة الموجدة و هي في محل المنع.

هذا،

[و لو نوى رفع حدث بعينه و استباحة صلاة بعينها فلا حرج]

و لو نوى رفع حدث بعينه، و استباحة صلاة بعينها فلا حرج: لا يذهب (4) عليك أنّه على ما اخترناه (5) من عدم اشتراط قصد رفع الحدث أو

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: المتضمنة.

(3) في نسخة «ألف و ب»: يلزم.

(4) في نسخة «ب»: و لا يذهب.

(5) في نسخة «ألف و ب»: ما اخترنا.

33

الاستباحة الأمر في هذه المسألة و نظائرها واضح. و أما على رأي القائلين بالاشتراط فالمشهور بينهم ما ذكره المصنف و علّلوا الأوّل بأنّ الأحداث تتداخل عند اجتماع أسبابها، فلا يرتفع أحدها إلّا بارتفاع الجميع و قد نوى رفع أحدها، فوجب أن يحصل له «بدلالة إنّما لامرء ما نوى»، فيحصل رفع الجميع.

و فيه: أنّ تداخل الأحداث عند اجتماع أسبابها ممنوع، لِمَ لا يجوز أن يحصل من كلّ منها حدث عليحدة لا بدّ لنفيه من دليل؟ و على تقدير التداخل أيضاً لا نسلّم قولهم قد نوى رفع أحدها، فوجب أن يحصل له، لما علمت مراراً من عدم دلالة الرواية على أنّ جميع ما ينوي يحصل للمرء.

و احتمل العلامة (ره) في النهاية البطلان، بناءً على أنّ ما لم ينو رفعه يبقى و الأحداث لا يجري، فإذا بقي البعض بقي الكلّ؛ و احتمل أيضاً رفع ما نواه خاصة، بناءً على أنّها أسباب متعددة لمسببات متعددة قال: «فإن توضّأ ثانياً لرفع آخر صح و هكذا إلى آخر الأحداث». و لا يخفى ما فيه؛ فتأمّل.

و علّلوا الثاني بأنّه قد نوى أمراً ممكناً، فوجب أن يحصل له بدلالة الرواية، و لا يخفى أنّ حكمهم في هذه الصورة موجّه، لا من حيث الاستدلال بالرواية كما نقلنا لما عرفت من عدم تماميته، بل من حيث إنّ وجود قصد الاستباحة لو فرض فهمه من الآية على ما زعموا لم يفهم منها إلّا وجوب قصد الاستباحة

34

مطلقا (1) و لا شك أنّ في هذه الصورة يتحقق ذلك المعنى، فيجب أن يحصل الامتثال و يخرج عن العهدة و يصح وضوؤه.

بخلاف الصورة الأولى، فإنّ جواز قصد الرفع و الاكتفاء به عن قصد الاستباحة لا دليل عليه سوى أنّ رفع الحدث مستلزم للاستباحة فنيّته مستلزمة لنيتها، أو أنّه عند نيّته لمّا وجب حصوله بدلالة الرواية، فيحصل لازمه كما مر سابقاً، و هذان الوجهان على تقدير تمامهما إنّما يتمّان فيما يثبت (2) الاستلزام و ما نحن فيه ليس كذلك، للاحتمال الذي ذكرنا.

و اعلم أنّ في الصورة الأخيرة يحصل استباحة الصلاة المنوية و غيرها لما علمت من صحّة الوضوء، و عند صحّته يستباح به جميع الصلوات، و هو ظاهر.

و لو نفي غيرهما بطل، عدم البطلان في هذه الصورة على ما اخترناه ظاهراً إذا لم يصل تلاعبه بهذا القصد إلى تلاعبه بقصد القربة و الامتثال أيضاً، و أمّا على رأيهم فقد اختلف فيه، فذهب العلامة في القواعد إلى الصحّة، و المصنف في هذا الكتاب و الذكرى إلى البطلان.

وجه الصحة: أنّه قد نوى رفع حدث فيجب أن يحصل له بدلالة الرواية، و هو إنّما يحصل برفع جميع الأحداث كما مرّ، فيرتفع جميع الأحداث و يصح

____________

(1) في هامش نسخة «ألف»: «سواء كانت استباحة صلاة معينة أو مطلق الصلوات، بل دلالة الآية على الأولى أظهر. (أب)».

(2) في نسخة «ألف»: ثبت، و في هامشه: «من. حصول أحداث مختلفة من الأسباب المختلفة و لا يستلزم حصول. حصول الاستباحة لجواز حدث آخر.» (أب).

35

الوضوء، و يكون ضميمة النفي لغواً؛ و كذا الحال في استباحة الصلاة (1) و أنت بما قدّمنا خبير بما (2) فيه.

و وجه البطلان: أنّه قد نوى المتنافيين، لأنّ رفع حدث يستلزم رفع جميع الأحداث و بقاء غيره يستلزم بقاء ذلك الحدث أيضاً، فلو حصل له جميع ما نواه لزم حصول المتنافيين و هو محال، و حصول أحدهما ترجيح من غير مرجح.

و فيه نظر، لأنّ الظاهر أنّ الرواية إنّما تدل على أنّ للمرء ما ينوي من العمل، إذا كان ذلك العمل ممّا يصلح لأن ينوي منه ذلك الشيء، لا ما لا يصلح له كأن (3) ينوي من الوضوء امتثال الصلاة مثلًا، و حينئذٍ يختار أنّه يحصل له أحدهما و هو رفع الحدث، و لا نسلم أنّه ترجيح من غير مرجح، لأنّ الوضوء لا يصلح لإبقاء الحدث حتّى ينوي منه و يحصل، بخلاف رفعه.

فإن قلت: الرواية دلّت على أنّ ما لم ينو لم يحصل، فحينئذٍ نقول: إنّه لم ينو رفع غير ذلك الحدث، فيجب أن لا يحصل له، و إذا لم يحصل له ذلك لم يحصل له رفع ذلك (4) الحدث أيضاً، فلزم اجتماع المتنافيين.

قلت:

أمّا أوّلًا: فيمكن أن يقال: لا نسلم أنّه لم ينو رفع غير ذلك الحدث، بل إنّما نواه استلزاماً (5) و دلالة الرواية على أنّ ما لم ينو

____________

(1) في هامش نسخة «ألف»:

(2) في هامش نسخة ألف: «من عدم دلالة الرواية على حصول جميع ما ينوي، و من توقف رفع جميع الأحداث على التداخل، و. مسلّم.» (أب).

(3) في نسخة «ب»: كما.

(4) لم ترد في نسخة «ب».

(5) في هامش نسخة ا «لف»: «فإنه لما نوى رفع حدث معين، و رفعه يستلزم رفع سائر الأحداث للتداخل و عدم التبعيض، فقد نوى رفع غير ذلك الحدث التزاماً، لا صريحاً و ليس معنى الحديث أنّ للمرء ما ينوي صريحاً فقط، بل. يشمل ما ينوي مطلقا، سواء كان صريحاً أو استلزاماً، فيدل على أنّ ما لم ينو أصلًا، لم يحصل و يدلُّ على تعميم ما ينوي حكمهم بصحة الصورة الأولى، مع أنّه لم ينو رفع جميع الأحداث صريحاً، بل إنّما نواه ضمناً. (أب)».

36

صريحاً لم يحصل ممنوع.

و أمّا ثانياً: فنقول: إنّه على هذا يلزم عليكم الحكم بالبطلان في صورة عدم نفي الغير أيضاً، لجريان هذا الوجه فيه بعينه، مع أنّكم حكمتم بصحّته.

هذا، و بما ذكرنا ظهر أنّ (1) الصحّة أشبه بقواعدهم.

[و لو نوى استباحة ما يكمل بالطهارة كالتلاوة أجزأ]

و لو نوى استباحة ما يكمل بالطهارة كالتلاوة أجزأ. اختلف كلام الأصحاب فيه، فالشيخ في المبسوط قطع بأنّه إذا نوى استباحة شيء ليس من شرطه الطهارة لكن يستحب له كقراءة القرآن و دخول المسجد مثلًا لم يرتفع (2) حدثه، و به قال ابن إدريس أيضاً في السرائر.

و استحسن المحقق في المعتبر الحكم بالإجزاء، كما هو في هذا الكتاب، و العلامة (ره) في القواعد و التذكرة و المنتهي ذهب إلى أنّه لو نوى ما ليس من شرطه الطهارة بل من فضله أجزأ و ارتفع الحدث، و لم يعلم أنّ مراده (ره)

____________

(1) في هامش نسخة «ألف»: «يمكن بيان. بأنّ نية رفع. استلزاماً في صورة.؟.».

(2) في هامش نسخة «ألف»:

37

منه (4) الإجزاء لو نوى استباحته و نواه بدون قصد الاستباحة.

و قال في النهاية: «لو نوى ما يستحب له الطهارة كقراءة القرآن و قضاء الحاجة احتمل عدم الصحة، لأنّ هذه الأفعال مباحة مع الحدث، فلا يستلزم قصدها قصد رفعه، و الصحّة لأنّه قصد كون ذلك الفعل على أكمل أحواله، و لا يتمّ ذلك إلّا برفع الحدث.

و الوجه عندي التفصيل، فإن كان الفعل ممّا يشترط فيه الطهارة كالصلاة المندوبة صحّ، و إن كان ممّا يمتنع فيه رفع الحدث كالحائض للذكر، و الغاسل للتكفين، و المتيمم لصلاة الجنازة، لم يصح قطعاً.

و إن لم يكن فإن كان الاستحباب لا باعتبار الحدث، كتجديد الوضوء المقصود منه زيادة التنظيف، لم يصح أيضاً، و إن كان باعتباره فإن قصد الكمال صحّ، و إلّا فلا، و لو كان الفعل لا يتوقف على الوضوء و لا يستحب له الوضوء، كدخول السوق إذا توضّأ له لم يصح» انتهى.

و كلام المصنف (ره) في الذكرى أيضاً موافق للنهاية (5) حيث قال: «و لو نوى استباحة ما الطهارة مكمّلة له كقراءة القرآن و دخول المساجد، فالأقرب: الصحّة إن نوى إيقاعها على الوجه الأفضل، لتوقفه على رفع الحدث» انتهى.

و تفصيل القول في هذا المقام أن يقال: الاحتمالات في نيّة ما

____________

(4) في نسخة «ألف»: إنّه.

(5) في نسخة «ب»: وافق النهاية.

38

يكمل بالطهارة ثلاثة، لأنّه إمّا أن ينوي استباحته، أو كماله، أو ينوي هو مطلقا من دون قصد الاستباحة و الكمال، فإن نوى الأوّل فالظاهر على مذهبهم من اشتراط قصد الاستباحة أو ما يستلزمه عدم الصحّة و ارتفاع الحدث به، كما قاله الشيخ في المبسوط، و ما ذكره العلامة في المنتهي بعد نقل قول الشيخ:

«و يمكن أن يقال بارتفاع الحدث كأحد وجهي الشافعي، لأنّه نوى طهارة شرعية، فينبغي أن يحصل له ما نواه عملًا بالخبر. و قوله: لم ينو رفع الحدث و لا ما يتضمنه ممنوع، لأنّه نوى شيئاً من ضرورته صحّة الطهارة، و هو الفضيلةُ الحاصلة لمن فعل ذلك و هو على طهارة فصحّت طهارته، كما لو نوى ما لا يباح إلّا بها»، انتهى فالظاهر أنّه لا ينفي ما قاله الشيخ (ره)، لأنّ ما ذكره أوّلًا من أنّه نوى طهارة شرعية فينبغي أن تحصل له، ففيه: أنّه لو صح ذلك فلا حاجة إلى قصد الاستباحة و رفع الحدث مطلقا، و الكلام إنّما هو على تقديرها.

و ما ذكره ثانياً من أنّه نوى ما يتضمن رفع الحدث، فعلى تقدير تمامه إنّما يتمّ في الاحتمال الثاني و الثالث، بل الثاني فقط، و أمّا الاحتمال الأوّل الذي هو صريح فلا، كما لا يخفى.

و كذا الحال أيضاً فيما ذكره المحقق في المعتبر بعد نقل قول الشيخ (ره): «و لو قيل: يرتفع حدثه كان حسناً، لأنّه قصد الفضيلة و هي لا تحصل بدون الطهارة».

39

و لا يذهب عليك أنّ كلام المحقق أظهر فساداً من كلام العلامة، كما يظهر عند التأمّل فيه.

و إن نوى الثاني فالظاهر الإجزاء و ارتفاع الحدث به، على ما زعموه من أنّ الوضوء لهذه الأشياء إنّما هو لأجل صدورها كاملة بالطهارة، فهي إنّما تحصل برفع الحدث (1).

و أمّا على ما ذكرنا سابقاً من عدم ثبوت أمثال هذه المقدمات فلا، و حينئذٍ فكلام (2) (ر خ ألف ص 74 ش 17) الشيخ، و ابن إدريس إن كان في هذه الصورة أيضاً فلا وجه له، و إن كان مختصاً بالأوّل كما هو الظاهر فحسن.

و إن نوى الثالث ففيه وجهان، من حيث إنّ القصد إلى هذا الشيء أعمّ من أن يكون لأجل استباحته أو كماله، و العام لا دلالة له على الخاص، فلا يكون مستلزماً لرفع الحدث؛ و من حيث إنّ الوضوء لقصده إنّما يصرف إلى القصد الصحيح، و لمّا كان قصد استباحته غير صحيح فيصرف إلى كماله، فيستلزم رفع الحدث.

و يمكن أن يرجّح الأخير بأنّه قد ورد في الشرع الوضوء لهذه الأشياء من غير تقييد بشيء، فإذا توضّأ بقصد هذه الأمور لزم أن يمتثل به أمر الشرع، و عند امتثال أمر الشرع يجب أن يترتب عليه ما هو المقصود للشارع، و هو وقوع هذه الغايات

____________

(1) في هامش نسخة «ألف».

(2) في هامش نسخة «ألف».

40

كاملة، و وقوعها كاملة إنّما يستلزم رفع الحدث على زعمهم، فثبت أنّ الوضوء بقصد هذه الأمور إنّما يرفع الحدث، فثبت ما ادعيناه.

إلّا أن يقال على محاذاة ما ذكره المصنف (ره) في الذكرى: إنّ تعليل فضيلة تلك الأفعال بالطهارة لا يستلزم صحّة الوضوء لها، إذ الموصل إلى حصول الفضيلة وضوء رافع للحدث، فلينو رفعه أو استباحة شيء (2) مشروط به.

و أنت خبير بأنّ هذا إنّما يصح فيما لم يرد الأمر بالوضوء لأجل شيء، بل إنّما ورد أنّ الشيء الفلاني مثلًا كماله بالطهارة، إذ على الثاني: لا يبعد هذا القول، إن لم يجعل تلك العبارة قرينة على أنّ المراد أنّه توضّأ للشيء الفلاني.

و أمّا على الأوّل: فلا، إذ بعد ورود الأمر به لشيء مطلقا بدون تقييد بقصد الرفع أو الاستباحة لا مجال لهذا الاحتمال.

نعم، يمكن أن يقال: إنّه إذا قيل: توضّأ للشيء الفلاني، و كان معلوماً من خارج أنّ إباحة ذلك الشيء لا يحتاج إلى الوضوء، فيستفاد منه أنّ التوضّي إنّما هو لأجل كماله، و يلزم من ذلك بناءً على ما ذكروه في بيان وجوب قصد الاستباحة وجوب قصد الاستكمال أو (3) ما يلزمه بزعمهم من رفع الحدث أو استباحة مشروط بالطهارة، نظير ما قرّروه في الوضوء (4) للصلاة، و لا يكفي قصد ذلك الشيء مجملًا، فاندفع ما ذكر.

____________

(2) لم توجد هذه الكلمة في نسخة «ألف و ب».

(3) في نسخة «ألف»: و.

(4) في هامش نسخة «ألف»: «من أنّ الغرض عرفاً من قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا إلى آخره، كون الوضوء.»

41

و يمكن أيضاً أن يقال: إنّ كون الوضوء المندوب لهذه الأمور رافعاً للحدث على ما ذكرتم لا يستلزم أن يكون الوضوء الواجب أيضاً بقصد هذه الأمور كذلك؛ فتأمّل.

هذا كلّه على ما اختاروه من وجوب قصد الاستباحة أو ما يستلزمها (1)، و أمّا على ما اخترناه فالأمر ظاهر من الصحّة في جميع الاحتمالات، غاية الأمر أن يكون القصد في الاحتمال الأوّل لغواً، لحصول الاستباحة بدونه، لكنّه لا يضر بالصحّة و هو ظاهر.

هذا، ثمّ إنّهم استشكلوا في أمر صحّة الوضوء للنوم و رفعه للحدث، من حيث إنّه كيف يعقل صحّة الوضوء للحدث؟ فالمحقق في المعتبر صحّحه، و جعل الوضوء بقصده رافعاً للحدث، معلّلًا بأنّه قصد النوم على أفضل أحواله، و هو لا يحصل (3) من دون الطهارة. و ليس مراده أنّ فضيلة النوم أن يكون حال الطهارة على قياس ما عداه، لأنّه ظاهر الفساد، بل إنّ فضيلته أن يكون بعد الطهارة، و هو معنى موجه معقول.

و ذكر المصنف (ره) في الذكرى وجهاً آخر، مثل ما ذكرنا آنفاً في وجه الترجيح، و أورد عليه بما نقلنا، و قد مرّ تفصيل القول فيه، ثمّ قال: «و التحقيق: أنّ جعل النوم غاية مجاز، إذ الغاية هي الطهارة في آنٍ قبل النوم بحيث يقع النوم

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: أو ما يستلزمه.

(3) في نسخة «ألف»: و لا يحصل.

42

عليها، فيكون من باب الكون على طهارة، و هي غاية صحيحة» انتهى.

و فيه: أنّه لو أراد أنّ النوم ليس غاية أصلًا، و ليس الوضوء لأجله بل إنّما هو للطهارة في آنٍ قبله فقط ففساده ظاهر، لأنّه خلاف ما في الرواية، و قد ذكرنا وجهاً صحيحاً في معنى غائيّته، فلم يعدل عنه.

و إن أراد أنّه غاية لكن باعتبار الوقوع على الطهارة لا معها كما ذكرنا، فهو مسلّم، لكن هذا لا يستلزم مجازيّة كونه غاية، إذ غاية الوضوء ما يحصل له إباحة أو فضيلة بسبب الطهارة الحاصلة من الوضوء، سواء كانت مع ذلك الشيء أو قبله. و لا استبعاد في إيراث الطهارة المتقدمة فضيلة في ذلك الشيء بعدها، كما يورث الوضوء المتقدم الطهارة بعده.

و لا يخفى عليك أنّه على هذا يجري الاحتمالات الثلاثة المذكورة في قصد النوم أيضاً، مع ما يتعلق بها من الأبحاث. فقس عليها و استيقظ.

و اعلم أنّ ورود الإشكال و الاحتياج إلى دفعه إنّما هو على رأيهم من أنّ الوضوء إنّما هو لرفع الحدث فيما يمكن أن يكون رافعاً، و أمّا على ما ذكرنا من عدم تسليم هذا و أشباهه فالأمر ظاهر، إذ يجوز أن يكون أثر الوضوء أمراً آخر غير رفع الحدث باقياً حال النوم، كما لا يخفى.

و قد بقي في المقام شيء و هو أنّه هل يشترط في صحّة الوضوء المندوب أو الواجب الذي لغير الصلاة نيّة رفع الحدث أو الاستباحة لمشروط بالطهارة، إذا أمكن تحققهما فيه أم لا؟

43

أمّا على ما اخترناه من عدم اشتراطهما في الوضوء الواجب للصلاة، فعدم الاشتراط فيما عداه ظاهر بالطريق الأولى، سيّما مع أنّه لم يظهر عندنا ما ذكروه من معنى الحدث و أنّ الغرض من هذه الطهارات إنّما هو رفعه.

و أمّا على مختارهم فالظاهر أنّهم يقولون بالاشتراط أيضاً فيما يكون مشروطاً برفع الحدث، مثل الصلاة المندوبة و الطواف، و إن كان دليلهم على تقدير تمامه إنّما يدل على الاشتراط في الوضوء الواجب للصلاة، إلّا أن يتمسك بما ذكرناه سابقاً.

و أمّا فيما لا يكون مشروطاً فلم نظفر بشيء ظاهر فيه، و إن كان كلام المصنف في الذكرى يشعر أدنى إشعار بالاشتراط.

و ما يمكن أن يتمسك به ما ذكرناه، و لا يخفى أنّه على تقدير تمامه إنّما يدل على وجوب أحد الأمور الثلاثة من الرفع و الاستباحة و الاستكمال، على تقدير أن يكون قصد ما يستلزم الاستكمال الذي يجب قصده كافياً، كما ذكروه في الرفع و الاستباحة في الوضوء الواجب؛ إذ الرفع و الاستباحة مستلزم للاستكمال بزعمهم كما مرّ، و إن لم يكن قصد ما يستلزمه كافياً فإنّما يجب قصد الاستكمال بخصوصه.

و قال المحقق الثاني (ره) في شرح القواعد، في هذا المقام: «و يحتمل الاكتفاء بنيّة الغاية، تمسكاً بعموم قوله (عليه السلام): «إنّما لكلّ امرئٍ ما نوى»، و يظهر من كلام المصنف (ره) في الوضوء للتكفين، فإنّه استحبّه لذلك و تردد في الدخول

44

به في الصلاة» انتهى.

و لا يذهب عليك أنّ ما ذكره من العلامة (ره) ليس ظاهراً فيما ادعاه، لأنّ كلامه إنّما هو في وضوء الغاسل للتكفين قبل غسل المس، و هو ممّا يجامع الحدث الأكبر، و عدم اشتراط قصد الرفع و الاستباحة فيه ممّا لا ريب فيه، إنّما الكلام فيما عداه.

فإن قلت: إذا كان كلامه في هذا الوضوء، فكيف يصح تردده في الدخول به في الصلاة؟ إذ لا يصح الدخول حينئذٍ قطعاً.

قلت: مراده أنّه يجوز به الدخول في الصلاة بانضمام الغسل، يظهر ما (2) ذكرناه من ملاحظة كلامه في النهاية.

و الحاصل: أنّ الظاهر بناءً على كلمات القوم الدائرة بينهم، و معتقداتهم المشهورة عندهم أن يقولوا بوجوب قصد الاستكمال أو الرفع أو الاستباحة (4) في الوضوء للغايات المذكورة.

و يمكن أيضاً القول بالاكتفاء بقصد الغاية مجملًا، لما مرّ من أنّه يصرف إلى القصد الصحيح، لقضاء العرف، فلو لم يقولوا بأحد هذين القولين، بل إمّا أن يقولوا بعدم وجوب القصد إلى شيء من الأمور الأربعة، أو بتعيين (5) قصد الرفع أو الاستباحة أو غير ذلك فيتوجه عليهم الإيراد بأنّهم نقضوا مقالتهم و خالفوا

____________

(2) في نسخة «ب»: ممّا.

(4) في نسخة «ألف و ب»: و الاستباحة.

(5) في نسخة «ألف و ب»: بتعين.

45

عقيدتهم.

و من هيهنا ظهر توجه مناقشة على العلامة في بحث الوضوء للتكفين، حيث قال في التذكرة: «الأقرب عدم الاكتفاء بهذا الوضوء في الصلاة، إذا لم ينو رفع الحدث»، و كذا في القواعد.

حاصلها: أنّهم كما يقولون في الغايات التي لا تجامع الحدث الأكبر: إنّ الغرض من شرعية الوضوء لها إنّما هو رفع الحدث فيجب قصده أو قصد ما يؤدّي مؤدّاه، فلأحد أيضاً أن يقول:

إنّ الغرض من الوضوء للتكفين إنّما هو رفع الحدث الحاصل من الوضوء و إن لم يكن رفعاً تامّاً لأنّ هذا الوضوء إنّما (1) يمكن أن يرفع قدراً من الحدث، كما اعترف به من أنّه عند نيّة الرفع يصح الدخول به في الصلاة بعد انضمام الغسل، فيجب حينئذٍ أيضاً إمّا قصد رفع ذلك القدر أو ما يستلزمه كما في نظائره، و الفرق تحكّم، فلِمَ حكم بصحّة هذا الوضوء للتكفين بدون القصد المذكور؟

فتأمّل (2) في هذا (3) المقام، ليظهر لك ما في الزوايا من الجنايا.

[و لو ضمّ الريا بطل و لو ضمّ التبرد فوجهان]

و لو ضمّ المنافي بطل، و لو ضمّ التبرد و غيره من اللوازم فوجهان، المراد بالمنافي الرياء.

____________

(1) لم توجد هذه الكلمة في نسخة «ألف و ب».

(2) في هامش و نسخة «ألف و ج»: «إشارة إلى تعريف الفرق بين هذا الإيراد و بين الإيرادين الأخيرين للشارح المحقق في شرح القواعد في هذا المقام، و وجه دفعها من أنّ مراد العلامة (ره) فيما سبق الموضع الذي يمكن فيه ارتفاع الحدث، كما صرّح به في النهاية» (منه (رحمه اللّٰه).

(3) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

46

و فيه: أنّ القربة إن كانت هي القصد إلى امتثال أمر اللّٰه و موافقة إرادته فقط، فجميع ما سوى ذلك من القصود مناف لها سواء كان رياء أو غيره-، و إن كان القصد إلى موافقة أمر اللّٰه في الجملة، فالرياء أيضاً ليس بمناف له.

و إن قيل: إنّها الامتثال لأمر اللّٰه بدون أن يكون القصد مراءاة الناس، فحينئذٍ كيف يمكن ضمّ الرياء إلى القربة؟

و الحاصل: أنّ المنافاة إن كانت بالمعنى المتعارف فلا يمكن الضمّ، و إن كانت بمعنى المخالفة فلا اختصاص لها بالرياء و لعلّ المراد المعنى المتعارف، و أريد بضمّه الضمّ بحسب بادي النظر و إن لم يكن عند التحقيق للمنافاة، و الأمر في مثله بعد وضوح المراد سهل.

ثمّ اعلم أنّ الأمر في وجوب القربة و اشتراطها إنّما يحتمل أوجهاً: وجوبها في الجملة، أي سواء كانت مستقلة أو لاشتراطها، كذلك وجوب استقلالها و اشتراطه، و الاستقلال إمّا بالنسبة إلى الرياء أو غيره، فهاهنا ستة أمور:

أمّا الأوّل: فقد ذكرنا سابقاً (1) أنّ العلامة (ره) في المختلف ادعى الاتفاق عليه، و أوردنا أيضاً بعض الاستدلالات و الأبحاث.

و أمّا الثاني: فالظاهر وقوع الخلاف فيه، لأنّهم نقلوا عن المرتضى (ره) أنّ الصلاة بقصد الرياء صحيحة بمعنى (3) إسقاط القضاء و العقاب لكنّها لا توجب الثواب.

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: اطّراده.

(3) في نسخة «ب»: يعني.

47

و الظاهر، اطّراد (1) الحكم في غير الصلاة أيضاً، كالوضوء و نحوه بالطريق الأولى، و كذا في غير الرياء أيضاً من القصود التي يخالف القربة.

فإن قلت: إن كان المرتضى (ره) قائلًا بأنّ الصلاة بقصد الرياء مسقطة للعقاب، فيلزم من ذلك وقوع// (97) الخلاف في الأمر الأوّل أيضاً، لأنّه إذا كان قصد القربة واجباً فلا ريب في استحقاق العقاب بتركه، فيخالف ما ذكرته من الاتفاق.

قلت:

أمّا أوّلًا: فيمكن أن يقال: مراده سقوط العقاب الذي بسبب ترك الصلاة، لا العقاب (2) مطلقا، كيف؟ و الظاهر أن لا خلاف في حرمة الرياء، فيكون مستحقاً للعقاب بسببه.

و أمّا ثانياً: فنقول: لا بعد في ذلك، إذ يجوز أن لا يكون المرتضى (ره) قائلًا بالوجوب أيضاً، و الاتفاق الذي ادعاه العلامة (ره) كأنّه من حيث عدم الاعتداد بخلافه، لشذوذه و ندوره أو لوقوع الاتفاق بعده أو قبله، و اللّٰه أعلم.

ثمّ ما يمكن أن يحتج به على الاشتراط أمور:

الأوّل: قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ الآية.

وجه الاستدلال: أنّه تعالى حصر الأمر في الأمر بالعبادة حال الإخلاص، فلا يكون طبيعة العبادة مطلقة مأموراً بها، فلا يكون الآتي بها بدون الإخلاص آتياً

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: اطّراده.

(2) في نسخة «ب»: لا سقوط العقاب.

48

بالمأمور بها، فيكون باطلة.

و هذا و إن كان في حقّ أهل الكتاب ظاهراً، لكن قوله تعالى وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي المستمرة على نهج الصواب كما في مجمع البيان يدل على ثبوته في حقّنا أيضاً.

و فيه نظر؛ (2) أمّا أولًا: فلأنّ الحصر ممنوع، إذ يجوز أن لا يكون اللام بمعنى الباء، كما في قوله تعالى وَ أُمِرْنٰا لِنُسْلِمَ بل بمعناها الظاهر و هو التعليل، و حينئذٍ يجوز أن يكون أوامر أخرى أيضاً غير الأمر بالعبادة حال الإخلاص، لكن يكون الغرض منها هذه، باعتبار أن يكون لمتعلقاتها دخل في حصول هذا المعنى.

و على تقدير كونها بمعنى الباء أيضاً يمكن أن يقال: ذكر العبادة حال الإخلاص فقط كأنّه من باب الاكتفاء بالأصل و العمدة، كما اختص الصلاة و الزكاة من بين العبادات بالذكر لفضلهما و شرفهما.

و يؤيّده أنّ الظاهر أنّ الأوامر التي في الكتاب كثيراً ما يتعلق بغير العبادة، كما لا يخفى. إلّا أن يقال: إنّ جميع ما أمر عبادة، و لا يخلو عن بعد.

و أمّا ثانياً: فلأنّه على تقدير تسليم الحصر لا نسلم أنّ إخلاص الدين بمعنى القربة التي مرادهم، إذ يجوز أن يكون الدين بمعنى الملّة و الإسلام كما في القاموس و يكون إخلاصه اختياره خالصاً للّٰه، أو يكون بمعنى العبادة أيضاً، لكن

____________

(2) لم توجد هذه الكلمة في نسخة «ألف».

49

يكون إخلاصه أن لا يكون عبادة لغيره تعالى من الأوثان و غيرها، لا أن يكون لغرض سوى موافقة إرادته، و كلام القاضي محتمل للوجهين معاً.

و أيضاً: يمكن أن يكون الإخلاص ترك الرياء، كما فسّر به في الصحاح و القاموس، و حينئذٍ و إن كان نافعاً في بعض مدّعاهم، لكن لا ينفع في الجميع.

و أمّا ثالثاً: فلأنّه لا نسلم أنّ «القيّمة» بمعنى المستمرة على نهج الثواب، لِمَ لا يجوز أن يكون بمعنى الحقّة و المستقيمة؟ و لا شكّ أنّ كلّ شريعة حقّة مستقيمة، و ذلك لا ينافي طريان النسخ عليها.

و لو سلّم أنّه بذلك المعنى فلا نسلّم أنّ ذلك إشارة إلى حصر الأمر في العبادة حال الإخلاص، لم لا يجوز أن يكون إشارة إلى العبادة حال الإخلاص؟ و كون تلك العبادة ثابتة في شرعنا لا يستلزم أن لا يكون الأمر بالعبادة مطلقة أيضاً وارداً فيه.

هذا، و قد يستنبط اشتراط الإخلاص من قوله تعالى حُنَفٰاءَ، و فيه ضعف.

الثاني: الآيات الواردة بالأمر بالإخلاص المتقدمة في صدر بحث النيّة. و وجوه الإيراد عليها أيضاً ظاهر (4) ممّا ذكرنا سابقاً و آنفاً.

الثالث: أنّ الرياء حرام، للاتفاق كما هو الظاهر-، و لقوله تعالى

____________

(4) في نسخة «ألف»: ظاهرة.

50

يُرٰاؤُنَ النّٰاسَ، وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، إلى غير ذلك من الأخبار و الروايات، و النهى في العبادة مستلزم للفساد.

و فيه: أنّا لا نسلّم أنّه من قبيل النهي في العبادة، إذ يجوز أن يكون قصد مراءاة الناس حراماً، لا أن يكون العبادة بذلك القصد حراماً، و لو سلّم فلا نسلّم أنّ النهي في العبادة مستلزم للفساد، و ما ذكروه في بيانه مدخول، و ليس هيهنا موضعه.

و أنت خبير بأنّ هذا الوجه على تقدير تمامه لا يدل على تمام مدّعاهم بل على بعضه، كما سبق نظيره.

و يرد أيضاً على الوجوه الثلاثة جميعاً (3): منع في خصوص ما نحن فيه، و هو منع أنّ الوضوء عبادة، لِمَ لا يجوز أن يكون من قبيل إزالة النجاسات؟

الرابع: قوله (عليه السلام):

إنّما لامرءٍ ما نوى

، و من لم يقصد القربة بالمعنى المذكور لم يقصد الامتثال، و لا حصول الثواب، و لا سقوط العقاب، فلم يكن له شيء منها، فلا يكون عبادته صحيحة.

و فيه ما ذكر مراراً من الإجمال الحاصل فيه، و عدم ظهور المراد منه بحيث يصلح للاحتجاج، و كان المراد منه عدم حصول الأجر و الثواب بدون أن يكون القصد إلى مرضات اللّٰه تعالى، فلا يتم المطلب.

هذا ما يقال في هذا المقام، و قد عرفت عدم تماميّة شيء منها، لكنّ الشهرة العظيمة (4) بين الأصحاب، و تتبع الآيات و الروايات الواردة في هذا الباب ممّا

____________

(3) في نسخة «ألف»: معاً. و في نسخة «ج»: معاً، و عليها علامة نسخة بدل.

(4) لم ترد في نسخة «ألف».